ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=84)
-   -   القرآن بين الخشوع والتطريب: قراءة في فتنة المقامات الموسيقية (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=322967)

ابوالوليد المسلم 09-01-2026 04:20 PM

القرآن بين الخشوع والتطريب: قراءة في فتنة المقامات الموسيقية
 
القرآن بين الخشوع والتطريب: قراءة في فتنة المقامات الموسيقية

أيمن بن أحمد سعود

أقولها وأنا أتأمل في حالٍ آلَ إليه كثيرٌ من قُرَّاء هذا الزمان: حين صار الوحيُ الذي نزل لتخشع له القلوب، يُتلى على أسماع الناس كأنَّه مقطوعةٌ غنائيةٌ أو عرضٌ صوتيٌّ، ما بقي إلا التصفيق له في المهرجانات؛ تجدُها تُفتَّح لذلك القاعات وتُنصب له المنصَّات، ويُعلَّق على القارئ بعبارات الإعجاب: أجاد في مقام الصبا! وأبدع في الحجاز! وأطربنا في النهاوند! ما بقي إلا "أطرب في مقام كذا..."، وكأننا أمام حفلٍ فنيٍّ لا مجلس قرآنٍ تُتلى فيه آيات الله.

حقيقة! ما عدتُ أدري- وأنا أستمع إلى تلك المقامات التي تغلِّف التلاوة بكسوة موسيقية دخيلة- هل أُصغي لآي الذكر الحكيم أم لأنغامٍ أُريدَ لها أن تُخضِع كلام الله لقوانين العود والكمان! وهنا تشتعل في القلب غيرةٌ لا تهدأ، غيرةٌ على كتابٍ وصفه ربُّنا بأنه أَحْسَن الْحَدِيثِ: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ [الزمر: 23]، ولم يقل: "تطرب له أسماع الذين يحسنون الأداء"!، ثم إن لفظة "أحسن" للمتأمل فيها صيغة تفضيل تُوضح أن القرآن أبلغ كلام وأحسنُ حديث، قد بلغ أقصى درجات الكمال البلاغي، فلا حاجة للتطريب، ولا للفنون الموسيقية المحدَثة، بل المطلوب الخشوع والتدبُّر والتأثر بالقلب، كما جاء في قوله تعالى: ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ [الزمر: 23]، ومن فقد معناها وسِر هذه اللفظة، فلا يُدركها محدثات الأمور.

بين التغني المشروع والتلحين الممنوع: حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتزيين الصوت بالقرآن، فقال: ((زيِّنوا القرآن بأصواتكم))، وقال أيضًا: ((ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن))، أراد به "التغني" ذلك الذي فسَّره الأئمة، لا الـمُراد منه مشابهة ألسِنَة الـمُجون والتطريب والـميوعة الصوتية، بل هو تحسين الصوت بحيث يخرج القارئ ألفاظ القرآن على أكمل وجهٍ من الخشوع والجمال؛ وهذا مما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في جامع المسائل من أن السلف كانوا يحسِّنون القرآن بأصواتهم من غير أن يتكلَّفوا أوزان الغناء من تلحين وتمطيط مُخرج عن مقصوده.

وأوردها الإمام النووي رحمه الله أيضًا في التبيان بأن الترتيل مستحبٌّ بالاتفاق، بل إن ابن رجب رحمه الله كما في نزهة الأسماع في مسألة السماع أورد الإجماع في الإنكار في قراءة القرآن بالألحان وضوابط المُوسيقى من مقامات ونحوها، وأن المطلوب تحسين الصوت به على وجهٍ لا يخرجه عن حدِّ القراءة، فإن أفرط حتى زاد حرفًا أو نقص أو غيَّر إعرابًا حرُم.

وهنا الحدُّ الفاصل بين التغنِّي المشروع والتلحين الممنوع: الأول تجميل تعبُّدي يُقصد به الخشوع والخضوع، والثاني تجميل فنيٌّ يُقصد به الإطراب والإعجاب.


فتنة المقامات الموسيقية: ثم إن الناظر في أمر المقامات عمومًا يجد أنها صناعةٌ بشريةٌ أعجميةُ المنشأ، وضعها أهل الموسيقى لضبط أنغام الغناء، وتُبنى على أُسُسٍ صوتية وإيقاعاتٍ زمانية مخصوصة، وحين أُدخلت على تلاوة القرآن، أُلبِسَ كلامُ الله ثوبًا لم يُفصَّل له، وصار القارئ يبحث في "الجواب" و"القرار"، ويتنقل بين "الحجاز" و"السيكا" و"الرست"، كأنَّه يتنقَّل بين آلاتٍ لا بين آيات! ولذلك المُتأمل فيها بعين تعظيم ألفاظ القرآن يجد أنها فتنةٌ خفيَّة، تزيَّنت بزُخرف القول، واستدرجت القلوب باسم "تحسين الصوت"، حتى صارت المقامات عند بعضهم ميزان التلاوة، لا الخشوع ولا التدبر، وهذا ما خافه السَّلف من قبل، كما ذكره الإمام أبو بكر الطرطوشي رحمه الله في الحوادث والبدع ما مقَالُه: "وهذا يمنع أن يُقرأ بالألحان المطربة والمشبهة للأغاني؛ لأن ذلك يُثمر صدَّ الخشوع ونقيض الخوف والوجل"، فتأمَّل كيف كانوا يرون خطر الانحراف في النيَّة والصوت؛ إذ يُبدَّل "الترتيل" بـ"التمثيل"، و"الخشوع" بـ"الخشخشة" الصوتية.

المقصد من التلاوة: إنك إن نظرت إلى المقصد من تلاوة القرآن لا تجده في أن نُبهِر الناس بجمال الصوت، بل أن نُبهِر القلوب بجلال الآيات، قال الحق تبارك وتعالى: ﴿ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ﴾ [المزمل: 4]، الترتيل- كما قال ابن عباس- هو التبيين والتمهل؛ أي: أن يُقرأ على تؤدةٍ وتدبر، لا على نغمةٍ وإيقاع، ولئن كان الصوت الحسن يعين على الخشوع، فإن الخشوع لا يُقاس بجمال الصوت بل بصدق النية وحضور القلب، كما بين ابن القيم رحمه الله في الداء والدواء من أن الأذكار والآيات نافعة في ذاتها لكنها تحتاج إلى قبول القلب، وقوة همة الفاعل، فإن لم يحصل ذلك، لم يثمر الشفاء كما لا ينفع الدواء بلا قبول البدن له.

خشوعٌ يُورِث الدمع لا التصفيق: الصحابة والتابعون رضوان الله عليهم كانوا إذا قرؤوا القرآن سُمع لهم أنينٌ كأنَّه أزيز الـمِرْجَلِ من البكاء، وكان عمر رضي الله عنه يُسْمَع نشيجُه من آخر الصف، أما اليوم؛ فقد صار بعض القُرَّاء يُقاسُون بمدى قدرتهم على إدخال المستمعين في حالة طربٍ صوتيٍّ لا خشوعٍ قلبيّ! وإن الغافل ليتهِم نفسه بالتصفيقِ بعد التلاوة؛ من طرب ما يَسمَع! وقد عُرِف عند بعض القُرَّاء أنه رُفِع في وجهه السكين لِيُضرَب به إن لم يُعِد المقطع! وآخر سُمِع له نواح كنواح الأغاني بعد إتمامها، وآخر يُهَزُّ له بالـ آآآه بعد تمام قراءته، ويُطلق عن بعضهم "ملك الطبقة!" فيا للعجب! وإنها لمصائب ولا يُبالغ إن قيل فِتَنٌ كقطع الليل، أليس القرآن كلام الله؟ أليس المقصود منه أن "يُتلى حق تلاوته"؟ فكيف نرضَى أن نُفرِّغه من جَلاله ونملأه بإيقاعٍ من صنع البشر؟ إنا لله وإنا إليه راجعون.


العودة إلى مقام الخشوع: ليست المسألة حربًا على الجمال الصوتي، ولكنها دعوةٌ إلى تصحيح وجهته، إن حُسن الصوت نعمةٌ إذا كانت طريقًا إلى التدبر، ونقمةٌ إذا كانت سُلَّمًا إلى التفاخر، قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: "لا تهُذُّوا القرآن هذَّ الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، قفوا عند عجائبه، وحرّكوا به القلوب، ولا يكن همُّ أحدكم آخر السورة"، وهنا وقفة؛ وهي أن أمر عبدالله بن مسعود رضي الله عنه بعدم هذِّ القرآن هذَّ القصائد، وعدم إنثاره نثر الدقل، فهذا لا يناقض التدبر وفهم المعاني، بل يؤكِّد أن التدبر أصله مُتجذِّر في النفس والقلب، لا يحتاج إلى دخيل المقامات الموسيقية، فمن فقَد الأصالة واستجلبها بالأنغام، فقد غاب عنه الأصل، فلا يصلحه ذلك الـمقام، بل يحتاج إلى مداواة القلب بما وُضِع له أصالة، وتأصلت لتصلح النفوس وتحرِّك القلوب، فالقرآن وحده كافٍ لتهذيب النفس وفتح باب التأثُّر، وما دونه من زخارف صوتية أو ألحان لا تُبدد إلا وهمًا زائفًا، وقد يكون الدخيل في القلب تعلقًا بغيره من الشواغل، فما يُصلحه إلا العودة إلى جوهر القرآن وعمقه، لا بوساطة ما أُضيف عليه من زخارف لا أصل لها.

خاتمة رسالية: ما أحوجنا اليوم إلى أن نُعيد القرآن إلى مقامه الحق، وأن نُطهِّر تلاوته من زينة المقامات التي حوَّلت الخشوع إلى عرضٍ صوتيٍّ راقصٍ على النغمة! وحسبك أيها القارئ، أن هذا التهاون في قراءة القرآن وإدخاله في الألحان الماجنة، قد جاء في أشرط الساعة، وهو أنذرنا به النبي صلى الله عليه وسلم في أثره على الأمة، كما روى ذلك عوف بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أخاف عليكم ستًّا: إمارة السفهاء، وسفك الدم، وبيع الحكم، وقطيعة الرحم، ونشوًا يتخذون القرآن مزامير، وكثرة الشرط)).

وعليه فإن كل من أراد أن يجمع بين التدبُّر والقراءة بالتحسين الصوتي، أن الأصل في القرآن هو القلب المتدبر، والخشوع الحاضر، والنية الصادقة، وأن أي دخيل من الألحان الموسيقية المركبة قد يحوِّل المزامير إلى فتنة، ويصرف السامع عن جوهر الرسالة، كما قد يصنع الدخيل في القلب فتنةً لا تصلحها إلا خامة القرآن الأصيلة التي وُجِدت لتهذب النفوس وتحرِّك القلوب.

فمن أحبَّ القرآن فليخشع له، لا ليُطرِب به، ومن غار على حرمته فليحمله كما أُنزل: بالهدى والنور، فإن القرآن ما أُنزل ليُغنَّى به، بل ليُهتدى به، والله الـمُستعان.

سبَك عبارتَها راجٍ من اللهِ قَبولَ القولِ والعمل.









الساعة الآن : 05:32 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 11.30 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 11.20 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (0.83%)]