ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى الشعر والخواطر (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=30)
-   -   قراءة في قصائد "سبعون" لعدد من الشعراء (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=279797)

ابو معاذ المسلم 04-08-2022 03:58 PM

قراءة في قصائد "سبعون" لعدد من الشعراء
 
قراءة في قصائد "سبعون" لعدد من الشعراء


د. محمد منير الجنباز



كثر في العصر الحديث إذا ما بلغ الشاعر سن السبعين أن ينفح قراء الشعر قصيدة بهذه المناسبة، يجعل فيها جماع تجربته منذ أن قرض الشعر إلى هذه المرحلة العمرية التي يرى فيها أنه نضج مكتملاً شعراً وتجربة حياة، أو يبث فيها معاناته وأشجانه، وأنه آن له أن يترجل ويستريح من عناء السنين وما حمل خلالها من هموم الأدب ومساراته، أو ما تعانيه الأمة من مشكلات وما تلاقيه من سهام الأعداء وتحدياتهم التي لا تسكن مع الإشادة بماضيها وما كانت عليه من المجد والسؤدد وأمنيات العودة لهذا الماضي المشرق، ومن عدم فهم المجتمع أو بعض الأصدقاء لرسالته التي يتبناها.

ذلك كان منهج أكثر من كتب قصيدة السبعين، ولن أكثر من النماذج فأمامي قصيدة الشيخ عبد العزيز الرفاعي، وقصيدة الدكتور غازي القصيبي -رحمهما الله- فالشيخ الرفاعي بتواضعه الجم لا يعد نفسه أنه قد أعطى للأدب شيئاً يُذكر، وخميسيته الذائعة الصيت تشهد بأنه قد أثرى بها ساحة الأدب والشعر المعاصر لأكثر من ثلث قرن وقصدها القاصي والداني فكانت شامة في جبين الرياض لا تدانيها أية ندوة أدبية أخرى معاصرة -إلا ما قيل عن ندوة الشيخ عبد المقصود خوجة- وفيها الحنين للأصحاب وقد فرقهم الزمن بين بعيد أو مغيب بالموت، يقول الشيخ الرفاعي في قصيدته «سبعون»:
سبْعونَ يا صَحْبي، وجَلَّ مُصابُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ولدى الشَّدائدِ تُعْرفُ الأصحابُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

سبعونَ يا للهوْلِ أيَّةُ حقبةٍ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
طالَتْ، ورَانَ على الرَّحيقِ الصَّابُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

سبعونَ ظَنَّ أَحبَّتي أني بها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
أُعْلي القِبابَ، وما هُناكَ قِبَابُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

أنا مَنْ بَنَيْتُ عَلى الخَيالِ قَوَاعِدِي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
فتَصَدَّعَتْ وانْهارتِ الأطْنابُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

إنِّي لدى التعريفِ رُبْعُ مثَقَّفٍ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
صَحِبَ الكتابَ فلَمْ يَخُنْهُ كِتابُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


وأما الدكتور غازي القصيبي فأنكر نفسه لما بلغ السبعين، لأنه شعر بالضعف بعد القوة، وبالهرم بعد الشباب، وبدنو الأجل.. ربما هذا الإحساس لمعاناته من المرض، فقال:
ماذا تريدُ من السبعينَ.. يا رجلُ؟! https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
لا أنتَ أنتَ.. ولا أيامك الأُولُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

جاءتك حاسرةَ الأنيابِ.. كالحَةً https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
كأنّما هي وجهٌ سَلَّه الأجلُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

أوّاه! سيدتي السبعونَ! معذرةً https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
إذا التقينا ولم يعصفْ بيَ الجَذَلُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

قد كنتُ أحسبُ أنَّ الدربَ منقطعٌ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وأنَّني قبلَ لقيانا سأرتحلُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


وهكذا كان اليأس قد أخذ منه كل مأخذ متندماً على الشباب وعلى فقد الأصحاب لكنه كان ممتلئ النفس بالإيمان راضياً بقضاء الله ممتثلاً لمشيئته:
تباركَ اللهُ! قد شاءتْ إرادتُه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ليَ البقاءَ.. فهذا العبدُ ممتثلُ! https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

واللهُ يعلمُ ما يلقى.. وفي يدِه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
أودعتُ نفسي.. وفيه وحدَه الأملُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif




ابو معاذ المسلم 04-08-2022 04:00 PM

رد: قراءة في قصائد "سبعون" لعدد من الشعراء
 
فهذا السبيل لكلا الشاعرين من استعجال الموت نهى عنه أهل العلم لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي».

ويختلف عن الشاعرين الرفاعي والقصيبي الدكتور وجيه البارودي شاعر حماة الذي كان له نهج آخر، فقد شعر أنه لما بلغ السبعين وهو صحيح معافى أنه بهذا قهر الزمن وتحداه بما امتلك من صحة ونشاط، فجاء في قصيدته التي ألقاها بهذه المناسبة:
تقادم العهد لا يسري علي كما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
يسري على الناس إني قاهر زمني https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


فكان علماني المعتقد بعيداً عن فهم المنهج الإسلامي بأن الله تعالى قد حدد الأعمار؛ بل إنه تعالى قد حدد لكل جنس من مخلوقاته سنين من العمر لا يتعدونها إلا نادراً، وأن الإنسان إذا تجاوز الحوادث والأمراض القاتلة فإن الهرم أو الشيخوخة هي التي ستقضي عليه مع فارق مدتها بين شخص وآخر.

بيد أن الدكتور وجيه البارودي الذي اشتهر بأنه طبيب الفقراء، حيث يداويهم دون مقابل مادي حتى في بيوتهم عندما تستدعي الحاجة حضوره، ولعل دعوة مخلصة من أحدهم أصابته فنزع عباءة العلمانية وتوجه في شتاء عمره للحج فأدى هذه الفريضة قبل أن يلقى ربه عن عمر ناهز التسعين عاماً.

أما قصيدة «سبعون» للدكتور عبد العزيز خوجة فتختلف في مسارها عن النماذج التي قدمناها، فهي بوح نفسي وتفريغ لهموم أثقلت صاحبها ولجوء إلى من بيده العفو والصفح عما سلف من أخطاء -وابن آدم خطّاء وخير الخطائين التوابون- ولا غرو في هذا البوح وقد نهج هذا المنهج عدد من الشعراء خصوصاً المتصوفة منهم كالبوصيري وابن الفارض والسهروردي وابن الخيمي.. وقد تكون القصيدة النموذج المصغر لرباعيات الخيام التي انتهت بالتوبة الصادقة ورجاء العفو من الخالق الحكيم.

يمكن لنا أن نجد في قصيدة الدكتور خوجة المحاور التالية:
النفس الراضية بما قدر الله وكتبه مع طلب العفو والصفح عما سلف.
إنّي لقيتُك يا سبعونَ مبتسماً https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
راضٍ بما قد مضى راضٍ بما قُسَما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

لم أَشْك من نَصَب قد مرّ بي حِقبا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وما بكيتُ على عُمرٍ قد انصرما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

لم يبقَ لي غيرُ عفو الله أطْلبه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ورحمةً منه أرجوها ومعتصَما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وكلّ ما حلّ بي كربٌ على أُفُقي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
أدعوه يُذهب عنّي الكربَ والسَّقما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


مسيرة الحياة للإنسان لا تخلو من صواب وزلل، مع يقظة القلب في السبعين وطلب الصفح، وانكسار صبوته وخمود نار غرامه..
أوَاه كم حَمَلتْ سبعون من زللٍ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
كم يرحمُ اللهُ مِنْ ذَنبٍ وإنْ عظما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

ربّاه إني على الأبواب ملتجئٌ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
مالي سواك تقبَّل عبدَك الهرِما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

لم يبقَ في القلب لا ليلى ولا رغدٌ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
أمّا روانٌ فما راعتْ لنا ذِمَما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


اتهام النفس الأمارة بميلها بصاحبها إلى الهوى, والهروب من هذا الماضي المزري بصاحبه ونسيانه.
إنّي سهَرتُ الليالي في الهوى أَثِماً https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
أصدّقُ الزيفَ وعداً كان أو قَسَما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

أكلّما قلتُ أَنسى صِرتُ أذكرهُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وصاح شوقٌ قديمٌ فزّ واضطرما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

كأنه في خلايا القلب مسكنُه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
أهواهُ إنْ عدلا، أهواهُ إن ظَلَما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وكلّما طاب جرْحٌ نزّ إخوتُه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وثار جَرح جديدٌ غار ما الْتَأما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif




ابو معاذ المسلم 04-08-2022 04:00 PM

رد: قراءة في قصائد "سبعون" لعدد من الشعراء
 
الاغترار بالعلم ولوم النفس على هذا المسلك، فالسير وراء السراب جهل.
قد كنتُ، كم كنتُ مغروراً بمعرفتي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
حتى حَسِبت بأنّي أبلغُ القِمما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

ما كنتُ أعلم أن الدربَ خادعةٌ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
حتى إذا أومأتْ سِرنا لها قُدُما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

إن الذي خلتُه في القفر ملتجأً https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
كان السرابَ وكان الجَدبَ والعَدما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


مزالق الهوى وسجل الحياة المخيف الذي كدرته الشوائب مدون في سجل الله.
يا حاديَ الوهم كم زلّت بنا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وكنت أحسب أني أَبلغُ السُّدُما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

سبعون مرّتْ بما فيها كثانيةٍ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
أوراقُها سقطتْ والغصنُ ما سَلِما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

لكنّها في سجلِّ الله قد كُتبتْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
أَحصى دقائقَها ما جدّ أو قَدُما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


لكن شاعرنا نسي أن الحسنات يذهبن السيئات (يمح الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب)، فالتوبة النصوح تجب ما سبق من وزر خلا أوزار أكل المال وسفك الدم.

الخوف والرجاء بالندم عما سلف باللجوء إلى الله طالباً العفو والصفح منه.
إنّي أتيتك يا ربّاه من ظُلَمٍ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
أرجو بنورك أن تُجلي ليَ الظُلما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

إنّي اعترفت فهبْ لي منك مغفرةً https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
أنت الحليمُ على من ضلَّ أو أَثِما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

أرجو مِنْ الله يمحو كلّ معصية https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ويقبلُ الله عبداً تاب أو نَدِما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

ثم الصلاة على الهادي وعُتْرته https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
والآلِ والصّحب من أهْدوا لنا القِيمَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif



الالتجاء إلى الله بنفس منكسرة تبدي التوبة والندم في ذل وخضوع لله تقرب التائب من ربه وتغسل أدران المعصية، فما أروع النفس التي تؤوب إلى الخالق وتنضوي تحت جناح الرحمة راجية مستغفرة، والله هو الغفور الرحيم لا يرد عبداً قصده، ومن يغفر الذنوب إلا الله؟

أرى أن هذه القصيدة تحمل رسالة لكل مسلم في مراجعة النفس والتوجه إلى الله بالتوبة والعمل الصالح، فالأمور بخواتيمها، وقد جاءت من رجل كبير في منصبه ندي في شعره وما منعه هذا من ذرف دموع التوبة والانكسار أمام خالقه وبارئه ليعلن أنه الفارّ إلى الله الهاجر للذنوب الراجي عفو ربه.. ويبقى أن القصيدة أدبية رائعة، انسيابية سلسة بأسلوب سهل ومن شاعر متمكن.



الساعة الآن : 01:30 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 25.54 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 25.36 كيلو بايت... تم توفير 0.18 كيلو بايت...بمعدل (0.70%)]