وباء الألقاب العلمية ومصله التواضع والإخلاص لرب البرية
وباء الألقاب العلمية ومَصْلُهُ التواضع والإخلاص لربِّ البرية د. أحمد الحندودي انتشرت في السنوات العشر الأخيرة ظاهرة الإفراط في استعمال الألقاب العلمية؛ مثل: (الدكتور، البروفيسور، المهندس،...)، حتى غدت عند البعض معيارًا للتقدير، ووسيلة للتفاخر، وأضحت أقربَ إلى داء اجتماعي، لا إلى مجرد صفة وظيفية أو علمية، بل تجد أحدهم يغضب ويحمرُّ وجهه إذا نوديَ باسمه دون لقبه، ولم يدرك أن قيمة الإنسان تُبنى بما يحمله من علمٍ وخلق عالٍ، لا بما يلصق من ألقاب، فالألقاب تزول خلافًا للخُلق الباقي، وسيرة السلف الصالح شاهدة على التواضع؛ فالأئمة الكبار مالك، والشافعي، وأحمد، وابن تيمية، وابن حجر، وابن باز، والألباني عُرفوا بأسمائهم وأعمالهم، فما نقص ذلك من قدرهم، بل زادهم رفعةً وهَيبةً عند الخاصة والعامة. بل إن خير البشر صلى الله عليه وسلم كان يُنادَى من بعض الأعراب باسمه المجرد، ولم ينقل أنه غضب أو تمعَّر وجهه الشريف، وكان يقول: ((لا تُطروني كما أطرت النصارى ابنُ مريم، إنما أنا عبدٌ فقولوا: عبدُالله ورسوله)). أقول هذا الكلام؛ لأنه قبل يومين تواصل معي أحد الأصدقاء بالجوَّال ممن حصل على درجة الدكتوراه؛ ليسألني عن مسألة حديثة، فقلت: "يا فلان - باسمه المجرد - إن جواب المسألة كذا كما نص عليه الحافظ ابن حجر، فهل وقفت على كلام مخالف له؟" فلم يردَّ عليَّ، فكررت السؤال، فقال بصوت غاضب: "رجاء لا تكرر مناداتي باسمي دون أن تسبقه بلقب الدكتور"، فعَلَا صوتي بالضحك؛ ظنًّا أنه يمزح، فقال: "يا أبا فلان، أنزلوا الناس منازلهم"، ثم استأذن وأنهى المكالمة. إن داء الألقاب العلمية مرض يفتك بروح العلم، يزرع الكِبر ويُميت الإخلاص. ودواء هذا الداء يكمن في أمرين: تواضعٍ يرُد النفس عن زهوها، وإخلاصٍ يطهر القلب من دنس هواها؛ إذ إن التواضع زينة العلم، ورِفعة العالِم، به يعرف قدر المرء لا بما علق قبل اسمه من ألقاب وأوصاف، والإخلاص روح العمل، وميزان القبول، من أخلص لله نفعه علمه، ورفعه ربه، وإن خفيَ اسمه بين الناس، فكم من عالمٍ غرَّه مدح الناس فهلك! وكم من متواضع خفيٍّ رَفَعَهُ الله فأفلح وسلك! يا طالبَ الألقاب مهلًا إنها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif سلم الخداع وزينة الجهَّالِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif قد كان في سلف الهدى من علمهم https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif خلق عظيم وهيبة الأفعالِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif لم يعرفوا "دكتور" أو "بروفيسور" إذ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif شرف التقى أوفى من الأشكالِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فاحذر من الألقاب فهي مصابُ مَن https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif جعل العلوم مطيَّة الأموالِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif واجعله زادًا للمعاد ودرعه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ضد الرياء وصولةَ الإهمالِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وأخيرًا قد يقول قائل: لماذا صدرت اسمك بهذا اللقب؟ والجواب: حتى لا يظن القارئ أنني ناقم على أصحاب هذه الألقاب؛ لعدم حصولي على شيء منها. |
| الساعة الآن : 12:09 AM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour