فضائل شعبان وحكم صيامه
فضائل شعبان وحكم صيامه يحيى سليمان العقيلي الحمد لله على نِعمه وإحسانه، والشكر له على كرمه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في حكمه وسلطانه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بشر الصالحين بمغفرة الله ورضوانه، ووعد المتقين بنعيم الله وجِنانه، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله الطاهرين، وصحبه الطيبين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الوفادة عليه ولقائه، وسلم تسليمًا كثيرًا؛ أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، فإنما يتقبل الله من المتقين، واشكروه فإن الله سيجزي الشاكرين، وتوبوا إليه فإن الله يحب التوابين؛ ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾ [الطلاق: 4]. معاشر المؤمنين... قد أظلنا شهر من الشهور الفاضلة؛ شهر شعبان، شرع الله تعالى لنا فيه نافلة الصيام، ورغبنا فيه بالإصلاح والوئام، ونبذ ما يكون من الشحناء والخصام؛ فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صيامًا في شعبان))؛ [أخرجه البخاري ومسلم]. وعنها رضي الله عنها قالت: ((كان أحب الشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصومه: شعبان، ثم يصله برمضان))؛ [أبو داود]. أما عن سبب تخصيص نبيكم عليه أفضل الصلاة والسلام هذا الشهرَ المبارك بالصيام، فلأنه شهر تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين؛ فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: ((قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهرًا من الشهور ما تصوم من شعبان؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك شهر يغفل الناس عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأُحب أن يُرفع عملي وأنا صائم))؛ [أخرجه أحمد والنسائي]. وهو شهر كثير الخيرات والبركات والرحمات، عباد الله، يطَّلع فيه الرب تبارك وتعالى فيغفر لجميع خلقه، إلا لمن اتخذ من دون الله إلهًا آخر من الشركاء، ومن كانت بينه وبين أخيه المسلم بغضاء وشحناء؛ فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله لَيطَّلع ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مشاحن))؛ [أخرجه ابن ماجه]. معاشر المؤمنين، وأما عن حكم فضيلة الصيام في شهر شعبان، فإن الصيام من أجَل العبادات وأرفعها شأنًا وأعظمها أجرًا؛ فعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: ((قلت: يا رسول الله، مُرني بعمل، قال: عليك بالصيام؛ فإنه لا عدل له، قلت: يا رسول الله، مرني بعمل، قال: عليك بالصيام؛ فإنه لا عدل له))؛ [صحيح النسائي]. فعندما يستكثر المسلم من الصيام في هذا الشهر، فإنه يأخذ بعمل هو من أحب الأعمال إلى الله وأجزلها ثوابًا، فحري به أن ينال مغفرته وبره وإحسانه. كما أن تعاهُد المسلم صيامَ شهر شعبان، يجعله في زمرة الصائمين الذين ينادون يوم القيامة للدخول من باب الريان في الجنة؛ فعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن في الجنة بابًا يُقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يُقال: أين الصائمون؟ فيقومون، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أُغلق فلم يدخل منه أحد)). فمن هم هؤلاء الصائمون المكرمون عباد الله؟ أهم من اكتفى بصيام الفريضة فقط؟ لو كان ذلك لدخل المسلمون عامتهم من باب الريان، ولكنهم - والله أعلم بمراده - من حقق شرطين معًا لينالوا بهما جواز الدخول من باب الريان: الأول: أنهم أدوا صيام الفريضة على الوجه الذي شرعه ربنا جل وعلا ورضيه، من إخلاص العبادة وإتمامها على الوجه المشروع؛ لأن أداء الفرض هو أحب الأعمال إلى الله. والثاني: أنهم جمعوا إلى ذلك الصيام الواجب صيامَ النوافل، واستكثروا منها، فتميزوا بها عن عامة المسلمين الذين اكتفوا بصيام الفريضة، فاستحقوا هذا التكريم من رب العالمين يوم القيامة. كما أن من حكم صيام شهر شعبان أن أفضل التطوع بالصيام ما كان قريبًا من صيام الفرض في رمضان؛ لأنه يلتحق به لقربه منه، فيكون بمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها، فصوم شعبان كالسنة القبلية لرمضان، وصيام الست من شوال كالبعدية لرمضان. ومن حِكم صيام شعبان ما ذكره ابن رجب رحمه الله فقال: "صوم شعبان كالتمرين على صيام رمضان؛ لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقة وكلفة، بل يكون قد تمرن على الصيام واعتاده، ووجد بصيام شعبان قبله حلاوة الصيام ولذته، فيدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط". فإذا أضفتم، عباد الله، لما سبق ذكره فضيلة صيام النافلة وعظيم ثوابها؛ كما أخبر الصادق المصدوق بقوله: ((من صام يومًا في سبيل الله، باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا))؛ [البخاري]، علمتم عِظم فضل ذلك الهدي النبوي بسنة الإكثار من صيام شهر شعبان. فما أحرانا أن نجتهد، عباد الله، في اغتنام هذه الأيام بالصيام اتباعًا لهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، وتيمنًا بأن تُرفع أعمالنا إلى رب العالمين مقبولةً غير مردودة، وتهيؤًا لاستقبال شهر رمضان المبارك بما يليق بجلال الشهر وفضله؛ ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21]. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وأعاننا على البر والتقوى، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية معاشر المؤمنين، ومما يُسن كذلك في شهر شعبان: صلة الأرحام، وسائر أنواع الإحسان؛ كالإكثار من ذكر الله تعالى وتلاوة القرآن؛ فقد كان شعبان يسمى بشهر القرَّاء، وتعويد النفس على قيام الليل، والإكثار من الإنفاق والصدقة، ومما يُسن فيه كذلك ترك التشاحن والبغضاء، والتقاطع والتدابر.وفي الحديث عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يطَّلع الله إلى جميع خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مُشاحن)). ومن كان عليه قضاء أيام من رمضان الماضي فليبادر بقضائها من الآن، ليدخل عليه رمضان وقد برئت ذمته، ومن كانت لأخيه عنده مظلمة فليؤدِّها اليوم، قبل ألَّا يكون دينار ولا درهم. |
| الساعة الآن : 03:55 PM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour