كيف يخترق «المانوسفير» وعي الشباب؟
بين جدل قائمة المنقولات وسردية النواشز.. كيف يخترق «المانوسفير» وعي الشباب؟ فاطمة عبدالرؤوف تبدو قضية قائمة المنقولات الزوجية التي تثير كثيراً من الجدل مؤخراً نموذجاً واضحاً لحالة من الاستقطاب المجتمعي الخطير الذي يكاد يصل في بعض مراحله لخطاب كراهية تحريضي بين الجنسين، فالزواج الذي قال الله تعالى عنه: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) (الروم: 21)، تم تفريغه تماماً من هذه المعاني وانشطرت النفس الواحدة وتمزق سكنها.. لماذا؟ وكيف؟ ومن المسؤول؟ أسئلة مشروعة تبحث عن إجابات. شيطنة قائمة المنقولات ظهرت قائمة المنقولات في الأصل كحل يساعد الشباب في تأثيث منزل الزوجية مع ضمان حقوق الفتاة في حال الطلاق أو الخلافات، ومع ذلك تم تصويرها في السنوات الأخيرة كوسيلة لإرهاب الشباب أو سجنهم. على منصات التواصل الاجتماعي، تقدم القائمة كأداة لسحق الرجال وتنتشر عبارات مثل «استرجل متمضيش قايمة» التي تشكك في رجولة من يوقع عليها. قصص مؤثرة تكتب على شكل حكايات تبدأ بعائلة الفتاة وهي تحتوي شاباً خاطباً وتخبره أنهم يشترون «رجلاً»، ثم تنتهي بمؤامرة لتقييده وتدمير مستقبله وسجنه إن لزم الأمر بدفعه لكتابة «قائمة» يقولون عنها: إنها مجرد ورقة. هذه القصص سواء كانت حقيقية أو متخيلة أو مزيج منهما تستخدم لتحذير الشباب من هذه الورقة الخطيرة التي تدفع النساء للتجبر وتنتهي بالرجال في السجن بعد ضياع المدخرات وتعب السنوات. النسوية والفقر لسنا مع كتابة القائمة أو ضدها، ونرى أن تجهيز الشاب لبيته بالكامل قدر استطاعته مع مراعاة المستوى الاجتماعي اللائق ومنح المرأة مهرها هو الأصل، ولا حاجة حينها لهذه القائمة؛ وبالتالي فالإشكالية في جوهرها مفتعلة وتخفي صراعاً أعمق. لقد ساهم التيار النسوي عبر سنوات طويلة في إرباك وتخريب ديناميكيات الأسرة بمفاهيم عدم التمييز والمساواة المطلقة والتمكين، مدعوماً بحزمة من القوانين التي حولت الأسرة لساحة صراع. وإذا أضفنا لذلك الأحوال الاقتصادية المتردية بسبب السياسات الرأسمالية ومنظومتها الاستهلاكية وما نتج عنها من شباب مأزوم مادياً ونفسياً، سنجد تفسيراً لتماهي الشباب مع هذه الحملات التحريضية ضد النساء التي تجسدت في قضية قائمة المنقولات، ويقودها ما يمكن وصفه بـ«مانوسفير» عربي بتياراته المختلفة. «مانوسفير» عربي يعد «المانوسفير» (Manosphere) أو فضاء الرجال الرقمي جذراً رئيساً لخطاب الكراهية ضد النساء، بدأ هذا التيار في الغرب عام 2010م، وانتشر في العالم العربي منذ عام 2021م بطريقة سريعة مذهلة، ومن أشهر تياراته «Red pil»، وله نسختان عربيتان: إحداهما مترجمة حرفياً وتحمل اسم «ريد بيل» أو «حبة وعي» أو «الحبة الحمراء»؛ وهي تدعو بشكل صريح لاحتقار المرأة والتعامل معها بعنف واستغلالها قبل أن تستغل هي الرجل. هذا التيار يدعو للفاحشة بشكل علني، حيث ينشر أحدهم صورة رمزية مشوهة لأجزاء خاصة من جسد المرأة بشكل مقزز متسائلاً بسخرية: من أجل هذا تدفع الآلاف؟ أو من أجل هذا تكتب القائمة؟ أما النسخة الأخرى فمعدلة بنصوص دينية مجتزأة لخدمة أفكار «المانوسفير» المتطرفة. صفحات مثل «ذكورية» و«المجتمع السري للرجال» و«مفيش راجل هيتغفل» و«لا لظلم الرجل» تنشر أفكاراً خطيرة منها الهجوم على تعليم الفتيات، فتجد أحدهم نشر صورة لطالبة صغيرة تمشي مع شاب ويكتب تحتها تعليقاً يحرض الآباء على منع بناتهم من التعليم: «بنتك اللي متربية أحسن تربية وواثق فيها بتغفلك يا حاج»! المعتدلون منهم يسمحون بالتعليم حتى ما قبل الجامعة، والآخرون يشعلون هجوماً على الجامعيات، وأحياناً نجد حملة على قطاع معين من الفتيات كالطبيبات. التشكيك في الأغلبية الساحقة من النساء وعفتهن جزء ثابت من خطاب هذا التيار الذي يرى أن معظم الفتيات لا يصلحن للزواج. هذا القطاع يهاجم عمل المرأة حتى لو كان بلا اختلاط بالرجال؛ لأنه لا ينبغي، حسب رأيهم، أن تملك المرأة دخلاً مستقلاً حتى لا تتحول لناشز. حكايات النواشز لا يمكن الحديث عن أزمة كتابة قائمة المنقولات دون ربطها بمفهوم النواشز، فوفق السردية الشائعة على منصات «المانوسفير»، هناك مؤامرة لاستدراج الشاب للتوقيع على قائمة المنقولات حيث ينتهي الأمر به وقد فقد البيت والأثاث والمال والأطفال يعيش على هامش الحياة أو ملقى به على أرضية السجن العفنة، والسبب أنه تزوج امرأة مخادعة لم تتلق تربية صالحة وتركت للخروج للتعليم ففسد عقلها وأخلاقها. بعض الرجال الذين مروا بتجارب مؤلمة وجدوا في هذا التيار وسيلة لتفريغ غضبهم، فجعلوا من القائمة رأس حربة ومن النواشز أداة لتصفية الحسابات. الناشز في خطابهم لا علاقة لها بالمصطلح القرآني، بل هي وصف لكل امرأة تخالف رأيهم أو تملك رأياً خاصاً. كل امرأة تلجأ للقضاء ناشز، حتى لو كانت تطلب نفقة لها ولأطفالها فهي ناشز، وإذا طلبت الطلاق فهي «ناشز محكمة»! وتمثل قمة هرم النشوز حتى لو كان زوجها يضربها فهذا أمر مباح في خطابهم (يتم ابتسار النصوص الشرعية للترويج للعنف والضرب مع ملاحظة التأثر بتيار «Black Bill» أحد تيارات «المانوسفير» الأشد تطرفاً وإحباطاً الذي يدعو لممارسة العنف ضد النساء)، ويتم الترويج لرفض الزواج من نواشز المحكمة هؤلاء مهما كان سبب الطلاق. المشكلة الحقيقية أن آلاف الشباب الذين لم يخوضوا مثل هذه التجارب المريرة يتفاعلون مع هذا المحتوى؛ بسبب أن خوارزميات منصات التواصل تقوم بتصدير هذا المحتوى المليء بـ«الميلو دراما»، وبمجرد تفاعل الشاب البسيط مع أحد هذه المنشورات حتى تجعله هذه الخوارزميات يعيش حرفياً في فقاعة من هذه الأفكار. حروب نفسية الأمر نفسه يحدث في أوساط الفتيات، تجارب مريرة وأفكار نسوية تحاصرهن في فقاعة أخرى حيث شاع مصطلح «الرجل النطع» كمعادل لـ«المرأة الناشز»! استخدم الطرفان المصطلحات النفسية بشكل سطحي في هذا الصراع أو هذه الحرب، فهناك صفحات كثيفة تحذر من الرجل النرجسي والرجل السيكوباتي، وشاعت جملة زوجي نرجسي ماذا أفعل؟ وعلى مجموعات مشكلات الخطبة والزواج تحذيرات مرعبة وقصص سوداوية تجعل الفتيات في حالة حذر شديدة وانتشرت حملات مثل «مش عايزة أتجوز». وفي الخطاب الذكوري تستخدم المرأة النرجسية بالطريقة نفسها؛ إذ تصور أنها تتسلل لعقل الرجل بنعومة وتسيطر عليه باحترافية وتمارس عليه ألاعيبها النرجسية. يمكننا القول إذن: إن حالة الصراع والاستقطاب الحاد تكاد تتحول لخطاب كراهية عميق ينذر بكارثة إنسانية حقيقية عندما يتم استبدال مشاعر العداء والكراهية بالمودة والرحمة، عندها تصل الفرقة النفسية للبيوت، وهذا أحد أهم الأهداف الشيطانية، فإذا كانت الأسرة محطمة على هذا النحو النكد فكيف تقوم للمجتمع قائمة؟! إشكالات مفتعلة يتم التعامل معها كقضايا مصيرية مقدسة ربما لأن الواقع المأزوم يجعلنا غير قادرين على خوض قضية حقيقية، ولأن الإنسان لا يمكن أن يعيش في فراغ احتلت هذه القضايا البيزنطية العقل والقلب معاً. |
| الساعة الآن : 02:52 AM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour