استثمار الزمن قبل الندم
استثمار الزمن قبل الندم أ. د. السيد أحمد سحلول على المسلم أن يستثمر وقته في الطاعة والعبادة ويجتهد في ذلك حتى لا يندم على ما فاته من ضياع لكثير من الوقت في غير الطاعة والعبادة وقت لا ينفع الندم؛ قال تعالى:﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴾ [الشرح: 7، 8]،فيستحب للمرء منا أن يستغل فراغه الاستغلال الأمثل في طاعة الخالق والقرب منه سبحانه حتى يرقَّ قلبه ويلين؛ لأن الفراغ نعمة يغفل عنها كثير من الناس، ولا يقدرها حق التقدير، فإن لم يستخدم الفراغ فيما كان له، فتلك دلالة قوية على النقص وضعف الرأي، فكأنه باعهما بثمن بخس. فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ النَّبيُّ- صلى الله عليه وسلم-: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ، وَالْفَرَاغُ»؛ (البخاري، ح (6049)). والفراغ من الأمور التي ينبغي للمرء منا اغتنامها قبل زوالها؛ فعن ابن عباس- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لرجل وهو يعظه: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قبْلَ خَمْسٍ: حَياتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وفَراغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وشَبابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وغِناكَ قَبْلَ فَقْرِكَ»؛ (أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب قصر الأمل، ص13، ح (111) بإسناد حسن). قال عبدالله بن مسعود- رَضِيَ اللَّهُ عَنْه-: "إِنِّي لأَمْقُتُ أَنْ أَرَى الرَّجُلَ فَارِغًا، لا فِي عَمِلِ دُنْيَا، وَلا آخِرَةٍ"؛ (أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 9 /103 (8558). جامع بيان العلم وفضله، ص198). ورأى الشعبي رجلًا يشيل حجرًا فقال: "ليس بهذا أمر الفارغ، وقعود الرجل فارغًا من غير شغل أو اشتغاله بما لا يعينه في دينه أو دنياه من سفه الرأي، وسخافة العقل، واستيلاء الغفلة"؛ (الكشاف 4 /777). قال الخطيب البغدادي: "سمعت السمسمي يحكي أن محمد بن جرير الطبري (310 هـ) مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة"؛ (تاريخ بغداد 2/ 163). وقال عبدالله بن أحمد بن جعفر الفرغاني: إن قومًا من تلاميذ ابن جرير حصلوا أيام حياته منذ بلغ الحلم إلى أن توفي وهو ابن ست وثمانين، ثم قسموا عليها أوراق مصنفاته، فصار منها على كل يوم أربعَ عشرَ ورقة، وهذا شيء لا يتهيَّأ لمخلوق إلا بحسن عناية الخالق؛ (معجم الأدباء 5/ 244). وعاش الإمام أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (631- 676 هـ) خمسًا وأربعين سنة، وصنف التصانيف الكثيرة، وقد سارت بها الركبان؛ وذلك لحسن الاستفادة من الوقت. قال عنه ابن العطَّار: "كان قد صرف أوقاته كلها في أنواع العلم، والعمل بالعلم، وكان لا يأكل في اليوم والليلة إلا أكلة واحدة بعد العشاء الآخرة، ولا يشرب إلا شربةً واحدةً عند السحر ولم يتزوَّج"؛ (شذرات الذهب 5/ 355). ومن لم يستغل وقت فراغه في طاعة مولاه وعبادته، كان فارغًا خاويًا ليس بأهلٍ للطاعة ينبغي اجتنابه وعدم مخالطته لئلا يتأثر به أحد، ويقتدي به الخلق؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الكهف: 28]. وقال حَجَّاج بْن مُحَمَّدٍ: "كَتَبَ إِلَيَّ أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَر، فَكَانَ فِي كِتَابِهِ إِلَيَّ: وَاعْلَمْ أَنَّ الصِّدِّيقِينَ كَانُوا يَسْتَحْيُونَ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَكُونُوا الْيَوْمَ عَلَى مَنْزِلَةِ أَمْسِ"؛(حلية الأولياء وطبقات الأصفياء 10/ 142). قال ابن رجب: "يشير إلى أنهم كانوا لا يرضون كل يوم إلا بالزيادة من عمل الخير، ويستحيون من فَقْدِ ذلك، ويعدونه خسرانًا"؛ (لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، ص300). |
| الساعة الآن : 07:20 PM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour