العلم بين الأخذ والعطاء
العلم بين الأخذ والعطاء شعيب ناصري بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فإن المقال المكتوب باليد أحسنُ من لسان الحال في نشر العلم والمعارف؛ قال بعضهم: (إن هذا العلم إذا أعطيتَه كلَّك، أعطاك بعضَه)؛ أي: تُسخِّر مالك ووقتك وذكاءَك وصِحَّتَك بقدر الإمكان فيه؛ لتأخُذَ بعضَ العلم فقط، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: 85]. فلو نذهب إلى أفضلِ عالِمٍ في علم الشريعة الإسلامية في هذا العصر، لوجدناه بارعًا في الحفظ، وَرِعًا في الفَهم، قويَّ الحُجة والبرهان، كثيرَ الدليل والاستدلال، إلا أنه لا يزال يطلب العلم، ويَجتهد في التعلم والازدياد من المعرفة، ومنهم مَن قال عن نفسه: "إنه طالبُ علمٍ أو طُويلب علم"، وهو عالم مجتهد يُثني عليه الكبارُ في العلم قبل الصغار فيه، عبر رُبوع الوطن الإسلامي، ومِن هنا نَستنتج أن العلم يحتاج إلى ثلاثة أُسُس مهمة: أولها: طلبُ العلم دون توقُّف، حتى لو امتلكت أفضلَ الشهادات فيه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ [طه: 114]. والثاني: أنه يحتاج إلى العمل به، وقد قال بعضهم: (إذا بلَغك شيءٌ من هذا العلم، فاعمَل به، تكُن من أهله)؛ أي: في علم الشريعة الإسلامية، فما الفائدة أن تتعلَّم ولا تعمَل به، فهنا سيكون دورُك في الحياة مثل الشمعة، تُضيء الضوء للناس وتَحرِق نفسها من أجْلهم، فكذلك أنت. والثالث: أنه يحتاج إلى توسيعه عبر النشر؛ أي: نشر العلم بين الناس؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (بلِّغوا عني ولو آيةً)؛ رواه البخاري. فلا يُشترط أن تكون عالِمًا للتبليغ، وقد قال بعضهم: (إن الحكمة إذا لم تَخرُج صدَأَتْ في القلب)، والحكمة هي جزءٌ من العلم، والصدأ؛ أي: بتحوُّل القلب من الرحمة إلى القسوة، وقد نُسب إلى الإمام ابن باديس رحمه الله أنه قال: (اشرَب وشرِّب، لا اشرَب واهرُب)؛ أي: تَعلَّم وعَلِّم الناس، ولا تَترُكْ هذه الدعوة إلى الله عز وجل تتوقَّف عندك، فلولا فضلُ الله أولًا، ثم هذه المنشورات العلمية بمختلف أنواعها من أثر العلم والعلماء، وطلبة العلم، ومَن يَنقُل عنهم - لَما عرَف الناس النافعَ من الضار، ولا الخيرَ من الشرِّ، ولا الحقَّ من الباطل... إلخ. فنشرُ العلم هو عبارة عن سلاح ذي حدَّين لمحاربة الجهل وأهله، وأما عن طالب العلم وطالب الحق، فهو مُطالَب بأن يَحمَد الله عز وجل، ويَشكُره على هذه النعمة؛ أي: نعمة العلم والمعلومة التي هي عنده، وأن يَسأل الله أن يُعينه؛ ليكون سهمًا من سهام الحق بنشْر هذا العلم وتبليغه للناس أينما كانوا في هذا العالم، فالوسائلُ اليوم كثيرة - ولله الحمد - في إخراج الناس من البدع والضلالات إلى نور التوحيد والسُّنة بالدلالات، فهو صدقةٌ جارية بعد الممات، وأجرُه عظيمٌ عند ربِّ السماوات. وآخرُ دعوانا أن الحمدُ لله ربِّ العالمين. |
| الساعة الآن : 07:42 AM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour