ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=81)
-   -   النفاق خطر متجدد في ثوب معاصر (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=322732)

ابوالوليد المسلم 01-01-2026 06:34 PM

النفاق خطر متجدد في ثوب معاصر
 
النفاق خطرٌ متجددٌ في ثوبٍ معاصر

د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر


الخطبة الأولى
الحمد لله الذي هدانا للإيمان، وجعل قلوب عباده بين أصبعين من أصابع الرحمن، يحول بينها وبين الفتن كما يشاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، القائل: «آيةُ المنافقِ ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»؛ متفق عليه.

اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله، إن الله عز وجل خلق الإنسان في دار امتحانٍ وابتلاء، وسلَّط عليه عدوًّا خفيًّا من الجنِّ والإنس، يراه من حيث لا يراه، ليبلوَه أيتبع الهدى أم الهوى، قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ﴾ [الأعراف: 27].

ومن مداخل هذا العدوِّ إلى بني آدم أن يُلبس عليهم دينهم من باب المتشابهات، فيزيغ قلوبهم عن المحكمات الواضحات.

قال سبحانه: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ﴾ [آل عمران: 7].

فالمحكم ما لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، والمتشابه ما يحتاج إلى علمٍ راسخٍ لفهمه، وهنا تظهر منزلة العلماء، أهل الذكر، الذين وصفهم الله بقوله: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 43].

و"أهل الذكر"- عباد الله- هم العلماء المعروفون بالتقوى والورع، الذين يردُّون المتشابه إلى المحكم، ويجمعون الأمة على الكتاب والسُّنَّة، لا الذين يثيرون الشبهات أو يتخذون العلم وسيلة للتنازع.

النفاق: خطر قديم متجدد:
لقد بيَّن الله تعالى أن الناس ثلاثة أصناف: مؤمن صريح، وكافر صريح، ومنافق متستر.

وفي صدر سورة البقرة، تحدث عن المؤمنين في خمس آيات، وعن الكافرين في آيتين، ثم أفرد للمنافقين ثلاث عشرة آية كاملة!

وذلك لأن خطرهم أعظم من خطر الكافرين، فهم يبدون الإيمان ويبطنون الكفر، يفسدون في الأرض وهم يحسبون أنهم يصلحون.

تمييزٌ واجب بين نوعي النفاق:
أيها الأحبة في الله، ينبغي للمؤمن أن يميِّز بين نوعين من النفاق:
النفاق الاعتقادي (الأكبر): وهو أن يُبطِن الإنسان الكفر ويُظهِر الإسلام؛ كمن يكره شرع الله، أو يسخر من المؤمنين أو يوالِي الكافرين، وهذا يخرج صاحبه من الملَّة.

النفاق العملي (الأصغر): وهو أن يتخلق العبد بخصال المنافقين: الكذب، وإخلاف الوعد، وخيانة الأمانة، والفجور في الخصومة.

وهذا لا يُخرج من الإسلام، لكنه طريقٌ خطيرٌ يؤدي إلى تآكل الإيمان.

عباد الله، إن من مظاهر النفاق في عصرنا أن يُستهزأ بالمتدينين، ويُسخَر من المحجَّبات، ويُقدَّم الباطل في ثوب الحق.

تغيَّرت الأزياء، ولكن القلوب واحدة!

هي ذات القلوب التي كانت تسخر من المؤمنين يوم قالوا: ﴿ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ﴾ [البقرة: 13]، فردَّ الله عليهم بقوله: ﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُون ﴾ [البقرة: 13].

ومن أخطر صور النفاق اليوم- عباد الله - الطعن في العلماء، وتشويه الدعاة إلى الله، وتضخيم أخطائهم لإسقاطهم في أعين الناس.

وللأسف غاب عن وعي كثيرٍ من المسلمين أنَّ استهداف الدعاة في حقيقتِه استهدافٌ لما يحملونه من دعوةٍ ورسالةٍ، وأنَّ الغاية من إسقاطهم إسقاطُ الحقِّ الذي يدعون إليه. كما غفل كثيرٌ منهم عن أنَّ العصمةَ قد خُتِمت برسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وأنَّ التمكينَ والرفعةَ إنما تكون بصدقِ العبد مع ربِّه لا بادِّعاء العصمة أو الكمال.

قال الإمام مالك رحمه الله: «كلٌّ يُؤخذ من قوله ويُردُّ، إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم».

عباد الله، إن أخطر ما يُصيب الأمة حين تفقد الأدب في الخلاف، وتتحوَّل النصيحة إلى فضيحة، والنقد إلى جرحٍ وتجريحٍ، فيفرح الشيطان، ويُسقط الله بركة العمل والقول.

فلنحفظ ألسنتنا من أعراض العلماء، ولنزن كلماتنا قبل أن نكتبها أو ننطقها، فإنَّ الحسنات تذوب في حرارة الغيبة، كما يذوب الملح في الماء.

الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا طيبًا مباركًا كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أيها الأحبة في الله، إن علاج النفاق لا يكون إلا بالصدق والإخلاص، وبالعلم الراسخ، والصحبة الصالحة، ومجاهدة النفس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ، والمُهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهَى اللَّهُ عنْه»؛ متفق عليه.

واعلموا- رحمكم الله- أنَّ باب التوبة مفتوح، وأنَّ رحمة الله أوسع من الذنوب كلها، قال تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 146].

فمن تاب من النفاق، أو من خصاله، أو من المعاصي التي تغذيه، تاب الله عليه، وبدَّل سيئاته حسنات.

أيها الشباب، لا تصاحب من يجرُّك إلى المعصية، ولا تجالس من يسخر من دينك؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرجلُ على دينِ خليلِه فلينظرْ أحدُكم من يُخالِلُ»؛ أخرجه أحمد (8398)، وأبو داود (4833)، والترمذي (2378).

صحبةُ السوءِ تفسدُ قلبَ المرءِ الصالح كما تأكلُ النارُ الهشيمَ سريعًا، في حين يُسهمُ الصاحبُ الصالح في تثبيت الإيمان ورسوخِه، كما يَحمي السورُ الحصينُ أهلَه من الانهيار والضياع.

اللهم يا مقلب القلوب، ثبِّت قلوبنا على دينك.
اللهم اجعلنا من الصادقين، ونجِّنا من صفات المنافقين.
اللهم طهِّر قلوبنا من الكبر والرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعمالنا من الخيانة.
اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء همومنا.
اللهم أصلح شباب المسلمين، واهْدِ نساءهم، وارزقنا صحبة الصالحين.
اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، وثبِّت أقدامهم، وبارك في دمائهم وتضحياتهم.
اللهم اجعل سائر بلاد المسلمين آمنةً مطمئنةً، رخاءً وسلامًا، يا أرحم الراحمين.
وصلِّ اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.





الساعة الآن : 02:59 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 10.14 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 10.04 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (0.92%)]