منهاج المسلم في مواجهة الابتلاءات والمحن
منهاج المسلم في مواجهة الابتلاءات والمحن (1-2) كتبه/ علاء بكر فيستمد المسلم من تفاصيل الإيمان بالله -تعالى- ومقتضياته، ومن تفاصيل الإيمان بالقدر خيره وشره ومقتضياته، ومن تفاصيل الإيمان باليوم الآخر؛ منهجه العملي في مواجهة الابتلاءات والمحن والشدائد التي يتعرض لها طوال حياته والتعامل معها. ومدار هذا المنهج على محاور ثلاثة: الأول: حتمية ابتلاء العباد في الحياة الدنيا. الثاني: الابتلاء يأتي على قدر الاحتمال. الثالث: حتمية وقوع الفرج. والأدلة على هذه المحاور موجودة وثابتة في الكتاب والسُّنة، فإن منهما يستمد المسلم عقيدته ومنهجه. المحور الأول: حتمية الابتلاء في الدنيا: وذلك أن الدنيا لكل الناس هي دار اختبار وممر إلى الآخرة، بينما الدار الآخرة هي لهم دار الجزاء والمستقر؛ لذا فالعاقل من كانت همته الآخرة قبل الدنيا، وسعى للآخرة سعيها، ولم ينسَ نصيبه في الدنيا، لكنه لا يجعلها في قلبه ولا تكون منتهى أمله؛ قال الله -تعالى- حاكيًا عن قوم قارون قولهم له ينصحونه لما فيه صلاحه في الدنيا ونجاته في الآخرة: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (القصص: 77). وقال الله -تعالى-: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا . وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا. كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) (الإسراء: 18-20). وقد أكَّد القرآن الكريم على أن الإنسان إنما وُجد في الدنيا ليُبتلى، وأن الابتلاء في الدنيا أمر حتمي لا مفر منه: قال الله -تعالى-: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) (الملك: 1-2)، وقال الله -تعالى-: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الأنبياء: 35)، وقال الله -تعالى-: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) (محمد: 31)، وقال الله -تعالى-: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا . إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) (الإنسان: 2-3). وقال الله -تعالى-: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة: 155-157). وهذا على خلاف ظن بعض الناس أن ما يصيبه في الحياة من ضر أو فقد ولد أو قلة مال لا بد أن يكون من غضب الله -تعالى- عليه، وهو في ذلك لا يدري أن الابتلاء لأهل الإيمان هو سنة كونية ظاهرها المحنة وباطنها المنحة، وذلك حال الرضا بها والصبر عليها، وعدم الجزع والشكوى منها. فلم يكن ابتلاء الله -تعالى- لنبيه أيوب -عليه السلام- عقابًا له على ذنب أو معصية، ولكن ليكشف للناس مقدار إيمان أيوب -عليه السلام- وثباته وصبره على قضاء الله -تعالى-، والله -تعالى- يقول: (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ . وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ) (الفجر: 15-16) (الآيات). وهذا لا ينافي أن الابتلاء في الدنيا قد يصيب العبد المذنب ليتوب وينيب إلى ربه: قال الله -تعالى-: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) (المؤمنون: 76)، وقد أخبرنا الله -تعالى- أن ما يصيب الإنسان من سوء يمكن أن يكون بسبب إثم اكتسبه، قال الله -تعالى-: (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ) (النساء: 111)، مع فتح باب التوبة والإنابة، قال الله -تعالى-: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا) (النساء: 110)، وقال الله -تعالى-: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) (طه: 82). ومن هنا فإن غالب أهل الإيمان إنما يجتازون فترة هذه الابتلاءات والاختبارات المقدرة عليهم ويخرجون منها أكثر قوة وثباتًا، وأكثر امتنانًا وقربًا من الله -تعالى-، وعلى النقيض فإن غالب ضعاف الإيمان لا يحتملون تلك الابتلاءات والاختبارات فيصابون بالإحباط أو الاكتئاب أو اليأس؛ قال الله -تعالى-: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الحج: 11). فالإنسان لا يتعلم ولا يتعرف على حقيقة إيمانه إلا من خلال آلامه وأخطائه التي يتعرض لها وهو في مواجهة الابتلاءات والمحن، والمؤمن الحق عند الشدة والعسر يصبر ويجاهد نفسه، وعند اليسر والنعمة يحمد الله -تعالى- ويشكره، قال الله -تعالى-: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ? وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم: 7). وفي ذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) (رواه مسلم). ومن هنا يحتاج الإنسان في كل مكان وزمان إلى تصحيح مفاهيمه عن المحن والشدائد التي يتعرض لها، وإعداد نفسه إعدادًا نفسيًّا لمواجهتها بالحقائق الواجب معرفتها، والتعامل مع المحن والشدائد بمقتضاها، ومن ثم تبني رؤية إيجابية مبنية على إدراك أن لله -تعالى- حكمة بالغة في أفعاله، وأن له سنته عز وجل في الابتلاءات، مما يعود بالمصلحة الدنيوية على العبد في أموره الدنيوية والفوز بجنة الله -تعالى- في الآخرة. (أضف إلى ما تقدم حقيقة أن الإنسان لا يمكن أن يشعر بالسعادة إلا بعد معاناة الشقاء، ولا يمكن أن يشعر بالراحة والطمأنينة إلا بعد التعب والمكابدة، ولا يمكن أن يشعر بالصحة والعافية إلا بعد معاناة المرض وآلامه، وهكذا لا تُعرف قيمة الأشياء إلا بأضدادها. ونحن -البشر- لا نحس أو نقدر نعم الله -تعالى- علينا إلا إذا ابتلينا بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، فما الشقاء والتعب والمرض وغيره من الابتلاءات إلا نعمة لمن يتقبلها ويصبر عليها، وهي نقمة لمن يسخط منها ولا يصبر عليها. فالقضية أو المشكلة ليست في الابتلاء ذاته الذي هو قدر الله، وإنما هو موقفنا منه، وهو ما نملكه باختيارنا مدركين حكمته -تعالى- من حتمية الابتلاء والاختبار، وحتمية التعامل معه بالأسلوب الصحيح، أي من خلال الاعتصام بالله والرضا بقضائه، والعمل الصالح ابتغاء مرضاة الله -تعالى- وفرجه، ليكون المؤمن قويًّا) (ينظر رسالة: كيف نواجه الشدائد والمخاوف في ضوء الكتاب والسنة؟ - تأليف المستشار الدكتور محمد شوقي الفنجري - هدية مجلة الأزهر - عدد شهر رمضان 1446 هـ، ص 29-30 بتصرف يسير). لذا فمن الإيمان بالقضاء والقدر: إيمان المسلم أن ما أصابه ويصيبه من البلاء ما كان ليخطئه، وما أخطأه أو نجا منه ما كان ليصيبه؛ قال الله -تعالى-: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة: 51)، وفي الحديث قال -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس -رضي الله عنهما-: (اعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ) (رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ) (رواه الإمام أحمد وصححه الألباني). ومما ينبغي أن يُعلم في هذا المقام: أن عظم الأجر والثواب مع عظم المصيبة والبلاء؛ لذا كان الرسل والأنبياء أشد الناس بلاء وأكثرهم عليه أجرًا، ولما سُئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أكثر الناس بلاء قال: (الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ) (رواه أحمد والترمذي، وابن ماجه وصححه الألباني). وفي الحديث المرفوع: (إِنَّا مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ يُضَاعَفُ لَنَا الْبَلَاءُ كَمَا يُضَاعَفُ لَنَا الأَجْرُ) (رواه ابن ماجه وأحمد وحسنه الألباني). وعن الأسود بن يزيد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (أَجْرُكَ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكَ) (رواه البخاري)، وعن الإمام أحمد أنه قال: يُبتلى المرء بقدر إيمانه، وكلما اشتد البلاء عظم الثواب. ونخلص مما تقدم أن الابتلاء في الحياة الدنيا هو أمر حتمي لا خلاص ولا فكاك منه، وذلك لحكمة إلهية؛ لقول الله -تعالى-: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) (العنكبوت: 2)، وقوله -تعالى-: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ) (محمد: 31)، وقوله: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (الملك: 2). وليكون جزاؤنا في الدنيا والآخرة بحسب جهادنا وصبرنا: قال الله -تعالى-: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى . وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى) (النجم: 39-40)، وقال الله -تعالى-: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (الأحقاف: 19). وإن الابتلاء هو في ذاته نعمة، فمن خلاله يُربى الإنسان نفسه، ويُقوَّم سلوكه، كما أنه يتعرف على الله بوعي، ويرتبط به بصدق، ويدعوه -تعالى- مؤمنًا بعفوه وعونه. وقد قيل: إن المصيبة هي عقوبة وتنبيه للغافل والفاسق لقول الله -تعالى-: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضْرَعُونَ) (الأعراف: 94). وهي نعمة وأجر للمؤمن وزيادة في إيمانه: لقول الله -تعالى-: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (آل عمران: 173) (المصدر السابق، ص 38-39 بتصرف يسير). وقال الله -تعالى-: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ . فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ . فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام: 42-45). لذا قيل: من لم يصبر على البلاء لم يرض بالقضاء. (والقاعدة الذهبية التي أرساها الإسلام في مواجهة الشدائد والمخاوف وسائر أحداث الحياة وأزماتها هي سعي المرء إلى إصلاح ما يمكن إصلاحه أو تغييره، والرضا بما لا يمكن إصلاحه أو تغييره، محتسبًا ذلك عند الله -تعالى- متوكلًا عليه، فلا أحد يستطيع أن يمنع أو يوقف قضاء الله -تعالى- وقدره في ابتلائه، وإنما يستطيع أن يعالج ويداوي نفسه، أو أن يتأقلم ويتعايش مع بلواه مستثمرًا ومستفيدًا منها) (المصدر السابق، ص 40). ولذا قيل: من لم يصبر على البلاء لم يرض بالقضاء. المحور الثاني: الابتلاء يأتي على قدر الاحتمال: تختلف الابتلاءات والمحن والشدائد من شخص لآخر باختلاف الأشخاص، كل في حدود احتماله، وبقدر ما وهبه الله -تعالى- له من القدرات والإمكانيات، ولكن يجمعها جميعًا أنها برحمة من الله وفضله تكون على قدر احتمال العبد وفي قدرته على الصبر، قال الله -تعالى-: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ? لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) (البقرة: 286)، وقال -تعالى-: (رَبَّنَا لَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) (البقرة: 286). فالعبد غالبًا ما يُبتلى على قدر إيمانه. ومن محاسن الشريعة الإسلامية: مساعدة أحكامها العبد المبتلى على تخطي الابتلاءات والمحن والمصاعب من خلال ما في الشريعة الإسلامية من صور متعددة من التخفيف وإسقاط لبعض التكاليف في حالات المرض أو المشقة أو العجز؛ قال الله -تعالى-: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: 185)، وقال الله -تعالى-: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ) (التوبة: 91)، وقال الله -تعالى-: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) (النور: 61). ومن محاسن الشريعة أيضًا: توفير أسباب شرعية لعلاج الكثير من الشدائد والمحن أو الوقاية منها، وهي أسباب معروفة ومجربة، وفي مقدمتها: الدعاء؛ قال الله -تعالى-: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) (إبراهيم: 7)، وفي أمر الدعاء قال الله -تعالى-: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر: 60)، وفي الحديث المرفوع: («مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو اللَّهَ بِدُعَاءٍ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِمَّا أَنْ يُعَجَّلَ فِي الدُّنْيَا، وَإِمَّا أَنْ يُدَّخَرَ لَهُ فِي الآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يُكَفَّرَ عَنْهُ مِنْ ذُنُوبِهِ بِقَدْرِ مَا دَعَا، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). وفي الحديث المرفوع: (إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). وفي الحديث المرفوع: (ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني). ومن حكمة الله -تعالى- ورحمته بعباده: أن جعل المصيبة تبدأ كبيرة ثم تتضاءل وتصغر بالتدريج، وفي الحديث المرفوع: (إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى) (متفق عليه). وأنه مهما كانت شدة المصيبة فإن التحلي بالصبر والاستعانة بالله -تعالى- وبإدراك حكمته في الابتلاء يتمكَّن العبد من اجتياز الشدة أو المحنة التي يتعرض لها؛ لذا كان الصبر عند المصيبة من أوجب الواجبات على العبد المبتلى، قال -تعالى-: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (لقمان: 17)، وقال الله -تعالى-: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ) (النحل: 127)، وقال الله -تعالى-: (وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) (آل عمران: 146)، وقال -تعالى-: (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا ? إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا . وَنَرَاهُ قَرِيبًا) (المعارج: 5-7). والصبر الجميل هو الصبر الذي لا شكوى ولا جزع فيه: وفي الحديث المرفوع: (عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ حَمِدَ اللَّهَ وَشَكَرَ وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ احْتَسَبَ وَصَبَرَ) (رواه أحمد، وصححه الألباني). ومن كمال الإيمان بالقضاء والقدر: التسليم لقضاء الله -تعالى- مهما كان، وهذا مما يعين العبد على تخطي المحن والمصاعب مهما اشتدت، وفي الحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا: (إِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا لَكَانَ كَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ) (رواه مسلم). وذلك أن العبد المبتلى إذا عَلِم أن ما قدَّره الله -تعالى- عليه من البلاء والمصيبة هو أمر مكتوب عليه من الأزل ولا مفر من وقوعه، وأن له وقته ثم يزول، استراحت نفسه وذهب حزنه وخف همه، لغلب عليه يقينه بعدل الله -تعالى- ورحمته، وأنه لن يضيعه في الدنيا والآخرة على ما كان عليه من تقواه وإيمانه وصبره، فالله -تعالى- هو الأعلم بمصلحة العبد منه، وسيجزيه عن مصيبته خيرًا. ومن صور الابتلاءات والمحن من هذا القبيل ما يتعرَّض له كبار السن عند الاقتراب من نهاية العمر، ليراجع كل إنسان مع قرب نهاية عمره نفسه، فيتدارك ما يمكن تداركه بتوبة صادقة، أو رد مظالم للعباد عنده، وهي قبل ذلك وبعده كفارة للذنوب أو رفع للمنزلة والدرجة في الآخرة، وهذا كله مما يبث في النفس المدركة والمتقبلة لكل هذه المعاني القدرة على الصبر والتحمل، وهذا من رحمة الله -تعالى- بعباده المؤمنين وفضله عليهم. والصبر على الابتلاءات على صورتين: الأولى: العمل والاجتهاد في تغيير وإصلاح الحال ما أمكن في مواجهة مشكلات وهموم الحياة، قال الله -تعالى-: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) (محمد: 31). الثانية: الرضا بقضاء الله -تعالى- وقدره، والصبر عليه وحسن التوكل على الله -تعالى-، خاصة فيما لا يمكن تغييره أو رجوعه، كموت شخص أو إصابة الشخص بعاهة مستديمة؛ قال الله -تعالى-: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ? وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة: 51). وقد ورد ذكر الصبر والتوكل على الله مع الأخذ بالأسباب في عشرات الآيات القرآنية، فهما مرتبطان معًا ارتباطًا وثيقًا بمثابة وجهين لعملة واحدة، قال الله -تعالى-: (الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (النحل: 42). وللحديث بقية -إن شاء الله-. |
رد: منهاج المسلم في مواجهة الابتلاءات والمحن
منهاج المسلم في مواجهة الابتلاءات والمحن (2-2) كتبه/ علاء بكر المحور الثالث: حتمية الفرج: وهذا من فضل الله -تعالى- على عباده أن جعل الفرج بعد الابتلاء حتميًّا، وهو مشاهد معلوم لا ينكر؛ لذا قيل: "ما ضاقت إلا فرجت"، ومن المحنة تكون المنحة. وفي هذا يقول الشاعر: ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظـنـها لا تـفـرج 1- قول الله -تعالى-: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) (الشرح: 5-6)، فلا يخلو العسر مهما طال من يسر يتبعه، ويدل على قرب اليسر بعد العسر استخدام كلمة (مع) في قول الله -تعالى- (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)، فهي معية مقاربة أو امتزاج تشعر بسرعة مجيء اليسر بعد العسر، ولن يغلب عسر يسرين. قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في تفسيره: (وقوله: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) بشارة عظيمة، أنه كلما وجد عسر وصعوبة فإن اليسر يقارنه ويصاحبه، حتى لو دخل العسر جحر ضب لدخل عليه اليسر فأخرجه، كما قال -تعالى-: (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا)، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وَإِنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) (رواه أحمد، وصححه الألباني). وتعريف (العسر) في الآيتين واحد، يدل على أنه واحد، وتنكير (اليسر) دليل على تكراره، فلن يغلب عسر يسرين. وفي تعريفه بالألف واللام الدالة على الاستغراق والعموم دلالة على أن كل عسر -وإن بلغ من الصعوبة ما بلغ-، فإنه في آخره التيسير ملازم له. 2- قول الله -تعالى-: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) (الطلاق: 2-3). قال الشيخ السعدي في تفسيره: "وأن من اتقاه في الطلاق وغيره فإن الله يجعل له فرجًا ومخرجًا". وأضاف: "والآية وإن كانت في الطلاق والرجعة فإن العبرة بعموم اللفظ، فكل من اتقى الله -تعالى- ولازم مرضاة الله في جميع أحواله فإن الله يثيبه في الدنيا والآخرة. ومن جملة ثوابه أن يجعل له فرجًا ومخرجًا من كل شدة ومشقة. وكما أن من اتقى جعل الله له مخرجًا فمن لم يتق الله وقع في الشدائد والآصار والأغلال التي لا يقدر على التخلص منها والخروج من تبعاتها". 3- قول الله -تعالى-: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) (الطلاق: 7). قال الشيخ السعدي: "(لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا): وهذا مناسب للحكمة والرحمة الإلهية حيث جعل كلًّا بحسبه، وخفف عن المعسر، وأنه لا يكلفه إلا ما آتاه، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، في باب النفقة وغيرها. (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) وهذه بشارة للمعسرين، أن الله -تعالى- سيزيل عنهم الشدة ويرفع عنهم المشقة ((فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)". 4- قول الله -تعالى- في سورة يوسف: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) (يوسف: 110). قال ابن كثير رحمه الله: "يذكر -تعالى- أن نصره ينزل على رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين عند ضيق الحال وانتظار الفرج من الله في أحوج الأوقات إلى ذلك، كقوله -تعالى-: (وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ) الآية". 5- قول الله -تعالى- في حق أسرى بدر من المشركين ممن دفعوا الفدية لإطلاق سراحهم: (إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الأنفال: 70). 6- قول الله -تعالى-: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (آل عمران: 140). 7- قول الله -تعالى- في حقِّ أنبيائه ومن قاتل معهم من أتباعهم الربانيين: (فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: 146 – 148). 8- قول الله -تعالى- في ختام سورة البقرة: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (البقرة: 286). قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: "وقوله: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) أي: لا يكلف أحدًا فوق طاقته، وهذا من لطفه -تعالى- بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم. وهذه هي الناسخة الرافعة لما أشفق منه الصحابة في قوله: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) أي: هو وإن حاسب وسأل، لكن لا يعذب إلا بما يملك الشخص دفعه، فأما ما لا يملك دفعه من وسوسة النفس حديثها فهذا لا يكلف به الإنسان، وكراهية الوسوسة من الإيمان. وقوله: (لَهَا مَا كَسَبَتْ) أي: من خير (وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) أي: من شر. وذلك في الأعمال التي تدخل تحت التكليف. ثم قال -تعالى- مرشدًا عباده إلى سؤاله، وقد تكفل لهم بالإجابة كما أرشدهم وعَلَّمهم أن يقولوا: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) أي: إن تركنا فرضًا على جهة النسيان، أو فعلنا حرامًا كذلك أو أخطأنا أي: الصواب في العمل جهلًا منا بوجهه الشرعي". ويضيف ابن كثير قائلًا: "وقوله: (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) أي: لا تكلفنا من الأعمال الشاقة وإن أطقناها كما شرعته للأمم الماضية قبلنا من الأغلال والآصار التي كانت عليهم، التي بعثت نبيك محمدًا -صلى الله عليه وسلم- نبي الرحمة بوضعه في شرعه الذي أرسلته به من الدين الحنيف السهل السمح". ويضيف ابن كثير -رحمه الله-: "وقوله: (رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) أي: من التكليف والمصائب والبلاء لا تبتلينا بما لا قبل لنا به". (وقوله: (وَاعْفُ عَنَّا) أي فيما بيننا وبينك مما تعلمه من تقصيرنا وزللنا. (وَاغْفِرْ لَنَا) أي: فيما بيننا وبين عبادك، فلا تظهرهم على مساوينا وأعمالنا القبيحة (وَارْحَمْنَا) أي: فيما يستقبل، فلا توقعنا بتوفيقك في ذنب آخر. ولهذا قالوا: إن الذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء: أن يعفو الله عنه فيما بينه وبينه، وأن يستره عن عباده فلا يفضحه به بينهم، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره" (تفسير ابن كثير بتصرف يسير). ولا تقتصر سعادة الإنسان على الحصول على السعادة المادية الخارجية كالمال والنفوذ والجاه والمنزلة، لكن هناك كذلك السعادة المعنوية الداخلية، وفي مقدمتها: السعادة بالإيمان وما يصحبه من انشراح النفس والرضا والقناعة والطمأنينة والسكينة، والتي بها يكون غنى الإنسان واستغناء نفسه. وهذا الفرج ثمرة الصبر وجزاؤه وثمرة التوكل على الله -تعالى-، ومع هذا الفرج يكون شعور العبد بحلاوة الإيمان وراحة البال في الدنيا، ثم الفوز بالجنة في الآخرة؛ قال الله -تعالى-: (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا) (المعارج: 5-7)، وقال الله -تعالى-: (وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا) (الإنسان: 12). وقال الله -تعالى-: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر: 10). وينبغي أن نعلم أن من آمن بالله واتقى الله في كافة أقواله وأفعاله فإنه يكون بذلك محصنًا -بفضل الله تعالى- من الخوف أو الحزن؛ قال الله -تعالى-: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل: 97)، وقال الله -تعالى-: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام: 82)، وقال الله -تعالى-: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا) (طه: 112). والتزام هذا المنهاج في التعامل مع الابتلاءات والمحن يغرس في المسلم العديد من المعاني والمفاهيم الإيجابية، والتي يبثها في النفس التعامل وفق الشرع مع الابتلاءات والمحن، ومنها: 1- معرفة العبد لحقيقة نفسه: فالعبد ضعيف لا حول له ولا قوة إلا بربه، لذا فالعبد محتاج دائمًا للتوكل على الله -تعالى- حق التوكل، واللجوء إليه حق اللجوء. وعندها تسقط في عين العبد ما هو عليه من العجب والغرور والخيلاء والجاه أو الغفلة والنسيان. 2- معرفة العبد حقيقة الدنيا وزيفها: فالبلاء يكشف للعبد حقيقة الدنيا وزيفها، وأنها متاع الغرور، وإن الحياة الحقيقية هي الحياة في الآخرة، قال الله -تعالى-: (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (العنكبوت: 64)، أما الحياة الدنيا فهي دار كد وكبد وتعب، قال الله -تعالى-: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ) (البلد: 4). فهذا شأن الدنيا فبينما هي مقبلة إذا بها مدبرة، وبينما هي ضاحكة إذا بها عابسة، فما أسرع انقطاعها بعد وصلها، وأسرع الابتلاء فيها بعد نعمائها. وهذه طبيعتها التي ينبغي ألا نغفل عنها، تذكرنا بها الابتلاءات والمحن لنستعيد رشدنا ونستعد للآخرة. يقول الشاعر: فاعمل لدار غد رضوان خازنها الجار أحمد والرحمن بانيهـا قصورها ذهب والمسك تـرابها والزعفران حشيش نابت فيها 4- البلاء لا يجعل العبد يفرح فرحًا طاغيًا حال حلول النعم، ولا يأسَ أسى مثبطًا يوقع في اليأس حال وقوع النقم: والله -تعالى- يقول: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (الحديد: 22-23). 5- البلاء ينبه العبد بما في نفسه من العيوب، فيمنحه الفرصة ليتوب منها، والله يقول: (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) (النساء: 79)، ويقول الله -تعالى-: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) (الشورى: 30). والبلاء عذاب دنيوي أدنى ينبهنا لنتوب ولننجو من العذاب الأكبر يوم القيامة، وهذا يدخل في عموم قول الله -تعالى-: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (السجدة: 21). 6- البلاء يعلمنا الصبر بصورة عملية: وما أحوج الإنسان -كل إنسان- إلى الصبر وقوة التحمل في حياته الدنيوية، بل لن يستطيع العبد الثبات على الحق إلا بالصبر وقوة التحمل. والمراد بالصبر: الصبر بكل أنواعه، الصبر على طاعة الله عز وجل، والصبر على الامتناع عن معصية الله عز وجل، ثم استكمال صور الصبر بالصبر على أقدار الله -تعالى- المؤلمة، ويا لها من منزلة، قال الله -تعالى-: (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ). ولا شك أن كل هذه الدروس ما كان ليتم الاستفادة منها وجني ثمارها تلك إلا بالتعرض للابتلاءات والمحن عمليًّا، ومعاناة قسوتها التي تدفع الإنسان دفعًا إلى مراجعة أحواله والتعديل فيها، فلا يكفي الكلام النظري المكتوب على الورق إن لم يبتل صاحبه ابتلاء عمليًّا حقيقيًّا، فإذا نزل البلاء بالعبد واجتازه بنجاح بتوفيق الله -تعالى- له تحول الأمر إلى واقع عملي يعيشه العبد. وهذه حكمة ظاهرة للبلاء في حياة الإنسان لا تنكر. وقد أدرك سلفنا الصالح تلك المعاني وهذه الحكم العالية، واستوعبوها جيدًا؛ لذا ضربوا أروع الأمثال في الصبر والثبات والاحتساب، من أمثلة ذلك: ما ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يحمد الله -تعالى- على البلاء إن أصابه، ولما سئل عن ذلك قال: "ما أصبت ببلاء إلا كان لله عليَّ فيه أربع نعم: أنه لم يكن في ديني، وأنه لم يكن أكبر منه، وأني لم أحرم الرضا والصبر، وأني أرجو ثواب الله -تعالى- عليه". ما ذكر عن عروة بن الزبير رحمه الله أنه لما أصيب في قدمه وقرر الأطباء قطعها لم يزد عن قوله: "اللهم لك الحمد، فإن أخذت فقد أبقيت، وإن ابتليت فقد عافيت"، ولما سئل عن ذلك قال: "كان لي أربعة أطراف فأخذ الله واحدًا وبقي لي ثلاثة"، "وعافاني فيما مضى من حياتي، ثم ابتلاني اليوم بما ترون، أفلا أحمده على ذلك". ومن الأمور الواجبة عند الابتلاء الحرص على الاحتساب وطلب الأجر والثواب من الله -تعالى-، على أن يكون ذلك الأمر بإخلاص وفي خفية، مع إيقانك أن الله -تعالى- الذي ابتلاك يراك، ويعلم ما بك، وينظر إلى أعمالك ويسمع أقوالك، وهو أرحم بك من نفسك ومن الناس أجمعين، فاحذر الشكوى إلا إليه، وفي هذا المعنى يقول الشاعر: إذا شـكـوت إلى ابن آدم فـكـأنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم لا تنسَ مهما بلغ مصابك فإنه لن يبلغ مصاب الأمة جمعاء بفقدها للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فتعز بذلك، جاء في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ فَلْيَذْكُرْ مُصِيبَتَهُ بِي، فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ) (رواه البيهقي وصححه الألباني). وأخيرًا لا تنس عند المصيبة أن تقول: "إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها"؛ فإنك إن قلتَ ذلك أجارك الله -تعالى- في مصيبتك، وخلفها عليك بخير؛ قال الله -تعالى-: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة: 155-157). |
| الساعة الآن : 01:28 AM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour