ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى الشعر والخواطر (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=30)
-   -   الشعر الدعوي: مكانته ومميزاته (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=283441)

ابوالوليد المسلم 30-09-2022 03:22 AM

الشعر الدعوي: مكانته ومميزاته
 
الشعر الدعوي: مكانته ومميزاته
د. هند بنت مصطفى شريفي





وهو من الوسائل الدعوية الإعلامية المشروعة لنصرة الحق والدفاع عن النفس ونصرة المظلوم، وهو جهاد بالكلمة، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع لحسان منبراً في المسجد يقوم عليه قائماً، يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما يفاخر أو ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم))[1].

وللشعر مكانة عظيمة ومنزلة كبيرة عند العرب، لأنه ديوان مآثرهم وسجل مفاخرهم، وما من حرب تقوم بينهم إلا هاجها الشعر وسجل أحداثها، ولما جاء الإسلام مخالفاً للعرب في عقائدهم وعاداتهم الباطلة، اتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم من الشعر سلاحا يرد به كيد أعدائه ويناضل عنه، وسلط على الأعداء أشعر أصحابه[2]، مثل حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحه وكعب بن مالك وغيرهم - رضي الله عنهم أجمعين - ممن استثناهم الله تعالى في قوله: ﴿ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ﴾ [الشعراء: 224 - 226] [3].

وسليقة العرب الشعرية الفطرية وفصاحتهم جعلتهم كثيراً ما يصوغون كلامهم شعراً، فهذا عمرو بن سالم رضي الله عنه يقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم يتظلم ويشكو غدر بني بكر وقريش، ومما قاله:
يا رب إني ناشد محمدا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
حلف أبينا وأبيه الأتلدا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

فانصر رسول الله نصرا أبدا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وادعُ عباد الله يأتوا مددا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

ونقضوا ميثاقك المؤكدا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وجعلوا لي في كداء رصدا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

هم بيتونا بالوتير هجدا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وقتلونا ركعاً وسجدا[4] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالتهيؤ والاستعداد للقتال، قال حسان بن ثابت رضي الله عنه شعرا يحرض الناس فيه ويذكرهم بمصاب رجال خزاعة ومما قاله:
ألا ليتَ شعرِي هَلْ تَنَالنَّ نُصْرتِي سُهَيل بن عمرٍو حَرُّها وعِقابها[5]

وهذا أبو سفيان بن الحارث رضي الله عنه من شعراء قريش وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم يسل سيف شعره لهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لما أراد الله تعالى له الخير أسلم فأنشد شعرا يعتذر فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عما بدر منه، ومنه قوله:
لعمرك إني يوم أحمل رايةً https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
لتغلب خيل اللات خيل محمدِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

لكالمدلجِ الحيران أظلم ليلهُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
فهذا أوانُ الحق أهدي وأهتدي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

هدانيَ هادٍ غيرُ نفسي ودلني https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
إلى الله من طرَّدت كل مطرَّد[6] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


ومما سجله التاريخ من الشعر الذي قيل في الفتح، قول حسان رضي الله عنه:
عَدِمْنا خَيْلَنا إنْ لَمْ تَرْوها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
تُثِيرُ النَّقْعَ مَوْعِدها كَدَاءُ[7] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

يُنازِعْنَ الأعِنَّة مُصْغِياتٍ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
على أكتَافِها الأَسَلُ الظِّماءُ[8] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

تَظلُّ جِيَادُنا مُتَمطِّراتٍ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
يُلَطِّمهنَّ بالخُمُرِ النِّساءُ[9] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

فإمَّا تُعرِضوا عَنَّا اعْتمَرْنا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وكانَ الفَتحُ وانْكشَف الغِطَاءُ[10] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وإلاَّ فاصْبرُوا لجِلادِ يومٍ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
يُعينُ اللهُ فِيه من يشاءُ[11] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


وقيل إنه قالها قبل الفتح، وروى الإمام الزهري أنه قال: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء يلطمن الخيل، تبسم إلى أبي بكر لصدق وصف حسان[12].

مميزات وسيلة الشعر:
وتظهر ميزة الشعر أنه يمكن استخدامه في الجانبين الترغيب والتأليف، وفي والترهيب والتنفير، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن أثر الشعر في تأليف القلوب وتنفيرها: إن ذلك الأثر يحصل بالحقائق كما قد يحصل بالمتوهمات، ولهذا يؤثر قول الشعر في التأليف والتنفير، بحيث يحرك في النفوس شهوة ونفرة تحريكا عظيمًا، وإن لم يكن الكلام منطبقا على الحق لكن لأجل التخييل والتمثيل.

وإذا كان الناطق لم يعن إلا الحق، صار ذلك موهماً للمستمع توهماً يؤلّفه تأليفاً يحبه الله ورسوله، بمنزلة تأليفه وتنفيره بالأشعار التي فيها تخييل وتمثيل[13].

ويمكن استخدام الشعر كوسيلة من الوسائل المؤثرة في إثارة الغضب لله تعالى، وفي إشعال الحماسة للجهاد والدعوة في قلوب المؤمنين، وفي الدفاع عن الإسلام، والرد على كيد أعدائه.

واستخدم الشعر كذلك في حفظ المآثر الإسلامية، وفي تقييد العلوم الإسلامية على هيئة متون مختصرة شاملة، تعين على الحفظ مثل ألفية ابن مالك في اللغة العربية، والرحبية في علم الفرائض، والقصيدة النونية في العقيدة، والسبل السوية في السنن، وغيرها كثير.


[1] رواه الترمذي في سننه كتاب الأدب باب ما جاء في إنشاد الشعر 5/ 134 ح 2846. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب .

[2] انظر الحرية الإعلامية في ضوء الإسلام: د. سعيد بن علي ثابت من ص 125- 126، دار عالم الكتب للطباعة والنشر الرياض، ط:2، 1414ه 1993م، وانظر الدعوة الإسلامية الوسائل الأساليب ص 96.

[3] سورة الشعراء الآيات 224- 227. وقد قيل في سبب نزولها: إنها نزلت في الصحابة المذكورين واعترض الحافظ ابن كثير لأن السورة مكية، فكيف يكون سبب نزول هذه الآيات شعراء الأنصار ، فهذا الاستثناء يدخل فيه شعراء الأنصار وغيرهم، انظر تفسير القرآن العظيم 6/ 186.

[4] سبق تخريجه ص 101.

[5] انظر القصيدة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم: ابن هشام 4/ 15. ورويت حربها وعقابها، أو وخزها وعقابها، والوخز : الطعن.

[6] سبق تخريجه ص 114.

[7] النقع: الغبار . حاشية سيرة النبي صلى الله عليه وسلم :ابن هشام 4 /44.

[8] ينازعن : يروى في مكانه يبارين، والمراد الخيل تجاري الأعنة. الأسل: الرماح. والظماء: العطاش. المرجع السابق.

[9] متمطرات: ذاهبة مسرعة يسبق بعضها بعضا، والخمر: جمع خمار، وقد روي أن نساء مكة يوم الفتح ظللن يضربن بخمرهن وجوه الخيل ليرددنها. المرجع السابق.

[10] اعتمرنا: أدينا مناسك العمرة، وانكشف الغطاء: ظهر ما كان خافيا. المرجع السابق.

[11] الجلاد : المضاربة بالسيوف، وروي يعز الله. المرجع السابق.

[12]بتصرف، سيرة النبي صلى الله عليه وسلم: ابن هشام 4 /46، وانظر القصيدة من ص 43- 46.

[13] بتصرف، الفتاوى: ابن تيمية 28/ 650 و 162.




الساعة الآن : 11:57 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 14.82 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 14.72 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (0.63%)]