الحياء
الحياء د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا؛ أما بعد عباد الله: فإن ربكم تبارك وتعالى حييٌّ كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا، وإن الله عز وجل حييٌّ ستير يحب الحياء والستر، إن ربكم – أيها المؤمنون – حييٌّ كريم. وهو الحيي فليس يفضح عبده https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif عند التجاهر منه بالعصيانِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif لكنه يُلقي عليه ستره https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فهو الستير وصاحب الغفرانِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif العبد يجاهر الله عز وجل الحييَّ بالمعصية، مع أنه أفقر شيء إليه، وأضعفه لديه، ويستعين بنِعمه على معصيته، ولكن الرب سبحانه وتعالى مع كمال غِناه وتمام قدرته عليه، يستحيي من هتك ستره وفضيحته، فيستره بما يُهيئه له من أسباب الستر، ثم بعد ذلك يعفو عنه ويغفر؛ كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله يُدني المؤمن، فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعطى كتاب حسناته، وأما الكافر والمنافقون، فيقول الأشهاد: ﴿ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ [هود: 18])). وأما نبيكم أيها المؤمنون، فكان من أشد الناس حياءً، كان صلى الله عليه وسلم أشد الناس حياءً من العذراء في خِدرها، أي أشد حياءً من البِكر إذا دُخل عليها في خلوتها. أخرج الإمام البخاري رحمه الله تعالى، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن موسى كان رجلًا حييًّا ستِّيرًا، لا يُرى من جلده شيء استحياءً منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده: إما برص، وإما أُدْرة، وإما آفة، وإن الله أراد أن يبرِّئه مما قالوا لموسى، فخلا يومًا وحده، فوضع ثيابه على الحجر، ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عريانًا أحسنَ ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه فلبِسه، وطفق بالحجر ضربًا بعصاه، فوالله إن بالحجر لَنَدَبًا من أثر ضربه، ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا؛ فذلك قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا ﴾ [الأحزاب: 69])). واعلموا - يا عباد الله - أن أجمل ما يجمِّل النساء الحياءُ، فإذا ذهب عنها الحياء سقطت عن الأنظار، ولكم أن تتأملوا قول الله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: ﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [القصص: 23 - 27]. عن أبي سلمة سعيد بن يزيد رضي الله عنه قال: ((إن رجلًا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أوصِني، قال: أوصيك أن تستحي من الله عز وجل كما تستحي رجلًا من صالحي قومك))، فالحياء وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل، وأخرج الترمذي عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أربع من سنن المرسلين: الحياء والتعطُّر، والسواك والنكاح))، وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن لكل دين خُلقًا، وخُلق الإسلام الحياء)). وعن أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبَذاء من الجفاء، والجفاء في النار))، والبذاء هو الفحش في الكلام، ومرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجلٍ من الأنصار، وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((دَعْهُ؛ فإن الحياء من الإيمان))، فالحياء والإيمان قرناء جميعًا، فإذا رُفع أحدهما رُفع الآخر. وأخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الإيمان بضع وستون شعبةً - وفي رواية مسلم: الإيمان بضع وسبعون شعبةً - والحياء شعبة من الإيمان)). وقال نبي الله صلى الله عليه وسلم لأشجِّ عبدالقيس: ((إن فيك لَخصلتين يحبهما الله: الحِلم والأناة)). أيها المؤمنون: الحياء الذي حث عليه الإسلام هو مغاير للخجل، فالحياء وهو من أجَلِّ الأخلاق التي يمنحها الله العبد ويجبله عليها؛ يكف عن ارتكاب القبائح، ودناءة الأخلاق، ويحث على التحلي بمكارم الأخلاق ومعاليها، ويزيد حياء الإنسان إذا ازدادت معرفته بالله عز وجل، ومعرفة عظمته وقربه من عباده، واطلاعه عليهم، وعلمه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور؛ فهذا من أعلى خصال الإيمان، بل هو من أعلى درجات الإحسان. بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من آيات وحكمة، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه؛ إنه غفور رحيم. الخطبة الثانية أيها المؤمنون: الحياء شعبة من شعب الإيمان، والحياء خَصلة يحبها الله عز وجل، والحياء خُلق الإسلام من الأديان، ورأس مكارم الأخلاق، والحياء لا يأتي إلا بخير، والحياء خير كله، والحياء كله خير، والحياء وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((استحيوا من الله حقَّ الحياء))، ومن كان منكم - يا عباد الله - مستحييًا من الله حق الحياء؛ فلا يبيتن ليلةً إلا وأجله بين عينيه، وليحفظ البطن وما وعى، والرأس وما حوى، وليذكر الموت والبِلى، وليترك زينة الحياة الدنيا، وقال وهب بن منبه رحمه الله تعالى: "الإيمان عريان ولباسه التقوى، وزينته الحياء، وماله العفة"، وقال الأصمعي رحمه الله تعالى: "سمعت أعرابيًّا يقول: من كساه الحياء ثوبه لم يرَ الناس عيبه"، وعن معبد الجهني رحمه الله تعالى قال: في قوله تعالى: ﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾ [الأعراف: 26]، قال: "لباس التقوى الحياء"، فاتقوا الله أيها المؤمنون، والبسوا لباس الحياء الذي يقيكم من الذنوب والمعاصي، ويزيدكم معرفةً وخشيةً، وخوفًا وتعظيمًا بربكم، وإذا لم تستحِ يا عبدَالله من الله، فاصنع ما شئت، ومن قلَّ حياؤه قلَّ ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه، ومن لا يستحيِ من الناس لا يستحيِ من الله. إذا لم تخشَ عاقبة الليالي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ولم تستحِ فاصنع ما تشاءُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فلا والله ما في العيش خير https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ولا الدنيا إذا ذهب الحياءُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif يعيش المرء ما استحيا بخير https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ويبقى العود ما بقيَ اللحاءُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وعن سليمان بن عبدالملك قال: "إذا أراد الله بعبدٍ هلاكًا نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تلقَه إلا مقيتًا ممقتًا، وإذا أبغض الله عبدًا نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تلقَه إلا بغيضًا متبغضًا". أيها المؤمنون: الحياء يحث على فعل كل جميل، وترك القبيح، فلنهجر المعاصي خجلًا وحياءً من الله عز وجل، وما نستحيي منه في العلانية فلنستحيِ من عمله في السر، ولنوقِن حقَّ اليقين أن من كساه الله عز وجل الحياء، كسب محبة الله عز وجل، وأكسبه الله تعالى محبة خلقه له. اللهم جمِّلنا بالحياء منك، وبالحياء مما يسبِّب بغضك لنا، اللهم جملنا بالحياء الذي يدفعنا إلى المسارعة لفعل ما يُحببك فينا. هذا، وصلوا وسلموا على خير البرية وأزكى البشرية، رسول الله محمد بن عبدالله الهاشمي القرشي. اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعنا معهم بجودك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل اللهم هذا البلد آمنًا مطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين. اللهم انصر من نصر الدين، واخذل اللهم من خذل عبادك المؤمنين. اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك، اللهم كن لهم عونًا ونصيرًا، ومُعينًا وظهيرًا، اللهم عجِّل لهم بالنصر والفرج يا قوي يا عزيز، اللهم وأدِرْ دوائر السوء على عدوك وعدوهم. ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 201]. اللهم وفِّق إمامنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، ووفِّق جميع ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وتحكيم شرعك يا ذا الجلال والإكرام. عباد الله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90]. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. |
| الساعة الآن : 12:47 PM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour