ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=81)
-   -   عاشوراء.. حين ينتصر اليقين على الطغيان (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=328578)

ابوالوليد المسلم 18-06-2026 03:54 PM

عاشوراء.. حين ينتصر اليقين على الطغيان
 
عاشوراء.. حين ينتصر اليقين على الطغيان

مالك مسعد الفرح
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي يُجري الأقدار بحكمته، ويصرف الأمور بعلمه، ويجعل في قصص الأوَّلين عبرة للآخرين، أحمده سبحانه على نعمة الإسلام والإيمان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل العاقبة للمتقين، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، أرسله الله رحمةً للعالمين، فبلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغُمَّة، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى صحبه ومن سار على هديه إلى يوم الدين، أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن الأيام ليست صفحات من الزمن تمضي وتنقضي، ولكنها آيات من آيات الله، يكشف فيها عن سُنَنه، ويعرض فيها مشاهد من قدرته، ويوقظ بها القلوب الغافلة.

ونحن نستقبل شهر الله المحرَّم، أول شهور العام الهجري، نقف أمام شهر عظيم مبارك، سمَّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شهر الله المحرَّم»، وأضافه إلى الله تشريفًا وتعظيمًا.

وهو أحد الأشهر الحرم التي قال الله فيها: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾ [التوبة: 36].

﴿ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾ إنه نداء يوقظ الضمير؛ لأن الظلم يبدأ من النفس قبل أن يقع على الناس، ويبدأ بمعصية صغيرة ثم يكبر حتى يصير طغيانًا يفسد القلوب والأمم.

وفي هذا الشهر يوم من أيام الله الخالدة، يوم عاشوراء. تذكير للأمة بمشهد من مشاهد الصراع الدائم بين الحق والباطل، بين الإيمان والطغيان، بين المستضعفين الذين يلوذون بالله، والمتجبرين الذين يخيل إليهم أن الأرض ملك أيديهم.

هناك يقف فرعون بقوَّته وجبروته وجنوده، وهنا يقف موسى عليه السلام ومعه قوم مستضعفون لا يملكون عدةً ولا عتادًا.

ثم تأتي اللحظة الفاصلة: البحر أمامهم، والعدوُّ خلفهم. والأسباب كلها في نظر البشر قد انقطعت ﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ [الشعراء: 61]، فتخرج من قلب النبوَّة كلمة تهزم اليأس وتغرس اليقين: ﴿ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ [الشعراء: 62].

إنها كلمة اليقين حين تتزلزل القلوب، وكلمة الإيمان حين تنقطع الأسباب، وكلمة الثقة بالله حين لا يرى الناس إلا الهلاك.

ثم يتحرك قدر الله، فينفلق البحر، وينجو أهل الإيمان، ويغرق أهل الطغيان، وتبقى السُّنَّة الإلهية تتردَّد في آفاق التاريخ: ﴿ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴾ [القصص: 40].

أيها المسلمون، إن عاشوراء يعلمنا أن الباطل قد ينتفخ حتى يظنه الناس لا يقهر، وقد يعلو حتى يظنه الناس لا يزول، ولكن الله يتركه حتى يبلغ مداه، ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر، قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ﴾ [إبراهيم: 42]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ليملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته"؛ البخاري.

عباد الله، إن من أصول هذا الدين العظيم محاربة الظلم بجميع صوره وأشكاله؛ لأن الظلم عدوان على حق الله، وعدوان على حق العباد، وسبب لخراب الأمم وزوال النعم وحلول النقم. وإن الظلم يبدأ بمعصية صغيرة، ثم يتسع حتى يفسد القلوب والمجتمعات، وما هلكت الأمم إلا حين استمرأت الظلم ورضيت به وسكتت عنه.

وإن المتأمل في أحوال الناس اليوم يرى صورًا متعددة من الظلم؛ ظلمًا في البيوت، وظلمًا في المعاملات، وظلمًا في الوظائف والمسؤوليات، وظلمًا في الأموال والحقوق، حتى أصبح كثير من الناس يستهين بالمظالم وهو لا يدري أنه يحمل على ظهره أثقالًا من الحقوق سيقف بها بين يدي الله يوم لا ينفع مال ولا بنون.

عباد الله، إن من أعظم ما يردع عن الظلم ويكسر سطوته في النفوس تذكر عاقبته الوخيمة في الدنيا قبل الآخرة، فإن الله يمهل ولا يهمل، وقد جعل في مصارع الظالمين عبرة للمعتبرين، وآية للمتفكرين.

فكم من جبار ملأ الدنيا صخبًا وسلطانًا، ثم أصبح خبرًا بعد عين!

وكم من مُتكبِّر ظن أن أحدًا لا يقدر عليه، فإذا به رهين عمله، أسير ظلمه، قد أحاطت به دعوات المظلومين من حيث لا يشعر!

إن دعوة المظلوم سهام نافذة لا تخطئ طريقها، وإن طال بها الزمن، فإنها تصعد إلى السماء وليس بينها وبين الله حجاب؛ ولذلك أوصى النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رضي الله عنه لما بعثه إلى اليمن فقال: "واتَّقِ دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب"؛ البخاري.

وقد قيل ليحيى البرمكي وهو في سجنه بعد عزٍّ وسلطان: يا أبت، بعد الأمر والنهي والنعمة صرنا إلى هذا الحال؟ فقال: يا بني، دعوة مظلوم سرت بليل ونحن عنها غافلون، ولم يغفل الله عنها. ثم قال:
رُبَّ قومٍ قد غدوا في نعمةٍ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
زمنًا والدهرُ ريّانُ غدَقْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
سكتَ الدهرُ زمانًا عنهمُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ثُمَّ أبكاهمُ دمًا حين نطَقْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


فيا من ظلمت زوجة أو ولدًا، أو قهرت ضعيفًا، أو أكلت حقًّا، أو منعت أجيرًا أجره، أو استعملت جاهك في غير حق، اتَّقِ الله قبل أن ترفع الشكوى إلى ملك الملوك.

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
فالظلم يرجع عقباه إلى الندم https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
تنام عينك والمظلوم منتبه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
يدعو عليك وعين الله لم تنم https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


فطوبى لمن لقي الله وليس لأحد عنده مظلمة، وويل لمن جاء يوم القيامة وقد أثقلته حقوق العباد، فإن المفلس يومئذٍ من يأتي بحسنات أمثال الجبال، ثم تؤخذ منه للمظلومين حتى لا يبقى له شيء.

أيها المؤمنون، ومن أعظم ما يكشفه عاشوراء أن النصر لا يولد من القوة وحدها، وإنما يولد من الصبر والثبات واليقين وكمال التقوى؛ لذلك قال موسى لقومه: ﴿ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الأعراف: 128].

إنها كلمات قليلة، لكنها تبني أمة، وتصنع رجالًا، وتربط الأرض بالسماء، والضعف بالقوة، والابتلاء بالنصر.

ومن هنا فإن عاشوراء ليس يوم حزن ويأس، بل يوم أمل وبناء، وثقة بالله ودعاء، يوم يعلن أن الفرج قد يخرج من قلب الشدة، وأن المنحة قد تولد من رحم المحنة، وأن الله إذا وعد فلا يخلف وعده، قال سبحانه: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ﴾ [المجادلة: 21]، وقال جل شأنه: ﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا ﴾ [يوسف: 110].

أيها المؤمنون، إن النصر لا ينال بالأماني، وإنما بالإيمان والصبر والاستعانة بالله والثبات على الحق.

وما أحوج الأمة اليوم إلى أن تستحضر هذا المعنى العظيم؛ معنى الثقة بالله، وحسن الظن بوعده، وعدم الاستسلام لليأس مهما اشتدت المحن وتعاظمت الفتن.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، أما بعد:
فإن عاشوراء يوم شكر قبل أن يكون يوم صيام. يوم تتذكَّر فيه البشرية المؤمنة نعمة النجاة من الطغيان.

لما قدِمَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المَدينةَ فرَأى اليَهودَ تَصومُ يَومَ عاشوراءَ، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يَومٌ صالِحٌ؛ هذا يَومٌ نَجَّى اللهُ بَني إسرائيلَ مِن عَدوِّهِم، فصامَه موسى. قال: فأنا أحَقُّ بموسى مِنكُم، فصامَه وأمَرَ بصيامِه؛ البخاري.

وفي هذا الإعلان النبوي العظيم تتجلَّى وحدة رسالة السماء، ووحدة دعوة الأنبياء.

فالمؤمنون هم الامتداد الحقيقي لموكب الإيمان الطويل، من نوح إلى إبراهيم إلى موسى إلى عيسى إلى محمد عليهم الصلاة والسلام أجمعين؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "أنا أولى الناسِ بعيسى ابنِ مَريَمَ في الدُّنيا والآخِرةِ، والأنبياءُ إخوة لعَلَّاتٍ؛ أُمَّهاتُهم شَتَّى، ودينُهم واحِد"؛ البخاري.

عباد الله، لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرَّى صيام عاشوراء، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم؛ يوم عاشوراء"؛ البخاري.

وقال صلى الله عليه وسلم: "صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يُكَفِّر السنة التي قبله"؛ صحيح الترمذي.

وقال صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم"؛ مسلم.

وكان من هَدْيه صلى الله عليه وسلم أن يخالف اليهود، فقال: "لئن بقيت إلى قابل لأصومَنَّ التاسع"؛ مسلم.

فالسُّنَّة أن يصوم المسلم التاسع والعاشر، أو العاشر والحادي عشر، أو الثلاثة جميعًا.

عباد الله، ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

اللهم اجعلنا من عبادك المتقين، اللهم ارزقنا صيام عاشوراء على الوجه الذي يرضيك، اللهم كما نجَّيت موسى وقومه فنجِّ المستضعفين من المسلمين في كل مكان، وانصر دينك وكتابك وسُنَّة نبيِّك وعبادك المؤمنين.

اللهم جنِّبنا الظلم والبدع والفتن، ما ظهر منها وما بطن.

اللهم أصلح أحوال المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق والهدى يا أرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين.






الساعة الآن : 11:57 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 15.09 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 14.99 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (0.62%)]