ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   من بوح قلمي (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=72)
-   -   النقمة في قنص اللقمة (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=282134)

ابوالوليد المسلم 10-09-2022 09:30 PM

النقمة في قنص اللقمة
 
النقمة في قنص اللقمة


هارون محمد غزي



أفتِّشُ (أتوبيسات) الأقاليم، ممَّا يسَّر لي زيارته أينما حلَّ.
لم تقرَّ عينُه برؤية والديه.
في الخامسة عشْرةَ خالاتُه زوَّجْنَه طفلةَ السابعةِ يسمُّونها: "يتيمة الأحياء"!
أبوها تزوَّج، وأمُّها تبعَّلت غيره.

المتنافران والموتورتان اتَّفقوا على نبذها؛ فلا ذاقت عاطفةَ الأبوَّة، ولا وَعَتْ حنان الأم الرؤوم؛ وإن كان حنانُ امرأة أبيها قاسته علقمًا.
يرحل خالي إلى الإسكندرية قنصًا للقمة العيش، متفائلاً برائحة الزفر.
حطَّ بأبي قير، بيوت الصيادين الخشبيَّة المتلاصقة، يشاكسُها موجُ الخليج اللطيف.

صاحبُ المسكن شيخُ جمعية دينيَّة، أغراه بالهَدْيِ الظاهر، والجلباب الأبيض، والعمامة الزاهية "ذات العذَبة" المتدلِّية بين كتفيه دلالة التوحيد.
خَالي الأُمِّي يصمُّ دروس المسجد، ويلقيها بشغف في الزوايا.
يحتوي وجهُه النضِر إطارَ لحية سوداء.
غرفته لا تتسعُ لغير صندوق المتاع، سريرٌ نُحاسيٌّ، ووابور كيروسين.

أحتضن بِطِّيخةً ضخمةً خفيفةً، تتدلَّى من أصابع كَفِّي حقيبةٌ ورقية تشع منها السخونة:
هيَّا؛ بسم الله.
هييه! هييه! بطيخة!
لا يَنِي ابنُ خالي عن امتطاءِ تلك الكرة الأرضية، لكنه ينزلق عنها مرارًا!
زوجةُ خالي في عباءتِها السوداء، تغطي وجهها البيشة، تضع الطبليَّة، وتتنحَّى عنها.
يعطر أريج المشويات الشهية الغرفة مفشيًا محتويات لفافتي.
أبدأ بانتقاء مطعم زوجة خالي، فيسرع به طفلها إليها في الركن القصيِّ.
هلمَّ.
سرَّني إسعاد خالي، بوجبة لن يشتريها في حياته الضنك.

الطفل يدس في في أبيه أصبع الكفتة، قائلًا:
هَمّ يا جَمَل.
وذات يومٍ، وجدت إقامته بحيِّ البساتين أمام مسجد الإمام الشافعي بالقاهرة، وقريبًا من مرقد الإمام الليث، فطارت بي صلة الرحم محملًا بالواجب:
ما الذي حذفك إلى القاهرة، وأنت عملك في المواني؟
أحد أتباع الجمعيَّة له مصنع مياه غازية بالقاهرة طلبني للعمل، أنا وابني البالغ من العمر عشر سنوات.
وماذا يعمل ضناك؟
يلقمُ الآلة الزجاجات لتعبئها.
والمدرسة؟!
أجرُه أدفعه لمأوانا.

احتل كياني عاصفة الغم.
سكنٌ لخالي جديدٌ، أحضرت وجبة، وقصدته بعزبة الصيادين بالإسماعيلية.
صَحِّي وحيدَك يأكل معنا.
ساد صمتٌ صاخب الكآبة!
انقبض قلبي الرهيف توجسًا.
أدرت نظري؛ منامه خالٍ.
أمُّه يلفُّها السواد؛ يقطع قلبي أنّات سكاتها.

دموعُ خالي تحتشد في مقلتيه الملتهبتين.

يحشرج متهتهًا:
ماكينة ال مص نع!
يكتم شهقاته يضع منديله على فِيهِ منهنهًا!
في هذه الليلة الليلاء؛ انكفأت عنهم كارهًا العشاء والعيشة.






الساعة الآن : 09:13 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2025, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 8.22 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 8.13 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (1.14%)]