ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى الحج والعمرة (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=75)
-   -   من أحكام الحج (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=278756)

ابو معاذ المسلم 05-07-2022 08:00 PM

من أحكام الحج
 
من أحكام الحج
محمد بن حسن أبو عقيل
(الخطبة الأولى)
الحمد لله الذي شرَع الحجَّ إلى بيته الحرام، وجعله أحدَ أركانِ الإسلامِ العظام، وجعل أفئدةَ المؤمنين تَهوي إليه في كل عام، أشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملكُ العلام، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه أفضلُ من صلى وزكَّى وحجَّ وصام، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبِعهم بإحسان، أما بعد:

فيا عباد الله، أُوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى، ولنعلمْ أنَّ اللهَ تعالى بحكمته وعلْمِه أرادَ أن يكونَ هذا البلدُ الأمينُ مأوىَ أفئدةِ الناسِ تأوي إليه من كلِّ فجٍ عميق، فأمرَ اللهُ خليلَه عليه السلام بقوله تعالى: ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾ [الحج: 27].

وفرضَ اللهُ الحجَّ على رسولِه صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة من الهجرة، فهو أحدُ أركانِ الإسلامِ الخمسة ومبانيه العظام وهو فرضُ عينٍ على المُكلفِ المُستطيعِ مرةً واحدةً في العُمُر. قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 97].

وقد بيَّنَ لنا رسولُنا صلى الله عليه وسلم أنَّ الحجَّ مرةٌ واحدةٌ في العُمر، ومن زاد على ذلك فهو من باب النافلةِ والتطوعِ الذي يُثابُ عليه فاعلُه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا»، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ"، ثُمَّ قَالَ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ»[1].

والحجُّ أحدُ أركان الإسلامِ الخمسةِ فعَنِ ابْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ"[2].

لذا ينبغي للمسلم الذي لم يَحُج ولديه الاستطاعةُ أن يبادرَ لتأديةِ فريضةِ الحج؛ لأنَّ العبدَ لا يدري ماذا يحدُث له، وقد حذرنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم من تأخير الحج مع الاستطاعة والقدرة أشدَّ التحذير، روى الإمام أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: - " تَعَجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ - يَعْنِي: الْفَرِيضَةَ - فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ"[3].

عباد الله، على الحاج أن يجتهد في الإتيان بمناسكِ الحجِّ على الوجه المطلوب، فيحرصَ على الإتيان بأركان الحجِّ وواجباتِه، وعليه أن يجتهدَ كذلك في فعل السُّننِ، وأن يسألَ أهلَ العلم عن ذلك حتى يأتيَ بالحجِّ على الوجه المطلوب.

عباد الله: وأركانُ الحج أربعة:
1- الإحرامُ الذي هو نِيَّةُ الدُّخولِ في النُّسك لِحَديثِ: (إنما الأعمالُ بالنيات)[4].
2-والوقوفُ بعرفة، لِحديث: (الحجُّ عَرَفة)[5].
3- وطوافُ الزيارة، [ويقالُ له: طوافُ الإفاضة]، لقوله تعالى: (ولْيَطَّوَفُوا بالبيت العتيق) الحج آية 29.
4- والسعيُ؛ لِحديثِ: (اسْعَوا، فإنَّ اللهَ كتبَ عليكم السَّعْي)[6].

وواجبات الحج سبعة:
1- الإحرامُ من الميقات المعتبر له؛ أي: أن يكون الإحرام من أحد المواقيت المحددة، (ذو الحُليفة، الجُحفة، قرنُ المنازل، السَّعدية، ذاتُ عِرْق).
2- والوقوفُ بعرَفة إلى الغروب على من وقف نهارًا.
3- والمبيتُ لغير أهلِ السِّقاية والرِّعايةِ بِمِنى ليالي أيام التشريق.
4- والمبيتُ بمزدلِفة إلى بعد نصفِ الليل لمن أدركها قبْله، على غير السُّقاة والرُّعاة.
5- ورميُ الجمرات مُرتبًا.
6- والحلقُ أو التقصير.
7- وطوافُ الوداع.
8- [وإذا كان الحاج متمتعًا أو قارنًا، فعليه هدي واجبٌ (ذبْحُ شاة)، لقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [البقرة: 196]. والباقي من أفعال الحجِ وأقوالِه سُننٌ، كطوافِ القُدوم، والمبيتِ بمِنى ليلةَ عرَفة، والاضطباعِ والرَّمَلِ في موضِعهما، وتقبيلِ الحجَر الأسود، والأذكارِ والأدعيةِ، وصعودِ الصَّفا والمروة.


عباد الله، وأركانُ العُمْرة ثلاثة: إحرامٌ، وطوافٌ، وسعيٌ. وواجباتُها: الحلقُ أو التقصيرُ، والإحرامُ من ميقاتها[7]، والفرقُ بين الركنِ والواجبِ والسُّنَّة: أن الرُّكنَ لا يصحُّ الحجُّ إلا به، والواجبَ يَصِحُّ الحجُّ مع ترْكِه، غيرَ أنه يجبُ على من ترَكَه دَمٌ (ذبْحُ شاة) عند جمهور العلماء، وأما سُننُ الحج فيثابُ فاعلُها ولا يؤثِّرُ ترْكُها على صِحَّةِ الحج[8].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 97].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بالآيات والذكر الحكيم، إنه تعالى جواد كريم ملك بر رؤوف رحيم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:
الحمدُ لله الذي جعلَ الحجَّ إلى بيته الحرام ركنًا من أركان الإسلام، وفريضةً من فرائض الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، أما بعد:
فعباد الله، أُوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى وطاعته، ولنعلم أنَّ فضائلَ الحجِّ كثيرةٌ ومتنوعةٌ منها: أنه من أفضل الأعمال والقُرُبات عندَ الله: (سُئِلَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أيُّ الأعْمَالِ أفْضَلُ؟ قالَ: إيمَانٌ باللَّهِ ورَسولِهِ قيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قالَ: جِهَادٌ في سَبيلِ اللَّهِ قيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قالَ: حَجٌّ مَبْرُورٌ)[9].

وأنه سببٌ لغُفران الذنوب: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»[10].

ومن فضائل الحج أن الحجَّ المبرورَ ليس له جزاءٌ إلا الجنة: روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (العُمرةُ إلى العُمرة كفارةُ ما بينَهما، والحجُّ المبرورُ ليس له جزاءٌ إلا الجنة)[11].

قال أهل العلم: (الحجُّ المبرورُ) هو الذي لا يخالطُه شيءٌ من المآثم؛ وقيل: (المبرورُ) المقبولُ، قالوا: ومن علامات قبول الحج أن يرجعَ العبدُ خيرًا مما كان، ولا يُعاودُ المعاصي.

ومن فضائل الحج أن الحاجَّ وافِدٌ على الله، ومَن وَفدَ على الله أكْرَمَهُ الله: فعن ابن عمرَ رضي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((الغازِي في سبيل الله، والحاجُّ، والمُعتمِرُ وَفدُ الله؛ دعاهم فأجابوه، وسألُوه فأعطاهم))[12].

عباد الله، وهناك آدابٌ على الحاجِّ أن يتحلى بها، ومنها:
1- الإخلاصُ لله تعالى.
2- وأن يتخيَّرَ لحَجِّهِ المالَ الحلال.
3 - وأن يختار الحاجُّ في سفره وحَجِّه الصحبةَ الصالحةَ التي تُعينُه على طاعة الله عز وجل.
4- وأن يتحلى الحاجُّ بالصبر.
5- وأن يبتعدَ عن إيذاء المسلمين بأي لونٍ من ألوانِ الأذى.
6- وأن يُكثِرَ الحاجُّ من ذكر الله عزَّ وجل في حَجِّهِ ويجتهدَ في الدعاء ويسألَ اللهَ عز وجل أن يتقبلَ منه حَجَّهُ وعُمْرتَه وجميعَ أعمالِه الصالحة.

فاتقوا الله عباد الله، وصلُّوا وسلموا على مَن أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56]، وقال عليه الصلاة والسلام: (من صلَّى عليَّ صلاة صلَّى الله عليه بها عشرًا).

اللهم صلِّ وسلِّمْ على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن التابعينَ لهم وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وفضْلك وإحسانك يا أرحمَ الراحمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائرَ بلاد المسلمين.

اللهم انصُرْ دينك وكتابك وسنةَ نبيك صلى الله عليه وسلم وعبادَك المؤمنين.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمتنا وولاة أمورنا.

اللهم وفِّق ولي أمرنا لما تُحب وترضى، اللهم وفِّق جميع ولاة المسلمين للحكم بشريعتك واتباعِ سُنةِ رسولِكَ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - اللهم وفِّق جنودنا ورجالَ أمْننا، اللهم سدد رميَهم وقَوِّ عزائمَهم، وانصرهم يا رب العالمين، اللهم أصلِح أحوالَ المُسلمين.

﴿ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ﴾، اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، ربَّنا ظلمنا أنفسَنا وإن لم تغفرْ لنا وترْحمنا لنكوننَّ من الخاسرين.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتُم، ولا تنقضوا الأيمانَ بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلًا، إن الله يعلم ما تفعلون، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدْكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

[1] صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 1337.

[2] أخرجه البخاري (8) واللفظ له، ومسلم (16).


[3] أخرجه أحمد (2869).

[4] أخرجه البخاري (54)

[5] أخرجه أبو داود (1949).

[6] رواه أحمد وصححه الألباني في صحيح الجامع الصفحة أو الرقم: 1798.

[7] الروض المربع" (1/ 285).

[8] ينظر: "الشرح الممتع" (7/380-410).

[9] أخرجه البخاري (1519) واللفظ له، ومسلم (83)

[10] أخرجه البخاري (1820) واللفظ له، ومسلم (1350).

[11] أخرجه البخاري (1773)، ومسلم (1349).


[12] أخرجه ابن ماجه (2893).








الساعة الآن : 04:17 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 16.65 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 16.56 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (0.56%)]