استهلال القصيدة الأندلسية
استهلال القصيدة الأندلسية محمد حمادة إمام افتَتَح العديدُ من الشعراء الأندلسيِّين بعضَ قصائدهم بالحديث عن الشيب والشباب، مثلهم في ذلك مثل المَشارِقة القُدامَى والمحْدثين، وإنْ كان هناك مِن النقاد من لم يُعِرِ استهلالَ القصائد بالحديث عن الشيب والشباب اهتمامًا، ومنهم ابن رشيق[1]، ومن النقاد[2] مَن وَضَع شروطًا في استهلال القصائد بالحديث عن الشيب والشباب، أهمُّها ألَّا يستهل - مثلًا - قصائد المدائح والتهاني بمثل نعْي الشباب، وذمِّ الزمان. والشاهد على تخلية افتتاح قصائد الثناء، والفرح والمرح، بالحديث عن الشيب والشباب من العيب، وجودُه منذ القِدَم، تعبيرًا عما يدُور بالخلَد، وتنفيسًا عما يَعْتَمِل بالنفس، إذ إنه أمرٌ فطريٌّ، تُمليه الأحاسيس، وتسُوقه المشاعر تجاه نفسِه، أو الآخرين. ولم يكُن للقُدامَى في مواطن كثيرة. "إلا الأبيات القليلة، يقولها الرجل عند حدوث الحاجة. قال أَعصَر بن سعد بن قيس بن عيلان - واسمه منبه بن سعد - وهو مِن قديم الشعر[3]: [من الكامل]: قَاَلتْ عُمَيرةُ ما لِرأْسكَ بَعْدَما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif نَفِدَ الشَّبابُ أَتى بِلَوْن مُنكَرِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أعُمَيرَ إنَّ أباكِ شَيَّبَ رأسَهُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif مَرُّ الليالي واختلافُ الأعْصُرِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وقال الحارث بن كعب، وكان قديمًا: [من المتقارب]: أَكَلْتُ شَبَابِي فأفنيتُهُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وأفنيتُ بعد شُهُورٍ شُهُورا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ثلاثةُ أهْلين صاحبتُهم https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فَبَانوا وأصبحتُ شَيْخَا كَبيرا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif قليلَ الطعامِ عَسيرَ القيا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif م قَدْ تَركَ القيدُ خَطْوي قصيرَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أبيتُ أُرَاعي نُجُومَ السَّماءِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أُقَلِّبُ أمْري بُطُونا ظُهُورا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وهذا الغزال يَبتَدئ مقطوعة له، أو يفردها، بتقريع وتوبيخ وعذْل الأشيب المُتَصابي اللاهي، الذي بلغ أرذل عمرِه، وما انفكَّ عن غيِّه متعرِّضًا للحِسَان الممتلئات نضارةً وفتاءةً وحسنًا ودلالًا، فالأجمل به أن يرتدع ويَرْعَوي؛ فيقول ناصحًا نفسه، أو بني جنسِه وقرنه[4]: [من السريع]: بَعْضَ تَصَابيك على زينبِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif لا خيرَ في الصَّبْوة للأَشْيَبِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أَبَعْدَ خَمْسين تَقَضَّيْتَها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وافيةً تَصْبو إلى الرَّبْرَبِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ... إلخ الأبيات. ولعله حديث نفس إثر نزعة إيمانية انتابتْه، فرأى أنه مِن الجهل والعيب قضاءُ عمره في السفَه والطيش. وهذا ابن هانئ الأندلسي، في مواقف متعددة[5] يَفتَتح قصائد له بالحديث عن الشباب والشيب، ففي موقف شخصي، أو ذاتي، يبتدئ إحدى قصائده - ولو تصنُّعًا - بمدْح المشيب، الذي انتشر انتشارَ البرْق في الرأس، واستبانت آثارُه على باقي عمود الجسد، وهو لا يزال في فتاءته، ومنتصف عمره، فيقول[6]: [من الكامل]: قَدْ سَار بي هَذَا الزمانُ فأوجَفا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ومحَا مشيبي مِن شَبابي أَحْرُفا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif إلَّا أَكُنْ بَلَغتْ بي السنُّ المدَى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif |
رد: استهلال القصيدة الأندلسية
فَلَقَدْ بَلَغْتُ من الطريق المنصَفَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فأمَا وَقَدْ لاَح الصَّباحُ بِلمَّتي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وانجابَ ليلُ عَمَايتي وتَكَشَّفَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فَلَئن لَهَوْتُ لألهونَّ تَصُّنعا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ولَئِنْ صَبَوْتُ لأَصْبونَّ تَكَلُّفَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ولَئِنْ ذَكَرْتُ الغانياتِ فَخَطْرَةٌ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif تعتادُ صَبًّا بالحِسَان مُكلَّفا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أبيات تكشف عن حُبِّه لذوات الجمال والدلال، وتوضح ذمَّه لترَّهات الشبان، ونزغات الشيطان، وحلول الهدى على يد المشيب. لقد جاءت جلُّ القصائد، التي افتَتَحها بنعي الشباب، والتحسُّر عليه، في المدح، مثل مدح المعزِّ لدين الله الفاطمي، أو جعفر بن علي، ولم نجد مِن الأمراء، أو النقاد مَن عاب هذا عليه. وهذا ابن دراج القسطلي (ت 421 هـ) يَستَهل قصيدة له برثاء الشباب، والتحسُّر عليه، فقد أصبح كالسكران مِن هَوْل فقْد نجومه، ولذا فإنه يتمنَّى بصيصًا مِن ضيائه وبهائه، وتنشَّق شميم ريحه، وأريجه. إنه الحنين والشوق إلى الروض، الذي شطَّ مزارُه، وغارت أعذبُ مياهه، فيقول في تصوير حاله بعد شبابه، ووصْف حسْن وجمال مَن أتى على حمى قلبه، وأقام على نحول قدِّه، وذبول غصنه[7]: [من المتقارب]: نجومَ الصِّبا، أين تلك النجومُ؟ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif نسيمَ الصَّبا، أين ذاك النسيمُ؟ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أما في التخيُّل منها ضياءٌ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أما في التنشُّقِ منها شَميمُ؟ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فَيَلْحَقُها من ضُلوعي زفير https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ويُدْرِكُها من دُمُوعي سَجُومُ[8] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif لقد شطَّ رَوْضٌ إليه أَحِنُّ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وغارتْ مياهُ إليها أَهيمُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أَوانسُ يُصْبِحُ عَنْها الصَّباحُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif نواعم يَنْعَمُ منها النعيمُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif كواكبُ تُصْغِي إليها السُّعودُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif كواعِبُ تَصْبو إليها الحُلُومُ[9] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif |
رد: استهلال القصيدة الأندلسية
كواعِبُ تَصْبو إليها الحُلُومُ[9] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif لياليَ إذ لا حبيبٌ يَصُدُّ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وعهديَ إذ لا عذولٌ يلومُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif يبحث الشاعر عن جمال صِباه، ويفتِّش عن ريحه الطيِّب، فهو الذي بانت ببَيْنِه غانياتٌ كُنَّ أصلَ الضياء، والحسن، والنعيم والبهاء، إنها حِسان يصبح عنها الصباح، وتُصغي إليها النجوم، وتهفو لنسيمها قلوبُ الشباب والشيب، وهذا تصوير لتبدُّل حاله، وتقلُّب زمانه به. وهذا ابن شهيد (ت 426 هـ)، يَفتَتح قصيدة له، في مدح عبد العزيز المؤتمن، ببكاء الشباب، والتحسُّر على مَعاهده، إذ إنه مر عليها فوجدها خلاء، فذكر أيام الصبا والحِسان، فهاج وَجْدُه، ولم يقدر - عندئذ - على عينه الجادَّة في الانصباب والسيلان. فيقول[10]: [من الكامل]: هَاتيك دَارُهُمُ فَقِفْ بِمَغانها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif تَجِدِ الدُّمُوعَ تَجِدُّ في هَمَلانها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif عُجْنَا الرّكابَ بها فهيَّج وَجْدَنا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif دِمَنٌ ذَعَرْنَ السِّرْب من إِدْمانها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ثم يقول: يا صاحبيَّ إذا وَنَى حادِيكُمَا ♦♦♦ فتنشَّقَا النَّفَحاتِ مِن ظَيَّانها[11] إلى أن يقول: فَبَكَيْتُ مِنْ زمن قطعتُ مَراحلا ♦♦♦ وشبيبةٍ أخْلَقْتُ مِن رَيْعانها لم يَبق من الديار إلا آثارها، وبَقايا عَبيرها، الذي يَحْمل جمال الشباب، وقد ولَّى بلا إياب، ويُلاحظ وجود أُلفة بين تلك الصورة، وصورة ابن دراج السابقة، وأن هذا الاستهلال جاء في قصائد مديح وثناء. أما الإلبيري، فيَتنَاول في استهلاله، قضيَّة الأشيَب المُتَصابي، والجهول اللاهي، كاشفًا عن حُمقه وسفاهته، بمقارنةٍ بَينه، وبين قرنه الفطن البصير، تُبيِّن أن زينة المرء في التُّقَى، والاستِمساك بأسباب الهدى، ومفاتيح النجاة، فيقول[12]: [من الكامل]: الشَّيْبُ نَبَّهَ ذا النُّهى فَتَنَبَّهَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ونهَى الجهُولَ فَما اسْتَفاق ولا انْتَهى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif بَلْ زادَ نَفْسي رَغْبةً فَتَهافَتَتْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif تبغي اللُّهى وكأنْ بِها بين اللَّها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فإلى مَتَى أَلْهُو وأَفْرَحُ بالمُنَى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif والشيخُ أقبَحُ ما يكُون إذا لَها[13] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ما حُسْنُه إلَّا التُّقى لا أن يُرَى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif صَبًّا بأَلْحَاظِ الجآذر والمَهَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif يتبع |
رد: استهلال القصيدة الأندلسية
|
رد: استهلال القصيدة الأندلسية
إلى أن يقول: فلا تَهْوَ الفتاةَ وأَنْتَ شيخٌ ♦♦♦ فأبْعَدُ وَصْلُها مِنْ صَيْد عَنْقا وله في مثل هذا الفن والمعنى قوله - أيضًا[20]: [من المتقارب] نفَى همُّ شَيْبي سُرورَ الشَّبابِ ♦♦♦ لَقَدْ أَظْلمَ الشيبُ لَمْا أضاءَ إلى أن يقول: أَأكْسو المشيبَ سَوادَ الخِضَابِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فأجعل للصُّبح لَيلًا غِطاءَ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وكيفَ أُرجِّي وَفاءَ الخِضَابِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif إذا لمْ َأِجْد لِشَبابي وَفَاءَ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif لقد محا جمالَ وبهاءَ وبشْر الشبابِ، هَمُّ المشيب، الذي أظلم القلب بإضاءته الرأس، ولذا فإنه لا رغبه له في الخضاب، إذ لا يعود به إلى الشباب، الذي مات عنده الوفاء. ولابن خفاجة قصائد، استَهلَّها بالحديث عن الشيب والشباب، مصوِّرًا حالَ المرء في هاتين المرحلتين، منها في مضمار مدح أبي الحسن بن نعيم[21]: [من الطويل]: تَشَفَّعْ بِعلْقٍ للشَّباب خطيرِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وبِتْ تَحْتَ ليلٍ، لِلوِصال قصيرِ[22] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وَنلْ نَظرةً من نُضْرةِ الحُسْنِ، وانتعِشْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif بغُرَّةِ رقراقِ الشَّباب غزيرِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فما الأَنسُ، إلا في مُجَاج زُجاجةٍ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ولا العيشُ إلا في صَريرِ سَريرِ[23] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وإنِّي، وإنْ جِئْتُ المشيبَ لَمُولَعٌ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif بِطُرَّةِ ظلٍّ، فوقَ وجهِ غَديرِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فيا حَبَّذا ماءٌ بمنعرَج اللِّوى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وما اهتزَّ من أيكٍ عليه مَطيرِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif يصوِّر الشاعر زهوَه بالشباب، وهيامه به، وبالمجون فيه، باثًّا بين ثناياه حنينَه إلى مَعاهده، خاصَّةً اللوى، وهي دعوة إلى اغتنام أيامه قبل ذهابه، فهذه الصورة تبيِّن أنَّ "الشاعر ينظُر إلى الطبيعة نظرة محبٍّ، وهذه الأبيات تمثل نفسيَّته المحبَّة، التي يتوزَّعها جمال الطبيعة، وجمال الإنسان[24]". وهذا عبد الحق بن غالب بن عطية (481 - 546 هـ) - مِن القضاة - يَستَهلُّ إحدى قصائده بنَدْب أيام الشباب، الذي ملأت ذكْراه خاطره، آخذًا في تصوير جمالها ونضارتها، ومداهمة الخطوب، والمشيب له. فيقول[25]: [من البسيط]: سُقْيا لعهدِ شَبابِ ظَلْتُ أمرَحُ في https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif رَيْعانه وليالي العَيشِ أسحارُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أيامَ روضُ الصِّبا لم تَذْوِ أغْصُنُه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ورونقُ العمْر غضٌّ والهَوى حارُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif والنفسُ تَرْكُض في تضمينَ ثرَّتها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif طِرفًا لهُ في زمَانِ اللهوِ إحضارُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif عهدًا كريما لَبِسْنا منه أَردْيةً https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif كانتْ عُيُونا ومُحيت فَهْيَ آثارُ[26] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif |
رد: استهلال القصيدة الأندلسية
كانتْ عُيُونا ومُحيت فَهْيَ آثارُ[26] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif مَضَى وأبْقَى بقلبي منه نارَ أَسًى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif كُوني سلامًا وبَرْدًا فيه يا نارُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أَبَعْدَ أَنْ نَعِمَتْ نَفَسي وأصبح في https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ليل الشَّباب لصبح الشَّيب إسفار https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ونَازَعَتْني الليالي وانْثَنَتْ كِبَرًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif عَنْ ضَيْغَمٍ ما له نابٌ وأظفارُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif يدعو الشاعر بالسُّقيا لعهد الشباب، الذي جرى في حلبته زمنًا، ناضر العود، ريَّان القضيب، منعمًا جذلانَ، حتى فارقه تاركًا بقلبه نار الأسَى، لزوال النعيم، وافتراس الليالي له منصرفة متكبرة شامخة عن أسد، كسرَت أنيابه، وقلَّمت أظفاره، وقوله: "كُوني سلامًا وبردًا فيه يا نار"، مِن قوله تعالى: ï´؟ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ï´¾ [الأنبياء: 69]. وهذا أبو عبد الله بن عياض (ت 542 هـ)[27]، يصوِّر نُحُوله وسقمه، وكثرة نحيبه وبكائه - حتى ظهر جدولًا ووُرْقًا - لِبَيْنِ مَن غذى بحبه، وطيَّب عشقه، فيقول[28]: [من مخلع البسيط]: عَرْبدَ بالهَجْرِ والعِتابِ ♦♦♦نشوانَ من خَمْرةِ الشَّبابِ إلى أن يقول: أنْحلَ جِسمي هَواهُ حتىَّ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif لم يَبْقَ مِنِّي سوى الإِهَابِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فاعجبْ لِروحٍ بغيِر جِسْمٍ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif قَدْ رُكِّبَ الروحُ في الثيابِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif قَصَرْتُ نفسي على هواه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif والماء يُغْني عن السَّراب https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أبْصَرْتُه جَدْولا وَوُرقا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif مِن دَمْعِ عَيني وانتحابي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif يتبع |
رد: استهلال القصيدة الأندلسية
استهلال القصيدة الأندلسية محمد حمادة إمام وقوله: "فاعجب لروح بغير جسم" من قول المتنبي[29]: [من البسيط] كَفَى بِجِسْمي نحولا أنني رجلٌ ♦♦♦ لَولا مُخَاطَبَتي إِيَّاك لم تَرَني وهذا أحمد بن شكيل "ت. 605 هـ"، يندُب حاله في مستهلِّ قصيدة له، ويتبرَّم من المشيب، الذي توالت على يديه نكبات الهموم، وتكاثر اللوام، فسواد شعر رأسه نتاج الهموم، والأسى، والغموم، التي أخذت حظَّها مِن قلبه، ونضير غصنه، ومع هذا لم ولن يرضى بظلم، أو خيانة، فيقول[30]: [من الكامل]: يا من لُصِبْحِ الشيب كيف تنفَّسَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif في لِمَّتي فَأَجابَهُ ليلُ الأَسَى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif لا تحسبنَّ سوادَ شَعريَ نِعْمةً https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif لَكنْ كَسَتْهُ هُمُومُ قَلْبي حِنْدِسَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif إلَّا يَكُنْ شَابَ العِذارُ ولا انْحْنَى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ظَهْري فَقَدْ شَاب الفؤادُ وقَوَّسا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif إنّي لأُغْضِي مُقْلَتي عَنْ لائمي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وأَرى ابْتسامي مِن ضَميري عَبَّسا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ويَلِينُ قَلْبي للخليلِ مَوَدَّةً https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فإذا أَحَسَّ هَضِيمةً يَوْمًا قَسَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif لم يشب العذار، ولم ينحن الظهر، بل شاب القلب، وتقوَّس القدُّ. وهذا أبو الحسن بن الفضل[31]، يَفتَتح إحدى موشَّحاته بندْب عمره، الذي أُرغِم في خواتيمه على خَتْمه منفردًا، فاتَّقَدَت بقلبه نار الحسرة، وقتَ أن هجره الحب والهوى. فيقول[32]: [من المتقارب]: فواحسرتا لِزَمانٍ مَضَى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif عَشِيَّةَ بانَ الهَوَى وانْقَضى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وأُفْرِدْتُ بالرُّغْم لا بِالرِّضَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وبِتُّ عَلَى جَمَراتِ الغَضَى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وكأن شباب الشاعر مقرون بالهوى، فإذا ما بان أحدُهما بانَ الآخر. وهذا أبو الحسن، علي بن موسى بن سعيد العنسي، يقول مصوِّرًا حنينه إلى مسقط رأسه، ومعهد شبابه وأنسه: "ولما قَدِمْتُ مصر والقاهرة أدركتْني فيهما وحشة، وأثار لي ما كنتُ أعهد بجزيرة الأندلس، من المواضع المبهِجة التي قطعتُ بها العيش غًّضا خصيبًا، وصحبتُ بها الزمان غلامًا، ولبستُ الشباب قشيبًا، فقلتُ[33]: [من الرمل]: هَذهِ مِصْرُ فَأينَ المغْرِبُ؟ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif مذ نَأَى عَنِّي دُمُوعي تُسْكَبُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فارقتْه النفسُ جَهْلًا إنَّما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif يُعْرَفُ الشيءُ إذا ما يَذْهَبُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أَيْنَ حِمْصٌ؟ أين أيامي بها؟ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif بَعْدَها لم ألْقَ شَيْئًا يُعْجِبُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif كَمْ تقضَّى لي بها مِن لَذَّةٍ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif حيث لِلنَّهْر خريرٌ مُطْرِبُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif |
رد: استهلال القصيدة الأندلسية
وحَمَامُ الأَيْكِ تَشْدو حَوْلَنا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif والمثاني في ذَرَاها تَصْخَبُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أيَّ عَيْشٍ قَدْ قطعناهُ بها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ذِكْرهُ مِنْ كُلِّ نُعْمَى أَطْيبُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وَلَكَمْ بالمرج لي مِن لَذَّةٍ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif بَعْدها ما العيشُ عِنْدي يَعْذُبُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif إلى أن يقول: بَلْدةٌ طابت وربٌّ غَافِرُ ♦♦♦ لَيْتني مَا زِلْتُ فِيها أُذْنِبُ سكَن الشاعرُ بَلدَينِ، فأخذتْ صُوَرُ معهد شبابه تروح وتغدو أمامه، فأحَسَّ عندئذ بالوحشة والغربة، وأخذ لسانه في سرد بعض مظاهر حُسنه وجماله، معتمدًا في توشية حديثه على القرآن الكريم، فقوله: "بلدة طابت ورب غافر" من قوله تعالى:﴿ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴾ [سبأ: 15]، وأما قوله " ليتني ما زلتُ فيها أُذنب "، فبيانٌ بأنه بلَد الخير والحُسن والجمال، ومعهد الطيِّبات والحِسان، فهو جمال في جمال. ولأبي الحسن، علي بن الجياني (ت 708 هـ) رسالة شعرية إلى أحد أصحابه بإنكار لما هو عليه مِن لهو وتَصَابٍ، وعدم مراعاته حقوق المشيب[34]. وهذا أبو عبد الله بن خميس، يفتتح إحدى قصائده بتصوير وجْده، وحسرته، وشجنه، لفقد الشباب، إذ لم يعُد يتلذذ بطعام أو شراب، وصار يمنِّي نفسه بالمتاب، بعدما ضاع شرخ شبيبته، في خداع وخصومة وعتاب. فيقول[35]: [من الطويل]: أَنَبْتُ، ولكنْ بَعد طُولِ عِتابِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وفَرْطِ لَجَاجٍ ضاع فيهِ شَبابي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وَمَا زِلْتُ والعَليا تُعنِّي غريمها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أُعَلِّلُ نفسي دائما بِمَتَابِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وهيهات مِنْ بَعْد الشَّبابِ وشَرْخِه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif يَلذُّ طَعَامي أو يَسُوغُ شَرَابي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif خُدِعْتُ بهذا العيش قبْل بلائهِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif كَمَا يُخْدَعُ الصَّادي بِلَمْعِ سَرابِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif تقولُ هُوَ الشَّهدُ المشور جَهالةً https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وما هُو إلا السُّمُّ شِيبَ بِصَابِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif إلى أن يقول: وما أَسَفي إلا شَبابٌ خَلَعْتُه ♦♦♦وشيبٌ أَبَى إلَّا نُصُولَ خِضَابِ أَسف على تأخير المتاب، وبيْنِ الشباب، وانكسار حدِّ الخضاب عن المشيب. وهذا يوسف الثالث - ملك غرناطة ت. 727 هـ - يَستهلُّ إحدى قصائده بتصوير ذكريات الشباب، حيث خاض فيه لُجَّ الحب، وهو فتى غرٌّ، وربما يُلتَمس له العذر، أما وقد علاه المشيب، فلا عُذر له ولا حجة، ولذا فإنه يُوبِّخ نفسًا علاها مشيب صروف الدهر من غدْر وشيب قبل الأوان، ومع هذا، فلا يزال طالبًا للمعالي والأمجاد، فيقول[36]: [من الطويل]: لَقَدْ خَاضَ لَجَّ الحُبِّ مِنِّي فَتىً غِرُّ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وشِبْتُ فَشَبَّتْ في ضُلُوعي لَهُ جَمْرُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وَقَدْ كَانَ لي عذرٌ إِذ الفَوْدُ فَاحِمٌ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فَمَا لي وقد لاَحَ المَشيبُ بِهِ عُذْرُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وما شِبْتُ من سِنِّ ولكنْ أَشَابَني https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif صُرُوفُ زَمَانِ سوف يُلْفى به الجَبْرُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وإنَّ زمانًا قَدْ أَحَال شَبِيبَتي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif لأَجْدَرُ أن يُعْزى إلى فعلهِ الغَدْرُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif |
رد: استهلال القصيدة الأندلسية
دَع الدَّهْرَ والأيامَ وارْقَ تَكَسُّبًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif لِنَيْلِ معالٍ عندها يُرْفَعُ القَدْرُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif سَأثْني عناني للمعالي فَإِنَّني https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif لِيَ الصِّيتُ في الأملاكِ والمحْتِدُ الحُرُّ[37] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif عَجِبْتُ من الأيَّام تَمْنَعُ مَقْصدي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ومِن دُون ما تَبْغيه مِنِّي هوى النِّسْرُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif تأتي صروف الدهر على البادي والحاضر، وتجُور على سَليل الملوك، والفوارس، فهذا رجل نالت منه غياهب السجن وهمومه، "فمأساة السجن بهمِّها الكبير تتجلى في الشيب، الذي غزا مفارق شَعره، ولما يُجاوز سنَّ الشباب، وبما أن المشيب علامة على مرور الزمن، وسنوات العمر، فكأن همُّ سجنِه يَأكل من حياته السنوات إثر السنوات، دون أن يشعر أو يدري...[38]". وهذا الكاتب، أبو بكر، محمد بن أحمد بن محمد بن شبرين (674 - 747 هـ) يَستهلُّ قصيدته اللامية ببكاء شبابه، وأسفه مِن غدْر الخلَّان والأصحاب باعثًا تحية إخلاص، إلى أهل الوفاء، وأخلَّاء الصفاء، وأنس ليالي الشباب متمنِّيًا قُفوله، وهو مُوقن باستحالة رجوعه، فيقول[39]: [من الكامل]: ظَعَنَ الصِّبا ومِنَ المُحال قُفولُه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif إنْ كُنْتَ باكيَه فَتِلك طُلُولُهُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif قِفْ عِنْدَها خَبْلَ الدُّمُوع ورَجْلها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وانْدُبْ شبابا شَطَّ عَنْكَ رَحيلهُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif إلى أن يقول: أَسفًا عَلَى زَمَنٍ كَريمٍ عَهْدُهُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وَلَّتْ غَضَارتُهُ وغَابَ سبيلُهُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ضيَّعْتَ في طَلَب الفضول بُكُورَه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif لكن نَدِمْتَ وقَدْ أتاكِ أَصيلُهْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif إلى آخر الأبيات، التي ينبغي على الشيب والشباب تدبرها لتفادي غدْر الأيام وخيانتها. وهذا هو الخطيب العدل "علي بن أحمد بن محمد... أبو الحسن الأحيمر (ت. 750 هـ) يَفتَتح بعض قصائده، بالحديث عن المشيب، وأهله المخدوعين بأماني الدنيا، وحديث الغواني المعسول، اللائي روَّعتْهن الشعرات البيض، والمرء يَعرف حقيقتَهن، ولكنه - عن عمد - عن الوعي يغيب، فيقول[40]: [من الكامل]: الآن تَطْلُبُ وُدَّهَا وَوِصَالها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif مِنْ بَعْدِ مَا شَغَلَتْ بهَجْرك بالَها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وقد اسْتحالَتْ فيك سيماءُ الصِّبَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif حالًا يُروِّعُ مثلُها أمثَالَها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وأتيتَها مُتلبِّسًا بروائعٍ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif نُكْرٍ بِفَوْدِكَ أصبحتْ عُذَّالها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif إلى أن يقول: جزعتْ لهذا الشَّيب نَفْسي وَهْيَ مَا ♦♦♦ زالتْ تَهَوِّنُ كُلَّ صَعْبٍ نَالَها يتبع |
رد: استهلال القصيدة الأندلسية
|
| الساعة الآن : 10:04 AM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour