ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=81)
-   -   فقه السير إلى الله (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=326170)

ابوالوليد المسلم 08-04-2026 05:12 PM

فقه السير إلى الله
 
فقه السير إلى الله

الشيخ أحمد إبراهيم الجوني


الخطبة الأولى
الحمد لله الذي ينير بصائر المهتدين بهداه، أحمده سبحانه وأسأله أن نكون جميعًا ممن تولاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبدالله ورسوله، خير من والى في الله، وعادى في الله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسوله محمد وعلى آله وصحبه؛ أما بعد:

فيا عباد الله، اتقوا الله تعالى، وليشهد كل واحد من نفسه ما ادخره من التقوى عنده وما قدم، واعلموا أن من أعظم المواهب موهبة العقل؛ فهو مصدر الإشعاع وأداة التفكير، وكثيرًا ما أشار القرآن إليه ورفع من شأن من ينتفع به؛ فقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [الزمر: 9]، وقال: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الرعد: 3]، وقال: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ﴾ [الحج: 46].

فالسماع أصل العقل، وأحد الأسس التي ينبني عليها الإيمان، وقد أمر الله به في كتابه وأثنى على أهله؛ قال تعالى: ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ﴾ [المائدة: 83].

وأفضل أهل السماع هو من يسمع بالله لا يسمع بغيره؛ كما في الحديث الإلهي الصحيح: ((فبي يسمع، وبي يبصر))؛ [أخرجه البخاري: رقم 6502].

وهذا السماع هو الذي يأخذ بالقلوب إلى جوار علام الغيوب، ويسوق الأرواح إلى ديار الأفراح، ويدعو القلوب في المساء والصباح بالتوجه الصادق لفالق الإصباح.

فمن قرئ عليه القرآن - يا عباد الله - فليجعل نفسه كأنما يسمعه من الله يخاطبه به؛ فمن شاء علمًا وحكمة وبصيرة وهداية لعقله، فليجتهد في الفرار إلى الغاية.

فالمقصود بهذا المسموع الذي جُعل وسيلة إليها هو: الحق سبحانه؛ فإنه نهاية كل مطلب؛ قال تعالى: ﴿ وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى ﴾ [النجم: 42].

فصاحب هذا القلب يسير بصاحبه إلى ربه أسرع من سير الرياح في هبوبها، فيوقن أن الله قيوم قاهر فوق عباده، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، يسمع ويرى، لا يشغله شأن عن شأن، فإذا أيقن العبد بهذا، نزل منازل العبودية قناعة عقلية ورغبة قلبية، عندها يجد المسلم في نفسه ما وجده أنس بن النضر رضي الله عنه يوم أحد لما قال: "واهًا لريح الجنة إني لأجد ريحها دون أحد"؛ [أخرجه البخاري: رقم 2805].

وما قاله عمير بن الحمام رضي الله عنه في بدر لما ألقى تمراته قائلًا: "لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة"، ثم كسر غمد سيفه وهو يقول: "اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى"؛ [أخرجه مسلم: رقم 1901].

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في قلعة دمشق: "ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أنى رحلت فهي معي لا تفارقني؛ أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة"؛ [انظر: الوابل الصيب لابن القيم].

وهذا خبيب بن عدي رضي الله عنه يقول قبل قتله: "والله لولا أن تظنوا أني جزع من القتل لأطلت الصلاة"؛ [أخرجه البخاري: رقم 3989].

ولله على كل قلب هجرتان، هما فرض لازم على الأنفاس: هجرة إلى الله بالتوحيد والإخلاص، وهجرة إلى رسوله بالانقياد والامتثال؛ [انظر: الرسالة التبوكية لابن القيم].

فمن لم يكن لقلبه هاتان الهجرتان، فليحثُ على رأسه الرماد، وليراجع إيمانه قبل أن يحال بينه وبين ذلك ويقال له على الصراط من وراء السور: ﴿ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ﴾ [الحديد: 13].
الخطبة الثانية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدالله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ أما بعد:
فاعلموا أن سير العباد إلى الله يختلف؛ فمنهم من سيره ببدنه، ومنهم من سيره بقلبه، ومنهم الأقوياء الذين جمعوا بينهما؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ [الأنعام: 52].

قال السعدي رحمه الله: "هؤلاء لا يستحقون الإبعاد، بل يستحقون الموالاة والمحبة؛ لأنهم الصفوة من الخلق"؛ [تفسير السعدي عند الآية].

ويشرح الله للمؤمن صدره بالثقة به، فيرسخ في ذهنه: "لا هم مع الله"؛ ومن ذلك قصة أبي الحسن الزاهد مع الطاغية أحمد بن طولون، حين ذهب إليه لقول كلمة الحق، فأطلق عليه ابن طولون أسدًا جائعًا، فظل العالم ساكنًا والأسد يشمه ثم انصرف عنه، فلما سئل: بم كنت تفكر؟ قال: كنت أفكر في لعاب الأسد أهو طاهر أم نجس، قال: ألم تخف؟ قال: لا، لم يبق في قلبي موضع للخوف من أي شيء سوى الله وحده؛ [انظر: حسن المحاضرة للسيوطي].

فيا عباد الله، اتقوا الله حق التقوى؛ ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾ [النحل: 128].

اللهم أحيِ قلوبنا بالموعظة، ونورها بالحكمة، وقوِّها باليقين.

وصلوا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه؛ قال الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه الغر الميامين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أعز الاسلام والمسلمين...






الساعة الآن : 01:36 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 9.23 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 9.14 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (1.02%)]