ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى الشعر والخواطر (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=30)
-   -   استهلال القصيدة الأندلسية (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=285554)

ابوالوليد المسلم 27-11-2022 09:28 PM

استهلال القصيدة الأندلسية
 
استهلال القصيدة الأندلسية


محمد حمادة إمام




افتَتَح العديدُ من الشعراء الأندلسيِّين بعضَ قصائدهم بالحديث عن الشيب والشباب، مثلهم في ذلك مثل المَشارِقة القُدامَى والمحْدثين، وإنْ كان هناك مِن النقاد من لم يُعِرِ استهلالَ القصائد بالحديث عن الشيب والشباب اهتمامًا، ومنهم ابن رشيق[1]، ومن النقاد[2] مَن وَضَع شروطًا في استهلال القصائد بالحديث عن الشيب والشباب، أهمُّها ألَّا يستهل - مثلًا - قصائد المدائح والتهاني بمثل نعْي الشباب، وذمِّ الزمان.

والشاهد على تخلية افتتاح قصائد الثناء، والفرح والمرح، بالحديث عن الشيب والشباب من العيب، وجودُه منذ القِدَم، تعبيرًا عما يدُور بالخلَد، وتنفيسًا عما يَعْتَمِل بالنفس، إذ إنه أمرٌ فطريٌّ، تُمليه الأحاسيس، وتسُوقه المشاعر تجاه نفسِه، أو الآخرين.
ولم يكُن للقُدامَى في مواطن كثيرة. "إلا الأبيات القليلة، يقولها الرجل عند حدوث الحاجة.

قال أَعصَر بن سعد بن قيس بن عيلان - واسمه منبه بن سعد - وهو مِن قديم الشعر[3]: [من الكامل]:
قَاَلتْ عُمَيرةُ ما لِرأْسكَ بَعْدَما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
نَفِدَ الشَّبابُ أَتى بِلَوْن مُنكَرِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

أعُمَيرَ إنَّ أباكِ شَيَّبَ رأسَهُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
مَرُّ الليالي واختلافُ الأعْصُرِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


وقال الحارث بن كعب، وكان قديمًا: [من المتقارب]:
أَكَلْتُ شَبَابِي فأفنيتُهُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وأفنيتُ بعد شُهُورٍ شُهُورا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

ثلاثةُ أهْلين صاحبتُهم https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
فَبَانوا وأصبحتُ شَيْخَا كَبيرا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

قليلَ الطعامِ عَسيرَ القيا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
م قَدْ تَركَ القيدُ خَطْوي قصيرَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

أبيتُ أُرَاعي نُجُومَ السَّماءِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
أُقَلِّبُ أمْري بُطُونا ظُهُورا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


وهذا الغزال يَبتَدئ مقطوعة له، أو يفردها، بتقريع وتوبيخ وعذْل الأشيب المُتَصابي اللاهي، الذي بلغ أرذل عمرِه، وما انفكَّ عن غيِّه متعرِّضًا للحِسَان الممتلئات نضارةً وفتاءةً وحسنًا ودلالًا، فالأجمل به أن يرتدع ويَرْعَوي؛ فيقول ناصحًا نفسه، أو بني جنسِه وقرنه[4]: [من السريع]:
بَعْضَ تَصَابيك على زينبِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
لا خيرَ في الصَّبْوة للأَشْيَبِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

أَبَعْدَ خَمْسين تَقَضَّيْتَها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وافيةً تَصْبو إلى الرَّبْرَبِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

... إلخ الأبيات.

ولعله حديث نفس إثر نزعة إيمانية انتابتْه، فرأى أنه مِن الجهل والعيب قضاءُ عمره في السفَه والطيش.

وهذا ابن هانئ الأندلسي، في مواقف متعددة[5] يَفتَتح قصائد له بالحديث عن الشباب والشيب، ففي موقف شخصي، أو ذاتي، يبتدئ إحدى قصائده - ولو تصنُّعًا - بمدْح المشيب، الذي انتشر انتشارَ البرْق في الرأس، واستبانت آثارُه على باقي عمود الجسد، وهو لا يزال في فتاءته، ومنتصف عمره، فيقول[6]: [من الكامل]:
قَدْ سَار بي هَذَا الزمانُ فأوجَفا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ومحَا مشيبي مِن شَبابي أَحْرُفا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

إلَّا أَكُنْ بَلَغتْ بي السنُّ المدَى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif





ابوالوليد المسلم 27-11-2022 09:29 PM

رد: استهلال القصيدة الأندلسية
 
فَلَقَدْ بَلَغْتُ من الطريق المنصَفَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

فأمَا وَقَدْ لاَح الصَّباحُ بِلمَّتي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وانجابَ ليلُ عَمَايتي وتَكَشَّفَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

فَلَئن لَهَوْتُ لألهونَّ تَصُّنعا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ولَئِنْ صَبَوْتُ لأَصْبونَّ تَكَلُّفَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

ولَئِنْ ذَكَرْتُ الغانياتِ فَخَطْرَةٌ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
تعتادُ صَبًّا بالحِسَان مُكلَّفا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

أبيات تكشف عن حُبِّه لذوات الجمال والدلال، وتوضح ذمَّه لترَّهات الشبان، ونزغات الشيطان، وحلول الهدى على يد المشيب.

لقد جاءت جلُّ القصائد، التي افتَتَحها بنعي الشباب، والتحسُّر عليه، في المدح، مثل مدح المعزِّ لدين الله الفاطمي، أو جعفر بن علي، ولم نجد مِن الأمراء، أو النقاد مَن عاب هذا عليه.

وهذا ابن دراج القسطلي (ت 421 هـ) يَستَهل قصيدة له برثاء الشباب، والتحسُّر عليه، فقد أصبح كالسكران مِن هَوْل فقْد نجومه، ولذا فإنه يتمنَّى بصيصًا مِن ضيائه وبهائه، وتنشَّق شميم ريحه، وأريجه.

إنه الحنين والشوق إلى الروض، الذي شطَّ مزارُه، وغارت أعذبُ مياهه، فيقول في تصوير حاله بعد شبابه، ووصْف حسْن وجمال مَن أتى على حمى قلبه، وأقام على نحول قدِّه، وذبول غصنه[7]: [من المتقارب]:
نجومَ الصِّبا، أين تلك النجومُ؟ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
نسيمَ الصَّبا، أين ذاك النسيمُ؟ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

أما في التخيُّل منها ضياءٌ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
أما في التنشُّقِ منها شَميمُ؟ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

فَيَلْحَقُها من ضُلوعي زفير https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ويُدْرِكُها من دُمُوعي سَجُومُ[8] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

لقد شطَّ رَوْضٌ إليه أَحِنُّ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وغارتْ مياهُ إليها أَهيمُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

أَوانسُ يُصْبِحُ عَنْها الصَّباحُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
نواعم يَنْعَمُ منها النعيمُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

كواكبُ تُصْغِي إليها السُّعودُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
كواعِبُ تَصْبو إليها الحُلُومُ[9] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


ابوالوليد المسلم 27-11-2022 09:29 PM

رد: استهلال القصيدة الأندلسية
 
كواعِبُ تَصْبو إليها الحُلُومُ[9] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

لياليَ إذ لا حبيبٌ يَصُدُّ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وعهديَ إذ لا عذولٌ يلومُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

يبحث الشاعر عن جمال صِباه، ويفتِّش عن ريحه الطيِّب، فهو الذي بانت ببَيْنِه غانياتٌ كُنَّ أصلَ الضياء، والحسن، والنعيم والبهاء، إنها حِسان يصبح عنها الصباح، وتُصغي إليها النجوم، وتهفو لنسيمها قلوبُ الشباب والشيب، وهذا تصوير لتبدُّل حاله، وتقلُّب زمانه به.

وهذا ابن شهيد (ت 426 هـ)، يَفتَتح قصيدة له، في مدح عبد العزيز المؤتمن، ببكاء الشباب، والتحسُّر على مَعاهده، إذ إنه مر عليها فوجدها خلاء، فذكر أيام الصبا والحِسان، فهاج وَجْدُه، ولم يقدر - عندئذ - على عينه الجادَّة في الانصباب والسيلان. فيقول[10]: [من الكامل]:
هَاتيك دَارُهُمُ فَقِفْ بِمَغانها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
تَجِدِ الدُّمُوعَ تَجِدُّ في هَمَلانها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

عُجْنَا الرّكابَ بها فهيَّج وَجْدَنا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
دِمَنٌ ذَعَرْنَ السِّرْب من إِدْمانها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


ثم يقول:
يا صاحبيَّ إذا وَنَى حادِيكُمَا ♦♦♦ فتنشَّقَا النَّفَحاتِ مِن ظَيَّانها[11]

إلى أن يقول:
فَبَكَيْتُ مِنْ زمن قطعتُ مَراحلا ♦♦♦ وشبيبةٍ أخْلَقْتُ مِن رَيْعانها

لم يَبق من الديار إلا آثارها، وبَقايا عَبيرها، الذي يَحْمل جمال الشباب، وقد ولَّى بلا إياب، ويُلاحظ وجود أُلفة بين تلك الصورة، وصورة ابن دراج السابقة، وأن هذا الاستهلال جاء في قصائد مديح وثناء.

أما الإلبيري، فيَتنَاول في استهلاله، قضيَّة الأشيَب المُتَصابي، والجهول اللاهي، كاشفًا عن حُمقه وسفاهته، بمقارنةٍ بَينه، وبين قرنه الفطن البصير، تُبيِّن أن زينة المرء في التُّقَى، والاستِمساك بأسباب الهدى، ومفاتيح النجاة، فيقول[12]: [من الكامل]:
الشَّيْبُ نَبَّهَ ذا النُّهى فَتَنَبَّهَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ونهَى الجهُولَ فَما اسْتَفاق ولا انْتَهى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

بَلْ زادَ نَفْسي رَغْبةً فَتَهافَتَتْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
تبغي اللُّهى وكأنْ بِها بين اللَّها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

فإلى مَتَى أَلْهُو وأَفْرَحُ بالمُنَى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
والشيخُ أقبَحُ ما يكُون إذا لَها[13] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

ما حُسْنُه إلَّا التُّقى لا أن يُرَى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
صَبًّا بأَلْحَاظِ الجآذر والمَهَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

يتبع

ابوالوليد المسلم 27-11-2022 09:30 PM

رد: استهلال القصيدة الأندلسية
 
استهلال القصيدة الأندلسية


محمد حمادة إمام



إلى أن يقول:


ليست تُنَهْنِهُهُ العِظَاتُ ومثْلُه ♦♦♦في سِنِّهِ قد آنَ أَنْ يَتَنَهْنَهَا

استَخدم الشاعر أسلوب الالتفات، من الغيبة إلى التكلم إلى الغيبة؛ تنبيهًا على خطأٍ وقع فيه مَن وخطه المشيُب وهو: التصابي والجري وراء الكعاب. ويرى د/ الداية أن البيت الثاني تكرَّر معناه في مطلع قصيدة أخرى[14].

وهذا ابن زيدون (ت. 463 هـ)، يَستَهلُّ قصيدة له بالثناء على الشباب، ببيان سموِّ منزلته، وشرَف مكانته، لدى مَن هو بحاجة إلى الاهتمام به ورعايته، حتى خَلصَ إلى مدح الوزير الأجلِّ - محمد بن جهور بن محمد بن جهور. فيقول[15]: [من الطويل]:
أما عَلِمَتْ أنَّ الشَّفيعَ شَبابُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
فيقْصُرُ عَنْ لَوْمِ اَلمحِبِّ عِتَابُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

عَلَامَ الصِّبا غَضٌّ يرفُّ رُواؤُه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
إذا عنَّ مِن وَصْلِ الحسانِ ذَهابُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وفيمَ الهوى مَحْضٌ يَشِفُّ صفاؤُهُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
إذا لم يكُنْ منهنَّ عنه ثَوابُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


وله قصيدة أخرى، استَهلَّها ببيان زهوه، وزهو محبوبه بالفتاءة والنضارة والشبيبة، وحداثة السن بين الأتراب[16]، وهي التي حيَّرتْه فلم يكد يعرف أيًّا يشكو.

وهذا أبو جعفر اللمائي[17] (ت 465 هـ) يَفتَتح قصيدة له، بتصوير أثَر الأسقام والأوجاع والمشيب، في زجْره عن غيِّه، وتأنيبه، ووعظه وتأديبه، موضِّحًا قسوة الليالي والأيام معه، إذ داهمته بالخطوب، وآذتْهُ في المسالك، والدروب بما لم تجْنِ يداه، فمات جده، وشابت روحه، ونزف قلبه، وهو ما زال في ريعان شبابه، وعنفوان مجده، فيقول[18]: [من الكامل]:
أمسَى سَقَامي زَاجِري ومُؤَنِّبي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وغَدا مشيبي واعظي ومُؤَدِّبي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

أَوْهَتْ خطوبُ الدّهْرِ مِنِّي عَاتِقي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ثقلًا، وزَعْزَع مَنْكِبَاه مَنْكِبي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وهَمَتْ سحائبُه عليَّ فَغَادَرَتْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
أرضي قرارةَ كُلِّ خَطْبٍ مُعْجِبِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

فأَظَلُّ أُبْصِرُ فيه ما لم أَحْتَسِبْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
جَوْرًا، وأقرأ فيه مَا لَمْ أكْتُبِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

سِنٌّ حَديث تَحْتَ جَدٍّ شارِفٍ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وسَوادُ رأسٍ فَوْقَ قَلْبٍ أَشْيبِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


وهذا ابن حمديس (ت 527 هـ )، يَبتَدي قصيدة له بتصوير حاله على يد المشيب، إذ مات شبابه، بولادة شيبه، مبيِّنًا عدم رضاه عن الخِضاب، كفن الشَّعر، وشاهد الزور، تغنى به الغواني، ويبقى لصاحبه البوار، والشقاء، داعيًا الشيب إلى عدم هوى الفتيات، فوَصْلُهن محالٌ مِن صيد العنقاء، فيقول[19]: [من الوافر]:
بَقِيتُ مع الحياةِ وماتَ شَعْري https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
بشَيبي فالقَذالُ به يُنقَّى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

فَشَعْري لا يُكفَّنُ في خِضَابٍ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ولا يَنْفَكُ لِلأَنْظار مُلْقَى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif




ابوالوليد المسلم 27-11-2022 09:31 PM

رد: استهلال القصيدة الأندلسية
 
إلى أن يقول:
فلا تَهْوَ الفتاةَ وأَنْتَ شيخٌ ♦♦♦ فأبْعَدُ وَصْلُها مِنْ صَيْد عَنْقا

وله في مثل هذا الفن والمعنى قوله - أيضًا[20]: [من المتقارب]
نفَى همُّ شَيْبي سُرورَ الشَّبابِ ♦♦♦ لَقَدْ أَظْلمَ الشيبُ لَمْا أضاءَ

إلى أن يقول:
أَأكْسو المشيبَ سَوادَ الخِضَابِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
فأجعل للصُّبح لَيلًا غِطاءَ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وكيفَ أُرجِّي وَفاءَ الخِضَابِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
إذا لمْ َأِجْد لِشَبابي وَفَاءَ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


لقد محا جمالَ وبهاءَ وبشْر الشبابِ، هَمُّ المشيب، الذي أظلم القلب بإضاءته الرأس، ولذا فإنه لا رغبه له في الخضاب، إذ لا يعود به إلى الشباب، الذي مات عنده الوفاء.

ولابن خفاجة قصائد، استَهلَّها بالحديث عن الشيب والشباب، مصوِّرًا حالَ المرء في هاتين المرحلتين، منها في مضمار مدح أبي الحسن بن نعيم[21]: [من الطويل]:
تَشَفَّعْ بِعلْقٍ للشَّباب خطيرِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وبِتْ تَحْتَ ليلٍ، لِلوِصال قصيرِ[22] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وَنلْ نَظرةً من نُضْرةِ الحُسْنِ، وانتعِشْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
بغُرَّةِ رقراقِ الشَّباب غزيرِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

فما الأَنسُ، إلا في مُجَاج زُجاجةٍ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ولا العيشُ إلا في صَريرِ سَريرِ[23] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وإنِّي، وإنْ جِئْتُ المشيبَ لَمُولَعٌ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
بِطُرَّةِ ظلٍّ، فوقَ وجهِ غَديرِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

فيا حَبَّذا ماءٌ بمنعرَج اللِّوى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وما اهتزَّ من أيكٍ عليه مَطيرِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


يصوِّر الشاعر زهوَه بالشباب، وهيامه به، وبالمجون فيه، باثًّا بين ثناياه حنينَه إلى مَعاهده، خاصَّةً اللوى، وهي دعوة إلى اغتنام أيامه قبل ذهابه، فهذه الصورة تبيِّن أنَّ "الشاعر ينظُر إلى الطبيعة نظرة محبٍّ، وهذه الأبيات تمثل نفسيَّته المحبَّة، التي يتوزَّعها جمال الطبيعة، وجمال الإنسان[24]".

وهذا عبد الحق بن غالب بن عطية (481 - 546 هـ) - مِن القضاة - يَستَهلُّ إحدى قصائده بنَدْب أيام الشباب، الذي ملأت ذكْراه خاطره، آخذًا في تصوير جمالها ونضارتها، ومداهمة الخطوب، والمشيب له. فيقول[25]: [من البسيط]:
سُقْيا لعهدِ شَبابِ ظَلْتُ أمرَحُ في https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
رَيْعانه وليالي العَيشِ أسحارُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

أيامَ روضُ الصِّبا لم تَذْوِ أغْصُنُه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ورونقُ العمْر غضٌّ والهَوى حارُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

والنفسُ تَرْكُض في تضمينَ ثرَّتها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
طِرفًا لهُ في زمَانِ اللهوِ إحضارُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

عهدًا كريما لَبِسْنا منه أَردْيةً https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
كانتْ عُيُونا ومُحيت فَهْيَ آثارُ[26] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif





ابوالوليد المسلم 27-11-2022 09:31 PM

رد: استهلال القصيدة الأندلسية
 
كانتْ عُيُونا ومُحيت فَهْيَ آثارُ[26] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

مَضَى وأبْقَى بقلبي منه نارَ أَسًى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
كُوني سلامًا وبَرْدًا فيه يا نارُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

أَبَعْدَ أَنْ نَعِمَتْ نَفَسي وأصبح في https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ليل الشَّباب لصبح الشَّيب إسفار https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

ونَازَعَتْني الليالي وانْثَنَتْ كِبَرًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
عَنْ ضَيْغَمٍ ما له نابٌ وأظفارُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

يدعو الشاعر بالسُّقيا لعهد الشباب، الذي جرى في حلبته زمنًا، ناضر العود، ريَّان القضيب، منعمًا جذلانَ، حتى فارقه تاركًا بقلبه نار الأسَى، لزوال النعيم، وافتراس الليالي له منصرفة متكبرة شامخة عن أسد، كسرَت أنيابه، وقلَّمت أظفاره، وقوله: "كُوني سلامًا وبردًا فيه يا نار"، مِن قوله تعالى: ï´؟ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ï´¾ [الأنبياء: 69].

وهذا أبو عبد الله بن عياض (ت 542 هـ)[27]، يصوِّر نُحُوله وسقمه، وكثرة نحيبه وبكائه - حتى ظهر جدولًا ووُرْقًا - لِبَيْنِ مَن غذى بحبه، وطيَّب عشقه، فيقول[28]: [من مخلع البسيط]:
عَرْبدَ بالهَجْرِ والعِتابِ ♦♦♦نشوانَ من خَمْرةِ الشَّبابِ

إلى أن يقول:
أنْحلَ جِسمي هَواهُ حتىَّ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
لم يَبْقَ مِنِّي سوى الإِهَابِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

فاعجبْ لِروحٍ بغيِر جِسْمٍ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
قَدْ رُكِّبَ الروحُ في الثيابِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

قَصَرْتُ نفسي على هواه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
والماء يُغْني عن السَّراب https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

أبْصَرْتُه جَدْولا وَوُرقا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
مِن دَمْعِ عَيني وانتحابي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

يتبع

ابوالوليد المسلم 27-11-2022 09:32 PM

رد: استهلال القصيدة الأندلسية
 
استهلال القصيدة الأندلسية



محمد حمادة إمام




وقوله: "فاعجب لروح بغير جسم" من قول المتنبي[29]: [من البسيط]
كَفَى بِجِسْمي نحولا أنني رجلٌ ♦♦♦ لَولا مُخَاطَبَتي إِيَّاك لم تَرَني

وهذا أحمد بن شكيل "ت. 605 هـ"، يندُب حاله في مستهلِّ قصيدة له، ويتبرَّم من المشيب، الذي توالت على يديه نكبات الهموم، وتكاثر اللوام، فسواد شعر رأسه نتاج الهموم، والأسى، والغموم، التي أخذت حظَّها مِن قلبه، ونضير غصنه، ومع هذا لم ولن يرضى بظلم، أو خيانة، فيقول[30]: [من الكامل]:
يا من لُصِبْحِ الشيب كيف تنفَّسَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
في لِمَّتي فَأَجابَهُ ليلُ الأَسَى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

لا تحسبنَّ سوادَ شَعريَ نِعْمةً https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
لَكنْ كَسَتْهُ هُمُومُ قَلْبي حِنْدِسَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

إلَّا يَكُنْ شَابَ العِذارُ ولا انْحْنَى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ظَهْري فَقَدْ شَاب الفؤادُ وقَوَّسا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

إنّي لأُغْضِي مُقْلَتي عَنْ لائمي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وأَرى ابْتسامي مِن ضَميري عَبَّسا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

ويَلِينُ قَلْبي للخليلِ مَوَدَّةً https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
فإذا أَحَسَّ هَضِيمةً يَوْمًا قَسَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

لم يشب العذار، ولم ينحن الظهر، بل شاب القلب، وتقوَّس القدُّ.

وهذا أبو الحسن بن الفضل[31]، يَفتَتح إحدى موشَّحاته بندْب عمره، الذي أُرغِم في خواتيمه على خَتْمه منفردًا، فاتَّقَدَت بقلبه نار الحسرة، وقتَ أن هجره الحب والهوى. فيقول[32]: [من المتقارب]:
فواحسرتا لِزَمانٍ مَضَى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
عَشِيَّةَ بانَ الهَوَى وانْقَضى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وأُفْرِدْتُ بالرُّغْم لا بِالرِّضَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وبِتُّ عَلَى جَمَراتِ الغَضَى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وكأن شباب الشاعر مقرون بالهوى، فإذا ما بان أحدُهما بانَ الآخر.

وهذا أبو الحسن، علي بن موسى بن سعيد العنسي، يقول مصوِّرًا حنينه إلى مسقط رأسه، ومعهد شبابه وأنسه: "ولما قَدِمْتُ مصر والقاهرة أدركتْني فيهما وحشة، وأثار لي ما كنتُ أعهد بجزيرة الأندلس، من المواضع المبهِجة التي قطعتُ بها العيش غًّضا خصيبًا، وصحبتُ بها الزمان غلامًا، ولبستُ الشباب قشيبًا، فقلتُ[33]: [من الرمل]:
هَذهِ مِصْرُ فَأينَ المغْرِبُ؟ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
مذ نَأَى عَنِّي دُمُوعي تُسْكَبُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

فارقتْه النفسُ جَهْلًا إنَّما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
يُعْرَفُ الشيءُ إذا ما يَذْهَبُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

أَيْنَ حِمْصٌ؟ أين أيامي بها؟ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
بَعْدَها لم ألْقَ شَيْئًا يُعْجِبُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

كَمْ تقضَّى لي بها مِن لَذَّةٍ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
حيث لِلنَّهْر خريرٌ مُطْرِبُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif






ابوالوليد المسلم 27-11-2022 09:34 PM

رد: استهلال القصيدة الأندلسية
 
وحَمَامُ الأَيْكِ تَشْدو حَوْلَنا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
والمثاني في ذَرَاها تَصْخَبُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

أيَّ عَيْشٍ قَدْ قطعناهُ بها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ذِكْرهُ مِنْ كُلِّ نُعْمَى أَطْيبُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وَلَكَمْ بالمرج لي مِن لَذَّةٍ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
بَعْدها ما العيشُ عِنْدي يَعْذُبُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

إلى أن يقول:
بَلْدةٌ طابت وربٌّ غَافِرُ ♦♦♦ لَيْتني مَا زِلْتُ فِيها أُذْنِبُ

سكَن الشاعرُ بَلدَينِ، فأخذتْ صُوَرُ معهد شبابه تروح وتغدو أمامه، فأحَسَّ عندئذ بالوحشة والغربة، وأخذ لسانه في سرد بعض مظاهر حُسنه وجماله، معتمدًا في توشية حديثه على القرآن الكريم، فقوله: "بلدة طابت ورب غافر" من قوله تعالى:﴿ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴾ [سبأ: 15]، وأما قوله " ليتني ما زلتُ فيها أُذنب "، فبيانٌ بأنه بلَد الخير والحُسن والجمال، ومعهد الطيِّبات والحِسان، فهو جمال في جمال.

ولأبي الحسن، علي بن الجياني (ت 708 هـ) رسالة شعرية إلى أحد أصحابه بإنكار لما هو عليه مِن لهو وتَصَابٍ، وعدم مراعاته حقوق المشيب[34].

وهذا أبو عبد الله بن خميس، يفتتح إحدى قصائده بتصوير وجْده، وحسرته، وشجنه، لفقد الشباب، إذ لم يعُد يتلذذ بطعام أو شراب، وصار يمنِّي نفسه بالمتاب، بعدما ضاع شرخ شبيبته، في خداع وخصومة وعتاب. فيقول[35]: [من الطويل]:
أَنَبْتُ، ولكنْ بَعد طُولِ عِتابِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وفَرْطِ لَجَاجٍ ضاع فيهِ شَبابي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وَمَا زِلْتُ والعَليا تُعنِّي غريمها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
أُعَلِّلُ نفسي دائما بِمَتَابِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وهيهات مِنْ بَعْد الشَّبابِ وشَرْخِه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
يَلذُّ طَعَامي أو يَسُوغُ شَرَابي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

خُدِعْتُ بهذا العيش قبْل بلائهِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
كَمَا يُخْدَعُ الصَّادي بِلَمْعِ سَرابِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

تقولُ هُوَ الشَّهدُ المشور جَهالةً https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وما هُو إلا السُّمُّ شِيبَ بِصَابِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


إلى أن يقول:
وما أَسَفي إلا شَبابٌ خَلَعْتُه ♦♦♦وشيبٌ أَبَى إلَّا نُصُولَ خِضَابِ
أَسف على تأخير المتاب، وبيْنِ الشباب، وانكسار حدِّ الخضاب عن المشيب.

وهذا يوسف الثالث - ملك غرناطة ت. 727 هـ - يَستهلُّ إحدى قصائده بتصوير ذكريات الشباب، حيث خاض فيه لُجَّ الحب، وهو فتى غرٌّ، وربما يُلتَمس له العذر، أما وقد علاه المشيب، فلا عُذر له ولا حجة، ولذا فإنه يُوبِّخ نفسًا علاها مشيب صروف الدهر من غدْر وشيب قبل الأوان، ومع هذا، فلا يزال طالبًا للمعالي والأمجاد، فيقول[36]: [من الطويل]:
لَقَدْ خَاضَ لَجَّ الحُبِّ مِنِّي فَتىً غِرُّ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وشِبْتُ فَشَبَّتْ في ضُلُوعي لَهُ جَمْرُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وَقَدْ كَانَ لي عذرٌ إِذ الفَوْدُ فَاحِمٌ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
فَمَا لي وقد لاَحَ المَشيبُ بِهِ عُذْرُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وما شِبْتُ من سِنِّ ولكنْ أَشَابَني https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
صُرُوفُ زَمَانِ سوف يُلْفى به الجَبْرُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وإنَّ زمانًا قَدْ أَحَال شَبِيبَتي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
لأَجْدَرُ أن يُعْزى إلى فعلهِ الغَدْرُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


ابوالوليد المسلم 27-11-2022 09:35 PM

رد: استهلال القصيدة الأندلسية
 
دَع الدَّهْرَ والأيامَ وارْقَ تَكَسُّبًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
لِنَيْلِ معالٍ عندها يُرْفَعُ القَدْرُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

سَأثْني عناني للمعالي فَإِنَّني https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
لِيَ الصِّيتُ في الأملاكِ والمحْتِدُ الحُرُّ[37] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

عَجِبْتُ من الأيَّام تَمْنَعُ مَقْصدي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ومِن دُون ما تَبْغيه مِنِّي هوى النِّسْرُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


تأتي صروف الدهر على البادي والحاضر، وتجُور على سَليل الملوك، والفوارس، فهذا رجل نالت منه غياهب السجن وهمومه، "فمأساة السجن بهمِّها الكبير تتجلى في الشيب، الذي غزا مفارق شَعره، ولما يُجاوز سنَّ الشباب، وبما أن المشيب علامة على مرور الزمن، وسنوات العمر، فكأن همُّ سجنِه يَأكل من حياته السنوات إثر السنوات، دون أن يشعر أو يدري...[38]".

وهذا الكاتب، أبو بكر، محمد بن أحمد بن محمد بن شبرين (674 - 747 هـ) يَستهلُّ قصيدته اللامية ببكاء شبابه، وأسفه مِن غدْر الخلَّان والأصحاب باعثًا تحية إخلاص، إلى أهل الوفاء، وأخلَّاء الصفاء، وأنس ليالي الشباب متمنِّيًا قُفوله، وهو مُوقن باستحالة رجوعه، فيقول[39]: [من الكامل]:
ظَعَنَ الصِّبا ومِنَ المُحال قُفولُه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
إنْ كُنْتَ باكيَه فَتِلك طُلُولُهُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

قِفْ عِنْدَها خَبْلَ الدُّمُوع ورَجْلها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وانْدُبْ شبابا شَطَّ عَنْكَ رَحيلهُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


إلى أن يقول:
أَسفًا عَلَى زَمَنٍ كَريمٍ عَهْدُهُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وَلَّتْ غَضَارتُهُ وغَابَ سبيلُهُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

ضيَّعْتَ في طَلَب الفضول بُكُورَه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
لكن نَدِمْتَ وقَدْ أتاكِ أَصيلُهْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

إلى آخر الأبيات، التي ينبغي على الشيب والشباب تدبرها لتفادي غدْر الأيام وخيانتها.

وهذا هو الخطيب العدل "علي بن أحمد بن محمد... أبو الحسن الأحيمر (ت. 750 هـ) يَفتَتح بعض قصائده، بالحديث عن المشيب، وأهله المخدوعين بأماني الدنيا، وحديث الغواني المعسول، اللائي روَّعتْهن الشعرات البيض، والمرء يَعرف حقيقتَهن، ولكنه - عن عمد - عن الوعي يغيب، فيقول[40]: [من الكامل]:
الآن تَطْلُبُ وُدَّهَا وَوِصَالها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
مِنْ بَعْدِ مَا شَغَلَتْ بهَجْرك بالَها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وقد اسْتحالَتْ فيك سيماءُ الصِّبَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
حالًا يُروِّعُ مثلُها أمثَالَها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وأتيتَها مُتلبِّسًا بروائعٍ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
نُكْرٍ بِفَوْدِكَ أصبحتْ عُذَّالها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


إلى أن يقول:
جزعتْ لهذا الشَّيب نَفْسي وَهْيَ مَا ♦♦♦ زالتْ تَهَوِّنُ كُلَّ صَعْبٍ نَالَها
يتبع




ابوالوليد المسلم 27-11-2022 09:36 PM

رد: استهلال القصيدة الأندلسية
 
استهلال القصيدة الأندلسية



محمد حمادة إمام






توبيخ لمَن تعلَّق بمَن يخدعه، ويَضيق به، وينفر منه.

أما ابن الخطيب، فقد أكثرَ مِن استهلال قصائده، بصُوَر للمشيب والشباب سواء لبيان أثر المشيب، وما لازمه مِن جفاء وهجر للتصابي، وخطبة للتعقل والرزانة[41]، أم كان ندبًا للشباب، وبكاءً عليه، وتمنِّيًا لعودته إلى ركابه، مُثْنِيًا عليه، وداعيًا له، وهذا مثل قوله في عيد الفطر عام 738 هـ[42]: [من البسيط]:
عَهْدَ الشَّبابِ سَقَى أيامك الأُوَلَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
سَحٌّ مِنَ الدَّمْع إِنْ شَحَّ الحيَا هَطَلا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وإنْ حَبَا اللهُ حيَّاها مَنْ يَأْتِ حَيًا[43] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
يَوْمًا وأَسْعَفَ طالبًا بما سَأَلا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

فجاد حيَّك منها غَيْرَ مُفْسده https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
مُجَلْجَلٌ يَطَأُ الأَوْهَاد والقُلَلا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


يدعو الشاعر لعهد الشباب، بالسقيا من دمعه، الذي بات أصلًا للغيث، وإن كان بينهما فرق، فدمعه غير مفسد، أمام المطر فمنه المفسد.
ويلاحظ إكثار الشاعر من تكرار الألفاظ المتجانسة، في موطن بيان انصباب المطر وتتابع سيلانه.

ولابن زمرك (ت 796 هـ) موشحة زهرية مولدية، في مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ استَهلَّها بتمنِّي عودة الشباب، ليتمكَّن من زيارته صلى الله عليه وسلم مرة أخرى، ثم أثنَى عِنانَ لِسانِه، لتوبيخ النائم في روض الصبا، الكسول عن الجد والاجتهاد في جمع الزاد ليوم المعاد[44].

وهذا البسطي (ت بعد 890 هـ)، يَفتَتح قصيدة له بلوم نفسه، التي باتت - بعد الخمسين - هائمة، في أودية الهوى والمجون، نزَّاعة إلى اللغو واللهو، حتى بات شعارها قول الإفك، وهتك الستر، فيقول[45]: [من الطويل]:
إلى كَمْ تَميلُ النفسُ بي للهوى العُذْري https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وشَيْبُ عِذاري مُبْطِلٌ في الهوى عُذْري https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وتجري إليه، بعدما ذَهَب الصِّبا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وأيامُه عَنِّي، عَلَى المسْلَكِ الوَعْرِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وَتْرضَى بهِ وَصْفًا ذميمًا يَشينُها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وتَهْتِكُ في اشْتِهارها[46] مُسْبلَ السَّترِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وَمهْمَا صَرَفْتُ الوَجْهَ يومًا لِعَتْبها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
تزيدُ كأنِّي باتبِّاع الهَوَى أُغْرِي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وتأنسُ بالغيدِ الأوانس كالدُّمَى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
متى ما بَدَتْ مِنْهُنَّ عاطرةُ النَّشْرِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif





الساعة الآن : 10:04 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 70.49 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 69.98 كيلو بايت... تم توفير 0.51 كيلو بايت...بمعدل (0.73%)]