الأنبياء بين خصوصية المهمة وعلو الهمة
الأنبياء بين خصوصية المهمة وعلو الهمة د. عبدالرزاق السيد الحمد لله الذي اصطفى من عباده الانبياء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له بعثَ لكل أمةٍ هاديًا مُطاعًا، ونورًا جالِيًا لكل عتَمَةٍ وشُعاعًا، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسولُه، وصفِيُّه وخليلُه، أرسلَه ربُّه شاهِدًا ومُبشِّرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنِه وسِراجًا مُنيرًا، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وصحبِه أجمعين. أهمية الحديث عن خصوصية الأنبياء: أيها المسلمون: حين يتحدث الناس عن العظماء فإنهم يذكرون الملوك والقادة، أما الإسلام فيوجه الأنظار إلى أعظم الخلق قدرًا وأرفعهم منزلة؛ إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، الذين اصطفاهم الله لحمل رسالته وهداية عباده. إن الأنبياء لم يُبعثوا لإصلاح جانب من جوانب الحياة فحسب، بل بُعثوا لإنقاذ البشرية من الكفر والضلالة، وربط القلوب بربها، وتعريف الناس بحقيقة الدنيا والآخرة. فبهم عُرف التوحيد، وبهم أُقيمت الحجة، وبهم أخرج الله الأمم من الظلمات إلى النور. لقد تميز الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بخصال عظيمة جعلتهم خير القدوات للبشر؛ فكانوا أكمل الناس إيمانًا، وأعظمهم صدقًا، وأشدهم صبرًا، وأقواهم يقينًا بالله تعالى. حملوا أعباء الدعوة، وتحملوا في سبيلها الأذى والتكذيب، فلم تضعف لهم عزيمة، ولم تفتر لهم همة، بل مضوا ثابتين على الحق، يدعون إلى الله ليلًا ونهارًا، ابتغاء مرضاته ورحمةً بعباده. ولهذا كان التأمل في سيرهم من أعظم ما يحيي الإيمان ويثبت القلوب؛ لأن الحديث عن الأنبياء حديث عن القدوة والهداية والثبات على الحق. حديث القرآن والسنة عن خصوصية الأنبياء: أيها المسلمون، لقد امتلأت نصوص القرآن والسنة بذكر الأنبياء والثناء عليهم، وبيان فضلهم وشرف منزلتهم؛ إذ هم أمناء الوحي، وخيرة الخلق، وأئمة الهدى الذين جعلهم الله قدوةً لعباده ومناراتٍ للسائرين إلى سبيله، قال الله تعالى: ﴿ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ [الحج: 75]، وقال الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 33]، وقال الله سبحانه: ﴿ للَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ۗ ﴾ [الأنعام: 124] وقال الله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ ﴾[ص: 47]، ومع هذا الاصطفاء العظيم كانوا بشرًا من البشر، قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ۗ ﴾[الفرقان: 20] وقال الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ ﴾[الكهف: 110] وقالت الرسل لأقوامها: ﴿ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ﴾ [إبراهيم: 11] غير أن الله شرّفهم بالوحي، ورفعهم بالنبوة ولرسالة، وجعلهم قدوةً للخلق، فقال سبحانه ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ ﴾[الأنعام: 90]. وفي السنة النبوية حديث ابي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنَّ مَثَلي ومَثَلَ الأنبياءِ مِن قَبلي كمَثَلِ رَجُلٍ بَنى بَيتًا فأحسَنَه وأجمَلَه إلَّا مَوضِعَ لَبِنةٍ مِن زاويةٍ، فجَعَلَ النَّاسُ يَطوفونَ به، ويَعجَبونَ له، ويقولونَ: هَلَّا وُضِعَت هذه اللَّبِنةُ! قال: فأنا اللَّبِنةُ، وأنا خاتِمُ النَّبيِّينَ) رواه البخاري. وعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ)؛ رواه مسلم. فما تكرر ذكر الأنبياء في القرآن والسنة إلا لعظيم شأنهم، وما أُمرنا بالاقتداء بهم إلا لأنهم أكمل الناس إيمانًا، وأصدقهم يقينًا، وأعظمهم عبوديةً لله رب العالمين. خصوصية الأنبياء ومقام الإجلال: أيها المسلمون: وإذا كان القرآن الكريم والسنة النبوية قد أكثرَا من ذكر الأنبياء والثناء عليهم، فإن ذلك يكشف عن خصوصيةٍ عظيمة اختصهم الله بها، ومقامٍ رفيع رفعهم إليه فوق سائر البشر. إن خصوصية الأنبياء ليست في نسبٍ ولا مالٍ ولا سلطان، وإنما في أن الله اختارهم لحمل وحيه، وشرّفهم برسالته، وجعلهم هداةً لعباده، قال الله تعالى: ﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ۗ ﴾ [الأنعام: 124]. لقد اصطفاهم الله من بين الخلق، واختارهم لتبليغ شرعه، وهداية عباده، والدلالة عليه، فكانوا أمناء الوحي، وحملة الرسالة، ومصابيح الهداية للبشرية جمعاء قال الله تعالى ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 33]. ومع هذه المنزلة العظيمة، فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بشرٌ من البشر، لم تخرجهم النبوة عن طبيعتهم الإنسانية، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ﴾ [الفرقان: 20]، وقال الله سبحانه على لسان خاتمهم صلى الله عليه وسلم: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ ﴾ [الكهف: 110] غير أن الله شرّفهم بالوحي، وزكّاهم بالإيمان، وأكمل لهم محاسن الأخلاق، وجعلهم قدوةً لعباده، ليعلم الناس أن بلوغ مراتب الكمال الإنساني إنما يكون بطاعة الله والاستقامة على أمره. ولهذه الخصوصية العظيمة كان للأنبياء مقامُ إجلالٍ وتوقيرٍ وتعظيم؛ فإذا كان الملوك يُجلّون لملكهم، والعلماء يُوقّرون لعلمهم، فإن الأنبياء يُعظَّمون لأن الله اصطفاهم من بين خلقه، وجعلهم أمناء على وحيه ورسالاته. قال اللهُ سُبحانَه وتعالى: ﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: 69]. ولهذا أمر الله بالإيمان بهم جميعًا، فقال الله سبحانه: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِن رُّسُلِهِ ﴾ [البقرة: 285]، وأمر بالاقتداء بهم والسير على نهجهم، فقال جل شأنه: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ ]الأنعام: 90]. أيها المسلمون: وإذا كان الله سبحانه قد رفع مقام أنبيائه هذا الرفع العظيم، فإن من المؤسف أن يظهر في بعض الأزمنة من يجهل قدرهم، أو يتجرأ على مقامهم، أو يتناول سيرتهم بالسخرية والاستهزاء والانتقاص.ولقد بيّن القرآن أن الاستهزاء بالرسل لم يكن يومًا طريق أهل الإيمان، وإنما كان سمةً ملازمةً للمكذبين عبر التاريخ، قال الله تعالى: ﴿ يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ۚ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ [يس: 30] وما ضر الأنبياء استهزاء المستهزئين، ولا انتقاص المنتقصين، فقد رفع الله ذكرهم، وأعلى شأنهم، وأبقى ثناءهم في العالمين، ولكن الخطر كل الخطر على من امتلأ قلبه جرأةً على مقام النبوة، وجهلًا بقدر من اصطفاهم الله لحمل رسالته. فواجب المؤمن أن يمتلئ قلبه إجلالًا لأنبياء الله ورسله، وأن يحفظ لسانه من كل ما لا يليق بمقامهم، وأن يذب عنهم وعن سيرتهم، وأن يربي أبناءه على محبتهم وتعظيمهم والاقتداء بهم. الأنبياء: مهمة عظيمة وهمة عالية: أيها المسلمون، إذا كانت خصوصية الأنبياء قد رفعت مقامهم، فإن أعظم ما يكشف سر هذه المنزلة الرفيعة عظمةُ المهمة التي حملوها، والأمانةُ التي اضطلعوا بها، فما بعثهم الله لطلب جاهٍ أو سلطان، وإنما بعثهم لهداية الخلق وإخراجهم من الظلمات إلى النور، قال تعالى: ﴿ الر ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾[ سورة إبراهيم: 1] ولذلك كانت رسالتهم واحدة في أصلها، وهي دعوة الناس إلى عبادة الله وحده، قال الله سبحانه ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ ﴾[ النحل: 36] وقال جل وعلا: ﴿ رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾[ سورة النساء: 165]. أيها الأحبة: ولعظم المهمة عظمت الهمة، فحمل لواء النبوة رجالٌ اصطفاهم الله، وملأ قلوبهم يقينًا وصبرًا وثباتًا. فهذا نوح عليه السلام يدعو قومه قرونًا طويلة لا يمل ولا ييأس، حتى قال: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا ﴾ [نوح: 5 - 9] وهذا إبراهيم عليه السلام يجهر بالحق حتى حكموا عليه بالإحراق، فقال تعالى: ﴿ قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ ﴾ [سورة الأنبياء: 68] ونبي الله موسى وهارون عليهما السلام قال الله لهما ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ [طه:44] فوقفا أمام فرعون وجنده فقالا: ﴿ إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى * إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ العَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴾ [طه:46-48]. ثم يأتي خاتم الأنبياء محمد عليه وسلم، فيواجه الأذى والتكذيب والحصار، حتى قال الله تعالى عن كفار قريش انهم قالو له: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا ﴾ [ الفرقان4 [ وقال الله له: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ﴾ النحل[103] ويمضي ثابتًا على أمر ربه، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [الحجر: 94] لأن النبوة تكليفًا عظيمًا، وابتلاءً شاقًا، وصبرًا طويلًا، ولذلك قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾ [الأحقاف: 35]. فجمع الله للأنبياء بين شرف الاصطفاء وعظيم الابتلاء، وبين خصوصية المهمة وعلو الهمة، فكما لم تعرف البشرية رسالةً أعظم من رسالتهم، لم تعرف رجالًا أعظم صبرًا، ولا أصدق يقينًا، ولا أعلى همةً منهم عليهم الصلاة والسلام، ولذلك قال سبحانه: ﴿ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [الأنعام: 86]. واجب المسلم تجاه الأنبياء: ايها المسلمون: إذا عرف المسلم منزلة الأنبياء عند ربهم، وعرف عظمة رسالتهم، وما بذلوه من صبرٍ وتضحية في سبيل هداية الخلق، فإن لذلك حقوقًا وواجباتٍ ينبغي أن يقوم بها تجاه أنبياء الله ورسله. فأول تلك الواجبات: الإيمان بهم جميعًا، من غير تفريقٍ بين أحدٍ منهم، فهم جميعًا رسل الله الذين اصطفاهم لهداية عباده، قال تعالى: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ [البقرة: 285]. وثانيها: محبتهم وتعظيمهم وتوقيرهم، فإن محبتهم من محبة الله تعالى، وتعظيمهم من تعظيم دينه، وقد أثنى الله عليهم في كتابه، ووصفهم بالمصطفين الأخيار، قال الله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ ﴾ [ص: 47]. وثالثها: الاقتداء بهم والسير على نهجهم، فإن الأنبياء لم يُذكروا في القرآن لمجرد معرفة أخبارهم، وإنما ليكونوا قدوةً للمؤمنين، فقال جل شأنه: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ [الأنعام: 90]. ورابعها: الدفاع عنهم وعن مقامهم، والذب عن سيرتهم إذا تعرضت للطعن أو التشويه أو السخرية، فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم حملة الوحي وأمناء الرسالة، والطعن فيهم طعنٌ في الرسالة التي جاؤوا بها وأذية لله وسوله فكان جزاؤهم ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا ﴾ [الأحزاب: 57]. وخامسها: دراسة سيرهم وتدبر قصصهم، فإن الله ما قص أخبارهم إلا للعبرة والاتعاظ، قال سبحانه: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [يوسف: 111]. أيها الأحبة: لقد جمع الله لأنبيائه بين شرف الاصطفاء، وعظيم الابتلاء، وخصوصية المهمة، وعلو الهمة، فكانوا أئمة الهدى، وقدوات الورى، وحجج الله على خلقه إلى قيام الساعة. اللهم ارزقنا حب أنبيائك ورسلك، والاقتداء بهديهم، والثبات على طريقهم، واحشرنا في زمرتهم، واجعلنا من أهل طاعتك ورضوانك يا رب العالمين. |
| الساعة الآن : 10:27 PM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour