ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى حراس الفضيلة (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=103)
-   -   حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله) (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=194143)

ابو معاذ المسلم 30-05-2020 06:56 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(40)


آثار الإخلاص (2-3)


3 – سبب في تطهير النفس من النفاق والكذب:

إن الإخلاص مع الله تعالى، يطهر النفس من الكذب والنفاق والمجاملات الخادعة، لأن الله تعالى مطلع على سرائر الناس، والدوافع التي تجعلهم يقبلون على
أعمالهم وأقوالهم، أو تركهم لها، وبذلك لا يجتمع الإخلاص مع الكذب والنفاق، لأنهما متضادان، وهو ما عبّر عنه الرسول ï·؛ بقوله: «لا يزني الزاني حين
يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو
مؤمن» (1). وإذا تخلص العبد من النفاق والكذب سلِم من كثير من الآفات النفسية.
4 – الإخلاص سبب للنصر والتمكين في الأرض:
وهذه حقيقة أشار إليها القرآن الكريم في مواطن كثيرة، وكذلك هدي المصطفى عليه الصلاة والسلام، يقول تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ
الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}(2). ويقول أيضًا: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ غ—
وَلِلَّـهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} (3).
ويقول عليه الصلاة والسلام: «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم» (4).
والتاريخ الإسلامي في عصوره الأولى، لا سيما في عصر النبوة خير شاهد حدوث هذا الأثر في واقع المسلمين، فقد حدث تحوّل كبير في حياة الصحابة
رضي الله عنهم، اقترانًا بما كانوا عليه في الجاهلية، فقد انتقلوا من بيئة مليئة بالمظالم والحروب والضعف والتمزق، إلى أمة رصينة واحدة، يقودهم قائد واحد
عليه الصلاة والسلام في ظل شريعة ربانية واحدة، فأخلصوا نياتهم لهذا الدين ولهذا الرسول، فتذللت لهم الخطوب، وتوسع سلطانهم شرقًا وغربًا، وخضعت
لهم القياصرة والملوك، رغم قلة العدد، وبساطة العتاد.
وما أحوج الأمة في هذا الزمن العصيب الذي تداعت فيه الأمم عليها من كل حدب وصوب، ما أحوجها أن تراجع نياتها وأعمالها، وتوجهها خالصة لله
تعالى، لعل الله يبدل ذلها عزًّا، وهوانها كرامة، وضعفها قوة.
------------------------------
(1) أخرجه البخاري (ص565، رقم 3371) كتاب الأنبياء، باب (10).

(2) أخرجه البخاري (ص400، رقم 2475) كتاب المظالم، باب النهي عن النهبة. ومسلم (ص45، رقم 57) كتاب الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي.
(3) الأنبياء[ 105].
(4) الحج [41].
(5) أخرجه النسائي (ص439، رقم 3180) كتاب الجهاد، باب الاستنصار بالضعيف. والبيهقي (3/ 345، رقم 6616). وهو حديث صحيح.




ابو معاذ المسلم 06-06-2020 04:22 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(41)


آثار الإخلاص (3-3)



5 – الإخلاص سبب في سعة الرزق والحياة الطيبة:

إن الله تعالى توعّد هذه الأمة، ووعده الحق، أن إذا أخلصت له وتحاكمت إلى حكمه في أحوالها وشؤونها، ولا يقصد غير سواه، وتؤتى أوامره، وتجتنب نواهيه، وعدها بالخير الوافر والرزق الواسع، والعيش الرغيد، فضلاً عن كرمه ونعيمه يوم القيامة، يقول جل ذكره: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىظ° آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَـظ°كِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}(1).
يقول أبو ذر رضي الله عنه: كان رسول الله ï·؛ يتلو هذه الآية: {وَمَن يَتَّقِ اللَّـهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا}(2) ثم قال: «يا أبا ذر لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم» (3). وهذا الرزق على مستوى الأمة وعلى مستوى الأفراد.
6 – يكسب الفرد والمجتمع النجاح في الحياة:
لقوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىظ° وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}(4)، فترى المخلصين في الحياة الدنيا، من أسعد الناس، وأكثرهم تفوقًا ونجاحًا، لأنهم يعملون بخطى ثابتة ومنهج مستقيم، ويَصْدقون مع الله تعالى، ولا يريدون من أحد جزاء ولا شكورًا، فجزاؤهم وأجرهم على الله تعالى، لقوله جلّ وعلا: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىظ° وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَـظ°ئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا}(5).
كما ترى المخلصين أقلّ الناس قلقًا واضطرابًا في الحياة، بل تكتنفهم السكينة والراحة، في كل أحوالهم، بخلاف الرائين الذين ينتظرون الجزاء من الناس، فلا يعملون إلا بقدر هذا الجزاء، فيفشلون ويقلقون ويضطربون، وهذا هو الفيصل بين العمل لله والعمل لغيره.
7 – الإخلاص يقيم العلاقات الاجتماعية على منهج رفيع:
تتحدد العلاقات بين الناس في ظل الإخلاص على أسس متينة، وأهداف سامية، لأنها قائمة على حب الله تعالى، وعلى الخير والمودة والرحمة، التي أمر الله أن تكون الأصل في العلاقات بين الناس، يقول عليه الصلاة والسلام: «من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان» (6). وجاءت الآيات والأحاديث الكثيرة في هذا الصدد.
فتذوب في ظل الإخلاص المصالح الشخصية، والأنانيات الفردية، لأن مصير أي علاقة تقوم على غير الإخلاص مرتبط بانتهاء المصلحة أو المنفعة، أما إذا كانت في الله فتبقى أبد الدهر، بل تبقى إلى يوم القيامة، يقول تبارك وتعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}(7) وقوله ï·؛: «سبعة يظلهم الله في ظله.. ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه..» (8).
8 – بالإخلاص يُكتب للإنسان العمل الصالح ولو لم يقم به:
إذا وجدت النية ولكن منعه العذر مثل حال الصحابة في قصة غزوة تبوك، لقوله ï·؛: «إن بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم حبسهم المرض» (9)، وقوله تعالى: {لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىظ° وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّـهِ وَرَسُولِهِ غڑ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ غڑ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ} (10).

ويقول عليه الصلاة والسلام: «من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه» (11).
--------------------------------------
(1) الأعراف [96].

(2) الطلاق [2].
(3) أخرجه ابن ماجه (ص614، رقم 4220) كتاب الزهد، باب الورع والتقوى. وأحمد (5/178، رقم 21591). وابن حبان (15/53، رقم 6669). والنسائي في الكبرى (10/35، رقم 11539) ورجاله ثقات لكنه منقطع.

(4) النحل [97].

(5) النساء [124].
(6) أخرجه أبو داود (ص661، رقم 4681) كتاب السنة، باب في رد الإرجاء. والحاكم في المستدرك (2/ 178، رقم 2694) وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم، ووافقه الذهبي.
(7) الزخرف [67].
(8) أخرجه البخاري (320، رقم 1423) كتاب الزكاة، باب الصدقة باليمين. ومسلم (ص415، رقم 1031) كتاب الزكاة، باب إخفاء الصدقة.
(9) أخرجه البخاري (ص753، رقم 4423) كتاب المغازي، باب (82). ومسلم (ص854، رقم 1911) كتاب الإمارة، باب ثواب من حبسه عن الغزو مرض.
(10) التوبة [96-97].
(11) سبق تخريجه.




ابو معاذ المسلم 06-06-2020 04:22 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(42)

الوسائل المعينة على الإخلاص(1-2)


هناك بعض العوامل التي تنشئ عند الإنسان دافع الإخلاص في الحياة، في العبادات وغيرها، ومن أبرز هذه العوامل والوسائل ما يلي:
1 – التأمل في كتاب الله تعالى ولو في آية واحدة:
إن التأمل في كتاب الله تعالى وآياته التي يخاطب الله تعالى من خلالها عباده على الأرض، يولد في النفس تعلقًا بالله تعالى وشعورًا برحمته بعباده، وهو يقرأ
خطاب ربه الموجه إليه بأسلوب رائع جميل، ويصفه بالمؤمن {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فيه لطف وعطف وحنان، ثم يرشده من خلال هذه الآيات الكريمات إلى
طريق الهدى والنجاة، ويحذره من طرق الغواية والضلال، ويهيأ له أسباب الهداية من إرسال الرسل والأنبياء وحدوث المعجزات.
يجد القارئ كل هذه الحقائق والرحمات ويلمسها في كتاب الله المبين، فيتولد لديه إخلاص حقيقي نحو خالقه وبارئه، فيوجه كل ما لديه من فعل أو قول لإرضاء الرحمن الرحيم.
2 – التأمل في الكون وفي عظمة الله وقدرته:
إن التأمل في الكون وما فيه من عجائب خلق الله تعالى، والتفكر في عوالمه المختلفة وأنماط الأمم التي تعيش في هذه العوالم، في البحر والبر والسماء، وكذلك
الكواكب المحيطة بنا من شمس وقمر وغيرها، والنظام الدقيق الذي يسير وفق هذه المخلوقات جميعًا، إن هذا التأمل يولد إقرارًا ويقينًا بتوحيد الله تعالى، وقناعة ثابتة بالحق والعدالة التي بنيت عليها هذه الأشياء، من أجل ذلك يريد الله تعالى من عباده أن يكثروا من التأمل والتدبر فيما حولهم من الآيات
الكونية، حتى يرتبطوا بحق مع خالقهم، ويخلصوا الأعمال والأقوال له وحده، يقول تبارك وتعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّـهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىظ° جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ
فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـظ°ذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}(1).
ويقول أيضًا: {وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ. وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا غڑ ذَظ°لِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىظ° عَادَ
كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ. لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ غڑ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}(2).
3 – إقناع النفس أن النفع والضر بيد الله تعالى:
إذا علم الإنسان أن الله تعالى خالق الكون، بيده ملكوت السموات والأرض، وأنه لا يجري في الكون من نفع وخير أو ضرر وشر إلا بإذنه، يزداد وثاقه مع
خالقه، فلا يلجأ إلا إليه، ولا يقصد أحدًا غيره، ولا يقدم الطاعة والولاء إلا له جل شأنه، فيعيش لله ويعمل لله، ويجاهد في سبيل الله، وينفق في سبيل الله،
ولا يخشى في ذلك أحدًا، لأن النفع والضر من عند الله، يقول عليه الصلاة والسلام: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا

بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف» (3).
-----------------------------


(1) سورة آل عمران، الآية 191.
(2) سورة يس، الآيات 37-40 .
(3) أخرجه الترمذي (ص576، رقم 2516) كتاب صفة القيامة، باب حديث حنظلة. وأحمد (1/ 307، رقم 2804). قال الترمذي: حديث حسن صحيح.




ابو معاذ المسلم 06-06-2020 04:23 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(43)

الوسائل المعينة على الإخلاص(2-2)


4 – مصاحبة المخلصين:
إن من أهم عوامل تكوين الإخلاص في النفس وتقويته وتصفيته لله تعالى، مصاحبة المخلصين والصالحين، لأن الإيمان يزداد وينقص، وبرفقة هؤلاء المخلصين
يزداد الإيمان وتصلح الأعمال، وفي مجالسة أهل الخير والصلاح ومصاحبتهم ذكر متواصل لله تعالى، وصلوات وقيام وإنفاق في سبيل الله، وكذلك فيها تذكير
بالعذاب والوعيد لمن يخالفه عن أمره تعالى، أي أن هناك تبادلاً في اكتساب الصفات والخصال في المصاحبة الطيبة، لذا يقول عليه الصلاة والسلام: «المرء
على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» (1).
5 – القراءة في السيرة النبوية وسير المخلصين:
حتى يكتسب الإنسان الإخلاص في العمل، ويسلك في ذلك السبيل الصحيح، لا بد أن يبحث في سيرة القدوة الأولى والمخلص الأول عليه الصلاة
والسلام، فهو أخلص الناس فعلاً وقولاً، فهو رسول الله إلى الله بهذا الدين وأحكامه وتشريعه، وهو الذي يحثهم على الأعمال الصالحة والإخلاص فيها،
وسيرته العطرة كلها دروس في كيفية التعامل بالإخلاص مع الله تعالى، من أجل ذلك كان لزامًا معرفة سيرته عليه الصلاة والسلام، حتى نتعبد الله تعالى
بالإخلاص كما كان عليه النبي ï·؛.
ثم لا بد من دراسة سير المخلصين من العلماء والقادة والعامة من المسلمين في التاريخ، ومعرفة ما كان عليه سلف الأمة من الاستقامة والصلاح
والإخلاص، حيث أثر هذه العوامل في نبوغهم العلمي، وتقدمهم المعرفي، وفي تكوين القوة والمنعة لهم في الحياة.
6 – الدعــــاء:
والدعاء من المنافذ المباشرة التي يلبي الله تعالى لعباده ما يطلبونه ويرغبون فيه، ومن أهم الأمور التي تعين على كسب الإخلاص في العمل لله تعالى، هو سؤاله جل وعلا هذا الأمر، بالدعاء المستمر والملح، بكورًا وعشيًا، ودبر كل صلاة، وفي أي وقت شاؤوا، وفي أية حال، فإنه قريب من عباده، سميع بدعواتهم، ومجيب لها، لقوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ غ– أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ غ– فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}(2) ويقول
تبارك وتعالى أيضًا: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً غڑ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}(3).
ويقول جلّ ذكره في آية أخرى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىظ° أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّـهِ غڑ إِنَّ اللَّـهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا غڑ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(4).
7 – أن يقبل العبد على عمل صالح بصورة سرية ودائمة، لا يطلع عليه أحد من الناس، لأن ذلك يكون عنده الإخلاص لله تعالى، لأنه بعيد عن أنظار
الناس ومدحهم وثنائهم، وربما يشفع هذا العمل لهذا العبد يوم القيامة، ويدخله الجنة والنعيم، وليس من الضروري أن يكون عملاً كبيرًا وشاقًا، فرب عمل
صالح صغير يدوم عليه العبد، يربيه الله تعالى له، فيصبح كالجبال في الأجر والمثوبة، تقول عائشة رضي الله عنها عن حال النبي ï·؛: «وكان أحب الدِّين
إليه ما داوم صاحبه عليه» (5).
--------------------------
(1) أخرجه أحمد (2/ 334، رقم 8398). والحاكم (4/ 188).

(2) سورة البقرة، [186].
(3) سورة الأعراف، [ 55].
(4) سورة الزمر [53].
(5) أخرجه البخاري (ص10، رقم 43) كتاب الإيمان، باب أحب الدين إلى الله أدومه. ومسلم (ص318-319، رقم 785) كتاب صلاة المسافرين، باب فصل العمل الدائم.



ابو معاذ المسلم 06-06-2020 04:23 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(44)

الرياء (1-3)

آثار عدم الإخلاص (الرياء):
إذا كان الإخلاص لله تعالى يجلب للإنسان تلك الثمرات الخيرة في الدنيا، من راحة نفسية، وسعادة وسعة في الرزق والمأكل والمشرب، ويمنحه النصر
والتمكين في الأرض، والنجاح والتفوق في الحياة، فإن خلاف هذا الإخلاص وهو الرياء والعمل لغير الله تعالى، من أجل مصلحة دنيوية أو شهرة بين
الناس، أو جاه أو منصب ووظيفة، فإن ذلك يكسب الإنسان عكس تلك الثمرات والنتائج لصاحبه، وهي كالآتي:
1 – التعلق بالمخلوقين:
إذا قصد الإنسان من وراء عمله في الحياة - أيًا كان نوعه – رضا الناس وثناءهم وجزاءهم، فإن علاقته بربه تضعف، فتتوجه كل مشاعره وأحساسيه نحو
الجهة التي تكافئه في الدنيا، فيعمل كل ما بوسعه لإكساب رضى هذه الجهة وإن خالف عمله أمر الله تعالى والأخلاق والآداب، وبالتالي فإنه في هذه
الحال يستبدل الذي أدنى بالذي هو خير، فيستبدل علاقته بالقوي الذي بيده ملكوت السموات والأرض، بالإنسان الضعيف الذي لا يستطيع دفع الضر
عن نفسه، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ غڑ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ غ– وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ
شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ غڑ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ}(1).
2 – الاضطراب النفسي والقلق:
إذا تعلق الإنسان بالعباد وترك رب العباد، فإنه يبقى في حالة من القلق والتوتر النفسي الدائم والتفكير المستمر لينال إعجاب هذا المخلوق بعمله أو علمه،
ويصبح ذلك هاجسًا له، لا يتركه أبدًا، حتى أثناء نومه ربما يحلم به وبتلك العلاقة، الأمر الذي يهدد النفس ويسهل الطريق أمام الوساوس الأخرى للولوج

فيها.

------------------------
(1) سورة الحج [7].




ابو معاذ المسلم 06-06-2020 04:24 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(45)

الرياء (2-3)

آثار عدم الإخلاص (الرياء):
3 – عدم الإنتاج إلا بحوافز دنيوية:
إن الذي يعمل من أجل جزاء دنيوي من مكسب مادي أو شهرة أو أي شيء آخر، ربما يعمل بجد وإخلاص في ميدان عمله، ولكن هذا النشاط سرعان
ما ينتهي إلى خمول وفتور وقلة في الإنتاج، بعد أن يصل إلى غايته، والواقع المعاصر يشهد على هذه الحقيقة، حيث لا يتناسب إنتاج المؤسسات والشركات
والوزرات المختلفة أبدًا مع العدد الهائل من العاملين فيها، وذلك بسبب ضعف الوازع الديني لدى الكثيرين من هؤلاء العاملين والموظفين الذين انحسر
الإنتاج لديهم، لمعرفتهم أن جزاءهم مضمون في نهاية كل شهر، سواء عملوا أم لم يعملوا، إلا ما رحم الله من بعض عباده المخلصين.
وربما يسأل بعضهم عن حال الكافرين المعاصرين في الدول الأخرى، الذين يعملون وينتجون ويبدعون، فكيف نوفق بين هذا وذلك؟
إن قاعدة ارتباط العمل بالجزاء عامة تنطبق على كل البشر، وأن كل فرد أينما كان بلده وزمانه يسير وفق هذه القاعد في عمله وحركته في الحياة، وإن
الآفات التي تنتج عن الإخلاص لغير الله تعالى تتواجد في تلك المجتمعات غير المسلمة، ولكنها بنسب أقل من مجتمعاتنا، ويرجع ذلك لسببين:
أ – إنهم يخضعون لقوانين عمل شديدة لا تستثني أحدًا من الموظفين والعمال، من التزام أو مخالفة، وفي الوقت نفسه تضمن لهم هذه القوانين مكافآت
شهرية مغرية جدًا إضافة إلى المكافآت التشجيعية على الإنتاج وحسن الأداء.
ب – الحرية البحثية والآليات المتوافرة لذلك تدفعهم للإبداعات والاكتشافات المتتالية، بخلاف واقع بلاد المسلمين، الذي يعاني قلة الحريات البحثية، وندرة
الأجهزة الكشفية والبحثية.
وفي كل الأحوال ينطبق على المخلصين وغيرهم الحديث النبوي الشريف: «إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة من الدنيا وأما المؤمن فإن الله يدخر
له حسناته في الآخرة ويعقبه رزقا في الدنيا على طاعته» (1).
4 – تفشي الآفات الاجتماعية:
مثل الرشوة، والتزوير، والمجاملات الكاذبة، ووضع الفرد غير المناسب في المكان المناسب، مما يسبب انهيار المجتمع ومؤسساته، ويقضي على التكافل
والتعاون بين أبنائه، لأن جميع المعاملات والعلاقات ستأخذ طرقًا ملتوية ومسارات منحرفة، حتى تنقلب الموازين، بسوء الإدارات المسؤولة عن شؤون الناس
وأحوالهم، بمعنى أن المجتمع يتحول إلى مفرزة للمشكلات والآفات النفسية والاجتماعية بصورة لا حدود لها، ذلك أن الغاية أصبحت لدى الناس تبرر

الوسيلة، من جراء المجاملات الكاذبة والمظاهر الكاذبة التي تزيف الحقيقة في الواقع.
--------------------------------------

(1) أخرجه مسلم (ص1222، رقم 2808) كتاب صفات المنافقين، باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة، وتعجيل سيئات الكافر في الدنيا.



ابو معاذ المسلم 06-06-2020 04:24 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(46)

الرياء (3-3)

آثار عدم الإخلاص (الرياء):
5 – عدم قبول العمل عند الله:
إن الإخلاص لله تعالى يصفي العمل الذي يقوم به الإنسان، ويغسله من الشوائب والمتعلقات الأخرى التي تتوجه لغير الله تعالى، فإذا نوى الإنسان من وراء أعماله وأقواله جزاء دنيويًا غير رضا الله تعالى، فإن ذلك حسبه، ولن ينال إلا ما تمنى، فقبول العمل ورفضه من الله تعالى يتوقف على النية التي من أجلها
حدث الفعل أو القول، لذا إذا قدم أحدهم عمره كله في الأعمال الحسنة والجليلة، ولكنه لم يجعل لله فيها نصيب، فإن الله تعالى لن يدخر له شيئًا منها يوم
القيامة، يقول تبارك وتعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَىظ° مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا}(1).
ويقول تبارك وتعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىظ° كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ غ– فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ
صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا غ– لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىظ° شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا غ— وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}(2).
وهو أمر دقيق يجب ملاحظته في واقع الحياة، وتذكير الناس به، في علاقاتهم وأعمالهم، لأنه يحدد المصير والمآل للإنسان يوم القيامة.
وهناك لفتة لا بد من التنبيه إليها، ربما يقف عندها الكثيرون، ويتخوفوا من وضعهم في بعض الحالات التي يمرون بها، وهي مدح الناس للخصال المتوافرة في
بعض الأشخاص، أو ثنائهم على بعض أعمالهم، مما يسبب لهم إشكالاً في الإقدام على الخير والإحسان إلى الناس، فإن مثل هذا الثناء والمدح لا يناقض
الإخلاص في شيء ما دام صاحبه واثقًا من صلاح نيته لله تعالى؛ بل قد يكون ذلك من الشهادة لله على خيرية هذا الإنسان.
عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قيل لرسول الله ï·؛: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ قال: «تلك عاجل بشرى المؤمن» (3).
عن أنس بن مالك قال: «مرّ على النبي ï·؛ بجنازة فأثني عليها خيرًا. فقال: وجبت. ثم مرَّ عليه بجنازة فأثني عليها شرًّا فقال: وجبت فقيل يا رسول الله

قلتَ لهذه وجبت ولهذه وجبت، فقال: شهادة القوم والمؤمنون شهود الله في الأرض» (4).
------------------------------------
(1) الفرقان [23].
(2) البقرة [264].
(3) أخرجه مسلم (ص1151، رقم 2642) كتاب البر والصلة، باب إذا أثنى على العمل الصالح، فهي بشرى لا تضر.

(4) أخرجه البخاري (ص428، رقم 2642) كتاب الشهادات، باب تعديل كم يجوز.




ابو معاذ المسلم 06-06-2020 04:24 PM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(47)


وفي الختام لابد من توضيح بعض النقاط المتعلقة بالإخلاص، لفئتين من الناس، هما:


أولاً: المريض النفسي:

حيث ينبغي عليه معرفة بعض الواجبات المهمة ليخلص عمله، ويدخل بإذن الله تعالى في مرحلة الشفاء، ومن هذه الواجبات:
1 – التعلق بالله الذي خلق الكون كله وإليه مآله، فلا يتنفس كائن ولا يتحرك حركة إلا بإرادته جلت قدرته، فلا يُقصد أحد سواء بالأعمال والأقوال، ولا يُرجى غيره للعلاج أو طلب الشفاء. فعليه أن يقوي إخلاصه بأعماله ويلح على الله بطلب الشفاء.
2 – التدبر في كتاب الله المبين وتلاوة آياته، بصورة دائمة وغير منقطعة، لما فيها من التعليمات والتوجيهات التي تنير الدروب وتجلي عنها الظلمات.
3 – لا بد من مجالسة النفس والخلو معها في ساعات معينة، لمراجعة شريط الأعمال والأقوال، وتصحيح ما فيه من أخطاء وذنوب ومعاصي.

4 – الاجتهاد في العبادات، من صلاة، وصيام، ودعاء وذكر، وإحسان، وإنفاق لأنها جميعًا مربط الجزاء في الدنيا والآخرة.
ثانيًا: الداعية:
فعليه معرفة بعض الأمور المهمة لنجاح دعوته، وإثمارها بثمر طيب وحسن، ومن هنا عليه أن يتذكر عظم عمله ويقوي إخلاصه فيه، ومن هذه الأمور:
1 – أن الدعوة عمل عظيم وهي من أجلّ الأعمال؛ بل أحسنها، فهي مهمة الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وبها يهتدي الناس ويستنيرون،
وبسببها يكلل الله الأمة بالنصر والتمكين.
2 – أن الدعوة من غير إخلاص، لا قيمة لها ولا ثمرة في الحياة الدنيا، فضلاً عن الوبال الذي يرهق كاهل الداعية يوم القيامة.
3 – ضرورة تجرد النفس من حظوظ الدنيا وزخارفها، والتوجه الصادق إلى الله تعالى بكل ما يقوم به الداعية، لأن ما يكون لله يبقى ويثمر، وما يكون لغيره، يفنى ويفسد.

4 – فَهْمُ الدعوة بأصولها الصحيحة، وأساليبها المبينة في كتاب الله تعالى وسنة نبيه ï·؛، حيث إن أهم أصل لها هو الإخلاص لله تعالى.



ابو معاذ المسلم 14-06-2020 05:47 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(48)

أهمية التوكل على الله:
تتجلى أهمية التوكل على الله تعالى في شؤون الإنسان جميعها؛ لأن كل فعل أو حركة لا يخرج عن دائرة الإرادة الربانية وتدبيره الشامل في هذا الكون،
والإنسان ضعيف لا حول له ولا قوة من غير أن يعتمد على الله؛ لأنه هو الذي يعطي القوة والدفع للإنسان ليتحرك في الأرض ويسعى فيها بما أمره الله به،
انطلاقًا من حركة الحواس إلى أصغر عضو في الجسم، كلها تسير وفق إرادة الله وسنته، فالعين لا تنام لولا عناية الله بها، والعقل لا يستطيع أن يفكر ويتأمل
من غير أمر خالقه، والأطراف لا تعمل ولا تسعى في طلب الرزق إذا لم يمنحها الله قوة الحركة والتنقل، والمريض لا يُشفى من دون الله، وهكذا في جميع
الأحوال.
فالتوكل على الله تعالى يمنح الإنسان الاستمرارية في العمل والعبادة بالوجه الذي يريده الله تعالى، أما إذا خالف الإنسان هذه السنة، وأوكل شؤونه إلى
نفسه، أو إلى غيره من البشر، من غير التوكل على الله، فإنه بذلك يجلب على نفسه الضرر والأذى بسخط الله عليه، وقد أشار الله تعالى إلى هذه الصورة
في قصة قارون بقوله: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ
اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ. وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّـهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّـهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّـهَ
لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ. قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّـهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ
الْمُجْرِمُونَ}(1).

هكذا اغتر قارون بما عنده من الأموال والأملاك، وظن أنه بعلمه وحده استطاع أن يجمع هذه الثروة الهائلة، من غير أن يوكل الأمر إلى الله تعالى، واستند في
هذا الموقف إلى نفسه الضعيفة التي لا تملك من الأمر شيئًا، وجحد فضل الله تعالى وكرمه عليه بهذه الأموال، فوكَّله الله إلى ذلك، فخسف بتلك الثروات
والأموال الأرض حتى لا يبق منها شيء، يقول تبارك وتعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّـهِ وَمَا كَانَ مِنَ
الْمُنتَصِرِينَ}(2).
فلا غنى عن التوكل على الله تعالى، وليحذر الذين يغفلون عن هذه الحقيقة من غضب الله تعالى وعقابه، كما حدث لقارون ومُلكه وماله.
-------------------------
(1) القصص [76-78].
(2) القصص [81].




ابو معاذ المسلم 14-06-2020 05:48 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(49)

مكانة التوكل على الله:
يعدُّ التوكل على الله تعالى من أهم مقتضيات العقيدة؛ لأن طلب العون والقوة والنفع من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى شرك به جلّ وعلا، ومن
أجل ذلك تعددت النصوص القرآنية والنبوية من أجل ترسيخ عقيدة التوكل على الله في نفوس المسلمين. ويمكن بيان هذه المكانة والمنزلة للتوكل من خلال النقاط الآتية:
1- إن الله تعالى أمر بالتوكل عليه صراحة، ولا ينبغي لأحد أن يلجأ بعدها لغيره سبحانه وتعالى في الاستعانة وطلب القوة وتحقيق الآمال، لقوله جل وعلا:
{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ}(1).
2- إن المسلم يردد في كل ركعة من صلواته هذا المنهج ويتعهد الله تعالى عليه بقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}(2).
3- إن التوكل على الله تعالى يجلب للمتوكل محبة الله تعالى ورحمته وإعانته، لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}(3).
4- جعل الله تعالى التوكل عليه من صفات المؤمنين وثمرة من ثمرات الإيمان به جل وعلا، لقوله: {وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}(4). وقوله تعالى: {وَعَلَى
اللَّـهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}(5).
5- بيّن الله تعالى أن التوكل عليه هو منهج الأنبياء والرسل جميعا عليهم الصلاة والسلام، يقول تبارك وتعالى: {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّـهِ وَقَدْ هَدَانَا
سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىظ° مَا آذَيْتُمُونَا غڑ وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ}(6). وهي إشارة للمسلمين أن يحتذوا حذو أولئك الرسل باعتبارهم قدوة لهم في عقائدهم
وتصوراتهم.
يقول ابن عباس رضي الله عنهما: {حَسْبُنَا اللَّـهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}(7) قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد ï·؛ حين قالوا {إِنَّ النَّاسَ قَدْ
جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّـهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}(8)(9).
6- إن الله تعالى أمر عباده المؤمنين عند الخروج من البيوت بالتوكل عليه وحده، حتى يكونوا في حمايته ورعايته إلى أن يعودوا إلى إليها، لقول النبي ï·؛:
«إذا خرج الرجل من بيته فقال بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله قال يقال حينئذ هديت وكفيت ووقيت فتتنحى له الشياطين فيقول له
شيطان آخر كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي» (10).
---------------------------------------

(1) الفرقان [58].
(2) الفاتحة [5].
(3) آل عمران [159].
(4) آل عمران [122].

(5) المائدة [23].
(6) إبراهيم [12].
(7) آل عمران [173].
(8) آل عمران [173].
(9) أخرجه البخاري (ص777، رقم 4563) كتاب التفسير.
(10) أخرجه أبو داود (ص717، رقم 5095) كتاب الأدب، باب ما يقول إذا خرج من بيته. والحديث صحيح.


الساعة الآن : 02:21 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 96.62 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 96.12 كيلو بايت... تم توفير 0.50 كيلو بايت...بمعدل (0.52%)]