الحوار (Dialogue) في الشعر الجاهلي: دراسة أسلوبية
الحوار (Dialogue) في الشعر الجاهلي: دراسة أسلوبية د. عبدالله خضر حمد لا يكاد يختلف اثنان في أن النص الجاهلي من النصوص الخصبة التي تُغري النقاد بجاذبيتها، مُكتنزة بالطاقات الإبداعية، والأدوات الجمالية التي تغذِّي القارئ بالخيال الجامح، واللذة الشعورية الفياضة؛ إذ قامت تلك النصوص على كاهل عدد من الشعراء الفحول الذين حافظوا على وجه هذا الفن الجميل وأورثوا قيمه الفنية للأجيال التالية. والحوار "عرض [درامي الطبع] للتبادل الشفاهي، يتضمن شخصيتين أو أكثر"[2]، أو أنه "نمط تواصل؛ حيث يتبادل ويتعاقب الأشخاص على الإرسال والتلقِّي"[3]، وتظهر "أهمية الحوار بأنواعه المختلفة في الشعر العربي القديم لتنفي عنه ذاتيته المطلقة؛ ذلك لأن أنسب الأساليب التي تلائم التعبير عن الأفكار في القصيدة هو الأسلوب الحواري"[4]، والحوار في الشعر يختلف بطبيعته عن الحوار في المسرح أو القصة "غير أنه لا يبتعد عنهما من حيث إضافة الوظيفة الناتجة عن الحوار؛ فهو في الشِّعر إن كان جاء مختزلًا ومكثَّفًا، إلا أنه يحمل في طياته من الدلالات والجماليات التي لا تكون في قالب آخر"[5] مُسهمًا في بنائية النص من حيث الترابط بين أجزائه ومقاطعه، وفيما يلي نماذج من أنواع الحوار الواردة في شعر الجاهلي: 1- الحوار مع الآخر / الصاحب أ- الصاحب الوهمي: وفيه يُحاور الشاعر صاحبه الذي لا وجود له إلا في خياله[6]، وهو من باب التجريد؛ ليتخيَّل الشاعر من نفسه شخصًا آخر فيُحاوره فيما يشبه الانشطار الذاتي، وهذا الأسلوب يتمركز في أعماق النفس الإنسانية، إذ "تنشطر نفس الشاعر إلى شطرين، شطر مخاطِب وشطر مخاطَب"[7]، فيقيم الشاعر حوارًا داخليًّا، فمن ذلك قول امرئ القيس: قِفا نبْكِ من ذكرى حبيبٍ ومَنزل ♦♦♦ بسقْط اللِّوى بين الدَّخول فحَومل[8] إذ جرَّد الشاعر من نفسه صاحبًا أو أكثر لا وجود لهم في الحقيقة إلا في مخيلته، موجِّهًا حواره إليهما، آملا منهما المشاركة الوجدانيَّة لما نزل به من الهموم والآلام التي حلَّت به من خلال هجرة الحبيبة وخراب الديار، ومنه قول زُهَير: تبصَّرْ خَليلي هل ترى مِن ظعائن ♦♦♦ تحمَّلْنَ بالعلياء من فوق جُرْثُمِ[9] فرسم الشاعر في مخيلته خليلين، لكي يطلب منهما تبصُّر نساءٍ في هوادج على إبل. ب- الصاحب الحقيقي: وفيه "يخاطب الشاعر أصحابًا حقيقيِّين، لهم وجودهم الماديُّ والمعنوي، في الواقع، بيد أننا لا نسمع منهم جوابًا"[10]. فمن ذلك قول طرَفة: على مثْلِها أمضي إذا قال صاحبي ♦♦♦ ألا ليتَني أَفديكَ منها وأَفتَدِي[11] إذ دار الحوار مع صاحب حقيقي للشاعر، فجاء بصفات مثل الفداء، التي تدلُّ على الصداقة الحقيقية. 2 - الحوار مع الآخر / الحبيبة: ويُسمى بالحوار الخارجي وهو أسلوب "يقوم أساسًا على ظهور أصوات [صوتين على أقلِّ تقدير] لأشخاص مختلفين"[12]يَتناول موضوعات شتى للوصول إلى هدف معيَّن، وهو الأبرز حضورًا في الشعر العربي القديم، والأقرب، "وفيه تتفاعل الحبيبة مع الشاعر، فيتبادلان الحوار بينهما"[13]، ومن أساليبه القولية: أسلوب "قال، قلت، سأل، سألت، أجاب، أجبت أو ما يدل على ذلك"[14]، فمن ذلك قول امرئ القيس: ويوم دخلتُ الخِدْر خدْرَ عُنيزةٍ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فقالت: لكَ الويلاتُ إنكَ مُرجِلِي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif تقولُ وقد مال الغبيط بنا معًا: https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif عقرتَ بَعيري يا امرأ القَيسِ فانزِلِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فقلتُ لها: سيري وأَرخي زمامه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ولا تبعديني مِن جناك المُعلَّلِ[15] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif إن امرأ القيس استخدام أسلوب الحوار كأسلوب فني جديد، وكانزياح عن المألوف الشائع؛ إذ أصبح بذلك قدوةً للشعراء بعده في ذلك، فالشاعر من خلال تلك المُحاورة يَنقل للمتلقي مغامراته الغزليَّة مع حبيبته (عنيزة) التي باشرت الحوار أولًا من خلال كلمتي (فقالت، تقول)، وفي المقابل يُشارك الشاعر حبيبته في الحوار في صيغة (فقلت) فيستمرُّ الحوار والتحدُّث إلى أن يصل إلى الذروة[16]، ومن محاوراته لفاطمة قوله: أفاطمُ مهلاً بعض هذا التدلُّل https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وإن كنتِ قد أزمَعتِ صَرمي فأَجمِلي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أغرَّك منِّي أن حبَّكِ قاتلي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وأنك مهما تأمُري القلب يفعلِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وإن كنت قد ساءتْكِ منِّي خليقة https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فسُلِّي ثيابي مِن ثيابك تنسلِ[17] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وقوله: فجئتُ وقد نضَّت لنَوم ثيابها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif لدى السِّتر إلا لبسة المتفضِّل https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فقالتْ: يمين الله ما لك حيلة https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وما إن أرى عنكَ الغواية تَنجلي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif خرجتُ بها أمشي تجرُّ وَراءنا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif على أثرينا ذيلَ مرْطٍ مرحَّلِ[18] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif حاول الشاعر من خلال تلك المحاورة أن يَستعطِف إليه قلب الحبيبة حتى استطاع أن يُخضعها لما يريد. وبعد قراءة الأبيات السابقة نستطيع أن نقرِّر أن امرأ القيس هو أول من ابتكر الحوار في الشعر العربي[19]؛ إذ قام الشاعر من خلال هذا الانزياح التركيبي بكسر النمط السائد من العمود الشعري التقليدي، معبرًا عن طريقه عما يجول في نفسه من مشاعر وأحاسيس تجاه حبيبته، ومن خلال هذا الحوار بيَّن للمتلقي قصته معها. 3- الحوار مع الطبيعة: إن لمظاهر الطبيعة - الصامتة والمتحرِّكة - مكانة في نفس الشاعر الجاهلي، ومن أبرز تلك المظاهر الصامتة: الطلل، الرسم، الدمن... لكون تلك الأماكن رمزًا للعالَم المفقود[20]، ونلاحظ أن شعراء الجاهلية قد حاوروا من الطبيعة كلًّا من: أ- الطلل (المكان) http://www.forsanhaq.com/image/png;b...AASUVORK5CYII= (الطبيعة الصامتة) ب- الليـل (الزمان) ت- الحيوانات (الخيل، الناقة، الذئب) ← (الطبيعة المتحركة) |
رد: الحوار (Dialogue) في الشعر الجاهلي: دراسة أسلوبية
أ- الطلل (الربع): نرى أن شعراء العرب في الجاهلية قد تصدَّوا للطلل فجعلوه مطلعًا لقصائدهم، وأمعنوا في التدقيق به، مُتناسخين، معبِّرين عنه من خلال المعاني المتداوَلة، متجاوزين في الغالب عن تجربتهم الخاصة، لهذا نرى ملامح الإنسان الموطوء بالأسى والحنين، تتقلَّص وتتضاءل في شِعرهم، ويُخيَّل إلينا أن الطلل لم يكن في نفوسهم بقدر ما كان في ذاكرتهم، وما يشتمل عليه من معانٍ تقليدية ملفوظة، لقد كرَّسوه كمادة لاستهلال القصيدة، حتى شخص في تسع مِن المعلَّقات مما يُرجح أن شعراء المعلقات اقتفوا به آثارًا مُبهمة لشعراء سابقين تعفَّت أسماؤهم فضلا عن أشعارهم[21]، فمن ذلك قول عنترة: يا دارَ عبلةَ بالجواء تكلَّمي ♦♦♦ وعمي صباحًا دار عبلة واسلَمي[22] إذ تحوَّل وصف الطلل إلى وصف خارجي، لا يعبِّر عن الوجدان بما فيه من مضاعفات شعورية. ب - الزمان (الليل): يقول امرؤ القيس: فقلتُ له لما تمطَّى بجوزه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وأردفَ أعجازًا، وناءَ بكلكَلِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ألا أيُّها الليلُ الطويلُ ألا انجَلي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif بصُبحٍ، وما الإصباح منك بأمثَلِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فيا لكَ مِن ليل كأنَّ نجومه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif بأمراس كتَّان إلى صمِّ جندلِ[23] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وقد أَغتدي والطيرُ في وكناتها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif بمُنجردٍ قَيد الأوابد هيكل[24] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif إن الشاعر يُحاور الليل وكأنَّه كائن حيٌّ يسمع كلامه، فيقول له: ألا أيها الليل الطويل، وقصد بالليل الطويل همومه وحزنه، فيدعوها بالمضي والانجلاء، ولكن الهموم قد تستمر - كما يرى الشاعر - حتى بعد زوال الليل، فقال (وما الإصباح منك بأمثل)؛ إذ إن الشاعر محمل بالهموم ليلًا ونهارًا. ث- الحيوانات: أولًا- محاورة الذئب: فمنه قول امرئ القيس: فقلتُ له لما عوى: إنَّ شأنَنا ♦♦♦ قليل الغنى إن كنت لما تَمَوَّلِ[25] نرى أن امرأ القيس يحاور بعض الحيوانات التي أَلِفَها خلال رحلاته، فمن ذلك محاورته للذئب. ثانيًا: محاورة الخيل: فمن ذلك قول عنترة: ما زلت أرميهم بثغرة نحره https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ولبانِه حتى تسربَلَ بالدمِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فازورَّ من وقْع القَنا بلَبانه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وشَكا إليَّ بعبرة وتَحمحُمِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif لو كان يَدري ما المُحاوَرة اشتكى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ولكان لو علم الكلام مُكلِّمي[26] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فالشاعر في ساعة المعركة يحنُّ لحوار فرسه الذي تسربل بالدم، فأخذ يشتكي ويتألم بدمعه وتحمحمه. وبذلك يمكن القول: إن شعراء العصر الجاهلي قد كسروا النمط السائد من العمود الشعري من خلال أسلوب الحوار، وهذا ما رأيناه جليًّا عند امرئ القيس؛ إذ استطاع الشاعر أن يعبِّر عما يجول في نفسه تجاه حبيبته من خلال أسلوب الحوار. [1] الدكتور عبدالله خضر حمد: دكتوراه في اللغة العربية وآدابها / الأدب والنقد، عضو الهيئة التدريسية في الأكاديمية العربية / الدانمارك. [2] قاموس السرديات، جيرالد برنس، ترجمة: السيد إمام، ص: 45. [3] معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، ص: 78. [4] الحوار في الشعر العربي القديم - شعر امرئ القيس أنموذجًا، مجلة جامعة تكريت للعلوم الإنسانية، مج (14)، ع (3)، نيسان 2007، ص: 66. [5] الحوار في شعر الهذليين - دراسة وصفية تحليلية، صالح أحمد محمد السهيمي، رسالة ماجستير، كلية اللغة العربية، جامعة أم القرى، 2009، ص: 22. [6] الحوار في الشعر العربي القديم - شعر امرئ القيس أنموذجًا، ص: 66. [7] الحوار في شعر الهذليين - دراسة وصفية تحليلية، ص: 197. [8] شرح المعلقات السبع، ص: 13. [9] شرح المعلقات السبع، ص: 73. [10] الحوار في الشعر العربي القديم - شعر امرئ القيس أنموذجًا، ص: 68. [11] شرح المعلقات السبع، ص: 56. [12] الشعر العربي المعاصر؛ عزالدين إسماعيل، ص: 298. [13] الحوار في الشعر العربي القديم - شعر امرئ القيس أنموذجًا، ص: 61. [14] دينامية النص، ص: 116. [15] شرح المعلقات السبع، ص: 17 - 18. [16] ينظر: الحوار في الشعر العربي القديم - شعر امرئ القيس أنموذجًا: 71 - 72. [17] شرح المعلقات السبع، ص: 19. [18] المصدر نفسه، ص: 22 - 23. [19] ينظر: الحوار في القصيدة الجاهلية، نوري القيسي، مجلة آفاق عربية، العدد: 5، 1976، ص: 52. [20] المنهج الأسطوري في تفسير الشعر الجاهلي، ص: 207. [21] ينظر: فن الوصف وتطوره في الشعر العربي، إيليا الحاوي، ص: 22 - 21. [22] شرح المعلقات السبع، ص: 130. [23] شرح المعلقات السبع، ص: 29 - 30. [24] المصدر نفسه، ص: 32. [25] المصدر نفسه، ص: 31. [26] شرح المعلقات السبع، ص: 142 - 143. |
| الساعة الآن : 09:52 AM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour