العام الجديد وعِبر أولي الأبصار
العامُ الجديدُ وعِبَرُ أُولي الأبصار يحيى سليمان العقيلي الحمد لله مُسيِّرِ الأزمان، ومدبِّرِ الأكوان، أَحْمَدُه سبحانه تعالى وأَشكُره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق كلَّ شيءٍ فقدَّره تقديرًا، وهو الذي جعل الليل والنهار خِلفةً لِمَن أراد أن يذَّكَّر أو أراد شكورًا، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله، بعثَه بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا؛ أمَّا بعدُ: فاتقوا الله عبادَ الله: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 281]. فالأيَّام تُطوَى، والأعمار تَفنَى، وفي ذلكم يا عباد الله ما يُنبِّه عن الغفلات، ويُرغِّب في الباقيات؛ فإنَّ في سرعة مرور الشهور والأعوام ما يُذكِّر العاقلَ اللبيب بسرعة انقضاء الأعمار، وقُرب حُلول الآجال، وأنَّ عليه أن يتأهَّب للمسير، ويتزوَّد للرحيل، ألا وإنَّ خير الزاد التقوى، فهي وصية ربِّ العالمين: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 197]. معاشرَ المؤمنين، هذا عامٌ ودَّعناه قد انصرَم، وعامٌ جديدٌ نستقبله قد قَدِم، لا ليُحتفل به كما تفعَل الأمم الأخرى، عبادَ الله؛ يستقبلونه بالرقص واللهو والمعاصي، ولكننا أمةُ الإسلام أهلُ الذكرى والبصيرة، فتذكَّروا رحمكم الله أنَّ العمرَ أنفاسٌ معدودة، ولحظاتٌ معدودة، وأنَّ كلَّ امرئٍ على ما قدَّم قادمٌ، وعلى ما خلَّف نادمٌ، وأنَّ ما مضى من العمر في طاعةِ الله فهو أربحُ التجارة، وما خلا منها فهو أكسدُ بضاعة، ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [آل عمران: 30]. وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:أخذ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بِمَنْكبي، فقال: "كُنْ في الدنيا كأنَّك غريبٌ أو كعابرِ سبيلٍ»، وكان ابنُ عمر رضي الله تعالى عنه يقول: «إذا أصبَحتَ فلا تنتظرِ المساءَ، وإذا أمسيتَ فلا تنتظرِ الصباحَ، وخُذْ من صحتك لمرضك، وفي حياتك لموتك»؛ (متفق عليه). قال الحسن البصري: ابنَ آدمَ، إنما أنت أيَّام؛ كلما ذهب يومٌ ذهب بعضُك. معاشرَ المؤمنين، فإن سأل سائلٌ: وما الذي علينا فعلُه وهذه الذكرى تتكرَّر كلَّ عام بتوالي الشهور والأعوام؟ نقول - وبالله التوفيق -: إن خيرَ الكلام ما قلَّ ودلَّ، وفي كتاب الله تعالى وحديثِ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم غِنًى وكفايةٌ، وُضِعت لنا قواعدُ ومعالِمُ نستهدي بها للسَّير قُدمًا على صراط الله المستقيم، إلى أن نَلقى الله تعالى ونحن على صراطه متَّبعون: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [الأنعام: 153]. وأولُ تلك القواعد عبادَ الله أن نُوقن بالحقيقة الكبرى، ونَستصْحِبَها دومًا، وهي أن الدنيا دارُ اختبارٍ وامتحان، وليست دارَ مُقامٍ وبقاء، بل لزوالٍ وفناء؛ قال تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾ [الملك: 2]. ليَختبركم أيُّكم أكثرُ للموت ذكرًا، وأحسنُ استعدادًا، وأشدُّ خوفًا وحذرًا، وأورعُ عن محارم الله، وأسرعُ في طاعة الله، فمن عايش هذه الحقيقةَ واستذَكْرها مع تعاقُب الليالي والأيام، فستكون حالُه كالطالب المجتهد الذي يسعى للفوز والنجاح، ولا يرضى بالسقوط والرسوب. وثاني تلك القواعد عبادَ الله، هو السعي الدائم للغاية العظمى، وهي عبادة الله تعالى والسعي لمرضاته في الدنيا، للفوز بجنَّاته في الآخرة، وَفْقَ الميزان الربَّاني الذي أرشدنا إليه ربُّنا جلَّ وعلا: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [القصص: 77]. فالْمُبتَغى والمقصد الأهمُّ والأسمى، هو الفوز في الدار الآخرة، أمَّا متاعُ الدنيا فهو من لوازم الحياة، نأخُذ منها ما يُعين على الاستقامة على طاعة الله والعيش الكريم، فلا رهبانيةً منقطعة في ديننا، ولا ماديةً جارفة في شريعتنا. والحذرَ الحذرَ أن ينقلِب ذلك الميزان، فتكون الدنيا هي المقصد، وإليها السعي والاجتهاد؛ فذلك بداية التردِّي والانتكاس؛ قال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ﴾ [الشورى: 20]. وفَّقنا الله وإياكم للبرِّ والتقوى، وهدانا لِما يُحبُّ ويرضى. أقول ما تسمعون، وأَستغفر الله لي ولكم؛ فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية معاشرَ المؤمنين، أمَّا القاعدة الثالثة من قواعد الاستقامة مع مرور الشهور والأعوام، فهي أن يكون سعيُنا للدار الآخرة سعيًا مشكورًا عند الله جلَّ وعلا، وهو السعي المقبول غيرُ المردود، الذي يُجازي عليه المؤمن، فيَشكُر الله له حسناته، ويُضاعف أجورَه، ويتجاوز عن سيئاته، ومن سأل: كيف يكون السعي مشكورًا؟فهذا جوابُ القرآن عن صفات السعي المشكور وشروطه؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾ [الإسراء: 19]، جعل الله سعيَنا مشكورًا، وعملَنا مبرورًا، وذنبَنا مغفورًا. |
| الساعة الآن : 07:53 AM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour