تقديم المفضول على الفاضل لداعي المصلحة
تقديم المفضول على الفاضل لداعي المصلحة د. عبدالله بن يوسف الأحمد ذكر أهل الأخبار أنه لما قُتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه بايع أهلُ الكوفة الحسنَ بن عليٍّ رضي الله عنه، وبايع أهل الشام معاوية، فسار معاوية رضي الله عنه بأهل الشام يريد الكوفة، وسار الحسن بأهل العراقين، فالتقيا بمنزل من أرض الكوفة، فنظر الحسن إلى كثرة من معه من أهل العراق، فنادى: يا معاوية، إني قد اخترت ما عند الله؛ فإن يكن هذا الأمر لك فما ينبغي لي أن أنازعك عليه، وإن يكن لي فقد جعلته لك. فكبَّر أصحاب معاوية، وقال المغيرة بن شعبة عند ذلك: أشهد أني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول للحسن: ((إن ابني هذا سيد سيصلح الله به بين فئتين من المسلمين))؛ [رواه البخاري 3734 من حديث أبي بكرة بلفظ مقارب]، فجزاك الله عن المسلمين خيرًا. وقال الحسن: اتق الله يا معاوية على أمة محمد! لا تُفنِهم بالسيف على طلب الدنيا وغرور فانية زائلة. فسلم الحسن الأمر إلى معاوية، وصالحه وبايعه على السمع والطاعة على إقامة كتاب الله وسُنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم دخلا الكوفة فأخذ معاوية البيعة لنفسه على أهل العراقين، فكانت تلك السَّنَة سَنة الجماعة؛ لاجتماع الناس واتفاقهم وانقطاع الحرب، وبايعَ معاويةَ كلُّ من كان معتزلًا عنه، وبايعه سعد بن أبي وقاص وعبدالله بن عمر ومحمد بن مسلمة رضي الله عنهم، وتباشر الناس بذلك، وأجاز معاوية الحسن بن علي بثلاثمائة ألف وألف ثوب وثلاثين عبدًا ومائة جمل، وانصرف الحسن بن علي إلى المدينة وولَّى معاويةُ الكوفةَ المغيرةَ بن شعبة، وولَّى البصرة عبدالله بن عامر، وانصرف إلى دمشق واتخذها دار مملكته. وفي هذا روى البخاري (2721) عن الحسن البصري، قال: استقبل - والله - الحسنُ بن علي معاويةَ بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها. فقال له معاوية - وكان والله خير الرجلين -: أي عمرو، إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس؟ من لي بنسائهم؟ من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس: عبدالرحمن بن سمرة، وعبدالله بن عامر بن كريز، فقال: اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه، وقولا له، واطلبا إليه. فأتياه فدخلا عليه فتكلما وقالا له فطلبا إليه، فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال - أي: صارت لنا به عادة إنفاق وإفضال على الأهل والحاشية، فإن تخليت من أمر الخلافة قطعنا العادة -، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها. قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك، ويسألك، قال: فمن لي بهذا - أي: من يضمن وفاء معاوية بما عرضتما؟ - قالا: نحن لك به. فما سألهما شيئًا إلا قالا: نحن لك به. فصالحه. فقال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى، ويقول: ((إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)). قال البخاري بعد رواية هذا الحديث: قال لي علي بن عبدالله: إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث. قوله: (وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها) يقول: قتل بعضها بعضًا فلا يَكفُّون إلا بالمال الذي يشغلهم ويذهب بما في نفوسهم. وفي هذا الخبر من الفقه: ولاية المفضول على الفاضل لداعي مصلحة أهل الإسلام باجتماعهم. وفيه: أنَّ قتال المسلم للمسلم لا يخرجه عن الإسلام. وفيه: فضل المشي في الصلح ومشروعية تسخير الأموال للإصلاح ونزع فتيل الفتنة؛ كما في قول معاوية رضي الله عنه: (اذهبا إلى هذا الرجل واطلبا إليه واعرضا عليه)؛ أي: اعرضا على الحسن المال. وفيه: أن الصلح على الانخلاع من الخلافة والعهد بها على أخذ مال جائز للمختلع والمال له طيب، حيث لم ينكر الصحابة على الحسن رضي الله عنه. وفيه: مشروعية كفالة المصلح والوسيط في عقد الصلح لأحد الأطراف بما التزم به، كما في قول المصلحَين - ابن سمرة وابن كريز - في حديث البخاري: (نحن لك به. فما سألهما شيئًا إلا قالا: نحن لك به. فصالحه). وفيه: منزلة أسلوب السَّبْر والتقسيم في المفاوضات لحسم المنازعات وإنهاء الخلافات؛ كما في قول الحسن: (فإن يكن هذا الأمر لك فما ينبغي لي أن أنازعك عليه، وإن يكن لي فقد جعلته لك). والحمد لله أولًا وآخرًا، ظاهرًا وباطنًا. |
| الساعة الآن : 11:28 PM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour