ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى حراس الفضيلة (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=103)
-   -   حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله) (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=194143)

ابو معاذ المسلم 30-07-2021 01:04 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(130)



آثار عبودية السرّاء والضراء
إن من أهم الآثار والنتائج الإيجابية التي يخرج بها العبد المؤمن حال عبوديته لله سبحانه وتعالى في كلا الحالين، ما يلي:
1- إن الله تعالى يجزي الشاكرين في السرّاء بالأجر العظيم والزيادة في الأرزاق والنِّعم المختلفة، لأنهم لم يغفلوا عن شكر الله بالقول والعمل إزاء ما أغدق عليهم من المتاع والطيبات، قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}(1)، وقال أيضًا: {وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ}(2).
2- إن الصبر على الضرّاء، والرضى لأمر الله تعالى من أسباب العفو والمغفرة والثواب الجزيل، لقوله تعالى: يقول الله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}(3).
ويقول عليه الصلاة والسلام: «ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها«(4).
3- الشعور بالرضى والقرب من الله عز وجل، حيث يحس العبد الشاكر أن الله عز وجل خصّه بكرمه فيقبل عليه بالتوبة والاستغفار والثناء عليه سبحانه بما هو أهله، وينال راحة نفسية عظيمة، ثم إنه يبادر إلى من حوله فيحسن إليهم شكرًا لله الذي أحسن إليه ويبذل جهده في إدخال السرور إلى قلوبهم كما أدخل الله المسرة إلى قلبه فتحصل بذلك الفائدة لمجتمعه وتزداد عرى الترابط بينه وبين من أحسن إليهم، فإن فعل ذلك زاده الله من نعمه وأسبغها عليه ظاهرة وباطنة.
4- إن عبودية السرّاء والضرّاء تدخل السكينة والطمأنينة في نفس العبد، لأنه لم يصبه الغرور والتكبر حين أنعم الله تعالى عليه بالنعم المختلفة، ولم ينس أن يرجع ذلك كله لله تعالى، فبقيت نفسه مطمئنة وسليمة من الكبر والاستعلاء.
كما أنه لم يتأفف عند الضرّاء من حاله وما أصابه من البلاء، بل رضي بقضاء الله تعالى، وعَلِم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن الله تعالى قد أعدّ له من الأجر والثواب على صبره وثباته، وبالتالي تغتسل نفسه من آفة الحسد والحقد على الآخرين.
5- إن عبودية السرّاء والضراء تبني شخصية الإنسان بناء متينًا، حيث يتطلع في حالتي السراء والضراء إلى الحياة بنظرة إيجابية، فلا يغريه المتاع عن العمل والإنتاج، كما لا تحبطه المصائب والشدائد عن مواصلة الطريق وتجاوز الصعاب للوصول إلى تحقيق الأهداف الممكنة بالوسائل المتاحة.
6- إن عبودية السرّاء والضرّاء يساهم كثيرًا في توفير الأمن والاستقرار داخل المجتمع، لأن المنعم عليه بالمال والصحة والإمكانات لا يترك إخوانه الضعفاء ضحية للفقر والبطالة والجهل، بل إنه من منطلق العبودية لله تعالى يمدّهم بجميع أشكال المساعدات سواء بالإنفاق عليهم، أو إيجاد فرص العمل لهم، وغير ذلك من الأمور التي تخرج الغل والكراهية من نفوس المحرومين.
وفي الجانب الآخر فإن المصاب بالضرّاء يؤمن بقضاء الله تعالى وقدره، ويتفاعل مع حقيقة البلاء بإيمانه بالجزاء المدّخر عند الله تعالى، فإنه لا يحمل في نفسه حقدًا أو ضغينة على أحد، إضافة إلى ما يجده من المتنعم عليه من التعاون والتكافل معه، كل ذلك يساهم في استقرار حال المجتمع وسلامته من عوامل الجريمة والفساد.
* * *
كانت تلك جولة سريعة مع عبودية السراء والضراء، والتي هي جزء من العبودية العامة التي أشار إليها الله جلّ وعلا بقوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}(5).
والكيّس العاقل من يجعل الأحوال التي يمر بها والظروف التي تعترضه في الحياة ساحة للعبادة وميدانًا لطاعة الله تعالى، ليس في حالات الشدة والرخاء فحسب، بل إنه يستطيع أن يجعل من كل عمل مباح عبادة وتقربًا إلى الله حين يحتسب ويخلص النية له جل وعلا، فيصبح تناول الطعام عبادة، والنوم عبادة، والرياضة عبادة، والدراسة عبادة وهكذا، حتى تصبح كل حركة وسكنة تصدر منه عبادة يؤجر عليها، وبذلك يؤدي العبد رسالته في الحياة، ويصل إلى الغاية التي خُلق من أجلها وهي عبادة الله وحده.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
(1) [إبراهيم: 7]
(2) [آل عمران: 145]

(3) [الزمر: 10]
(4) سبق تخريجه.
(5) [الذاريات: 56]




ابو معاذ المسلم 30-07-2021 01:07 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(131)



يابلال أرحنا بها
الصلاة من أعظم أركان الإسلام، وأجلّها، وأكثرها فائدة، وأوسعها آثارًا، وهي من أهم العوامل لبناء الشخصية السوية، ومن أهم أدوات الشفاء للأمراض، ومن أكبر الوسائل لمعالجة المشكلات وتجاوز العقبات.

لذا؛ نركّز في هذا المبحث على هذه الجوانب، فنفتتح بما رواه الإمام أحمد رحمه الله قال:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ وَخَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَا حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا يَعْنِي ابْنَ زَائِدَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الله الدُّؤَلِيِّ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ أَخُو حُذَيْفَةَ قَالَ حُذَيْفَةُ: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى«(1).
وما رواه أبو داود رحمه الله قال:حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ قَالَ رَجُلٌ قَالَ مِسْعَرٌ أُرَاهُ مِنْ خُزَاعَةَ لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ فَكَأَنَّهُمْ عَابُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُول:ُ «يَا بِلالُ أَقِمْ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا«(2).
مفهوم الصلاة:
الصلاة لغة: الدعاء، قال تعالى:{وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ}
(3)
أي ادع لهم، وقال النبي ﷺ: «إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان مطراً فليطعم وإن كان صائماً فليصلّ«(4).

الصلاة اصطلاحاً: الصلاة: أقوال وأفعال يتعبد الله بها، تفتح بالتكبير وتختتم بالتسليم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
أخرجه أبو داود (ص197، رقم 1319) كتاب الصلاة، باب تفريع صلاة السفر. وأحمد (5/ 388، رقم 23347). حديث حسن.

(2)
سبق تخريجه.


(3)
[لتوبة: 103]

(4)
لسان العرب ج 7 / ص 397.





ابو معاذ المسلم 30-07-2021 01:12 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(132)



أهمية الصلاة وفضلها في الإسلام
الصلاة عمود الدين، وثاني أركان الإسلام، تلي شهادة التوحيد، كما جاء في حديث جبريل عليه السلام حين سأل الرسول ﷺ عن الإسلام فأجابه: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً«(1).
وقد أشار القرآن الكريم إلى فضل الصلاة ومكانتها في هذا الدين في آيات كثيرة ما بين كونها فرضًا يؤدَّى، أو كونها عبادة يتقرب بها العبد إلى الله تعالى، وجاء الثناء والجزاء على الذين يحافظون على هذه الفريضة كما في قوله تعالى: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ . أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}(2).
وبالمقابل جاء التهديد والعقاب على تاركها، كما في قوله تعالى حين يُسأل بعض أصحاب النار عن سبب مقامهم في النار {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ . قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ}(3).
كما أن الصلاة هي أول ما يحاسب عليها العبد يوم القيامة لقول النبي ﷺ: «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته«(4).
والصلاة تميّز أهل الإيمان عن أهل الكفر لقوله ﷺ: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر«(5) وقوله عليه الصلاة والسلام: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة«(6).
ومن أهم المعالم التي تدل على أهمية الصلاة أيضًا أن الله تعالى أمر بها في في معظم الأحوال، في الصحة والسقم، وفي السفر والحضر، وفي السلم والحرب.
من أجل هذه المنزلة الكبيرة والمكانة الرفيعة للصلاة في هذا الدين كان الأمر بها واضحًا في وصية النبي ﷺ قبل وفاته، عن علي رضي الله عنه قال: كان آخر كلام رسول الله ﷺ: «الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم«(7)، حتى جعل يغرغر بها وما يفصح بها لسانه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــ
(1)
سبق تخريجه.

(2)
[الأنفال: 3-4]

(3)
[المدثر: 42-43]

(4)
أخرجه أبو داود (ص133، رقم 864) كتاب الصلاة، باب قول النبي ﷺ كل صلاة لا يتمها صاحبها تتم من تطوعه. والترمذي (ص111، رقم 413) كتاب الصلاة، باب أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة. والنسائي (ص64، رقم 466) كتاب الصلاة، باب المحاسبة على الصلاة. وابن ماجه (ص204-205، رقم 1426) كتاب الصلاة، باب أول ما يحاسب به العبد الصلاة.

(5)
أخرجه الترمذي (ص595، رقم 464) كتاب الإيمان، باب ما جاء في ترك الصلاة. والنسائي (ص64، رقم 464) كتاب الصلاة، باب المحاسبة على الصلاة. وابن ماجه (ص151، رقم 1079) كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في ترك الصلاة. وقد حسنه الترمذي.

(6)
أخرجه مسلم (ص51، رقم 1079) كتاب الإيمان، باب إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة.

(7)
أخرجه أبو داود (ص724، رقم 5158) كتاب الآداب، باب حق المملوك. وابن ماجه (ص232، رقم 1625) كتاب الجنائز، باب ما جاء في مرض رسول الله ﷺ. وهو صحيح.





ابو معاذ المسلم 19-11-2021 05:41 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(133)



صفة الصلاة
وأما كيفية أداء الصلاة وصفتها، فقد بيّنها رسول الله ﷺ للصحابة بشروطها وأركانها قولاً وعملاً، وكان عليه الصلاة والسلام يقول لهم: «صلوا كما رأيتموني أصلي»(1)، ليس هذا فحسب، بل إنه كان ينبههم إذا وجد خللاً أو قصورًا في أدائهم للصلاة، كما جاء في حديث المسيء صلاته.
وما جاء في صفة صلاته عليه الصلاة والسلام من أحاديث فكثيرة، ويكفي الإشارة إلى ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: «أن النبي ﷺ قال: إذا قمتَ إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبِّر ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها»(2).
وينبغي أن يرافق هذه الهيئة والأداء في الصلاة الخشوع وحضور القلب، والتأمل فيما يقوله العبد بين يدي ربه، من آي القرآن والذكر والتكبير والتحميد والتسبيح وغيرها، وقد أشاد الله تعالى بالمؤمنين الذين يخشعون في صلواتهم فقال: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}(3).

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـ

(1) أخرجه البخاري (ص123، رقم 757) كتاب الأذان، باب قراءة الإمام والمأموم في الصلوات كلها.
(2) أخرجه البخاري (ص30، رقم 139) كتاب الوضوء، باب إسباغ الوضوء. ومسلم (ص168، رقم 397) كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة.
(3) [المؤمنون: 1-2]



ابو معاذ المسلم 19-11-2021 05:42 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(134)


آثار الصلاة (1-3)


للصلاة آثار إيجابية عظيمة في حياة المؤمن يلمسها حين يؤديها بأركانها وشروطها، وبالصورة التي كانت يؤديها رسول الله ﷺ، فضلاً عن الآثار الأخروية التي يلقاها المؤمن عند ربه يوم القيامة، ومن تلك الآثار:

1-إن الصلاة من الأعمال التي ترفع درجات المصلي وتزيد من حسناته، كما تكفر عنه السيئات والذنوب التي يقترفها في حياته اليومية، يقول تبارك وتعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ}(1).

وعن عثمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: « ما من امرئ مسلم تحضره صلاةٌ مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها؛ إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم تؤتَ كبيرة، وذلك الدهر كله«(2).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: « سمعت رسول الله ﷺ يقول: أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم، يغتسل منه كل يومٍ خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا«(3).

2-إن الصلاة التي هي الصلة بين العبد وربه، تزيد من تعلق هذا العبد بربه، لأنه يقف بين يديه في اليوم خمس مرات على الأقل، يثني عليه ويحمده ويعظمه ويستعين به، ويطلب منه الفوز والنجاة، فيستجيب الله تعالى له ويمنحه ما يريد، وهذا ما يؤكده حديث أبي هريرة رضي الله عنه حيث قال: سمعت رسول الله ﷺ: «قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين. قال الله تعالى: حمدني عبدي وإذا قال الرحمن الرحيم قال الله تعالى: أثنى علي عبدي. وإذا قال مالك يوم الدين. قال: مجّدني عبدي وقال مرة: فوض إلي عبدي. فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل«(4).

3-إن الصلاة تدفع الإنسان لفعل الخير والعمل الصالح، وتجنبه سبل الغواية والمعاصي، يقول تبارك وتعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ}(5). ويقول جل ذكره: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ}(6).

4-إن الصلاة تحفظ المسلم وتحميه من شرور الجن والإنس بسبب ما تنزل عليه من الرحمة والمغفرة، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من صلى الصبح فهو في ذمة الله»(7).

5-المحافظة على الصلاة وإقامتها عامل كبير في جلب الرزق والعيش الرغيد، لقوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ}(8).

6-الصلاة في أوقاتها الخمسة تنظم حياة المسلم في ليله ونهاره، حيث يصبح لديه برنامج واضح يسير عليه وفق التقسيمات التي حددها الشرع لأوقات الصلاة، يقول تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا}(9)، فيرتب وضعه وينظم حاله وفق هذا الجدول الزمني الذي حدده الله تعالى، ما بين عمل دنيوي يساهم من خلاله في عمارة الكون وتحقيق ما ينفع نفسه ومجتمعه وأمته، وبين ما يشده إلى الآخرة من خلال هذه الصلوات التي تفصل بين الواحدة والأخرى فترة زمنية محددة، ليتخلص من أعباء الحياة وتعبها ونصبها، فيقف بين يدي خالقه مجددًا عهده وولاءه وثباته على هذا الدين، ليرجع من جديد إلى عمارة الأرض ونشر الخير بين الناس.

وفي هذا استشعار بقيمة الزمن، الذي يُسأل عنه الإنسان يوم القيامة، لأن تركه وعدم الاستفادة منه يؤدي إلى التخلف والفساد والجريمة، بل سيكون وبالاً على صاحبه إذا لم يستغله بما أمر الله به، وهو معنى قوله ﷺ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيم فعل وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن جسمه فيم أبلاه«(10).

7-الصلاة تحافظ على أمن المجتمع واستقراره، وتقلل من نسبة الجرائم والجنايات بين أبنائه، لقوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ}(11)، وقد جاء الاقتران بين الأمر بالصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وصية لقمان لابنه: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}(12). فهذه الآيات تدل صراحة أن هناك علاقة متلازمة بين إقامة الصلاة واجتناب المنكرات التي تشمل كل أنواع المعاصي والمفاسد التي تخل باستقرار الإنسان ومجتمعه.

كما أن الصلاة تُجَمّعُ الناس في اليوم والليلة خمس مرات، وفي الأسبوع مرة في صلاة الجمعة، يقفون جميعهم بين يدي خالقهم متكاتفين متراصين، يجددون معًا العهود والمواثيق مع هذا الخالق، ويجددون العهد فيما بينهم، ويتعرفون على أحوالهم وحاجاتهم، فتزيد صلتهم ورحمة بعضهم ببعض، وغيرها من التبعات والفوائد الاجتماعية الأخرى التي تفرزها هذه الصلاة بين المسلمين، وهي من الأسباب التي ترجح كفة الأمن والاستقرار على كفة الجريمة والفساد.

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــ

(1) [هود: 118]

(2) أخرجه مسلم (ص167، رقم 878) كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء والصلاة بعدها.

(3) أخرجه البخاري (ص90، رقم 528) كتاب مواقيت الصلاة، باب الصلوات الخمس كفارة.

(4) أخرجه مسلم (ص167، رقم 395) كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة.

(5) [العنكبوت: 45]

(6) [الأعراف: 170]

(7) أخرجه مسلم (ص265، رقم 1493) كتاب المساجد، باب فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة.

(8) [طه: 132]

(9) [النساء: 103]

(10) سبق تخريجه.


(11) [العنكبوت: 45]

(12) [لقمان: 17]



ابو معاذ المسلم 19-11-2021 05:43 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(135)


آثار الصلاة (2-3)



8- وأما آثار الصلاة على المؤمن من الناحية النفسية فيمكن إجمالها فيما يلي:

أ- إن الصلاة تجلب للنفس راحة وطمأنينة في كل أحوالها، لا سيما في النوازل والمصائب التي قد تعتري المؤمن، وهو ما عبّر عنه رسول الله ﷺ عندما يحين وقتها بقوله لبلال رضي الله عنه: «قم يا بلال فأرحنا بالصلاة»(1)، وقوله ﷺ: «وجعلت قرة عيني في الصلاة»(2)، فهي الملاذ الذي ترنو إليه النفس دائمًا، ليذهب عنها الضيق والحرج وتحل الراحة والسكينة، فحين يكبر المصلي تكبيرة الإحرام فكأنما ألقى بالدنيا وما فيها من تعب وكدر إلى الوراء، وبدأ يستقبل نوعًا آخر من المشاعر والأحاسيس التي يفتقدها قبل الدخول في هذا المقام السامي مع ربه سبحانه وتعالى.

ب- تعد الصلاة من أهم الأسباب التي تزيل عن المؤمن القلق النفسي الناجم عن مؤثرات الحياة، فهو في صلاته يشعر عظمة خالقه حين يركع له ويسجد له بقلبه وجوارحه، فتصغر في نفسه مسببات ذلك القلق وتوابعه، لأنه يحس أن هذه النفس قد خرجت من ضيق الدنيا إلى سعة رحمة الله وعظمته التي تخشع له كل الخلائق وتسجد له طوعًا وكرهًا.

ج- الصلاة تبعد التوتر عن نفس المؤمن، بسبب تغيير الحركة المستمرة فيها، من قيام وركوع وسجود وقعود وتحريك للسواعد وغيرها، فمثل هذه الحركات وهذه التغيرات يحدث استرخاء فسيولوجيًا مهمًا في الجسم، وهذا ما يهدأ من روع الإنسان المنفعل أو المتشنج، ويحافظ على توازنه النفسي، وقد وصى الرسول ﷺ المؤمن الغاضب أو المتوتر بالجلوس إلى الأرض ليخف عنه غضبه وتوتره، يقول عليه الصلاة والسلام: «ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم أما رأيتم إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه فمن أحس بشيء فليلصق بالأرض«(3).

ولعل ما نجده لدى بعض الشعوب عادة السجود ووضع الرأس على الأرض عند الإرهاق أو الضيق أو الاكتئاب لها أصل من هذه الحقيقة، كما هي الحال عند اليابانيين، إلا أنهم يدرجونها ضمن التمارين الرياضية أو المعالجات النفسية، مثل اليوغا وغيرها. ونحن أغنانا الله تعالى بالصلاة، فنؤديها بخشوع ورغب ورهب.

د – الصلاة تدفع عن المؤمن همزات الشياطين ولمزاتهم، في كل أحواله، حيث تدربه على الشكر في السراء، وعلى الصبر في الضراء، يقول تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}(4)، ويقول جل شأنه في آية أخرى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(5).

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــ


(1) سبق تخريجه.

(2) أخرجه النسائي (ص469، رقم 3392) كتاب عشرة النساء، باب حب النساء. وأحمد (3/128، رقم 12315). والحديث صحيح.

(3) أخرجه الترمذي (ص504، رقم 2191) كتاب الفتن، باب ما أخبر به النبي ﷺ. وأحمد (3/19، رقم 11159). والحاكم (4/506، رقم 8543). قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.

(4) [البقرة: 153]

(5) [الأعراف: 200]

ابو معاذ المسلم 19-11-2021 05:44 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(136)


آثار الصلاة (3-3)



هذا فضلاً عن بعض الفوائد البدنية والجسمية التي يمكن استنباطها من الصلاة، وهي:
-الصلاة تعطي توازنًا للجسم، وتخفف الضغط على الدماغ، وذلك من خلال وضعيات الركوع والسجود وما يرافقها من الضغط على أطراف أصابع القدمين، مما يعطي شعورًا للمصلي بالاسترخاء والهدوء.
-السجود الطويل يؤدي إلى عودة ضغط الدم إلى معدلاته الطبيعية في الجسم كله، ويعمل على تدفق الدم إلى كل أجهزة الجسم.
- الصلاة تجنب المصلي بعض الأمراض، مثل الدوالي، كما أنها تقوّي العظام وعضلات البطن، وتنشط إفراز المرارة، وحركة المعدة والأمعاء، بسبب حركات الصلاة من قيام وركوع وسجود وغيرها.
-الصلاة تعوّد المؤمن على النظافة البدنية، والعناية بالجسم وتزكيته، وإزالة كل ما يضر به من الأوساخ والروائح الكريهة، من خلال ما تسبق هذه العبادة
من عمليات الطهارة والوضوء، إضافة إلى نظافة الثياب وحسن الهيئة، استعدادًا لأداء الصلاة، لقول الله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ . وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ}(1). وقوله
جلّ وعلا: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}(2).
* * *
وأخيرًا:
فإن الصلاة من العبادات التي جعلها الله تعالى بمثابة محطات، يقف عندها المؤمن في رحلة الحياة بين الفينة والأخرى، لتخفف عن كاهله أعباء هذه الرحلة، وتمسح ما تعلقت به من الخطايا، وتلقي على نفسه الراحة والطمأنينة وتدفع عنها نفث الشياطين ووساوسهم، ليتمكن من أداء رسالته في الحياة وفق المنهج الرباني الصحيح.
لذا ؛ لا بد من أداء هذه الفريضة أداء حسنًا، في وقتها المحدد، ومع جماعة المسلمين في المساجد، وتبليغ الناس بأهمية هذا الركن عند الله تعالى ومدى خطورة تركه أو إهماله، وذلك منذ المراحل الأولى في حياتهم، حتى يصبح جزءًا من حياتهم، وهو الأمر الذي وصى به رسول الله ﷺ في قوله: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع«(3).
ولنتذكر دائمًا قول الله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ}(4)، فيستعان بها في جميع الأحوال والظروف.
ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــــ
(1)
[المدثر: 4]

(2)
[الأعراف: 31]


(3)
أخرجه أبو داود (ص82، رقم 495) كتاب الصلاة، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة. وأحمد (2/18، رقم 6689). والحاكم (1/197، رقم 708).

(4)
[البقرة: 45]



ابو معاذ المسلم 19-11-2021 05:45 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(137)

الإنفاق في سبيل الله



عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ عَنْ رَسُولِ الله ï·؛ أَنَّهُ ذَكَرَ النَّارَ فَتَعَوَّذَ مِنْهَا وَأَشَاحَ بِوَجْهِهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ ثُمَّ قَال:َ «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ«(1).

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ الله ï·؛ قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ الله عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لله إِلَّا رَفَعَهُ الله«(2).

المال في الإسلام:

إن ما في هذا الكون كله ملك لله تعالى، الإنسان والدواب والطيور والأرض والسموات وما فيهما من الكائنات والجمادات، مخلوقات لله وملك له جل وعلا، لقوله تعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ غڑ وَهُوَ عَلَىظ° كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(3)، وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ غ– وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ}(4).

وبهذا المفهوم فإن المال وكل ما يندرج تحته من المصالح والممتلكات هي ملك لله تعالى.

وأما موقف الإنسان من هذا المال وملكه له فلا يخرج عن أمرين بعد اعتقاده أنه مال الله تعالى وأن ما رزق منه مؤتمن عليه:

1-ينتفع بهذا المال في المباح وضمن الضوابط الشرعية التي رسمت حدود التصرف فيه ومجالاته ومصارفه، لأنه كسائر المخلوقات التي سخرها الله تعالى للإنسان في هذا الكون، لقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً غ— وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ}(5).

2-أن ينْفَع بالمال سائر خلق الله تعالى، لأن المال لم يخلق لفئة دون أخرى من جهة، ولأن الإنسان مستخلف في الأرض ومستعمر فيها من جهة أخرى، لقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ}(6)، وقوله تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُ مْ فِيهَا}(7)

وهذا يعني أن الإنسان موكل لصرف المال في الوجوه التي أمره الله الصرف فيها، لقوله تعالى: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِين َ فِيهِ غ– فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ}(8) وأما إذا تفاضل البعض على الآخر في استخلافهم لهذا المال، فهذا تقدير الله وقسمته لهم، وهم مستخلفون عليه لينفقوا في سبيله ليس من باب الاستحباب فحسب، بل هو واجب أيضًا كما هي الحال في الزكاة وصدقة الفطر، وكذلك حسب الأحوال المادية التي تمر بها الأمة، فإن النفقة تصبح واجبة في كثير من حالات الفقر والأزمات المادية التي تؤثر على حياة الناس، يقول تبارك وتعالى: {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ}(9) ، ويقول أيضًا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ غ— وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ}(10).

ويقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي سعيد: «من احتكر فهو خاطئ«(11).

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــــــ

(1) أخرجه البخاري (ص229، رقم 1417) كتاب الزكاة، باب الصدقة الرد. ومسلم (ص410، رقم 2350).

(2) أخرجه مسلم (ص1131-1132) كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة.

(3) [المائدة: 120]

(4) [النور: 42]

(5) [لقمان: 20]

(6) [الأنعام: 165]

(7) [هود: 61]

(8) [الحديد: 7]

(9) [النور: 33]

(10) [البقرة: 254]

(11) أخرجه مسلم (ص702، رقم 1605) كتاب البيوع، باب تحريم الاحتكار

ابو معاذ المسلم 14-05-2022 01:55 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(138)



الإنفاق سنة كونية

إن جذور الإنفاق ودوافعه ترجع إلى الفطرة الإنسانية السوية التي أودعها الله في نفس الإنسان، المسلم وغير المسلم، فقد عرفت العرب قبل الإسلام بالإنفاق على المساكين والضعفاء، وإكرام الضيف، واشتهرت فيهم شخصيات في هذا المجال كحاتم الطائي وغيره، وهذا يعني أن الفطرة السليمة هي التي تدفع صاحبها للإنفاق على الآخرين. لذا فإن المنفق حين ينفق ويكرم على من حوله، يشعر بسعادة وراحة، لأن الجانب الإيجابي في نفسه يغلب على الجانب السلبي، وهي أصل الفطرة التي فطر الناس عليها، أما إذا خالف الإنسان هذه الفطرة، واستأثر البخل والشح، فإنه يحرم من هذه السعادة في نفسه، كما يحرم ودّ الناس وثناءهم ودعاءهم.

هذا بالنسبة إلى الإنسان، أما إذا أُمعن النظر في سائر المخلوقات والأشياء في هذا الكون، فإن هناك إشارات كونية واضحة على حقيقة الإنفاق وعلاقتها بالحياة، ومدى تأثيرها على الكائنات المحيطة الأخرى، فالأرض مثلاً تخرج الطيبات المختلفة بأمر الله حين تلقى بركات السماء من الأمطار والهواء والشمس، يقول تبارك وتعالى: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ}(1)،وحين تحرم هذه البركات يصيبها القحط والجفاف، ويصيب الناس الفقر والجوع.

وكذلك الحال بالنسبة للدواب والطيور، فإنها تنطلق كل صباح سعيًا وراء رزقها من أجل بقائها وإطعام صغارها، وكلها أسرار وآيات في كون الله تبارك وتعالى.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ

(1) [الحج:5]







ابو معاذ المسلم 14-05-2022 01:59 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(139)



أنواع الإنفاق (1-2)


الإنفاق المشروع نوعان، الإنفاق الواجب والإنفاق المستحب:

الأول: الإنفاق الواجب:

وفيما يلي بعض وجوه الإنفاق الواجب:

1-الإنفاق على الوالدين: في حالات العسر واليسر، فلا يسقط هذا الواجب بيسر حالهما أو غناهما، لأن الأصل في مال الولد أنه للوالد، لقوله ﷺ لأحد الصحابة: «أنت ومالك لأبيك»(1)، كما أخبر عليه الصلاة والسلام بأولوية من يُنفق عليهم من الناس الوالدين، فعن كليب بن منفعة الحنفي عن جده أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله من أبرّ قال: «أمك وأباك وأختك وأخاك ومولاك الذي يلي ذاك، حقًا واجبًا ورحمًا موصولة»(2).

2-الإنفاق على الزوجة: حيث إن المرأة إذا خرجت من بيت أبيها فإن نفقتها تنتقل إلى زوجها، في الملبس والمأكل والمسكن، والعطايا الأخرى، لقوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ}(3).

وقد جعل الرسول عليه الصلاة والسلام أعظم النفقة أجرًا تلك التي ينفقها الرجل على أهل بيته، فقال: «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك؛ أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك»(4).

3-الإنفاق على الأولاد: في مجالات الحياة المهمة، التي تتكون من خلالها شخصية الأبناء والبنات على أسس سليمة، وتنمّي المهارات والمواهب لديهم، ليكونوا لبنات صالحة في بناء المجتمع ورقيه وتقدمه، لا سيما في هذا العصر الذي تنوعت فيه العلوم والتخصصات، وتطورت آليات التحصيل المعرفي، وتوسعت فيه آفاق الأولاد والبنات في هذا الفضاء العلمي الواسع في السنين المبكرة من أعمارهم، الأمر الذي يفرض على الآباء الإنفاق على أولادهم حتى لا يتأخروا عن الركب الحضاري، ولكن في حدود ضوابط الشرع وأحكامه، يقول عليه الصلاة والسلام: «أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله»(5).

4-الإنفاق على من تحت ولايته: من الخدم والعمال وغيرهم، فعن عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله هل لي أجر في بني أبي سلمة أن أنفق عليهم ولست بتاركتهم هكذا وهكذا إنما هم بني؟ فقال: «نعم لك أجر ما أنفقت عليهم»(6).

ولا بد هنا من الإشارة إلى شناعة الفعل وعظم الإثم للذين يخالفون أمر رسول الله ﷺ ووصيته نحو الخدم والعمال وكل من يعملون تحت أيديهم، فلا يعطونهم أجورهم، أو يتأخرون فيها أو ينقصون منها، أو يبخلون عليهم بالطعام أو يسكنونهم في أماكن لا تليق بالإنسان الذي كرّمه الله، يقول عليه الصلاة والسلام: «كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته»(7).

6-الإنفاق في الزكاة: فالزكاة هي فريضة مالية فرضها الله تعالى للفقراء في أموال الأغنياء، وهي ركن من أركان الإسلام، وهي ليست إحسانًا أو منّة يتفضل بها المؤمن على أخيه المحتاج، وقد كثرت الأدلة من الكتاب والسنة على هذه الفريضة، يقول تبارك وتعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}(8)، ويقول جل شأنه: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ}(9).

ويقول عليه الصلاة والسلام في وصيته لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن: «إنك ستأتي قومًا أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب«

كما توعد الله تعالى مانعي الزكاة بالعقوبة والعذاب فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ}(10)

ويقول عليه الصلاة والسلام: «من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثّل له يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه يعني بشدقيه ثم يقول‏:‏ أنا مالك أنا كنزك‏«(11)، وأما مصارف الزكاة فقد حددتها الآية الكريمة في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}(12).

7-ويلحق بالزكاة زكاة الفطر من حيث الوجوب، يقول ابن عمر رضي الله عنهما: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة»(13).

كما يلحق بالإنفاق الواجب بعض المجالات الأخرى، كالأضحية والعقيقة والكفارات والنذور وغيرها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ

(1)
أخرجه ابن ماجه (ص328، رقم 2291) كتاب التجارات، باب ما للرجل من مال ولده. وأحمد (2/204، رقم 6902). وابن حبان (2/1420، رقم 410). والحديث حسن بشواهده.


(2)
أخرجه أبو داود (ص722، رقم 5140) كتاب الأدب، باب بر الوالدين. والنسائي (ص350، رقم 33) كتاب الزكاة، باب أيتها اليد العليا. وهو حديث صحيح.


(3)
[البقرة: 232]


(4)
أخرجه مسلم (ص403، رقم 995) كتاب الزكاة، باب فضل النفقة على العيال والمملوك.


(5)
أخرجه مسلم (ص403، رقم 994) كتاب الزكاة، باب فضل النفقة على العيال.


(6)
أخرجه البخاري (ص238، رقم 1467) كتاب الزكاة، باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر. ومسلم (ص405، رقم 1001) كتاب الزكاة. باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين.


(7)
أخرجه مسلم (ص403، رقم 996) كتاب الزكاة، باب فضل النفقة على العيال والمملوكة وإثم من ضيعهم أو حبس نفقتهم عنهم.


(8)
[النور: 56]


(9)
[البقرة: 43]


(10)
[التوبة: 34-35]


(11)
رواه البخاري، برقم، ص.



(12)
[التوبة: 60]


(13)
أخرجه البخاري (ص226، رقم 1403) كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة







الساعة الآن : 05:23 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 148.45 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 147.95 كيلو بايت... تم توفير 0.50 كيلو بايت...بمعدل (0.34%)]