بين الكدح إلى الله والعذر بالجهل: وقفات في المحاسبة والإعراض
بين الكدح إلى الله والعذر بالجهل: وقفات في المحاسبة والإعراض د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70، 71]. أما بعد: فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهَدْيِ هَدْيُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتُها، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. أيها المسلمون: يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: 6]. هذه الآية ترسم حقيقة المسير في هذه الحياة: كدح متواصل، وسعي لا ينقطع، وغاية محتومة، وهي لقاء الله عز وجل. وقد بيَّن الله لنا الغاية التي خلقنا من أجلها؛ فقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. وثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أن معنى «ليعبدون» أي: ليوحِّدون. فنحن ماضون إلى الله، نسير في هذه الدنيا لغاية واحدة: أن نلقاه موحدين، خالصين، بقلوب سليمة؛ كما قال تعالى على لسان خليله إبراهيم عليه السلام: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88، 89]. عباد الله: هذا الطريق إلى الله ليس مفروشًا بالسلامة، بل فيه ابتلاء وعداوة؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: 6]. ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: 27]. ولذلك جعل الله لعباده منازل إيمانية يقفون عندها، يراجعون بها سيرهم، ومن أعظم هذه المنازل: منزلة اليقظة والمحاسبة. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: 18 - 20]. على العبد أن يحاسب نفسه قبل العمل، وأثناء العمل، وبعد العمل، ويسألها: • هل كان عملي خالصًا لله؟ • هل كان على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا صوابًا؛ خالصًا لله، وصوابًا على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد))؛ [رواه مسلم]. وقال: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رد))؛ [أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718)]. أيها المؤمنون: وعند الوقوف مع النفس في مقام المحاسبة، تظهر ثلاثة معايير خطيرة: أولها: عظم حق الله علينا؛ فهو الذي خلق، ورزق، وهدى، وأعان، ثم قبل العمل وأثاب عليه، مع أننا لا نملك لأنفسنا شيئًا. وثانيها: عظم الجناية في الغفلة والمعصية؛ فكل لحظة غفلة تقصير، وكل إصرار خطر، والله ينعم علينا ونحن نغفل عنه. وثالثها: خطر العجب وازدراء الناس؛ فمن أعجبته طاعته هلك، ومن عير أخاه بذنب خُشي عليه أن يُبتلى به. نسأل الله أن يرزقنا صدق المحاسبة، وسلامة القلوب. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله، له الحمد الحسن، والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ قال الله عز وجل عنه في محكم التنزيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. عباد الله: باب التوبة مفتوح، ورحمة الله واسعة؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: 53 - 55]. ما لم تطلع الشمس من مغربها، وما لم تبلغ الروح الحلقوم وتغرغر، فإن باب التوبة مفتوح، لكن الخطر كل الخطر أن تتخذ رحمة الله ذريعة للإصرار. فالله هو الغفور الرحيم، وهو أيضًا شديد العقاب: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: 49، 50]. أيها المسلمون: ومن أعظم أبواب الخلل في هذا الزمان: الخلط بين الجهل والإعراض. فالجهل المعذور هو الجهل مع عدم قيام الحجة، أو مع العجز عن التعلم، أما الإعراض، فهو ترك التعلم مع وضوح البيان، وسهولة الوصول إلى الحق. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف: 57]. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: 22]. وفي ديار الإسلام، حيث تُرفع الشعائر، وتُعرف أصول الدين، لا يعذر الإنسان بالجهل في المسائل الظاهرة. فليس من الجهل المعذور: • التبرج في مجتمعات المسلمين، مع شيوع علم فرضية الحجاب. • سب الله أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم، مع علم الجميع أن ذلك كفر مخرج من الملة. • ترك الصلاة بالكلية، مع علم الصغير قبل الكبير بفرضية الصلوات الخمس. فهذه أمور معلومة من الدين بالضرورة. وقد أجمع العلماء على أن من دخل في عبادة، لزمه تعلم أحكامها، كما في الحج، فمن جامع زوجته قبل التحلل الأكبر فسد حجه، ووجب عليه إتمامه وإعادته، ولم يقل أحد: إنه يُعذر بالجهل؛ لأنه دخل العبادة مختارًا. أخرج مسلم في »صحيحه« عن أبي هريرة: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجل فصلى، ثم جاء فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام، قال: ارجع فصلِّ، فإنك لم تصلِّ، فرجع الرجل فصلى كما كان صلى، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وعليك السلام، ثم قال: ارجع فصل، فإنك لم تصلِّ، حتى فعل ذلك ثلاث مرات، فقال الرجل: والذي بعثك بالحق، ما أحسن غير هذا، علمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها))؛ [صحيح مسلم (46 - 397)]. حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم: »والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني«، فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه لم يعرض، بل جهل وسأل. فالإعراض اختيار، والجهل عجز، وبينهما فرق عظيم في الحكم عند الله. فاتقوا الله عباد الله، وراجعوا توحيدكم، وأعمالكم، وصدق اتباعكم لنبيكم صلى الله عليه وسلم، فإن الطريق إلى الله لا يُقطع بالأماني، وإنما بالعلم، والعمل، والمحاسبة، والتوبة. اللهم تب علينا توبةً نصوحًا، اللهم ارزقنا قلوبًا سليمة، وأعمالًا خالصة، واتباعًا صادقًا، اللهم لا تجعلنا من الغافلين المعرضين، ولا من المفتونين، اللهم أحسن خاتمتنا، ويسر حسابنا، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. |
| الساعة الآن : 01:36 PM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour