ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=81)
-   -   لا يعرفوننا إلا وقت الحاجة (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=322736)

ابوالوليد المسلم 01-01-2026 06:48 PM

لا يعرفوننا إلا وقت الحاجة
 
لا يعرفوننا إلا وقت الحاجة

حسان أحمد العماري


الخطبة الأولى
الحمد لله الرحيم الرحمن، الكريم المنَّان، الذي كتب على نفسه الرحمة، وجعل للعباد من عباده أبوابًا للبِرِّ والإحسان، يفتح بهم القلوب، ويجبر بهم الخواطر، ويُظهر بهم فضله على خَلقه، نحمَده سبحانه على آلائه التي لا تُعد، ونشكره على نِعمه التي لا تُحد، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً نرجو بها النجاة يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون، ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، الرحمة المُهداة، والسراج المنير، الذي كان ملاذًا للخائف، وأمانًا للمحتاج، وحنانًا للضعيف، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد أيها المؤمنون عباد الله:
يكثُر على ألسنة الناس هذه الأيامَ قول: «فلان لا يعرفني إلا وقت الحاجة»، وتُقال عادةً بنبرةٍ تحمل استنكارًا أو تأفُّفًا، ويستشعر قائلها أنه مستغَل أو مستنزف، لكن دعونا ننظر إلى هذه العبارة من زاوية أخرى، من زاوية أعلى، أنقى، أقرب إلى روح القرآن، وأعمق في فهم السُّنَّة، وأصفى في نظرِ أهلِ الفضل والمروءة.

تأمل - يا رعاك الله - هذا الإنسانَ الذي لم يجد في لحظة ضيقه إلا بابك، كم رجلًا يعرف؟ كم قريبًا له؟ كم صديقًا؟ كم جارًا؟ كم صاحبًا؟ ومع ذلك، تجاوز كل أبوابهم، وأقبَل عليك أنت، أليس ذلك ثقةً بك دون تصريح؟ أليس هو شهادةً على صلاحك دون مدح؟ أليس هذا في ذاته رفعةً لك عند الله قبل الناس؟

ابن عباس رضي الله عنهما قال كلمةً عظيمة في هذا الباب، رُويت عنه بمعنى صحيح: "رجل ما يكافئه عني إلا الله... رجل نزلت به حاجة فبات ليلته يفكر فيمن يقصده، ثم رآني أهلًا لحاجته فأنزلها بي".

يا عباد الله، في لحظة الضعف، لا يلجأ الإنسان إلا لمن يرى فيه نور السَّعَة والرحمة، حين تتكاثر الهموم، وتضيق الأرض، وتنطفئ قلوب كثيرة حوله، يفتِّش عن قلبٍ واحد يشعر أنه لن يرُدَّه، لن يخذله، لن يفضحه، لن يثقل عليه.

أفلا ينبغي لك أن تفرح إذا كنت ذلك القلب؟
بل إن من علامات قبول العبد عند الله أن يكون ملجأً للحيارى، وملاذًا للكَرْبَى، وسببًا لجبر الخواطر؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من نفَّس عن مؤمن كربةً من كرب الدنيا؛ نفَّس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة))؛ [صحيح مسلم].

وفي الحديث الآخر: ((والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه))؛ [صحيح مسلم].

وقال صلى الله عليه وسلم في حديث حسن الإسناد: ((خير الناس أنفعهم للناس))؛ [الطبراني في الأوسط].

أيها الأحِبة في الله:
نحن اليوم نعيش زمنًا صعبًا، كثرت فيه الهموم، وتعاظمت فيه التحديات: أزماتٌ معيشية، ضيق أرزاق، اضطرابٌ نفسي، ضغوط أسرِيَّة، أحمالٌ فوق طاقة البشر.

صار كثير من الناس يحملون همومًا لو قُسمت على أهل الأرض لَكَفَتْ.

في مثل هذا العالم المتعب، أن تكون أنت نقطةَ ضوء في حياة غيرك، فهذه نعمة عظيمة.

تأملوا واقعنا:
رجلٌ أثقلته الديون، لا يعرف بابًا يطرقه، فيأتي إليك.

امرأة أرهقتها مشاكل البيت، فلا تجِد إلا جارة صالحة تُصغي لها.

طالب تاه بين مشاكله ودراسته، فلم يجد إلا معلمًا يفتح له صدره.

شابٌّ وقع في ضيق نفسي، فبحث عن أقرب قلبٍ يستطيع أن يبوح له.

وهؤلاء الذين أتَوك ليسوا عبئًا، بل هدايا ساقها الله إليك.

هم فرص للخير.
هم رسائلُ رحمة.
هم امتحانات رفيعة ترفع شأنك إن أحسنتَ.

ألَا ترى أن الله تعالى قال: ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾ [الرحمن: 60]؟

فمن قدَّم خيرًا، فالله أكرم من أن يُضيِّعه.

وما أجمل ما قال السلف: "إن لله عبادًا اختصهم بقضاء حوائج الناس، حبَّبهم في الخير، وحبَّب الخير إليهم"!

ويا لها من كرامة!

أيها المؤمنون:
كثير من الناس اليوم يعانون شيئًا خطيرًا لا يظهر في الأشعة، ولا ينبض في الأجهزة، لكنه يفتك بالقلوب: الوحدة، والعزلة، وفقدان من يسمعهم، وغياب من يساندهم، مع تطور الحياة، كثرت العلاقات السطحية، وقلَّتِ العلاقات العميقة.

والله لقد صار في وجود شخص واحدٍ، يمُد يده وقت الحاجة نعمة لا تُقدر بثمن.

وإن من الناس من اختصه الله بأن يكون ملجأَ أرواحٍ متعبة.

تجده لا يملك مالًا كثيرًا، ولا جاهًا واسعًا، لكنه يملِك قلبًا واسعًا، وروحًا صافية، وحكمة هادئة.

وهؤلاء يحبهم الله، لا لكثرة عبادتهم فقط، بل لكثرة ما يُحيون من قلوب ميتة، ويجبرون من نفوس مكسورة.

المحتاج الذي يطرق بابك هو ليس حملًا عليك، بل علامة فضل من الله لك.

تخيل لو أنك متقلب في حياتك، ولا يحتاجك أحدٌ، تخيل لو لم يضع الله في قلب أحدٍ ثقة بك، تخيل لو أن حياتك تمضي دون أثرٍ، دون أن تسعد مهمومًا أو تفرِّج عن منكوب.

ما قيمة الحياة إذًا؟
قال تعالى: ﴿ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الحج: 77].

وقال الشاعر:
ومن يفِد الناسَ يفد الناس نحوه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ومن يزرع المعروف يجنِ الذي زرع https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


أثبِتوا للعالم – يا عباد الله – أن في هذه الأمة رجالًا ونساءً ما زالوا يحملون نورَ محمد صلى الله عليه وسلم، نورَ الرحمة، نور الجبر، نور الإحسان.

كونوا ممن إذا غاب، حزن الناس على غيابه، وإذا حضر امتلأت القلوب بهدوء وطمأنينة.

اللهم اجعلنا مفاتيحَ للخير، مغاليقَ للشر، وأعنَّا على جَبْرِ القلوب ونفع الناس، واجعل أعمالنا خالصةً لوجهك الكريم.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.


الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، الذي يفتح أبوابَ الرحمة لعباده، ويسوق إليهم الفرص ليزدادوا من الخير، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الذي كان إذا جاءه محتاجٌ أو مهموم فرِح به، لأنه رأى فيه بابًا جديدًا للأجر.

أما بعد أيها المسلمون:
فإن الذي يأتيك محتاجًا، لم يأتِ بذاته، بل جاء بسَوق من الله.
جاءك لأنه وجد في قلبك ما لم يجده في قلوب الآخرين.
جاء لأن الله ألقى عليه أن يتجه إليك، لا إلى غيرك.

فلا تقل: "لماذا يأتي عند الحاجة فقط؟" بل قل: الحمد لله الذي جعلني أهلًا لأن أكون ملاذًا لعباده.

الناسُ اليومَ غارقون في هموم الحياة: مشاكل مالية، أزمات نفسية، خلافات أسرية، ضعف علاقات، عزلة داخل البيوت، حتى أصبحت الكلمة الطيبة أثمن من الذهب، والمساندة الخفيفة تُغيِّر حياةً.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث حسن: ((لأن يمشي أحدكم مع أخيه في قضاء حاجته، أحبُّ إليَّ من أن يعتكف في مسجدي هذا شهرًا)).

هذه هي قيمة الإنسان عند الله، ليست في منصبه، ولا في ماله، ولا في نسبه، بل في مقدار ما ينفع به الناس.

من جبر قلبًا، جبر الله قلبه.
من ستر على إنسان، ستره الله.
من أعان ضعيفًا، أعانه الله.
من كان للناس، كان الله له.

وفي زمن يكثُر فيه القسوة، ويغلب فيه اللامبالاة، تصبح أنت - يا عبدالله - خشبةَ النجاة لغيرك.

فطوبى لمن جعله الله مرهمًا لجراح الناس، وراحةً لآلامهم، وأمانًا لقلوبهم.

اللهم اجعلنا من أهل الرحمة، ومناراتِ خيـرٍ، وأسبابًا للجبر، ومفاتيح للبر.

واغفر لنا تقصيرنا، وصلِّ اللهم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.






الساعة الآن : 06:10 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 12.40 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 12.31 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (0.76%)]