ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   فتاوى وأحكام منوعة (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=109)
-   -   الفرع الثالث: أحكام الاجتهاد في القبلة من [الشرط التاسع من شروط الصلاة: استقبال القبل (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=323795)

ابوالوليد المسلم 27-01-2026 04:55 PM

الفرع الثالث: أحكام الاجتهاد في القبلة من [الشرط التاسع من شروط الصلاة: استقبال القبل
 
[الشَّرْطُ التَّاسِعَ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ: استقبال القبلة]

الْفَرْعُ الثَّالِثُ: أَحْكَامُ الِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ

يوسف بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن السيف

وَفِيَهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الأُوْلَى: اخْتِلَافُ مُجْتَهِدَينِ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ:
وَهَذِهِ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: (وَإِنِ اجْتَهَدَ مُجْتَهِدَانِ فَاخْتَلَفَا جِهَةً: لَمْ يَتْبَعْ أَحَدَهُمَا الآَخَرَ).

الْمُجْتَهِدُ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ هُوَ: الْعَالِمُ بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ، وَإِنْ جَهِلَ الأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ[1].


فَإِذَا اخْتَلَفَ مُجْتَهِدَانِ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ فَفِي ذَلِكَ حَالَتَانِ:
الْحَالُ الأُوْلَى: تَارَةً يَكُونُ اخْتِلَافُهُمَا فِي جِهَةٍ؛ بِأَنْ يَمِيلَ أَحَدَهُمَا يَمِينًا، وَالْآخَرُ شِمَالًا، كَأَنْ يتَّجِهَا إِلَى الْجَنُوبِ، لَكِنْ أَحَدَهُمَا يَمِيلُ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَالْآخَرُ إِلَى الْمَشْرِقِ.


فَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ: فَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ لَا يَتْبَعُ أَحَدَهُمَا الآَخَرَ فِي الْقِبْلَةِ.


وَأَمَّا بِالنِّسْبَة لِلِاقْتِدَاء؛ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِينِ:
الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَصِحُّ ائْتِمَامُ أَحَدَهِمَا بِالْآخَرِ.


وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنَ المَذْهَبِ، "وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، حَتَّى قَالَ الشَّارِِحُ وَغَيْرُهُ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ"، قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ[2].


الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ أَحَدَهِمَا بِالْآخَرِ.
وَهَذَا وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ[3].


الْحَالُ الثَّانِيَةُ: تَارَة يَكُونُ فِي جِهَتَيْنِ؛ كأنْ يَقُوْلَ أَحَدَهُمَا: إِنَّ الْقِبْلَةَ هُنَا وَيُشِيرُ إِلَى الشَّمَالِ، وَيَقُولُ الثَّانِي: بَل الْقِبْلَةُ هُنَا، وَيُشِيرُ إلَى الْجَنُوبِ.


فَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمْ فِي جِهَتَيْنِ: لَمْ يَتْبَعْ أَحَدَهُمَا الآَخَرَ قَطْعًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْتَقِدُ خَطَأَ الآَخَرَ.


وَأَمَّا بِالنِّسْبَة لِلِاقْتِدَاء؛ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلِيْنِ:
الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ أَحَدَهِمَا بِالْآخَرِ.


وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنَ المَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ[4].


الْقَوْلُ الثَّانِي: جَوَازُ ذَلِكَ.
وَهَذَا رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ رحمه الله: "وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ: جَوَازُ ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ صَلَاةِ الآَخَرِ، فَإِنَّ فَرْضَهُ إِلَى مَا تَوجَّهَ إلَيْهِ؛ فَلَمْ يَمْنَعِ الِاقْتِدَاءَ اخْتِلَافُ الْجِهَةِ، كَالْمُصَلِّينَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ"[5]،وَقَالَ الشَّارِحُ: "وَهُوَ الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى"[6].


الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَنْ يَتْبَعُهُ الْمُقَلِّدُ عِنْدَ اخْتِلَافِ مُجْتَهِدِينِ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ:
وَهَذِهِ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: (وَيَتْبَعُ الْمُقَلِّدُ: أَوْثَقَهُمَا عِنْدَهُ).

الْمُقَلِّدُ هُو: الَّذِي لَا يَعْرِفُ أَدِلَّةَ الْقِبْلَةِ، فَإِذَا كَانَ هُنَاكَ رَجُلَانِ مُجْتَهِدَانِ، وَمَعَهُمَا شَخْصٌ ثَالِثٌ لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ؛ فَإِنَّهُ يَتْبَعُ أَعْلَمَهُمَا وَأَصْدَقُهُمَا وَأَشَدُّهُمَا تَحَرِّيًا لِدِينِهِ عِنْدَه؛ لِأَنَّ الصَّوَابَ إلَيْهِ أَقْرَبُ؛ فَإِنْ تَسَاوَيَا: خُيِّرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.


الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الصَّلَاةُ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ وَلَا تَقْلِيدٍ فِي الْقِبْلَةِ:
وَهَذِهِ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ صَلَّى بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ، وَلَا تَقْلِيدٍ قَضَى إِنْ وَجَدَ مَنْ يُقَلِّدُهُ). أَي: أَنَّ مَنْ صَلَّى بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ وَهُوَ يُحْسِنُه، أَوْ صَلَّى بِلَا تَقْلِيدٍ إِنْ لَمْ يُحْسِنِ الِاجْتِهَادَ: قَضَى، وَلَوْ أَصَابَ، إِنْ وَجَدَ مَنْ يُقَلِّدُهُ؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُقَلِّدُهُ، وَتَحَرَّى، وَصَلَى: فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَخْطَأَ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِه عَلَى وَجْهِهِ.


الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: يَجْتَهِدُ الْعَارِفُ بِأَدِلَّةِ الْوَقْتِ لِكُلّ صَلَاةٍ، وَيُصَلِّي بِالثَّانِي وَلَا يَقْضِي الْأَوَّلَ:
وَهَذِهِ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: (وَيَجْتَهِدُ الْعَارِفُ بِأَدِلَّةِ الْوَقْتِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَيُصَلِّي بِالثَّانِي، وَلَا يَقْضِي مَا صَلَّى بِالْأَوَّلِ).


الْعَارِفُ بِأَدِلَّةِ القِبْلةِ هُوَ الْمُجْتَهِدُ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَإِذَا اجْتَهَدَ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ مَثَلًا؛ وَتَبَيَّنَ لَهُ اتِّجَاهُ القِبْلةِ، وَصَلَّى فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، فَإِذَا جَاءَ الْعَصْرُ فَلَا يَعْتَمِدُ عَلَى الِاجْتِهَادِ الْأوَّلِ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَجْتَهِدَ وَيَنْظُرَ إِلَى الْأَدِلَّةِ مَرَّةً أُخْرَى، فَلِكُلِّ صَلَاةٍ اجْتِهَادٌ. وَهَذَا مَا قَرَّرَهُ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ.


وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ عَلَى قَوْلِيْنِ:
الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: يَجِبُ أَنْ يَجْتَهِدَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَلَا يُعِيدُ إِنْ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ.


وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ[7]، وَالْمَالِكِيَّةِ[8]، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ[9]. وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ الْإِعَادَةَ إِنْ كَانَ فِي الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ، فَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ فَلَا إِعَادَةَ.


وَاحْتَجُّوا:
بِأَنَّ الصَّلَاةَ الْأُخْرَى "وَاقِعَةٌ مُتَجَدِّدَةٌ، فَتَسْتَدْعِي طَلَبًا جَدِيدًا، كَطَلَبِ الْمَاءِ فِي التَّيَمُّمِ"[10].


وَشَبَّهُوها بِمَا "لَو حَكَمَ الْحَاكِمُ بِقَضِيَّةٍ بِحُكْم، ثُمَّ حَضَرَتْ مَرَّةً أُخْرَى فَإِنَّه يُعِيدُ الِاجْتِهَادَ لَهَا ثَانيًا"[11].


وَأَنَّ فِي ذَلِكَ "سَعْيًا فِي إصَابَةِ الْحَقِّ؛ لِتَأَكُّدِ الظَّنِّ عِنْدَ الْمُوَافَقَةِ، وَقُوَّةِ الثَّانِي عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا عَنْ أَمَارَةٍ أَقْوَى، وَالْأَقْوَى أَقْرَبُ إلَى الْيَقِينِ"[12].


و"لِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتِ الْإِعَادَةُ لَكَانَ نَقْضًا لِلِاجْتِهَادِ بِمِثْلِهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ لِعَدَمِ تَنَاهِيهِ، وَكَالْحَاكِمِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ"[13].


الْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَجِبُ أَنْ يَجْتَهِدَ لِكُلِّ صَلَاةٍ.


وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ[14]، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِيْنَ[15].


قَالُوا : "لِأَنَّ الْأَصْلَ اسْتِمْرَارُ الظَّنِّ الْأَوَّلِ".

يتبع،،

[1] ينظر: الشرح الكبير (3/ 338).

[2] ينظر: المجموع، للنووي (3/ 215)، والإنصاف (3/ 346)، والشرح الكبير (3/ 337).

[3] ينظر: المجموع، للنووي (3/ 214)، والإنصاف (3/ 346).

[4] ينظر: ضوء الشموع شرح المجموع (1/ 333)، والمجموع، للنووي (3/ 214)، والإنصاف (3/ 346).

[5] ينظر: المغني، لابن قدامة (2/ 109).

[6] ينظر: الشرح الكبير على متن المقنع (3/ 347).

[7] ينظر: الفروع وتصحيح الفروع (2/ 130).

[8] ينظر: شرح مختصر خليل للخرشي (1/ 257).

[9] ينظر: المهذب، للشيرازي (1/ 131)، مغني المحتاج، للشربيني (1/ 337).

[10] كشاف القناع، للبهوتي (1/ 312).

[11] البيان في مذهب الشافعي (2/ 142).

[12] مغني المحتاج، للشربيني (1/ 338).

[13] المبدع في شرح المقنع (1/ 365).

[14] ينظر: مغني المحتاج، للشربيني (1/ 337).

[15] ينظر: الشرح الممتع (2/ 287).






الساعة الآن : 07:59 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 18.17 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 18.07 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (0.52%)]