ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى حراس الفضيلة (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=103)
-   -   حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله) (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=194143)

ابو معاذ المسلم 04-07-2020 04:29 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(60)


المراد بالمحبة في هذا البحث:


هو محبة الله تعالى، فهي أعلى أنواع المحبة، وهي كالرأس بالنسبة للطائر يقوده في مسيره ومسبحه في الهواء.
وهذه المحبة هي مصدر التعبد لله تعالى وهي محرك مسيرة الحياة، وهي أعلى درجات الإيمان لقوله ï·؛: «ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون
الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، وأن يحبّ المرءَ لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» (1).
ويقول عليه الصلاة والسلام: «كان من دعاء داود يقول: اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك والعمل الذي يبلغني حبك، اللهم اجعل حبك أحب
إلي من نفسي وأهلي ومن الماء البارد» (2).
وهذه المحبة ليست اختيارية، بل هي واجبة ومن أوجب الواجبات، توعد الله على تركها فقال: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ
وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوه َا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىظ° يَأْتِيَ اللَّـهُ بِأَمْرِهِ غ— وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ
الْفَاسِقِينَ}(3) .
ويستشعر المسلم هذه المحبة من خلال الأمور التالية:
أ – يتمثل عظمة الله تعالى من خلال الكون وما فيه من الآيات الباهرة، والسنن المنظمة، والكائنات المتكاملة في البر والبحر والسماء، وفوق كل ذلك
القوة التي تديرها والحكمة التي تكتنفها، كل ذلك من دواعي محبة الله تعالى وعبادته والتقرب إليه، قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ
اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّـهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىظ° جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُون َ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـظ°ذَا بَاطِلًا
سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}(4) .
ب – يتمثل نعم الله تعالى التي لا تعد ولا تحصى ابتداء بخلقه وسجود الملائكة له وانتهاء بإرسال الرسل إليه وهدايته إلى سواء السبيل، وما بين هذا وذاك
من النعم والنجاحات والنصر والتمكين صور من إحسان الله تعالى بعبده ورحمته عليه، فهو القائل: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ غڑ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّـهِ لَا
تُحْصُوهَا غ— إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}(5)، فكل ذلك من عوامل المحبة لله تعالى.
ويقول عليه الصلاة والسلام: «أحبّوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لحب الله إياي» (6).
يقول ابن القيم رحمه الله: «تنشأ المحبة من الإحسان، ومطالعة الآلاء والنعم، فإن القلوب جُبلت على حب من تحسن إليها، وبغض من أساء إليها، ولا أحد أعظم إحسانًا من الله سبحانه» (7).
----------------------------
(1) سبق تخريجه.


(2) أخرجه الترمذي (ص796، رقم 3490) كتاب الدعوات، باب اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك. والحاكم (2/433، رقم 3621) وقال صحيح الإسناد.
(3) سورة التوبة، الآية 24.
(4) سورة آل عمران، الآيتين 190-191.
(5) سورة إبراهيم، الآية 34.
(6) أخرجه الترمذي (ص859، رقم 3789) كتاب المناقب، باب مناقب أهل بيت النبي ï·؛. وقال: هذا حديث حسن غريب.

(7) تقريب طريق الهجرتين، ص 444.

ابو معاذ المسلم 04-07-2020 04:29 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(61)


المراد بالمحبة في هذا البحث:
الجزء الثانى

ج – كما يستشعر المؤمن هذه المحبة حين يتلمس رحمة الله تعالى بعباده المذنبين، فهو الرحمن الرحيم، وهو العفو الغفور، وباب التوبة والاستغفار عنده لا
يُغلق ولا يسد، ومتى شعر الإنسان بخطئه وأناب إلى الله تعالى فإن رحمته قريبة منه، ولا ينقص ذلك من ملكه شيء، فهو القائل في محكم التنزيل: {وَمَن
يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّـهَ يَجِدِ اللَّـهَ غَفُورًا رَّحِيمًا}(8).
ويقول عليه الصلاة والسلام: «إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» (9).
د – إن معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته، من الأسباب التي تولد المحبة عند العبد، كالعلم والرحمة والمغفرة والقدرة والكرم، كلها عوامل تزيد من قرب الإنسان
بربه ومحبته له وتقديم العمل الصالح بين يديه، فعلى سبيل المثال حين يتقرب المؤمن إلى الله تعالى بطاعة أو عمل صالح، فإنه يجازيه أضعافًا مضاعفة، كرمًا
وتفضلاً منه جل وعلا، فهو القائل: {إِنَّ اللَّـهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ غ– وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا}(10)، وهو القائل: {مَن جَاءَ
بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا غ– وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىظ° إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}(11).
فهذه المعرفة بالله تعالى وصفاته تصنع المحبة وتزيدها، يقول ابن تيمية رحمه الله: «وأصل المحبة هو معرفة الله سبحانه وتعالى، ولها أصلان: أحدهما، وهو الذي
يقال له محبة العامة لأجل إحسانه إلى عباده، والثاني: هو محبته لما هو له أهل، وهذا حب من عرف من الله ما يستحق أن يحبه لأجله» (12).
-------------------------------------------


(8) سورة النساء، الآية 110.
(9) أخرجه مسلم (ص1196، رقم 2759) كتاب التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب وإن كثرت الذنوب والتوبة.
(10) سورة النساء، الآية 40.
(11) سورة الأنعام، الآية 160.
(12) مجموع الفتاوى 10/ 84-85.

ابو معاذ المسلم 04-07-2020 04:30 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(62)


مقتضيات محبة الله تعالى:
إن محبة الله تعالى ليست مجرد ادّعاء بالقول، أو بعض العواطف والعبرات، وإنما مجموعة من الالتزامات والواجبات العملية تدل على صدق هذه المحبة وقوتها،
ومن أهم المقتضيات التي تلازم هذه المحبة ما يلي:
1- تقتضي هذه المحبة اتّباع شرع الله تعالى فيما أمر به وما نهى عنه، فإذا لم تترجم هذه المحبة على الواقع في المحافظة على الفروض والطاعات، والسلوك
والأخلاق، فإنها تبقى مجرد ادّعاء، وصدق الشاعر حين قال:
هذا محال في القياس بديع *** إن المحب لمن يحب مطيع
تعصي الإله وأنت تزعم حبه *** لو كان حبك صادقًا لأطعته
2- تقتضي محبة الله تعالى، حبَّ رسوله ï·؛، وحبّ سنته والعمل بها، لقوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّـهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّـهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ غ— وَاللَّـهُ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(1).
كما تقتضي هذه المحبة الذود عن النبي صلى الله عليه ومناصرته بكل الإمكانات والوسائل، لا سيما في هذه الفترة التي كثرت فيها حملات الإساءة إلى
شخصه الطاهر عبر بعض الوسائل الإعلامية الغربية، الأمر الذي يفرض على الأمة بذل الجهود والأوقات لصدّ مثل هذه الهجمات المغرضة، حتى يتحقق
معنى المحبة له ï·؛، فهو القائل: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» (2).
3- تقتضي محبة الله تعالى، حب القرآن الكريم، بحفظه في الصدور، وتلاوته آناء الليل وأطراف النهار، والعمل به وإقامة حدوده، يقول عثمان بن عفان
رضي الله عنه: «لو سلمت منا القلوب ما شبعت من كلام الله، وكيف يشبع المحب من كلام محبوبه وهو غاية مطلوبة».
وأما إهمال القرآن ووضعه على الرف وعدم تلاوته إلا في المناسبات، وعدم التحاكم إليه في أمور الحياة والخصومات، فإنه يناقض محبة الله تعالى ومقتضياتها،
بل يعدّ ذلك من الهجران الذي أخبر عنه الله في قوله: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَـظ°ذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}(3).
4- تقتضي محبة الله تعالى، إدامة ذكره وذكر آلائه ونعمه، وكذلك شكره والثناء عليه، لأن المحبّ الصادق ينشغل جلّ أوقاته بمحبوبه، فكيف إذا كان هذا
المحبوب هو الله تعالى، خالق الكون والإنسان، الرحمن الرحيم؟!! وقد أثنى الله تعالى على عباده المؤمنين المحبين له فقال: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّـهَ قِيَامًا وَقُعُودًا
وَعَلَىظ° جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُون َ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـظ°ذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}(4) .
5- تقتضي محبة الله تعالى محبةَ عباده الصالحين، وبغض العصاة والفاسدين والظالمين، لقوله ï·؛: «أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله».
وقد أخبر عليه الصلاة والسلام أن من أسباب النجاة والتظلل في ظل الله تعالى في ذلك الموقف العصيب هو الحب في الله تعالى، فقال: «سبعة يظلهم الله
في ظله يوم لا ظل إلا ظله... ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه» (5).
ولا تنافي محبة الله تعالى محبة الآخرين، بل هي تقتضيها وتحث عليها ما دامت على المنهج السليم ووفق الضوابط الشرعية، بحيث لا تكون في معصية أو
فساد أو ظلم أو غير ذلك من المحرمات.
6 – كما تقتضي محبة الله العمل الصالح، الذي أمر به والمسارعة بقيامه، وعدم التكاسل أو الفتور عنه.
--------------------------------
(1) سورة آل عمران، الآية 31.

(2) سبق تخريجه.


(3) سورة الفرقان، الآية 30.

(4) سورة آل عمران، الآية 191.

(5) أخرجه البخاري (ص107، رقم 659) كتاب الأذان، باب من جلس في المسجد بعد الصلاة. ومسلم (ص415، رقم 1031) كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة.

ابو معاذ المسلم 04-07-2020 04:30 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(63)

من يحبّهم الله تعالى؟
إن الله تعالى يحب عباده المؤمنين الصادقين، الذين يأتمرون بأوامره وينتهون عن نواهيه، كل حسب مستوى إيمانه وما يقدمه بين يديه من الطاعة والعمل
الصالح، ولا يمكن بحال الإشارة إلى جميع الأصناف التي يتحلون بهذه التعاليم والصفات، ولكن يمكن الإشارة إلى بعضهم الذين ذكرهم الله تعالى بشأنهم
التعبير الصريح في الدلالة على محبته لهم، وكذلك ما أشار إليهم الرسول صلى الله عليه في بعض أحاديثه، وهؤلاء هم:
1- التوّابون الصادقون الذين ينيبون إلى الله تعالى بعد الغفلة والعصيان، وكذلك المتطهرون من جميع الأدران والأنجاس النفسية والجسدية والفكرية، لقوله
تعالى: {إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِي نَ}(1) .
2- المتبعون لهدي النبي ï·؛، لقوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّـهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّـهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ غ— وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(2) .
3- الصابرون في البأساء والضراء، لقوله تعالى: {وَاللَّـهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}(3).
4 – المحسنون إلى الناس في الأفعال والأقوال، لقوله تعالى: {وَأَحْسِنُوا غ› إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(4).
5 – المتوكلون على الله حق توكله، لقوله تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ غڑ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِي نَ}(5).
6 – المتّقون الله تعالى في السر والعلن، لقوله تعالى: {بَلَىظ° مَنْ أَوْفَىظ° بِعَهْدِهِ وَاتَّقَىظ° فَإِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}(6).
7 – المقسطون والعادلون في الحكم بين الناس، لقوله تعالى: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ غڑ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}(7)، وقوله تعالى: {يُرِيدُونَ
لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّـهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّـهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}(8) .
8 – المجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، لقوله تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّـهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّـهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}(9).
9 – الشاكرون لنعم الله وآلائه التي لا تعد ولا تحصى، لقوله ï·؛: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» (10).
10 – الكرماء من الناس، والطيبون والنظيفون، ففي حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله ï·؛ قال: «إن الله جميل يحب الجمال» (11)، وفي
حديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله ï·؛ رأى رجلاً وسخة ثيابه فقال: «أما وجد هذا ما ينقي ثيابه» (12).
11 – الحامدون المثنون على الله تعالى، لقوله ï·؛: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها» (13).
12 – المتْقنون لأعمالهم التعبدية والدنيوية، لقوله ï·؛: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه» (14).
13 – الرفقاء مع الناس وجميع الأشياء، لقوله ï·؛ لعائشة رضي الله عنها: «يا عائشة، إن الله عز وجل يحبّ الرفق في الأمر كله» (15).
14- المتسامحون في البيع والشراء، لقوله ï·؛: «إن الله يحب سمح البيع سمح الشراء سمح القضاء » (16).
---------------------------
(1) البقرة [ 222].

(2) آل عمران [31].
(3) آل عمران [ 146]
(4) البقرة [195].
(5) آل عمران [159].
(6) آل عمران [76].
(7) المائدة [42].
(8) الحجرات [9].

(9) الصف [4].
(10) أخرجه البخاري (ص856، رقم 4836) كتاب التفسير. ومسلم (ص1227، رقم 2819) كتاب صفات المنافقين، باب إكثار الأعمال.
(11) أخرجه مسلم (ص54، رقم 91) كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه.
(12) أخرجه أبو يعلى (4/23، رقم 2026) وهو حديث صحيح.
(13) أخرجه الترمذي (ص428-429، رقم 1816) كتاب الأطعمة، باب ما جاء في أكل الجراد. وقال: هذا حديث حسن.
(14) أخرجه أبو يعلى في مسنده (7/349، رقم 4386).

ابو معاذ المسلم 04-07-2020 04:31 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(64)

من يبغضهم الله؟
إن الله تعالى يبغض جميع الذين لا يأتمرون بأمره ولا ينتهون عما نهى عنه، ويتفاوت هذا البغض حسب المعصية والمخالفة التي يرتكبها العبد، ولكنه جلّ وعلا أشار في كتابه العزيز إلى بعض الأصناف إشارة صريحة في بغضهم وعدم الرضى عنهم، وبعض هؤلاء هم:
1– الكفار والمشركون، وهم الذين كفروا بالإسلام واتخذوا من دون الله أندادًا من البشر أو الحجر أو الشجر أو المذاهب والأفكار، لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِين َ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا غڑ أُولَـظ°ئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ}(1).
2– الظالمون المتجبرون، لقوله تعالى: {وَاللَّـهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}(2).
3– الذين يجهرون بالسوء من القول، لقوله تعالى: {لَّا يُحِبُّ اللَّـهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ غڑ وَكَانَ اللَّـهُ سَمِيعًا عَلِيمًا}(3).
4– المعتدون على حرمات الله تعالى وحرمات الناس، لقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُم ْ وَلَا تَعْتَدُوا غڑ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}(4).
6– الخائنون للعهود والمواثيق لقوله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىظ° سَوَاءٍ غڑ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ}(5).
7– المفسدون في الأرض الذين ينشرون الشرّ والخبائث بين الناس ويمنع نشر الخير والفضيلة، لقوله تعالى: {وَاللَّـهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}(6).
8– المتكبرون الذين يتعالون على عباد الله وعلى الحق والهداية، لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا}(7).
9– المسرفون للأموال والطاقات في غير مواضعها، لقوله تعالى: {وَلَا تُسْرِفُوا غڑ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}(8).
10 – الفرحون الغافلون عن ذكر الله، لقوله تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىظ° فَبَغَىظ° عَلَيْهِمْ غ– وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ
إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ غ– إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ}(9).
----------------------------------

(1) البينة، الآية 6.
(2) آل عمران، الآية 57.

(3) النساء، الآية 148.
(4) البقرة، الآية 190.
(5) الأنفال، الآية 58.
(6) المائدة، الآية 64.
(7) النساء، الآية 36.

(8) الأنعام، الآية 141.
(9) القصص، الآية 76.





ابو معاذ المسلم 15-08-2020 05:43 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(65)


آثار محبة الله تعالى:
إنَّ لمحبة الله تعالىظ° آثارًا إيجابية كثيرة في الدنيا والآخرة، منها:
1 – البلوغ إلى أعلى المنازل وهو مصاحبة الرسول ï·؛ في الجنة، لحديث أنس رضي الله عنه: «أن رجلا من أهل البادية أتى النبي ï·؛ فقال: يا رسول الله
متى الساعة قائمة؟ قال: ويلك وما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها إلا أني أحب الله ورسوله قال: إنك مع من أحببت. فقلنا: ونحن كذلك؟ قال: نعم
ففرحنا يومئذ فرحًا شديدًا» (1).
2 – بلوغ أعلى درجات الإيمان لقوله ï·؛: «من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان» (2).
3 – التوفيق والتسديد في الحياة، والنجاة والفلاح في الآخرة، لما ورد في الحديث القدسي: «يقول الله تعالى: من عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة، وما
تقرّب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرّب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به،
ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره
الموت وأنا أكره مساءته» (3).
4 – إن محبة الله تعالى من أسباب استجابة الدعاء، كما ورد في الحديث السابق: «وإن سألني لأعطينه».
5 – إن محبة الله تعالى تحفظ صاحبها من الشرور الشيطانية والنفسية، كالخوف واليأس والقنوط والهم، والوسوسة وغيرها، كما جاء في الحديث القدسي
السابق: «ولئن استعاذني لأعيذنه». وهو تصديق لقوله تعالى: {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى غ– وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ}(4).
6 – بلوغ أعلى الصفات الخُلقية ونيل الطموحات العالية، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّـهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ غڑ ذَظ°لِكَ فَضْلُ اللَّـهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ غڑ وَاللَّـهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}(5).
7 – إن محبة الله تعالى تجلب محبة أهل السماء والأرض لحديث أبي هريرة عن النبي ï·؛ قال: «إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحببه،
فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض» (6).
8 – إن محبة الله تعالى تحقق لصاحبها بشارة في الدنيا، حيث توضع له إشارته في الدنيا قبل الآخرة لحديث أبي ذر رضي الله عنه قال: «قيل لرسول الله
ï·؛: أرأيت الرجلَ يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ قال: تلك عاجل بشرى المؤمن» (7).
كانت تلك بعض الآثار المترتبة على محبة الله تعالى في حياة المؤمن وبعد مماته، ولكن تمتد هذه الآثار وتتعدد لتشمل جميع أنواع الحفظ والتوفيق والنجاة
لصاحبها، الأمر الذي يدفع الإنسان للاجتهاد والسعي من أجل الوصول إلى هذه المحبة بمفهومها الصحيح، والعمل بمقتضياتها.
---------------------------------------

(1) أخرجه البخاري (ص618، رقم 3688) كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر. ومسلم (ص1149، رقم 2639) كتاب فضائل الصحابة، باب المرء مع من أحب.
(2) أخرجه أبو داود (ص661، رقم 4681) كتاب السنة، باب في الدليل على زيادة الإيمان. وهو حديث صحيح.
(3) أخرجه البخاري (ص1127، رقم 6502).

(4) سورة آل عمران، الآية 111.
(5) سورة المائدة، الآية 54.
(6) أخرجه البخاري (ص536، رقم 3209) كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة. ومسلم (ص1148، رقم 2637) كتاب البر والصلة، باب إذا أحب الله عبدًا أمر جبريل فأحبه وأحبه أهل السماء.
(7) أخرجه مسلم (ص1151، رقم 2642) كتاب البر والصلة، باب إذا أثني على الصالح فهي بشرى ولا تضره.



ابو معاذ المسلم 15-08-2020 06:01 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(66)


وأخيرًا المحبة وأثرها النفسي وقاية وعلاجًا:
فإن محبة الله تعالى من مقتضيات الإيمان به جلّ وعلا، حيث يزداد الإيمان وينقص بمدى قوة هذه المحبة وضعفها، ومن أجل ديمومة هذه المحبة وقوتها، لا بد
من الحصول على أسبابها، من المحافظة على الفروض والواجبات وأدائها في أوقاتها بأحسن أداء، وكذلك الإكثار من الدعاء والذكر وتلاوة القرآن
والاستغفار، إضافة إلى التأمل والتفكر في الكون وما فيه من آيات وآلاء، لأن ذلك من الأسباب التي تقرّب العبد إلى خالقه، وتقوي أواصر العلاقة به جل
شأنه، وبالتالي تنشأ محبة الله في نفس العبد بأجلى صورها وأقوى معانيها، الأمر الذي يجعل حياته كلها سعادة وحبورا، ونجاحًا وتوفيقًا، وطمأنينة وسكينة،
وهي من أسمى الغايات التي يسعى المؤمن لتحقيقها في في الدنيا.
فإذ كان ذلك كذلك تهون عند الإنسان مصائب الدنيا، بل يعلو عليها ويراها صغيرة، وكلما تذكرها زادته قوة وحيوية وسيطرة على العوارض النفسية،

أرأيت كيف يبذل المحب لمن أحب من والد وولد، وزوجة وقريب، كيف يبذل لهم الغالي والنفيس ويسترخصه، وذلك لحبهم لهم، فكيف إذا أحب العبد
ربه؟ لا شك أن الأمر أعظم وأجلّ، فلنحقق هذا في جميع شؤون حياتنا وأحوالها.



ابو معاذ المسلم 15-08-2020 06:01 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(67)


الخوف من الله تعالى
الخوف من الله وعقابه، ورجاء رحمته، عبادتان متقابلتان لا يجوز أن تنفك واحدة عن الأخرى، ولا تتم آثارهما الإيجابية إلا باجتماعهما كجناحي الطائر
حال طيرانه، فلا يستطيع الطيران إلا بهما، ومن هنا نتناولهما جميعًا، نبدأ بالخوف من الله.
ومنطلق هذا البحث هو حديثان رواهما الترمذي رحمه الله:
الأول: قَال حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ المُهَاجِر،ِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ مُوَرِّقٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله ï·؛:
«إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لله وَالله لَوْ تَعْلَمُونَ مَا
أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى الله لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ» (1).
الثاني: قَال حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي النَّضْرِ حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر،ِ حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو فَرْوَةَ يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنِي بُكَيْرُ بْنُ فَيْرُوزَ قَال
سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ الله ï·؛: «مَنْ خَافَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ الله غَالِيَةٌ أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ الله الجَنَّةُ» (2).
حقيقة الخوف:
الخوف المقصود به هنا هو الخشية من الله تعالى وعذابه وعقابه ووعيده، وليس الخوف بمعناه العام الذي يدخل فيه الخوف الجبلي، أو الخوف من الأشخاص والأشياء.
علاقة الخوف بالرجاء:
فقد سبق أوضحنا في افتتاحية هذا العنصر، أن عمل الإنسان يجب أن يأخذ مساري الخوف والرجاء معًا، في التعامل مع الله تعالى، لأن طغيان أحدهما
على الآخر يدخل صاحبه في دوامة القلق والاضطراب وعدم الاستقرار وبالتالي الضعف والخمول في سائر أعماله، وإن الاستسلام للخوف وحده والغفلة
عن الرجاء من الله تعالى أمر في غاية الخطورة على سلامة الإنسان عقديًا، لأن الله تعالى أمر عباده بالرجاء والخوف معًا، ووصف أولئك الذين يسلكون
هذين المسلكين بقوله تعالى: {تَتَجَافَىظ° جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}(3).
ويمثّل الخوف الجناح الآخر للطائر كما وصف ابن القيم رحمه الله الإنسان َ به بقوله: «الإنسان مثل الطائر، الرأس هو المحبة، والجناحان أحدهما الرجاء
والآخر الخوف» (4).
--------------------------------
(1) أخرجه الترمذي (ص530، رقم 2312) كتاب الزهد، باب قول النبي ï·؛: لو تعلمون ما أعلم. وأحمد (5/173، رقم 21555).


(2) أخرجه الترمذي (ص558، رقم 2450) كتاب صفة القيامة، باب في ثواب الإطعام والسقي.
(3) سورة السجدة، الآية 16.
(4) مدارج السالكين (2/ 36).

ابو معاذ المسلم 15-08-2020 06:02 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(68)

الأدلة على الخوف من الله


أقسام الخوف:

يمكن تقسيم الخوف إلى عدة أقسام، منها:
الأول: الخوف من الله تعالى:
والخوف من عقابه وعذابه عند التقصير في العبادات والفرائض وهو مطلب ضروري للإنسان في الحياة، وهو من صفات المؤمنين الصادقين، لقوله تعالى:
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّـهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىظ° رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}(1). لأن الشعور بالخوف من الخالق جل وعلا
يوصل الإنسان إلى تحقيق العبودية الصحيحة له جلّ وعلا، وبالتالي يؤثر على سلوكه وأخلاقه وقيمه فيقوّمها نحو البرّ والخير.
بل إن الخوف من الله تعالى واللجوء إليه فطرة في النفس الإنسانية، يتحرك بين الظهور والاختفاء، حسب حال الإنسان وإيمانه وعقيدته، ولكنه يظهر
بوضوح عند الشدائد والمحن والأزمات، لا سيما إذا تعرضت حياة الإنسان للخطر المحدق أو لمصيبة كبيرة، يقول تبارك وتعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا
اللَّـهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}(2).
الأدلة على خوف الله:
وردت آيات كثيرة في كتاب الله تأمر الناس بالخوف من خالقهم وترك ما دون ذلك من أنواع الخوف كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا ذَظ°لِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ
أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}(3) وقوله جلّ وعلا {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}(4) وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ}(5) وغيرها من
الآيات القرآنية.
--------------------------
(1) الأنفال [2].

(2) العنكبوت [65].
(3) آل عمران [175].
(4) البقرة [40].
(5) المؤمنون [57].

ابو معاذ المسلم 15-08-2020 06:02 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(69)


عوامل تقوية الخوف من الله:
ولعل من أهم العوامل والأسباب التي تولد الخوف من الله تعالى بالصورة التي يريدها الله تعالى هو:
1- معرفة هذا الخالق في صفاته وأسمائه واستشعار عظمته جل وعلا، وذلك من خلال التفكر في كونه وخلائقه وصنعة إبداعه في ذلك والنظام الذي
يسير كل عالَم من هذه العوالم عليه من غير خلل أو اضطراب، وهذا الاستشعار يولد في النفس رهبة هذا الخالق وعظمته، وكلما أدرك الإنسان هذه العظمة
كلما ازداد إيمانًا ويقينًا بالله تعالى وازداد قربًا وعبادة وطاعة له جل ثناؤه، ومن أجل ذلك كان العلماء أشدّ خشية لله، لأنهم عرفوا الحقائق الكونية
والإبداعية لخالقهم أكثر من غيرهم، يقول تبارك وتعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّـهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}(1).
2 – تدبر آيات الوعيد التي توعد الله العصاة والمعتدين، لما في هذه الآيات من تقريع وتخويف للنفس، حيث تقربّها من الطاعة وتبعّدها من المعصية، كقوله
تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىظ°}(2) .
3 – العلم بالله تعالى وبرسوله ï·؛، وبدينه وكتابه وشريعته، التي يعرف العبد من خلالها العبد الحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والطيب والخبيث، وجميعها
من الأسباب التي تزيد من خوف العبد من الله تعالى.
4– تأمل أحوال الكفار والعصاة الذين ذكرهم الله في كتابه من الأمم السابقة، كما في قوله تعالى في عاد وثمود: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ
وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً غ– أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّـهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً غ– وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ. فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ
عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا غ– وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىظ° غ– وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ. وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىظ° عَلَى الْهُدَىظ° فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا
كَانُوا يَكْسِبُونَ}(3) .
5– تدبّر النار وشدة عذابها، كما جاء في قوله تعالى: {إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا}(4)، وفي قوله تعالى: {وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ
جَهَنَّمَ غ– وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ. تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ غ– كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ. قَالُوا بَلَىظ° قَدْ
جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّـهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ}(5).
----------------------------------------------
(1) سورة فاطر، الآية 28.

(2) سورة طه، الآية 124.
(3) سورة فصلت، الآيات 15-17.
(4) سورة الفرقان، الآية 12.
(5) سورة الملك، الآيات 6-9.


الساعة الآن : 01:45 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2023, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 107.14 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 106.64 كيلو بايت... تم توفير 0.50 كيلو بايت...بمعدل (0.47%)]