ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى الشباب المسلم (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=94)
-   -   من وسائل الثبات على دين الله عز وجل (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=325860)

ابوالوليد المسلم 31-03-2026 10:30 AM

من وسائل الثبات على دين الله عز وجل
 
من وسائل الثبات على دين الله تعالى:

(1) تحقيق التوحيد الخالص لله تعالى

محمد بن عبدالله العبدلي



ليس الغرض معرفة معنى التوحيد وأنواعه فحسب؛ وإنما معرفة التوحيد بأنواعه، والقيام بما يجب على العبد في ذلك، فيفرد الله تعالى بأفعاله، فالله سبحانه فَعَّال لما يريد الخالق الرازق المحيي المميت على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء، فيترك التعلُّق بغير الله تعالى، والاعتماد على غيره، وإنما يكون اعتماده الكامل على ربِّه تعالى، ولا يخاف إلا منه سبحانه وبحمده، والتوكُّل عليه في كل أمر، ولا يطلب النصر والعزة والهداية والرزق والولد وغيرها إلا منه سبحانه، فهو القادر على كل شيء.

فإذا أفردت الله تعالى بأفعاله سبحانه قادك ذلك لتوحيد الإلهية؛ وهو إفراد الله تعالى بالعبادة، فلا تصرف أي عمل لغيره تعالى، فتفرد الله تعالى بعبادتك الظاهرة؛ وهي أعمال الجوارح، وأقوالك- أعمال اللسان-.

وكذا تفرده بعبادتك الباطنة؛ وهي أعمال القلوب، فلا تكون الخشية إلا لله تعالى، ولا يكون توكُّلُك إلا على الله تعالى، ولا يكون خوفك إلا من الله تعالى.

والمراقبة لله تعالى في جميع الأعمال، فأعمال القلوب هي ثمرة من ثمار توحيد الأسماء والصفات، فحين يعرف الإنسان أن الله تعالى عليم بصير لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا تخفى عليه خافية يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، هذا يبعث على تعظيم الله تعالى في النفوس، ويقود الإنسان إلى الابتعاد عن كل ما يغضب الله تعالى والاستقامة على هذا الدين.

ومن أسمائه تعالى الرقيب، فهذا يبعث العبد على مراقبته جل جلاله في الأعمال، فلا يراك سبحانه إلا حيث يحب، ولا يراك حيث نهاك، وهكذا سائر الأسماء والصفات حين يستشعرها الإنسان تثمر عنده الاستقامة والسير على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح.

فهكذا يكون التوحيد الخالص زادًا للثبات في زمن الفتن، وسراجًا للسير على منهج النبي صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة رحمهم الله؛ إذًا لا يثبت في زمن الفتن والاضطراب إلا من وَحَّد الله تعالى حق التوحيد، فعظِّمه فهو العظيم في خلقه والعظيم في أفعاله وفي صفاته وفي كل شيء، وراقبه سبحانه فهو الرقيب، وتوكَّل عليه سبحانه حقَّ التوكل.









ابوالوليد المسلم 02-04-2026 10:44 AM

رد: من وسائل الثبات على دين الله عز وجل
 
من وسائل الثبات على دين الله تعالى:


محمد بن عبدالله العبدلي




(2) الصدق مع الله تعالى



الصدق مع الله تعالى هو أصل الثبات وروح الاستقامة على دين الله تعالى، وميزان قبول الأعمال، كيف يكون ذلك؟
يكون الصدق مع الله تعالى بإخلاصك في أعمالك لله تعالى، فيكون قصدك في طلبك للعلم لله سبحانه، لا الجدال والمخاصمة في العلم، ولا العلو والشهرة والمنزلة في بني قومه، وليكن قصدك في العبادة وجه الله تعالى، فالعبادة هي لله تعالى الغني الرازق الرزاق الذي هو على كل شيء قدير، العالم بكل شيء، القوي القادر على كل شيء، فمن عظَّم الله تعالى في نفسه بمعرفته تعالى بأسمائه وصفاته يستحيل أن يتوجه لغير الله تعالى، فكيف يطلب الرزق من قبر أو وثن مَنْ عرَف الله تعالى؟

كيف يقصد غير الله بأعماله من عرَف الله سبحانه حق معرفته.

فالله سبحانه غني عظيم يريد منا أن نفرده بالعبادة ونقصد بها وجهه تعالى، في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه»[1].

وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللهُ بِهِ»[2].

وفي الصحيحين عن جندب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ»[3].

وفي الصحيحين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى...»[4].

فمن طلب العلم ليُجادل أو ليُعجب الناس بعلمه حُرم بركته، ومن عبد الله تعالى وهو يلتفت بقلبه إلى المخلوقين لم يذق حلاوة العبادة، أما من كان قصده وجه الله تعالى، طابت سريرته، وثبت قلبه، وصارت عباداته كلها خالصةً لربِّه سبحانه الغني الحميد، الذي لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين.

فصحة أعمال الإنسان أقوال وأفعال أو كمالها وقبولها وترتيب الثواب عليها لا يكون إلا بحسب النية، فقبول العمل وإثابة الإنسان عليه لمن كانت نيته لله تعالى به.

ومن صدق مع الله تعالى وأخلص له سبحانه ثبَّته الله تعالى؛ لأن الصدق يجلب معية الله تعالى، ومن كان الله تعالى معه لا يضله شيء.

[1] أخرجه مسلم، برقم (2985).

[2] أخرجه مسلم، برقم (2986).

[3] أخرجه البخاري، برقم (6499)، ومسلم، برقم (2987)، واللفظ للبخاري.

[4] أخرجه البخاري، برقم (1)، ومسلم، برقم (1907).

ابوالوليد المسلم 06-04-2026 12:04 PM

رد: من وسائل الثبات على دين الله عز وجل
 
من وسائل الثبات على دين الله تعالى:


محمد بن عبدالله العبدلي



(3) طلبُ العلم الشرعي والتفقه في دين الله على الثقات من أهل العلم


اعلم- رحمني الله وإياك- أن العلمَ الشرعيَّ نورٌ من الله تعالى، وأصلُ الهداية، وأساسُ الاستقامة، وأعظمُ ما يثبت به العبد على دين الله تعالى عند اضطراب الفتن، وتكاثر الشبهات والشهوات، وتنوُّع أهل الأهواء وتكاثر دعاة أهل الباطل، وتنوُّع أساليبهم ونشاطهم وجلدهم في نشر باطلهم، ومحاربة الحق وأهله.

فالعلم الشرعيُّ نورٌ يقذفه الله تعالى في القلوب، وميزانٌ تُوزَن به الأقوال والأعمال، وبه تُعرَف معالم الشريعة، ويتميَّز الحق من الباطل، والسُّنَّة من البدعة، والهدى من الضلالة.

طلب العلم الشرعي من أفضل القرب التي يتقرب بها الإنسان إلى الله تعالى، والتفقه في دين الله تعالى علامة خير لمن أقبل عليه، وعليك أيها المقبل على الطلب بالأخذِ عن الثقات من أهل العلم، الذين عُرِفُوا بسلامة العقيدة والمنهج، وليس كل من تكَلَّم يُعَد من العلماء، ولا كل من تصَدَّر أُخِذ عنه العلم، فقد أخرج الإمام مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه عن ابن سيرين رحمه الله قال: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم"[1].

فالأخذ من أهل العلم من أعظم أسباب الثبات على الدين، وحراسة الإيمان والعقيدة، وسلامة المنهج في الدنيا والآخرة.

وإذا كانت الأجساد لا تقوم وتحيا إلا بالطعام والشراب الطيب، فإن القلوب لا تثبت ولا تحيا إلا بالعلم الصحيح الذي يُعرَف به الحق من الباطل، والسُّنَّة من البدعة، والهدى من الضلالة، وبه يستقيم الاعتقاد على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ومن سار على منهجهم.

وقد دلَّت النصوص الشرعية على أن العلم مقدَّمٌ على القول والعمل، وبوَّب الإمام البخاري في صحيحه: "باب: العلم قبل القول والعمل؛ لقول الله تعالى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ [محمد: 19]، فبدأ بالعلم، «وأن العلماء هم ورثة الأنبياء، ورثوا العلم، من أخذه أخذ بحظ وافر، ومن سلك طريقًا يطلب به علمًا سهَّل الله له طريقًا إلى الجنة»[2].

فلا يصح اعتقاد، ولا تستقيم عبادة، ولا يثبت القلب على طريق الحق والسُّنَّة، إلا بعلمٍ صحيحٍ راسخٍ؛ لكونه الأصل الذي تُبنى عليه سائر التكاليف الشرعية.

وبيَّن الله تعالى شرفَ العلم وأهله، وعلوَّ منزلتهم، فقال تعالى: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾ [المجادلة: 11]:11]، فدلَّ ذلك على أن رفعة الدرجات ثمرةُ العلم؛ لما يورثه من بصيرةٍ في الدين، وثباتٍ عند الفتن، وسلامةٍ من الانحراف، قال العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله: "والله تعالى يرفع أهل العلم والإيمان درجات بحسب ما خصَّهم الله به، من العلم والإيمان.

﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [المجادلة: 3]، فيجازي كل عامل بعمله، إنْ خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشَرٌّ.

وفي هذه الآية فضيلة العلم، وأن زينته وثمرته التأدُّب بآدابه والعمل بمقتضاه"[3].

وبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن التفقُّه في الدين علامة التوفيق، ودليل إرادة الخير بالعبد قال معاوية رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ يُرِد الله به خيرًا يُفَقِّهْه في الدين»[4]، فجعل الفقه في الدين ميزانَ الخيرية، لا مجرد كثرة العمل مع الجهل، ولا الحماسة الخالية من الدليل.

وإنما كان العلم سببًا للثبات على الحق؛ لأن الجهل أصلُ الزيغ، ومنشأُ الانحراف، ومدخلُ الفتن؛ ولهذا نهى الله تعالى عن القول والعمل بغير علم، فقال تعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: 36].

فالعلم يحصِّن القلب ويمنع التقلُّب، ويضبط السلوك، ويقي من الانسياق خلف الشبهات والشهوات.

أخي الفاضل، اجعل طلب العلم الشرعي زادك وطريقك إن كنت تريد الثبات على الدين والهدى، فالعلم الشرعي هو التثبيت: فبه تُدفع الشبهات، وتُعرَف مداخل الفتن، ويثبت القلب عند الاضطراب.

وبه يرى العبد طريقه واضحًا، فلا يلتبس عليه الحق، ولا تغرّه الدعاوى، ولا يخدعه أهل الأهواء بشبهاتهم الزائفة.

وإن من أعظم ثمرات العلم الشرعي الخشوع والانكسار للخالق عز وجل؛ قال الله: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: 28]، قال السعدي رحمه الله: "فكل من كان بالله أعلم، كان أكثر له خشية، وأوجبت له خشية الله، الانكفاف عن المعاصي، والاستعداد للقاء من يخشاه، وهذا دليل على فضيلة العلم، فإنه داعٍ إلى خشية الله، وأهل خشيته هم أهل كرامته؛ كما قال تعالى: ﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ﴾ [البينة: 8]"[5].

وبالعلم الشرعي تُصان العقائد، وتستقيم الأعمال، ويعيش العبد في رقابةٍ لله تعالى، فلا يقدم على معصية لعلمه بأن الله تعالى مُطَّلِع عليه، سميع بصير، لا تخفى عليه خافية، ولا يقع في شبهة لعلمه بفسادها وبطلانها.

فلا تُفرِّط في مجالس العلم، فالزمن زمن فتن كقطع الليل المظلم، ولا يثبت فيه إلا من ثبَّته الله تعالى بالعلم، فداوِمْ على التعلُّم، واقرأ كتب أهل السُّنَّة، والزَم العلماء الراسخين، وتواضع للحق؛ فإن العلم من أجَلِّ العبادات، وهو من أيسر الطرق الموصلة إلى الجنة لمن صلحت فيها نيته، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم: «ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفَّتْهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطَّأ به عمله، لم يسرع به نسبه»[6]، وطريقه الصبر والإخلاص.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، ونسأله سبحانه علمًا نافعًا، وقلبًا خاشعًا، وبصيرةً نافذةً، وأن يُثبِّتْنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يُجنِّبنا ويعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

[1] مقدمة صحيح مسلم (1/ 15).

[2] صحيح البخاري (1/ 24-25).

[3] تيسير الكريم الرحمن (ص: 846).

[4] أخرجه البخاري في صحيحه، برقم (71)، ومسلم في صحيحه، برقم (1037).

[5] تيسير الكريم الرحمن (ص: 689).

[6] أخرجه مسلم في صحيحه، برقم (2699).



ابوالوليد المسلم 10-04-2026 11:58 AM

رد: من وسائل الثبات على دين الله عز وجل
 
من وسائل الثبات على دين الله تعالى:


محمد بن عبدالله العبدلي

(4) قراءة القرآن وحفظه وتدبره والعمل به


اعلم أخي المبارك- رحمني الله وإياك- أن القرآن الكريم كلام الله عز وجل، وهو حبله المتين، من تمسَّك به نجا، ومن أعرض عنه وهجره وتركه ضلَّ وغوى، وإن من أعظم الوسائل التي تثبِّت الإنسان- بإذن الله عز وجل- هو تلاوة كتابه وحفظه وتدبره والعمل به، فإذا كانت الأجسام تحتاج للأكل والشرب لتستمر في الحياة، فإن كلام الله عز وجل هو غذاء الروح والقلب، وهذا الذي يجعل الإنسان يثبت في زمن الفتن والشهوات والمغريات، حين يكون دائم الصلة بكلام الله عز وجل.

وقد أشار الله عز وجل إلى هذه الحقيقة في قوله سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا [الفرقان: 32]، بيَّن الله عز وجل في هذه الآية حقيقة عظيمة؛ وهي: أن التنزيل المفرق للقرآن كان لغاية تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف بقلوبنا نحن الضعيفة؟

وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال: 2]، قال العلامة السعدي رضي الله عنه: "﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال: 2]، ووجه ذلك أنهم يلقون له السمع، ويحضرون قلوبهم لتدبره، فعند ذلك يزيد إيمانهم؛ لأن التدبر من أعمال القلوب، ولأنه لا بد أن يبين لهم معنى كانوا يجهلونه، أو يتذكرون ما كانوا نسوه، أو يحدث في قلوبهم رغبة في الخير، واشتياقًا إلى كرامة ربهم، أو وجلًا من العقوبات، وازدجارًا عن المعاصي، وكل هذا مما يزداد به الإيمان.

﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ وحده لا شريك له ﴿يَتَوَكَّلُونَ؛ أي: يعتمدون في قلوبهم على ربهم في جلب مصالحهم ودفع مضارهم الدينية والدنيوية، ويثقون بأن الله تعالى سيفعل ذلك"[1].

أيها المبارك الساعي للثبات على هذا الدين، اجعل كلام الله عز وجل رفيقك وصاحبك وصديقك:
- القرآن الكريم هو التثبيت: تلاوة القرآن الكريم بتدبر تُغذي الروح باليقين، وتُرسخ الإيمان في القلب، وتُزيل الشكوك والشبهات، قال الإمام الحافظ ابن القيم رحمه الله: "وإذا أردت أن تعلم ما عندك وعند غيرك من محبة الله، فانظر محبة القرآن من قلبك، والتذاذك بسماعه أعظم من التذاذ أصحاب الملاهي والغناء المطرب بسماعهم، فإن من المعلوم أن من أحب محبوبًا كان كلامه وحديثه أحب شيء إليه"[2].

- القرآن الكريم فيه القدوة:لكونه يحتوي على قصص الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، وهي قصص فيها ثبات وصبر على الأذى، فدراستها والتأسي بها تُعلمك كيفية مواجهة الابتلاءات والمحن بالصبر والثبات.

- القرآن الكريم للعمل: الثبات الحقيقي لا يكون إلا بالعمل بما في القرآن الكريم، فمن عمل بأحكامه، ووقف عند حدوده، كان القرآن له إمامًا وقائدًا إلى الجنة، وسببًا لثباته في هذه الحياة على الحق والهدى.

- والقرآن الكريم أعظم الذكر، وأعظم ما يبعث الطمأنينة في النفس، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: 28].

- والقرآن الكريم يربط الإنسان بالآخرة، يذكره بالموت والبعث والحساب، وأنه مسؤول عن مثقال الذرة، وفيه ذكر الجنة والنار وأوصافهما، فهذا يجعل الإنسان خائف من الله تعالى، ثم مما أعد للعاصين في نار جهنم، ويطمع في رضى الله عز وجل وما يوصله إلى الجنة التي نعيمها لا ينقطع، وفيها ما لا عين رأت ولا أُذُن سمعت، ولا خطر على قلب رجل.

- القرآن الكريم يعرفك بالله عز وجل: فتقرأ في القرآن الكريم صفات الله عز وجل وعظمته، وأنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فيجعل المؤمن يعيش في رقابة دائمة لله عز وجل، السميع البصير، الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهذا يبعث على الثبات والرقابة لله عز وجل، فالله الله لا يراك الله عز وجل حيث نهاك، ولا تجعله عز وجل أهون الناظرين إليك.

أيها الأخ الفاضل، لا تتأخر عن وِرْدك اليومي من القرآن الكريم، فإنه الزاد الحقيقي، وأعظم مثبت على الحق والهدى، فـ«خيرُكم من تعلَّم القرآن وعلَّمه»[3]، و«إن أفضلكم مَن تعلَّم القرآن وعلَّمه»[4]، فبادرْ لوردك منه قبل أن يُحال بينك وبينه، فإن القرآن الكريم هو الذي يثبِّتك في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

فكل آية تستطيع حفظها وتدبرها اجعل لك فيها نصيبًا، لا تتردد أنت في زمن تحتاج لما يثبتك، جاهد نفسك فأنت بحاجة إلى اغتنام الوقت بما يعود لك فيه بالخير، فإذا ذهبت الدقيقة والساعة من وقتك يستحيل رجوعها، وهكذا الأعمار تمضي، والسعيد من اغتنم وقته في الخير.

وفقني الله وإياكم لتلاوة القرآن حق تلاوته، والعمل به، وثبَّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

والحمد لله رب العالمين.
[1] تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن) (ص: 315).

[2] الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (الداء والدواء) (ص: 235).

[3] أخرجه البخاري في صحيحه، برقم (5027).

[4] أخرجه البخاري في صحيحه، برقم (5028).





ابوالوليد المسلم 14-04-2026 11:20 AM

رد: من وسائل الثبات على دين الله عز وجل
 
من وسائل الثبات على دين الله تعالى:


محمد بن عبدالله العبدلي

(5) الابتعاد عن الشبهات والشهوات


من أسباب الثبات على الدين الابتعاد عن الشبهات والشهوات؛ لأنهما أصل كل انحرافٍ في العقيدة والفكر والسلوك.

فالشبهات تفسد العقل والعقيدة، والشهوات تفسد القلب والعمل، ومن اجتمعت عليه الفتنتان زلَّ عن الصراط المستقيم من حيث لا يشعر، وقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه: «إن الحلال بيِّن، وإن الحرام بيِّن، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه، وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت، صلح الجسد كله، وإذا فسدت، فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب»[1].

فمن ترك ما اشتبه عليه حفظ الله عز وجل له دينه من التصدُّع، ووقاه مزالق الفتن التي تتخفَّى أحيانًا في صورة فكرٍ أو لذَّةٍ أو طموحٍ بريء.

ونحن اليوم نعيش في زمنٍ كثرت فيه فتن الشبهات والشهوات، وتنوَّعت فيه وسائل الوصول إليها حتى أصبحت تلاحق الإنسان في بيته وجيبه عبر الجوال والشاشات والنت والتلفاز، فلا نجاة إلا لمن عصمه الله عز وجل، ووقاه بالعلم النافع، واليقين الراسخ، ومجاهدة النفس عن مواطن الزلل.

والإنسان إذا ابتعد عن الشبهات حفظ الله عز وجل له بصيرته، وإذا جاهد شهوته ودافعها لله عز وجل رفع الله سبحانه منزلته، قال الله عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [العنكبوت: 69].

فالثبات لا يتحقق إلا لمن نظَّف طريقه من العوائق، وأشد العوائق عن الصراط المستقيم ظلمةً هي شبهةٌ في العقل، وشهوةٌ في القلب؛ فاحذر أن تسكن فيك إحداهما، فإنهما كما قيل: يبدآن همسًا وينتهيان هدمًا.

ثبتنا الله وإياكم على الحق والهدى، والحمد لله رب العالمين.

[1] أخرجه البخاري، برقم (52)، ومسلم، برقم (1599).





ابوالوليد المسلم 22-04-2026 05:14 PM

رد: من وسائل الثبات على دين الله عز وجل
 
من وسائل الثبات على دين الله تعالى:


محمد بن عبدالله العبدلي


(6) المحافظة على النوافل بجانب المحافظة على الفرائض


اعلم أخي المبارك- رحمني الله وإياك- أن النوافل هي مفتاح محبة الله عز وجل، وهي السياج الواقي الذي يحفظ الفرائض ويُقوي بنيان الإيمان، إن الثبات على الدين ليس بالفرائض وحدها، بل بـالتقرب المستمر الذي يُورث المحبة الإلهية.

يقول الله عز وجل في الحديث القدسي العظيم: «وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورِجْله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله تردُّدي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته»[1].

فهذا الحديث العظيم أبان فيه الله عز وجل حقيقة عظيمة؛ وهي: أن التقرب إلى الله عز وجل بفعل الفرائض أحب شيء إلى الله سبحانه، وبيَّن أن التقرب إليه بالنوافل ليس مجرد زيادة في الأجر فحسب؛ بل هو سبب لمحبته عز وجل، ومن نال محبة الله، فقد وفَّقه الله وسدَّده وثبَّته، فلا يسمع إلا الخير، ولا يبصر إلا الخير، ويدفع عنه سمع الحرام، والنظر إلى الحرام، وكذا يوفقه ويسدده فلا تمتد يده للحرام، ولا يمشي إلى الحرام، وإن سأل الله عز وجل أعطاه، وإن استعاذ به أعاذه، فأي فضل وخير في هذه الحياة أن يحبك الله عز وجل فيوفقك لكل خير، ويصرف عنك الشر والحرام.

أيها الأخ الفاضل، أترغب في هذا الخير، أتريد الثبات على هذا الدين؟

باختصار اجعل النوافل زادك، والنوافل متعددة ومتنوعة، فمنها السنن الرواتب، ومنها صلاة الضحى، وصلاة الليل، وصيام الاثنين والخميس وثلاثة أيام من كل شهر، وصيام ست شوال، ويوم عرفة وتاسوعاء مع عاشوراء، والصدقات والإحسان إلى الخلق، وغيرها، فالنوافل هي الطريق الأقصر والأقوى لنيل محبة الله عز وجل، ومن أحبه الله ثبَّته، وعصمه من الزيغ والضلال.

والنوافل أيضًا حماية ربانية مباشرة، تُعينك على الثبات في مواجهة الشهوات والشبهات، وأيضًا النوافل تجبر النقص والخلل الذي يقع في الفرائض، وهي تُعدُّ بمثابة صمام أمان للعبادات الأساسية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيء، قال الرب عز وجل: انظروا هل لعبدي من تطوع فيُكَمَّل بها ما انْتَقَص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك»[2].

فلا تتأخَّر عن أي نافلة من النوافل فأنت بحاجة إلى ما يثقل موازينك ويثبتك في الحياة الدنيا والآخرة، والنوافل هي خير زاد في الحياة، وهي التي تُقوي صلتك بالله عز وجل، وتُرسخ قدمك على الصراط المستقيم. فبادرْ بها وأنت في صحة وعافية قبل أن يحول بينك وبينها المرض أو الزلل وتنكُّب الصراط والانحراف والضلال.

فكل نافلة تستطيع أداءها اجعل لك فيها نصيبًا، لا تتردد، جاهد نفسك، وسارع وسابق، فالأيام تمضي وكل ما ذهب يوم يقربنا إلى القبر، وفقني الله عز وجل وإياكم للمحافظة على الفرائض والإكثار من النوافل، وختم لنا ولكم بالحسنى، وتوفَّانا وهو راضٍ عنا، والحمد لله رب العالمين.

[1] أخرجه البخاري في صحيحه، برقم (6502).

[2] أخرجه أبو داود في سننه، برقم (864)، والترمذي في سننه، برقم (413)، والنسائي في سننه، برقم (465)، وأحمد في المسند، برقم (16954)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (2020)، وفي صحيح أبي داود (810 و812).






ابوالوليد المسلم 28-04-2026 11:13 AM

رد: من وسائل الثبات على دين الله عز وجل
 
من وسائل الثبات على دين الله تعالى:


محمد بن عبدالله العبدلي



(7) الإكثار من ذكر الله عز وجل


اعلم أخي المبارك- رحمني الله وإياك- أن ذكر الله عز وجل هو حياة القلوب، وهو الحصن الحصين الذي يقي المؤمن من وساوس الشيطان وزيغ الفتن، فمن لازم ذكر الله عز وجل ثبَّته الله سبحانه في الدنيا والآخرة.

إن الذكر أيها الأفاضل ليس مجرد كلمات تُردد باللسان، بل هو حضور القلب مع الخالق، وهو صلة دائمة لا تنقطع.

يقول الله عز وجل آمرًا وموجهًا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [الأحزاب: 41، 42]، فجعل الله الإكثار من الذكر صفة للمؤمنين الصادقين، وسببًا لنجاتهم.

فيا طالب الثبات، ثبتنا الله عز وجل وإياك على الحق والهدى، اجعل ذكر الله عز وجل ديدنك:
الذكر هو الثبات في المعركة: قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الأنفال: 45]، فجعل الله الإكثار من الذكر سببًا مباشرًا للثبات عند لقاء العدوِّ، فكيف بالثبات أمام فتن الدنيا؟

الذكر هو الطمأنينة: قال الله عز وجل: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28]، فمن اطمأنَّ قلبه بذكر الله عز وجل، لم تزعزعه الفتن، ولم تُقلقه الشبهات، قال الحافظ ابن القيم رحمه الله: "أنه- يعني الذكر- قوت القلب والروح، فإذا فقده العبد صار بمنزلة الجسم إذا حيل بينه وبين قوته.

وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إليَّ وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغد الغداء سقطت قوتي. أو كلامًا قريبًا من هذا.

وقال لي مرة: لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها لأستعد بتلك الراحة لذكر آخر"[1].

الذكر هو النجاة: عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما عمل آدمي عملًا قط أنجى له من عذاب الله من ذكر الله»[2].
فمن أراد النجاة من عذاب الدنيا والآخرة، فليكثر من ذكر الله.

والذكر سبب في ترك كثير من المنكرات والفتن: قال الحافظ ابن القيم رحمه الله: "أنه سبب اشتغال اللسان عن: الغيبة، والنميمة، والكذب، والفحش، والباطل.

فإن العبد لا بد له من أن يتكلم، فإن لم يتكلم بذكر الله تعالى وذكر أوامره تكلم بهذه المحرمات أو بعضها، ولا سبيل إلى السلامة منها البتة إلا بذكر الله تعالى.

والمشاهدة والتجربة شاهدان بذلك، فمن عوَّد لسانه ذكر الله صان لسانه عن الباطل واللغو، ومن يبس لسانه عن ذكر الله تعالى ترطَّب بكل باطل ولغو وفحش، ولا حول ولا قوة إلا بالله"[3].

فلا تتأخَّر أيها الأخ الفاضل عن لحظة ذكر لاحت لك فرصة، ولا تتردد في تسبيحة، أو تهليلة، أو تحميدة، أو استغفار، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟"[4].

فبادرْ به قبل أن يُحال بينك وبينه، فإن الذكر ليس مجرد عبادة مستقلة، بل هو من أعظم أسباب الثبات عند اضطراب القلوب.

وقد دعانا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم إلى المبادرة بالأعمال قبل أن تحل علينا الفتن كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا يبيع دينه بعرض من الدنيا»[5].

قال القاضي عياض رحمه الله: "وفائدة المبادرة بالعمل إمكانه قبل شغل البال والحشد بالفتن، وقطعها عن العمل"[6].

وقال ابن هبيرة رحمه الله: "في هذا الحديث من الفقه الحث على مبادرة الفتن بالأعمال، فإن من الفتن ما يعرض للقلوب فتصبح مؤمنة وتمسي كافرة في تلك الفتنة، فتثبط العامل عن عمله، أو بعمله ما يعمل على ارتياب وشك؛ فلا ينفعه عمله، وهذه الفتن قد يكون فيها ما يعم الناس. وقد يكون فيها ما يخص، وأن منها الكلمة الخبيثة؛ التي يقذفها الشيطان على لسان ولي من أولياء الشيطان ليقولها، إما جادًّا أو هازلًا، ليسمعها الضعيف القلب فيفتتن بها؛ الفتنة التي لا يخلص منها إلى يوم القيامة؛ لأن القلوب كثيرة التقلب من ربقة الحق، شديدة التطلع إلى منافذ الضلال، فإذا قذف في روعها شيء من المضللات وجد عندها داء قاتلًا وشرًّا مستعدًّا، كالنار التي تقع في الخراق، فينبغي للإنسان أن يكون أشد خوفًا وحذرًا على دينه وإيمانه، متعاهدًا له بالذكر ومدارسة القرآن، وامتثال أمر القرآن، بالنظر والتدبُّر والفكر المؤدي له إلى الحق صباح مساء؛ بل في كل وقت ونفس وساعة"[7].

وقال النووي رحمه الله: "معنى الحديث الحث على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذرها والاشتغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة المتكاثرة المتراكمة كتراكم ظلام الليل المظلم لا المقمر"[8].

ومن الأعمال السهلة على الإنسان ذكر الله عز وجل فإنه من أعظم الصوارف عن الفتن؛ وذلك لأنه شديد على الشيطان الداعي للشرور والفتن، قال الحافظ ابن القيم رحمه الله: "فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة -يعني أن الذكر حرز من الشيطان- لكان حقيقًا بالعبد ألَّا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى، وألَّا يزال لهجًا بذكره، فإنه لا يحرز نفسه من عدوه إلا بالذكر، ولا يدخل عليه العدو إلا من باب الغفلة، فهو يرصده فإذا غفل وثب عليه وافترسه.

وإذا ذكر الله تعالى انخنس عدوُّ الله تعالى وتصاغَر وانقمع حتى يكون كالوصع وكالذباب؛ ولهذا سمي الوسواس الخناس؛ أي: يوسوس في الصدور، فإذا ذكر الله تعالى خنس؛ أي: كف وانقبض، قال ابن عباس: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله تعالى خنس"[9].

وقال الحافظ ابن رجب رضي الله عنه: "فالواجبُ على المؤمن المبادرة بالأعمال الصالحة قبل ألَّا يقدِرَ عليها ويُحال بينه وبينها، إمَّا بمرضٍ أو موت، أو بأنْ يُدركه بعضُ هذه الآيات التي لا يُقبل معها عمل.

قال أبو حازم: "إن بضاعة الآخرة كاسدة ويوشك أن تنفق، فلا يوصل منها إلى قليل ولا كثير".

ومتى حيل بين الإنسان والعمل لم يبق له إلا الحسرة والأسف عليها، يتمنى الرجوع إلى حالةٍ يتمكن فيها من العمل، فلا تنفعُهُ الأمنية"[10].

فكل ذكر تستطيع أن تُردده اجعل لك فيه نصيبًا، لا تتردد، جاهد نفسك، فأنت أيام، وإذا ذهبت الدقيقة من وقتك يستحيل رجوعها.

وفقني الله عز وجل وإياكم للإكثار من ذكره وشكره وحسن عبادته، والحمد لله رب العالمين.

[1] الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: 42).

[2] أخرجه أحمد في المسند، برقم (22079)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (5644).

[3] الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: 43).

[4] الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: 42).

[5] أخرجه مسلم، برقم (118).

[6] إكمال المعلم بفوائد مسلم (1/ 405).

[7] الإفصاح عن معاني الصحاح (8/ 163-164).

[8] شرح النووي على مسلم (2/ 133).

[9] الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص:36-37)، وأثر ابن عباس رضي الله عنه أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، برقم (34774)، وأبو داود في الزهد، برقم (337).

[10] جامع العلوم والحكم، ت ماهر الفحل (3/ 1141-1142).







ابوالوليد المسلم 30-04-2026 11:29 AM

رد: من وسائل الثبات على دين الله عز وجل
 
من وسائل الثبات على دين الله تعالى:


محمد بن عبدالله العبدلي



(8) المحافظة على الأذكار اليومية (حصن نفسك)


اعلم أخي المبارك- رحمني الله وإياك- أنه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم جملة من الأذكار الواردة التي يُحصن المسلم بها نفسه من الشرور والآفات، وتنال بها فضلًا عظيمًا عند الله عز وجل، فهي الحصن الحصين، وهي السلاح الذي لا يخطئ، وهي أيضًا بمثابة الجرعات الإيمانية الوقائية التي تُحصن المسلم في يومه وليلته.

إن المحافظة على أذكار الصباح والمساء وأذكار ما بعد الصلوات هي تطبيق عملي لأمر الله عز وجل بالإكثار من الذكر، حيث قال سبحانه: ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الأنفال: 45]، فهنا يأمر الله عز وجل المؤمنين أن يذكروه عز وجل كثيرًا وهم في ساحات الوغى، ووقت منازلة الأعداء، وهذا فيه إشارة إلى أن الذكر سبب في الثبات أمام أعداء الله عز وجل وسبب لفلاحهم ونصرهم.

وأثنى الله عز وجل على الذاكرين الله عز وجل كثيرًا والذاكرات، وأخبر بأنه عز وجل أعَدَّ لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا، فقال سبحانه: ﴿ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 35].

عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه، مثل الحي والميت»[1]، وهذا في الذكر المطلق، وقد سبق الحديث عنه في الحلقة السابقة، وهنا يرد سؤال: ما مقدار الذكر الذي يصير به المؤمن من الذاكرين الله كثيرًا؟

يجيب عن ذلك العلامة ابن الصلاح رحمه الله بقوله: إِذا واظب على الْأَذْكَار المأثورة المثبتة صباحًا وَمَسَاءً، وَفِي الْأَوْقَات وَالْأَحْوَال الْمُخْتَلفَة فِي ليل العَبْد ونهاره، وَهِي مبينَة فِي كتاب عمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة كَانَ من الذَّاكِرِينَ الله تعالى كثيرًا"[2].

فليحرص الإنسان المؤمن على المحافظة على الأذكار التي تشرع للعبد في يومه وليلته، وأولها دعاء الاستيقاظ من النوم، ثم الدخول والخروج من المنزل وكذا المسجد، وأذكار الصباح والمساء، والأذكار التي تقال بعد الصلوات، وأذكار النوم، ليحيى قلبك يا عبدالله ويثبت على هذا الدين، وتكون لك حصنًا حصينًا من الشيطان ووقاية من العين والحسد، وسببًا في الرزق والوقت.

فأذكار الصباح والمساء: هي بمثابة تأمين إلهي ليومك وليلتك. وورد في فضل كل ذكر منها فضيلة نذكر بعضًا منها على سبيل المثال لا الحصر:
سيد الاستغفار: عن شداد بن أوس رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم: «سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت»، قال: «ومن قالها من النهار موقنًا بها، فمات من يومه قبل أن يمسي، فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها، فمات قبل أن يصبح، فهو من أهل الجنة»[3].

ومنها: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة، قال: «أما لو قلت، حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم تضرك»[4].

ومنها: عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من قال: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض، ولا في السماء، وهو السميع العليم، ثلاث مرات، لم تصبه فجأة بلاء، حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح ثلاث مرات، لم تصبه فجأة بلاء حتى يمسي»[5].

ومنها: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده، مائة مرة، لم يأت أحد يوم القيامة، بأفضل مما جاء به، إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه»[6].

هذه بعض الأذكار التي تُقال في الصباح والمساء، وهي بحمد لله موجودة في كتاب حصن المسلم، والكتاب لا يخلو منه بيت والله أعلم.

الأذكار التي تقال بعد الصلوات: إذا سلم العبد من صلاته استغفر ثلاثًا، عن ثوبان رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا وقال: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام»[7].

ومنها قراءة آية الكرسي: عن أبي أُمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت»[8].

ومنها: عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبر الله ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال: تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر»[9]، وغيرها.

أخي المبارك، هذا بعض ما ورد من أذكار تقال بعد الصلوات كأمثلة على ما ورد فيها من فضل، ولا أظن أنها تخفى على المصلين، لكن أحيانًا قد يخفى فضلها على الذاكر، فاحرص على أدائها فإنها تُقوي الصلة بالله عز وجل، وتقوي إيمان العبد بربه عز وجل، وتُرسخ اليقين في القلب.

وليحرص الإنسان المؤمن أن يكون لسانه رطبًا بذكر الله عز وجل، ذكارًا للأذكار المطلقة والمقيدة، وليعلم أن كل ذكر ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم هو نور وهداية، فلازمها بحضور قلب وتدبر لمعانيها لتكون على بصيرة من أمرك، ويثبت الله عز وجل قلبك على الحق والهدى.

ولا تتأخَّر عن وِرْدك من الأذكار، وذكر أهلك وأولادك بها وحفظهم إياها لتنال الثواب والأجر العظيم عند الله عز وجل، بادر بها قبل أن يُحال بينك وبينها، أنت في صحة وعافية ولسانك في صحة وعافية، فبادر وأشغل لسانك بها، فالذكر على اللسان خفيف وثقيل في الميزان، فاللسان إن لم تشغله بالذكر والطاعة انطلق في المعاصي، وجلب الآثام والأوزار بالوقيعة في الغيبة والبهتان والنميمة، واشتغل بفضول الكلام المؤدي إلى الحرام ولا بد.

وتذكر أنك حين تذكر الله عز وجل فإن ذلك سبب لذكر الله عز وجل لك، فأي منزلة وأي رفعة وفضل أن يذكرك الله عز وجل العظيم، جاهد نفسك فالزمن يسير، والزاد قليل، فلنتزود أيها الأفاضل بهذه العبادة العظيمة، ولنحرص على الأذكار المقيدة والمطلقة، فكل دقيقة تذهب هي من عمرك وتقربك للقبر، فإن لم تجعل لك فيها خيرًا سيأتي يوم تتحسر على إضاعتها، أسأل الله العظيم أن يوفقنا وإياكم لذكره وتسبيحه وشكره وتعظيمه، وأن يوفقنا للمحافظة على الأذكار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

[1] أخرجه البخاري في صحيحه، برقم (6407)، ومسلم في صحيحه، برقم (779).

[2] فتاوى ابن الصلاح (1/ 150).

[3] أخرجه البخاري في صحيحه، برقم (6306).

[4] أخرجه مسلم في صحيحه، برقم (2709).

[5] أخرجه أبو داود في سننه، برقم (5088)، والترمذي في سننه، برقم (3388)، واللفظ لأبي داود، وأحمد في المسند، برقم (446)، وحسنه محققو المسند، وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر في تحقيق المسند، والشيخ الألباني في صحيح الجامع، برقم (6426).

[6] أخرجه مسلم في صحيحه، برقم (2692).

[7] أخرجه مسلم في صحيحه، برقم (591).

[8] أخرجه النسائي في السنن الكبرى، برقم (9848)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (6464).

[9] أخرجه مسلم في صحيحه، برقم (597).








ابوالوليد المسلم 08-05-2026 11:56 AM

رد: من وسائل الثبات على دين الله عز وجل
 
من وسائل الثبات على دين الله تعالى:


محمد بن عبدالله العبدلي

(9) الإكثار من الدعاء لله عز وجل والاستعانة به


اعلم أخي المبارك- رحمني الله وإياك- أن الدعاء هو العبادة، فأخلص النية وألحَّ على الله عز وجل بالدعاء وطلب الهداية، فمن طلب الهداية منه سبحانه بصدق هداه الله عز وجل، يقول الله عز وجل في حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه في صحيح مسلم فيما يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل: «يا عبادي، كلكم ضالٌّ إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم...»[1].

ولأهمية الهداية نسألها الله عز وجل في كل ركعة: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6].

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر الدعاء لله عز وجل أن يثبته على الدين، عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: «يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك»، فقلت: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال: «نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء»[2].

وأخرجه الترمذي[3]، أيضًا من حديث أم سلمة رضي الله عنها بلفظ مقارب لحديث أنس رضي الله عنه.

وأخرجه أحمد في المسند من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «دعوات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يدعو بها: يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك، قالت: فقلت: يا رسول الله، إنك تكثر تدعو بهذا الدعاء، فقال: إن قلب الآدمي بين أصبعين من أصابع الله عز وجل، فإذا شاء أزاغه، وإذا شاء أقامه»[4].

فهذا الحديث العظيم أبان فيه النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة عظيمة؛ وهي: أن الثبات على الدين ليس بالذكاءِ، ولا بالعلم، ولا بالمنزلة، بل برحمة الله عز وجل وتوفيقه سبحانه.

فالدعاء سبب مباشر للهداية؛ لأن الله سبحانه هو الهادي وبيده كل شيء ومن ذلك الهداية، قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [القصص: 56].

والدعاء صلة عظيمة بين العبد وربه عز وجل، فمن أكثر الدعاء بالهداية والثبات فتح الله عز وجل له أبواب العلم والعمل، ووفقه، وشرح صدره للحق وقبوله، ووقاه مسالك الهوى والضلال.

والدعاء أيضًا سبب للثبات بعد الهداية، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر الدعاء أن يُثبِّت الله عز وجل قلبه على الدين كما سبق.

وأيضًا وأنت تدعو الله عز وجل أن تعبد الله سبحانه استشعر ضعفك وفقرك لله عز وجل، واستشعر أيضًا عظمة الله، وأنه بيده كل شيء، وقد أمرنا بالدعاء ووعدنا بالإجابة في قوله عز وجل: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة: 186].

فالدعاء سلاح المؤمن، وزاد الموحِّد، وحصن الثابتين في زمن الفتن، ومن لازم الدعاء بالهداية والثبات فتح الله عز وجل له أبواب الخير، ووقاه مواطن الزيغ والضلال، وثبَّتَه على الصراط المستقيم حتى يلقى ربه عز وجل وهو راضٍ عنه.

[1] أخرجه مسلم في صحيحه، برقم (2577).

[2] أخرجه الترمذي، برقم (2140)، وأحمد في المسند، برقم (12107)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (7987).

[3] برقم (3522)، وأحمد في المسند، برقم (26679)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (4801).

[4] أخرجه أحمد في المسند، برقم (24604)، وصححه محققو المسند.







ابوالوليد المسلم 08-05-2026 11:57 AM

رد: من وسائل الثبات على دين الله عز وجل
 
من وسائل الثبات على دين الله تعالى:


محمد بن عبدالله العبدلي

(10) الزهد في الدنيا وزخرفها، ومصاحبة الصالحين


من أسباب الثبات على الدين الزهد في الدنيا ومعرفة حقيقتها؛ فالدنيا مهما اتسعت متاعٌ زائلٌ، وزخرفٌ خادعٌ، قال الله عز وجل في وصفها: ﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [الحديد: 20].

فإذا أيقن الإنسان بفنائها، وأنها متاع زائل، ورأى بعين بصره وبصيرته سرعة انقضائها، وكم من أخوة وأحباب له قد رحلوا عنها وتركوها خلف ظهورهم، لم يأسف على ما فاته منها، ولم يغترَّ بزخارفها، بل يزهد فيها، ويطلب ما عند الله عز وجل والدار الآخرة.

ولا أعني بالزهد في الدنيا ترك المال أو العمل فيها، وإنما المراد بأن لا يكون المال في قلب الإنسان وإنما يكون في يده، بحيث إنه لا يفرح الإنسان بما أُعطي فهو مسؤول عنه من أين أتاه، وفيم أنفقه، ولا يحزن على ما مُنع من زخرف الدنيا بل يجعل الدنيا مزرعةً للآخرة.

ومن عرف أن الآخرة هي الحياة الحقيقية استصغر ما دونها، واستقام قلبه على طاعة الله عز وجل، وثبت في مواطن الفتن؛ لأنه عرف حقيقة الدنيا وأنها ليست هدفًا يستحق أن يُفتن بها، فإنها زائلة ولا بد، وأن الدار الحقيقية الدائمة هي الآخرة فيزهد فيما سوى الباقية.

ومما يُعين على الثبات بعد معرفة حقيقة الدنيا مصاحبة الصالحين؛ فالقلب يضعف وحده، ويقوى بالجماعة، وقد أرشد الله عز وجل لهذا في قوله سبحانه: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الكهف: 28].

فصحبة الصالحين تذكِّر بالله عز وجل، وتعين على طاعته لذا شُرعت كثير من العبادات جماعة، وتُذكِّر بالآخرة، وتُطفئ نار الفتنة حين تشتعل، فالإنسان قد يزلُّ وحده، لكنه يثبت مع الرفقة الصالحة التي تذكِّره بالله عز وجل، وتردُّه إلى الطريق إذا ضعف.

فالزهد في الدنيا يُطهِّر القلب من التعلق بالزائل، ومجالسة الصالحين تُثبِّت القدم على الحق والهدى، ومن جمعهما فقد أخذ بأقوى أسباب الثبات على الدين.

أسأل الله عز وجل أن ينفعني الله وإياكم بهذه التذكرة، وأن ينفع بها من اطَّلع عليها، ونسأل الله عز وجل أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة، وأن يهدينا إلى الصراط المستقيم، وأن يبصرنا بطرق الضلال والهوى ويجنبنا، ويُيسر لنا طُرق الهداية والاستمرار عليها، اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك.

هذا والله عز وجل أعلى وأعلم، والحمد لله رب العالمين.




الساعة الآن : 02:31 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 53.92 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 53.45 كيلو بايت... تم توفير 0.47 كيلو بايت...بمعدل (0.87%)]