ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=81)
-   -   فضل يوم الجمعة (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=265220)

ابو معاذ المسلم 14-09-2021 06:30 PM

فضل يوم الجمعة
 
فضل يوم الجمعة (خطبة)


د. عطية بن عبدالله الباحوث


المقدمة:

الحمد لله، أعظَمَ للمتقين العاملين أجورَهم، وشرح بالهدى والخيراتِ صدورَهم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وفَّق عبادَه للطاعات وأعان، وجعل لهم الجمعة والجماعات، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسوله، خير من علَّمَ أحكامَ الدِّين وأبان، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابِه أهلِ الهدى والإيمان، وعلى التابعين لهم بإيمان وإحسان ما تعاقب الزمان، وسلَّم تسليمًا مزيدًا، أما بعد:



الخطبة الأولى

اختيار الله الجمعة لهذه الأمة.

جعل الله لبعض الزمان قبولًا في الطاعات أكثر من غيرها اصطفاء واختيارًا ومحبة من الله، فالمؤمن متحين لمثل هذه المقامات؛ ليقدم بين يدي ربه شكواه ومبتغاه وما يرجو من المسرات، وما يخاف من عواقب الحالات، وهذا مع حُسن الظن بالله أدعى للقبول، وأمكن في المقصود وأحسن في الطلب، وإن يوم الجمعة واسطة العقد، وقد بلغ من شأنه أن حرَم الله فيه بعض المباحات التي تشغل عن صلاته، فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ﴾ [الجمعة: 9].



ليس هذا فقط، بل قد ذكر ابن القيم في زاد المعاد في فضل الجمعة ثلاثة وثلاثون ميزة وخاصة.



ولو سردنا ما اتَّسع المقام، فيكفي أمة محمد صلى الله عليه وسلم شرفًا أن يوم الجمعة هو اختيار الله لنا، فعن حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أضَلَّ اللَّهُ عَنِ الجُمُعَةِ مَن كانَ قَبْلَنا، فَكانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ، وكانَ لِلنَّصارَى يَوْمُ الأحَدِ، فَجاءَ اللَّهُ بنا فَهَدانا اللَّهُ لِيَومِ الجُمُعَةِ، فَجَعَلَ الجُمُعَةَ، والسَّبْتَ، والأحَدَ، وكَذلكَ هُمْ تَبَعٌ لنا يَومَ القِيامَةِ، نَحْنُ الآخِرُونَ مِن أهْلِ الدُّنْيا، والأوَّلُونَ يَومَ القِيامَةِ، المَقْضِيُّ لهمْ قَبْلَ الخَلائِقِ)[1].



أبعد هذا الشرف شرف، هداية ربانية جعل البشر يختارون واختار لنا هذا اليوم، فيلزم كل مؤمن أداء شكر هذا الفضل بإقامة هذا اليوم على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه.



البداية الصباحية ليوم الجمعة:

وإذا أراد الإنسان أن يكون له فضلٌ في هذا اليوم، فعليه أن يبدأ بصباحه وصلاة الفجر، فهي أفضل الصلوات، ففي الحديث عن عبدالله بن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضلُ الصلواتِ عندَ اللهِ صلاةُ الصبحِ يومَ الجمعةِ في جماعةٍ)[2].



فصلاة الفجر في جماعة كاشفة لأهل الإيمان، فإذا كان يوم الجمعة ازدادوا بها فضلًا، وكان التوفيق والفلاح مركبهم وممشاهم.



فإذا انتهى الفجر فما أشرقت شمس ذلك اليوم بخير منه، فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خَيرُ يَومٍ طلَعتْ فيه الشَّمسُ يَومُ الجُمُعةِ، فيه خُلِقَ آدمُ، وفيه أُدخِلَ الجنَّةَ، وفيه أُخرِجَ منها، وفيه تَقومُ السَّاعةُ)[3].



شرف الجمعة إذ فيه بداية الخلق وبداية الدنيا ونهاية العالم، وبداية الحشر والنشور، فهو نقطة الانطلاق، ونهاية المسابقة في الحياة الدنيا.




الجمعة يوم عيد:

الجمعة ضيافة الرحمن، فهو عيد الأسبوع، نجدِّد معه أنفسنا باطنًا بالإيمان وظاهرًا بالعمل الصالح المستقى من سنة المصطفى، فعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنَّ هذا يومُ عيدٍ، جعله اللهُ للمسلمين، فمن جاء الجمعةَ فلْيغتسِلْ، وإن كان طِيبٌ فلْيَمَسَّ منه، وعليكم بالسِّواك)[4]، فمنهج المؤمن يستعد للطاعات ويعظِّمها بأنواع من القرب؛ لتكون الطاعة محققة للمقصود العام والخاص، ومن هنا قال جمهور العلماء: قصد إفراد الجمعة بصوم تطوُّع مكروه، ويستحب له التنظف والتطيب، ولُبس أجمل الثياب لتظهر شعيرة العيد.



التبكير للجمعة:

كل عمل برٍّ تخاطب الشريعة أهل الإسلام حثًّا بالمسارعة إلى فعله، فالمسارعة والمسابقة من المؤمن إلى الخير ظاهرًا لا شك أن له مدلولًا داخليًّا، وهو حب العمل وشدة محبة الطاعة لنيل رضا المحبوب سبحانه وتعالى، وهذا التبكير له ثمنه ووزنه عند الله، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ)[5].



فساعات الرواح تبدأ من بعد صلاة الفجر، وتنتهي عند صعود الإمام للمنبر، فلا يَفُتْك طرفٌ من الفضل ولو كان يسيرًا، فلعل يكون له عند الله مقام بصدقك وإيمانك.



وهنا وقفة مع حديث شريف عظيم نقدمه بجملة أن هذه الأمة مرحومة مختارة ومصطفاة، فجعل ربها عز وجل فضلًا منه لعملها القليل الثواب الجزيل، فعن أوس بن أبي أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ غَسَّل يومَ الجمُعةِ واغتَسَل، ثم بكَّر وابتَكَر، ومَشى ولم يركَبْ، ودنا من الإمامِ، فاستَمَع ولم يَلغُ، كان له بكلِّ خُطوَةٍ عملُ سنةٍ أجرُ صيامِها وقيامِها)[6].



اللهم إنا نسألك من فضلك العظيم، واغفر لنا الذنب والتقصير، إنك أنت الغفور الرحيم.



الخطبة الثانية

الحمد لله على فضله وإحسانه، وأشكره على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا؛ أما بعد:



فكما أن للجمعة مكانتها في الدنيا، فإن لها فضلها في الآخرة؛ حيث رؤية الباري عز وجل، فعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ في الجَنَّةِ لَسُوقًا، يَأْتُونَها كُلَّ جُمُعَةٍ، فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمالِ، فَتَحْثُو في وُجُوهِهِمْ وثِيابِهِمْ، فَيَزْدادُونَ حُسْنًا وجَمالًا، فَيَرْجِعُونَ إلى أهْلِيهِمْ وقَدِ ازْدادُوا حُسْنًا وجَمالًا، فيَقولُ لهمْ أهْلُوهُمْ: واللَّهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنا حُسْنًا وجَمالًا، فيَقولونَ: وأَنْتُمْ، واللَّهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنا حُسْنًا وجَمالًا)[7].



وعن ابن عباس مرفوعًا: (أنَّ أهْلَ الجُمُعةِ يَروْنَ ربَّهم تَعالَى في كلِّ يوْمِ جمُعَةٍ في رِمالِ الكافورِ، وأقربُهُم منه مجلسًا أسرعُهُم إليهِ يومَ الجُمُعةِ، وأبْكرُهم غُدُوًّا)[8]، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، في قوله عز وجل: ﴿ وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾ [ق: 35]، قال: يتجلَّى لهم في كلِّ جمعة.



فمن أسرع في الدنيا كان له حظوة ومكانة في الآخرة، فالدنيا دار عمل والآخرة دار الجزاء والثواب عدلًا، فمن تعلَّق قلبه بالجمعة وأدَّاها كما أمَر، لم يُحرَم فضلَها في الآخرة، وأعظم نعيم يجده المؤمن في الجنة، رؤية الباري عز وجل.



ونختم يوم الجمعة بساعة الإجابة، فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنَّ في الجُمُعَةِ لَساعَةً، لا يُوافِقُها مُسْلِمٌ، قائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا، إلَّا أعْطاهُ إيَّاهُ)[9]، وفي رواية: (فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ)[10]، اجعَل شغلك يوم الجمعة عبادة، فإن لم تستطع فاجتهِد في طرفيه بصلاة الفجر في جماعة وآخر ساعة تتفرغ فيه للدعاء، منتظرًا لصلاة المغرب، فلعلَّها أن تكون الساعة التي يَكتُب الله لك فيها سعادتي الدنيا والآخرة.



الدعاء:

ربنا لا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهبْ لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب، وأصلِح اللهم أحوالنا في الأمور كلها، وبلِّغنا بما يُرضيك آمالنا، واختِم بالصالحات أعمالنا وبالسعادة آجالنا، وتوفَّنا يا رب وأنت راضٍ عنا.



اللهم اجعَل جمعنا هذا جمعًا مباركًا مرحومًا، وتفرُّقنا من كل شر معصومًا، ربنا لا تدَع لنا ذنبًا إلا غفرته، ولا همًّا إلا فرَّجته، ولا مريضًا إلا شفيته، ولا ميتًا إلا رحمته، ولا طالبًا أمرًا من أمور الخير إلا سهلته له ويسَّرته.



اللهم آمنَّا في أوطاننا، ووفِّق وليَّ أمرنا لما تُحبُّه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلِح له بِطانتَه يا ذا الجلال والإكرام، ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 201].



سبحان ربِّنا رب العزَّة عما يصِفون، وسلامٌ على المرسلين، وآخرُ دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.







[1] مسلم (856).




[2] أخرجه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (7/ 207)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (3045)، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع.




[3] أخرجه مسلم (854)، والترمذي (488)، والنسائي (1373) باختلاف يسير، وأبو داود (1046) مطولًا، وأحمد (10970)، واللفظ له.




[4] سنن ابن ماجه (908)، وحسَّنه الألباني.




[5] صحيح البخاري برقم (881)، وصحيح مسلم برقم (850).




[6] أخرجه أبو داود ( 345) الترمذي (496)، والنسائي (1381)، وابن ماجه (1087)، وأحمد (16174) واللفظ له، وحسَّنه البغوي في شرح السنة، وصحَّحه الألباني والأرنؤوط في سنن أبي داود.




[7] مسلم (2833).




[8] صححه ابن تيمية في مجموع الفتاوى.




[9] صحيح البخاري برقم (5294)، وصحيح مسلم برقم (852).




[10] أخرجه أبو داود (1048)، والنسائي (1389)، وصحَّحه العراقي في طرح التثريب والألباني في صحيح النسائي.



الساعة الآن : 01:19 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 14.92 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 14.83 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (0.63%)]