ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى حراس الفضيلة (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=103)
-   -   حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله) (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=194143)

ابو معاذ المسلم 23-03-2021 01:58 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(120)



آثار الإيمان بالقضاء والقدر (2-2)




5- كما أن الإيمان بالقضاء والقدر يولد في نفس صاحبه الطمأنينة والرضا، ويبعد عنها القلق والاكتئاب وسائر الأمراض النفسية، لأن ما يصيب المؤمن لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وبهذا القناعة يتولد عند المؤمن طمأنينة وراحة، لأنه عالم بأن الله الذي ابتلاه أو أنعم عليه، هو أرحم به من نفسه ومن والديه ومن في الأرض جميعًا، فما قدّره هذا الخالق هو خير وإن كان ظاهره التعب والنصب والألم، وهو ما عبّر عنه رسول الله ﷺ بقوله: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له«(1).

فالراحة والهدوء النفسي دأب المؤمن في السراء والضراء، وفي الحل والترحال، وفي كل زمان ومكان، لأن هذه النفس قد ارتبطت بوشائج قوية وحبال متينة مع الله تعالى الذي خلق كل شيء وقدّره تقديرًا، فإذا ارتقى العبد إلى هذه الدرجة من اليقين، أزال الله تعالى عنه الكربات النفسية وجميع الاضطرابات والانفعالات والتشجنات، وأبدلها برَوْح من عنده جل وعلا، بل إنه جلّت قدرته، يحوّل نفس هذا المؤمن إلى روضة إيمانية تتجمع فيها ألوان الرياحين والزهور، وتنفث عنها خبث الشياطين من القلق والكآبة واليأس.

6- الإيمان بالقضاء والقدر يغني الإنسان عن سؤال الناس والتعلق بهم في قضاء الحوائج وطلب المنافع ودفع الأضرار، لأن ما كتبه الله تعالى واقع لا محال، والقدر يزرع في نفس صاحبه اللجوء إلى الله وحده في الشكوى وطلب الرزق والتوفيق والسداد والهداية وغيرها، لأنها من الأمور التي تديرها الإرادة الإلهية، وليس للبشر فيها حول ولا قوة، وهذا يعني أن الإنسان لا يكلف نفسه فوق طاقتها أو يمدّ يديه في كل شيء إلى المخلوقات لقضاء حوائجه، فالله تعالى الذي خلق الخلق تكلف بأرزاقهم ومعاشهم وهدايتهم إن هم اتبعوا أوامره وأخذوا بالأسباب التي توصل إلى ذلك، ويكفي في هذا الباب ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام حين وصّى ابن عباس رضي الله عنه وهو غلام صغير: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف«(2).

7- وأخيرًا فإن للإيمان بالقدر منفعة شاملة تعم المجتمع بكل أطيافه وشرائحه، لأن أبناءه تقبلوا أمر الله تعالى ورضوا بما كتب لهم من النعم وضدِّها، فكلُّها خير لأنها من منه جلّ وعلا، وبذلك تصفى نفوسهم وتتلاشى الأحقاد والضغائن بين فقيرهم وغنيهم وصحيحهم وسقيمهم، وهكذا.

* * *

هذا وإن ضعْف الإيمان بالقضاء والقدر يؤدي إلى أضرار ونتائج سلبية عظيمة بخلاف هذه الآثار الإيجابية، وعلى رأسها: القلق والاضطراب وبخاصة من المستقبل، وحال الشدائد، وعدم الراحة والطمأنينة، لأن النفس غير مستقرّة فيظهر هذا على جوارح الإنسان، ومن ثم يتعرض للأمراض النفسية والعضوية وغيرها.

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــ

(1)
أخرجه مسلم (ص1295، 7500) كتاب الزهد، باب المؤمن أمره كله خير.


(2)
أخرجه الترمذي (ص572، رقم 2516) كتاب صفة القيامة، باب قول النبي ﷺ: يا حنظلة، ساعة وساعة. وأحمد (1/293، رقم 2669). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

ابو معاذ المسلم 23-03-2021 01:58 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(121)

عبودية السراء والضراء



حقيقة العبودية:

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:»العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة: فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبرّ الوالدين، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة.

وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضى بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك: هي من العباد لله« (1).

وأما عبودية السرّاء والضراء فهي جزء تفصيلي من العبودية الشاملة لله تعالى التي تتضمن جميع أقوال الإنسان وأفعاله، والتي أخبر الله تعالى عنها بقوله:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}(2)، ويعبّر عن هذه العبودية أحيانًا بعبودية الشكر على نعم الله، وعبودية الصبر والرضى بقضاء الله وقدره.


ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــ

(1) الفتاوى (5/155).

(2) [الذاريات: 56]

ابو معاذ المسلم 23-03-2021 01:59 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(122)



عبودية السرّاء (1-2)


هي ما يقوم به العبد من أقوال وأفعال إزاء ما أنعم الله عليه من أنواع النعم والمسرات على نفسه وأهله وماله وأمته.

أنواع السرّاء:

لا يمكن حصر أنواع السرّاء لأن جميع نعم الله تعالى التي يتمتع بها الإنسان في الحياة هي من السرّاء، وصدق الله القائل: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}(1).

لذا يمكن الإشارة إلى بعض النعم التي تدخل في دائرة السرّاء، ومن أهمها:

1- الهداية إلى دين الله تعالى:

الهداية من أكبر نعم الله تعالى على المؤمن، ومن أعظم أنواع السرّاء التي يسعد بها في الحياة، وينال رضى الله وجناته يوم القيامة، فالهداية إلى الإسلام تعني التصور الصحيح عن الحياة والكون والإنسان، وبالتالي توحيد الله تعالى وإفراده بالعبودية ونبذ ما دونه من الآلهة والأنداد، يقول الله تعالى: {ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}(2).

فالله تعالى هو الذي يمنح الهداية لعباده المخلصين ويهيأ لهم أسبابها، كما أنه جل وعلا يختم على قلوب المفسدين ويضلهم ضلالاً بعيدًا، يقول جل ثناؤه{فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ}(3).

2- الأمــن:

إن توفر الأمن والاستقرار في النفس والمجتمع لون من ألوان السرّاء، فهو نعمة عظيمة وفضل كبير من الله تعالى يمنحه لبعض عباده ويحرم الآخرين منه، والأمن هو الاطمئنان على النفس والدين والأموال والأولاد وجميع المصالح والممتلكات وعدم الخوف عليها من المخاطر والمهلكات، والأمن يجعل الإنسان أكثر حركة وإنتاجًا في الحياة، ومن دون الأمن لا يمكن أن يقوم الإنسان بواجباته كاملة، لأن الخوف يمنعه من السعي في الأرض والعمل بحرية.

ولأهمية هذه النعمة وأثرها على حياة الإنسان جاءت دعوة نبينا إبراهيم عليه السلام بتأمين الأمن والسلامة على البلد الحرام، فقال: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ}(4). حيث قدّم عليه الصلاة والسلام في دعائه توفير الأمن على توحيد الله تعالى، لأنه لا يمكن القيام بأداء العبادات والفروض بالشكل المطلوب مع فقدان الأمن والاستقرار.

وهذا يعني أن الأمن نعمة تحقق السعادة والحبور للإنسان، والخوف مصيبة وابتلاء يفقد معه الإنسان حرية العمل والإنتاج والإبداع، يقول تبارك وتعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّ كُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}(5).

3-الصحة والعافية:

إن من النعم العظيمة التي منّ الله تعالى بها على عباده نعمة الصحة والعافية في النفس والبدن، والتي يغفل عنها كثير من الناس، ولا يشعرون قيمتها ومكانتها إلا حين تنتزع منهم، أو حين تتعرض أجسامهم وحواسهم للضعف والوهن، وقد قيل في المثل: الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراها إلا المرضى.

ولا شك أن نعمة الصحة سبب رئيس لأداء العبادات والقيام بالأعمال المنوطة بالإنسان من الإنتاج والإبداع والسعي من أجل الرزق، وطلب العلم والجهاد وغير ذلك من الأعمال الصالحة التي تدخل في مفهوم العبادة: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}(6) كما أن هذه النعمة تعين على الاستمتاع بالطيبات والملذات التي أباحها الله لعباده، من الطعام والشراب والزواج والنوم وغيرها.

وقد أشار عليه الصلاة والسلام إلى أهمية هذه النعمة وضرورة استغلال وجودها في العمل الصالحة والنافعة، في الوقت الذي حذّر من الإغفال عنها والإفراط فيها، فقال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ«(7).

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــ

(1) [النحل: 18]

(2) [الأنعام: 88]

(3) [الأنعام: 125]


(4) [إبراهيم: 35]

(5) [البقرة: 155]

(6)
[الذاريات: 56]


(7)
أخرجه البخاري (ص1113، رقم 6412) كتاب الرقاق، باب ما جاء في الرقاق.

ابو معاذ المسلم 20-05-2021 05:42 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(123)



عبودية السرّاء (2-2)


4-المال والبنون:

يعدّ المال والبنون لونًا من ألوان السرّاء التي يتنعم بها الناس، لقوله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا}(1). والمال يشمل العملات النقدية والعقارات والممتلكات والمصالح التجارية والصناعية والزراعية، وغيرها، كما أن البنون يشتمل الأبناء والبنات وذراريهم، وهي جميعًا من النعم والمسرّات الدنيوية التي تميل إليها النفوس لأنها من أسباب القوة في الحياة، فالذي عنده المال والأولاد يستطيع أن يحقق أهدافه ويصل إلى آماله أكثر من الذي يفتقد إليهما، يقول تبارك وتعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}(2) وإذا أنعم الله تعالى على العبد – إضافة إلى نعمة المال والبنون – نعمة العقل السليم والإرادة الصحيحة، فإن النعمة تكتمل وتصبح ذا مفعول أكبر.

5- الفراغ:

ومن النعم التي يتقلب فيها الإنسان نعمة توافر الزمن الكافي للعمل والإبداع والإنتاج، وتحقيق كل ما هو إيجابي في الحياة، والزمن أو الوقت جزء من المنظومة الكونية، وله دور كبير في تنظيم الحياة ومعرفة السنين والشهور والأيام، ولأهمية الوقت وعظم شأنه أقسم الله به في كتابه المبين فقال: {وَالْعَصْرِ . إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ}(3).

ويتحكم الوقت في أعمار الناس وأعمالهم وحركتهم في الحياة، وهو ثمرة لحركة الشمس والقمر حين تتعاقبان بالليل والنهار، يقول تبارك وتعالى:{وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا}(4).

فالوقت آية كونية، ونعمة عظيمة، لا بد من المحافظة عليه وعدم الإفراط فيه واستغلاله والاستفادة منه في الخير والبناء، وإن مواقف الناس مع الوقت تحدد مدى تقدمهم وتخلفهم، فمن حافظ عليه واستثمره في الإصلاح والبناء فإنه يرقى ويتقدم ويواكب ركب الحضارة، ومن أفرط فيه وضيّعه في اللهو واللعب وسفاسف الأمور فإنه يبقى متخلفًا عن ركب الحضارة ويصبح عبئًا وعالة على الآخرين.

6- الزواج:

ومن السرّاء أيضًا أن يوفق الله عبده في الزواج ويسهل عليه أعباءه وتكاليفه، ويرزقه الزوجة الصالحة التي تعينه على طاعة الله والعمل الصالح، وعلى تربية الأبناء وبناء الأسرة المسلمة، إضافة إلى كونه سكنًا وراحةً للنفس بالنسبة للزوجين، وسببًا لجلب الذرية الصالحة من الأولاد والبنات التي تعدّ من زينة الحياة ومتاعها، يقول تبارك وتعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}(5).

7- الدراسة وطلب العلم:

إن السير في طلب العلم والحصول على الشهادات العلمية لا يتوفر لكل الناس، لأن الظروف المختلفة تقف عائقًا لبعض الناس في مواصلة الدراسة والتحصيل العلمي، وهذا ابتلاء ومصيبة، وأما في الجانب الآخر فإن القدرة على مواصلة الدراسة والتحصيل العلمي، وتحقيق الدرجات العلمية العليا تعدّ من النعم الكبير وهو نوع من أنواع السرّاء في الحياة، لأن العلم يرفع منزلة الإنسان عند الله وعند الناس، يقول تبارك وتعالى: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}(6).

وبالعلم يزداد إيمان العبد وقربه من الله، فضلاً عن الأجر الذي يناله عند الله إذا أخلص في علمه وسخره في سبيل الله، وكذلك الأثر الذي تتركه هذه النعمة على الأمة وتقدمها ورقيها، يقول جل وعلا: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}(7).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ

(1) [الكهف: 46]

(2) [آل عمران: 14]

(3) [العصر: 1، 2]

(4) [الإسراء: 12]


(5) [الروم: 21]

(6) [الزمر: 9]

(7) [ فاطر: 28]




ابو معاذ المسلم 20-05-2021 05:46 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(124)



كيف تتحقق عبودية السراء؟ (1-3)


بناء على الأنواع السابقة للسراء، يمكن تطبيق العبودية من خلالها وفق الآتي:

1- عبودية الهداية إلى دين الله:

إن عبودية الله تعالى على نعمة الهداية إلى دينه لا يمكن حصرها واختصارها في أعمال وأقوال محددة، بل إن هذه العبودية يجب أن تكون ملازمة للإنسان مدى الحياة، لأن نعمة الهداية هي نعمة السعادة والراحة في الدنيا، وهي نعمة الفوز والنجاة في الآخرة، وهما غايتا المؤمن، لذا فإن العبودية نحو هذه النعمة، أن يشكر العبد ربه سبحانه باللسان والجوارح، من خلال التمسك بأوامره وسنة نبيه ﷺ قولاً وعملاً، في الفروض والواجبات، والإحسان إلى الناس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسائر الأعمال الصالحة، وكذلك الانتهاء عما نهى الله عنه من الأقوال والأفعال، وتجنب أسبابها والطرق المؤدية إليها.

وجسّد النبي القدوة عليه الصلاة والسلام هذه العبودية، حين كان يعبد الله حتى تتورم قدماه، وتقول له عائشة رضي الله عنها: قد غفر الله لك ما تقدم من ذلك وما تأخر، فيقول عليه الصلاة والسلام: أفلا أكون عبدًا شكورًا.

وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم على هذه الحال، فقد عرفوا نعمة الإسلام، وعرفوا فضل الله عليهم، لا سيما وقد كانوا على علم بالجاهلية وما فيها من المفاسد العقدية والاجتماعية والمالية وغيرها، فكانت عبوديتهم لذلك تطبيق الإسلام وترجمته إلى واقع عملي، سواء في العبادات والطاعات، أو من خلال السلوك والأخلاق مع الناس من حولهم.

2-الأمن:

وتتحقق العبودية لله تعالى في حالة الأمن والاستقرار الذي يتنعم به الناس، حيث يفرض الوضع الآمن والاطمئنان على النفس والأموال والمصالح واجبًا تعبديًا على الإنسان، فيشكر الله تعالى ويحمده، ويمتثل لأوامره وينتهى عن نواهيه، ويتقرب إلى الله بالعمل الصالح والدعوة إلى دينه، وكذلك فإن وجود الأمن يفرض على العبد الإخلاص بالعمل والإتقان فيه، والسعي الدؤوب على الإنتاج والنماء والإبداع، كما يفرض عليه المشاركة مع القائمين على الأمن في المحافظة عليه وإصلاح مواطن الخلل والفساد داخل المجتمع، وكل ذلك يدخل ضمن دائرة العبودية لله تعالى التي ينال من خلالها العبد رضى الله وثوابه، إضافة إلى ما يوفر لمجتمعه وأمته من مقومات القوة والتقدم والازدهار.

وإذا ترك الناس هذه العبودية، وتغافلوا عن نعمة الأمن واستغلوها في المنكرات والمظالم والتجاوزات، فإن سنة الله تعالى قائمة في كل زمان ومكان، فقد ضرب الله تعالى الأمثال في كتابه المبين عن هذه السنة فقال: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}(1).

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــ

(1) [النحل: 112]

ابو معاذ المسلم 20-05-2021 05:48 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(125)



كيف تتحقق عبودية السراء؟ (2-3)



3- الصحة والعافية:
تتمثل العبودية في هذا النوع من السرّاء في الحمد والشكر لله تعالى على القوة والعافية وترجمة ذلك على الواقع وذلك بالإكثار من الطاعات والعبادات، والمحافظة على الفروض والواجبات، وأدائها في أوقاتها كما يريده الله تعالى، لذا ينبغي الاستفادة من أطوار القوة والعافية التي تمر على الإنسان وتسخيرها في سبيل الله وفي وجوه الخير المختلفة، وعدم الإفراط بها في المعصية والإفساد في الأرض، لأن غياب الصحة والعافية بعد ذلك تحرمه من بعض العبادات والأعمال الصالحة التي كان بإمكانه القيام بها وقت الصحة والنشاط، مثل أداء نسك الحج، وصيام رمضان، والجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها.
وقد أوصى النبي عليه الصلاة والسلام الأمة على استثمار الصحة والعافية بالعبادة والبناء قبل زوالها فقال: «اغتنم خمسًا قبل خمس:.. وصحتك قبل سقمك«(1).
فكم من مريض وضعيف يتمنى لو عادت له عافيته ليقدم بعض الأعمال الصالحة بين يدي الله تعالى، فيصلي صلاة الجماعة في المسجد، أو يحج ويعتمر، أو يخرج إلى الناس ليقضي حوائجهم ويعين ضعيفهم، ولكن المرض والضعف والوهن يحول دون ذلك.
4- المال:
وتتمثل العبودية هنا في إخراج حق الله من المال بالزكاة، لقوله تعالى:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}(2)، وكذلك الإكثار من الإنفاق والتبرعات في وجوه الخير المختلفة، كالإنفاق على المساكين والمحتاجين ودعم المؤسسات الخيرية، ودُور تحفيظ القرآن، وبناء المساجد والمدارس، وتسديد الديون عن المعسرين وغير ذلك من الأعمال المالية الخيرية، قال تعالى:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}(3).
ويُخشى من الإفراط في هذه العبودية يعني حلول غضب الله تعالى وعذابه على المفرط، يقول عليه الصلاة والسلام: «من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه يعني بشدقيه ثم يقول‏:‏ أنا مالك أنا كنزك‏«(4).
5- الفراغ:
كما تتحقق العبودية في هذا النوع من السرّاء من خلال استثماره فيما يرضي الله تعالى من العبادات والأعمال الصالحة، وإشغال الفراغ وملئه بالعمل والجدّ والإنتاج والإبداع، فهذا حق الوقت الذي كرّمه الله تعالى وجعل له شأنه عظيمًا، حيث أقسم به في سورة العصر فقال: {وَالْعَصْرِ . إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}(5).
لذا؛ فإن الله تعالى يحاسب العبد على الأوقات التي قضى بها عمره وكيفيتها، هل قضاها في الخير أم في الشر؟ يقول البي عليه الصلاة والسلام: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه وعن علمه فيما فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه«(6).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــ
(1)
أخرجه النسائي في السنن الكبرى (10/400، رقم 1183). والحاكم في المستدرك (4/341، رقم 7846). قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ومسلم، ووافقه الذهبي.

(2)
[النور: 56]

(3)
[التوبة: 60]

(4)
أخرجه البخاري (ص226، رقم 1403) كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة.

(5)
[النساء: 103]

(6)
أخرجه الترمذي (ص550-551، رقم 2417) كتاب صفة القيامة، باب في القيامة. قال الترمذي: حسن صحيح.





ابو معاذ المسلم 20-05-2021 05:50 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(126)



كيف تتحقق عبودية السراء؟ (3-3)



6- الزواج والأسرة:
تتمثل عبودية الله تعالى من خلال تكوين الأسرة الصالحة من خلال اختيار كل من الزوجين على أساس الدين والأخلاق، ثم القيام بواجب التربية القويمة نحو الأبناء والبنات، في المحافظة على الفروض والواجبات وغرس حب الله ورسوله ﷺ في نفوسهم، والبعد عن المعاصي والمنكرات، والبعد عن ظلم الناس والاعتداء على حقوقهم، والوقوف على مصالحهم وقضاء حوائجهم، وكل امتثال لقول الله تعالى للآباء وأولياء الأمور: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}(1).
والإهمال في هذا النوع من العبودية يعرّض الأسرة إلى التفكك والضياع، ويهدد مستقبل الأبناء والبنات في الدنيا قبل الآخرة، لأن شراك الصحبة السيئة سيلاحقهم حتى يقعوا في مفاسده وأوحاله، لذا؛ حرص الشرع على تحقيق هذه العبودية حين ألزم كل فرد من أفراد الأسرة بمسؤولياته وواجباته، يقول عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته»(2).
7- طلب العلم والتحصيل العلمي:
للعلم وأهله شأن عظيم ومنزلة عالية عند الله تعالى، لأن العلم هو سبيل لمعرفة الله، التي هي أساس كل المعارف والعلوم، يقول الله تعالى:{يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}(3).
ورسالة أهل العلم عظيمة وهادفة، فهم المناهل التي تتدفق بالعلوم والمعارف على الناس، وهم المراجع في الأزمات والنوازل وفي جميع الأحوال، يقول تبارك وتعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}(4).
وبناء على ذلك فلا بد أن تُتوّج هذه الرسالة العظيمة بالعبودية لله تعالى من خلال المعالم الآتية:
أ – السعي في طلب العلم وتحصيله امتثالاً لأمر الله تعالى وتقربًا إليه وطمعًا في جناته، من غير رياء أو مباهاة، يقول عليه الصلاة والسلام: «من تعلّم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عَرْفَ الجنة يوم القيامة«(5).
ب – العمل بالعلم الذي يحمله، حتى يعطي الصورة الناصعة عن الدين فلا يحدث عند الناس التناقض والتنافر، والله تعالى يقول: {كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}(6).
ج – الاختلاط مع الناس وعدم الاستعلاء عليهم، لمعرفة مشكلاتهم ومعاناتهم والمستجدات التي تظهر بين الفترة والأخرى.
د – عدم كتمان هذا العلم عن أحد، وتسخيره وبذله فيما ينفع الناس في الدنيا والآخرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــ
(1) [التحريم: 6]
(2) أخرجه البخاري (ص143-144، رقم 892) كتاب الرق، باب كراهية التطاول على الرق.
(3) [المجادلة: 11]
(4) [النحل: 43]
(5) أخرجه أبو داود (ص525-526، رقم 3664) كتاب العلم، باب في طلب العلم لغير الله تعالى. والترمذي (ص603، رقم 2655) كتاب العلم، باب فيمن طلب العلم لدنيا. وابن ماجه (ص38، رقم 252) المقدمة، باب الانتفاع بالعلم والعمل. وأحمد (2/338، رقم 8438). وهو حديث صحيح.

(6) [الصف: 3]




ابو معاذ المسلم 20-05-2021 05:52 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(127)




عبودية الضرّاء
هي ما يقوم به العبد من أقوال وأفعال إزاء ما يعتريه من المصائب والابتلاءات، في نفسه أو ماله أو أهله وأبنائه.
أنواع الضراء:
لا يمكن أيضًا حصر صور الضرّاء التي تصيب الإنسان ويبتلى بها في حياته، ولكن يمكن الإشارة إلى بعضها وأهمها وهي:
1- المرض:
المرض صورة من صور الضرّاء، ويبتلى به معظم الناس بشكل متفاوت، يختلف من إنسان إلى آخر، من حيث نوعه وقوته وتأثيره على المريض، ويشمل الجانب العضوي والنفسي في الإنسان.
يقول عليه الصلاة والسلام: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط»(1).
2- الفقر:
الفقر صورة أخرى للضرّاء، حيث يحرم الفقير من المال الذي يتحقق به كثير من الآمال والطموحات، فلا يجد الفقير هذه الوسيلة ويبقى بعيدًا عن ملذات كثيرة، ونعم مختلفة، جراء عوزه وفقره، رغم أن كثيرًا من الفقراء يعملون ويسعون إلا أن أرزاقهم محدودة ولا تتوسع كحال غيرهم من الناس، أو ربما يكون الفقر نتيجة مرض أو كارثة أو مصيبة حالت الفقير أن يرقى إلى حال أفضل من الناحية الاقتصادية.
وينظر كثير من الناس إلى الفقر نظرة خاطئة، ويرونها عيبًا في الشخص أو خدشًا اجتماعيًا عنده، وهي نظرة مخالفة للكتاب والسنة، لأن رسول هذه الأمة ونبيها عليه الصلاة والسلام كان فقيرًا، حتى لم يكن توقد في بيته نار شهرًا أو شهرين.
وقد تحدَّث القرآن عن الفقراء في مواطن عديدة، كما في قوله تبارك وتعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}(2)، وقوله جل شأنه: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}(3).
هذا وإن معظم الصحابة كانوا فقراء، لا سيما المهاجرون الذي فرّوا بدينهم وتركوا أموالهم وديارهم ومصالحهم في مكة.
3- الفشل في الدراسة والحرمان من الشهادات العلمية:
تتفاوت القدرات العقلية من إنسان إلى آخر، كما تختلف ظروفهم وأحوالهم، فليس كل إنسان لديه القدرة والظروف التي تدفعه لإكمال دراسته أو السير في طلب العلم والحصول على الشهادات العلمية العليا، رغم أن كثيرًا من الناس يجتهدون ويسعون من أجل ذلك، إلا أنهم يفشلون ولا يكتب لهم تحقيق ذلك، ولا شك أن هذا نوع من الضرّاء، لأن الحرمان من العلم يعني الحرمان من نِعم كثيرة وآمال كبيرة.
4- عدم التوفيق في الزواج:
من أنواع الضرّاء التي يُبتلى بها كثير من الناس عدم التوفيق في الزواج، بالنسبة إلى الزوج أو الزوجة، سواء لأسباب مادية أو لعدم التفاهم والتلاقي في الأفكار والتصورات، الأمر الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى الطلاق، وإما يتحمل أحدهما الآخر ويصبر على الضرّاء احتسابًا للأجر أو خشية على مستقبل الأسرة والأولاد.
5- عدم الإنجاب:
يبتلى بعض الناس بصورة من الضرّاء الاجتماعي وهي عدم الإنجاب مطلقًا أو إنجاب الإناث دون الذكور، وهذا الابتلاء يؤدي في الغالب إلى الخلافات الزوجية، أو إلى الطلاق، أو تعدد الزوجات، مع العلم أنه ابتلاء من الله تعالى لبعض عباده كما قال: {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا ۖ وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}(4).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
(1) سبق تخريجه.

(2) [البقرة: 273]
(3) [الحشر: 8]
(4) [الشورى: 50]




ابو معاذ المسلم 30-07-2021 12:52 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(128)



كيف تتحقق عبودية الضرّاء
بناء على ما سبق من أنواع الضرّاء، يمكن تطبيق العبودية فيها وفق الآتي:
1- في حال المرض:
لقد أمر الشرع المريض بالصبر والرضى بحكم الله تعالى، وأن يجعل نبي الله أيوب عليه السلام قدوة له في محنة المرض، وكيف أنه رضي أمر الله تعالى ولم يستسلم لليأس والقنوط من رحمته ونزول الشفاء عليه، حتى قال فيه الله: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ}(1).
ثم يحتسب العبد في مرضه، لأنه بذلك يقترب من الله تعالى أكثر ويبتعد عن وساوس الشياطين وهمزاتهم، وهو المدخل إلى الشفاء والتعافي من المرض، يقول عليه الصلاة والسلام: «إذا مرض العبد بعث الله إليه ملكين، فيقول: انظرا ما يقوله لعوّاده، فإن هو حمد الله تعالى إذا دخلوا عليه، رفعا ذلك إلى الله تعالى وهو أعلم. فيقول: لعبدي إن أنا توفيته أن أدخله الجنة، وإن أنا شفيته أن أبدله لحمًا خيرًا من لحمه، ودمًا خيرًا من دمه، وأن أكفِّر عنه خطاياه«(2).
ولكي يتجنب المريض الوقوع في المحظورات الشرعية أثناء مرضه فعليه بعض الأمور التي لا بد من تصورها لتحقيق عبودية السراء، ومن أهمها:
أ – اليقين بأن المرض قدر من الله ولا بد من القبول والرضى بهذا القدر.
ب – اليقين بالأجر العظيم المرتب على الصبر إزاء الأمراض.
ج – اليقين بأن الله تعالى هو الشافي، وأن كل ما يأخذه من العقاقير والعلاجات إنما هي أسباب يجب تناولها ما دامت غير محرمة.
د – حسن الظن بالله تعالى، والتفاؤل بالشفاء والمعافاة دائمًا.
هـ- الإكثار من ذكر الله تعالى، من الدعاء وقراءة القرآن، والمحافظة على العبادات والفروض.
و – الإكثار من الإنفاق في وجوه الخير المختلفة، لأنها سبب من أسباب الشفاء.
2- في حال الفقر:
وتتحقق العبودية لله تعالى في حالة الفقر من خلال الأمور الآتية:
أ – الصبر على الفقر وقبول أمر الله تعالى، وعدم قطع الأمل في الله تعالى في أن يزيد له في رزقه ويوسع في عيشه.
ب – العمل والسعي من أجل طلب الرزق بالطرق المشروعة، وعدم التكاسل أو الاعتماد على الغير، أو اتباع الطرق المحرمة من أجل الكسب والحصول على المال.
ج – الابتعاد عن التسوّل وعدم إظهار معالم الفقر، لأن الغنى الحقيقي في النفس وليس في العَرض.
3- الفشل في الدراسة:
أما كيف يحوّر العبد هذا الابتلاء إلى عبادة؟ فإن عليه أن يتجه نحو طريق آخر في الحياة، ويعمل في مجال آخر غير المجال العلمي، فهناك التجارة والزراعة والصناعة وغيرها من الأعمال والحرف التي يمكن أن يحقق من خلالها طموحات كبيرة كالرزق الواسع والعيش الرغيد، بحيث يعمل وفق الضوابط الشرعية ضمن حدود الحلال والحرام.
والمتأمل في أحوال الناس سيجد أن كثيرًا من الأغنياء والأثرياء من أصحاب المعروف والمشاريع الخيرية ليس لديهم شهادات علمية، أو أن تحصيلهم العلمي محدود، ولكنهم أفادوا الأمة بأعمالهم الخيرية والدعوية.
4- عدم التوفيق في الزواج:
إن التعبد عبر هذه المصيبة، تكون بالصبر والحلم واتباع الحكمة في جميع الأحوال، وعدم الخوض في الجدال والنقاش الذي يؤدي إلى مزيد من الانفعالات والمشكلات، وغض النظر عما يكره كل منهما من الآخر، امتثالاً لقول النبي ﷺ: «إن كره منها خُلقًا رضي منها آخر«(3).
5- عدم الإنجاب:
ويكون التعبد مع هذا الابتلاء بالاحتساب والصبر وقبول أمر الله الذي يهب لمن يشاء من الذكور أو الإناث، ويحرم الآخرين حرمانًا مطلقًا، وقد ابتلي رسول الأمة عليه الصلاة والسلام بالحرمان من الذكور، بل إن محنته كانت أشد حيث يوهب له الأولاد ثم يموتون في مقتبل أعمارهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــ
(1)
[ص: 44]


(2)
أخرجه مالك في الموطأ (2/940، رقم 1682) كتاب العين، باب ما جاء في أجر المريض. والبيهقي في الكبرى (3/315، رقم 6786). والحاكم في المستدرك (1/348، رقم 1290). وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

(3)
أخرجه مسلم (ص626، رقم 1467) كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء.





ابو معاذ المسلم 30-07-2021 12:56 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(129)



الرسول القدوة
لقد مرّ النبي عليه الصلاة والسلام في حياته الدعوية خلال ثلاث وعشرين سنة بمعالم كثيرة من السرّاء والضراء، وكان عليه الصلاة والسلام المثل الأعلى في العبودية لله تعالى مع تلك المعالم التي من أهمها:
- فَقَد النبي ﷺ زوجته خديجة رضي الله عنها التي كانت حضنًا دافئًا وسَكَنًا مريحًا له عليه الصلاة والسلام منذ بداية الوحي إلى أن توفاه الله، كما توفي في السنة نفسها عمه أبو طالب الذي ذبّ عن النبي ﷺ بكل قوة ودافع عنه في مواطن كثيرة، بل إن هاتين المصيبتين تزامنت مع الحصار الذي فرض عليهم في الشِّعب، فكانت مصائب متراكمة وشديدة على رسول الله ﷺ، فكان الصبر والرضى زاده وسلاحه في مواجهة هذه المحنة.
- لقد أوذي عليه الصلاة والسلام من قومه إيذاء شديدًا، حيث اتُّهم بالجنون والسحر، ورمي بالحجارة من صبيان بني ثقيف، وشُجّ رأسه وكسرت رباعيته، كل ذلك في سبيل الدعوة إلى الله، لكنه كان صابرًا عابدًا لله تعالى لأنه عَرف أن طريق الجنة محفوفة بالمكاره والأشواك، لقوله تعالى:{أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}(1).
- هاجر عليه الصلاة والسلام في سبيل الله فارًّا بدينه وعقيدته مع الصحابة رضوان الله عليهم، وقد تركوا خلفهم الأهل والديار، كل ذلك من منطلق تعبدي، وتنفيذًا لأمر الله تعالى بالهجرة، وقد رضي الله عنهم بعد ذلك وقال فيهم: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}(2).
- كان عليه الصلاة والسلام شاكرًا لأنعم الله عليه، فقد ثبت في الصحيح أنه قام حتى تفطرت قدماه، فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا«
- وكان ﷺ ينفق في سبيل الله ولا يخش فقرًا، يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: ما سُئل رسولُ الله ﷺ على الإسلام شيئاً إلا أعطاهُ، ولقد جاءه رجلٌ، فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر(3).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ
(1)
[البقرة: 214]

(2)
[التوبة: 100]

(3)
أخرجه مسلم (ص1021، رقم 2312) كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول الله ﷺ من شيء قط فقال: لا.





ابو معاذ المسلم 30-07-2021 01:04 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(130)



آثار عبودية السرّاء والضراء
إن من أهم الآثار والنتائج الإيجابية التي يخرج بها العبد المؤمن حال عبوديته لله سبحانه وتعالى في كلا الحالين، ما يلي:
1- إن الله تعالى يجزي الشاكرين في السرّاء بالأجر العظيم والزيادة في الأرزاق والنِّعم المختلفة، لأنهم لم يغفلوا عن شكر الله بالقول والعمل إزاء ما أغدق عليهم من المتاع والطيبات، قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}(1)، وقال أيضًا: {وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ}(2).
2- إن الصبر على الضرّاء، والرضى لأمر الله تعالى من أسباب العفو والمغفرة والثواب الجزيل، لقوله تعالى: يقول الله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}(3).
ويقول عليه الصلاة والسلام: «ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها«(4).
3- الشعور بالرضى والقرب من الله عز وجل، حيث يحس العبد الشاكر أن الله عز وجل خصّه بكرمه فيقبل عليه بالتوبة والاستغفار والثناء عليه سبحانه بما هو أهله، وينال راحة نفسية عظيمة، ثم إنه يبادر إلى من حوله فيحسن إليهم شكرًا لله الذي أحسن إليه ويبذل جهده في إدخال السرور إلى قلوبهم كما أدخل الله المسرة إلى قلبه فتحصل بذلك الفائدة لمجتمعه وتزداد عرى الترابط بينه وبين من أحسن إليهم، فإن فعل ذلك زاده الله من نعمه وأسبغها عليه ظاهرة وباطنة.
4- إن عبودية السرّاء والضرّاء تدخل السكينة والطمأنينة في نفس العبد، لأنه لم يصبه الغرور والتكبر حين أنعم الله تعالى عليه بالنعم المختلفة، ولم ينس أن يرجع ذلك كله لله تعالى، فبقيت نفسه مطمئنة وسليمة من الكبر والاستعلاء.
كما أنه لم يتأفف عند الضرّاء من حاله وما أصابه من البلاء، بل رضي بقضاء الله تعالى، وعَلِم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن الله تعالى قد أعدّ له من الأجر والثواب على صبره وثباته، وبالتالي تغتسل نفسه من آفة الحسد والحقد على الآخرين.
5- إن عبودية السرّاء والضراء تبني شخصية الإنسان بناء متينًا، حيث يتطلع في حالتي السراء والضراء إلى الحياة بنظرة إيجابية، فلا يغريه المتاع عن العمل والإنتاج، كما لا تحبطه المصائب والشدائد عن مواصلة الطريق وتجاوز الصعاب للوصول إلى تحقيق الأهداف الممكنة بالوسائل المتاحة.
6- إن عبودية السرّاء والضرّاء يساهم كثيرًا في توفير الأمن والاستقرار داخل المجتمع، لأن المنعم عليه بالمال والصحة والإمكانات لا يترك إخوانه الضعفاء ضحية للفقر والبطالة والجهل، بل إنه من منطلق العبودية لله تعالى يمدّهم بجميع أشكال المساعدات سواء بالإنفاق عليهم، أو إيجاد فرص العمل لهم، وغير ذلك من الأمور التي تخرج الغل والكراهية من نفوس المحرومين.
وفي الجانب الآخر فإن المصاب بالضرّاء يؤمن بقضاء الله تعالى وقدره، ويتفاعل مع حقيقة البلاء بإيمانه بالجزاء المدّخر عند الله تعالى، فإنه لا يحمل في نفسه حقدًا أو ضغينة على أحد، إضافة إلى ما يجده من المتنعم عليه من التعاون والتكافل معه، كل ذلك يساهم في استقرار حال المجتمع وسلامته من عوامل الجريمة والفساد.
* * *
كانت تلك جولة سريعة مع عبودية السراء والضراء، والتي هي جزء من العبودية العامة التي أشار إليها الله جلّ وعلا بقوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}(5).
والكيّس العاقل من يجعل الأحوال التي يمر بها والظروف التي تعترضه في الحياة ساحة للعبادة وميدانًا لطاعة الله تعالى، ليس في حالات الشدة والرخاء فحسب، بل إنه يستطيع أن يجعل من كل عمل مباح عبادة وتقربًا إلى الله حين يحتسب ويخلص النية له جل وعلا، فيصبح تناول الطعام عبادة، والنوم عبادة، والرياضة عبادة، والدراسة عبادة وهكذا، حتى تصبح كل حركة وسكنة تصدر منه عبادة يؤجر عليها، وبذلك يؤدي العبد رسالته في الحياة، ويصل إلى الغاية التي خُلق من أجلها وهي عبادة الله وحده.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
(1) [إبراهيم: 7]
(2) [آل عمران: 145]

(3) [الزمر: 10]
(4) سبق تخريجه.
(5) [الذاريات: 56]




ابو معاذ المسلم 30-07-2021 01:07 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(131)



يابلال أرحنا بها
الصلاة من أعظم أركان الإسلام، وأجلّها، وأكثرها فائدة، وأوسعها آثارًا، وهي من أهم العوامل لبناء الشخصية السوية، ومن أهم أدوات الشفاء للأمراض، ومن أكبر الوسائل لمعالجة المشكلات وتجاوز العقبات.

لذا؛ نركّز في هذا المبحث على هذه الجوانب، فنفتتح بما رواه الإمام أحمد رحمه الله قال:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ وَخَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَا حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا يَعْنِي ابْنَ زَائِدَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الله الدُّؤَلِيِّ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ أَخُو حُذَيْفَةَ قَالَ حُذَيْفَةُ: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى«(1).
وما رواه أبو داود رحمه الله قال:حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ قَالَ رَجُلٌ قَالَ مِسْعَرٌ أُرَاهُ مِنْ خُزَاعَةَ لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ فَكَأَنَّهُمْ عَابُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُول:ُ «يَا بِلالُ أَقِمْ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا«(2).
مفهوم الصلاة:
الصلاة لغة: الدعاء، قال تعالى:{وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ}
(3)
أي ادع لهم، وقال النبي ﷺ: «إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان مطراً فليطعم وإن كان صائماً فليصلّ«(4).

الصلاة اصطلاحاً: الصلاة: أقوال وأفعال يتعبد الله بها، تفتح بالتكبير وتختتم بالتسليم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
أخرجه أبو داود (ص197، رقم 1319) كتاب الصلاة، باب تفريع صلاة السفر. وأحمد (5/ 388، رقم 23347). حديث حسن.

(2)
سبق تخريجه.


(3)
[لتوبة: 103]

(4)
لسان العرب ج 7 / ص 397.





ابو معاذ المسلم 30-07-2021 01:12 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(132)



أهمية الصلاة وفضلها في الإسلام
الصلاة عمود الدين، وثاني أركان الإسلام، تلي شهادة التوحيد، كما جاء في حديث جبريل عليه السلام حين سأل الرسول ﷺ عن الإسلام فأجابه: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً«(1).
وقد أشار القرآن الكريم إلى فضل الصلاة ومكانتها في هذا الدين في آيات كثيرة ما بين كونها فرضًا يؤدَّى، أو كونها عبادة يتقرب بها العبد إلى الله تعالى، وجاء الثناء والجزاء على الذين يحافظون على هذه الفريضة كما في قوله تعالى: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ . أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}(2).
وبالمقابل جاء التهديد والعقاب على تاركها، كما في قوله تعالى حين يُسأل بعض أصحاب النار عن سبب مقامهم في النار {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ . قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ}(3).
كما أن الصلاة هي أول ما يحاسب عليها العبد يوم القيامة لقول النبي ﷺ: «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته«(4).
والصلاة تميّز أهل الإيمان عن أهل الكفر لقوله ﷺ: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر«(5) وقوله عليه الصلاة والسلام: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة«(6).
ومن أهم المعالم التي تدل على أهمية الصلاة أيضًا أن الله تعالى أمر بها في في معظم الأحوال، في الصحة والسقم، وفي السفر والحضر، وفي السلم والحرب.
من أجل هذه المنزلة الكبيرة والمكانة الرفيعة للصلاة في هذا الدين كان الأمر بها واضحًا في وصية النبي ﷺ قبل وفاته، عن علي رضي الله عنه قال: كان آخر كلام رسول الله ﷺ: «الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم«(7)، حتى جعل يغرغر بها وما يفصح بها لسانه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــ
(1)
سبق تخريجه.

(2)
[الأنفال: 3-4]

(3)
[المدثر: 42-43]

(4)
أخرجه أبو داود (ص133، رقم 864) كتاب الصلاة، باب قول النبي ﷺ كل صلاة لا يتمها صاحبها تتم من تطوعه. والترمذي (ص111، رقم 413) كتاب الصلاة، باب أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة. والنسائي (ص64، رقم 466) كتاب الصلاة، باب المحاسبة على الصلاة. وابن ماجه (ص204-205، رقم 1426) كتاب الصلاة، باب أول ما يحاسب به العبد الصلاة.

(5)
أخرجه الترمذي (ص595، رقم 464) كتاب الإيمان، باب ما جاء في ترك الصلاة. والنسائي (ص64، رقم 464) كتاب الصلاة، باب المحاسبة على الصلاة. وابن ماجه (ص151، رقم 1079) كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في ترك الصلاة. وقد حسنه الترمذي.

(6)
أخرجه مسلم (ص51، رقم 1079) كتاب الإيمان، باب إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة.

(7)
أخرجه أبو داود (ص724، رقم 5158) كتاب الآداب، باب حق المملوك. وابن ماجه (ص232، رقم 1625) كتاب الجنائز، باب ما جاء في مرض رسول الله ﷺ. وهو صحيح.





ابو معاذ المسلم 19-11-2021 05:41 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(133)



صفة الصلاة
وأما كيفية أداء الصلاة وصفتها، فقد بيّنها رسول الله ﷺ للصحابة بشروطها وأركانها قولاً وعملاً، وكان عليه الصلاة والسلام يقول لهم: «صلوا كما رأيتموني أصلي»(1)، ليس هذا فحسب، بل إنه كان ينبههم إذا وجد خللاً أو قصورًا في أدائهم للصلاة، كما جاء في حديث المسيء صلاته.
وما جاء في صفة صلاته عليه الصلاة والسلام من أحاديث فكثيرة، ويكفي الإشارة إلى ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: «أن النبي ﷺ قال: إذا قمتَ إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبِّر ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها»(2).
وينبغي أن يرافق هذه الهيئة والأداء في الصلاة الخشوع وحضور القلب، والتأمل فيما يقوله العبد بين يدي ربه، من آي القرآن والذكر والتكبير والتحميد والتسبيح وغيرها، وقد أشاد الله تعالى بالمؤمنين الذين يخشعون في صلواتهم فقال: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}(3).

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـ

(1) أخرجه البخاري (ص123، رقم 757) كتاب الأذان، باب قراءة الإمام والمأموم في الصلوات كلها.
(2) أخرجه البخاري (ص30، رقم 139) كتاب الوضوء، باب إسباغ الوضوء. ومسلم (ص168، رقم 397) كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة.
(3) [المؤمنون: 1-2]



ابو معاذ المسلم 19-11-2021 05:42 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(134)


آثار الصلاة (1-3)


للصلاة آثار إيجابية عظيمة في حياة المؤمن يلمسها حين يؤديها بأركانها وشروطها، وبالصورة التي كانت يؤديها رسول الله ﷺ، فضلاً عن الآثار الأخروية التي يلقاها المؤمن عند ربه يوم القيامة، ومن تلك الآثار:

1-إن الصلاة من الأعمال التي ترفع درجات المصلي وتزيد من حسناته، كما تكفر عنه السيئات والذنوب التي يقترفها في حياته اليومية، يقول تبارك وتعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ}(1).

وعن عثمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: « ما من امرئ مسلم تحضره صلاةٌ مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها؛ إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم تؤتَ كبيرة، وذلك الدهر كله«(2).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: « سمعت رسول الله ﷺ يقول: أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم، يغتسل منه كل يومٍ خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا«(3).

2-إن الصلاة التي هي الصلة بين العبد وربه، تزيد من تعلق هذا العبد بربه، لأنه يقف بين يديه في اليوم خمس مرات على الأقل، يثني عليه ويحمده ويعظمه ويستعين به، ويطلب منه الفوز والنجاة، فيستجيب الله تعالى له ويمنحه ما يريد، وهذا ما يؤكده حديث أبي هريرة رضي الله عنه حيث قال: سمعت رسول الله ﷺ: «قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين. قال الله تعالى: حمدني عبدي وإذا قال الرحمن الرحيم قال الله تعالى: أثنى علي عبدي. وإذا قال مالك يوم الدين. قال: مجّدني عبدي وقال مرة: فوض إلي عبدي. فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل«(4).

3-إن الصلاة تدفع الإنسان لفعل الخير والعمل الصالح، وتجنبه سبل الغواية والمعاصي، يقول تبارك وتعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ}(5). ويقول جل ذكره: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ}(6).

4-إن الصلاة تحفظ المسلم وتحميه من شرور الجن والإنس بسبب ما تنزل عليه من الرحمة والمغفرة، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من صلى الصبح فهو في ذمة الله»(7).

5-المحافظة على الصلاة وإقامتها عامل كبير في جلب الرزق والعيش الرغيد، لقوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ}(8).

6-الصلاة في أوقاتها الخمسة تنظم حياة المسلم في ليله ونهاره، حيث يصبح لديه برنامج واضح يسير عليه وفق التقسيمات التي حددها الشرع لأوقات الصلاة، يقول تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا}(9)، فيرتب وضعه وينظم حاله وفق هذا الجدول الزمني الذي حدده الله تعالى، ما بين عمل دنيوي يساهم من خلاله في عمارة الكون وتحقيق ما ينفع نفسه ومجتمعه وأمته، وبين ما يشده إلى الآخرة من خلال هذه الصلوات التي تفصل بين الواحدة والأخرى فترة زمنية محددة، ليتخلص من أعباء الحياة وتعبها ونصبها، فيقف بين يدي خالقه مجددًا عهده وولاءه وثباته على هذا الدين، ليرجع من جديد إلى عمارة الأرض ونشر الخير بين الناس.

وفي هذا استشعار بقيمة الزمن، الذي يُسأل عنه الإنسان يوم القيامة، لأن تركه وعدم الاستفادة منه يؤدي إلى التخلف والفساد والجريمة، بل سيكون وبالاً على صاحبه إذا لم يستغله بما أمر الله به، وهو معنى قوله ﷺ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيم فعل وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن جسمه فيم أبلاه«(10).

7-الصلاة تحافظ على أمن المجتمع واستقراره، وتقلل من نسبة الجرائم والجنايات بين أبنائه، لقوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ}(11)، وقد جاء الاقتران بين الأمر بالصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وصية لقمان لابنه: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}(12). فهذه الآيات تدل صراحة أن هناك علاقة متلازمة بين إقامة الصلاة واجتناب المنكرات التي تشمل كل أنواع المعاصي والمفاسد التي تخل باستقرار الإنسان ومجتمعه.

كما أن الصلاة تُجَمّعُ الناس في اليوم والليلة خمس مرات، وفي الأسبوع مرة في صلاة الجمعة، يقفون جميعهم بين يدي خالقهم متكاتفين متراصين، يجددون معًا العهود والمواثيق مع هذا الخالق، ويجددون العهد فيما بينهم، ويتعرفون على أحوالهم وحاجاتهم، فتزيد صلتهم ورحمة بعضهم ببعض، وغيرها من التبعات والفوائد الاجتماعية الأخرى التي تفرزها هذه الصلاة بين المسلمين، وهي من الأسباب التي ترجح كفة الأمن والاستقرار على كفة الجريمة والفساد.

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــ

(1) [هود: 118]

(2) أخرجه مسلم (ص167، رقم 878) كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء والصلاة بعدها.

(3) أخرجه البخاري (ص90، رقم 528) كتاب مواقيت الصلاة، باب الصلوات الخمس كفارة.

(4) أخرجه مسلم (ص167، رقم 395) كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة.

(5) [العنكبوت: 45]

(6) [الأعراف: 170]

(7) أخرجه مسلم (ص265، رقم 1493) كتاب المساجد، باب فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة.

(8) [طه: 132]

(9) [النساء: 103]

(10) سبق تخريجه.


(11) [العنكبوت: 45]

(12) [لقمان: 17]



ابو معاذ المسلم 19-11-2021 05:43 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(135)


آثار الصلاة (2-3)



8- وأما آثار الصلاة على المؤمن من الناحية النفسية فيمكن إجمالها فيما يلي:

أ- إن الصلاة تجلب للنفس راحة وطمأنينة في كل أحوالها، لا سيما في النوازل والمصائب التي قد تعتري المؤمن، وهو ما عبّر عنه رسول الله ﷺ عندما يحين وقتها بقوله لبلال رضي الله عنه: «قم يا بلال فأرحنا بالصلاة»(1)، وقوله ﷺ: «وجعلت قرة عيني في الصلاة»(2)، فهي الملاذ الذي ترنو إليه النفس دائمًا، ليذهب عنها الضيق والحرج وتحل الراحة والسكينة، فحين يكبر المصلي تكبيرة الإحرام فكأنما ألقى بالدنيا وما فيها من تعب وكدر إلى الوراء، وبدأ يستقبل نوعًا آخر من المشاعر والأحاسيس التي يفتقدها قبل الدخول في هذا المقام السامي مع ربه سبحانه وتعالى.

ب- تعد الصلاة من أهم الأسباب التي تزيل عن المؤمن القلق النفسي الناجم عن مؤثرات الحياة، فهو في صلاته يشعر عظمة خالقه حين يركع له ويسجد له بقلبه وجوارحه، فتصغر في نفسه مسببات ذلك القلق وتوابعه، لأنه يحس أن هذه النفس قد خرجت من ضيق الدنيا إلى سعة رحمة الله وعظمته التي تخشع له كل الخلائق وتسجد له طوعًا وكرهًا.

ج- الصلاة تبعد التوتر عن نفس المؤمن، بسبب تغيير الحركة المستمرة فيها، من قيام وركوع وسجود وقعود وتحريك للسواعد وغيرها، فمثل هذه الحركات وهذه التغيرات يحدث استرخاء فسيولوجيًا مهمًا في الجسم، وهذا ما يهدأ من روع الإنسان المنفعل أو المتشنج، ويحافظ على توازنه النفسي، وقد وصى الرسول ﷺ المؤمن الغاضب أو المتوتر بالجلوس إلى الأرض ليخف عنه غضبه وتوتره، يقول عليه الصلاة والسلام: «ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم أما رأيتم إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه فمن أحس بشيء فليلصق بالأرض«(3).

ولعل ما نجده لدى بعض الشعوب عادة السجود ووضع الرأس على الأرض عند الإرهاق أو الضيق أو الاكتئاب لها أصل من هذه الحقيقة، كما هي الحال عند اليابانيين، إلا أنهم يدرجونها ضمن التمارين الرياضية أو المعالجات النفسية، مثل اليوغا وغيرها. ونحن أغنانا الله تعالى بالصلاة، فنؤديها بخشوع ورغب ورهب.

د – الصلاة تدفع عن المؤمن همزات الشياطين ولمزاتهم، في كل أحواله، حيث تدربه على الشكر في السراء، وعلى الصبر في الضراء، يقول تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}(4)، ويقول جل شأنه في آية أخرى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(5).

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــ


(1) سبق تخريجه.

(2) أخرجه النسائي (ص469، رقم 3392) كتاب عشرة النساء، باب حب النساء. وأحمد (3/128، رقم 12315). والحديث صحيح.

(3) أخرجه الترمذي (ص504، رقم 2191) كتاب الفتن، باب ما أخبر به النبي ﷺ. وأحمد (3/19، رقم 11159). والحاكم (4/506، رقم 8543). قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.

(4) [البقرة: 153]

(5) [الأعراف: 200]

ابو معاذ المسلم 19-11-2021 05:44 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(136)


آثار الصلاة (3-3)



هذا فضلاً عن بعض الفوائد البدنية والجسمية التي يمكن استنباطها من الصلاة، وهي:
-الصلاة تعطي توازنًا للجسم، وتخفف الضغط على الدماغ، وذلك من خلال وضعيات الركوع والسجود وما يرافقها من الضغط على أطراف أصابع القدمين، مما يعطي شعورًا للمصلي بالاسترخاء والهدوء.
-السجود الطويل يؤدي إلى عودة ضغط الدم إلى معدلاته الطبيعية في الجسم كله، ويعمل على تدفق الدم إلى كل أجهزة الجسم.
- الصلاة تجنب المصلي بعض الأمراض، مثل الدوالي، كما أنها تقوّي العظام وعضلات البطن، وتنشط إفراز المرارة، وحركة المعدة والأمعاء، بسبب حركات الصلاة من قيام وركوع وسجود وغيرها.
-الصلاة تعوّد المؤمن على النظافة البدنية، والعناية بالجسم وتزكيته، وإزالة كل ما يضر به من الأوساخ والروائح الكريهة، من خلال ما تسبق هذه العبادة
من عمليات الطهارة والوضوء، إضافة إلى نظافة الثياب وحسن الهيئة، استعدادًا لأداء الصلاة، لقول الله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ . وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ}(1). وقوله
جلّ وعلا: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}(2).
* * *
وأخيرًا:
فإن الصلاة من العبادات التي جعلها الله تعالى بمثابة محطات، يقف عندها المؤمن في رحلة الحياة بين الفينة والأخرى، لتخفف عن كاهله أعباء هذه الرحلة، وتمسح ما تعلقت به من الخطايا، وتلقي على نفسه الراحة والطمأنينة وتدفع عنها نفث الشياطين ووساوسهم، ليتمكن من أداء رسالته في الحياة وفق المنهج الرباني الصحيح.
لذا ؛ لا بد من أداء هذه الفريضة أداء حسنًا، في وقتها المحدد، ومع جماعة المسلمين في المساجد، وتبليغ الناس بأهمية هذا الركن عند الله تعالى ومدى خطورة تركه أو إهماله، وذلك منذ المراحل الأولى في حياتهم، حتى يصبح جزءًا من حياتهم، وهو الأمر الذي وصى به رسول الله ﷺ في قوله: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع«(3).
ولنتذكر دائمًا قول الله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ}(4)، فيستعان بها في جميع الأحوال والظروف.
ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــــ
(1)
[المدثر: 4]

(2)
[الأعراف: 31]


(3)
أخرجه أبو داود (ص82، رقم 495) كتاب الصلاة، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة. وأحمد (2/18، رقم 6689). والحاكم (1/197، رقم 708).

(4)
[البقرة: 45]



ابو معاذ المسلم 19-11-2021 05:45 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(137)

الإنفاق في سبيل الله



عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ عَنْ رَسُولِ الله ï·؛ أَنَّهُ ذَكَرَ النَّارَ فَتَعَوَّذَ مِنْهَا وَأَشَاحَ بِوَجْهِهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ ثُمَّ قَال:َ «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ«(1).

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ الله ï·؛ قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ الله عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لله إِلَّا رَفَعَهُ الله«(2).

المال في الإسلام:

إن ما في هذا الكون كله ملك لله تعالى، الإنسان والدواب والطيور والأرض والسموات وما فيهما من الكائنات والجمادات، مخلوقات لله وملك له جل وعلا، لقوله تعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ غڑ وَهُوَ عَلَىظ° كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(3)، وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ غ– وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ}(4).

وبهذا المفهوم فإن المال وكل ما يندرج تحته من المصالح والممتلكات هي ملك لله تعالى.

وأما موقف الإنسان من هذا المال وملكه له فلا يخرج عن أمرين بعد اعتقاده أنه مال الله تعالى وأن ما رزق منه مؤتمن عليه:

1-ينتفع بهذا المال في المباح وضمن الضوابط الشرعية التي رسمت حدود التصرف فيه ومجالاته ومصارفه، لأنه كسائر المخلوقات التي سخرها الله تعالى للإنسان في هذا الكون، لقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً غ— وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ}(5).

2-أن ينْفَع بالمال سائر خلق الله تعالى، لأن المال لم يخلق لفئة دون أخرى من جهة، ولأن الإنسان مستخلف في الأرض ومستعمر فيها من جهة أخرى، لقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ}(6)، وقوله تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُ مْ فِيهَا}(7)

وهذا يعني أن الإنسان موكل لصرف المال في الوجوه التي أمره الله الصرف فيها، لقوله تعالى: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِين َ فِيهِ غ– فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ}(8) وأما إذا تفاضل البعض على الآخر في استخلافهم لهذا المال، فهذا تقدير الله وقسمته لهم، وهم مستخلفون عليه لينفقوا في سبيله ليس من باب الاستحباب فحسب، بل هو واجب أيضًا كما هي الحال في الزكاة وصدقة الفطر، وكذلك حسب الأحوال المادية التي تمر بها الأمة، فإن النفقة تصبح واجبة في كثير من حالات الفقر والأزمات المادية التي تؤثر على حياة الناس، يقول تبارك وتعالى: {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ}(9) ، ويقول أيضًا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ غ— وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ}(10).

ويقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي سعيد: «من احتكر فهو خاطئ«(11).

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــــــ

(1) أخرجه البخاري (ص229، رقم 1417) كتاب الزكاة، باب الصدقة الرد. ومسلم (ص410، رقم 2350).

(2) أخرجه مسلم (ص1131-1132) كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة.

(3) [المائدة: 120]

(4) [النور: 42]

(5) [لقمان: 20]

(6) [الأنعام: 165]

(7) [هود: 61]

(8) [الحديد: 7]

(9) [النور: 33]

(10) [البقرة: 254]

(11) أخرجه مسلم (ص702، رقم 1605) كتاب البيوع، باب تحريم الاحتكار

ابو معاذ المسلم 14-05-2022 01:55 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(138)



الإنفاق سنة كونية

إن جذور الإنفاق ودوافعه ترجع إلى الفطرة الإنسانية السوية التي أودعها الله في نفس الإنسان، المسلم وغير المسلم، فقد عرفت العرب قبل الإسلام بالإنفاق على المساكين والضعفاء، وإكرام الضيف، واشتهرت فيهم شخصيات في هذا المجال كحاتم الطائي وغيره، وهذا يعني أن الفطرة السليمة هي التي تدفع صاحبها للإنفاق على الآخرين. لذا فإن المنفق حين ينفق ويكرم على من حوله، يشعر بسعادة وراحة، لأن الجانب الإيجابي في نفسه يغلب على الجانب السلبي، وهي أصل الفطرة التي فطر الناس عليها، أما إذا خالف الإنسان هذه الفطرة، واستأثر البخل والشح، فإنه يحرم من هذه السعادة في نفسه، كما يحرم ودّ الناس وثناءهم ودعاءهم.

هذا بالنسبة إلى الإنسان، أما إذا أُمعن النظر في سائر المخلوقات والأشياء في هذا الكون، فإن هناك إشارات كونية واضحة على حقيقة الإنفاق وعلاقتها بالحياة، ومدى تأثيرها على الكائنات المحيطة الأخرى، فالأرض مثلاً تخرج الطيبات المختلفة بأمر الله حين تلقى بركات السماء من الأمطار والهواء والشمس، يقول تبارك وتعالى: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ}(1)،وحين تحرم هذه البركات يصيبها القحط والجفاف، ويصيب الناس الفقر والجوع.

وكذلك الحال بالنسبة للدواب والطيور، فإنها تنطلق كل صباح سعيًا وراء رزقها من أجل بقائها وإطعام صغارها، وكلها أسرار وآيات في كون الله تبارك وتعالى.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ

(1) [الحج:5]







ابو معاذ المسلم 14-05-2022 01:59 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(139)



أنواع الإنفاق (1-2)


الإنفاق المشروع نوعان، الإنفاق الواجب والإنفاق المستحب:

الأول: الإنفاق الواجب:

وفيما يلي بعض وجوه الإنفاق الواجب:

1-الإنفاق على الوالدين: في حالات العسر واليسر، فلا يسقط هذا الواجب بيسر حالهما أو غناهما، لأن الأصل في مال الولد أنه للوالد، لقوله ﷺ لأحد الصحابة: «أنت ومالك لأبيك»(1)، كما أخبر عليه الصلاة والسلام بأولوية من يُنفق عليهم من الناس الوالدين، فعن كليب بن منفعة الحنفي عن جده أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله من أبرّ قال: «أمك وأباك وأختك وأخاك ومولاك الذي يلي ذاك، حقًا واجبًا ورحمًا موصولة»(2).

2-الإنفاق على الزوجة: حيث إن المرأة إذا خرجت من بيت أبيها فإن نفقتها تنتقل إلى زوجها، في الملبس والمأكل والمسكن، والعطايا الأخرى، لقوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ}(3).

وقد جعل الرسول عليه الصلاة والسلام أعظم النفقة أجرًا تلك التي ينفقها الرجل على أهل بيته، فقال: «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك؛ أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك»(4).

3-الإنفاق على الأولاد: في مجالات الحياة المهمة، التي تتكون من خلالها شخصية الأبناء والبنات على أسس سليمة، وتنمّي المهارات والمواهب لديهم، ليكونوا لبنات صالحة في بناء المجتمع ورقيه وتقدمه، لا سيما في هذا العصر الذي تنوعت فيه العلوم والتخصصات، وتطورت آليات التحصيل المعرفي، وتوسعت فيه آفاق الأولاد والبنات في هذا الفضاء العلمي الواسع في السنين المبكرة من أعمارهم، الأمر الذي يفرض على الآباء الإنفاق على أولادهم حتى لا يتأخروا عن الركب الحضاري، ولكن في حدود ضوابط الشرع وأحكامه، يقول عليه الصلاة والسلام: «أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله»(5).

4-الإنفاق على من تحت ولايته: من الخدم والعمال وغيرهم، فعن عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله هل لي أجر في بني أبي سلمة أن أنفق عليهم ولست بتاركتهم هكذا وهكذا إنما هم بني؟ فقال: «نعم لك أجر ما أنفقت عليهم»(6).

ولا بد هنا من الإشارة إلى شناعة الفعل وعظم الإثم للذين يخالفون أمر رسول الله ﷺ ووصيته نحو الخدم والعمال وكل من يعملون تحت أيديهم، فلا يعطونهم أجورهم، أو يتأخرون فيها أو ينقصون منها، أو يبخلون عليهم بالطعام أو يسكنونهم في أماكن لا تليق بالإنسان الذي كرّمه الله، يقول عليه الصلاة والسلام: «كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته»(7).

6-الإنفاق في الزكاة: فالزكاة هي فريضة مالية فرضها الله تعالى للفقراء في أموال الأغنياء، وهي ركن من أركان الإسلام، وهي ليست إحسانًا أو منّة يتفضل بها المؤمن على أخيه المحتاج، وقد كثرت الأدلة من الكتاب والسنة على هذه الفريضة، يقول تبارك وتعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}(8)، ويقول جل شأنه: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ}(9).

ويقول عليه الصلاة والسلام في وصيته لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن: «إنك ستأتي قومًا أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب«

كما توعد الله تعالى مانعي الزكاة بالعقوبة والعذاب فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ}(10)

ويقول عليه الصلاة والسلام: «من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثّل له يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه يعني بشدقيه ثم يقول‏:‏ أنا مالك أنا كنزك‏«(11)، وأما مصارف الزكاة فقد حددتها الآية الكريمة في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}(12).

7-ويلحق بالزكاة زكاة الفطر من حيث الوجوب، يقول ابن عمر رضي الله عنهما: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة»(13).

كما يلحق بالإنفاق الواجب بعض المجالات الأخرى، كالأضحية والعقيقة والكفارات والنذور وغيرها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ

(1)
أخرجه ابن ماجه (ص328، رقم 2291) كتاب التجارات، باب ما للرجل من مال ولده. وأحمد (2/204، رقم 6902). وابن حبان (2/1420، رقم 410). والحديث حسن بشواهده.


(2)
أخرجه أبو داود (ص722، رقم 5140) كتاب الأدب، باب بر الوالدين. والنسائي (ص350، رقم 33) كتاب الزكاة، باب أيتها اليد العليا. وهو حديث صحيح.


(3)
[البقرة: 232]


(4)
أخرجه مسلم (ص403، رقم 995) كتاب الزكاة، باب فضل النفقة على العيال والمملوك.


(5)
أخرجه مسلم (ص403، رقم 994) كتاب الزكاة، باب فضل النفقة على العيال.


(6)
أخرجه البخاري (ص238، رقم 1467) كتاب الزكاة، باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر. ومسلم (ص405، رقم 1001) كتاب الزكاة. باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين.


(7)
أخرجه مسلم (ص403، رقم 996) كتاب الزكاة، باب فضل النفقة على العيال والمملوكة وإثم من ضيعهم أو حبس نفقتهم عنهم.


(8)
[النور: 56]


(9)
[البقرة: 43]


(10)
[التوبة: 34-35]


(11)
رواه البخاري، برقم، ص.



(12)
[التوبة: 60]


(13)
أخرجه البخاري (ص226، رقم 1403) كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة






ابو معاذ المسلم 14-05-2022 02:01 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(140)



أنواع الإنفاق (2-2)



الثاني: الإنفاق المستحب:

وهو الإنفاق في أوجه البرّ المختلفة، ولا يمكن حصرها، لأنها تتعدد بحسب حوائج الناس وافتقارهم إليها، ومن أهم وجوه الخير التي يمكن أن ينفق الإنسان فيها:

1- بناء المساجد التي يجتمع فيها المسلمون في اليوم والليلة خمس مرات على الأقل، وتقام فيها صلاة الجماعة، ويقرأ فيها القرآن، وتقام فيها الخطب والمحاضرات والندوات العلمية، ويلحق الإنفاق ببناء المساجد الإنفاق على القائمين عليها من الأئمة والمؤذنين والإداريين، وحسب المعمّر لبيوت الله قوله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ}(1)، قوله ﷺ: «من بنى لله مسجداً يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتاً في الجنة»(2).

2- الإنفاق على كتاب الله تعالى: وذلك بطباعته ونشره في العالم، كما هي حال مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، فقد وصل كتاب الله تعالى عبر هذا المجمع إلى أصقاع المعمورة، ومن وجوه الإنفاق على كتاب الله أيضًا إنشاء المعاهد والمدارس الخاصة لحفظ القرآن وتفسيره وعلومه، وكذلك الإنفاق على القائمين عليها وعلى كل ما يخدم هذا الكتاب، يقول عليه الصلاة والسلام: «خيركم من تعلم القرآن وعلّمه»(3).

3- طباعة الكتب النافعة: وهذا باب مستحدث من أبواب الإنفاق في سبيل الله، وذلك حين يبادر المؤمن المقتدر ماليًا على طباعة الكتب العلمية المختلفة التي ترجع بالفائدة على المؤمن في الدنيا والآخرة، سواء كانت في العلوم التطبيقية كالفيزياء والطب والرياضيات وغيرها، أوفي العلوم الشرعية كالعقيدة والفقه وعلوم القرآن والتفسير والسيرة، وذلك من نفقته الخاصة، للأفراد أو للمؤسسات العلمية والتعليمية، لأن كثيرًا ممن لديهم الإمكانات العلمية والدعوية لا يستطيعون القيام بمصاريف الطباعة والنشر لمؤلفاتهم ومصنفاتهم، ويعدّ هذا الفعل من الأعمال الصالحة التي تقرّب صاحبها إلى الله تعالى، لأنه ساهم في نشر العلم والمعرفة بين الناس، الأمر الذي يعرّفهم بالله تعالى، وبحقائق الكون وما فيه من الآيات والنعم، والاستفادة منها للنجاح والفلاح في الدنيا والآخرة.

4- الهدايا والهبات: فقد حثّ الرسول ﷺ على الهدايا والعطايا بين المؤمنين، لأنها نوع من أنواع الإنفاق الذي يؤلّف بين قلوبهم، ويغرس في نفوسهم الحب والرحمة نحو بعضهم البعض، كما ينزع منها البغض والشحناء، فضلاً عما ينال صاحب الهدية من جزاء ومثوبة عند الله، وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يحب الهدية ويقبلها ويثيب عليها(4).

5- رعاية الأيام والأرامل، والوقوف على شؤونهم ومراقبة حوائجهم والعمل على قضائها، لأنهم فقدوا معيلهم وهم ضعفاء لا يقدرون على العمل والكسب، لذا حث الشرع على رعايتهم والإنفاق عليهم، وقد أعدّ الله تعالى على ذلك أجرًا عظيمًا، للحديث الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله» ثم يقول أبو هريرة: وأحسبه قال: «وكالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر»(5).

ويقول عليه الصلاة والسلام: «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين، وأشار إلى السبابة والوسطى»(6).

6- القرض الحسن: وهو إعطاء المؤمن بعض ماله لأخيه المؤمن على سبيل القرض الحسن، ليقضي بها حاجته، على أن يردها إليه في الأجل المتفق عليه، وقد حث الإسلام على هذا الفعل وعدّه من الإنفاق الذي يثاب عليه صاحبها، لقوله تعالى:{مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}(7).

7- رعاية أهل العلم وطلبة العلم والإنفاق عليهم: إن الإنفاق على العلم الشرعي وطلبته من الأعمال الصالحة التي يؤجر عليها صاحبه، وذلك بدعم مراكز التعليم والإنفاق على مرافقها وأدواتها التعليمة، وكذلك القائمين عليها من المشرفين وأهل العلم، وكذلك الإنفاق على طلبة العلم الذين هم أحوج الناس إلى المساعدة والإنفاق، لأن كثيرًا منهم يقطعون المسافات البعيدة، ويصرفون ما لديهم من مال من أجل الوصول إلى البلد الذي يتعلمون فيه، فيكون حاجتهم ماسة إلى السكن والمأكل والملبس وكذلك لوازم التعليم من القراطيس والكتب وغيرها، وكل ذلك لا يتوفر إلا بالدعم المالي لهم.

8- رعاية المرضى ومداواتهم، من خلال تأمين العلاج لهم سواء العقاقير أو التبرع بشراء أجهزة طبية ووضعها في المستشفيات تحت إشراف مختصين أمناء، كأجهزة غسيل الكلى والعناية المركزة، وغيرها، لا سيما في الوقت الحاضر الذي تعددت فيه الأمراض المعضلة والمزمنة، والتي يقابلها التكاليف الباهظة للعلاج أو التخفيف من وطأة المرض، الأمر الذي يخفف المعاناة النفسية عن المريض أيضًا حين يتعالج مجانًا أو بأجور رمزية، والله تعالى يقول: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}(8). ويقول عليه الصلاة والسلام: «من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة«(9).

9- سداد الديون عن المدينين المعسرين، لا سيما الذين أودعوا السجن، فإن قضاء الدَّين عنهم وإخراجهم من ظلمات السجن وإرجاعهم إلى أهلهم وأولادهم من أكبر الأعمال والقربات التي يتقرب بها العبد إلى الله تعالى، يقول عليه الصلاة والسلام: «من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه«(10).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ

(1)
[التوبة: 18]


(2)
أخرجه البخاري (ص78، رقم 450) كتاب الصلاة، باب من بنى مسجدًا. ومسلم (ص216، رقم 533) كتاب المساجد، باب فضل بناء المساجد.


(3)
أخرجه البخاري (ص901، رقم 5027) كتاب فضائل القرآن، باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه.


(4)
انظر: صحيح البخاري (ص416، رقم 2577) كتاب الهبة، باب من قبل الهدية.


(5)
أخرجه البخاري (ص956، رقم 5353) كتاب النفقات، باب فضل النفقة على الأهل. ومسلم (ص1290، رقم 2982) كتاب الزهد، باب فضل الإحسان إلى الأرملة.


(6)
أخرجه البخاري (ص912، رقم 5104) كتاب النكاح، باب شهادة المرضعة.


(7)
[البقرة: 245]



(8)
[المائدة: 32]


(9)
أخرجه مسلم (ص1172، رقم 2699) كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الإجماع على قراءة القرآن.


(10)
المصدر السابق.







ابو معاذ المسلم 14-05-2022 02:04 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 

حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(141)





آداب الإنفاق

1-إخلاص النية لله تعالى:

انطلاقًا من قوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»(1)، فإن إخلاص النية شرط شرعي لأي عمل صالح، فلا يكون الإنفاق على الناس والوقوف على قضاء حوائجهم من باب الشهرة أو الرياء، أو من أجل تحقيق أهداف دنيوية أخرى، بل يجب أن يكون هذا العمل خالصًا لله تعالى، وتطبيقًا وامتثالاً لأمره جل وعلا بالإنفاق في وجوه البرّ المختلفة، وهذه الخطوة الأولى في صحة الإنفاق وقبوله، لقوله تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}(2)، وقوله تعالى: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ}(3).بخلاف الذين يفعلون ذلك لمآرب أخرى من أجل الرياء أو الشهرة أو تحقيق مصالح وأهداف ذاتية وغيرها، فإن عملهم لا وزن له عند الله، بل ينقل عليهم عبئًا ووزرًا، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}(4).

وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول الناس يقضي عليه يوم القيامة ثلاثة » ومنهم: « رجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال جواد، فقد قيل، فسحب على وجهه، ثم ألقي في النار« (5).

2-أن يكون المال المنفَق حلالاً، فلا يكون مكتسبًا حرامًا، كالربا والغش والسرقة وغيرها، بل يجب أن يكون طيبًا وبالطرق المباحة التي أباحها الشرع، وهي كثيرة جدًا، يقول عليه الصلاة والسلام: «إن الله طيب لا يحب إلا طيبًا«(6).

3-الإسرار في عملية الإنفاق، حفاظًا على كرامة الفقير والمحتاج، ودرءًا للرياء، وتربية للنفس، امتثالاً لقوله تعالى:{إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}(7).

كما يقول النبي ﷺ عن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تدرك شماله ما تنفق يمينه«.

4-أن يخرج المنفق من ماله أجوده وأفضله، فلا يتصدق على الناس بالمال الرديء الذي لا يستفيدون منه، لقوله تعالى: {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}(8)، وقوله جل ثناؤه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}(9).

عن أنس رضي الله عنه قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}(10)، قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن الله تعالى أنزل عليك: {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} وإن أحب مالي إلي بيرحاء وإنها صدقة لله تعالى أرجو برها وذخرها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال رسول الله ﷺ: «بخ! ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين»، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله. فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه(11).

5-تجنب المنّ والأذى في الإنفاق، لأن التصدق مع المنّ والأذى دلالة على الامتعاض من أمر الله، لأنه ينفق باستعلاء واستكبار دون أن يرجع فضل النعمة إلى الله تعالى الذي أمره بالسخاء في العطاء، كما أن في المنّ إذلال وإهانة للمسكين، وقد نهى تعالى عن ذلك فقال: {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ}(12)، وقال أيضًا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ}(13)

6-الاعتدال في الإنفاق: إن من أهم مبادئ هذا الدين هو الاعتدال في الأمور كلها، فلا إفراط ولا تفريط، وكذلك الحال بالنسبة إلى الإنفاق، فإن الاعتدال فيه يجعل الحياة متوازنة، ويصل الخير والمنفعة إلى الجميع، بخلاف إذا كان هناك إفراط في النفقة أو التقتير فيها، فإن الحالتين لا تخلوان من السلبيات المختلفة على المنفق والمنفق عليه، بحيث لا يصبح هذا الإنفاق إسرافًا، ولا يمسك عنه حتى يصبح بخلاً وشحًا، وقد أمر الله بالإنفاق المعتدل وأثنى على أصحابه فقال:{وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا}(14).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سبق تخريجه.

(2) [البقرة: 265]

(3) [البقرة: 272]

(4) [البقرة: 264]

(5) أخرجه مسلم (ص852، رقم 1905) كتاب الإمارة، باب من قاتل للرياء والسمعة.

(6) أخرجه مسلم (ص409، رقم 1015) كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب.

(7) [البقرة: 271]

(8) [آل عمران: 92]

(9) [البقرة: 267]

(10) [آل عمران: 92]

(11) أخرجه البخاري (ص236، رقم 1461) كتاب الزكاة، باب الزكاة على الأقارب. ومسلم (ص404، رقم 998) كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد ولو كانوا مشركين.

(12) [البقرة: 263]

(13) [البقرة: 264]


(14) [الفرقان: 67]







ابو معاذ المسلم 14-05-2022 02:07 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 

حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(142)


آثار الإنفاق على النفس والمجتمع (1-4)



أولاً- الإنفاق سبب لدخول الجنة والنجاة من النار:

إن المنفق والمتصدق حين يعطف على إخوانه ويمد إليهم يد العون بالمال، فيشتري لهم، ويطعمهم، ويكسوهم، ويداوي مرضاهم، ويسدد ديونهم، إنما هي أعمال صالحة ثابتة تسجل له، وتصبح سببًا لدخول الجنة، قال تعالى:{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ . وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ}(1)، والإنفاق الخالص

لله تعالى حجاب لصاحبه من النار، فرُبَّ صدقة صغيرة في الدنيا تكون سببًا لدفع العذاب، كما يقول عليه الصلاة والسلام: «الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار«(2).

لذا حرص النبي ﷺ على هذا العمل الصالح وحث الأمة عليه، ولم يحدد له حجمًا أو نصابًا، وإنما جعل الأمر مفتوحًا ليشارك فيه معظم الناس، حتى وإن كان شق تمرة، قال عليه الصلاة والسلام: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ«(3).

ثانيًا – الإنفاق يضاعف الأجر ويزيد الحسنات:

يضاعف الله للمنفق في سبيله جل وعلا الأجر ويزيد من حسناته ما يشاء، لقوله تعالى: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}(4).

ويقول عليه الصلاة والسلام: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب – ولا يقبل الله إلا الطيب – فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل«(5).

ثالثًا- الإنفاق يطهر النفس:

كما أن الإنفاق يطهر المال ويزكيه، فإنه في الوقت نفسه يطهر النفس وتغسلها من الأمراض الكثيرة، كالحسد والشح والأنانية وغيرها، فحين يخرج المنفق من ماله حق المساكين والمحتاجين فإنه يتحرر بهذا العمل من حبّ المال وسطوته في النفس، وبذلك تتطهر النفس وتعلو فوق المال والدنيا، يقول الله تعالى:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(6).

كما تتطهر في الطرف الآخر نفس المنفق عليه، ويتحرر من أغلال الحقد والضغينة حين يرى أخاه المنفق يمدّه بالعون والمساعدة، ويحل مشكلاته المادية وأزماته الاقتصادية، لأن القلوب مجبولة على حب من تحسن إليها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [الليل: 5-7]

(2) أخرجه البخاري (ص232، رقم 1435) كتاب الزكاة، باب الصدقة تكفر الخطيئة.

(3) سبق تخريجه.

(4) [البقرة: 261]


(5) أخرجه البخاري (ص227، رقم 1410) كتاب الزكاة، باب الصدقة من كسب طيب. ومسلم (ص408، رقم 1014) كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب.

(6) [التوبة: 103]





ابو معاذ المسلم 14-05-2022 02:09 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(143)


آثار الإنفاق على النفس والمجتمع (2-4)



رابعًا: الزكاة والإنفاق شكر لله عز وجل:

إذا أغدق الله تعالى على عبده بالنعم، ويسّر عليه مسؤوليات الحياة، وساق إليه الأرزاق من كل جانب، فإن من الواجب شكر هذه النعمة، وذلك بالحفاظ على المال وعدم الإسراف فيه وإنفاقه في وجوه الخير المختلفة، بالزكاة أو الصدقة أو التبرع لجهات خيرية أو الوقف على مصالح المسلمين، وهذا جزء من

شكر النعمة التي خصه الله بها، وقد توعد الله على ذلك بالزيادة والبركة، كما توعّد على كفر النعمة وابتذالها وحرمان الناس منها بالعذاب والعقاب فقال:{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}(1).

فالمال عزيز على النفس، فإذا أخرجه صاحبه طاعة لله كان ذلك شكرًا لله له جلّ وعلا، وقد كان عليه الصلاة والسلام قدوة في العطاء والإنفاق، يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: ما سُئل رسولُ الله ﷺ على الإسلام شيئاً إلا أعطاهُ، ولقد جاءه رجلٌ، فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وإن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يلبث إلا يسيرًا حتى يكُون الإسلامُ أحب إليه من الدنيا وما عليها(2).

وقد ضرب الله أمثلة وأورد قصصًا على المنفق الذي يشكره جل وعلا على نعمه وآلائه، والممسك الذي يكفر نعمة الله عليه ويرجع الأمر إلى نفسه.

فالمثال الأول: قصة نبي الله سليمان عليه السلام، حيث أنعم الله عليه بالمال والملك، وسخر له الريح والجان، ومخاطبة الطيور والدواب، فقابل ذلك بشكر الله تعالى والثناء عليه وطاعته والإنفاق في سبيله، قال تعالى:{وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ۖ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ۖ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ . يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ۚ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}(3).

المثال الثاني: قصة قارون، الذي آتاه الله من المال والذهب ما لم يأته أحدًا في عصره، فقابل هذه النعمة بالتجبر والتكبر على الله وعلى عباده، وقال إنما جمعت هذا المال بعلمي وعملي، فأخزاه الله تعالى وخسف به وبداره الأرض جزاء لهذا التصور والسلوك، يقول تبارك وتعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ . وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ . قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ . فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ . وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ . فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ . وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ۖ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ۖ وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ . تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ . مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ۖ وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(4).

خامسًا: الإنفاق ينمي المال، ويزيده:

كما يضاعف الإنفاق من الحسنات ويزيد من الأجر والثواب فإنه في الوقت نفسه ينمّي المال ويزيده، لقوله تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ . لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ}(5).

وأخبر الله تعالى أن ما ينفق في سبيله من مال أو متاع أو أعيان، فإنه يعوّضه ويزيده أضعافًا دون أن ينقص ذلك من ملكه شيء، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}(6).

بل إن الملائكة الكرام تدعو للمنفق كل صباح وأن يبارك له في رزقه ويخلفه أفضل مما أنفق، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا«(7).

فلا يخش أحد على ماله إذا أخرج منه زكاته، أو تصدق ببعضه على إخوانه الضعفاء، ولا يخش الفقر أو الحاجة أبدًا، لأن الرسول ﷺ بشّره بنماء هذا المال وزيادته، يقول عليه الصلاة والسلام: «ما نقصت صدقة من مال، بل تزده بل تزده»(8). وربما تكون هذه الزيادة أحيانًا بوضع البركة في المال، بحيث يكفي المال القليل لقضاء حوائج كثيرة، وهي حقيقة يلمسها الجميع في واقع الناس.

كما جاء في الصحيح أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ: «بينما رجل يمشي بفلاة من الأرض فسمع صوتًا في سحابة: اسق حديقة فلان. فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة، فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته. فقال له: يا عبدالله ما اسمك؟ قال: فلان، للاسم الذي سمع في السحابة. فقال له: يا عبدالله لم تسألني عن اسمي؟ فقال: إني سمعت صوتًا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان لاسمك. فما تصنع فيها؟ فقال: أما إذ قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثًا، وأردّ فيها ثلثه«(9).

وكما توعّد الله تعالى بزيادة المال وتنميته لصاحبه إذا أنفق في وجوه الخير، فإنه تعالى توعّد الذين يتعاملون مع هذا المال بالحرام في الكسب والإنفاق بالمحق والزوال، فقال: { يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ}(10).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)
[إبراهيم: 7]


(2)
أخرجه مسلم (ص1021، رقم 2312) كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول الله ﷺ شيئًا قط فقال: لا.


(3)
[سبأ: 12-13]


(4)
[القصص: 76-84]


(5)
[فاطر: 29-30]


(6)
[سبأ: 39]


(7)
أخرجه البخاري (ص233، رقم 1442) كتاب الزكاة، باب قول الله تعالى: ﴿﴾. ومسلم (ص408، رقم 1010) كتاب الزكاة، باب في المنفق والممسك.



(8)
أخرجه مسلم (ص1131، رقم 2588) كتاب البر والصلة، باب استحباب العفو والتواضع.


(9)
أخرجه مسلم (ص1291، رقم 2984) كتاب الزهد، باب فضل الإنفاق على المساكين وابن السبيل.


(10)
[البقرة: 276]





ابو معاذ المسلم 30-07-2022 02:01 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 

حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(144)


آثار الإنفاق على النفس والمجتمع (3-4)

سادسًا: الإنفاق يجلب محبة الله ومحبة رسوله ﷺ:



لأن المنفق استخلف على مال الله في الأرض فقام بواجب الإنفاق بالصورة التي يريدها الله وفي الأوجه التي ذكرها الله، فكان ذلك من أسباب محبته جل وعلا له، يقول تبارك وتعالى:{يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(1)، وقد بيّن عليه الصلاة والسلام هذا الأمر حين تكلّم عن الأشعريين في الحديث الذي رواه أبو موسى رضي الله عنه فقال: «إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم«(2).

وهي عبارة صريحة وواضحة على محبة النبي ﷺ لهم، ومن شدة حبّه عليه الصلاة والسلام لفعلهم وإعجابه بهم، جعلهم من أتباعه وأهل سنته، كما جعل نفسه واحدًا منهم.

سابعًا: الإنفاق مداواة للمرضى:

وإن من أسرار الإنفاق في سبيل الله أيضًا أنه دواء لكثير من الأمراض وسبب للشفاء والمعافاة منها، وقد ذكر عليه الصلاة والسلام ذلك وحثّ الأمة عليه فقال: «حصّنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة«(3).

ووجود هذه الوصفة في الإنفاق يدفع الناس إلى الإكثار من النفقات والإقبال على الصدقات والتبرعات، فتتحقق بذلك مصلحتان، الأولى سد حاجات الناس والإقلال من مظاهر الفقر والعوز، والأخرى قلة الأمراض والأوبئة في المجتمع وسلامته من البلاء والكوارث.

وتأتي علة الشفاء في الإنفاق والصدقة أحيانًا من دعاء الضعفاء والمساكين للمحسن إليهم، بأن يقضي الله حاجتهم ويشفي مريضهم ويفرج كربهم وغيره من الدعاء، فيستجيب الله لهم فيشفى المرضى وتُدفع البلاء والنقم.

والشواهد على هذه الحقيقة كثيرة، فكم من المرضى وأصحاب البلاء تعافوا من ابتلائهم بفضل الإنفاق والصدقة، بعد أن عجز الأطباء عن فعل شيء لهم، أو التخفيف من وطأة المرض عليهم، فلجأوا إلى الصدقة والنفقة بإخلاص، فشفاهم الله وأذهب ما بهم من البلاء.

ثامنًا: الإنفاق يحدّ من الجريمة:

إن من أهم أسباب الجريمة في أي مجتمع هو العوز المالي والفقر والحاجة التي تؤدي في النهاية إلى تراكم الأحقاد والضغائن في نفوس الفقراء على أصحاب الأموال، الأمر الذي يدفعهم إلى الجرائم المختلفة كالقتل أو السرقة أو السطو، وبالتالي يفقد المجتمع أمنه واستقراره.

وبما أن هذه الأسباب تنتفي في المجتمع المنفق، فإن عوامل حدوث الجرائم وظهورها تكون غير موجودة أو نادرة، فينعم الناس بالأمن والاستقرار داخل هذا المجتمع، ويأمنون على أنفسهم وأموالهم من الجرائم والسرقات، يقول الله تعالى:{الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(4).

هذا وتظهر أحيانًا الجرائم الأخلاقية نتيجة العوز المالي والفاقة، كما هي الحال في جريمة الزنا، لأن كثيرًا من الشباب لا يجدون نفقات الزواج وتكاليفه، ولا يجدون من يعينهم عليها فيلجأون إلى الزنا ويقعون في الجرائم الأخلاقية.

أما المجتمع المنفق الذي يقوم على أساس التكافل الاجتماعي يقل فيه مثل هذه الجرائم لانتفاء أسبابه، لأن الناس في ظل الزكاة والصدقات والإعانات الأخرى يتمكنون من الزواج الشرعي الذي يحصّنهم من الانحراف والفساد.

تاسعًا: المجتمع المنفق خال من الحسد والبغضاء:

كما تتزكى نفس المنفق في سبيل الله، وتتطهر أمواله بذلك، فإن نفوس سائر أبناء المجتمع تصفى وتتطهر من الحسد والضغائن في ظل عملية الإنفاق التي يعم خيرها الجميع، لأن القوي يرحم الضعيف، والغني يعطف على المسكين والفقير، والميسر ينفق على المعسر ويسد حوائجه، فلا يبقى سبب لظهور الحسد أو البغضاء بين أفراد المجتمع، بل إن هذا الجو التكافلي يولّد فيهم الحسد المحمود الذي استثناه الرسول ﷺ وميّزه عن الحسد المذموم فقال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل أعطاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل أعطاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها«(5).

فكل واحد من أبناء هذا المجتمع يريد أن يكون لديه من الأموال والأملاك لينفقها في وجوه الخير وقضاء حوائج الناس، ولا شك أن هذا التصور الإيجابي يدل على سلامة النفس من الكراهية والحقد نحو الآخرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)
[آل عمران: 134]


(2)
أخرجه البخاري (ص402، رقم 2486) كتاب الشركة، باب الشركة في الطعام والنهد والعروض. ومسلم (ص1100، رقم 2500) كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل الأشعريين.


(3)
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (3/382، رقم 6832). وهو حسن لغيره.


(4)
[البقرة: 274]



(5)
أخرجه البخاري (ص17، رقم 73) كتاب العلم، باب الاغتباط في العلم والحكمة. ومسلم (ص328، رقم 815) كتاب صلاة المسافرين، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه.





ابو معاذ المسلم 30-07-2022 02:03 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(145)


آثار الإنفاق على النفس والمجتمع (4-4)



عاشرًا: الإنفاق يحدّ من الفقر:

إذا كان الناس قائمين على أمر الله تعالى في إخراج حب المال من النفوس والقيام بأداء فريضة الزكاة، والإكثار من الصدقات وتفريج الكربات المالية عن إخوانهم، لكانت حال المجتمع المسلم على أفضل حال، لأن ذلك يقضي على أهم أسباب المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية.

وحين يقصّر المؤمن في هذا الجانب ويهمل هذه الفريضة، ويتهرب منها عن طريق التحايل والخداع، فإن وباء الفقر يستشري في المجتمع ويأكل منه كل جانب، وهذه حال معظم المجتمعات المسلمة اليوم، فحين يُنظر إلى تلك الأرصدة الضخمة والأرقام الخيالية لبعض الأفراد، يطرح السؤال نفسه، أين تذهب زكواتها؟!، التي يمكن أن تساهم في بناء الأمة وتقوية أركانها وحلّ جميع المشكلات الناجمة عن العوز المالي، من بناء المؤسسات العلمية، ودعم التعليم وطلبة العلم، وتشغيل أبناء الأمة وإيجاد الوظائف والأعمال المناسبة لهم، وتزويج الشباب، وتأمين السكنى لمن لا يملكونها، وغيرها من الأعمال الخيرية التي تساهم في إغناء الناس ومنعهم من السؤال واتباع طرق الضلال والفساد.

وهذا التقصير والإهمال واللامبالاة يرجع لضعف الإيمان أحيانًا، ثم لبعض الوساوس الشيطانية التي تتحكم في النفس وتمنعها من الخير، كالخوف من المستقبل المجهول، أو الخوف من الوقوع في دوامة الفقر، أو التنافس الخبيث بين أصحاب رؤوس الأموال واستعلاء بعضهم على بعض، وكلها مما يزيّنه الشيطان في النفس، مع العلم أن الله تعالى تكفّل لعباده بالرزق، ووعد المنفق بالزيادة والبركة، يقول تبارك وتعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}(1).

وكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول لبلال رضي الله عنه: «أنفق يا بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالاً«(2).

فكيف يخاف الفقر من ينفق في سبيل الله، والمال وصاحبه والكون كله ملك لله تعالى؟

إن التصور الصحيح عن حقيقة المال ودوره في الحياة، والقيام بواجب الإنفاق في الوجوه الخيرية وبالسبل المشروعة، كفيل بأن يقضي على الفقر وإفرازاته السلبية، ويشهد التاريخ لهذه الحقيقة في العصور الإسلامية الزاهية، وأجلى هذه الصور تحققت في عهد الخليفة عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه، حيث يقول عمر بن أسيد رحمه الله: «والله ما مات عمر بن عبدالعزيز حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون، فما يبرح بماله كله، قد أغنى عمر الناس«(3).

حادي عشر: الإنفاق سبب لتطور المجتمع وتقدمه ونمائه:

لا يمكن لأي مجتمع يعاني من الفقر والفاقة أن يخطو إلى الأمام خطوات جادة، أو يواكب الحضارة وينافس الآخرين في ميادين الحياة المختلفة، لأن اهتمام الناس وتوجههم ينحصر دائمًا في السعي وراء الرزق وتأمين حوائج الحياة الضرورية، بخلاف المجتمع المتكافل اجتماعيًا واقتصاديًا، الذي يكثر فيه الإنفاق ويتنافس أبناؤه على الصدقات والتبرعات، فهذا المجتمع لديه مقومات النمو والتطور، لأنه يستند إلى أسس متينة وأركان شديدة من التعاون والرحمة والإيثار، كما أن الجانب المالي والسعي وراء الرزق لا يأخذ من وقته الكثير، وحينها يستطيع أفراده استغلال أوقاتهم في معالي الأمور، كالتحصيل العلمي والمعرفي، وتنمية المهارات، والإبداع في عمله وتخصصه، وغيرها من الأمور التي من شأنها دفع عجلة الحياة إلى الأمام.

وقد ضرب المجتمع الإسلامي الأول أروع الأمثلة في الإنفاق والعطاء وبذل الأموال في سبيل الله، وتحقَّق التكافل الاجتماعي في أسمى صوره في ذلك الجيل الخيّر، وأنزل الله فيهم آيات، فقال عنهم جل وعلا:{وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(4).

فهذه التربية الربانية لهذا الجيل جعلتهم خير الناس، وجعلت عصرهم خير العصور، لأنهم ترجموا كلام الله تعالى وأمره إلى واقع وعمل، ففي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني مجهود. فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. فقال النبي ﷺ: «من يضيف هذا الليلة؟» فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله. فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ. وفي رواية قال لامرأته هل عندك شيء؟ قالت: لا إلا قوت صبياني. قال: علليهم بشيء، وإذا أرادوا العشاء فنوميهم، وإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل. فقعدوا وأكل الضيف وباتا طاويين. فلما أصبح غدا على النبي ﷺ فقال: «لقد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة«(5).

لقد أخرج الله من قلوب الصحابة حبّ المال والانهماك بجمعه وكنزه، فعرفوا أن الأصل في المال هو الانتفاع به فحسب، لذا كان يرى الكثيرون منهم رضي الله عنهم أن زيادة المال وفضله عبء ووبال عليهم، يقول أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: بينما نحن في سفر مع النبي ﷺ إذ جاء رجل على راحلة له فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالاً. فقال رسول الله ﷺ: «من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له». فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل(6).

* * *

وفي الختام:

فإن المال مال الله، وهو وسيلة من الوسائل الكثيرة في الحياة التي تنظم شؤون الناس ومعاملاتهم وعلاقاتهم، وإن الإنسان مستخلف عن المال ومحاسب عليه يوم القيامة، حيث يُسأل عن مصدره وطرق كسبه، ثم يُسأل عن مصارفه ومواضعه التي صُرف فيها، يقول عليه الصلاة والسلام: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيم فعل وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن جسمه فيم أبلاه«(7).

ومن هنا لا بد أن يراجع كل إنسان نفسه، وينظر فيما عنده من المال والمتاع، هل يقوم بالواجب المنوط به، أم أنه يجمع ويكنز ويبخل، فإن لكلا الحالتين عاقبة سيؤول الجميع إليها، إما الأجر والثواب وإما العذاب والعقاب، يقول تبارك وتعالى:{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ . وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ . وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ}(8)، ويقول عليه الصلاة والسلام: «واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم«(9).

* * *

كما أن الإنفاق وقاية من الآفات النفسية كالحسد والحقد والضغينة، فحين ينفق العبد ويخرج من ماله الزكاة والصدقة، تنزل عليه السكينة والطمأنينة، وتتعافى من حب الدنيا والحسد فيها والحقد على الناس.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)
[البقرة: 268]


(2)
أخرجه الطبراني في الكبير (1/440، رقم 1013)، وفي الأوسط (6/127، رقم 2671). وهو حديث صحيح.


(3)
تاريخ الخلفاء، ص 188.


(4)
[الحشر: 9]


(5)
أخرجه مسلم (ص917، رقم 2054) كتاب الأشربة، باب إكرام الضيف.


(6)
أخرجه مسلم (ص767، رقم 1728) كتاب اللقطة، باب استحباب المواساة بفضول المال.


(7)
سبق تخريجه



(8)
[الليل: 5-10]


(9)
أخرجه مسلم (ص1129، رقم 2578) كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم.







ابو معاذ المسلم 30-07-2022 02:06 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(146)



القرآن الكريم وأثره النفسي (1-2)


القرآن الكريم مصدر القوة والعزة والراحة والطمأنينة والأمن النفسي، ومصدر الشفاء والعافية والسعادة الأبدية في الدنيا والآخرة، ولذا نفصل فيه الحديث مفتتحين بما روى الترمذي رحمه الله:

عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا «وما قعد قوم في مسجد يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده«(1).

تعريف القرآن الكريم:

في اللغة:

القرآن: في الأصل للفعل قَرَأَ يُقال قَرأَتُ الكتاب قراءةً ومنه قرآنًا، والأصل في هذه اللفظة الجمع، وسُمّي القرآنَ لأنه جَمَعَ القَصَصَ والأمرَ والنهيَ والوعدَ والوعيدَ والآيات والسور بعضها إلى بعض، وقد يطلق القرآن على الصلاة من باب تسمية الكل بالبعض(2).

في الاصطلاح:

»القرآن العظيم هو كتاب الله المبين وحبله المتين وصراطه المستقيم وتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين، بلسان عربي مبين منزل غير مخلوق، منه بدا وإليه يعود»(3).

موضوعات القرآن الكريم:

إن الأصل في موضوعات القرآن الكريم أنه كتاب هداية، وهو النبراس الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور لقوله تعالى:{الر ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}(4).

ويمكن إجمال موضوعاته في النقاط الآتية:

1- العقيدة:

حيث يتناول القرآن الكريم التصور الصحيح عن الله تعالى، ويؤكد واحدانيته في الألوهية والربوبية وفي الأسماء والصفات، وأنه تعالى منَزّه عما لا يليق بجلاله من أنواع الشرك المختلفة، وقد عالج القرآن الكريم هذه القضية ثلاث عشرة سنة في مكة المكرمة لأولويتها وأهميتها، لأنها الأصل الذي ينبع منه سائر التصورات والأفكار والأعمال، يقول تبارك وتعالى:{وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ}(5)، ويقول:{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا}(6)، ويقول: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . اللَّهُ الصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ . وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ}(7).

ولا نبالغ إذا قلنا أن جميع آيات القرآن الكريم تدل على توضيح العقيدة الصحيحة، إما مباشرة أو بالتضمن.

2- العبادات:

وهي الأحكام التي تتعلق بالعبادات بصفة عامة، والمفروضة منها بصفة خاصة كالصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها، وقد أمر الله بالعبادة بمفهومها العام في آيات كثيرة، كما في قوله جل شأنه:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(8)، وقوله:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ . مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ}(9). ووردت آيات كثيرة أخرى حول العبادات المفروضة، مثل قوله تعالى في الصلاة: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ}(10).

وقوله عز وجل في الزكاة:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا}(11). وغير ذلك من العبادات.

وقوله تعالى في الصيام:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(12).

وقوله جل ثناؤه في الحج: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ}(13).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه مسلم (ص1173، رقم 2699) كتاب العلم، باب الاجتماع على تلاوة القرآن.

(2) لسان العرب، مادة «قَرَأَ»، 11/ 79.

(3) لمعة الاعتقاد لابن قدامة المقدسي مع شرح الشيخ ابن عثيمين ص77.

(4) [إبراهيم: 1]

(5) [البقرة: 163]

(6) [النساء: 36]

(7) الإخلاص.

(8) [البقرة: 21]


(9) [الذاريات: 56-57]

(10) [العنكبوت: 45]

(11) [التوبة: 103]


(12) [البقرة: 183]

(13) [البقرة: 197]







ابو معاذ المسلم 30-07-2022 02:09 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(147)



القرآن الكريم وأثره النفسي (2-2)





3- المعاملات:

تشتمل المعاملاتُ في كتاب الله الأحوالَ الشخصية، والأحكام المالية، وأحكام القضاء والدعاوى والجنايات، وأحكام السياسة الداخلية بين الحاكم والمحكوم في الحقوق والواجبات، وكذلك الأحكام الدولية المتعلقة بسياسة الدولة مع غيرها من الدول، ومن تلك الشواهد: قوله جل شأنه:{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا..}(1)، وقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(2)، وقوله جل ثناؤه: {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}(3).

4- الأخلاق:

وهي الخصال النفسية التي تتوافق مع الفطرة الإنسانية السليمة، حيث تضبط حركة الإنسان وتقوّمها في أفعاله وأقواله، فقد حرّم القرآن الكريم كل ما يتنافى مع الفطرة البشرية وتنبذها القيم الإنسانية الرفيعة كالزنا مثلاً، حيث يقول تبارك وتعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا}(4)، لما لها من آثار اجتماعية وخيمة على حياة الناس.

وسورة الحجرات من السور الكريمة التي تشتمل على مجموعة كبيرة من الآداب المهمة مع الله ورسوله ﷺ ومع المؤمنين، مثل احترام المؤمن لأخيه المؤمن في التخاطب والتعامل وعدم الإساءة إليه بأي شكل أو صورة تجرح مشاعره وكرامته، يقول تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}(5).

5- القصص:

ويدخل فيه أخبار الأمم السابقة وأحوالهم والدروس والعبر المستقاة منها، لا سيما أخبار الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام والأحداث التي كانت تحل بهم أثناء الدعوة إلى الله، وموقف المعاندين والمتكبرين منها، يقول تبارك وتعالى: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ ۚ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}(6)، ومن هذه القصص والأخبار قصة أهل الكهف وذي القرنين والخضر في سورة الكهف، وغيرها من الأخبار لتأخذ منها الأمة دروسًا في الدعوة إلى الله والصبر على مخاطرها وخطوبها، كما كانت حال سلفهم الصالح عليهم السلام.

6- الوعد والوعيد:

لقد اشتمل القرآن الكريم على تحديد الجزاء والمثوبة للمؤمنين الصادقين الذين يؤدون حقوق الله تعالى وحقوق عباده، ويسعون في الأرض لعمارتها ونشر الخير فيها، كما حدّد في المقابل عقوبة المعرضين عن دين الله ويسعون في الأرض فسادًا، يقول تبارك وتعالى:{فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ . وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}(7).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ

(1) [البقرة: 282]

(2) [البقرة: 179]

(3) [الأنفال: 61]

(4) [الإسراء: 32]


(5) [الحجرات: 11]

(6) [التوبة: 70]

(7) [الزلزلة: 7-8]





ابو معاذ المسلم 30-07-2022 02:11 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 

حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(148)

فضائل القرآن الكريم



يمكن بيان فضائل القرآن الكريم من خلال المعالم الآتية:

1-الأجر العظيم المترتب على تلاوته، لقول النبي ﷺ: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ألم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف«(1).

2-فضل قارئه ومتعلمه ومعلمه: لقول النبي ﷺ: «خيركم من تعلم القرآن وعلّمه«(2).

3-لأنه يستحق الغبطة، لقول النبي ﷺ: «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار«(3).

4-إن أهل القرآن هم أهل الله لقول النبي ﷺ: «إن لله أهلين من الناس قالوا يا رسول الله من هم قال هم أهل القرآن أهل الله وخاصته«(4).

5-أنه يشفع لأصحابه، لقول النبي ﷺ: «اقرأؤا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه«(5).

6-أن قارئه صاحب رفعة، لقول النبي ﷺ: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها«(6).

7-حافظه وقارئه مع السفرة الكرام البررة، لقول النبي ﷺ: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران«(7).

8-أن الله تعالى أقسم به فقال: {ق ۚ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ}(8).

9-فضلاً عن الآثار الإيجابية على شخصية القارئ ونفسيته، لقوله ﷺ: «مثل الذي يقرأ القرآن كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب والذي لا يقرأ القرآن كالتمرة طعمها طيب ولا ريح لها ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها«(9).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ

(1)
أخرجه الترمذي (ص654، رقم 2910) كتاب فضائل القرآن، باب فيمن قرأ حرفًا من كتاب الله تعالى.


(2)
أخرجه البخاري (ص901، رقم 5027) كتاب فضائل القرآن، باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه.


(3)
سبق تخريجه.


(4)
أخرجه ابن ماجه (ص32، رقم 215) كتاب الإيمان، باب فضل من تعلم القرآن. ورواه الحاكم في المستدرك (1/556، رقم 2046).


(5)
أخرجه مسلم (ص325، رقم 804) كتاب صلاة المسافرين، باب فضل قراءة القرآن.


(6)
أخرجه الترمذي (ص655، رقم 2914).



(7)
أخرجه مسلم (ص323، رقم 1862) كتاب صلاة المسافرين، باب فضل الماهر بالقرآن.


(8)
[ق: 1]


(9)
أخرجه البخاري (ص900، رقم 5020) كتاب فضائل القرآن، باب فضل القرآن على سائر الكلام.





ابو معاذ المسلم 30-08-2022 11:49 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(149)



آداب التلاوة

إن الغاية الأولى والأخيرة من تلاوة كتاب الله تعالى هو التدبر والتفكر في آياته لقوله تعالى:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}(1)، ويلحق بهذا التدبر معرفة التشريع والعمل به، حتى يتم القبول والرضى من الله تعالى ويحصل الأجر والمثوبة.

وبما أن القرآن الكريم كلام الله تعالى الذي يخاطب به عباده ينبغي على قارئه ومرتله أن يتحلى ببعض الآداب والأخلاق أثناء تلاوة آيه الكريم، ومن أهم تلك الآداب:

1- الاستشعار بأنه كلام الله تعالى، الذي خلق الأكوان والكائنات، وأنه يخاطب بجلاله وكبريائه عباده ليتخذوه لهم منهجًا ودستورًا في الحياة، وهذه نعمة من الله ورحمة عليهم من الرحمن الرحيم، لأنه جلّ شأنه لم يتركهم بعد خلقهم، وإنما بيّن لهم النور والهداية من خلال هذا الكتاب المبين.

2- يستحب لمن يقرأ القرآن أن يكون حاضر القلب والفكر أثناء التلاوة، حتى يتلقاه عن دراية وعلم، فيعلم الحلال والحرام، والمأمور به والمنهي عنه، ليتمكن بعدها من تطبيق ذلك وترجمته على الواقع.

3- إخلاص النية عند تلاوة القرآن، فلا يتلو حتى يقال أنه صاحب صوت حسن أو مؤثر، وإنما يقرؤه للتعبد والعمل به، وقد اتخذ كثير من الناس قراءة القرآن حرفة أو مهنة فلا يتلونه إلا في الموالد والمآتم مقابل أجر أو منفعة، والرسول ﷺ يقول: «إنما الأعمال بالنيات«(2).

4- أن يكون قارئه على طهارة، فلا يمسه ولا يقرؤه إلا وهو طاهر، لقوله تعالى:{لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}(3).

5- استقبال القبلة أثناء تلاوة القرآن الكريم.

6- الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم عند البدء في القراءة ثم البسملة، لقوله تعالى:{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}(4).

7- ترتيل القرآن بصوت حسن وتجويده، لقوله تعالى:{وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}(5)، وقوله ﷺ لأبي موسى رضي الله عنه:«لقد أوتيتَ مزمارًا من مزامير آل داود»(6). لحسن صوته وترتيله للقرآن الكريم.

8- التدبر في آيات القرآن والتوقف عند بعضها والتفاعل معها، ومحاولة إخراج الأحكام والعبر والفوائد منها إن أمكن، لأن هذا الكتاب فيه من الإعجاز والعلوم والمعارف التي لا تنتهي ولا تنقضي، يقول تبارك وتعالى:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}(7).

9-الخشوع والتأثر أثناء تلاوة القرآن، لأن ذلك يزيد من رقة القلب وحب العبادة والزهد في الدنيا، وقد كان هذا شأن الرسول ﷺ، فعن عبدالله رضي الله عنه قال لي رسول الله ﷺ: «اقرأ عليّ القرآن، قال: فقلت يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أُنزل! قال: إني أشتهي أن أسمعه من غيري، فقرأتُ النساء حتى إذا بلغت:{فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا}(8). رفعتُ رأسي أو غمزني رجل إلى جنبي فرفعتُ رأسي فرأيتُ دموعه تسيل«(9).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ

(1) [محمد: 24]

(2) أخرجه البخاري (ص1، رقم 1) كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي.

(3) [الواقعة: 79]

(4) [النحل: 98]

(5) [المزمل: 4]

(6) أخرجه البخاري (ص903، رقم 5048) كتاب الفضائل، باب الترجيع. ومسلم (ص321، رقم 793) كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن.


(7) [محمد: 24]


(8) [النساء: 41]

(9) أخرجه البخاري (ص905، رقم 4582) كتاب الفضائل، باب البكاء عند قراءة القرآن. ومسلم (ص323، رقم 800) كتاب صلاة المسافرين، باب فضل استماع القرآن وطلب القراءة من حافظ للاستماع.







ابو معاذ المسلم 30-08-2022 11:53 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 

حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(150)

الإعجاز في القرآن الكريم (1-2)



إن القرآن الكريم كلام معجز بلفظه وبلاغته، ومعجز بأحكامه وتشريعاته، ومعجز بعلومه ومعارفه، ومعجز بغيبياته وحقائقه المستقبلية، بل هو معجز بكل حرف وكل كلمة، والمقام يطول بالحديث عن جميع صور الإعجاز في هذا المصدر الرباني، ولكن هناك بعض الصور التي يتجلى فيها الإعجاز جليًا لكل الناس، والتي تدل على أن هذا المصدر هو من عند الله تعالى، وليس لأحد أن يأتي بشيء من مثله أبدًا، ومن بعض هذه الصور ما يلي:

1- فصاحة القرآن وبلاغته وتأثيرها على النفس: حيث تميَّزَ هذا المصدر ببلاغة قوية في العبارات وفصاحة في الألفاظ وتناسق في المعاني، من غير ركاكة في اللغة أو ضعف في الجمل، رغم كثرة آياته التي تزيد على ستة آلاف وستمائة آية، ورغم الامتداد الزمني الذي نزلت فيه هذه الآيات وهي ثلاثة وعشرون عامًا، وقد تحدّى البشر جميعًا على أن يأتوأ بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، يقول الله تعالى:{قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}(1).

ثم تحدّاهم على أن يأتوا بعشر سور مثله، يقول الله تعالى:{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ . فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ}(2).

بل تحدّاهم أن يأتوا بسورة مثله فعجزوا، يقول تبارك شأنه:{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ}(3)، ويقول في آية أخرى:{وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ}(4).

وكان تأثير هذه البلاغة والفصاحة سبب في إسلام عمر رضي الله عنه عندما قرأت عليه سورة طه في بيت أخته.

وقد قال الوليد بن المغيرة في القرآن الكريم بعد أن رجع إلى كفار قريش من عند رسول الله ﷺ قولاً بليغًا فقال: «فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني لا برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقوله شيئًا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقول لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته»(5).

2-التعرض للغيب كما ورد في سورة الروم، حيث إن المشركين كانوا يجادلون المسلمين في مكة عن انتصار الفرس وهم المجوس على الروم وهم أهل الكتاب، ويقولون أننا سنهزمكم كما هزم المجوسُ الرومَ، فجاء الخبر الإلهي في كتابه، بأن الروم ستنتصر بعد بضع سنوات، وقد تحقق هذا الخبر في أقل من عشر سنوات، وقد فرح المسلمون بذلك الانتصار لأنهم أهل الكتاب، وكان ذلك متزامنًا مع نصر المؤمنين على المشركين في بدر، يقول الله تعالى: {الم . غُلِبَتِ الرُّومُ . فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ . فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ . بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}(6).

وكذلك مثل دخول المسلمين مكة بعد أن رجعوا منها، يقول الله تعالى:{لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ}(7)، وغيرها من الآيات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــ

(1) [الإسراء: 88]

(2) [هود: 13-14]

(3) [يونس: 38]

(4) [البقرة: 23]

(5) أخرجه الحاكم وصححه (2/506، رقم 3872). والبيهقي في الدلائل (2/198).

(6) [الروم: 1-5]

(7) [الفتح: 27]





ابو معاذ المسلم 30-08-2022 11:57 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(151)


الإعجاز في القرآن الكريم (2-2)


3 -الحديث عن أحوال الأمم السابقة، والإخبار عن كثير من أنبياء الله ورسله عليهم السلام وذكر أسمائهم، وأحداث دعواتهم مع أقوامهم والحوارات التي كانت تدور بينهم، وما آلت إليه حال تلك الأقوام حينما أعرضت عن رسل الله ورسالاته، كقوله تعالى عن نوح عليه السلام: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ}(1). وقوله عن أصحاب الكهف: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا . إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا}(2).


4-الحقائق العلمية الموجودة في كتاب الله، وهي كثيرة، ومن بينها مراحل خلق الإنسان والأطوار التي يمر بها الجنين، حيث جاء تفصيلها في هذه الآيات {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ . ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}(3).

وآيات أخرى تتحدث عن الفلك والأحياء في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ}(4). وأخرى تتحدث عن علم البصمات كما قوله تعالى: {بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ}(5). والآيات في هذا الباب كثيرة يطول المقام لذكرها.

5-أن القرآن الكريم شامل لجميع مناحي الحياة، وواف بكل مطالب الإنسان وحاجاته الضرورية، من الأحكام والتشريعات المتعلقة بذلك، يقول الله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}(6)،

ويقول أيضًا: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}(7).

6-من أعظم إعجازات كتاب الله أنه كتاب هداية ورشد، يقرؤه الكافر ويسلم، ويقرؤه الفاسق ويهتدي، قال تعالى: {ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}(8)، وقال جل وعلا: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ}(9).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ



(1) [العنكبوت: 14]



(2) [الكهف: 9-10]



(3) [المؤمنون: 12-14]



(4) [الأنبياء: 30]



(5) [القيامة: 4]



(6) [الشورى: 13]




(7) [الأنبياء: 107]



(8) [البقرة: 2]



(9) [البقرة: 185]





ابو معاذ المسلم 31-08-2022 12:02 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 

حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(152)

حفظ القرآن الكريم



تكفل الله تعالى بحفظ كتابه الكريم بألفاظه ومعانيه إلى قيام الساعة، لقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(1)، وقد حاول الكثيرون عبر التاريخ الإسلامي الطويل أن يثيروا الشبهات والشكوك حول القرآن، ابتداء من عصر النبوة وظهور مسليمة الكذاب وادعائه النبوة ونزول الوحي عليه، وانتهاء بحملات المستشرقين في العصور المتأخرة والتي لا تزال قائمة إلى هذا العصر، ولكن بفضل الله تعالى ورعايته، ثم بجهود أهل العلم والدعاة والمخلصين لهذا المصدر الرباني، باءت تلك المحاولات والجهود بالفشل وماتت كل شبهة أو طعن في القرآن الكريم بأرضها، لأن الله تعالى تكفل بحمايته ورعايته.

وبين الفينة والأخرى تظهر حملات جديدة للنيل من كتاب الله بصور وأشكال تختلف عن سوابقها، ومن أهم المداخل التي يحاولون تمرير شبهاتهم وأباطيلهم:

- قضية المرأة والحجاب وحقوقها ومساواتها مع الرجل، مع العلم أن من أهم مبادئ التي جاء بها القرآن هو إقرار حقوق المرأة في الجوانب المختلفة، فقد نزلت آيات كثيرة تتحدث عن حقوق المرأة وأحكامها وواجباتها ومشاركتها مع الرجل في بناء الأسرة والمجتمع، في وقت كانت الجاهلية لا تعترف بحق إنسانيتها، وقد سميت سورة من أطول سور القرآن بسورة النساء، فضلاً عن الأسباب الكثيرة الأخرى التي كانت المرأة سببًا لنزول الآيات وتتابع الوحي على رسول الله ﷺ.

- كما شملت حملات المتربصين بالقرآن الكريم التشكيك في الوحي وصدق الرسالة، مردّدة ما كانت تقوله اليهود والمنافقون في صدر الإسلام، من أن هذا الكتاب مستقاة من الكتب السماوية الأخرى، كالإنجيل والتوراة وغيرها، وأنه عليه الصلاة والسلام تلقى ذلك كله من الراهب بحيرة حين التقى به في طريقه إلى الشام، وهذا افتراء قديم وجديد، تصدى له أهل العلم ودحضوه من كل جانب.

- ومن الموضوعات التي أثاروها أيضًا، نقد التشريع في مجال الحدود وغيرها من قتل النفس بالنفس وقطع يد السارق ورجم الزاني والزانية أو جلدهما، وكلها كانت بمثابة نفخ في الهواء، لأن الله تعالى أخرج لهم من هذه الأمة من يبطل هذه الافتراءات من خلال البراهين والشواهد العقلية والمنطقية، ومن خلال الدراسة النفسية للإنسان والأحوال التي تمر بها هذه النفس، والضوابط التي ينبغي أن تلتزم بها حتى لا تخرج عن إطارها البشري الذي ميّزه الله تعالى عن بقية الكائنات والدواب.


والحديث يطول عن حملات التشويه والتشويش على كتاب الله تعالى، وقد صنّفت مؤلفات كثيرة حول هذا الموضوع منذ القديم وحتى الآن لتبقى رصيدًا حيًا للأمة وتحديًا قويًا أمام هذه الحملات إلى يوم القيامة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــ

(1) [الحجر:9]





ابو معاذ المسلم 31-08-2022 12:07 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(153)


عوامل حفظ القرآن الكريم (1-2)



من أجل أن يكون المؤمن أداة حقيقية لحفظ كتاب الله تعالى ومدافعًا عمليًا عن المصدر الأول من مصادر التشريع، وينال شرف هذه المشاركة، عليه أن يلتزم بمجموعة من الواجبات التي تكفل حفظ القرآن الكريم ودلائله، ومن أهم هذه الواجبات:

1- الإيمان والتصديق بأنه الكتاب الخاتم، الذي أنزل على محمد ﷺ عن طريق الوحي، ولا يأتيه الباطل من تبديل أو تحريف إلى يوم القيامة، يقول تبارك وتعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا}(1).

2- العلم به في مجال التفسير وأسباب النزول، والأحكام والتشريع، والأخبار والقصص، ومعرفة المحكم منه من المتشابه، والناسخ من المنسوخ، وكذلك معرفة وجوه الإعجاز فيه ودراستها، والاطلاع على القراءات وأحكام التلاوة والتجويد وآدابها، وتصنيف ما كتب عنه من المؤلفات والمصنفات، ومعرفة طرق العلماء وجهودهم في استنباط الأحكام من الآيات وغيرها من العلوم المتعلقة بهذا الكتاب العظيم، وقد أثنى رسول الله ﷺ على من يعطي العناية بالقرآن الكريم في تعلّمه وتعليمه، فقال: «خيركم من تعلم القرآن وعلّمه»(2)، وقال ﷺ: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران»(3).

3-العمل بما في القرآن من أمر ونهي، والوقوف عند حدوده وتشريعاته، وترجمة آياته إلى واقع عملي، لأن الله تعالى وبّخ الذين لا يصل القرآن إلا إلى حناجرهم، وهدد بالوعيد من يقرأه ولا يأتي أحكامه، فقال:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ . كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}(4)، وقال أيضًا: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}(5).

4-تلاوته بصورة دائمة وتدبر آياته لقوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}(6)، وقوله: {وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ}(7)

وقد جاء الثناء الإلهي على الذين يحافظون على تلاوة القرآن في الليل والنهار، وأنهم أفضل من غيرهم، يقول تبارك وتعالى:{لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ}(8).

ولعل أفضل وقت لتلاوة القرآن الكريم هو الساعات الأخيرة من الليل، كما جاءت الإشارة إليه في قوله تعالى:{إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ ۚ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}(9).

ولا شك أن هذا التواصل مع كتاب الله تعالى يعين في حفظه وحمايته من الزيادة والتدليس والتحريف.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ

(1) [النساء: 136]

(2) سبق تخريجه.

(3) سبق تخريجه.

(4) [الصف: 2-3]

(5) [البقرة: 85]


(6) [المزمل: 4]

(7) [النمل: 92]

(8) [آل عمران: 113]

(9) [المزمل: 20]





ابو معاذ المسلم 31-08-2022 12:11 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 

حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(154)

عوامل حفظ القرآن الكريم (2-2)


5- التحاكم إليه وتحكيمه في شؤون الحياة كلها، فهو الحَكَم العدل، المنزل من الحاكم العادل، وقد أمر الله تعالى عباده بذلك في قوله:{وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ}(1)، وبالمقابل فإن رفض حكمه والتحاكم إلى غيره بأنه أفضل منه يعدّ كفرًا صريحًا، لقوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}(2).


ومن العبث العلمي، والانحراف الفكري، أن ينظر فئات من الناس إلى القرآن الكريم على أنه كتاب مقدس يقرؤه الإنسان في المآتم والمناسبات الدينية وليس له علاقة بواقع الناس ومشكلاتهم ومعاملاتهم، ومن ثم الدعوة إلى إدارة شؤون الحياة وفق أنظمة وضعية وبشرية، وهي دعوة أسلافهم في الماضي حين قالوا بفصل الدين عن الحياة، وكأن هذا الكتاب لا يصلح لهذا العصر!.

إن كتاب الله تعالى فيه أخبار الأولين والآخرين، وهو المنهج الذي يتوافق مع الفطرة الإنسانية السليمة ويتلائم مع تطلعات الإنسان وأشواقه وحاجاته في الحياة، لأنه منزل من خالق هذا الإنسان وخالق هذه الأشواق والرغبات، ومهما حاول المتربصون للنيل من القرآن والإسلام فإنهم لا يستطيعون أن يطفئوا نور الله الذي أشرقت به الظلمات في الشرق والغرب، حتى لم تبق رقعة على الأرض إلا وصلها القرآن ودخلها الإسلام، بعد أن عرف العقلاء والعلماء حال البشرية والتخبط الذي تعيش فيه جرّاء تلك القوانين والأنظمة الجائرة.

بل إن كثيرًا من شعوب العالم دخلوا الإسلام حين تحلّى به أهله وترجموه في واقع حياتهم، في المعاملات والسياسة والأخلاق والاقتصاد والاجتماع وغيرها.

6-حفظ القرآن الكريم، والعناية بدُور التحفيظ ومدارسها ومعاهدها، وتسهيل سبل التحفيظ للراغبين في ذلك، الأمر الذي يجعل هذا الكتاب محفوظًا في الصدور مع السطور، وأما غير القادرين على حفظه فيكفيهم حفظ بعض سوره وتلاوته ومعرفة أحكامه، حتى لا يبقى صدره خاويًا من ذكر الله تعالى، يقول عليه الصلاة والسلام: «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب«(3).

ومن أهم أسباب دوام حفظ القرآن في الصدور وعدم نسيانه هو المواظبة الدائمة على قراءته ومراجعته، لأن الانقطاع الطويل عنه ينسي صاحبه ما حفظ من آياته، يقول عليه الصلاة والسلام: «تعاهدوا القرآن فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتًا من الإبل في عقلها«(4).

وينبغي أن يخصص المؤمن وقتًا محددًا في اليوم لتلاوة القرآن وحفظه، حسب مقدرته وإمكاناته ووقته، والرجوع إلى التفاسير للآيات التي تشكل عليه معانيها.

كما تجدر الإشارة هنا أنه جاء التحذير الشديد للانقطاع الطويل عن كتاب الله تعالى وتلاوته وحفظه، لأنه كلما ابتعد الإنسان عن كتاب ربه كلما اقترب من الشيطان، فيتهاون في العبادات، ولا يتورع في ركوب المعاصي والمنكرات، حتى تصل به الحال إلى الاستلام المطلق للشيطان والسير تحت رايته، يقول تعالى على لسان رسوله ﷺ عن حال قريش:{وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}(5).

وجاء الوعيد الشديد المترتب على هجر القرآن والإعراض عنه، بعقابين شديدين في الدنيا والآخرة، يقول تبارك وتعالى:{وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ}(6).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ

(1) [المائدة: 49]

(2) [النساء: 65]

(3) أخرجه الترمذي (ص655، رقم 2914) كتاب فضائل القرآن، باب الذي ليس في جوفه قرآن. قال الترمذي: حسن صحيح. وأخرجه الحاكم (1/554، رقم 2037) وصححه.

(4) أخرجه البخاري (ص902، رقم 5033) كتاب فضائل القرآن. باب استذكار القرآن وتعهده. ومسلم (ص320، رقم 1844) كتاب صلاة المسافرين، باب الأمر بتعهد القرآن وكراهة قول (نسيت) آية كذا وجواز قول أنسيتها.


(5) [الفرقان: 30]

(6) [طه: 124]





ابو معاذ المسلم 11-10-2022 08:58 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(155)

حال السلف وأثر القرآن الكريم عليهم


يقول تبارك وتعالى: {لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}(1)، فإن لهذا القرآن أثرًا عجيبًا على النفس بصورة عامة ونفس المؤمن بصورة خاصة، لا سيما أولئك الذين تذوّقوا بلاغة اللغة وجمال المعاني وجذالة الأسلوب وقوة العبارات، مع الإيمان به وتدبره، لذلك كان للقرآن الكريم أثر قوي على السلف الصالح، لشدة إيمانهم ومعرفتهم باللغة وأساليبها، وفيما يلي نماذج لحال بعض السلف حين كانوا يستمعون إلى كتاب الله تعالى:

- عن مطرف بن عبد الله عن أبيه قال: «رأيت رسول الله ﷺ وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء«(2).

- وتقول عائشة رضي الله عنها عن أبيها: «كان أبو بكر رجلاً بكّاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن«(3).

-كما يروى أن تميمًا الداري رضي الله عنه قام ليلة حتى أصبح يردد هذه الآية: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}(4).

-قدم جبير بن مطعم على النبي ﷺ فسمعه يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ الآية:{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ . أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ . أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ}(5)،يقول جبير: كاد قلبي أن يطير، وقال: وذلك أول ما وقر الإسلام في قلبي.

-وعن تأثر الجن بالقرآن: يقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «انطلق النبي ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي ﷺ، وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء فهنالك حين رجعوا إلى قومهم وقالوا: يا قومنا{إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا . يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا}(6)، فأنزل الله على نبيه ﷺ {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ} وإنما أوحي إليه قول الجن«(7).

- وكان الفضيل بن عياض شاطرًا يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس، وكان سبب توبته أنه عشق جارية فبينا هو يرتقي الجدران إليها إذ سمع تاليًا يتلو: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ}(8)، فلما سمعها قال: بلى يا رب قد آن فرجع، فآواه الليل إلى خربة فإذا فيها سايلة فقال بعضهم: نرحل، وقال بعضهم حتى نصبح، فإن فضيلاً على الطريق يقطع علينا، قال: ففكرت وقلت: أنا أسعى بالليل في المعاصي وقوم من المسلمين ها هنا يخافوني، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع، اللهم إني قد تبت إليك وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام«(9).

-ويروى أن بعض فقهاء مصر دخلوا على الشافعي وهو في المسجد وبين يديه المصحف فقال لهم الشافعي: «شغلكم الفقه عن القرآن إني لأصلي العتمة وأضع المصحف بين يدي، فما أطبقه حتى الصبح«(10).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [الحشر: 21]

(2) أخرجه النسائي (ص168، رقم 1214) كتاب السهو، باب التنحنح في الصلاة. وأحمد (4/25، رقم 16355).

(3) أخرجه البخاري (ص657، رقم 3905) كتاب الصلاة، باب المسجد يكون في الطريق.

(4) [الجاثية: 21]

(5) [الطور: 35-37]


(6) [الجن: 1-2]

(7) أخرجه البخاري (ص125، رقم 773) كتاب الصلاة، باب الجهر بقراءة صلاة الفجر.

(8) [الحديد: 16]

(9) سير أعلام النبلاء للذهبي 8/ 423، تحقيق محمد نعيم العرقسوس، مؤسسة الرسالة بيروت: لبنان، ط2، 1402هـ/ 1982م.

(10) البرهان في علوم القرآن 1/ 462.





ابو معاذ المسلم 11-10-2022 09:00 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(156)




آثار القرآن الكريم على النفس والمجتمع (1-5)


لا يمكن حصر الآثار الإيجابية والثمرات اليانعة التي يكتسبها الإنسان من خلال التواصل مع كتاب الله تعالى بالقول والعمل، لأن الجهد البشري يبقى قاصرًا وناقصًا أمام هذا المعين الذي لا ينضب، ففيه من الفوائد والمنافع ما لا يعد ولا يحصى، هذا بالنسبة للمعلوم منها، وما يجهلها الإنسان ربما تكون أكثر وأكبر، لذا نشير إلى بعض من الآثار التي تعود بالخير والفائدة على الإنسان في الجوانب المختلفة لا سيما الجانب النفسي الذي هو محور حركته في الحياة، فمن هذه الآثار:

أولاً: أن القرآن الكريم كتاب هداية:

فالقرآن الكريم قبل كل شيء هو كتاب هداية أنزله الله تعالى إلى رسوله ليهديهم إلى سواء السبيل، لقوله تعالى: {ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}(1)، وقوله تعالى: {هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ}(2)، وقوله جل وعلا: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ}(3)، والآيات كثيرة في هذا الباب.

والهداية في القرآن تشمل جميع مناحي الحياة، فهو كتاب هداية إلى معرفة الله تعالى وتوحيده وإفراده بالعبودية، وهداية إلى إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وهداية إلى العلم الشرعي والتجريبي، وهداية إلى العمل الصالح والإيجابي، وهداية في التشريع والأحكام التي تنظم علاقات الناس ضمن الأسرة والمجتمع، وتحدد لهم الحقوق والواجبات، كما هو كتاب هداية إلى التعامل الصحيح مع الكون وما فيه من كائنات وجمادات، وغير ذلك من أنواع الهداية، والتي تؤدي جميعها في نهاية المطاف إلى رضوان الله تعالى وجناته.

* * *

ثانيًا: القرآن الكريم شفاء ورحمة:

إن القرآن الكريم هو شفاء للنفس من كل ما تعتريها من الأمراض والآفات، كالقلق واليأس والكآبة والخوف وغيرها، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}(4)،

كما أنه شفاء للأمراض العضوية التي يُبتلى بها الإنسان في جسده، لعموم الشفاء في قوله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا}(5)، حيث جاء (شفاءٌ) نكرة التي تدل على عموم الشفاء في النفس والبدن معًا. كما أنه تعالى لم يقل: (دواء)، لأن الدواء قد ينجع أو يفشل، أما الشفاء فهو تأكيد على المعافاة والتخلص من المرض بشكل نهائي.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات، فلما مرض مرضه الذي مات فيه جعلتُ أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه لأنها كانت أعظم بركة من يدي«(6).

والشواهد على هذه الحقيقة كثيرة، فهناك جموع من الناس تعافوا من الأمراض المزمنة بفضل قراءة القرآن بعد أن استعصى فيها الطب والعقاقير والتحاليل وغيرها.

والرقى الشرعية الصحيحة لا تخلو من قراءة سور من القرآن أو آيات منه لأنه العلاج الأقوى للتغلب على الأمراض المختلفة كما وصفه الله تعالى بقوله: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ}(7).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)
[البقرة: 2]


(2)
[آل عمران: 138]


(3)
[البقرة: 185]


(4)
[يونس: 57]


(5)
[الإسراء: 82]


(6)
أخرجه مسلم (ص973، رقم 5714) كتاب السلام، باب رقية المريض بالمعوذات والنفث.


(7)
[فصلت: 44]







ابو معاذ المسلم 11-10-2022 09:02 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(157)


آثار القرآن الكريم على النفس والمجتمع (2-5)



ثالثًا: القرآن يورث السكينة:

وذلك تصديق لقوله ﷺ في الحديث السابق ذكره: «وما قعد قوم في مسجد يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده«(1).

- فحين يقرأ المريض والضعيف قوله تعالى: {وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}(2)، وقوله تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}(3)، يشعر بالراحة والطمأنينة، لأن رحمة الله قريبة منه، وهو جل وعلا أرحم به من نفسه.

- وحين يقرأ الغني قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم}(4)، ويفعل ما يأمره به الله، تدخل الطمأنينة إلى نفسه لأنه قد أدّى حق الله تعالى عليه وأدخل السرور إلى قلوب الفقراء والمساكين.

- وحين يقرأ العاصي قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(5)، فإن ذلك يبعث في نفسه الإنابة إلى الله تعالى الذي لا يغلق باب التوبة لديه، فيبدأ حياة جديدة مليئة بالخير والعمل الصالح.

- وحين يقرأ اليائس قوله تعالى: {وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}(6)، فإنه يجد أمامه نورًا يدلّه إلى الأمل والتفاؤل، وأن الله تعالى قوي فوق كل قوة، وكبير فوق كل كبير، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وبذلك تطمئن نفسه ويخرج منها اليأس والقنوط.

- وحين يقرأ المتكبر قوله تعالى: {خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ}(7)، وقوله تعالى: {وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا}(8)، يشعر بمدى ضعفه وفقره إلى الله تعالى، لا سيما وأنه مخلوق من هذه النطفة، فيدفعه ذلك إلى التواضع مع الله ومع الناس.

- وحين يقرأ المتغافل قوله تعالى:{مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}(9)، وقوله:{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}(10)، يصحو من رقاده وينفض الغبار عن كاهله ليفكر ويتأمل بجدّ في ملكوت السموات والأرض، ويقوم بأداء رسالته في الحياة وفق ما رسمه الله تعالى.

- وحين يقرأ المشغول قول الله تعالى:{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}(11)، يهزّ هذا القول كيانه ليجد أن أصل العمل يجب أن يكون لله تعالى وللآخرة، وأن العمل في الدنيا إنما هو وسيلة للمعاش والقيام بواجب العبادة على الأرض.

- وحين يقرأ المعرض قول الله تعالى:{وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ}(12)، يهوله هذا المشهد المرعب، فقر وحرمان وضنك في العيش وابتلاء في الحياة الدنيا، وأشد من ذلك العمى والحرمان يوم القيامة، فيدفعه هذا الشعور للرجوع إلى الله تعالى وتقديم الأعمال الصالحة بين يديه، وترك ما يبغضه الله من المعاصي والمفاسد والمنكرات.

وهكذا يكون تأثير القرأن الكريم على نفس قارئه المتأمل في آياته وأوامره ونواهيه.

* * *

رابعًا: القرآن الكريم حصن وحرز من الشرور والآثام:

لقوله تعالى: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا}(13)، وقوله ﷺ: «من قرأ هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه»(14)،فالقرآن الكريم يحمي قارئه من الشرور المختلفة للنفس والبدن والمال والأولاد، سواء كانت هذه الشرور من الجن بالهمز والوسوسة والخوف أو كان من الإنس بالحسد والظلم وإلحاق الأذى، فإن قراءة القرآن وحفظه وتطبيقه تحفظ صاحبه من كل هذه الآفات.

لذا وصّى الرسول ﷺ الأمة بأن تكون على تواصل دائم مع القرآن لأن الشيطان ينفر من كلام الله تعالى، يقول عليه الصلاة والسلام: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة»(15)

ومعروف قصة أبي هريرة رضي الله عنه مع الشيطان حين قال له: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي فإنه لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فخلى سبيله، فقال له النبي ﷺ: «أما إنه قد صدقك وهو كذوب»(16)

كما أن القرآن الكريم يعصم صاحبه من فتنة الدجال: لقوله ﷺ: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصِم من فتنة الدجّال»(17).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)
سبق تخريجه.


(2)
[يوسف: 92]


(3)
[الأعراف: 56]


(4)
[التوبة: 103]


(5)
[الزمر: 53]


(6)
[ يوسف: 87]


(7)
[النحل: 4]


(8)
[النساء: 28]


(9)
[الحج: 74]


(10)
[الزمر: 67]


(11)
[القصص: 77]


(12)
[طه: 124]



(13)
[الإسراء: 45]


(14)
أخرجه البخاري (ص677، رقم 4008) كتاب المغازي، باب (12). ومسلم (ص326، رقم 1880) كتاب صلاة المسافرين، باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة.


(15)
أخرجه مسلم (ص317، رقم 780) كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد.


(16)
أخرجه البخاري (ص898، رقم 5010) كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده.


(17)
أخرجه مسلم (ص326، رقم 1883) كتاب صلاة المسافرين، باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي.





ابو معاذ المسلم 11-10-2022 09:03 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(158)


آثار القرآن الكريم على النفس والمجتمع (3-5)



خامسًا: القرآن الكريم مصدر بناء وتنمية وعزّ ورفعة:

إن قراءة القرآن والتدبر في آياته وتطبيق أحكامه على النفس والواقع من أهم عوامل البناء والتنمية للأمة، بل إنه يكسب الأمة الرفعة والكرامة والتمكين في الأرض، وكيف لا يكون ذلك وهو الكتاب المنزل من العزيز الجبار القائل عن نفسه: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ}(1)، ويقول جل وعلا: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}(2).

إن الحفاظ على الكرامة وتحقيق النصر والتقدم العلمي والتقني، وتحقيق التوازن العسكري والاقتصادي، والمستوى الفكري والثقافي، مرهون كل ذلك بمدى قرب الأمة من القرآن وبعدها عنه، لقوله ﷺ: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين«(3).

كما يقول عليه الصلاة والسلام: «يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حلِّه فيُلبسُ تاج الكرامة، ثم يقول: يا ربّ زدْه، فيلبس حلّة الكرامة، ثم يقول: يا رب أرضَ عنه، فيقال له: اقرأ وارقَ ويزاد بكل آية حسنة«(4)، والشاهد على هذه الحقيقة على مستوى الأمة، حين كان القرآن دستورها ومرجعها، كانت ذا رفعة وكرامة وقوة وتمكين، حتى دانت لها أكبر الإمبراطوريتين في العالم، وأما حين هجرت هذا الكتاب وأخذت ببعض آياته وتركت جلّه، تحوّلت إلى أمة ضعيفة تسير في مؤخرة الركب، وتتسول العلم والمعرفة على أبواب الأمم الأخرى.

أما على مستوى الأفراد، فكم من وضيع قرأ القرآن ارتفع ووصل إلى المعالي، وكم من فقير قرأ القرآن اغتنى، وكم من مريض قرأ القرآن شفي وتعافى، وكم من فاشل قرأ القرآن نجح وارتقى، وهكذا.

فتشريع القرآن وحكمه، وأمره ونهيه، والعلوم التي يشملها والأخبار التي يسردها، والغيب الذي يكشفه، تعدّ مصدرًا حيويًا وحقيقيًا للأمة في ميادين الحياة المختلفة، في حين أن هذه المقومات لا تتوفر عند عقائد الأمم الأخرى ومذاهبها.

* * *

سادسًا: القرآن الكريم منظم لحياة الناس وشؤونهم:

لقد تميّز القرآن الكرام في معالجة مشكلات الحياة وتحديد علاقات الناس في المناحي المختلفة بالتوازن والاعتدال، بصورة تتلائم وتتوافق مع الفطرة الإنسانية السليمة، ومن الأمثلة على ذلك:

-تنظيم الجانب الاقتصادي من خلال الحث على القرض الحسن والصدقة وتحريم الربا بجميع أشكالها، يقول تبارك وتعالى:{مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ}(5)، ويقول جل وعلا: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ}(6)، ويقول أيضًا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ . فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ}(7).

كل ذلك من أجل تحقيق العدالة الاقتصادية وعدم تكدس الأموال والأملاك في أيدي فئات محددة ومحتكرة.

-تنظيم الجانب الاجتماعي: من خلال الحث على الزواج الشرعي وتكوين الأسرة وإرساء دعائم الحب والوئام بين أفراد الأسرة لا سيما الزوجين، يقول تبارك وتعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}(8)، ثم حدد المهمة الملقاة على كاهل أفراد هذه الأسرة، يقول جل ثناؤه:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}(9).

كما حثّ القرآن الكريم الأبناء للقيام بواجب البر والعناية بالوالدين والإحسان إليهما لقوله تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا}(10).

-تنظيم الجانب السياسي: ويظهر هذا التنظيم واضحًا في القرآن الكريم حين يحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم داخل الدولة الإسلامية، كما في قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ}(11)، فإذا حدث إشكال أو نزاع فإن الحَكم حينها هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، لقوله تعالى في تتمة الآية:{فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}(12). وكذلك دعوتهم وفق المنهج القرآني القائل:{ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}(13).

كما أن القرآن الكريم تناول العلاقات السياسية مع الدول غير المسلمة وفق القاعدة القرآنية المعروفة:{وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}(14)، فالأصل في العلاقات الخارجية مع غير المسلمين هو السلام، ومن ثم دعوتهم عبر الوسائل المشروعة والمتاحة.

وهكذا بالنسبة لجميع الجوانب والميادين الأخرى، كان القرآن معالجًا لها ومنظمًا لأمورها، ومحددًا لأطرها وحدودها، بشكل متوازن ومعتدل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [الصافات: 180]

(2) [المجادلة: 11]

(3) أخرجه مسلم (ص329، رقم 1897) كتاب صلاة المسافرين، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه.

(4) أخرجه الترمذي (ص655، رقم 2915). وأحمد (2/192، رقم 6799). وقال: حديث حسن صحيح.

(5) [الحديد: 11]

(6) [البقرة: 276]

(7) [البقرة: 278-279]

(8) [الروم: 21]

(9) [التحريم: 6]

(10) [الإسراء: 23]

(11) [النساء: 59]

(12) [النساء: 59]

(13) [النحل: 125]

(14) [الأنفال: 61]





ابو معاذ المسلم 11-10-2022 09:05 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(159)


آثار القرآن الكريم على النفس والمجتمع (4-5)



سابعًا: القرآن الكريم يعالج مشكلة الفقر والبطالة

ويمكن توضيح هذا الأمر من خلال النقاط الآتية:

-أن القرآن الكريم أمر الإنسان بالسعي في الأرض والعمل من أجل الرزق والمعيشة حتى لا يكون عبئًا على الآخرين، فقال تعالى:{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}(1)، كما قال جل وعلا:{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}(2).

-أمر القرآن الكريم بدفع الزكاة التي هي ركن من أركان الإسلام، لأنها تغطي جزءًا كبيرًا من الفراغ المالي لدى بعض الناس، يقول تبارك وتعالى:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ}(3)، ويقول أيضًا:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}(4).

-حث القرآن الكريم على الصدقة والإنفاق في سبيل الله من غير مال الزكاة، وأثنى على الفعل وأهله، قال تعالى:{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ . وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ}(5)، كما ذمّ بالمقابل من يبخل عن الإنفاق في سبيل الله وآثر البخل والأنانية، فقال تعالى:{وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ . وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ}(6)

* * *

ثامنًا: القرآن الكريم يعالج الأمراض النفسية:

بما أن القرآن الكريم شفاء للمؤمنين فإنه بهذا المعنى يعالج جميع الآفات النفسية التي تعود بالمفاسد والأضرار على صاحبها وعلى المجتمع، ومن أهم الآفات التي عالجها القرآن وحذّر الناس منها:

-آفة الكبر، وهي الاستعلاء على الناس والنظر إليهم نظرة دونية، فحرّم القرآن هذا المرض النفسي وجعله من الكبائر التي يعاقب عليها صاحبها، لأن الكبرياء لله وحده فلا ينازعه فيها أحد، يقول تبارك وتعالى على لسان لقمان لابنه:{وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}(7).

-آفة الحسد، وذلك من خلال إرساء دعائم الإخوة بين المؤمنين لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}(8)، فالأخ لا يجوز له أن يحمل نحو أخيه حسدًا أو حقدًا أو كرهًا، لأن هذه الصفات خاصة بالمنافقين دون المؤمنين الذين يتميزون بصفاء القلب وطهارة النفس نحو إخوانهم في العقيدة، حيث قال عنهم الله تعالى:{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}(9).

-آفة الرياء، الذي هو عكس الإخلاص، وهي العمل من أجل الشهرة أو المال أو الجاه أو أية منفعة دنيوية أخرى، ولها آثار خطيرة على الإنسان، لأنها القاعدة التي ينطلق منها في رحلة الحياة، وقد عالجها القرآن الكريم من خلال التحذير الشديد منها والعاقبة الوخيمة لصاحبها، وجعلها من صفات المنافقين، يقول تبارك وتعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا}(10). وكذا الحال بالنسبة لجميع الآفات النفسية الأخرى.

والخلاصة: أن القرآن الكريم يطهر النفس من جميع الشوائب فيخلصها من هذه الأدواء، ويصفيها، فتبقى مطمئنة مرتاحة تعيش في كنف آياته بعيدة عن القلق والاضطراب والشكوك والوساوس والأوهام.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [الملك: 15]

(2) [القصص: 77]

(3) [البقرة: 43]

(4) [البقرة: 110]

(5) [الليل: 5-7]

(6) [الليل: 8-10]

(7) [ لقمان: 18]


(8) [الحجرات: 10]

(9) [الحشر: 10]

(10) [النساء: 142]






الساعة الآن : 04:43 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 618.17 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 616.40 كيلو بايت... تم توفير 1.77 كيلو بايت...بمعدل (0.29%)]