ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى حراس الفضيلة (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=103)
-   -   حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله) (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=194143)

ابو معاذ المسلم 02-09-2020 02:16 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(80)


ثانيًا: الرجاء المذموم
هو عدم العمل والطمع في تحقق المطلوب. وهو رجاء الكسالى والمتقاعسين عن واجباتهم الشرعية، كالذي يذنب ويعصي في جنب الله تعالى ثم يطلب منه أن يجازيه أحسن الجزاء، وهذا إخلال بأحد أركان الرجاء وهو تقديم العمل الصالح أولاً، ثم طلب القبول والجزاء ثانيًا. وكثير من أتباع هذا التصور لا ينظرون إلى الجانب الآخر الذي رتب الله تعالى عليه عذابًا وعقابًا، وإنما ينظرون من زاوية واحدة وهي أن الله غفور رحيم، وهذا أيضًا إخلال في الرؤية الصحيحة نحو الأشياء والحقائق، لأن الله تعالى الذي وصف نفسه بالرحمن الرحيم، وصفها أيضًا بأنه شديد العقاب، يقول تبارك وتعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ}(1) وهذه إشارة إلى أن الرحمة والغفران يكونان للمؤمنين العاملين الذين يخطئون فيتوبون وهو الرجاء المطلوب، وأن العقاب للذين لا يعملون ولا يتوبون وهم أصحاب الرجاء المذموم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)
[الحجر: 49-50]





ابو معاذ المسلم 02-09-2020 02:17 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(81)


آثار الرجاء المذموم


كما أن للرجاء المحمود آثارًا إيجابية على النفس والمجتمع، فإن للرجاء المذموم آثارًا سلبية على النفس والمجتمع، ومنها:

1- أن هذا النوع من الرجاء فيه اتهام لشرع الله تعالى وتعطيل لأحكامه، من خلال ترك صاحبه للأعمال المأمورة بها، وإتيانه للمنهيات والمنكرات، ثم يطلب من الله تعالى أن يدخله في رحمته وجنته، وهذا التصور يخالف أحكام القرآن والسنة النبوية.

2- الرجاء المذموم يعطّل النعم التي أودعها الله في الإنسان من عقل وحواس وجوارح، لأنه لا يستخدمها في الوجه الذي يريده الله تعالى منه، بل يستخدمها في معصيته ومخالفته، لأنه يتأمل العفو والمغفرة في كل الأحوال.

3- الرجاء المذموم يولد في النفس مبدأ التسويف والتأجيل، ليس فيما يتعلق بالعبادات وحسب، وإنما في سائر الأعمال اليومية والمعاشية، وهو ما يجلب الضرر والأذى للنفس والمجتمع.

4- الرجاء المذموم يجلب الاكتئاب والقلق لصاحبه، لأنه لا يعمل وينتظر النتائج، كالذي يريد أن يأتيه رزقه وهو قابع في بيته لا يحرك ساكنًا، وهو أمر يخالف سنة الحياة وناموس الكون، من أجل ذلك يبقى هذا الإنسان دائمًا في آخر الركب، وقد سبقه الآخرون إلى المعالي ومراتب النجاح والتفوق والإبداع، وهذه الحال تضعه في دوامة القلق النفسي والكآبة المستمرة، أو ربما تكوّن لديه روح الحسد والانتقام من الواقع والمجتمع.

من أجل ذلك كله، يجب على الإنسان أن يكون متوازنًا في معظم أحواله مع الله تعالى، فلا يغلب جانبًا على حساب الآخر، لأن ذلك يحدث خللاً في السير الصحيح، وتنحرف به الطريق عن الصراط المستقيم.

إلا أن هناك حالات ربما يزداد فيها الرجاء أحيانًا على الخوف، بسبب موقف ما أو نتيجة حادث أو نازلة، كالذي يحضره الموت، ويدرك أن أجله قريب، فلا بد من ارتفاع مستوى الرجاء لديه، وحسن الظن بربه، لينال العفو والمغفرة بإذن الله تعالى، ولا يطغى عليه الخوف، بل يستحضر قوله تعالى في الحديث القدسي: «أنا عند حسن ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء»(1)، وكذلك يعظم الرجاء عند اشتداد الأزمات لئلا يغلق على نفسه باب التفاؤل والاستبشار كما فعل النبي ï·؛ في قصة الهجرة وغيرها.

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ


(1)
صحيح ابن حبان: 635



ابو معاذ المسلم 02-09-2020 02:17 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(82)



حسن الظن بالله تعالى

قال الإمام الترمذي رحمه الله:حدثنا قتيبة بن سعيد وزهير بن حرب – واللفظ لقتيبة – قالا: حدثنا جرير عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ï·؛: «يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ، ذكرته في ملإ هم خير منهم، وإن تقرب مني شبرًا تقربت إليه ذراعًا وإن تقرَّبَ إلي ذراعًا تقرّبت منه باعًا، وإن أتاني يمشي، أتيته هرولة«(1).

مفهوم حسن الظن:

في اللغة: إن لفظ حسن الظن مركب من لفظين، أحدهما «حسن» وثانيهما «الظن» فالحسن ضد القبح ونقيضه، وقال الأزهري: الحسن نعت لما حسن(2).

وأما الظن فيأتي بمعناه اللغوي بمعنى الشك واليقين إلا أنه ليس بقين عيان إنما هو يقين تدبر لأن يقين عيان يقال له العلم وهو يكون اسمًا ومصدرًا فإذا كان اسمًا يأتي جمعه ظنونًا(3).

في الاصطلاح: هو الاعتقاد واليقين بأن الله تعالى رؤوف بعباده رحيم بهم، وبكل ما تقتضيه أسماؤه الحسنى وصفاته العليا، حيث يتولى شؤونهم في الحياة الدنيا ويسهل عليهم أمور الآخرة بإرسال الرسل والكتب، وكلها أسباب وقايتهم من عذابه وغضبه، وبذلك فإنه جل وعلا سبقت رحمته غضبه، والعطاء أحب إليه من المنع.

وحتى يتحقق حسن ظن العبد بربه وخالقه لا بد له أن يتبع بعض السنن والأسباب التي أمره الله تعالى بها من الإيمان به وتقديم الأعمال الصالحة بين يديه يقول تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَظ°ئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ غڑ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(4).


ويقول عليه الصلاة والسلام: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله«(5).



ابو معاذ المسلم 02-09-2020 02:18 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(83)



الفرق بين حسن الظن والرجاء والتمني

يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: «فإن حسن الظن بالله معناه أن نعتقد عن الله بأنه متصف بالحسن في ذاته وأفعاله وفي أسمائه وصفاته كما يليق بجلاله تعالى من غير تأويل ولا تحريف ولا تشبيه ولا تعطيل، وجميع أفعاله لا تخلو عن الحكمة سواء علمناها أو جهلناها.

وأما الرجاء فهو ارتياح لانتظار ما هو محبوب عند النفس، ولكن ذلك المتوقع لا بد له من سبب حاصل، فإن لم يكن السبب معلوم الوجود ولا معلوم الانتفاء سمى تمنيًا لأنه انتظار من غير سبب«(1).

منزلة حسن الظن بالله من الدين:

يقول الله تعالى:{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىظ° أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ غڑ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا غڑ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(2).

ويقول جل ذكره على لسان يعقوب عليه السلام: {وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ غ– إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}(3).

ويقول تبارك وتعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ غڑ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ}(4).

وهو من الأمور التي وصى بها رسول الله ï·؛ حيث قال: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله« (5).

ويقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «قدم رسول الله ï·؛ بسبي، فإذا امرأة من السبي تسعى، إذ وجدت صبيًا في السبي فأخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال رسول الله ï·؛: أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ قلنا: لا والله! وهي تقدر على أن لا تطرحه. فقال رسول الله ï·؛: لله أرحم بعباده من هذه بولدها«(6).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ï·؛: «لما خلق الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرض إن رحمتي تغلب غضبي«(7).

وعنه رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ï·؛ يقول: «جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه»(8)، وفي رواية: «وأخر الله تسعًا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة«(9).

ويقول عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم«(10).

وروى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله ï·؛ قال: «يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم«(11).

وقال ï·؛: «يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ، ذكرته في ملإ هم خير منهم، وإن تقرب مني شبرًا تقربت إليه ذراعًا وإن تقرَّبَ إلي ذراعًا تقرّبت منه باعًا، وإن أتاني يمشي، أتيته هرولة«(12).

وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أنه سمع النبي ï·؛ قبل موته بثلاثة أيام يقول: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله«(13).

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــــ

(1)
نقلاً عن: مختصر منهاج القاصدين، تأليف ابن قدامة المقدسي ص316.

(2)
[الزمر: 53]

(3)
[يوسف: 87]

(4)
[الأعراف: 156]

(5)
أخرجه مسلم (ص1246، رقم 2877) كتاب الفتن، باب الأمر بحسن الظن بالله عند الموت.

(6)
أخرجه البخاري (ص1050، رقم 5999) كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله. ومسلم (ص1193، رقم 2754) كتاب التوبة، باب سعة رحمة الله تعالى وأنها تغلب غضبه.

(7)
أخرجه البخاري (ص1273، رقم7404) كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ï´؟ﯳﯴﯵﯶ﴾. ومسلم (ص1192، رقم 2751) كتاب التوبة، باب سعة رحمة الله.

(8)
أخرجه البخاري (ص1050، رقم 6000) كتاب الأدب، باب جعل الله الرحمة في مائة جزء. ومسلم (ص1193، رقم 6972) كتاب التوبة، باب سعة رحمة الله.

(9)
أخرجه مسلم (ص1193، رقم 6974) كتاب التوبة، باب سعة رحمة الله.

(10)
سبق تخريجه.

(11)
أخرجه مسلم (ص1200، رقم 2767) كتاب التوبة، باب سعة رحمة الله.

(12)
سبق تخريجه.

(13)
سبق تخريجه.

ابو معاذ المسلم 25-09-2020 06:52 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(84)



علاقة حسن الظن بالله بالتوكل على الله

إن حسن الظن بالله تعالى له علاقة وطيدة بالتوكل عليه جل وعلا، فهو أمر عقدي يؤثر على سلوكيات الإنسان وأخلاقياته اليومية، يقول ابن القيم رحمه الله: «فعلى حسن ظنك بربك ورجائك له يكون توكلك عليه، ولذلك فسر بعضهم التوكل بحسن الظن بالله. والتحقيق: أن حسن الظن به يدعوه إلى التوكل عليه؛ إذ لا يتصور التوكل على من ساء ظنك به ولا التوكل على من لا ترجوه، والله أعلم«(1).

حيث يوجد من الناس من يتكل على حسن الظن بالله، ويرتكب المعاصي ويقترف المنكرات، فهذا نوع من التناقض وقد توعد الله من يفعل ذلك بالسخط والعذاب يوم القيامة.

حتى قال بعضهم:

وكثّر ما استطعتَ من الخطايا إذا كان القدوم على كريم

وهذا التصور سمّاه أهل العلم من السلف بالغرور، لأنه يؤدي إلى التمادي في المعاصي والمنكرات، الأمر يناقض أصول التشريع في الأمر بالحلال والنهي عن الحرام.

فحسن الظن بالله تعالى ورحمته ومغفرته لا يعني أبدًا التغافل عن جانب الترهيب الذي أخبرنا عنه جل وعلا في كتابه المبين، حيث يقول: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ}(2).

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــــــ


(1)
تهذيب مدارج السالكين، 240


(2)
[الحجر: 49 – 50]

ابو معاذ المسلم 25-09-2020 06:53 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(85)



آثار حسن الظن بالله تعالى (1-2)

ولحسن الظن بالله تعالى آثار ونتائج إيجابية تضفي على النفس والمجتمع تميزًا عن سائر النفوس والمجتمعات ومن هذه الآثار:

1- يجلب السعادة والراحة للنفس ويسدل عليها ستارًا من الطمأنينة، لأن العبد الذي يحسن الظن بربه، يشعر أن رحمة الله تعالى وحنانه ولطفه يلاحقه في كل مكان، فلا يخشى حينها من وساوس الشياطين ونزغاتهم، ولا تطاوله آفات النفس من قلق وجزع واضطراب.

2- إن حسن الظن بالله تعالى يدفع بالمؤمن للأعمال الصالحة وتقديم العبادات والطاعات بين يديه، لينال القرب والرضوان منه جلّ وعلا، لقول النبي ﷺ في الحديث القدسي عن ربّه: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته»(1). فيظهر نوع من التنافس والتسارع بين العباد في سبل الخير والطاعات.

3-
إن حسن الظن بالله تعالى يجعل من المجتمع المسلم في حالة تنافس وتسابق نحو سبل الخير المختلفة، وبذلك يتحول هذا المجتمع إلى مجتمع متمدن ومتقدم، في جميع الميادين العلمية والاجتماعية والأخلاقية وغيرها، لأن أفراد هذا المجتمع لا يريدون جزاء من الناس، بل ينتظرون الجزاء والمثوبة من الله تعالى الذي تعهد لهم به إذا أحسنوا الظن به امتثالاً لقوله تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا}(2).


ابو معاذ المسلم 25-09-2020 06:53 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(86)



آثار حسن الظن بالله تعالى (2-2)

4- إن حسن الظن بالله تعالى يزيد في قلب المؤمن محبة الله تعالى ومحبة رسوله ﷺ، وبالتالي محبة أوليائه من المؤمنين، لأن القلب إذا تعلق بالله ورحمته الواسعة التي لا يحدها شيء، يشغف إلى الحياة معها والبقاء في ظلها، لأنها الملاذ الآمن الذي يجد أمنه وسلامته فيها.

5- إن العبد إذا أحسن الظن بالله تعالى، تمكّن من مواجهة المصائب والنوازل بصبر وثبات، وهو على يقين بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن الله تعالى إنما ابتلاه لخير عظيم وأجر كبير يُدَّخر له يوم القيامة، وهو ما يجعل العبد المؤمن في حالة من التفاؤل والحركة في الحياة لأنه يرنو إلى ما عند الله تعالى، فتتصاغر أمام يقينه الخطوب العظام والأهوال الجسام.

6-
إن حسن الظن بالله تعالى يجعل النصر والظفر حليف المؤمنين، لأنه يثبت المؤمنين في القتال ويشد من أزرهم ويزيد من صبرهم، رغم تكاثر الأعداء وقوة عتادهم، فكلما اشتد الخطب وحمي الوطيس اشتدت صلتهم بربهم وقوي ظنهم بالله تعالى، وهذه الصورة الحية قد نقلها الله تعالى لعباده عبر هذه الآية الكريمة: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا}(1).


وفي المقابل، فكما أن حسن الظن يجلب لصاحبه الرحمة والمغفرة فإن سوء الظن به جل وعلا يجلب عليه العذاب والعقاب يقول تبارك وتعالى: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَا تِ وَالْمُشْرِكِين َ وَالْمُشْرِكَات ِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ۚ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ}(2).


ويقول جل شأنه: {ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ}(3).


ابو معاذ المسلم 25-09-2020 06:53 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(87)



وسائل تعين على حسن الظن بالله تعالى

1- التدبر في خلق الله تعالى وآياته في النفس والكون والحياة، وكذلك التفكر بما وصف الله نفسه بها من الصفات والأسماء، لأن ذلك يبعث على النفس اطمئنانًا واسعًا وراحة كبيرة، ويشعر الإنسان حينها أنه بغنى عن كل ما سوى هذا الخالق المدبر لهذا الكون، والمتصف بهذه الصفات الجليلة والكريمة.

2- معرفة أهمية حسن الظن بالله تعالى وآثاره الإيجابية على النفس والمجتمع بشكل خاص وعلى الحياة بجوانبها المختلفة بشكل عام، لأنها تزيد من عزم الإنسان نحو حسن الظن بربه وخالقه، وهو الحال التي عاش عليها الأولون من سلف هذه الأمة رحمهم الله جميعها.

3- قراءة القرآن بصورة دائمة، والتفكر والتدبر في آياته وأحكامه، وهو نوع من الذكر والتعلق الصادق مع الله تعالى، ومعلوم أن كتاب الله حافل بآيات الرحمة والمغفرة، وهي جزء من صفاته جل شأنه، الأمر الذي يجعل الإنسان يحسن الظن بهذا الخالق الرحيم، فيقدم بين يديه شتى الأعمال الصالحة، من الفروض والسنن والنوافل والنفقات وجميع الأعمال الخيّرة الأخرى.

4- فهم الدين وتطبيق أحكامه في الأمر والنهي، وهو من مقتضيات تحقيق حسن الظن بالله تعالى في نفس الإنسان، لأن المعاصي والمنكرات تبعد الإنسان عن حسن الظن بالخالق، بل إنها تجعله يسيء الظن به جل ذكره، كما هو حال المشركين والكفار من غير المسلمين أو كما هو حال كثير من الفاسقين من أبناء المسلمين.


ابو معاذ المسلم 25-09-2020 06:54 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(88)



شكر الله تعالى

عبادتان قلبيتان عظيمتان يسببان الخير المطلق للإنسان، ومن هذا الخير: الخير للنفس قوة وبناء ومعالجة. هما شكر الله تعالى على نعمه، والصبر على بلائه، فيشكلان معلمًا من معالم منهج الإنسان في هذه الحياة ليكون سعيدًا في الدنيا والآخرة، نعرض أولاً ما يتعلق بالشكر، ونفتتح بما رواه مسلم رحمه الله:

حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ جَمِيعًا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَاللَّفْظُ لِشَيْبَانَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»(1).

حقيقة الشكر:

الشكر كما في مفردات الراغب: تصور النعمة وإظهارها، ويضاده الكفر وهو نسيان النعمة وسترها، ودابة شكور: مظهرة لسمنها إسداء صاحبها إليها، وقيل: أصله من (عين شكرى) ممتلئة، فالشكر على هذا هو الامتلاء من ذكر المنعم عليه.

وأورد القرطبي عبارات لبعض العلماء في معنى الشكر منها: أن الشكر هو الاجتهاد في بذل الطاعة مع اجتناب المعصية في السر والعلانية، وأقل الشكر هو الاعتراف بالتقصير في شكر المنعم، ولذلك قال تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا}(2)، فقال داود: كيف أشكرك يا رب، والشكر نعمة منك؟ قال: الآن قد عرفتني وشكرتني، وقيل: الشكر: أن لا يعصى الله بنعمه، وقيل: الشكر: التواضع والمحافظة على الحسنات، ومخالفة الشهوات، وبذل الطاعات، ومراقبة جبار الأرض والسموات(3).

وبذلك يمكن تعريف الشكر: بأنه اعتقاد نعمة المنعم سبحانه وإظهار هذا الاعتقاد على اللسان والجوارح.

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــ

(1)
أخرجه مسلم (ص1295، رقم 2999) كتاب الزهد، باب المؤمن أمره كله خير.


(2)
[ سبأ: 13]


(3)
تفسير القرطبي 1/271.


ابو معاذ المسلم 25-09-2020 06:54 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(89)



أنواع الشكر
والشكر ثلاثة أنواع:
1- شكر القلب:
هو الشعور الدائم للمنعَم عليه بفضل الله وكرمه ومنّه بما أنعم عليه من النعم الظاهرة والباطنة، وترجمة هذا الشعور إلى حب لله ورسوله ﷺ، يقول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ}(1). حيث سخر الله تعالى لهذا الإنسان كل ما حوله من الكائنات وما ينزل من السماء وما يخرج من الأرض تكريمًا له وترفيعًا لشأنه.
وإعمار القلب بهذا الحب وهذا الود من شأنه أن يؤثر على الجوارج فيجعلها تتحرك وفق منهج الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، يقول الله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(2).
2- شكر اللسان:
وهو الثناء على الله المنعِم، بالكلام وعبارات الشكر المتعددة، والتحدث بأنعم الله تعالى وأفضاله التي لا تعد ولا تحصى، وهذا الركن هي الوسيلة التي ينقل الإنسان من خلالها شكر الله من القلب إلى الجوارح، ويعدّ شكر النعمة باللسان نوع من الذكر لله تعالى وقد أمر الله به العباد كما في قوله: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}(3).
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ أخذ بيده وقال: «يا معاذ والله إني لأحبك فقال أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»(4).
ويقول عليه الصلاة والسلام: «من قال حين يصبح اللهم ما أصبح بي من نعمة فمنك وحدك، لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر فقد أدى شكر يومه، ومن قال مثل ذلك حين يمسي فقد أدى شكر ليله»(5).
ويدخل في هذا النوع من الشكر كل ذكر لله من قراءة للقرآن أو تسبيح أو تهليل أو استغفار، ما دام اللسان رطبًا بذكر الله تعالى.
3-شكر سائر الجوارح:
وهو مكافأة النعمة بقدر استحقاقها، فهو من أعظم أنواع الشكر وأصدقها، ذلك أن ما ينبض به القلب من الحمد والشكر وكذلك ما يردده اللسان يترجم إلى واقع عملي، ومعظم أمور الدين إذا لم تتحول إلى عمل فلا يعد شيئًا في ميزان الشرع، وقد وردت في كتاب الله تعالى مقارنات كثيرة وملازمات متعددة بين الإيمان والعمل الصالح، كما في قوله تعالى في سورة العصر: {وَالْعَصْرِ . إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}(6)، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا}(7).
وقد صحّ عن الحسن رضي الله عنه قوله: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدّقه العمل.
فبذلك يكون الشكر العملي من أسمى وأعظم أنواع الشكر وأكثرها قبولاً عند الله، واستعمال الجوارج في التعبير عن شكر الله تعالى على نعمه وأفضاله تتمثل في كل أنواع الخير والطاعات، وترك كل المعاصي والمنكرات.
ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــ
(1)
[لقمان: 20]

(2)
[آل عمران: 31]

(3)
[الضحى: 11]

(4)
أخرجه أبو داود (ص225، رقم 1522) كتاب الوتر، باب الاستغفار. والنسائي (ص182، رقم 1304) كتاب السهو، باب نوع آخر من الدعاء. وأحمد (5/233، رقم 22172) وهو حديث صحيح.

(5)
أخرجه مسلم (ص1171، رقم 5073) كتاب الأدب، باب ما يقول إذا أصبح

(6)
سورة العصر

(7)
[الكهف: 107]

ابو معاذ المسلم 25-09-2020 06:55 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(90)



آثار الشكر على النفس والسلوك (1-2)

بما أن شكر الله تعالى وحمده على نعمائه وآلائه نوع من الذكر، وخُلق جميل على إدراك فضل الله تعالى على العبد، فإن لهذا الخُلق آثار متعددة على نفسية المنعَم عليه وعلى سلوكه وأطباعه، بل إن هذه الآثار تتعدى إلى آخرته فينال بالشكر رضوان الله تعالى والقرب منه وعفوه ورحمته، ومن أهم تلك الآثار:


1- إن العبد الشاكر ينال قبل كل شيء رضوان الله وأجره العظيم يوم القيامة، لقوله تعالى: {وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ}(1). وهذا غاية ما يتمنى العبد في سعيه في هذه الحياة.

2- إن شكر الله تعالى يولّد الشعور بالرضى والقرب منه جلّ وعلا، حيث يحس العبد حينها أن الله خصّه بكرمه فيقبل عليه بالتوبة والاستغفار والثناء عليه سبحانه بما هو أهله، ثم إنه يبادر إلى من حوله فيحسن إليهم، ويبذل جهده في إدخال السرور إلى قلوبهم كما أدخل الله المسرة إلى قلبه بإسباغ النعم عليه، فتشتد بذلك الروابط الاجتماعية بين الناس ويضمحل الحقد والضغينة بينهم.

3- إن شكر الله على نعمه وبأنواع الثلاثة يجعل الإنسان في حالة من التواصل المستمر مع ربه، فلا ينسى فضل الله عليه ليظلم الناس أو يسلب حقوقهم، أو يقصّر في العبادات وأداء الفرائض، ومن أجل ذلك تكرر الحث على الشكر في كتاب الله وتكرر ذكر النعم والآلاء لعل الناس يتفكروا فيها فيشكروا الله عليها بالتقرب إليه بالطاعات والعبادات، كما في قوله تعالى في نهاية كثير من الآيات: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، كما أثنى الله عز وجل على عباده الشاكرين وجعل الشكر شرطًا لدوام النعمة وزيادتها، فقال تعالى: {وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ}(2)، وقال: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُم ْ}(3).

4- إن شكر النعمة، يؤدي إلى الطمأنينة والراحة النفسية الدائمة، لأنه لم يجعل المال في قلب المنعَم عليه وإنما جعله في يده، ولم يفاخر به على الآخرين وينسبه إلى نفسه، وإنما يرجعه في الأصل إلى الله تعالى، الذي بيده ملكوت كل شيء، ويرزق من يشاء بغير حساب، كما أنه اعتقد أن هذه النعمة وسيلة لإحقاق الحق وإبطال الباطل، وتسخيرها في طاعة الله وإقامة حكم الله، وإنما هو مكلف للقيام بهذه المهمة ومحاسب عليها يوم القيامة.

إن هذا التصور يلقي بظلال من الراحة إلى نفوس المنعم عليهم لأنهم ساروا على الطريق المرسوم لهم من ربهم، ثم إنه يخرج من قلوب الفقراء والمحتاجين في المجتمع عوامل الحقد والنقمة على المنعم عليهم، فينشأ بين الطرفين الود والتعاون والوئام، وينجلي كل أسباب الضغينة والكراهية التي تؤدي إلى خلخلة المجتمع، وإفشاء القلق وأمراض النفس بين الناس التي قد تؤدي إلى النهب والسرقات أو القتل أو أية جرائم أخرى.

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــ

(1)
[آل عمران: 145]



(2)
[آل عمران: 144]


(3)
[إبراهيم: 7]



ابو معاذ المسلم 20-10-2020 09:37 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(91)



آثار الشكر على النفس والسلوك (2-2)

5- إن النفس التي يملأها الخير هي النفس المطمئنة العامرة بحب الله وحب رسوله ﷺ وحب المؤمنين، فلا تجد فيها ما يكدر من صفوها، أو يوسوس لها الاستعلاء والاستكبار على الآخرين.لأن من مداخل الشيطان إلى النفس أن يوحي إليها أن كل ما عندها من الخير والنعم هي من صنعها وكدها وتعبها، وليس لأحد فضل عليها أو منّة، وهو مستنقع خطير يصطاد الشيطان من خلاله الضعفاء من البشر.

6- إن الاستقرار النفسي الذي ينتج عن شكر نعم الله يؤدي إلى الاستقرار والأمن في المجتمع، وهو أمر مهم للحفاظ على تماسك الناس فيما بينهم، وكذا الحفاظ على راحتهم النفسية، وعلى العكس من ذلك فإن أي اضطراب في النفس أو غضب سينقلب سلبًا على الناس وعلى المجتمع، لذا كان الشكر أمرًا مطلوبًا لتفادي هذا الخطر على النفس قبل البشر.

7- الخيرية المطلقة للشاكر في الدنيا والآخرة كما وَرَدَ في الحديث السابق، حيث جاءت هذه الخيرة نكرة والنكرة تعم، وبذلك يدخل العبد الشاكر لنعم الله تعالى في محتوى الخيرية ويصبح جزءًا صالحًا من هذه الأمة التي امتدحها الله بهذه الصفة المباركة {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}(1).

8- إن شكر النعم ومقابلتها بالعمل الصالح وكل ألوان الطاعات والعبادات، هو نوع من الاقتداء بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام الذين هم أعالي الناس، وأكثرهم حمدًا وشكرًا لأنعم الله، وأعلمهم بحقيقة وجودهم وما سخّر الله لهم من النعم لبقائهم وسعادتهم في الحياة، فلم تغريهم الدنيا وزينتها، من كثرة الأتباع أو قيادة الناس، لم يغرهم علمهم وحجتهم، لأنهم على دراية كافية بحقيقتها وأنها فضل من الله تعالى وفي الوقت نفسه ابتلاء واختبار.

وقد وصف الله تعالى نبيه وخليله إبراهيم عليه السلام، بأنه كان عبدًا شاكرًا لما أُغدق عليه من النعم والآلاء، فقال: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ۚ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}(2).

وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا«(3).

9- إن العبد الشاكر لنعم الله تعالى ينال محبة رسوله ﷺ، للحديث الذي يرويه معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ أخذ بيده وقال: «يا معاذ والله إني لأحبك. فقال: أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك«(4).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


(1)
[آل عمران: 110]



(2)
[النحل: 120-121]


(3)
[صحيح البخاري:6471]


(4)
سبق تخريجه





ابو معاذ المسلم 20-10-2020 09:38 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(92)



جحود النعمة ونكرانها

إن كثيرًا من الناس لا يقدرون قيمة تلك النعم ولا يضعونها في مكانها الذي خصصه الله لها، ويتبجحون بها كل تبجح، فيبذرون أموالهم تبذيرًا في أشياء لا منفعة فيها ولا مصلحة، فضلاً عن إسرافها في المحرمات والمعاصي والصد عن سبيل الله، ثم إنهم ينسبون كل ما تحل بهم من نعم وأفضال إلى أنفسهم، فيتجبرون بها على رقاب الضعفاء ويتكبرون ويتباهون بها بين الناس دون أن يضعوا في الحسبان نصيب إخوانهم الضعفاء فيها، أو مساعدتهم والتودد إليهم من خلالها.


فالذي هذا شأنه يكون منكرًا لنعمة الله بدلاً من شكره والثناء عليه، وكذلك الذي لا يعمل بعمله وقدراته في خدمة الناس ولا يتقن بما وكل إليه يكون منكرًا للنعمة وجاحدًا لها، والذي يفرط بأوقاته ويضيعها في اللهو واللعب والمحرمات منكر لنعمة الله، وإن الذي لا يشكر الله على الأمن والرخاء الذي يحيط به من كل مكان ويتعدى من خلاله على حقوق الآخرين وظلمهم فإنه جاحد للنعمة ومنكر لها، وكل نعمة يمنحها الله تعالى للعبد فلا يستعملها لرضى الله وطاعته وقضاء حاجات الناس وحل مشكلاتهم تعد نوعًا من الحجود والكفر لهذه النعمة.

يقول جل ذكره: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ}(1).

* * *

ولكن ما هي النتيجة المترتبة على كفر نعم الله المغدقة على العباد؟

إن سنة الله ماضية في خلقه منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها إلى أن تقوم الساعة، والقرآن الكريم حافل بقصص الأمم الغابرة التي جحدت أنعم ربها وكفرت بها وما حل بها من عذاب وعقاب، أحيانًا بالريح وأخرى بالرجفة وثالثة بخسف الأرض، وغيرها من العقوبات التي كانت نتيجة كفرهم لأنعم الله عندما أغرقوا في ملذات الدنيا وشهواتها وزخرفها، يقول الله تعالى عن قوم سبأ: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ . فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ}(2).

وقوله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ۖ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ . وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ۚ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَىٰ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ}(3).


ويقول عز وجل: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}(4)،بل إن الخسارة الكبرى لكفر النعمة تكون يوم القيامة، حين يقف الإنسان بين يدي خالقه، فتُجلى له صحيفته التي لا تغادر صغيرة ولا كبيرة، فيرى ما اقترف من كبائر ومعاص مقابل ما أغدق الله عليه من الخيرات والبركات، وقد صوّر الله تعالى ذلك المشهد في الآية الكريمة: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُون}(5).

وقد أخبر النبي ﷺ أن النساء أكثر أهل النار للعلة نفسها فقال: «ورأيت النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن، قيل يكفرن بالله، قال يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا قالت ما رأيت منك خيرًا قط«(6).

هذا فضلاً عن الاضطرابات النفسية والأمراض العصبية التي تنجم عن كفر النعمة، حيث لا يقوم المنعَم عليه بأداء الواجب نحو هذه النعمة من الإنفاق في سبل الخير وإعانة المعوزين والفقراء، وهذا يشعل نار الغضب والحقد في نفوس الآخرين، والشاكرون القائمون بأداء هذا الواجب قلة، كما قال الله تعالى: {وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}(7)، وقال سبحانه: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}(8)، ومن أجل ذلك تزداد مثل هذه الأمراض والمشكلات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ

(1)
[البقرة: 152]


(2)
[سبأ: 15-17]


(3)
[القصص: 58- 59]


(4)
[النحل: 112]


(5)
[الأحقاف: 20]


(6)
أخرجه البخاري (ص8، رقم 29) كتاب الإيمان، باب إفشاء السلام. ومسلم (ص366-367، رقم 907) كتاب الكسوف، باب ما عرض على النبي ﷺ في صلاة الكسوف.


(7)
[الأعراف: 7]


(8)
[سبأ: 13]





ابو معاذ المسلم 20-10-2020 09:38 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(93)



وسائل معينة على شكر الله تعالى

هذا وإن لشكر نعم الله تعالى وآلائه على الإنسان وسائل ومعينات، تساعد على تذكر النعمة والقيام بالواجب الشرعي نحوها، ومن تلك المعينات:

1- التفكر والتأمل في الأنعم المغدقة والتي لا تعد ولا تحصى، ابتداء من نعمة الحواس وسائر الجوارح، ونعمة الصحة والعافية والقوة والمال والولد، حيث إذا فقد الإنسان شيئًا من هذه النعم، يُرى عليه أثر ذلك، فيختل جانب مهم في حياته، بل إن كثيرًا من النعم لو فُقدت من الإنسان جعلت حياته ضربًا من العذاب والاضطراب والشقاء، ومن أجل هذا فإن التأمل والتفكر في هذه النعم القريبة جدًا من كيان الإنسان ضرورة وسبيل للقيام بواجب الشكر والثناء على المنعِم جلّ وعلا.


2- أن ينظر الإنسان دائمًا إلى من هو أسفل منه، وليس إلى من هو أعلى منه في المال والشهرة والمنصب، لأن ذلك يولّد الحسد والبغض بين الطرفين، بل ربما يسلك الأدنى سبلاً غير مشروعة من أجل الوصول إلى ما وصل إليه غيره من الثراء أو المكانة الاجتماعية، أو الشهرة وغيرها، ومن أجل ذلك وصّى النبي ﷺ المؤمنين بالابتعاد عن هذا الخُلق الذميم حتى لا يقعوا في شراك الشياطين ويتبعوا الطرق المحرمة لتحقيق غاياته ومآربه فقال عليه الصلاة والسلام: «انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله«(1).

3- الدعاء، وهو الوسيلة المباشرة بين العبد وربه، يبث عبرها همومه وشكواه لخالقه، ويطلب منه العون والنصرة والتوفيق، ويسأله وحده أن يديم عليه ما هو فيه من نعمة الإيمان والصحة والعافية والمال والأولاد، ولا يعتمد في ذلك على أحد سواه، ويسأله في الوقت نفسه أن يعينه على الصبر إذا حُرم بعض تلك النعم.

4- قراءة القرآن وتدبر آياته، بصورة دائمة، لأنها من الذكر الذي يدخل في باب الشكر باللسان، وقد أمر الله تعالى عباده بتلاوة القرآن وتدبره حتى لا ينقطع الحبل بين العبد وربه، ويبقى القلب موصولاً مع الله أبدًا، فيتجنب العبد المنعَم عليه حينها البطر والاستعلاء على الناس، ويخاف أن يتعرض لحقوقهم ودمائهم وأموالهم.

وأخيرًا:

فلا بد من الإشارة إلى مجموعة من الوصايا لشرائح مختلفة من أبناء المجتمع، كل حسب حاله:

ليعلم الغني أن ما أوتي من مال ليس من حوله وعلمه وقوته وإنما هو عطاء من الله ونعمة من جانب، وابتلاء واختبار من جانب آخر، وأن هذا المال هو مال الله تعالى والإنسان مستخلف فيه، وإذا شاء الله جعله محقًا وأثرًا بعد عين، فلا يغرن الإنسان بذلك وينسى فضل الله عليه وينسى شكره، فيتكبر ويتجبر بين خَلق الله، فقد علَّم القرآن الأمةَ دورسًا وعبر في قصة قارون حين أغراه ماله وثراؤه إلى أن تبجح بالقول{إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي}(2).

فكانت نتيجة ذلك التكبر والغرور{فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ}(3).

* * *

ثم ليعلم الشاب القوي، صاحب النشاط المتجدد والحركة والحيوية، أن هذه القوة والحياة في جسمه إنما هو نعمة ومتاع ينبغي استغلالها في سبل الخير وفي سبيل الله، فلا تكون وسيلة لإيذاء الناس وإلحاق الضرر بهم، لأن الله الذي منح هذه القوة والنشاط يستطيع أن يُذهبها بين لحظة وأخرى، وليكن في بال كل شاب وفتاة قول رسول الله ﷺ: «سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عدل وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه«(4).

* * *

ثم وصية لكل إنسان معافى من الأمراض والأوباء أن يخصص أوقاتًا معينة لزيارة المستشفيات ليرى إخوانه المرضى الذين يعانون الأمراض المختلفة، ويأنّون ويتألمون معظم أوقاتهم، ليرى ذلك ويعرف فضل الله عليه بما أسبغ عليه من نعمة العافية والصحة، فإن ذلك عامل مهم للقيام بشكر الله تعالى وأداء ما يوجب نحو نعمه ومعافاته له.

وهكذا فإن من أهم الخطوات الواجبة على الإنسان التأمل والتفكر بأنعم الله تعالى وفضله ومنّه عليه، لتتحرك إرادة الشكر في قلبه فيردده اللسان ومن ثم تترجمه الجوارج إلى واقع من خلال المحافظة على الفرائض والطاعات، والإحسان إلى الناس وعدم الاستعلاء عليهم، حتى تبقى النفوس طاهرة ومستقرة من الأحقاد والضغائن، ويبقى المجتمع في قوة وترابط.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــ


(1)
أخرجه مسلم (ص1283، رقم 2963) كتاب الزهد، باب الدنيا سجن المؤمن.


(2)
[القصص: 78]


(3)
[القصص: 81]


(4)
سبق تخريجه

ابو معاذ المسلم 20-10-2020 09:39 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(94)



الصبر

سبق في مبحث الشكر أن ذكرنا أنه عبادة قلبية تكمل عبادة أخرى هي الصبر، فالشكر حال الرخاء، والصبر حال البلاء، فهما من معالم منهج الإنسان في هذه الحياة، وهما في حال اجتماعهما سبب للخيرية المطلقة في الدنيا والآخرة، وقد فصلنا ما يتعلق بالشكر، وهنا نفصل ما يتعلق بالصبر، ونذكر بالحديث الذي افتتحنا به مبحث الشكر وهو ما رواه مسلم رحمه الله قال:حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ جَمِيعًا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَاللَّفْظُ لِشَيْبَانَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «عَجَبًا لِأَمْرِ المُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»(1).

هذا الحديث يرسم منهجًا عظيمًا للمسلم، وهو من جوامع كلمه عليه الصلاة والسلام.

حقيقة الصبر:

حبس النفس عن الجزع.

وهو سلاح المؤمنين في الحياة لتخطي صعابها وخطوبها، وهو الدواء الذي يمنح نفوسهم الطمأنينة والسكينة ويحميها من الوساوس والاضطرابات؛ بل إن الصبر مفتاح الفرج من الكربات المختلفة، سواء ما تتعلق بكينونة الإنسان أو خارجها.

ومن دون الصبر لا يستقيم عمل ولا يدوم إحسان ولا تتم طاعة ولا تنجح دعوة، وهذا هو الفيصل بين المؤمن وغيره كما ورد في الحديث، ولعله السبب في وصول هذا الدين إلى أصقاع المعمورة، والقارئ للسيرة النبوية وحياة الصحابة والسلف الصالح سيجد أن تلك الثمار اليانعة التي قطفتها الأجيال اللاحقة من سلفهم كانت نتيجة صبرهم على محن الحياة وعوارضها، وتحملهم الأذى والمشقة والجهاد في سبيل دين الله الذي هو عصمة الأمر كله.

وهو امتثال لأمر الله تعالى الذي يخاطب عباده المؤمنين بالتحلي بهذا الزاد القاهر لشتى الصعاب، حين يقول جل ثناؤه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(2).


وقد وردت آيات كثير في كتاب الله تعالى تحث المؤمنين على الصبر وتذكرهم بالجزاء الكبير الذي ينتظرهم من الله تعالى على ذلك.


ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــ

(1)
سبق تخريجه


(2)
[آل عمران: 200]

ابو معاذ المسلم 20-10-2020 09:39 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(95)



أنواع الصبر

أولاً: الصبر على الطاعة:

رغم أن الإنسان حين يؤدي أية عبادة يشعر براحة نفسية، وشراحة في الصدر، إلا أن كثيرًا من هذه العبادات تحمل في بعض الأحيان أنواعًا من التعب والنصب والمشقة، مثل الالتزام بالصلاة ومواقيتها في اليوم والليلة خمس مرات أبد العمر، وكذلك إخراج زكاة الأموال التي جبل الإنسان على حبها، وأداء نسك الحج الذي فيه من التعب البدني ما لا يغفل عنه أحد، وغيرها من العبادات، كل هذه الأمور بحاجة إلى تعويد النفس على الصبر عليها، يقول تبارك وتعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ}(1).

ثم إن هذه العبادات تحمل معنيَيْن كبيرين، أولها أنها أمر من الرحمن الرحيم الذي هو أرحم بالبشر من أنفسهم، والذي لا يكلفهم ما لا يطيقون، ولا بد أن يُنفذ هذا الأمر ويُطاع الخالق، وهذا نوع من العبودية له جل ثناؤه، والثاني أن في أداء هذه الطاعات لونًا من الاختبار والامتحان للإنسان ومدى صبره عليها، لقوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}(2).

فلا بد أن يتقوى الإنسان على أداء هذه العبادات بالصبر الذي أمره الله به، يقول تعالى: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ اللَّهُ ۚ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ}(3). لأن الجزع يثبط الإنسان عن أداء العبادات؛ بل إنه يأمره في كثير من الأحيان بالمعاصي والخطايا.

وقد كان رسول الأمة عليه الصلاة والسلام القدوة الأولى في الصبر، كان يعبد الله تعالى حتى تتورم قدماه ويصبر على ذلك، فقد ثبت في الصحيحين أنه قام حتى تفطرت قدماه، فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا«(4).

ويقول الرسول الكريم ﷺ: «المجاهد من جاهد نفسه في الله«(5).

وقد حرص الرسول عليه الصلاة والسلام على غرس خُلق الصبر على الطاعات في نفوس الصغار حين خاطب أولياء أمورهم: «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين واضربوهم عليها لعشر سنين وفرّقوا بينهم في المضاجع«(6).

والإنسان الذي يتربى على خُلق الصبر في الطاعة سيجد عند الكبر لذة هذه الطاعة، بل إنه سيقبل عليها بشغف وقوة وهذا كان شأن الصحابة وسلف هذه الأمة رضي الله عنهم أجمعين.

وهذا النوع من الصبر هو أفضل الأنواع، لأنه قيام بالتكاليف بالاختيار.

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــ

(1)
[البقرة: 45]


(2)
[الملك:2]


(3)
[يونس: 109]


(4)
أخرجه البخاري (ص586، رقم 3648) كتاب التفسير، باب ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك. ومسلم (ص1227، رقم 2819) كتاب صفات المافقين، باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة.



(5)
أخرجه الترمذي (ص392، رقم 1621) كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل من مات مرابطًا. وأحمد (6/ 20، رقم 23997). وابن حبان في صحيحه (10/484، رقم 4624). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.


(6)
أخرجه أحمد (2/187، رقم 6756). والدارقطني في السنن (1/430، رقم 887) وهو حديث حسن.





ابو معاذ المسلم 20-10-2020 09:40 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(96)


أنواع الصبر (2-4)



أنواع الصبر

ثانيًا: الصبر عن المعاصي:

كما أن الصبر مطلوب على طاعة الله تعالى وأداء فرائضه والقيام بواجب الدعوة وما تحمله من متاعب ومصاعب، فإن الصبر مطلوب بالمقابل عن معاصي الله تعالى ونواهيه، وهذا النوع من الصبر هو مقاومة النفس عن اتباع الشهوات والملذات التي حرم الله تعالى على عباده الاقتراب منها وتناولها، لحِكم هو يعلمها جلّ وعلا، وللأضرار التي تنجم عن المعاصي والمنهيات، سواء على المستوى النفسي أو الاجتماعي.

ويجب أن يكون امتناع المؤمن عن المعاصي نابعًا من إيمانه بهذا الدين وأنه تنفيذ لأمر الله تعالى وهدي رسوله ﷺ، وهو المنطلق الذي حرّك في الصحابة ترك المنكرات التي كانوا عليها في الجاهلية، وقد حفلت سيرتهم العطرة بصور رائعة جسّدت معنى الصبر عن المعاصي في صورة عملية فريدة، فهاهم يتركون شرب الخمور ويكسرون دنانها في الأزقة والطرقات بعد نزول آية تحريمها فورًا، وقد كانت هذه الخمر من قبل صديقة سمراتهم وأفراحهم، ولكنهم لم يلقوا لذلك كله بالاً أمام أمر الله تعالى بالاجتناب والترك، وحياة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم مليئة بأنواع الصبر عن المعاصي وتركها.

وقد التزم بالصبر عن معاصي الله تعالى ونواهيه أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، الذين يعدّون القدوة للمؤمنين إلى يوم القيامة، فهذا نبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام يتعرض لأكبر إغراء من امرأة وزير الدولة وقد تزينت بأصناف الحلي والزينة، وتطلب منه الفاحشة رغم توفر أسبابها من الخلوة وغلق الأبواب وغيرها، ولكنه عليه السلام يصبر على هذا الإغراء والوقوع في المحظور، وتحمّل غربة السجن سنين طويلة من أجل ذلك، إلى أن أكرمه الله تعالى بالنبوة وجعله ملكًا على خزائن مصر.

وهذا هو نبينا محمد ﷺ تعرض له الدنيا مالاً وجاهًا ونساء، لكنه عليه الصلاة والسلام لم يركن إلى شيء منها، بل إنه عليه الصلاة والسلام استصغرها أمام مهمة الرسالة والدعوة إلى الله، وعبّر عن ذلك لعمه أبي طالب بقوله: «يا عمّ، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته«(1).

وفي ذلك دروس وعبر لشباب الأمة في مواجهة التحديات المختلفة التي تلاحقهم من كل جانب للنيل من عقيدتهم وقيمهم وأخلاقهم، سواء كانت بوساطة موجات التشويش الفكرية، أو ما تبثه الفضائيات من المجون والسفور والعروض المثيرة التي تخدش الحياء والآداب، وكلها مداخل شيطانية تدغدغ النفس وتحركها للوقوع فيها، ولكن المؤمن الصادق مع الله تعالى، يصبر على ذلك كله ويتذكر قول رسول الله ﷺ: «يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر«(2).

وقوله عليه الصلاة والسلام: «حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات«(3).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ

(1)
السيرة النبوية لابن هشام، 1/299.


(2)
أخرجه الترمذي (ص519-520، رقم 2260) كتاب الفتن، باب الصابر على الدينه في الفتن كالقابض على الجمر. وأحمد (2/390، رقم 9061). وهو حديث صحيح.


(3)
أخرجه مسلم (ص1228، رقم 2822) كتاب الجنة ونعيمها، باب صفة الجنة.





ابو معاذ المسلم 20-10-2020 09:40 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(97)


أنواع الصبر (3-4)



أنواع الصبر



ثالثًا: الصبر على أقدار الله المؤلمة:

بما أن الدنيا دار ابتلاء واختبار، فإن أقدار الله المؤلمة على عباده كثيرة ومتنوعة، وموقف المؤمن منها الصبر عليها لكسب رضى الله تعالى ومثوبته، ونذكر ثلاثة من هذه الأقدار المؤلمة التي يشترك فيها جميع الناس، وهي:

1- مصيبة الموت

لقد وصف الله تعالى الموت بالمصيبة {فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ}
(1)
، وهو من البلاءات الكثيرة التي يمتحن الله به عباده، وهو من المصائب الكبيرة على نفس الإنسان، لأنه يفرق الأحباب والأصحاب، ويغيّر النعم واللذات.


والصبر عند مصيبة الموت مأمور به في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، لأنه يكوّن شخصية المؤمن المتزن المرتبط مع ربه والراضي بقدره، فيدخل في النفس السكينة والرضى لنزول هذه المصيبة، فلا يصيب المؤمن حينها الحزن واليأس والضجر، لأنه يعلم أن كل ما في هذا الكون ملك لله، يهب متى يشاء ويقبض متى يشاء، وأعظم الصبر يكون عند الصدمة الأولى، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ أتى على امرأة تبكي على صبي لها، فقال لها: «اتقي الله واصبري» فقالت: وما تبالي بمصيبتي! فلما ذهب، قيل لها: إنه رسول الله ﷺ، فأخذها مثل الموت. فأتت بابه، فلم تجد على بابه بوابين، فقالت: يا رسول الله لم أعرفك، فقال: «إنما الصبر عند أول صدمة» أو قال: «عند أول الصدمة«(2).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول ﷺ: «يقول الله عز وجل: ما لعبدي المؤمن جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة«(3).

ويقول عليه الصلاة والسلام: «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في جسده وفي ولده، حتى يلقى الله يوم القيامة وما عليه من خطيئة«(4).

ومقابلة مصيبة الموت بالصبر والاسترجاع والاحتساب يرضي الله سبحانه وتعالى، ويكتب للعبد الأجر الكبير، وهي صفة لا تتوافر إلا في المؤمن، يقول أبو الدرداء رضي الله عنه سمعت أبا القاسم ﷺ يقول ما سمعته يكنيه قبلها ولا بعدها، يقول: «إن الله عز وجل يقول: يا عيسى، إني باعث من بعدك أمة، إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم، قال: يا رب كيف هذا لهم ولا حلم ولا علم، قال: أعطيهم من حلمي وعلمي«(5).

2- المرض:

المرض من الابتلاءات الكثيرة التي تعرض للبشر، وهو حالة تصيب جسم الإنسان أو نفسيته فيشعر بالتعب والألم، وهو نوع من البلاء يخصه الله من يشاء من عباده فضلاً منه جل وعلا ولكن أكثر الناس لا يعلمون، يقول ﷺ في حديث أنس رضي الله عنه: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط«(6)،ولا يحسبن الذي لم يبتلى بالمرض أن الله راض عنه، بل الصواب على عكس ذلك، فربما يكون من أسباب غضب الله عليه أنه لم يبتليه بمرض أو أية وعكة، لأن المرض فضل من الله تعالى بوصفه كفارة للذنوب والخطايا ولصاحبه الأجر الكبير عند ربه يوم القيامة.

والله سبحانه تعالى ينظر إلى العبد المبتلى بالمرض، وينظر كيف يتلقى حكمه وبلاءه فيه، ومن رحمته جل ذكره بالمبتلى أنه أرشده إلى ما يقوم به أثناء هذا الابتلاء، فأمره بالصبر والرضى لحكمه جل شأنه، لأنه الدواء الناجع لمعالجة المرض وغيره من البلاء، ويضرب لنا عز وجل مثلاً في القرآن الكريم لنبينا أيوب عليه السلام الذي ابتلي في جسده بمرض لم يترك بضعة منه إلا دخله المرض حتى قيل إن الديدان كانت تأكل من جسده الطاهر عليه السلام، فبيَّن جلّ ذكره صبر هذا النبي ورضاه لحكم ربه، أنه لم ينقطع في الثناء على الله وشكره له لما هو فيه، فقال تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ}(7).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ

(1)
[المائدة: 106]


(2)
أخرجه مسلم (ص372، رقم 926) كتاب الجنائز، باب الصبر على المصيبة. والبخاري (ص204، رقم 1283) كتاب الجنائز.


(3)
أخرجه البخاري (ص1115، رقم 6424) كتاب الرقائق، باب العمل الذي يراد به وجه الله.


(4)
أخرجه الترمذي (ص547، رقم 2399) كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر مع البلاء. وابن حبان (7/187، رقم 2924). وهو حديث صحيح.


(5)
أخرجه أحمد (6/450، رقم 27585). والحاكم (11/499، رقم 1289) وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم.


(6)
أخرجه الترمذي (ص546، رقم 2396) كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء. وابن ماجه (ص581، رقم 4031) كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء. وهو صحيح.


(7)
[ص: 44]





ابو معاذ المسلم 20-10-2020 09:41 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(98)


أنواع الصبر (4-4)




رابعًا: الصبر على أذى الناس


إن أذى الناس لا يسلم منه أحد من البشر، وما دام هناك اختلاط وتداخل بينهم فلا بد من وجود هذه الصورة من الابتلاء، وهي صورة تتكرر في واقعنا اليومي، في الشارع وفي العمل وفي الأسواق، وفي المتجر وفي المصنع، وفي الحي، وفي سائر الميادين الأخرى.


والصبر على أذى الناس وسوء أخلاقهم، مطلب ديني وضرورة دعوية، بل يجب أن يذهب المؤمن إلى أبعد من ذلك، فيقابل هذا الأذى بالحسنى والخلق الحميد، لما يترتب على ذلك من مكاسب دعوية في الدنيا وأجر وثواب في الآخرة، وقد كان خُلق الصبر على أذى الناس من صفات النبي ﷺ اللازمة له مع المسلم وغير المسلم، ما دام الأمر لا يتجاوز حدود الله تعالى وحرماته، يقول عليه الصلاة والسلام: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرًا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم«(1).

وإذا كان مطلوبًا من المؤمن الصبر على أذى الناس، فالأولى أن يمتنع عن إيذاء الآخرين، أو الإضرار بهم، وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك، لا سيما إيذاء الجار الذي جعله النبي ﷺ مرتبطًا بمدى الإيمان قوة وضعفًا، في قوله: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره«(2).

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــ

(1)
أخرجه الترمذي (ص570، رقم 2507) كتاب صفة القيامة، باب فضل المخالطة مع الصبر على أذى الناس. وابن ماجه (ص582، رقم 4032) كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء.


(2)
رواه البخاري، برقم 6018، ص1052.

ابو معاذ المسلم 28-11-2020 03:15 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(99)



آثار الصبر على النفس والسلوك (2-1)

وللصبر آثار كثيرة على الإنسان في نفسه وسلوكه وأخلاقه، كما أن له مكاسب أخروية كتطهيره من أدران الذنوب وحصول النعيم عند الله تعالى والقرب منه يوم القيامة، ومن أهم هذه الآثار ما يلي:

1- إذا أحلّت بالعبد شدة وضائقة وتلقاها بالصبر وعدم الجزع توجهت نفسه إلى ربها ملتجئة إليه لائذة به وعائذة، تطلب منه العون والمدد فيزداد قربًا من الله عزّ وجل. فيحس العبد بضعفه وقلة حيلته، ويستشعر عبوديته لربه جلّ وعلا مستشعرًا قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَظ°ئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ غ– وَأُولَظ°ئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}(1)، فينال راحة نفسية وثباتًا مع الرضى بما أصابه، ولا يحدث حوله قلقًا وجزعًا ربما آذى غيره ممن لهم صلة به، ويكون قدوة لغيره في مواجهة الشدائد فيصلح حال مجتمعه، لأن كثيرًا من الشرور التي تصيب المجتمع يأتي من جهة الساخطين على ما يصيبهم من شدة وبأس حيث تمتلئ نفوسهم حقدًا وحسدًا على كل ما يحيط بهم.

وهنا همسة في أذن كل مبتلى لأجل ألا يتحول بلاؤه مضاعفًا فيصبح مرضًا نفسيًا مزمنًا، فليعي ما قلنا سابقًا في معاملته نفسه بالصبر حتى يسدّ الباب على الشيطان فلا يلج إلى إليها {فَاصْبِرْ غ– إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ}(2).

2-إن الصبر على الابتلاء يكشف حقيقة النفوس الصادقة من الكاذبة، يقول الله تعالى: {الم . أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ غ– فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}(3).

وقال رسول الله صلى الله عليه: «ومن يصبر يُصبره الله، وما أعطي أحد من عطاء خير وأوسع من الصبر«(4).

3- سهولة مقاومة العقبات، وتخطي الصعاب التي تعترض مسيرة المؤمن في الحياة، لا سيما العقبات التي تقف في طريقه الدعوي فإنها ذات وطأة قوية وشديدة على نفس المؤمن، ومن أجل ذلك كان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمْرٌ أو خطْبٌ من أمور الدين أو الدنيا فزع إلى الصلاة وقال لبلال: «أقم الصلاة أرحنا بها«(5).

4- الصبر يعوّد المؤمن على مقاومة المعاصي والشهوات التي تلاحقه من كل جانب، فلا يتسرع ولا يستكين للمغريات التي يزيّنها الشيطان له من تسهيل السبل والأسباب الداعية لتلك المعاصي والمغريات، وهذا ما يزعج الشياطين ويدحرهم، لا سيما إذا امتزج هذا الصبر بالتوكل الخالص على الله تعالى، فإنه جلّ وعلا حينها يكفيه كيد أشرار الإنس والجن، وهذا ما أشار إليه عليه الصلاة والسلام بقوله: «إذا خرج الرجل من بيته فقال بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله قال يقال حينئذ هديت وكفيت ووقيت فتتنحى له الشياطين فيقول له شيطان آخر كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي«(6).

5-الصبر يسدل على النفس الراحة والرضى والطمأنينة، حين يكون صاحب البلاء على يقين أن ما أصابه هو بأمر الله تعالى لحكمة هو يعلمها، وما يترتب على ذلك البلاء من فضل وأجر ومثوبة تحفظ له يوم القيامة، وهذا ما عبّر الله تعالى عنه بقوله: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَظ°ئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ غ– وَأُولَظ°ئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}(7).

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــ

(1)
[البقرة: 155-157]


(2)
[هود: 49]


(3)
[العنكبوت: 1-3]


(4)
أخرجه البخاري (ص238، رقم 1469) كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسألة. ومسلم (ص423، رقم 1053) كتاب الزكاة، باب فضل التعفف والصبر والقناعة.



(5)
أخرجه أبو داود (ص702، رقم 4985) كتاب الأدب، باب في صلاة العتمة. وهو صحيح.


(6)
سبق تخريجه.


(7)
[البقرة: 155-157]

ابو معاذ المسلم 28-11-2020 03:16 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(100)



آثار الصبر على النفس والسلوك (2-2)




6-الصبر يهذّب سلوك المؤمن وأخلاقه، فتسمو روح صاحبه ويصبح في العليين وهو في دار الدنيا، فحينما يصوم مثلاً يقاوم شهوة الطعام والشراب والجنس، ويحفظ لسانه عن أعراض الناس أو الخوض في محارم الله، فيترفع عن تلك الغرائز بنفس راضية وطائعة لأمر الله تعالى وحكمه، وكذلك حين يقوم هذا المؤمن الصابر بأداء فريضة الحج، فإنه يصبر على تعب الأسفار وخطورتها، ويصبر على فراق الأهل والأولاد والديار، وإذا وصل المشاعر يضبط نفسه عن أذى الحجاج والجدل معهم في غير هدف وغاية، بل إنه يتحمل الأذى منهم ويغفر لهم زلاتهم وأخطاءهم نحوه، ويعينهم ويساعدهم إذا رأى منه حاجة، كل ذلك لينال رضى الله تعالى الذي أمره بالصبر والتحمل عند أداء هذا المنسك العظيم، وهكذا حال المؤمن الصابر في كل الميادين التعبدية والمعيشية، فيكون مثلاً يحتذى به في الخلق والأدب والوقار.

7- الصبر يرفع من منزلة صاحبه ودرجته عند خالقه جلّ وعلا، ويكفّر عنه سيئاته وذنوبه، فضلاً عن الجزاء الأوفى الذي ينتظره يوم القيامة، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك في مواطن كثيرة في كتابه العزيز، كقوله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ}(1)والأجر يكون في الدنيا والآخرة.

وقال عليه الصلاة والسلام: «مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع، من حيث أتتها الريح كفأتها، فإذا اعتدلت تكفأ بالبلاء، والفاجر كالأرزة صماء معتدلة حتى يقصمها الله إذا شاء«(2)

ويقول ﷺ: «من وعك ليلة فصبر ورضي بها عن الله؛ خرج من ذنوبه كهيئة يوم ولدته أمه»(3). وغيرها من الآيات والأحاديث التي تحمل المعنى نفسه.

8-الصبر هو مفتاح النصر والظفر على الأعداء، وهو سلاح المؤمن في مسيرته الدعوية وكذلك في ساحات الوغى عند لقاء الأعداء ومقارعتهم، ولن تنتصر أمة من غير صبر ومصابرة، ولن تتمكن من خصومها والتفوق عليهم فكريًا وعسكريًا واقتصاديًا ما لم تكن صابرة، يقول تبارك وتعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}(4)ولعل الصبر كان أحد الأسباب التي مكّنت المسلمين من نشر دينهم في شتى أصقاع المعمورة وفتح بلادها شرقًا وغربًا، وهو تصديق قوله تعالى: {اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ۖ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}(5).

وهناك تأكيد من رب العالمين لعباده المؤمنين الصابرين والمخلصين، بأنه جل شأنه ناصرهم ومؤيدهم بالملائكة عند مقارعة ومواجهة الكفر والشرك، حيث قال: {بَلَىٰ ۚ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ}(6).

ومن الانتصار بالصبر أيضًا: الانتصار على وساوس الشيطان، حيث يجد المبتلى الصابر آفاقًا رحبة في نفسه فيرى المستقبل أمامه أملاً وبياضًا لثقته وحسن ظنه بالله تعالى، وبذلك ينحسر بلاؤه ومرضه فلا يزداد عليه ولا يتطور، بل وينحسر حينها الشيطان وتُشلّ وساوسه وتُدحر، بعكس المبتلى الذي يكثر الشكوى والجزع فلا يزيده ذلك إلا طولاً في مدة البلاء وزيادة فيه.

9- الصبر يُكسب صاحبه الخيرية التي أشار إليها رسول الله ﷺ في حديث هذا البحث «وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له»، وبذلك يصبح الصابر من الخيِّرين ويصبح جزءًا من أمة الخير التي أشار إليه الله تعالى بقوله: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}، وهذا مكسب عظيم ومنال كبير لا يتحقق ولا يحصل إلا للمؤمن الصابر لأمر الله تعالى.

10-الصبر يخفف من وطأة الكربات ويقرِّب الفرج بعدها، ويجعل بعد كل عسر يسرًا، تصديقًا لقوله ﷺ: «وأن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب«(7).

وكما قال الشاعر:

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجــت وكنــت أظنهــا لا تفـرج

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــ

(1)
[الزمر: 10]


(2)
أخرجه البخاري (ص1003، رقم 5667) كتاب الطب، باب ما جاء في كفارة المرض. ومسلم (ص1223، رقم 2810) كتاب صفات المنافقين، باب مثل المؤمن كالخامة من الزرع.


(3)
أخرجه البخاري في الموضع السابق


(4)
[البقرة: 264]


(5)
[الأعراف: 128]



(6)
[آل عمران: 125]


(7)
أخرجه أحمد (2/307، رقم 2804). والحاكم في المسند (3/624). وهو حديث صحيح.



ابو معاذ المسلم 28-11-2020 03:17 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(101)



مناقضات الصبر

ليس كل إنسان يصبر على البلاء، وليس كل إنسان لديه قوة الصبر نفسها، فبعضهم يجزع والآخر يصبر ولكن لا يثبت كثيرًا، والبعض الآخر يصبر ويصابر حتى النهاية، كلٌّ حسب درجة إيمانه وإرادته، وحسب نوع البلاء لديه، وقد ذم الله تعالى أولئك القوم الذين لا يملكون أدنى مستويات الإرادة فيجزعون لكل مصيبة أو بلاء، ويريدون أن يعيشوا أبد العمر مرفهين ومنعمين من غير أن يصيبهم ما يعكر صفو سعادتهم ورفاهيتهم، وهذه ليست من سنة الحياة، وقد ذمّ الله تعالى هذا الصنف من البشر بقوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}(1).

وقوله تعالى: {إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا . إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا . وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا}(2).

ومن المفيد الإشارة إلى بعض أنوا الجزع التي تناقض حقيقة الصبر وتخالفها، ومنها:

1-الشكوى لغير الله والإكثار من التأفف من الحال والبلاء، والسب والشتم للمصيبة، فعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ دخل على أم السائب أو أم المسيب فقال: «ما لكِ يا أم السائب، أو يا أم المسيب تزفزفين؟ قالت: الحمّى لا بارك الله فيها، فقال: لا تسبي الحمّى فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يُذهب الكير خبث الحديد«(3).


وقال علي رضي الله عنه: من إجلال الله ومعرفة حقه أن لا تشكو وجعك، ولا تذكر مصيبتك
(4)
.


وهناك فرق بين الشكوى من المرض والإخبار عن المرض، فقد قال النبي ﷺ في وجعه: «وارأساه»(5)، وقول سعد: يا رسول الله قد اشتد بي الوجع وأنا ذو مال، وقول عائشة: وارأساه.

2-التشاؤم واليأس من رحمة الله تعالى، والركون إلى وساوس الشيطان وما يمليه عليه من همزاته ونزغاته، لقول الله تعالى على لسان يعقوب عليه السلام: {وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}(6).

عن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط« (7).



3-النياحة ورفع الصوت وشق الجيوب ولطم الوجه وحلق الشعر، وأما أشبهها من أفعال الساخطين، لقول الرسول ﷺ: «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعى بدعوى الجاهلية«(8).

وأما البكاء فإنه جائز، لأنه رحمة، ما لم يكن سخطًا أو جزعًا، فعن أنس رضي الله عنه قال: دخلنا على أبي سيف القَيْن، وكان ظئرًا لإبراهيم، فأخذه رسول الله ﷺ فقبله وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان، فقال له عبدالرحمن بن عوف، وأنت يا رسول الله؟ فقال: يا ابن عوف: إنها رحمة، ثم أتبعها بأخرى فقال ﷺ: «إن العين لتدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون«(9).

ومن مناقضات الصبر أيضًا استمرار الحزن، والذهاب إلى المشعوذين والسحرة، والتداوي بالمحرم، والتكاسل عن الطاعات والواجبات.

* * *

وأخيرًا:

فإن خُلق الصبر الذي أمر الله تعالى التحلي به هو زاد المؤمن في هذه الحياة، في سرّائه وضرّائه، وفي شؤونه الدينية والدنيوية، فهو السلاح الذي يقهر كيد الشيطان فيجعله ضعيفًا، ويمنعه من نفثه وخبثه، ويجعل النفس هادئة مطمئنة وراضية لأمر الله تعالى، وكذلك فإن الصبر هو الزاد الذي يتقوى به المريض على مرضه، كما تقوّى به نبي الله أيوب عليه السلام إلى أن أزاح الله عنه المرض، وهو مفتاح الفرج ومجلي الكربات، فبالصبر وحده تمكّن نبي الله يوسف عليه السلام أن يتحمل ظلم الإخوة وظلمة الجب، وإغراء الشهوة، وغربة السجن، إلى أن قلّده الله وسام الصبر فجعله أمينًا على خزائن مصر، كما أن الصبر هو الخُلق الذي تحلى به رسول الله ﷺ وصحابته الكرام حين أوذوا في سبيل الله وأُخرجوا من ديارهم بغير حق، فجزاهم الله في الدنيا نصرًا وتمكينًا، وفي الآخرة جنة ونعيمًا.

وهذا شأن المؤمن مع خُلق الصبر في كل أحواله وشؤونه، في حلّه وترحاله، في سرّائه وضرائه، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ

(1)
[الحج: 11]


(2)
[المعارج: 19-21]


(3)
أخرجه مسلم (ص1128، رقم 2575) كتاب البر والصلة، باب فضل عيادة المريض.


(4)
مختصر منهاج القاصدين لابن قدامة، ص349.


(5)
أخرجه البخاري (ص1243، رقم 7217) كتاب الأحكام، باب الاستخلاف.


(6)
[ يوسف: 87]


(7)
سبق تخريجه.


(8)
أخرجه البخاري (ص207، رقم 1297) كتاب الجنائز، باب رثاء النبي ﷺ.



(9)
أخرجه البخاري (ص108، رقم 1303) كتاب الجنائز، باب إنا بك يا إبراهيم لمحزونون. ومسلم (ص1023، رقم 2315) كتاب الفضائل، باب رحمة الصبيان والعيال.



ابو معاذ المسلم 28-11-2020 03:17 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(102)



النظر إلى المستقبل

عن أبي هُريرَةَ رضِيَ الله عنْهُ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا عَدْوَى وَلاْ طِيَرَةَ وأُحِبُّ الفَأْلَ الصَّالِح»(1).

عنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال:َ «لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ» قالوا: وَمَا الْفَأْل؟ُ قَالَ: «كَلِمةٌ طيِّبَةٌ»(2).

هذا حديثان يمثلان منهجًا متميزًا في النظر إلى المستقبل، سواء في النظرة الإيجابية أو النظرة السلبية، وكما هي في المصطلح الشرعي التفاؤل والتشاؤم، وهما مما نتناوله تفصيلاً في هذا المبحث.

مفهوم التفاؤل والتشاؤم:

أولاً: التفــاؤل:

الفأل ضد الطيرة، والجمع فؤول، قال ابن الأثير: يقال تفاءلت بكذا وتفألت، على التخفيف والقلب، قال: وقد أولع الناس بترك همزه تخفيفاً. والفأل: أن يكون الرجل مريضاً فيسمع آخر يقول: يا سالم، أو يكون طالب ضالة فيسمع آخر يقول: يا واجد، فيقول تفاءلت بكذا، ويتوجه له في ظنه كما سمع أنه يبرأ من مرضه أو يجد ضالته(3).

وبهذا يمكن تعريف التفاؤل: بأنه كل ما ينشط الإنسان ويريحه على شيء محمود من قول أو فعل مرئي أو مسموع.

مثل: أن يكون الرجل مريضًا فيقول له آخر: يا سالم، أو يكون فقيرًا فيقول له آخر: يا غني، أو أن يرى حديقة، أو يسمع خبرًا سارًّا، أو يرى رجلاً اسمه محمد أو محمود وهو يعمل عملاً معينًا.

ثانيًا: التشاؤم:

الشأم والشؤم ضد اليمن، ويقال: رجل مشؤوم على قومه، والجمع مشائيم. وقيل: شؤم الدار ضيقها، وشؤم المرأة أن لا تلد، وشؤم الفرس أن لا ينزى عليها. ويقال: شأم فلان على قومه أي أصابهم شؤم من قبله(4).

وبذلك يمكن تعريف التشاؤم: بأنه ضد التفاؤل، وهو الاعتقاد بأن وجود شيء معين سبب في وجود ضرر أو حزن أو هم، سواء أكان هذا الشيء مرئياً أم مسموعاً. كأن يعزم على مشروع معين فيقول أحدهم: أنت خسران فيتوقف عن المضي قدماً نحو هدفه، أو يريدُ السفر، فيرى الجوَّ معكراً فيتراجعُ تشاؤماً منهُ بحلولِ مصيبةٍ إذا أقدمَ على السفر وهكذا.

الزجر والطير والكهان كلهم مضللون ودون الغيب أقفـال

ومثل التشاؤم: التطير، نسبة إلى ما كان يفعله أهل الجاهلية من التطير ببعض الطيور، كالبوم، وسواء كان ذلك بطير، أو حيوان، أو بعض الأيام، أو الشهور، أو السنوات، أو الأحوال.

والتطير مثله مثل التشاؤم، وأصله في الجاهلية: أن أحدهم إذا أراد أمرًا يأتي بطير فيهيجه فإذا طار لليمين، استبشر وعزم، وإذا طار لجهة الشمال، تراجع عن الفعل الذي كان يريده، كالسفر أو الزواج أو التجارة وغيرها. ولم ينحصر التطير في الطيور وحدها، بل تعداها إلى بعض الأيام أو الشهور أو السنوات أو الأحوال.

وقد نهى عليه الصلاة والسلام عن التطير بقوله: «لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ».

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــ

(1)
أخرجه البخاري (ص1016، رقم 5756) كتاب المرضى، باب الفأل. ومسلم (ص987، رقم 2223) كتاب السلام، باب الطيرة والفأل.


(2)
المرجع السابق.



(3)
لسان العرب 10 / 167-168.


(4)
لسان العرب ج 7 / ص 7.



ابو معاذ المسلم 28-11-2020 03:18 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(103)



الحكم الشرعي للتفاؤل والتشاؤم

تعددت الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة ومن أقوال أهل العلم حول وجوب التفاؤل في الحياة ونبذ التشاؤم والطيرة وغيرها من ألوان اليأس على الإنسان، ومن تلك الأدلة:

أولاً: من القرآن الكريم:

1-قوله تعالى على لسان يعقوب عليه السلام: {وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}(1).

2-قولـه جـل وعـلا: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(2).

3-قوله تبارك وتعالى عن قوم صالح: {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ ۚ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ ۖ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ}(3).

أي: ما رأينا على وجهك ووجوه من اتبعك خيرًا. وذلك أنهم- لشقائهم – كان لا يصيب أحداً منهم سوءٌ إلا قال: هذا من قبل صالح وأصحابه. فقال: {قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ ۖ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} أي: الله يجازيكم على ذلك، بل أنتم قوم تستدرجون فيما أنتم في الضلالة(4).


4-قوله جل ثناؤه عن قوم فرعون: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَٰذِهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ ۗ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}(5).

أي: إذا جاءهم الخصب والرزق قالوا: أن هذا ما نستحقه، وإذا أصابهم قحط وجدب بسبب موسى ومن معه، فيقول: {أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ}، أي مصائبهم عند الله(6).

ثانيًا: من السنة النبوية:

1-قوله ﷺ: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر«(7).

2-قوله ﷺ: «لا عَدْوَى وَلاْ طِيَرَةَ وأُحِبُّ الفَأْلَ الصَّالِح«(8).

3-قوله عليه الصلاة والسلام: «لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ» قالوا: وَمَا الْفَأْل؟ُ قَالَ: «كَلِمةٌ طيِّبَةٌ«(9).

4-عن عروة بن عامر رضي الله عنه قال: ذكرت الطيرة عند النبي ﷺ فقال: «أحسنها الفأل ولا ترد مسلما فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهُمّ لاْ يأتِي بالحَسَنَاتِ إلا أنْت ولا يَدْفَعُ السَيّئَاتِ إلا أنْت ولا حَوْلَ وَلاْ قُوّةَ إلا بِكَ«(10).

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــ

(1)
[ يوسف: 87]


(2)
[الزمر: 53]


(3)
[النمل: 47]


(4)
تفسير القرآن العظيم 3 / 455.


(5)
[الأعراف: 134]


(6)
تفسير القرآن العظيم 2 / 303 .



(7)
أخرجه البخاري (ص1016، رقم 5757) كتاب الطب، باب الجذام. ومسلم (ص985، رقم 2220) كتاب السلام، باب لا عدوى ولا طيرة


(8)
سبق تخريجه.


(9)
أخرجه البخاري (ص1019، رقم 5776).


(10)
أخرجه أبو داود (ص556، رقم 3919) كتاب الطب، باب لا عدوى.

ابو معاذ المسلم 28-11-2020 03:18 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(104)



الحكم الشرعي للتفاؤل والتشاؤم (2)


ثالثًا: أقوال الصحابة:

1- قال ابن مسعود رضي الله عنه: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا. ولكن يذهبه الله بالتوكل»(1). أي: ما منا من أحد إلا ويصاب بهذا التطير.

2- قال ابن عمر رضي الله عنهما: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك ! قالوا فما كفارة ذلك؟؟ قال: أن تقولوا: اللهم لا خَيْرَ إلا خَيْرُكَ، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك»(2).

خلاصة ذلك كله أن الطيرة منهي عنها، وأنها باب من أبواب الشرك فكأن المتطير جعل غير الله متحكماً.

رابعًا: أقوال أهل العلم:

1-قال ابن القيم رحمه الله: « وسِرُّ هذا أن الطيرة إنما تتضمن الشرك بالله تعالى، والخوف من غيره، وعدم التوكل عليه والثقة به، كان صاحبها غرضاً لسهام الشر والبلاء، فيتسرّعُ نفوذها فيه لأنه لم يتدرَّع من التوحيد والتوكل بجُنة واقيةٍ، وكل من خاف شيئاً غير الله سُلِّط عليه، كما أن من أحب مع الله غيره عُذِّب به، ومن رجا مع الله غيره خُذِل من جهته. وهذه أمورٌ تجربتها تكفي عن أدلَّتها»(3).

وقال كذلك: «فأوضح ﷺ لأمته الأمر، وبيّن لهم فساد الطيرة؛ ليعلموا أن الله سبحانه لم يجعل لهم عليها علامةً، ولا فيها دلالةً، ولا نصبها سبباً لما يخافونه ويحذرونه، لتطمئن قلوبهم، ولتسكن نفوسهم إلى وحدانيته تعالى التي أرسل بها رسله، وأنزل بها كتبه، وخلق لأجلها السموات والأرض، وعَمَر الدارين الجنة والنار، فبسبب التوحيد ومن أجله جعل الجنة دار التوحيد وموجباته وحقوقه، والنار دار الشرك ولوازمه وموجباته، فقطع ﷺ عَلَقَ الشرك من قلوبهم لئلا يبقى فيها علقةٌ منها، ولا يتلبّسوا بعملٍ من أعمال أهله البتة»(4).

2-قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله: «الفأل ليس من الطيرة لكنه شبيه بالطيرة من حيث الإقدام، فإنه يزيد الإنسان نشاطاً وإقداماً فيما يتوجه إليه، فهو يشبه الطيرة من هذا الوجه، وإلا فبينهما فرق؛ لأن الطيرة توجب تعلق الإنسان بالمتطيَّر به وضعف توكله على الله ورجوعه عما همّ به من أجل ما رأى، لكن الفأل يزيده قوة وثباتاً ونشاطا، فالشبه بينهما هو التأثير في كل منهما»(5).

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــ

(1)
أخرجه أبو داود (ص555، رقم 3310) كتاب الطب، باب في الطيرة. والترمذي (ص390، رقم 1614) كتاب السير، باب ما جاء في الطيرة. وابن ماجه (ص510، رقم 3538) كتاب الطب، باب كان يعجبه الفأل. قال الترمذي: حديث صحيح.


(2)
أخرجه أحمد (14/286، رقم 6748).


(3)
مفتاح دار السعادة ج 3 / ص 340.


(4)
مفتاح دار السعادة 3 / 281-282.


(5)
القول المفيد 2 / 89 – 90.


حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(104)



الحكم الشرعي للتفاؤل والتشاؤم (2)


ثالثًا: أقوال الصحابة:

1- قال ابن مسعود رضي الله عنه: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا. ولكن يذهبه الله بالتوكل»(1). أي: ما منا من أحد إلا ويصاب بهذا التطير.

2- قال ابن عمر رضي الله عنهما: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك ! قالوا فما كفارة ذلك؟؟ قال: أن تقولوا: اللهم لا خَيْرَ إلا خَيْرُكَ، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك»(2).

خلاصة ذلك كله أن الطيرة منهي عنها، وأنها باب من أبواب الشرك فكأن المتطير جعل غير الله متحكماً.

رابعًا: أقوال أهل العلم:

1-قال ابن القيم رحمه الله: « وسِرُّ هذا أن الطيرة إنما تتضمن الشرك بالله تعالى، والخوف من غيره، وعدم التوكل عليه والثقة به، كان صاحبها غرضاً لسهام الشر والبلاء، فيتسرّعُ نفوذها فيه لأنه لم يتدرَّع من التوحيد والتوكل بجُنة واقيةٍ، وكل من خاف شيئاً غير الله سُلِّط عليه، كما أن من أحب مع الله غيره عُذِّب به، ومن رجا مع الله غيره خُذِل من جهته. وهذه أمورٌ تجربتها تكفي عن أدلَّتها»(3).

وقال كذلك: «فأوضح ﷺ لأمته الأمر، وبيّن لهم فساد الطيرة؛ ليعلموا أن الله سبحانه لم يجعل لهم عليها علامةً، ولا فيها دلالةً، ولا نصبها سبباً لما يخافونه ويحذرونه، لتطمئن قلوبهم، ولتسكن نفوسهم إلى وحدانيته تعالى التي أرسل بها رسله، وأنزل بها كتبه، وخلق لأجلها السموات والأرض، وعَمَر الدارين الجنة والنار، فبسبب التوحيد ومن أجله جعل الجنة دار التوحيد وموجباته وحقوقه، والنار دار الشرك ولوازمه وموجباته، فقطع ﷺ عَلَقَ الشرك من قلوبهم لئلا يبقى فيها علقةٌ منها، ولا يتلبّسوا بعملٍ من أعمال أهله البتة»(4).

2-قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله: «الفأل ليس من الطيرة لكنه شبيه بالطيرة من حيث الإقدام، فإنه يزيد الإنسان نشاطاً وإقداماً فيما يتوجه إليه، فهو يشبه الطيرة من هذا الوجه، وإلا فبينهما فرق؛ لأن الطيرة توجب تعلق الإنسان بالمتطيَّر به وضعف توكله على الله ورجوعه عما همّ به من أجل ما رأى، لكن الفأل يزيده قوة وثباتاً ونشاطا، فالشبه بينهما هو التأثير في كل منهما»(5).

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــ

(1)
أخرجه أبو داود (ص555، رقم 3310) كتاب الطب، باب في الطيرة. والترمذي (ص390، رقم 1614) كتاب السير، باب ما جاء في الطيرة. وابن ماجه (ص510، رقم 3538) كتاب الطب، باب كان يعجبه الفأل. قال الترمذي: حديث صحيح.


(2)
أخرجه أحمد (14/286، رقم 6748).


(3)
مفتاح دار السعادة ج 3 / ص 340.


(4)
مفتاح دار السعادة 3 / 281-282.


(5)
القول المفيد 2 / 89 – 90.



ابو معاذ المسلم 28-11-2020 03:19 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(105)



صور من التفاؤل والتشاؤم

أولاً: صور من التفاؤل:

قال ابن القيم – رحمه الله -: «كانت العرب تتفاءل فيسمون اللديغ سليماً«

فكانوا يسمون غالب، شجاع، وغلاب، ومهند، وحسام، تفاؤلا بالشجاعة. وسعيد، وسعد، تفاؤلاً بالسعادة. وأسد، وليث، وأسامة، تفاؤلاً بالقوة. الأسماء هي قوالب للمعاني، فالأسماء تؤثر بشكل كبير على المسميات، والمسميات تتأثر بالاسم من حيث القبح والحسن، كما قيل:


وقلما أبصرت عيناك ذا لقب إلا ومعناه إن فكرت في لقبه

وكان ﷺ يستحب الاسم الحسن، وأمر إذا أَبْرَدُوا إليه بريدًا أن يكون حسن الاسم حسن الوجه، وكان يأخذ المعاني من أسمائها في المنام واليقظة، كما رأى أنه وأصحابه في دار عقبة من رافع، فأتوا برطب من رطب ابن طاب، فأوله بأن لهم الرفعة في الدنيا والآخرة، والعاقبة في الآخرة، وأن الدين الذي قد اختاره الله لهم قد أرطب وطاب(1).

وعن عكرمة أنه لما جاء سهيل بن عمرو، قال النبي ﷺ: «قد سهل لكم أمركم«(2).

وكان عليه الصلاة والسلام يحب أن يسمع: يا نجيح، ويا راشد، إذا خرج لحاجته.

وكذلك يكون التفاؤل في الأحوال، والأمكنة كالتفاؤل بالمدن وبعض المواقع المحددة كالحرمين الشريفين، وهكذا.

ثانيًا: صور من التشاؤم:

قال ابن القيم رحمه الله: «إن طائرهم ها هنا هو السبب الذي يجيء فيه خيرهم وشرهم، فهو عند الله وحده، وهو قدَره وقسمه، إن شاء رزقكم وعافاكم، وإن شاء حرمكم وابتلاكم«(3).

ومن صور التشاؤم:

- إطلاق بعضهم لمن يتشاءمون منه اسم (جوناس)، وهذا في غاية القبح، لأنه أضاف إلى وزر التشاؤم بالشخص التشاؤمَ بنبي من أنبياء الله تعالى وهو يونس بن متى عليه السلام، لأن أصل كلمة (جوناس) هو (يونس)، والكفار يتشاءمون منه لأن القرعة وقعت عليه لما كان في السفينة وأرادوا أن يلقوا بواحد منهم.

- كما أن العرب كانت تتشاءم من الغراب لما يوحي به من الغربة لا سيما إذا كان أسود اللون، وكذلك الهامة وهي «البومة«.

- ومن الشهور كانت تتشاءم من: صفر.

- ومن الأيام: كيوم الأربعاء وليلة الأحد.

- ومن الأشخاص: كالأعور والأحول.

ومن الأرقام: حيث كانت النصارى تتشاءم من الرقم (13) أما أهل البادية فكانوا يتشاءمون من الرقم(7).

ومن صور التشاؤم: الذهاب إلى الكهنة والمنجمين والاستماع إلى دجلهم وكذبهم حول ما يعاني منه بعض الناس من المشكلات، فيبشروهم ببعض الأحداث ويحذرونهم من أخرى.

ومن التشاؤم: تفسير ما يصدر من الإنسان من أحاسيس أو حركات غير إرادية، مثل رفيف العين: حيث يعدّونها رجوع المسافر، وطنين الأذن: يأولونها بوجود أحد يغتاب هذا الشخص ويطعن فيه.

ومن التشاؤم: قراءة الأبراج في الجرائد والمجلات حسب الاسم وتاريخ الميلاد، والتصديق بما فيها من بشائر أو محاذير.

ومن التشاؤم أيضًا: اللجوء إلى بعض القنوات الفضائية التي تروج للسحر والشعوذة وتصديق ما يبث فيها من الدجل والكذب وبناء الأحكام على ذلك.

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ



(1)
زاد المعاد 2 / 336-337.




(2)
أخرجه البخاري (ص448، رقم 2732-2732) كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد.




(3)
مفتاح دار السعادة (2/233).



ابو معاذ المسلم 28-11-2020 03:20 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(106)



أسباب ظهور التشاؤم عند الإنسان

يمكن الإشارة إلى أهم الأسباب والعوامل التي تضع الإنسان في أسر التشاؤم وتفرض عليه واقعًا مريرًا من الإحباط واليأس والقلق في الحياة، ومن هذه الأسباب:

1-ضعف اليقين بالله تعالى وفق التصور الإسلامي الصحيح على أنه الخالق والمدبر في هذا الكون، فما تهب من نسمة ولا تسقط من ورقة ولا يتحرك كائن إلا بعلمه وإرادته.

2-غياب حقيقة التوكل على الله في واقع الناس وعدم التفاعل معها بصورة عملية.

3-ضعف الإيمان بقضاء الله تعالى وقدره الذي هو ركن من أركان الإيمان.

4-نسيان نعم الله سبحانه وتعالى، في نفسه وأهله وماله، أو جحودها في كثير من الأحيان.

5-الجهل بالدين وأحكامه وضعف العقل وقلة البصيرة.

6-الجبن والخوف من الآخرين ومن الظروف التي يمر بها الإنسان.

7-قلة ذكر الله سبحانه وتعالى والبعد عن كتابه العزيز وتدبر آياته.

8-سوء الظن بالله جل وعلا وفتور العلاقة بين العبد وخالقه.
9-سوء الظن بالآخرين والنظر إلى ما بأيديهم من نِعَم ونجاحات

ابو معاذ المسلم 19-01-2021 11:17 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(107)



معينات صناعة التفاؤل

يمكن الاستعانة ببعض الوسائل القولية والفعلية لإيجاد التفاؤل والأمل في النفس، ومن أهم هذه الوسائل:

1- النية الصادقة والخالصة لله تعالى، وأن ما تسعى إليه من وضع مشاريع أو خطط للوصول إلى أهداف سامية وغايات نبيلة إنما هي من أجل رضى الله تعالى وامتثالاً لأمره في العمل الصالح، حتى تتحقق المصلحة الكبرى للمجتمع والأمة، وأما ما يتبع ذلك من ثمرات مادية فإنما هي جزء من الجزاء الدنيوي، فضلاً عن الثواب الجزيل في الآخرة.

2- تجنّب الحسد والنظر إلى ما عند الآخرين، بل شارِك السعيد في سعادته على ما هو فيه، وآسي المبتلى على مصيبته وشاركه فيها، وبارك للناجح في تفوقه ونجاحه، يقول تبارك وتعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}(1).

3- حسن الظن بالناس، وعدم محاسبة نواياهم، وعدم مصادرة آرائهم إذا خالفوك ضمن الضوابط الشرعية والعلمية، حتى يستفيد الجميع من وجهات النظر المختلفة، لأن كثرة الآراء والمقترحات تثري الموضوع المطروح أو الحدث النازل بإمكانية الوصول إلى نتيجة إيجابية ترضي جميع الأطراف ويعم الخير في كل الميادين، وبذلك يظهر التفاؤل الجماعي لدى جميع أبناء المجتمع. أما الأحادية في الطرح وإقصاء المخالف وعدم احتوائه فإنه من أسباب التمزق والنزاع وبالتالي ظهور النظرة السوداء إلى الواقع وإلى الأشياء في الخارج.

4- الاهتمام بالمظهر والجسم من حيث اللبس والأناقة والنظافة، حتى لا يرى فيك الناس تشاؤمًا وتكاسلاً وحبوطًا، فالهيئة الحسنة والأناقة تدفع الإنسان نحو التفاؤل والأمل كما تبث هذه الروح في نفوس الآخرين أيضًا.

5- استقبال الناس والسلام عليهم والاستماع إلى أحاديثهم بأريحية وابتسامة، ومناقشتهم بأحسن الحديث وأطيب الكلمات، لأن القلوب جبلت على قبول ذلك ولفظ ضدها من العبوسة والضيق على الوجه والغلظة والقساوة في الكلام.

وكما قال الشاعر:

قلتُ ابتسم يكفي التجهّم في السّما *** لن يرجعَ الأسفُ الصِّبا المتصرِّما

قال: السماءُ كئيبة وتجهّما *** قال: الصِّبا ولّى فقلت له ابتسم

6- مرافقة المتفائلين والناجحين في الحياة، والابتعاد عن رفقة الفاشلين والمتشائمين في الحياة، لأن المحيط الخارجي له دور كبير على حال النفس سلبًا أو إيجابًا، ومرافقة المتفائلين والاختلاط بهم والتنافس المحمود معهم يدفع بالطرفين نحو النجاح والنظر إلى الحياة بمنظار مليء بالأمل والخير والسعادة، وقد أرشد عليه الصلاة والسلام الأمة إلى هذا المَعْلم المهم حين قال: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل«(2).

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــ

(1)
[النساء: 32]


(2)
أخرجه أبو داود (ص683، رقم 4833) كتاب الأدب، باب من يؤمر أن يجالس. والترمذي (ص542، رقم 2378) كتاب الزهد، باب الرجل على دين خليله. وأحمد (2/334، رقم 8398). قال الترمذي: حسن غريب.

ابو معاذ المسلم 19-01-2021 11:17 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(108)



آثار التفاؤل

للتفاؤل آثار عظيمة وكبيرة على حياة الإنسان من جوانبها المختلفة، النفسية والاجتماعية والعلمية والاقتصادية وغيرها، ويمكن الإشارة إلى بعض هذه الآثار بما يلي:

1- التفاؤل يعطي الإنسان راحة نفسية دائمة وشعورًا بالاستقرار يجعله يتحرك في الحياة بخطوات مدروسة وناجحة.

2- يعطي التفاؤل للإنسان الثقة بالنفس كما يمنحه الهمة العالية ويفتح أمامه آفاقًا واسعة، وبالتالي تكون سبل النجاح أمامه مذللة وميسرة.

3- التفاؤل يمنح الإنسان صحة وعافية في الجسم والبدن كما تقول الدراسات، ويمكن بعدها أن يقوم بأي عمل دون خوف من كمّه ونوعه.

4- الإنسان المتفائل يكون أقدر من غيره على تحمل المسؤوليات المختلفة، في الإدارة وتنفيذ المشروعات، والقيادة والسياسة وغيرها.

5- التفاؤل يصنع في الإنسان روح الشجاعة والإقدام، فلا يفكر في النتائج السلبية بقدر ما يفكر في الجانب الإيجابي، فإذا نجح شكر الله وأثنى عليه، وإذا أخفق صبر على ذلك وأعاد الكرّة ثانية وثالثة أو تَحَرَّكَ في مسارات أخرى لتحقيق هدفه المنشود.

6- التفاؤل يمنح صاحبه الإتقان في العمل، وبالتالي جودة عالية في الإنتاج مع زيادة في الكمية وبأقل الأثمان والخسائر.

7- التفاؤل يمنح صاحبه العفو والصفح ويمنعه من الثأر والانتقام، وهذا يعني أنه يصنع في الإنسان بُعدًا في النظر وإشراقة للمستقبل، حيث لا ينظر المتفائل إلى القريب العاجل وإنما إلى البعيد الآجل، وقد أعطى رسول الله عليه الصلاة والسلام العالمين درسًا في هذا الجانب، فعن عروة أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي ﷺ حدثته أنها قالت للنبي ﷺ: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلَّم عليّ ثم قال: يا محمد! فقال: ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فقال النبي ﷺ: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا«(1).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ

(1)
أخرجه البخاري (ص539، رقم 3231) كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى. ومسلم (ص800، رقم 1395) كتاب الجهاد، باب ما لقي النبي ﷺ من أذى المشركين.


ابو معاذ المسلم 19-01-2021 11:18 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(109)



آثار التشاؤم

كما أن للتفاؤل آثارًا إيجابية في حياة الإنسان بجوانبها المختلفة، فإن للتشاؤم آثارًا عكسية وسلبية على تلك الجوانب، ومن أهم هذه الآثار:

1- التشاؤم طريق يقود إلى الشرك بالله تعالى، ولا شك أنه من أعظم الأضرار والآثار، لأنه يدفع صاحبه إلى اتباع المسالك المحظورة مثل اللجوء إلى السحرة والمشعوذين والدجالين لإخراجه من الحال التي هو فيها، وبالتالي تنفيذ ما يؤمر به من هؤلاء من الكفر والشرك وارتكاب الكبائر الأخرى.

2- التشاؤم يجعل من صاحبه أسيرًا للوساوس الشيطانية، حتى يصاب بالهوس، حيث يفسر كل شيء تفسيرًا سلبيًا فلا يرى شيئًا إلا بمنظار أسود، يقول ابن القيم رحمه الله:»واعلم أن من كان مُعتنياً بها قائلاً بها ـ يعني الطيرة ـ كانت إليه أسرعَ من السّيل إلى منحدره، وتفتَّحت له أبواب الوساوس فيما يسمعه ويراه ويُعطاه، ويفتح له الشيطان فيها من المناسبات البعيدة والقريبة في اللفظ والمعنى ما يفسد عليه دينه وينكّد عليه عيشه؛ فإذا سمع سفرجلاً، أو أُهدي إليه تطيّر به، وقال: سفرٌ وجلاءٌ، وإذا رأى ياسميناً أو سمع اسمه تطيّر به، وقال: يأسٌ ومينٌ، وإذا رأى سوسنة أو سمعها، قال: سوءٌ يبقى سنةً، وإذا خرج من داره فاستقبله أعور أو أشل أو أعمى أو صاحب آفةٍ تطيّر به وتشاءم بيومه«(1).

3- التشاؤم: سبب في ضعف البصيرة وفساد الرأي، يقول الماوردي رحمه الله: «اعلم أنه ليس شيء أضر بالرأي ولا أفسد للتدبير من اعتقاد الطيرة، ومن ظن أن خُوار بقرة أو نعيب غراب يرد قضاء أو يدفع مقدوراً فقد جهل«(2).

4- يرى المتشائم أن جميع أسباب الشقاء انعقدت فيه، وأنه المبتلى الوحيد على ظهر الأرض، وأن جميع من حوله من الناس يعيشون في سعادة دائمة من غير حزن ولا هم ولا نصب، فيتناسى أن الناس جميعًا يبتلون بالمصائب والمتاعب وأفضلهم من يتجاوزها بتفاؤل وتوكل على الله تعالى، يقول تبارك وتعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}(3).

5- التشاؤم يقضي على معاني المحبة والإخاء بين أبناء المجتمع ويزرع مكانها الشك والتنافر، وذلك من نظرته السوداء إليهم والتباكي لحاله والحسد على حالهم.

6-التشاؤم يساعد على ضعف البدن وإهماله لأن صاحبه يشغل جلّ وقته في التفكير بالأوهام والخيالات، فلا نفس له في الأكل أو الشراب أو الترويح أو الرياضة، فضلاً عن معالي الأمور والتفكير فيها.

7-التشاؤم يجعل صاحبه دائمًا في آخر الركب، ويوقفه عن المضي نحو البناء والتنمية والإنتاج.

8-التشاؤم يرمي صاحبه نحو الانطوائية والعزلة ومفارقة الأهل والأقارب والمجتمع الذين ينتمي إليه.

9-التشاؤم يدفع المتشائم أحيانًا إلى كبائر الإثم من تعاطي المخدرات وتناول المسكرات للخروج من الحالة التي يعانيها، وبل إنه يؤدي أحيانًا إلى الانتحار كحلٍّ نهائي لمشكلته، الأمر الملاحظ في كثير من المجتمعات التي لا تدين بالإسلام.

10-التشاؤم يقلّب المفاهيم والتصورات عند صاحبه، حيث يرى الأبيض أسودًا، والنور ظلمة، والحسن قبحًا، والصديق عدوًا، وهكذا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مفتاح دار السعادة ج 3/ 272.

(2) أدب الدنيا والدين ص 376.


(3) [ البلد: 4]



ابو معاذ المسلم 19-01-2021 11:19 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(110)



علاج التشاؤم

تبيّن لنا من خلال ما سبق أن التشاؤم مرض نفسي ناجم عن مجموعة عوامل تؤول جميعها إلى خلل في علاقة الإنسان بربه وانقطاع وغفلة عن موارد القوة التي تعين المتشائم على الخروج من أزمته، ومن أهم العلاجات التي تعيد المتشائم إلى حالته الطبيعية بل تجعله دائم التفاؤل ما يلي:

1-تقوى الله تعالى في السر والعلن، وذلك بامتثال أوامره والانتهاء عن نواهيه، حتى تنفرح الأزمات وتذلل الصعاب ويجعل الله بعد كل ضيق فرجًا ومخرجًا، يقول تبارك وتعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا}(1)، ويقول: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا}(2)
2-الإيمان بقدر الله تعالى خيره وشره، وعدم التضجر والتملل من أمر الله، فما يدري الإنسان مكامن الخير والشر، فربما يرى الشر في شيء وهو خير له وربما يرى الخير في آخر ويكون الشر بعينه، يقول تبارك وتعالى: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}(3)
وصدق الشاعر حين قال:
ولا تبيتنّ إلا خالي البال *** يبدِّل الله من حال إلى حال
دع المقادير تجري في أعنتها *** ما بين غمضة عين وانتباهتها
3-كثرة ذكر الله تعالى وحمده واسترجاعه والثناء عليه، خاصة حين يوسوس الشيطان للإنسان بأسباب التشاؤم واليأس، بل إن ذكر الله تعالى يحوّل اضطراب النفس وقلقه إلى روضة من الأمان والسكينة، يقول تبارك وتعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}(4) فإن الله تعالى يتولى عباده ويحميهم من نزغات الشياطين وهمزاتهم إذا لجأوا إليه، ولن يجعل للشياطين عليهم سبيلا، يقول تبارك وتعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ}(5)، ويقول: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}(6)
4-الصبر والاحتساب أمام المشقات المختلفة التي يتعرض لها الإنسان في رحلة الحياة، والتي تُعدّ بمثابة محطات اختبارية لتكوين شخصية الإنسان الناجح وصناعة التفاؤل عنده، وهو زاد المؤمنين وسلاح الناجحين والمتفوقين، لما يترتب عليه من خير في الدنيا وفلاح ونجاة في الآخرة، يقول تبارك وتعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}(7)
5-الثقة بالله سبحانه وتعالى وحسن الظن به، وأنه الرحمن الرحيم بعباده، كل ذلك يصنع التفاؤل عند الإنسان ويحرره من أغلال التشاؤم والنظرة السوداء إلى المحيط الخارجي، والله تعالى عند حسن ظن عبده به، قال عليه الصلاة والسلام: «يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ، ذكرته في ملإ هم خير منهم، وإن تقرب مني شبرًا تقربت إليه ذراعًا وإن تقرَّبَ إلي ذراعًا تقرّبت منه باعًا، وإن أتاني يمشي، أتيته هرولة«(8).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
(1) [الطلاق: 2]
(2) [الطلاق: 4]
(3) [البقرة: 216]
(4) [الرعد: 28]
(5) [الحجر: 42]
(6) [فصلت: 36]
(7) [البقرة: 155-156]
(8) أخرجه البخاري (ص1273، رقم 7405) كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} ومسلم (ص1166، رقم 575) كتاب الذكر والدعاء، باب الحث على ذكر الله.





ابو معاذ المسلم 19-01-2021 11:20 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(111)



علاج التشاؤم (2-2)


6-الاستخارة والاستشارة قبل الشروع في أي أمر، وكما قيل: ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار.

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: «إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب, اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال في عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني قال ويسمي حاجته«(1).

قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: «وإنما يسن له استخارة الخالق، واستشارة المخلوق، والاستدلال بالأدلة الشرعية التي تبيّن ما يحبه الله ويرضاه، وما يكره وينهى عنه« (2).

7-التوكل على الله في جميع الشؤون والأحوال، لأن التوكل الحقيقي يصنع التفاؤل عن صاحبه ويجعله يتطلع دائمًا إلى الأفضل ويسعى لذلك دون كلل أو ملل، بل إن التوكل على الله تعالى يفرج عن الإنسان الهموم ويخفف عنه الأثقال، لأنه يستند إلى خالق الكون ومدبره، يقول تبارك وتعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}(3).

ولمعرفة حقيقة التوكل على واقع النفس حين يحاصرها العنت والمشقة، تأمل قول ابن عباس رضي الله عنهما عن قوله تعالى: {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}(4): قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}(5)(6).

8-قراءة القرآن والاستماع إليه: كما أمر الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام بقوله: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}(7). لما في ذلك من تفريج للهموم والغموم وإعطاء القوة والنشاط لصاحبه، لا سيما إذا اقترن ذلك بتدبر آيات القرآن والتفكر فيها والتفاعل معها، يقول تبارك وتعالى:{إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ}(8). وقد جاءت آيات كثيرة في شأن الحث على تلاوة كتاب الله والإمعان في آياته وتدبر في معانيها وحقائقها.

كما قال عليه الصلاة والسلام: «من قرأ حرفًا من كتاب الله تعالى فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول آلم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف»(9). وقال ﷺ: «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه»(10).

ثم إن تلاوة القرآن الكريم وتدبره – بالإضافة إلى فضل ذلك – يعين المسلم على صناعة التفاؤل من خلال ما يقرأ من قصص الأنبياء وأحوالهم مع أقوامهم وكذا ما أمر به نبي الله محمد ﷺ.

9-الدعاء: الذي هو لبّ العبادة والعرى التي توصل الإنسان بربه، حيث يبث من خلاله شكواه ونجواه، ويطلب منه العافية والمعافاة، بشرط أن يكون هذا الدعاء مشروعًا وليس محرمًا، فعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله ﷺ: «من ردته الطيرة من حاجة فقد أشرك»، قالوا يا رسول الله ما كفارة ذلك؟ قال: «أن يقول أحدهم: اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك»(11).

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــ

(1)
أخرجه البخاري (ص186، رقم 1162) كتاب التهجد، باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى.


(2)
مجموع الفتاوى 68/ 23.


(3)
[الطلاق: 3]


(4)
[آل عمران:173]


(5)
[آل عمران:173]


(6)
أخرجه البخاري (ص777، رقم 4563) كتاب التفسير، باب إن الناس قد جمعوا لكم.


(7)
[المزمل: 4]


(8)
[النمل: 91-92]


(9)
أخرجه الترمذي (ص655، رقم 2910) كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء فيمن قرأ القرآن ما له من الأجر. والحاكم في المستدرك (1/555، رقم 540). قال الترمذي والحاكم: صحيح.


(10)
أخرجه مسلم (ص325، رقم 1874) كتاب صلاة ا لمسافرين، باب فضل قراءة القرآن.


(11)
أخرجه مالك في الموطأ (2/934، رقم 1672) كتاب صفة صلاة النبي، باب جامع ما جاء في الطعام والشراب. وأحمد (2/220، رقم 7045). وهو حديث حسن.

ابو معاذ المسلم 19-01-2021 11:20 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(112)



التفاؤل والعمل

ولعلنا نعرج قبل النهاية إلى بيان أن التفاؤل ليس نظرة سلبية مقعدة عن العمل، بل يكون مع العمل والجدّ فيه ومتابعته وعدم التقصير فيه، فالرسول ﷺ – في جميع ما أصابه – لم يتوقف عن العمل لحظة من اللحظات فيما كلفه الله تعالى به، بل عمل وواصل العمل، وجدّ واجتهد حتى نصره الله تعالى، ولذا فعلى المسلم ألا يقعد ويتكاسل، ويرقد ويقول بعد ذلك أنني متفائل، فالحيوانات تعمل، وتحصل على النتيجة، فالطير تغدو خماصًا – يعني جياعًا – وتروح بطانًا كما أخبر النبي ﷺ، فالإنسان أولى.

ومن هنا فالمتفائل الحق هو العامل بحق:

فالطالب عليه المذاكرة، ومن ثم يتفاءل بالنجاح.

والتاجر يبيع ويشتري، ومن ثم يتفاءل بالمربح.

والمريض يتداوى ويتوكل على الله، ومن ثمّ يأمل الشفاء.

والمصاب يتوكل على الله ويسترجع ولا يتسخط، ومن ثمّ تنزل عليه السكينة.

والوالد يعمل بأسباب التربية، ويأمل صلاح ذريته.

والمسؤول يعمل بأسباب نجاح عمله، ويأمل بالوصول إلى نتائجه المرجوة، وهكذا.

* * *

وأخيرًا:

فإن التفاؤل محبوب ومطلوب، والتشاؤم مذموم وممنوع، ولكل منهما آثاره على حياة صاحبه، فلا فشل ولا خيبة ولا خسران مع التفاؤل، ولا نجاح ولا تفوق ولا نجاة مع التشاؤم واليأس، وكلما اقترب الإنسان من ربّه وقدّم بين يديه الأعمال الصالحة من قراءة للقرآن وذكر ودعاء وإنفاق في سبيل الله وقضاء حوائج الناس والسهر على مصالح المسلمين كلما زاده الله تعالى تفاؤلاً ونجاحًا وأغدق عليه من النعم ما لا يُحصى، وكلما ابتعد الإنسان عن ربّه، وغفل عن ذكره، وأهمل فرائضه، كلما تمكّن الشيطان من نفسه وجعلها أسيرة لهمزاته ووساوسه، فيصيبه التشاؤم واليأس من رحمة الله تعالى، فلا يرى الدنيا بالمنظار الحقيقي حيث الرياض والرياحين في أرجائها، والحب والخير يسود بين أبنائها، ورحمة الله تعالى قريبة منها في وقت وآن، وإنما يرى هذه الدنيا عكس ذلك، مصائب ومآس، وحقد وكراهية، وشتات وتمزق، وفوق كل ذلك عذاب من الله محدق بهم في كل لحظة.

ابو معاذ المسلم 19-01-2021 11:21 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(113)



الرضا بالقضاء

روى الإمام أبو داود رحمه الله في سننه قال:

حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ الْهُذَلِيُّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ رَبَاحٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ عَنْ أَبِي حَفْصَةَ قَالَ قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ لابنه يَا بُنَيَّ إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَك،َ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ الله الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ قَالَ رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُب؟ُ قَال:َ اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ». يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي»(1).

قضاء الله وقدره نافذ في هذه الحياة، وقد قدّرت الأشياء وحصولها قبل خلق السموات والأرض، والإيمان بذلك والرضى به والعمل وفق هذا الإيمان من أركان الإيمان، وأصول السعادة في الدنيا والآخرة، ونبدأ بالتعريفات.

مفهوم القضاء والقدر:

القضاء في اللغة:

قضى: قَضْيًا، وقضاءً، وقضيَّةً: حكم وفصل. ويقال قضى بين الخصمين، وقضى عليه، وقضى له، وقضى بكذا(2).

هذا وقد جاء (قضى) ومشتقاتها في اللغة بمعان أخرى، كما في الآيات القرآنية الآتية:

1-بمعنى الأمر: في قوله تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}(3).

2-بمعنى الأداء: في قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}(4).

3-بمعنى الموت: في قوله تعالى: {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ}(5).

وبذلك يمكن تحديد مفهوم القضاء في اللغة: بأنه إحكام الشيء وإتمام الأمر، وهذا هو أصل معنى القضاء، وإليه ترجع جميع معاني القضاء الواردة في اللغة(6).


القَدَرُ في اللغة:

قدر: «القاف والدال والراء أصل صحيح يدل على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته وهو بتسكين الدال وفتحها مع فتح القاف«(7).

وقد ورد في القرآن الكريم معنى القدر أو مشتقاته، فقد جاء بمعنى التضييق كما في قوله تعالى: {وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ}(8).

وجاء بمعنى الطاقة كما في قوله تعالى: {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ}(9).

كما يأتي بمعنى التقدير والقياس كما جاء في قول النبي ﷺ في رؤية الهلال: «فإن غُمّ عليكم فاقدروا له«(10).

فهناك توافق وتقارب بين معنى القضاء والقدر في اللغة.

القضاء والقدر في الشرع:

أما في الاصطلاح فإن القضاء والقدر هو: «تقدير الله الأشياء في القدم، وعلمه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة، وكتابته لذلك ومشيئته له، ووقوعها على حسب ما قدرها وخلقه لها«(11).

منزلته من الدين:

هو ركن من أركان الإيمان حيث لا يكتمل الإيمان إلا به لقول النبي ﷺ في حديث جبريل عليه السلام حين سئل عن الإيمان: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره«(12).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ

(1)
أخرجه أبو داود (ص664، رقم 4700) كتاب السنة، باب في القدر. والبيهقي في سننه الكبرى (10/104، رقم 214) كتاب الشهادات، باب شهادة أهل الأهواء. والطبراني في مسند الشاميين (1/58، رقم 59). حديث صحيح.


(2)
المعجم الوسيط، مادة (قضى)، ص742.


(3)
[الإسراء: 23]


(4)
[البقرة: 200]


(5)
[القصص: 15]


(6)
مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني ص422.


(7)
الصحاح للجوهري 2/ 786، معجم مقاييس اللغة 5/ 62.


(8)
[الفجر: 16]


(9)
[البقرة: 236]


(10)
أخرجه البخاري (ص306، رقم 1906) كتاب الصوم، باب قول النبي ﷺ: إذا رأيتم الهلال. ومسلم (ص439، رقم 1080) كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان برؤية الهلال.



(11)
العقيدة الواسطية لابن تيمية 21.


(12)
أخرجه مسلم (ص24-2، رقم 93) كتاب الإيمان، باب الإيمان بالإسلام والإحسان.





ابو معاذ المسلم 19-01-2021 11:22 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(114)



مراتب القدر

أولاً: العلم:

وهو الإيمان بأن الله تعالى يعلم بالأشياء قبل نشوئها وخلقها، ويعلم حالتها الحاضرة وما تؤول إليه في المستقبل، لقوله تعالى: {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ}(1)، وقوله تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}(2).

ومن أنكر هذه المرتبة من العلم فهو كافر لأنه بذلك يطعن في كمال الله تعالى، لأن غياب أي شيء عن علمه جل شأنه يعني الجهل بذلك الشيء وسبحان الله عن ذلك علوًا كبيرًا، يقول تبارك وتعالى على لسان موسى عليه السلام حين سأله: {قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَىٰ . قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى}(3).

ثانيًا: الكتابة:

هي الإيمان بأن الله تعالى كتب ما علمه بعلمه القديم في اللوح المحفوظ، يقول عليه الصلاة والسلام: «إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب فجرى بما هو كائن إلى الأبد«(4).

ويقول الله تبارك وتعالى في تأكيد هذه الحقيقة: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}(5).

ثالثًا: المشيئة:

هي الإيمان بأن كل ما في الكون يجري بمشيئة الله وإرادته لقوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}(6). وقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ}(7).

رابعًا: الخلق والإيجاد:

هو الإيمان بأن الله تعالى وحده خالق كل شيء وموجده، فهو الخالق الأوحد وكل ما دونه مخلوقات من صنعه جل شأنه، وكل ما ينتج من هذه المخلوقات من آثار وأفعال هي أيضًا مخلوقات لله جل وعلا، يقول تبارك وتعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}(8).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ



(1) [يونس: 61]



(2) [الأنعام: 59]



(3) [طه: 51-52]



(4) أخرجه الترمذي (ص757، رقم 3319) كتاب التفسير، باب سورة ص. وأحمد (1/307، رقم 2804). والحاكم في المستدرك (2/540، رقم 3840). وهو صحيح.




(5) [الحديد: 22]



(6) [الإنسان: 30]



(7) [هود: 118]




(8) [الرعد: 16]



ابو معاذ المسلم 23-03-2021 01:55 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(115)



أنواع التقدير
ويمكن تقسيم التقدير إلى أربعة أقسام:
1- التقدير العام: وسبق بيانه وهو الذي يتعلق بكل شيء في هذا الكون، من جماد وكائنات، وعلم الله تعالى بها وحدوثها وكتابة مقاديرها. وهذا التقدير ما كتبه الله تعالى في اللوح المحفوظ قبل خلق الخلق كلهم.
2- التقدير العمري: وهو الذي يتعلق بأعمار الناس وأطوار الخلق التي يمرون بها، وأفعالهم وأرزاقهم في مراحل حياتهم ومن ثم تحديد آجالهم وانقطاع أرزاقهم بها.
وهو ما بيّنه عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي يرويه ابن مسعود رضي الله عنه: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها«(1).
3- التقدير السنوي: وهو أمر الله تعالى المحكم من الآجال والأرزاق في ليلة القدر من كل سنة حين يقضى من اللوح المحفوظ إلى كتبة الملائكة، وهي آجال وأرزاق لا تتبدل ولا تتغير، وهو معنى قوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ . فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ . أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا ۚ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ}(2).
4- التقدير اليومي: وهذا هو قدر الله تعالى الأزلي الذي يظهر كل يوم، من خلال حركة الإنسان في الأفعال والأقوال، وما يترتب عليها من رزق، أو حرمان، ومن مغفرة أو عذاب، ومن موت أو حياة، وغيرها من الآجال التي يظهرها الله تعالى في يوم واحد من عمر هذا الإنسان، وهي بالأصل آجال مكتوبة منذ الأزل، يقول تبارك وتعالى: {يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}(3).
ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــ
(1) أخرجه البخاري (ص554، رقم 6594) كتاب القدر، باب القدر. ومسلم (ص1151، رقم 6723) كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه.
(2) [الدخان: 3-5]

(3) [الرحمن: 29]

ابو معاذ المسلم 23-03-2021 01:56 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(116)



الإرادة وأنواعها

ظن كثير من الناس أن إرادة الله تعالى للأشياء تقتضي محبته لها وبذلك فإن كل أعمال الخير داخلة في هذه الإرادة، وأن أعمال الشر التي لا يحبها الله تعالى تكون خارجة عن هذه الإرادة، وهذا تفسير خطير يهزّ قواعد العقيدة الصحيحة، لأن هذا التصور يخرج كثيرًا من الأشياء والأفعال خارج إرادته جلّ وعلا، الأمر يناقض صفة المشيئة له وكذلك يؤدي إلى الظن بوجود إرادات أخرى في هذا الكون الذي هو من صنع الله وحده وتحت مشيئته وقدرته، ولذا لا بد من بيان حقيقة الإرادة وأنواعها لإزالة هذا الغبش العقدي في أذهان الناس وبيان العقيدة الصافية لهم.

فقد بيّن كتاب الله تعالى وسنة نبيّه ﷺ نوعين من الإرادة، الكونية والشرعية:

أولاً: الإرادة الكونية:

فهي إرادة عامة تشمل كل شيء، في هذا الكون سواء كان مما يحبّه الله تعالى أو مما لا يحبه، كالخير والشر، والطاعة والمعصية، والفقر والغنى، والصحة والعافية وغيرها، فكل هذه الأشياء داخلة في الإرادة الكونية التي أراد الله تعالى أن تكون قدرًا واقعًا حتمًا، يقول الله تعالى: {فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ}(1).

ويقول تبارك وتعالى: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا}(2).

ويقول جل شأنه: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}(3).

وغيرها من الآيات التي تدل على أن هناك إرادة كونية كبرى تقود المخلوقات والموجودات ولا يخرج عنها شيء أبدًا مهما كان نوع هذا الشيء سواء كان مما أمر الله به أم مما لم يأمر به، كالطاعة والمعصية وغيرها.

ثانيًا: الإرادة الشرعية أو الدينية:

وهي ما أراده الله تعالى لعباده من أحكام وتشريع أنزله في كتابه وسنة نبيه ﷺ، من أمر ونهي، وهي مختصة بالأمور التي يحبها الله تعالى، فالله يأمر عباده أن يكون مؤمنين قائمين بفرائضه وأحكامه وهذا أمر محبوب إليه جلّ وعلا، ولكن كثير من الناس لا يستجيبون لهذا الأمر فيعصونه ويعرضون عنه، وهذه هي الإرادة الشرعية، كما في قوله جلّ وعلا حين يأمر عباده بالخير والطاعات وينهاهم عن طرق الغواية والشر: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}(4).

ولا تقتضي هذه الإرادة حصول الشيء ووقوعه، وإلا فإن الناس جميعًا كانوا مسلمين ولم يكن هناك غيرهم من الملل والنحل الكافرة والمشركة والمنحرفة، وبالتالي ما كانت هناك إلا الجنة وحدها دون النار والحساب.

ووجود هذه الإرادة ضرورة شرعية لحدوث التنافس والتسارع في تقديم الطاعات والأعمال الصالحة بين الناس، يقول تبارك وتعالى:{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ . وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ . وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ}(5).

وبالتالي يمكن بيان بعض الأمور المهمة التي تفصل هاتين الإرادتين عن بعضهما:

1-الإرادة الكونية لا بد من وقوعها، أما الشرعية فلا يجب وقوعها.

2-الإرادة الكونية تتعلق بما يحبه الله تعالى وبما لا يحبه، كالطاعة والمعصية، أما الشرعية فتكون حصرًا مما يحبه الله جل وعلا.

3-الإرادة الكونية تتعلق بربوبية الله تعالى، والإرادة الشرعية تتعلق بألوهيته جل وعلا وشريعته.

وفي الحالتين تكون إرادة الله تعالى لحكمة لا يعلمها إلا هو، تنصب في آخر المطاف لصالح العباد، يقول تبارك وتعالى:{وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}(6).

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــ

(1) [الأنعام: 125]

(2) [النساء: 78]

(3) [البقرة: 253]


(4) [النحل: 90]

(5) [الليل: 5-10]

(6) [المائدة: 50]

ابو معاذ المسلم 23-03-2021 01:56 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(117)

الإنسان بين الاختيار والإجبار
الإنسان يعيش بين نوعين من الإرادات، الإرادة الإلهية الكبرى وإرادته الصغرى التي تتحرك وفق الإرادة الإلهية، وبذلك يكون الإنسان مسيَّرًا في أعماله التي يقدر عليها، ويحاسب على هذه الأفعال، سواء في الدنيا أو الآخرة، وهي الأعمال التكليفية المنوطة بسن البلوغ والعقل، أما الأمور الأخرى التي هي خارجة عن إرادته وطاقته فلا يحاسب عليها، كتحديد نوعه ولونه وعرقه، وأوصافه الخَلقية، وغيرها من المجالات التي لا إرادة للإنسان فيها.
وبناء على هذا فلا يحق لأحد القول بأن من يعصي الله تعالى أو يكفر به أو يظلم أو يسرق، إنما هو قدر الله عليه، بل إن ذلك كله يدخل ضمن إرادته واختياره الذاتي الذي يحاسب عليه، لأنه يمكن أن يتجنب ذلك ويسلك سبيل الهدى والإيمان، بعد أن بيّنه الله لعباده، وقد أورد الله تعالى آيات عن أولئك القوم بقوله: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ}(1).

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــ
(1) [الأنعام: 148]

ابو معاذ المسلم 23-03-2021 01:57 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(118)

هل الإيمان بالقدر يعارض فعل الأسباب؟



إن الإيمان بالقدر لا يعارض أو ينافي فعل الأسباب، وكيف ينافيها وقد أمر الله تعالى ونبيه ﷺ بها واتخاذها وسائل مرتبطة بالغايات التي يسعى إليها الإنسان، فلو كان فعل الأسباب يعارض الإيمان بالقدر لتخلى الناس عن كل شيء وقعدوا عن الحركة والسعي في الحياة لتأتيهم أرزاقهم ومعاشهم، وتتحقق آمالهم ورغباتهم من عند الله، ولكن الحقيقة التي بُني عليها هذا الدين تخالف هذا التصور وتنبذه بشدة، فقد ظهرت في بعض العصور الإسلامية فرق تدعو إلى نوع من هذا التفكير والاعتقاد، ولكن الله تعالى الذي تكفل بحفظ دينه وكتابه جعل تلك العصور نقاطًا سوداء ظهرت في التاريخ الإسلامي، حيث خرج العلماء الصالحون المصلحون والأئمة الصادقون الذين أنار الله على أيديهم الحياة وكشف بسببهم ترهات المضلين والجبريين، فانتقلت إلينا بفضل الله تعالى ثم بفضل تلك الكوكبة هذا الدين خالصًا من غير تبديل أو تحريف.

وقد أخذ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالسبب دون الاستسلام للتصور الخاطئ في حادثة الطاعون الذي أصاب بلاد الشام وكان متوجهًا إليها، فلما سمع بذلك أمر بالرجوع، فقال له أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: «يا أمير المؤمنين كيف ترجع إلى المدينة أفِرارًا من قدر الله؟ فقال عمر رضي الله عنه: نَفرّ من قدر الله إلى قدر الله». وهو تصديق لقول الرسول ﷺ عن الطاعون: «إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها«(1).

ثم إن الدارس للسيرة النبوية وحياة الصحابة رضوان الله عليهم سيجد أن الأخذ بالأسباب كانت دأبهم مع توكلهم على الله تعالى وإيمانهم بأن كل ما يصيبهم من خير وشر مقدّر عليهم، فالرسول ﷺ وهو المخيَّر والمصطفى من عباد الله الذي أرسله الله لتبليغ الرسالة إلى الناس كان يأخذ بالأسباب، وهذا واضح منذ البعثة إلى وفاته ﷺ:

- فهو الذي أسرّ بالدعوة في بدايتها خشية أن تقمع في مهدها.

- وهو الذي أمر الصحابة بالهجرة إلى الحبشة ليستأمنوا على أنفسهم ودينهم من المشركين.

- ثم إنه عليه الصلاة والسلام أمر الصحابة بالهجرة إلى المدينة المنورة خشية العنت عليهم من الكفار والمشركين في مكة المكرمة، وقد كانت في هجرته عليه الصلاة والسلام أعظم دلالة على أخذه بالأسباب، فقد هاجر برفقه أبو بكر رضي الله عنه إلى المدينة سرًا، وكان يستطيع أن يهاجر علنًا، ولكنه عليه الصلاة والسلام أراد أن يبيّن للصحابة وللأمة من بعدهم أن العمل بالأسباب هو جزء من الإسلام، ولا يعارض قدر الله، وإن تجاهل الأمة هذا الأمر يعرضها للضعف والتخلف والجهل.

فترك الأسباب والاستسلام للقدر يعدّ تواكلاً على الله وليس توكلاً عليه، بل إن التوكل الحقيقي هو الأخذ بالأسباب والرضا بالقدر، وهو ما أمر به عليه الصلاة والسلام بقوله: «اعقلها وتوكل«(2).

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــ

(1)
أخرجه البخاري (ص1012، رقم 5728) كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون. ومسلم (ص982، رقم 2219) كتاب السلام، باب الطاعون والطيرة والكهانة.



(2)
أخرجه الترمذي (ص572، رقم 2517) كتاب الزهد، باب اعقلها وتوكل. وابن حبان (2/510، رقم 731). حديث حسن.

ابو معاذ المسلم 23-03-2021 01:57 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(119)



آثار الإيمان بالقضاء والقدر

للإيمان بالقضاء والقدر ثمرات وآثار عظيمة على الإنسان في نفسه وجوارحه، بل على مسيرته في الحياة ونتاجه فيها، ولا يمكن حصر جميع الثمرات والآثار لأن جلّ أعمال المؤمن الصادق مرتبطة بمدى إيمانه بالقدر وقبوله لأمر الله في السراء والضراء، لذا نذكر بعض الثمرات الجامعة التي ينطوي تحتها سائر الثمرات، وهي:


1- تحقيق العبودية لله تعالى وحده، والخلاص من الشرك بكل أنواعه وألوانه، فالمؤمن بقضاء الله تعالى وقدره يعلم يقينًا أن كل شيء من عند الله تعالى وبإرادته، فلا حول ولا قوة لغيره - جل ثناؤه - من المخلوقات الأخرى من بشر أو حجر أو شجر أو دواب، وبذلك تصفى عقيدة المؤمن من شوائب الشرك ووسائله.

2- الإيمان بالقدر يكسب صاحبه الشجاعة والجرأة في الحق من غير خوف أو تردد، وهذا كان دأب خير القرون ومن تبعهم من سلف هذه الأمة رضوان الله عليهم، حيث لم تأخذهم في الله لومة لائم، وما استطاع صناديد الكفر من العرب والفرس والروم أن يثنوا من عزائمهم أو يخبوا شعلة الإيمان في نفوسهم، فاستذلوا الصعاب وتجاوزوا الخطوب من أجل نشر هذا الدين وتبليغه للعالمين، رغم أنهم دفعوا ثمن ذلك أرواحهم وأموالهم وأولادهم، ولكن الله تعالى حقق لهم النصر والتمكين في الدنيا، والفوز والنعيم في الآخرة.

3- الإيمان بالقدر يكسب صاحبه فضيلة الصبر وقوة التحمل على المصائب والنوازل، لأنه يعلم أن ما قدره الله عليه هو خير له عند الله تعالى وإن لم يتحسسه عاجلاً، فإيمانه بقدر الله وقضائه يزوده بزاد الصبر الذي حث الله عليه، وجعله من معالي الأمور، ورتّب تبارك وتعالى على هذه الفضيلة ثمرات عظيمة ويافعة في نفسه وأهله ومجتمعه، فضلاً عن الجزاء الأوفى الذي ادخره له يوم القيامة، يقول جل ذكره: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}(1).

4- الإيمان بقضاء الله تعالى وقدره يعطي لصاحبه قوة واندفاعًا نحو الأمام ويجعله عنصرًا متحركًا نحو الخير أينما حلّ وارتحل، فهو يعيش في تفاؤل دائم وأمل مستمر مع الله تعالى، لأنه يعلم أن ما قدّره الله تعالى لا يمكن تبديله أو تغييره ما دام قد وقع وصارًا أمرًا مفروضًا، فلا مكان حينها للقنوط واليأس والتحسر، وكانت هذه حال الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم، فهذا نبي الله يوسف عليه السلام، يحكم عليه بالسجن بضع سنين ظلمًا، ولكنه لم ييأس من روح الله تعالى، فلم تؤثر ظلمات السجن على مسار حياته الدعوية، بل كان السجن ميدانًا للدعوة إلى الله حين قال لصاحبيه:{يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}(2).

وهذا نبي الله موسى عليه السلام وهو في المهجر وفي حالة الخوف والهلع من قومه، يرى ظلمًا واقعًا على امرأتين عند السقاء، فلم تشغله هجرته وغربته عن الحق في نصرتهما، يقول تبارك وتعالى:{وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ . فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}(3).

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــ


(1) [البقرة: 156]

(2) [يوسف: 39]

(3) [القصص: 23-24]




الساعة الآن : 05:14 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 481.67 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 479.90 كيلو بايت... تم توفير 1.77 كيلو بايت...بمعدل (0.37%)]