ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   رمضانيات (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=23)
-   -   طريق المسلم إلى الله قبل رمضان: منزلة اليقظة والاستعداد للمحاسبة: بداية الطريق (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=323888)

ابوالوليد المسلم 29-01-2026 12:16 PM

طريق المسلم إلى الله قبل رمضان: منزلة اليقظة والاستعداد للمحاسبة: بداية الطريق
 
المقال الأول: منزلة اليقظة والاستعداد للمحاسبة: بداية الطريق

د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر

مقدمة:
الحمد لله.
يشكِّل الطريق إلى الله عز وجل الإطارَ المنهجي الذي يتحرَّك فيه المؤمنُ في رحلته إلى الله تعالى، فالسيرُ إلى الله ليس اندفاعًا عاطفيًّا، ولا التزامًا لحظيًّا، ولا طقوسًا متفرقة، بل هو طريق طويل له معالِمُ ومنازلُ، وتربية وانضباطٌ، وصعودٌ تدريجي في مدارج الإيمان.

ومن أعظم هذه المنازل منزلةُ «اليقظة»؛ فهي المرآة التي ينظُر فيها العبد إلى حقيقة سَيْره، والميزان الذي يَقيس به إخلاصَه، والبُوصلة التي تُعيد تصحيح الاتجاه إذا انحرَف الطريق.

السير إلى الله: رؤية منهجية تشبه السفر الحسي:
يُشبه طريق الإيمان السفر الحسي من جهات كثيرة؛ لا وصولَ بلا معرفة الطريق، ولا ثباتَ بلا زادٍ، ولا نجاةَ بلا علامات، ولا تقدُّم بلا مراجعةٍ مستمرة، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [النحل: 9].

فكما أن للطريق الحسي طرقًا مستقيمة، وأخرى مُعْوَجَّةً، فكذلك طريق القلب فيه القصد، وفيه الجَور، وفيه الانحراف الذي لا يَنتبه له إلا مَن كان بصيرًا بمحاسبة نفسه.

الفتور الإيماني: مشكلة عامة ليست حكرًا على رمضان:
تظهر الشكوى في رمضان: لماذا نَضعُف بعد أيام من انتهائه؟ لكنَّ المشكلة أعمُّ وأوسعُ، فكثير من الملتزمين منذ سنوات - سواء كانوا طلابَ علمٍ، دعاةً، أو أصحابَ أعمال صالحة مستمرة - يواجهون الفتور نفسه:
نشاط في مرحلة، ثم انطفاء.
اندفاع، ثم ضعف الهِمَّة.
يقظة، ثم غفلة.
انضباط في بداية الطريق، ثم تراخٍ مع الزمن.

هذه الدورات الإيمانية المتكررة ليست طارئة، بل هي نتيجة واضحة لغياب محاسبة النفس؛ فالسير بلا مراجعة يتحول تدريجيًّا إلى عادة بلا رُوحٍ، ثم إلى أداء بلا حضورٍ، ثم إلى فتورٍ لا يدري صاحبه كيف بدأ!

وهكذا يصبح الفتور عارضًا مستمرًّا بعد مواسم الطاعة، وبعد المشاريع الكبرى، وبعد فترات القوة الإيمانية،

والسبب في جذره: عدم سؤال النفس: «ماذا أردت بهذا؟».

وعدم مراجعة أثر العمل في القلب، وعدم تقييم ما إذا أصبحت العبادة "عادة" لا "عبادة".

أنواع النفس الثلاثة بين الصراع والطُّمأنينة:
النفس الأمَّارة بالسوء: وهي التي تُطلق العبد في شهواته، وتَميل به إلى السهولة والراحة، وتُثقل عليه الطاعات، وتشجِّعه على المخالفات؛ قال تعالى على لسان امرأة العزيز: ﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [يوسف: 53]، هذه طبيعة قابلة للتهذيب بالمحاسبة والمجاهدة والإخلاص، وكثرة الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل.

النفس اللوَّامة: وهي الواعظ الرباني الذي يوقظ العبد عند الغفلة، ويُحاسبه عند الذنب، ويعاتبه عند التقصير، وقد أقسَم الله بها: ﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾ [القيامة: 1، 2]، وهي علامة الإيمان؛ لأن القلوب الحية لا تتوقَّف عن معاتبة نفسها، ولا ترضى بالخطأ، ولا تنام على معصية!
النفس المطمئنة: وهي أعلى درجات النفس، تلك التي استوت على اليقين، وهدَأَ اضطرابُها، وسكنت إلى ربها، واطمأنَّ قلبُها بذكره؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾ [الفجر: 27 - 30].

لكن يجب التحذير مِن فَهْم الاطمئنان على غير وجهه، فليس كلُّ سكون للنفس طُمأنينةً.

قد تسكن النفس غرورًا، أو جهلًا، أو أمنًا من مكر الله، وهذا ليس من الطمأنينة في شيءٍ، بل هو غفلة مُهلكة تُوهم العبد أنه بخيرٍ، بينما هو يتراجع دون أن يَشعُرَ!

الطُّمأنينة الحقة ليست شعورًا بالراحة، بل ثباتًا في طريق المجاهدة.

طمأنينة المؤمن تعني سكون النفس إلى قدَر الله، وراحة القلب في طاعته، وثِقة العبد في وعد ربِّه، وثباته رغم الصعوبات، لا انطفاء الهمَّة ولا التراخي، فالنفس المطمئنة ثمرة سنوات من المجاهدة والمحاسبة، وليست حالة عاطفية عابرة.

النفس: حقيقتها وسبب ضرورة مراقبتها:
النفس إن تُرِكت كانت كالسيل الجارف، وإن قُيِّدت بالمجاهدة والمحاسبة، صارت مُطيعة مستقيمة إن شاء الله.

ولهذا كانت محاسبتها ضرورةً لا يَكمُل السيْر بغيرها؛ لأن النفس بطبيعتها تبرِّر الأخطاء، وتنسى الذنوب، وتخفي العيوب، وتحب الثناء، وتَطلُب السهولة، وتَفِرُّ من المجاهدة، ولا يَضبِطُ هذه القوى إلا من كان واعيًا بها، متفقِّدًا لمداخلها، عارفًا بمكرها.

نماذج من محاسبة السلف:
عن أنس بن مالك قال: سمعت عمر بن الخطاب، وخرَجت معه حتى دخل حائطًا، فسمعته وهو يقول - وبيني وبينه جدارٌ، وهو في جوف الحائط -: «عمر بن الخطاب أمير المؤمنين! بخٍ بخٍ، والله لَتَتَّقِيَنَّ الله أو ليُعذبَّنَك»؛ «موطأ مالك - رواية يحيى - ت عبد الباقي» (2/ 992).

عن إبراهيم التيمي رحمه الله: «مثَّلت نفسي في الجنة آكُل ثمارها، وأَشرُب من أنهارها، وأُعانق أبكارها، ثم مثَّلت نفسي في النار آكُل مِن زقُّومها، وأَشرُب من صديدها، وأُعالج سلاسلَها وأغلالها؛ فقلت لنفسي: أيْ نفسي، أيَّ شيءٍ تُريدين؟ قالت: أُريد أن أُرَدَّ إلى الدنيا فأعمَل صالحًا، قال: قلت: فأنت في الأمنية فاعملي»؛ «محاسبة النفس لابن أبي الدنيا» (10).

هذه النماذج تكشف أن محاسبة النفس ليست خيارًا، بل واجب قلبي لحياة الإيمان.

أركان محاسبة النفس الثلاثة:
وزن النعمة بالجناية: يُقارن العبد بين عظيم نِعم الله وكثرة تقصيره، فيَنكسِر لله ويوقِن أن أعماله - مهما بلغت - لا تُقابل نعمة واحدة؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَنْ يُدْخِلَ أحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ، قالوا: ولا أنْتَ يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: لا، ولا أنا، إلَّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بفَضْلٍ ورَحْمَةٍ، فَسَدِّدُوا وقارِبُوا، ولا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُمُ المَوْتَ: إمَّا مُحْسِنًا، فَلَعَلَّهُ أنْ يَزْدادَ خَيْرًا، وإمَّا مُسِيئًا، فَلَعَلَّهُ أنْ يَسْتَعْتِبَ»؛ أخرجه البخاري (5673)، ومسلم (2816).

معرفة ما لله عليك وما لك عنده:
عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: بيْنَا أنَا رَدِيفُ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ليسَ بَيْنِي وبيْنَهُ إلَّا أخِرَةُ الرَّحْلِ، فَقالَ: «يا مُعَاذُ بنَ جَبَلٍ»، قُلتُ: لَبَّيْكَ رَسولَ اللَّهِ وسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قالَ: «يا مُعَاذُ»، قُلتُ: لَبَّيْكَ رَسولَ اللَّهِ وسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قالَ: «يا مُعَاذُ»، قُلتُ: لَبَّيْكَ رَسولَ اللَّهِ وسَعْدَيْكَ، قالَ: «هلْ تَدْرِي ما حَقُّ اللَّهِ علَى عِبَادِهِ؟»، قُلتُ: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، قالَ: «حَقُّ اللَّهِ علَى عِبَادِهِ أنْ يَعْبُدُوهُ ولَا يُشْرِكُوا به شيئًا»، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قالَ: «يا مُعَاذُ بنَ جَبَلٍ»، قُلتُ: لَبَّيْكَ رَسولَ اللَّهِ وسَعْدَيْكَ، فَقالَ: «هلْ تَدْرِي ما حَقُّ العِبَادِ علَى اللَّهِ إذَا فَعَلُوهُ؟»، قُلتُ: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، قالَ: «حَقُّ العِبَادِ علَى اللَّهِ ألا يُعَذِّبَهُمْ»؛ أخرجه البخاري (5967)، ومسلم (30).

لله على عبده الطاعة والإخلاص، وللعبد عند ربِّه الوعدُ بالمغفرة والقَبول، بهذا الميزان يتوازن القلب بين الخوف والرجاء، فلا يَقنَط ولا يأمَن.

كل طاعة رضِيت بها فهي عليك، وكل معصية عيَّرت بها أخاك فهي إليك، معنى الطاعة التي "رضيت بها": العُجب، هو الإعجاب بالنفس لا الفرح بالطاعة، وهذا أخطرُ أمراض القلوب؛ لأنه يَهدِم العمل من داخله.

معنى "التعيير": الاستعلاء، والعلاقة بينهما أن العُجب يولِّد احتقار الناس، ثم يولد التعيير، ثم يولد فسادًا في القلب أشدَّ من كثير من المعاصي التي يُعيَّر بها الناس!

تحدِّيات المحاسبة في عصرنا:
كثرة الملهيات، وتسارُع الحياة، وضغط العمل، ووجود الهواتف في اليد طول اليوم، كلها أسباب تجعل القلب مشغولًا دائمًا، وتقلِّل فرصَ الخَلوة والمراجعة، ولهذا أصبحت محاسبةُ النفس تشمل: ضبط الوقت، تهذيب النظر، مراقبة المحتوى، حفظ اللسان في الرسائل، مراجعة العلاقات، التفكير في النية قبل الأعمال، وهي كلها ساحات يتسرَّب منها الفتور دون انتباهٍ!

المحاسبة: باب رجاء لا بابُ يأس:
قد يظن البعضُ أن كثرة المحاسبة تُورث الحزن، لكن حقيقتها أنها باب رحمة، فالله لا يفتح باب التوبة إلا ليُقلِّب به القلوب إلى النور، ولا يوقظ النفس اللوَّامة إلا ليقرِّب العبد إليه؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ [البقرة: 222].

المحاسبة ليست هدمًا، بل بناءً، وليست جَلْدًا، بل شفاءً، وليست تثبيطًا، بل طريقًا إلى الاطمئنان الحقيقي.

خاتمة:
اليقظة إلى طبيعة السير في الطريق إلى الله، والوقوف مع محاسبة النفس - منزلةٌ أساسية في طريق السير إلى الله، وهي الفارق بين مَن يعيش إيمانه بوعي، ومَن يتركه يَذبُل ببُطء دون أن يَشعُر، والعبد الذي يقف مع نفسه اليوم وقفةَ صدقٍ، يَثبُت غدًا إن شاء الله على الصراط ثبات أهل اليقين.

نسأل الله أن يَجعَلَنا من عباده المطمئنين، اللوَّامين لأنفسهم، المجاهدين في سبيل تزكية قلوبهم.








ابوالوليد المسلم 02-02-2026 12:19 PM

رد: طريق المسلم إلى الله قبل رمضان
 
طريق المسلم إلى الله قبل رمضان

د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر





المقال الثاني: منزلة المحاسبة

المرآة التي تكشف الحقيقة


المقدمة:
الحمد لله؛ جاء المقال الأول من هذه السلسلة ليضَع الأساس النظري لمنزلة محاسبة النفس، من خلال أهمية اليقظة، وبيان أركان المحاسبة الثلاثة، وليَكشِف طبيعة النفس ودورَها في السير إلى الله عز وجل، وأنواعَها الثلاثة، وعُمقَ حضورها في طريق الإيمان.

أما هذا المقال، فيتَّجه إلى محورٍ آخرَ لا يَقِلُّ أهميةً، بل هو المكمل الحقيقي لهذا المنزل، إنه التزوُّد المستمر الذي يجعل العبد قادرًا على مواصلة السير إلى الله دون انقطاع.

فكثير من الناس يُحسنون البداية، ثم يَضعُفون، ويَخبو نورُهم، ويَغلبُهم الفتورُ بعد فترة - سواء بعد رمضان، أو بعد موسم طاعة، أو حتى بعد سنوات من الالتزام - والسبب في جوهره قلة التزوُّد، وضَعفُ المحاسبة من الداخل.

وهذا المقال يعالج هذه الإشكالية، ويقدِّم للقارئ مفاتيحَ الثبات، وموازين السير، وعوامل الاستمرار.

حقيقة الطريق: السير إلى الله ليس لحظة، بل عمر بأكمله:
إن السير إلى الله لا يُشبه أي سيرٍ آخرَ، فالسالك هنا لا ينتقل من مكان إلى مكان، بل من حالٍ إلى حال، ومن درجةٍ إلى درجة، ومن منزلةٍ إلى التي بعدها، ولهذا فالقضية ليست فقط "أن تبدأ"، بل أن تستمرَّ، وليست أن تتحمَّس، بل أن تَنتظم، وليست "أن تَخشَعَ مرة"، بل أن تَحفَظ جَذوةَ الخشوع حيَّةً ما استطعتَ!

إن الطريق طويل، والنفس ضعيفة، والفتن كثيرة، والعوائق متشابكة، ومَن لم يُهيِّئ لنفسه زادًا يَكفيه، سيتوقَّف في منتصف الرحلة وإن أحسَن البداية! ولهذا فإن المسألة ليست في قوة الانطلاق، بل في دَيمومة البقاء.

مشكلة الفتور المتكرر: لماذا نَخبو بعد مواسم الطاعة؟

هذا المقال يُعالج ظاهرة يَعرِفها كلُّ سائر إلى الله، فتورٌ يأتي بعد طاعة عظيمة، أو موسمٍ قوي، أو مرحلة يقظة، وكثير من الناس يَربطون ذلك برمضان فقط، لكن الحقيقة أوسع بكثيرٍ!

الملتزمون منذ سنوات، وطالب العلم، والداعية، وأهل المساجد، كلهم يتعرضون للفتور نفسه؛ لماذا؟

لأن الفتور ليس متعلقًا بالموسم، بل متعلقًا بالوقود الداخلي، فالإنسان قد يصلي ويصوم ويتصدَّق، لكن قلبه يبقى بلا زادٍ يحفَظ حرارة الإيمان، وقد يعمل كثيرًا، لكنه يعمل بالعادة، وقد يَسير سريعًا، لكنه يسير بلا طاقة رُوحية كافية، ومن ثَم فالفتور إذًا ليس "نقصَ عملٍ"، بل "نقصَ تزوُّد بالوقود اللازم"، وكما أن السيارة تتوقف إذا نفِد وقودُها، كذلك القلب يتوقف إذا نفِد وقودُه من اليقين والتدبر والذكر والمجاهدة الباطنة.

التزوُّد: السرُّ الذي لا يستغني عنه السالك:
إن التزوُّد هو القضية المركزية التي تحفظ على السالك قوَّته وثباته؛ ما التزوُّد؟ ليس كثرة الأعمال في ظاهرها، بل هو: استحضار الحقائق الإيمانية في القلب، وتأمُّل نعم الله وآلائه، وتجديد العهد معه في كل حين، ومراجعة النفس عند كلِّ غفلة، وتَكرار طرق أبواب القرب، وإحياء القلب بذكر الله، وربْط العمل بالنية، وقراءة القرآن برُوح راغبة مُقبلة، وسائر الأعمال والأقوال التي يُحبها الله عز وجل.

التزوُّد ليس "نشاطًا"، بل "غذاء"، وليس "حماسًا"، بل "يقينًا"، وليس "لحظة"، بل "عادة"، ولهذا فإن الطريق إلى الله يَقطَعه القلب وزادُه اليقين، فإن فَقَد القلب يقينَه تعطَّّل السَّيْرُ كلُّه!

أثر التزوُّد في ثبات القلب:
إن للتزوُّد أثرين رئيسيين:
أنه يَحفَظ حركة القلب: فالقلب إذا خلا من التزوُّد، ضَعُف، ثم فتَر، ثم قسا، ثم انقطَع، وإذا امتلأ بالتزوُّد، استقام، وثبَت، وقاوَم الشهوات، واستقبَل الطاعات برغبةٍ، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ [البقرة: 45، 46]، والخشوع لا يستقيم إلا بالتزوُّد.

أنه يقي العبد من الانتكاس: الذي ينقطع ليس هو مَن قلَّ عمله، بل مَن قلَّ وقودُه، والذي ينتكس ليس هو مَن أخطأَ، بل مَن لم يتزوَّد ويرجِع سريعًا بعد الخطأ، فإن الذنب مع التوبة زادٌ، والطاعة مع العجب وبالٌ، فالتزوُّد يضمن أن يتحوَّل الذنب إلى توبة، وأن تتحوَّل الطاعة إلى استقامة.

محاسبة النفس: المحطة التي يملأ فيها السالك قلبه من جديد:
كلما وقف العبد مع نفسه وقفةَ صدقٍ، حصل له أمران:
كشف المخزون الإيماني الحالي: هل ما زال في القلب حرارة؟ هل ما زال للقرآن أثرٌ؟ هل صارت العبادة عادة؟ هل الذكر حي؟ هل الدعاء حاضر؟ هل النية تتجدَّد؟

تعبئة مخزون جديد: المحاسبة ليست تشخيصًا فقط، بل علاجًا وضخًّا جديدًا للرُّوح؛ لهذا قال تعالى: ﴿ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾ [الحشر: 18]؛ قال القرطبي: ﴿ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾؛ يَعني يومَ القيامةِ، والعربُ تُكَنِّي عن المستقبلِ بالغد، وَقِيلَ: ذَكَرَ الغدَ تَنْبِيهًا على أن الساعةَ قريبةٌ؛ كما قال الشاعر:
وإن غدًا للناظرين قَرِيبُ

وقال الحسنُ وقتادةُ: قَرَّبَ الساعةَ حتى جَعَلَهَا كَغَدٍ، ولا شكَّ أن كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ، والموتَ لا مَحَالَةَ آتٍ، ومعنى ما قَدَّمَتْ؛ يَعْنِي: مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ.

لماذا ينقطع البعض رغم قوتهم الظاهرة؟ الجواب: لأنهم اعتمدوا على قوة البداية لا على ديمومة التزوُّد.

منهم مَن بدأ بحماسٍ، لكنه لم يجدِّد نيته.

ومنهم مَن بدأ بطاعات كثيرة، لكنه لم يجدِّد علاقته بالله.

ومنهم مَن بدأ بعلمٍ، لكنه لم يجدِّد وقود اليقين.

ومنهم من بدأ بصُحبة صالحة، لكنه ترك التزوُّد حين انفرد بنفسه.

والعجيب أن بعضَهم لا يَشعُر بانقطاعه؛ إذ ما يزال يؤدي الأعمال الظاهرة، لكن رُوحه انطفأَت من الداخل؛ عن عَلْقَمَةَ بن وَقَّاصٍ اللَّيثي قال: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه عَلَى الْمِنْبَرِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»؛ «صحيح البخاري»، والنية لا تبقى حيَّة إلا بالتزوُّد.

بين الزاد والطريق: كيف تتكامَل المنازلُ؟

إن "المحاسبة"، و"المجاهدة"، و"المراقبة"، و"الإنابة"، ليست منازلَ منفصلةً، بل هي سلسلة مترابطة لا تعمَل إحداها دون الأخرى، والْمِفْصَلُ بينها هو "التزوُّد"، فبدون تزوُّد لا تعمَل المراقبة، ولا تَصِح المجاهدة، ولا تدوم المحاسبة، ولا تَستقيم الإنابةُ.

إنه أشبه بالدم في الجسد، وبالهواء في الرئة، وبالوقود في السفينة؛ لا يتحرَّك أي جزءٍ بدونه!

التزوُّد الحق يورث الطُّمأنينة التي تكلَّم عنها القرآن:
إن الطمأنينة ليست نهاية الطريق، بل ثمرتَه، فالطمأنينة ليست أن يَشعُر العبد بأنه "وصَل"، فهذا غرورٌ مُهلك، بل هي ثبات القلب في الطريق رغم آلامه ومشقَّاته، وهي سكون النفس إلى وعد الله، لا إلى نفسها، وهي راحة القلب بالله لا بالعمل، ومَن عاش هذا المقام عرَف معنى قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28].

خاتمة:
التزوُّد هو سرُّ الثبات وطوق النجاة: يبدأ السائرون كثيرين، ويَنقطِع المنتكسون كثيرين، ولا يبلغ المنازل إلا مَن كان متزوِّدًا.

التزوُّد يَشمَل استحضارَ الحقائق الإيمانية في القلب، وتأمُّلَ نِعمِ الله وآلائه، وتجديد العهد معه في كل حين، ومراجعة النفس عند كلِّ غَفلةٍ، وتَكرار طَرْق أبواب القُرب، وإحياء القلب بذكر الله، وربط العمل بالنية، وقراءة القرآن برُوح راغبة مُقبلة، وسائر الأعمال والأقوال التي يُحبها الله عز وجل.

التزوُّد هو الذي يبقي القلب حيًّا، والسلوك ثابتًا، والنفس مستقيمة، والرُّوح متعلِّقة بالله.

وهو الذي يجعل مِن محاسبة النفس مَحطَّةَ "بناءٍ" لا مجرد "عتابٍ"، ومن الطريق رحلةَ "عُمرٍ" لا لحظةَ "اندفاعٍ".

ومن لم يجعل لنفسه زادًا مستمرًّا، كان كمَن يَخرُج إلى صحراء بلا ماء، أو يركَب سفينة بلا مَجاديفَ، أو يذهب إلى طريق طويلٍ بلا مِصباحٍ.

نسأل الله أن يَجعل لنا زادًا من الإيمان، ونورًا من اليقين، وأن يَرزُقَنا الثبات حتى نَلقاه وهو راضٍ عنا.








الساعة الآن : 09:38 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 24.49 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 24.36 كيلو بايت... تم توفير 0.14 كيلو بايت...بمعدل (0.55%)]