{وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون}
﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ﴾ [الفرقان: 20] نورة سليمان عبدالله قال القرطبي في تفسيره: "أي: إن الدنيا دار بلاء وامتحان، فأراد سبحانه أن يجعل بعض العبيد فتنةً لبعض على العموم في جميع الناس، مؤمن وكافر، فالصحيح فتنة للمريض، والغني فتنة للفقير، والفقير الصابر فتنة للغني، ومعنى هذا أن كل واحد مختبرٌ بصاحبه، فالغني ممتحن بالفقير، عليه أن يواسيه ولا يسخر منه، والفقير ممتحن بالغني، عليه ألَّا يحسده ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق؛ كما قال الضحاك في معنى أتصبرون: أي على الحق، وأصحاب البلايا يقولون: لِمَ لَمْ نُعافَ؟ والأعمى يقول: لِمَ لَمْ أُجعل كالبصير؟ وهكذا صاحب كل آفة، والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس من الكفار في عصره، وكذلك العلماء وحكَّام العدل، أَلَا ترى إلى قولهم: ﴿ لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ [الزخرف: 31]؟ فالفتنة أن يحسُد المُبتلى المُعافى، ويحقِر المُعافى المُبتلى، والصبر: أن يحبس كلاهما نفسه، هذا عن البَطَرِ، وذاك عن الضَّجَرِ. وقال ابن القيم رحمه الله: "وهذا عامٌّ في جميع الخلق، امتحن بعضهم ببعض، فامتحن الرسل بالمرسَل إليهم، وامتحن المرسَل إليهم بالرسل، وامتحن العلماء بالجهَّال، والجهَّال بالعلماء، وامتحن الأغنياء بالفقراء، والفقراء بالأغنياء، وامتحن الضعفاء بالأقوياء، والأقوياء بالضعفاء، وامتحن السادة بالأتباع، والأتباع بالسادة، وامتحن الرجل بامرأته وامرأته به، وامتحن الرجال بالنساء، والنساء بالرجال، وامتحن المؤمنين بالكفار، والكفار بالمؤمنين، وامتحن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بمن ينهونهم ويأمرونهم، وامتحن المأمورين بهم"؛ [أشار إلى هذا المعنى ابن القيم في (إغاثة اللهفان)]. يقول الشيخ ابن باز رحمه الله: "وطريق النجاة من صنوف الفتن هو التمسك بكتاب الله وبسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، كما رُوِيَ ذلك عن عليٍّ رضي الله عنه مرفوعًا: ((إنها ستكون فتنٌ، قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ فقال: كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحُكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبارٍ قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تختلف به الآراء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجر، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم)). فالمُخلِّص من الفتن والمُنجي منها بتوفيق الله هو بتحكيم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك بالرجوع إلى أهل السنة وعلماء السنة الذين حصل لهم الفقه في كتاب الله عز وجل، والفقه بسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، ودرسوهما غاية الدراسة، وعرَفوا أحكامهما وساروا عليهما. وذكر الشيخ عبدالرزاق البدر حفظه الله ضوابطَ لتجنُّب الفتن؛ هي باختصار: 1- تقوى الله جل وعلا، وملازمة تقواه في السر والعلن، والغيب والشهادة؛ والله تعالى يقول: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ [الطلاق: 2، 3]. 2- لزوم الكتاب والسُّنة والاعتصام بهما؛ وقد ثبت في حديث العرباض بن سارية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنه من يعِش منكم بعدي، فسيرى اختلافًا كثيرًا؛ فعليكم بسُنتي وسُنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسَّكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومُحدَثاتِ الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)). 3- الرفق والأناة وعدم العَجَلة، والتأمل في عواقب الأمور؛ وقد جاء عن الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "إنها ستكون أمور مشتبهات فعليكم بالتُّؤدة، فإنك أن تكون تابعًا في الخير، خير من أن تكون رأسًا في الشر". 4- لزوم جماعة المسلمين والبعد عن التفرق والاختلاف؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة)). 5- الأخذ عن العلماء الراسخين والأئمة المحققين، وترك الأخذ عن الأصاغر من الناشئين في طلب العلم، المُقلِّين في التحصيل منه؛ يقول صلى الله عليه وسلم: ((البركة مع أكابركم)). 6- حسن الصلة بالله ودعاؤه سبحانه القائل: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة: 186]. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، يا ذا الجلال والإكرام، جنِّبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، واحفظ أمنَنا وإيماننا، ربنا ولا تجعلنا فتنة للذين كفروا، وأحيِنا مؤمنين وتوفَّنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. |
| الساعة الآن : 01:23 PM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour