ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى القصة والعبرة (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=32)
-   -   أيوب عليه السلام.. بين أوجاع الجسد وطمأنينة الروح (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=328991)

ابوالوليد المسلم 30-06-2026 02:54 PM

أيوب عليه السلام.. بين أوجاع الجسد وطمأنينة الروح
 
أيوب عليه السلام... بين أوجاع الجسد وطمأنينة الروح

د. صلاح عبدالشكور

تصور نبيًّا من أنبياء الله، يبتليه الله بالأمراض المزمنة والأوجاع المؤلمة نحوًا من ثمانية عشر عامًا ذاق فيها صنوف المآسي، وتقلب فيها بين ألوان البلايا، أتساءل: لماذا حكى الله لنا في كتابه العظيم قصة هذا النبي الصابر الأواب من بين آلاف الأنبياء الذين بعثهم؟ وروى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره بشيء من التفصيل؟ لقد أراد الله أن يجعل من هذا النبي أنموذجًا صالحًا لعباده، وقدوةً مباركةً لأوليائه، ممن ابتلاهم ببلائه، ليصبروا ويتأسوا به في حال شدته ورخائه، فتعالَ أحدثك عنه حديثًا ملؤه الصبر والرضا، إنه نبي الله أيوب عليه السلام.

مع إمام الصابرين:
قال علماء التفسير والتاريخ وغيرهم: إن أيوب كان رجلًا كثير المال من سائر صنوفه وأنواعه؛ من الأنعام والعبيد والمواشي، والأراضي المتسعة، وكان له أولاد وأهلون كثير، فسُلب منه ذلك جميعه، وابتُلي في جسده بأنواع البلاء ولم يبقَ منه عضو سليم سوى قلبه ولسانه، يذكر الله عز وجل بهما، وهو في ذلك كله صابر محتسب، ذاكر لله عز وجل في ليله ونهاره وصباحه ومسائه، وطال مرضه حتى عافه الجليس، وأوحش منه الأنيس، وانقطع عنه الناس، ولم يبقَ أحد يحنو عليه سوى زوجته، كانت ترعى له حقه، وتعرف قديم إحسانه إليها وشفقته عليها، فكانت تتردد إليه فتصلح من شأنه، وتعينه على قضاء حاجته، وتقوم بمصلحته، وضعف حالها وقل مالها حتى كانت تخدم الناس بالأجر؛ لتطعمه وتقوم بأوده، رضي الله عنها وأرضاها، وهي صابرة معه على ما حل بهما من فراق المال والولد، وما يختص بها من المصيبة بالزوج، وضيق ذات اليد وخدمة الناس، بعد السعادة والنعمة والخدمة والحرمة.

لم يكن بلاء أيوب في مرض جسده فحسب؛ وإن كان هذا هو البلاء الأكبر؛ وإنما رافق مرضه العضال أنواع أخرى من البلايا، منها أنه فقد ماله وأهله وأصبح فقيرًا معدمًا بعد أن كان غنيًّا ميسورًا، ومن البلايا التي رافقت مرضه أن الناس أساؤوا به الظنون ورموه بالتهم زورًا وبهتانًا، وأنه أذنب في حق الله ذنبًا عظيمًا لذلك ابتُلي كل هذه السنين بهذا البلاء، ومن البلايا التي ابتُلي بها أن الناس فارقوه، إلا زوجته وبعض أصحابه الخواص، وفي ذلك من الأذى النفسي والاجتماعي ما لا يخفى، ولك أن تتصور كيف عاش هذا النبي الكريم صابرًا محتسبًا لله كل هذه السنوات القاسية.

عن أنس بن مالك رضي الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أيوب نبي الله صلى الله عليه وسلم لبث في بلائه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلين من إخوانه كانا من أخص إخوانه، كانا يغدوان إليه ويروحان فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبًا ما أذنبه أحد من العالمين، قال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به، فلما راح إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب: لا أدري ما تقول غير أن الله يعلم أني كنت أمرُّ على الرجلين يتنازعان فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يُذكر الله إلا في حق، قال: وكان يخرج إلى حاجته - أي: لقضاء حاجة الإنسان من البول أو الغائط - فإذا قضى حاجته أمسكت امرأته بيده فلما كان ذات يوم أبطأ عليها - أي: تأخر في الخروج من مكان قضاء الحاجة - فأوحى الله إلى أيوب في مكانه: ﴿ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ﴾ [ص: 42]، فاستبطأته فبلغته - أي: لما تأخر ذهبت لمكانه - فأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء فهو أحسن ما كان فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك، هل رأيت نبي الله هذا المبتلى، والله على ذلك ما رأيت أحدًا كان أشبه به منك إذ كان صحيحًا؟ قال: فإني أنا هو، وكان له أندران - أي: مخزنان ومكانان لجمع الثمار - أندر القمح وأندر الشعير فبعث الله سحابتين فلما كانت إحداهما على أندر القمح، أفرغت فيه الذهب حتى فاضت، وأفرغت الأخرى على أندر الشعير الورق حتى فاضت))؛ [أخرجه ابن حبان في صحيحه، وصححه الألباني وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده على شرط مسلم].

وهكذا استجاب الله دعوته وكشف كربته ورفع بلاءه؛ كما قال الله تعالى: ﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ﴾ [الأنبياء: 83، 84].

وذكرى للعابدين:
تأمل قوله: ﴿ وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ﴾ [الأنبياء: 84]؛ قال ابن كثير رحمه الله: "أي تذكرة لمن ابتُلي في جسده أو ماله أو ولده، فله أسوة بنبي الله أيوب، حيث ابتلاه الله بما هو أعظم من ذلك فصبر واحتسب حتى فرج الله عنه".

وفي سورة ص قال الحق سبحانه: ﴿ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ [ص: 41 - 44].

تأمل قوله تعالى: ﴿ وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [ص: 43]؛ قال السعدي رحمه الله: "أي: وليتذكر أولو العقول بحالة أيوب ويعتبروا فيعلموا أن من صبر على الضر، فإن الله يثيبه ثوابًا عاجلًا وآجلًا ويستجيب دعاءه إذا دعاه".

في قصة هذا النبي الكريم ذكرى وفوائد ودروس كثيرة، لعلي أهديك بعضها:
أولًا: أن أقدار الله نافذة على جميع خلقه بما فيهم أشرف الخلق ومن اصطفاهم الله بالنبوة والرسالة أنبياؤه ورسله، بل هم أشد الناس بلاءً كما قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، فهذه سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلًا، فاصبر وصابر.

ثانيًا: وقوع البلاء على المسلم لا يعني بحال أن الله أراد أن يعذبه ويهلكه ويستأصله، فالله سبحانه لم يرد تعذيب أنبيائه ورسله حين ابتلاهم بأشد البلايا، فالله أرحم الراحمين أراد أن يرفع درجة أنبيائه وبعض خلقه بابتلائهم بأنواع البلايا، فتوقف عن جلد ذاتك وتأنيب ضميرك، فها هم أنبياء الله ورسله قد نالهم ما ترى.

ثالثًا: تأمل منهج الأنبياء والرسل في التعامل مع البلايا والمصائب؛ وهو التوجه لله بالدعاء مع أخذ الأسباب؛ حيث قال أيوب عليه السلام: ﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [الأنبياء: 83]، وقال أيضًا: ﴿ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴾ [ص: 41]، وأخذ بالسبب الذي أمره الله وهو: ﴿ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ﴾ [ص: 42] فاستجاب الله له وحصل له الشفاء، وفي نداءات أيوب عليه السلام درس بليغ في التأدب مع الله وقصده وحدَه بالشكوى.

رابعًا: عظم قدرة الله تعالى في تبديل الأحوال وتغيير الأوضاع، وتفريج الكروب وشفاء الأمراض، فحين أراد الله شفاء نبيه أيوب عليه السلام بعد مرض استمر معه ثمانية عشر عامًا، شفاه بماء ينبع من الأرض شرب منها واغتسل فشفاه الله، وحين أراد الله أن يعوضه ويكرمه، أعاد له أهله وماله ومثلهم معهم رحمة منه سبحانه، فتفاءل وأحسِن الظن بربك؛ فهو كريم رحيم ذو الفضل العظيم.



الساعة الآن : 04:32 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 10.49 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 10.40 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (0.89%)]