ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=81)
-   -   اليتيم (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=237964)

ابوالوليد المسلم 09-08-2020 03:40 AM

اليتيم
 
اليتيم


د. محمد بن عبدالله بن إبراهيم السحيم






الحمد لله البر الرحيم، الرؤوف الكريم، عمّنا بخيره العظيم، وهدانا صراطه المستقيم، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو السلطان القديم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله أوفى صلاة وأزكى تسليم.

أما بعد، فاتقوا الله - عباد الله - .﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [البقرة: 278].

أيها المؤمنون!
جاء الإسلام بمنهج إقامة مجتمع ذي قوة ولحمة، وطوّقه بآصرة مودة مرحمية تكافلية؛ ترعى الحق، وتصون الحرمة، وتجبر الكسر، وترفد الضعيف، كما قال الله - تعالى -: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ [التوبة: 71]، وقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: « ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم، كمثل الجسد، إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى » رواه البخاري. هذا، وإن أجلى صور تلك الآصرة رعي حق الضعيف الذي لا حول له ولا طول في تحصيل حقه وكف الأذى عنه؛ فللضعيف في الإسلام وزن وقيمة، يقوى بها ذلك الضعيف، ويقوى بها من يقوم بأمره. وذاك ما استفتح به الخليفة الراشد أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – منهج سياسته رعيّته مطلع خلافته إذ خطب فيهم قائلاً: "إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه، وإن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه" رواه ابن سعد. وما ذاك إلا لعلمه أن طهارة المجتمع من السوء لا تقوم إلا بذلك النَّصَف، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله لا يقدس أمة لا يعطون الضعيف منهم حقه" رواه الطبراني وصححه الألباني. هذا وإن من الضعفة الذين شدد الإسلام أمرهم يتيماً مات أبوه ولما يبلغ الحلم، فذاق مرارة فقده، ولوعة فراقه؛ فكان اليتم قرين البكاء، بل ومضرب المثل فيه، كما قالت العرب في مثلها السائر: "لا تعلِّم اليتيم البكاء" و "أبكى من يتيم"!

أيها المسلمون!
اليتم شجن سكن قلب ذاك الصغير؛ فكبر همه، وتفاقم حزنه؛ حتى ترحل من قلبه سلوة الطفولة إلا أن يجد راحماً! ترجم لواعج اليتم يتيم ناجى أمه قائلاً:
قال الصغير ودمعه مدرار https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
أماه أشعر أنني أنهار https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

الماء أشربه ليبرد غلتي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
فكأنما تبريده إسعار https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

رجلاي خانتني فليس تُقِلُّني https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
فبقيت مأسوراً ولا أسوار https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

ها هم رفاقي في الطريق تواثبوا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
في خفة فكأنهم أطيار https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وحدي بقيت أنا أجرّع غصة https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
في غصة وبعينيَ استعبار https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

أماه أين أبي فما حلّت بنا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
إذ كان يعمر بيتَنا أضرار https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

أماه أين أبي وأين حنانه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
قد كان نهراً دونه أنهار https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

لا زلت أذكر كم حبوتُ لحجره https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
فتلقّفنَّ يداه والأبصار https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

لا زلت أذكر كيف أضحى راكباً https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
لي صدرُه وبوجهه استبشار https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

كم دغدغت خدي يداه وملؤها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
حب وعطف غامر فوار https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وكأن في رأسي نعومةَ كفه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
لم تمحها الأيام والإعصار

يتبع


ابوالوليد المسلم 09-08-2020 03:41 AM

رد: اليتيم
 
أماه قولي أين سار فإنني https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ماضٍ إليه فقد جفتني الدار https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

فتلجلجت أم الصبي وأجهشت https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
تبكي وتنشج هاجها التذكار https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

ضمّته للصدر الضعيف وقلبها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
في لوعة ودمعها أنهار https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

اصبر تعلل بالرحيل فما لنا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
في الأرض توطين ولا استقرار https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

لله نشكو ما نعاني إنه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
بر رحيم فضله مدرار https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

أيها المؤمنون!
إن شئتم أن تذرفوا الدمع ساخناً فاذكروا ساعة الاحتضار ودنو الأجل، وتذكروا حال الصبية الصغار والذرية الضعاف الذين يتركهم هذا المحتضر وراءه؛ يخشى عليهم ظروف الحياة، وبلاء الدهر، يتمنى لهم ولياً مرشداً يرعاهم كرعايته، ويربيهم كتربيته، يعوضهم بره وعطفه كما قال الله - تعالى -: ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴾ [النساء: 9]. بهذا الشعور المرهف ينطلق المؤمن في تعامله مع اليتيم، كما قال قتادة: " كن لليتيم كالأب الرحيم"، وقال عمرو بن قيس: " كانوا يكرهون أن يعطي الرجل صبيه شيئاً، فيخرجه، فيراه المسكين، فيبكي على أهله، ويراه اليتيم، فيبكي على أهله". خرج ابن صغير لعمر بن عبدالعزيز يلعب مع الغلمان فشجّه صبي منهم، فاحتملوا الصبي الذي شج ابنه وجاءوا به إلى عمر، فسمع الجلبة فخرج إليهم، فإذا امرأة تقول: إنه ابني وإنه يتيم! فقال لها عمر: هوّني عليك، ثم قال لها عمر: أله عطاء في الديوان؟ قالت: لا! قال: فاكتبوه في الذرية. فقالت زوجته فاطمة: أتفعل هذا به وقد شج ابنك؟! فعل الله به وفعل! المرة الأخرى يشج ابنك ثانية! فقال: ويحك! إنه يتيم وقد أفزعتموه. يعامله مستشعراً امتثال أمر الله بالإحسان إلى اليتامى، كما قال تعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى ﴾ [النساء: 36]. ويستصحب في ذلك الإحسان رجاء حسن العاقبة، كما بشَّر النبي - صلى الله عليه وسلم - كافل اليتيم بقوله: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا" وأشار بالسبابة والوسطى وفرّج بينهما شيئاً (رواه البخاري)؛ فلنعم الجار! ولنعم الدار! ويحضه على بذل مزيد الإحسان علمه أنه سبب لنيل الكتاب باليمين، كما قال الله – تعالى -: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ﴾ [البلد: 12 - 18]. هذا ثواب الآخرة، فما ثواب الدنيا؟


الإحسان لليتيم ذو ثواب معجل في الدنيا مع ما يدخر في الآخرة وإن كان مسحة على رأس؛ فذلك الإحسان سبب للين القلب ونداوة العين، شكا رجل لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – قسوة قلبه، فقال له: "امسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين" (رواه أحمد وحسنه الألباني). وضمان النصر والرزق قرين الإحسان لليتيم، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم ؟!" (رواه البخاري). وذلك الإحسان مطهرة للمال، ويغدو به نعمة على صاحبه، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن هذا المال خضرة حلوة، فنعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل" (رواه البخاري).

أيها المؤمنون!
وكما ورد ثواب الإحسان فقد جاء شؤم الحرمان إن دُعَّ اليتيم؛ إذ قد نهى الله عنه بقوله: ﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ﴾[الضحى: 9]. وجعل ذلك علامة جلية على تواري الإيمان، فقال: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾ [الماعون: 1، 2]. وألحق النبي - صلى الله عليه وسلم - الحرج والإثم بمن قصّر في رعاية حق اليتيم، فقال: «إِنِّي أُحَرِّجُ عَلَيْكُمْ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ» (رواه الحاكم وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي). ويزداد ذلك الحرج غلظة وشدة إن كان جناية على مال اليتيم؛ فربما أغرى ضعفُ اليتيم ذا القلب القاسي على الاعتداء على ماله، وما علم هذا الظالم أنه ارتكب مهلكة أوجبت لبطنه النار والسعير، يقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: "اجتنبوا السبع الموبقات" (أي: المهلكات)، وذكر منها: "وأكل مال اليتيم" (رواه البخاري ومسلم)، ويقول الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النساء: 10].

الخطبة الثانية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد، فاعلموا أن أحسن الحديث كتاب الله...
أيها المؤمنون..
بسماع الفضائل تظهر الفضائل؛ فتسمو همة المرء لمرافقة النبي - صلى الله عليه وسلم – في الجنة بكفالة يتيم، فما حقيقة هذه الكفالة؟ وما طريق الوصول إليها؟ تتحقق كفالة اليتيم بالقيام على شأنه الديني أو الدنيوي، سواء كان الكافل مباشراً أو متبرعاً بالمال لمن يباشر رعاية اليتيم، يستوي في ذلك إن كان اليتيم في بلد الكافل أو خارجه، علم الكافل ذلك اليتيم أو لم يعلمه ؛ فالله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. وكلما عظمت حاجة اليتيم ازداد ثواب كفالته، سيما أولئك الأيتام الذين قتل العداة آباءهم في بلاد الإسلام الجريحة ولم يبق لهم ولي يرعاهم!

أيها المسلمون!
وثمة أيتام لكنّ آباءهم أحياء، قد تخلو عن واجبهم، وأهملوا تربية فلذات الأكباد
ليس اليتيم من انتهى أبواه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
من همّ الحياة وخلّفاه ذليلا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

إن اليتيم هو الذي تلقى له https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
أمّاً تخلت أو أباً مشغولا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


أيها اليتيم!
اعلم أن الله - سبحانه - قد ارتضى لك ما ارتضى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -. ولتعلم أن اليتم مظنة نبوغ ومسؤولية وعصامية. فكم من يتيم خلّد التاريخ مآثره؟! من لدن محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى حاضر العصر: عبدالله بن جعفر بن أبي طالب، وأحمد بن حنبل، وسفيان الثوري، وعبدالعزيز بن باز - أيتام غدوا أنجماً في سماء المجد؛ فكن واحداً من أولئك الركب الميمون؛ فما أحراك بذلك! وما أجدرك به!





الساعة الآن : 11:29 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 20.72 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 20.58 كيلو بايت... تم توفير 0.14 كيلو بايت...بمعدل (0.66%)]