ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   من بوح قلمي (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=72)
-   -   همس القلم (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=324416)

ابوالوليد المسلم 12-02-2026 12:27 PM

همس القلم
 
همس القلم – الإحسان.. بوصلة حياة!

يُعدّ مفهوم الإحسان في التراث الإسلامي قمّة سُلّم القيم الروحية والأخلاقية؛ حيث يُذكّر الإنسان بأن الحياة تحمل روحًا ومعنىً، وأن اختبار القيم لا يقتصر على المواقف الاستثنائية؛ بل يتمثّل في السلوك اليوميّ؛ فالإحسان ليس خلقًا إضافيًّا -يمكن الاستغناء عنه وإهماله- بل هو ذروة الإيمان، كما جاء في حديث جبريل -عليه السلام-: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، وبهذا التعريف تتحول حياة المسلم إلى عبادة مُتَّصلة، خاضعة لمراقبة الله وليس لتقلبات البشر.
ويُعمّق القرآن الكريم هذا المفهوم بأمره الشامل: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} (النحل:90)، الذي يشمل العبادة والمعاملة، والفكر والعمل، والسرّ والعلن؛ كما يربط الإحسان بمحبة الله: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (البقرة: 195)؛ ما يجعله دافعًا داخليًّا مستقلًّا عن ردود الفعل الاجتماعية على اختلافها.
وفي العبادة، يتجلى الإحسان في حضور القلب وصدق التوجه، فتغدو الصلاة تهذيبًا للنفس، والصيام تزكية للسلوك، وسائر الطاعات تربية عملية على الانضباط والمراقبة، كما يتجلى في الإكثار من النوافل واستثمار مواسم الطاعة: «... وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه».. وأما في المعاملة، فالإحسان يرتقي بالسلوك الإنساني إلى مستوى المبادئ والقيم السامية؛ فالمسلم حين يُحسن ليس لأنه يجازى بالإحسان إحسانا فحسب؛ بل يحسن لأنه عبد لله، يستقيم مع الحق ولو قوبل بالجفاء، وقد أرشد القرآن إلى هذا المعنى العميق بقوله -تعالى-: {ادفع بالتي هي أحسن}، فجعل الإحسان أسلوبًا في مواجهة الإساءة، وليس مجرد مكافأة على المعروف؛ وبذلك تتحوّل الإساءة إلى فرصة إصلاح بموجب: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.. وفي ميدان العمل، يصبح الإحسان إتقانًا وأمانة؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه»، والإتقان هنا ليس بمعنى المهارة المهنية فحسب؛ بل تعبير عن وعي إيماني، يجعل العمل عبادة، والوظيفة رسالة، والمسؤولية أمانة.
وحين يتحول الإحسان إلى معيار في الأداء، تنضبط المصالح، وتترسخ الثقة، ويقوم العمران على أساس أخلاقي وتنموي مستدام، كما قال -تعالى-: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها}. وفي الأسرة يبدأ الإحسان باللين في القول، والعدل في المواقف، والصبر عند الخلاف؛ فالإحسان في البيت لا يعني المثالية في كل شيء؛ بل تغليب الرحمة على القسوة، والإصلاح على الانتقام مع استحضار النية، كما يمتد الإحسان في المجتمع إلى التعامل مع الناس كافة -على اختلاف طبائعهم ومواقفهم -؛ فيُحسن المسلم في تعامله ويرتقي بسلوكه؛ لأنه يحمل قيمًا، وليس - بالضرورة - لأنه يواجه أناسًا مستحقين.
والإحسان بهذا الفهم الشامل: قرارٌ صائب وليس ردّ فعل، ولا موقفًا عاطفيا، بل هو منهج حياة، وحين يستقر ذلك في ضمير المسلم فإنه يتحول إلى قوة بناء، وتغدو القيم ميزانا يحكم السلوك، ليظل المسلم عنصر إصلاح ونماء حيثما وجد؛ فيُحسن لتأدبه بأدب القرآن والسنة، ويستقيم لأنه يوقن بمراقبة الله -تعالى- له، {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}؛ فيرجو ما عنده من جزيل الأجر والثواب.



اعداد: ذياب أبو سارة


ابوالوليد المسلم 17-02-2026 08:38 PM

رد: همس القلم
 
همس القلم- رمضان.. مدرسة القلوب

تأتي مواسم الطاعات كنسيمٍ عذب يلامس القلوب المتعبة، ويفتح أمام المسلمين آفاقًا من النور والثواب؛ حيث يتجدد فيها الإيمان وتستنير العقول، وتشعر الروح بالطمأنينة والسكينة، وتعمر القلوب بهدي الله ورحمته، وما تلك المواسم إلا فرصة ثمينة لإعادة ترتيب الحياة، واليقين بأن الطريق إلى الله دائمًا مفتوح، وأن الرحمة الإلهية ترافق المسلم في كل مرحلة من مراحل حياته. وهكذا يأتي رمضان كل عام ليستذكر المسلم ذلك النداء الرباني في قوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183) ليوجه بوصلة المسلم نحو الغاية من خلقه، والهدف من عبادته، فيحرص على تحصيل التقوى.. وينتشله من تفاصيل الحياة المرهقة؛ ليصفو الذهن وتتخفف الروح من ضجيج الدنيا، وتستعيد صلتها بالربّ الرحيم الودود اللطيف الكريم؛ فمنه -سبحانه- الابتداء وإليه المصير. والتقوى -هنا- ليست خوفًا مجردًا، بل هي حال وعي دائم بحضور الله، وحافز للمسلم لاستشعار معيّة الله حتى يزن أفعاله بميزان الآخرة؛ ولذلك كان الصيام عبادة خفية بين العبد وربه؛ وجزاؤه عند الله وليس عند الملائكة الكتبة الحافظين.. كما جاء في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به»، إشارة إلى خصوصية هذه العبادة التي تُربّي على الإخلاص في أنقى صوره. شهر رمضان تدريب على الطاعة؛ وتحرير للمسلم من تسلط شهوته؛ فالامتناع عن المباح ساعاتٍ طويلة يعيد ترتيب العلاقة بين الروح والجسد، ويعلّم القلب أن اللذة ليست غاية، بل وسيلة تُضبط بقيم أعلى؛ ومن هنا كان الصيام مدرسة الصبر، لينال به العبد المسلم أعظم الأجر والثواب: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}. ولا يكتمل جوهر الصيام إلا بصيام الجوارح؛ فالجوع الذي لا يورث رقة القلب يتحول إلى عادة فارغة؛ لذلك حذّر النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك بقوله: «رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش»، ليعيد توجيه الصائم نحو حقيقة العبادة؛ ففي رمضان يتعلم اللسان الصدق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعين العفة، والقلب الصفح والرحمة، واليد الكرم وفعل الخير على أساس من المراقبة والإحسان. في رمضان يكون النهار فرصة لتلاوة القرآن ومراجعة الحفظ، ثم يأتي الليل ليكون عامرًا بالقيام، وفي الصلاة يقف الناس صفًا واحدًا، تتردد بينهم آيات القرآن الذي اختاره الله عنوانًا وميقاتًا زمنيًا لهذا الشهر الفضيل بقوله -سبحانه-: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} (البقرة: 185)، والقرآن في رمضان ليس تلاوة حروف، بل إعادة تشكيل للوعي؛ وفرصة للتدبر والتأمل. ومن أعمق أسرار رمضان أنه يربط العبادة بالتراحم والتعاون والتواصل الإيجابي مع ذوي الأرحام، والشعور بمعاناة الجائعين والفقراء والمساكين حول العالم؛ فالصائم حين يشعر بألم الجوع ينكسر فيه وهم الغفلة والاكتفاء، ويستيقظ على حسَ المشاركة وواجب العطاء؛ لذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أجود ما يكون في رمضان؛ لأن القرب من الله يثمر بالضرورة قربًا من الناس، كما إن العطاء في هذا الشهر ليس فضلًا زائدًا، بل امتدادًا طبيعيا لصفاء القلب وسموّ الروح.



اعداد: ذياب أبو سارة








الساعة الآن : 02:33 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 10.17 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 10.04 كيلو بايت... تم توفير 0.14 كيلو بايت...بمعدل (1.33%)]