ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى حراس الفضيلة (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=103)
-   -   حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله) (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=194143)

ابو معاذ المسلم 23-03-2021 01:58 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(120)



آثار الإيمان بالقضاء والقدر (2-2)




5- كما أن الإيمان بالقضاء والقدر يولد في نفس صاحبه الطمأنينة والرضا، ويبعد عنها القلق والاكتئاب وسائر الأمراض النفسية، لأن ما يصيب المؤمن لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وبهذا القناعة يتولد عند المؤمن طمأنينة وراحة، لأنه عالم بأن الله الذي ابتلاه أو أنعم عليه، هو أرحم به من نفسه ومن والديه ومن في الأرض جميعًا، فما قدّره هذا الخالق هو خير وإن كان ظاهره التعب والنصب والألم، وهو ما عبّر عنه رسول الله ﷺ بقوله: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له«(1).

فالراحة والهدوء النفسي دأب المؤمن في السراء والضراء، وفي الحل والترحال، وفي كل زمان ومكان، لأن هذه النفس قد ارتبطت بوشائج قوية وحبال متينة مع الله تعالى الذي خلق كل شيء وقدّره تقديرًا، فإذا ارتقى العبد إلى هذه الدرجة من اليقين، أزال الله تعالى عنه الكربات النفسية وجميع الاضطرابات والانفعالات والتشجنات، وأبدلها برَوْح من عنده جل وعلا، بل إنه جلّت قدرته، يحوّل نفس هذا المؤمن إلى روضة إيمانية تتجمع فيها ألوان الرياحين والزهور، وتنفث عنها خبث الشياطين من القلق والكآبة واليأس.

6- الإيمان بالقضاء والقدر يغني الإنسان عن سؤال الناس والتعلق بهم في قضاء الحوائج وطلب المنافع ودفع الأضرار، لأن ما كتبه الله تعالى واقع لا محال، والقدر يزرع في نفس صاحبه اللجوء إلى الله وحده في الشكوى وطلب الرزق والتوفيق والسداد والهداية وغيرها، لأنها من الأمور التي تديرها الإرادة الإلهية، وليس للبشر فيها حول ولا قوة، وهذا يعني أن الإنسان لا يكلف نفسه فوق طاقتها أو يمدّ يديه في كل شيء إلى المخلوقات لقضاء حوائجه، فالله تعالى الذي خلق الخلق تكلف بأرزاقهم ومعاشهم وهدايتهم إن هم اتبعوا أوامره وأخذوا بالأسباب التي توصل إلى ذلك، ويكفي في هذا الباب ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام حين وصّى ابن عباس رضي الله عنه وهو غلام صغير: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف«(2).

7- وأخيرًا فإن للإيمان بالقدر منفعة شاملة تعم المجتمع بكل أطيافه وشرائحه، لأن أبناءه تقبلوا أمر الله تعالى ورضوا بما كتب لهم من النعم وضدِّها، فكلُّها خير لأنها من منه جلّ وعلا، وبذلك تصفى نفوسهم وتتلاشى الأحقاد والضغائن بين فقيرهم وغنيهم وصحيحهم وسقيمهم، وهكذا.

* * *

هذا وإن ضعْف الإيمان بالقضاء والقدر يؤدي إلى أضرار ونتائج سلبية عظيمة بخلاف هذه الآثار الإيجابية، وعلى رأسها: القلق والاضطراب وبخاصة من المستقبل، وحال الشدائد، وعدم الراحة والطمأنينة، لأن النفس غير مستقرّة فيظهر هذا على جوارح الإنسان، ومن ثم يتعرض للأمراض النفسية والعضوية وغيرها.

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــ

(1)
أخرجه مسلم (ص1295، 7500) كتاب الزهد، باب المؤمن أمره كله خير.


(2)
أخرجه الترمذي (ص572، رقم 2516) كتاب صفة القيامة، باب قول النبي ﷺ: يا حنظلة، ساعة وساعة. وأحمد (1/293، رقم 2669). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

ابو معاذ المسلم 23-03-2021 01:58 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(121)

عبودية السراء والضراء



حقيقة العبودية:

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:»العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة: فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبرّ الوالدين، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة.

وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضى بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك: هي من العباد لله« (1).

وأما عبودية السرّاء والضراء فهي جزء تفصيلي من العبودية الشاملة لله تعالى التي تتضمن جميع أقوال الإنسان وأفعاله، والتي أخبر الله تعالى عنها بقوله:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}(2)، ويعبّر عن هذه العبودية أحيانًا بعبودية الشكر على نعم الله، وعبودية الصبر والرضى بقضاء الله وقدره.


ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــ

(1) الفتاوى (5/155).

(2) [الذاريات: 56]

ابو معاذ المسلم 23-03-2021 01:59 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(122)



عبودية السرّاء (1-2)


هي ما يقوم به العبد من أقوال وأفعال إزاء ما أنعم الله عليه من أنواع النعم والمسرات على نفسه وأهله وماله وأمته.

أنواع السرّاء:

لا يمكن حصر أنواع السرّاء لأن جميع نعم الله تعالى التي يتمتع بها الإنسان في الحياة هي من السرّاء، وصدق الله القائل: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}(1).

لذا يمكن الإشارة إلى بعض النعم التي تدخل في دائرة السرّاء، ومن أهمها:

1- الهداية إلى دين الله تعالى:

الهداية من أكبر نعم الله تعالى على المؤمن، ومن أعظم أنواع السرّاء التي يسعد بها في الحياة، وينال رضى الله وجناته يوم القيامة، فالهداية إلى الإسلام تعني التصور الصحيح عن الحياة والكون والإنسان، وبالتالي توحيد الله تعالى وإفراده بالعبودية ونبذ ما دونه من الآلهة والأنداد، يقول الله تعالى: {ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}(2).

فالله تعالى هو الذي يمنح الهداية لعباده المخلصين ويهيأ لهم أسبابها، كما أنه جل وعلا يختم على قلوب المفسدين ويضلهم ضلالاً بعيدًا، يقول جل ثناؤه{فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ}(3).

2- الأمــن:

إن توفر الأمن والاستقرار في النفس والمجتمع لون من ألوان السرّاء، فهو نعمة عظيمة وفضل كبير من الله تعالى يمنحه لبعض عباده ويحرم الآخرين منه، والأمن هو الاطمئنان على النفس والدين والأموال والأولاد وجميع المصالح والممتلكات وعدم الخوف عليها من المخاطر والمهلكات، والأمن يجعل الإنسان أكثر حركة وإنتاجًا في الحياة، ومن دون الأمن لا يمكن أن يقوم الإنسان بواجباته كاملة، لأن الخوف يمنعه من السعي في الأرض والعمل بحرية.

ولأهمية هذه النعمة وأثرها على حياة الإنسان جاءت دعوة نبينا إبراهيم عليه السلام بتأمين الأمن والسلامة على البلد الحرام، فقال: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ}(4). حيث قدّم عليه الصلاة والسلام في دعائه توفير الأمن على توحيد الله تعالى، لأنه لا يمكن القيام بأداء العبادات والفروض بالشكل المطلوب مع فقدان الأمن والاستقرار.

وهذا يعني أن الأمن نعمة تحقق السعادة والحبور للإنسان، والخوف مصيبة وابتلاء يفقد معه الإنسان حرية العمل والإنتاج والإبداع، يقول تبارك وتعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّ كُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}(5).

3-الصحة والعافية:

إن من النعم العظيمة التي منّ الله تعالى بها على عباده نعمة الصحة والعافية في النفس والبدن، والتي يغفل عنها كثير من الناس، ولا يشعرون قيمتها ومكانتها إلا حين تنتزع منهم، أو حين تتعرض أجسامهم وحواسهم للضعف والوهن، وقد قيل في المثل: الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراها إلا المرضى.

ولا شك أن نعمة الصحة سبب رئيس لأداء العبادات والقيام بالأعمال المنوطة بالإنسان من الإنتاج والإبداع والسعي من أجل الرزق، وطلب العلم والجهاد وغير ذلك من الأعمال الصالحة التي تدخل في مفهوم العبادة: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}(6) كما أن هذه النعمة تعين على الاستمتاع بالطيبات والملذات التي أباحها الله لعباده، من الطعام والشراب والزواج والنوم وغيرها.

وقد أشار عليه الصلاة والسلام إلى أهمية هذه النعمة وضرورة استغلال وجودها في العمل الصالحة والنافعة، في الوقت الذي حذّر من الإغفال عنها والإفراط فيها، فقال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ«(7).

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــ

(1) [النحل: 18]

(2) [الأنعام: 88]

(3) [الأنعام: 125]


(4) [إبراهيم: 35]

(5) [البقرة: 155]

(6)
[الذاريات: 56]


(7)
أخرجه البخاري (ص1113، رقم 6412) كتاب الرقاق، باب ما جاء في الرقاق.

ابو معاذ المسلم 20-05-2021 05:42 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(123)



عبودية السرّاء (2-2)


4-المال والبنون:

يعدّ المال والبنون لونًا من ألوان السرّاء التي يتنعم بها الناس، لقوله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا}(1). والمال يشمل العملات النقدية والعقارات والممتلكات والمصالح التجارية والصناعية والزراعية، وغيرها، كما أن البنون يشتمل الأبناء والبنات وذراريهم، وهي جميعًا من النعم والمسرّات الدنيوية التي تميل إليها النفوس لأنها من أسباب القوة في الحياة، فالذي عنده المال والأولاد يستطيع أن يحقق أهدافه ويصل إلى آماله أكثر من الذي يفتقد إليهما، يقول تبارك وتعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}(2) وإذا أنعم الله تعالى على العبد – إضافة إلى نعمة المال والبنون – نعمة العقل السليم والإرادة الصحيحة، فإن النعمة تكتمل وتصبح ذا مفعول أكبر.

5- الفراغ:

ومن النعم التي يتقلب فيها الإنسان نعمة توافر الزمن الكافي للعمل والإبداع والإنتاج، وتحقيق كل ما هو إيجابي في الحياة، والزمن أو الوقت جزء من المنظومة الكونية، وله دور كبير في تنظيم الحياة ومعرفة السنين والشهور والأيام، ولأهمية الوقت وعظم شأنه أقسم الله به في كتابه المبين فقال: {وَالْعَصْرِ . إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ}(3).

ويتحكم الوقت في أعمار الناس وأعمالهم وحركتهم في الحياة، وهو ثمرة لحركة الشمس والقمر حين تتعاقبان بالليل والنهار، يقول تبارك وتعالى:{وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا}(4).

فالوقت آية كونية، ونعمة عظيمة، لا بد من المحافظة عليه وعدم الإفراط فيه واستغلاله والاستفادة منه في الخير والبناء، وإن مواقف الناس مع الوقت تحدد مدى تقدمهم وتخلفهم، فمن حافظ عليه واستثمره في الإصلاح والبناء فإنه يرقى ويتقدم ويواكب ركب الحضارة، ومن أفرط فيه وضيّعه في اللهو واللعب وسفاسف الأمور فإنه يبقى متخلفًا عن ركب الحضارة ويصبح عبئًا وعالة على الآخرين.

6- الزواج:

ومن السرّاء أيضًا أن يوفق الله عبده في الزواج ويسهل عليه أعباءه وتكاليفه، ويرزقه الزوجة الصالحة التي تعينه على طاعة الله والعمل الصالح، وعلى تربية الأبناء وبناء الأسرة المسلمة، إضافة إلى كونه سكنًا وراحةً للنفس بالنسبة للزوجين، وسببًا لجلب الذرية الصالحة من الأولاد والبنات التي تعدّ من زينة الحياة ومتاعها، يقول تبارك وتعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}(5).

7- الدراسة وطلب العلم:

إن السير في طلب العلم والحصول على الشهادات العلمية لا يتوفر لكل الناس، لأن الظروف المختلفة تقف عائقًا لبعض الناس في مواصلة الدراسة والتحصيل العلمي، وهذا ابتلاء ومصيبة، وأما في الجانب الآخر فإن القدرة على مواصلة الدراسة والتحصيل العلمي، وتحقيق الدرجات العلمية العليا تعدّ من النعم الكبير وهو نوع من أنواع السرّاء في الحياة، لأن العلم يرفع منزلة الإنسان عند الله وعند الناس، يقول تبارك وتعالى: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}(6).

وبالعلم يزداد إيمان العبد وقربه من الله، فضلاً عن الأجر الذي يناله عند الله إذا أخلص في علمه وسخره في سبيل الله، وكذلك الأثر الذي تتركه هذه النعمة على الأمة وتقدمها ورقيها، يقول جل وعلا: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}(7).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ

(1) [الكهف: 46]

(2) [آل عمران: 14]

(3) [العصر: 1، 2]

(4) [الإسراء: 12]


(5) [الروم: 21]

(6) [الزمر: 9]

(7) [ فاطر: 28]




ابو معاذ المسلم 20-05-2021 05:46 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(124)



كيف تتحقق عبودية السراء؟ (1-3)


بناء على الأنواع السابقة للسراء، يمكن تطبيق العبودية من خلالها وفق الآتي:

1- عبودية الهداية إلى دين الله:

إن عبودية الله تعالى على نعمة الهداية إلى دينه لا يمكن حصرها واختصارها في أعمال وأقوال محددة، بل إن هذه العبودية يجب أن تكون ملازمة للإنسان مدى الحياة، لأن نعمة الهداية هي نعمة السعادة والراحة في الدنيا، وهي نعمة الفوز والنجاة في الآخرة، وهما غايتا المؤمن، لذا فإن العبودية نحو هذه النعمة، أن يشكر العبد ربه سبحانه باللسان والجوارح، من خلال التمسك بأوامره وسنة نبيه ﷺ قولاً وعملاً، في الفروض والواجبات، والإحسان إلى الناس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسائر الأعمال الصالحة، وكذلك الانتهاء عما نهى الله عنه من الأقوال والأفعال، وتجنب أسبابها والطرق المؤدية إليها.

وجسّد النبي القدوة عليه الصلاة والسلام هذه العبودية، حين كان يعبد الله حتى تتورم قدماه، وتقول له عائشة رضي الله عنها: قد غفر الله لك ما تقدم من ذلك وما تأخر، فيقول عليه الصلاة والسلام: أفلا أكون عبدًا شكورًا.

وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم على هذه الحال، فقد عرفوا نعمة الإسلام، وعرفوا فضل الله عليهم، لا سيما وقد كانوا على علم بالجاهلية وما فيها من المفاسد العقدية والاجتماعية والمالية وغيرها، فكانت عبوديتهم لذلك تطبيق الإسلام وترجمته إلى واقع عملي، سواء في العبادات والطاعات، أو من خلال السلوك والأخلاق مع الناس من حولهم.

2-الأمن:

وتتحقق العبودية لله تعالى في حالة الأمن والاستقرار الذي يتنعم به الناس، حيث يفرض الوضع الآمن والاطمئنان على النفس والأموال والمصالح واجبًا تعبديًا على الإنسان، فيشكر الله تعالى ويحمده، ويمتثل لأوامره وينتهى عن نواهيه، ويتقرب إلى الله بالعمل الصالح والدعوة إلى دينه، وكذلك فإن وجود الأمن يفرض على العبد الإخلاص بالعمل والإتقان فيه، والسعي الدؤوب على الإنتاج والنماء والإبداع، كما يفرض عليه المشاركة مع القائمين على الأمن في المحافظة عليه وإصلاح مواطن الخلل والفساد داخل المجتمع، وكل ذلك يدخل ضمن دائرة العبودية لله تعالى التي ينال من خلالها العبد رضى الله وثوابه، إضافة إلى ما يوفر لمجتمعه وأمته من مقومات القوة والتقدم والازدهار.

وإذا ترك الناس هذه العبودية، وتغافلوا عن نعمة الأمن واستغلوها في المنكرات والمظالم والتجاوزات، فإن سنة الله تعالى قائمة في كل زمان ومكان، فقد ضرب الله تعالى الأمثال في كتابه المبين عن هذه السنة فقال: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}(1).

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــ

(1) [النحل: 112]

ابو معاذ المسلم 20-05-2021 05:48 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(125)



كيف تتحقق عبودية السراء؟ (2-3)



3- الصحة والعافية:
تتمثل العبودية في هذا النوع من السرّاء في الحمد والشكر لله تعالى على القوة والعافية وترجمة ذلك على الواقع وذلك بالإكثار من الطاعات والعبادات، والمحافظة على الفروض والواجبات، وأدائها في أوقاتها كما يريده الله تعالى، لذا ينبغي الاستفادة من أطوار القوة والعافية التي تمر على الإنسان وتسخيرها في سبيل الله وفي وجوه الخير المختلفة، وعدم الإفراط بها في المعصية والإفساد في الأرض، لأن غياب الصحة والعافية بعد ذلك تحرمه من بعض العبادات والأعمال الصالحة التي كان بإمكانه القيام بها وقت الصحة والنشاط، مثل أداء نسك الحج، وصيام رمضان، والجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها.
وقد أوصى النبي عليه الصلاة والسلام الأمة على استثمار الصحة والعافية بالعبادة والبناء قبل زوالها فقال: «اغتنم خمسًا قبل خمس:.. وصحتك قبل سقمك«(1).
فكم من مريض وضعيف يتمنى لو عادت له عافيته ليقدم بعض الأعمال الصالحة بين يدي الله تعالى، فيصلي صلاة الجماعة في المسجد، أو يحج ويعتمر، أو يخرج إلى الناس ليقضي حوائجهم ويعين ضعيفهم، ولكن المرض والضعف والوهن يحول دون ذلك.
4- المال:
وتتمثل العبودية هنا في إخراج حق الله من المال بالزكاة، لقوله تعالى:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}(2)، وكذلك الإكثار من الإنفاق والتبرعات في وجوه الخير المختلفة، كالإنفاق على المساكين والمحتاجين ودعم المؤسسات الخيرية، ودُور تحفيظ القرآن، وبناء المساجد والمدارس، وتسديد الديون عن المعسرين وغير ذلك من الأعمال المالية الخيرية، قال تعالى:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}(3).
ويُخشى من الإفراط في هذه العبودية يعني حلول غضب الله تعالى وعذابه على المفرط، يقول عليه الصلاة والسلام: «من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه يعني بشدقيه ثم يقول‏:‏ أنا مالك أنا كنزك‏«(4).
5- الفراغ:
كما تتحقق العبودية في هذا النوع من السرّاء من خلال استثماره فيما يرضي الله تعالى من العبادات والأعمال الصالحة، وإشغال الفراغ وملئه بالعمل والجدّ والإنتاج والإبداع، فهذا حق الوقت الذي كرّمه الله تعالى وجعل له شأنه عظيمًا، حيث أقسم به في سورة العصر فقال: {وَالْعَصْرِ . إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}(5).
لذا؛ فإن الله تعالى يحاسب العبد على الأوقات التي قضى بها عمره وكيفيتها، هل قضاها في الخير أم في الشر؟ يقول البي عليه الصلاة والسلام: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه وعن علمه فيما فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه«(6).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــ
(1)
أخرجه النسائي في السنن الكبرى (10/400، رقم 1183). والحاكم في المستدرك (4/341، رقم 7846). قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ومسلم، ووافقه الذهبي.

(2)
[النور: 56]

(3)
[التوبة: 60]

(4)
أخرجه البخاري (ص226، رقم 1403) كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة.

(5)
[النساء: 103]

(6)
أخرجه الترمذي (ص550-551، رقم 2417) كتاب صفة القيامة، باب في القيامة. قال الترمذي: حسن صحيح.





ابو معاذ المسلم 20-05-2021 05:50 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(126)



كيف تتحقق عبودية السراء؟ (3-3)



6- الزواج والأسرة:
تتمثل عبودية الله تعالى من خلال تكوين الأسرة الصالحة من خلال اختيار كل من الزوجين على أساس الدين والأخلاق، ثم القيام بواجب التربية القويمة نحو الأبناء والبنات، في المحافظة على الفروض والواجبات وغرس حب الله ورسوله ﷺ في نفوسهم، والبعد عن المعاصي والمنكرات، والبعد عن ظلم الناس والاعتداء على حقوقهم، والوقوف على مصالحهم وقضاء حوائجهم، وكل امتثال لقول الله تعالى للآباء وأولياء الأمور: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}(1).
والإهمال في هذا النوع من العبودية يعرّض الأسرة إلى التفكك والضياع، ويهدد مستقبل الأبناء والبنات في الدنيا قبل الآخرة، لأن شراك الصحبة السيئة سيلاحقهم حتى يقعوا في مفاسده وأوحاله، لذا؛ حرص الشرع على تحقيق هذه العبودية حين ألزم كل فرد من أفراد الأسرة بمسؤولياته وواجباته، يقول عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته»(2).
7- طلب العلم والتحصيل العلمي:
للعلم وأهله شأن عظيم ومنزلة عالية عند الله تعالى، لأن العلم هو سبيل لمعرفة الله، التي هي أساس كل المعارف والعلوم، يقول الله تعالى:{يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}(3).
ورسالة أهل العلم عظيمة وهادفة، فهم المناهل التي تتدفق بالعلوم والمعارف على الناس، وهم المراجع في الأزمات والنوازل وفي جميع الأحوال، يقول تبارك وتعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}(4).
وبناء على ذلك فلا بد أن تُتوّج هذه الرسالة العظيمة بالعبودية لله تعالى من خلال المعالم الآتية:
أ – السعي في طلب العلم وتحصيله امتثالاً لأمر الله تعالى وتقربًا إليه وطمعًا في جناته، من غير رياء أو مباهاة، يقول عليه الصلاة والسلام: «من تعلّم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عَرْفَ الجنة يوم القيامة«(5).
ب – العمل بالعلم الذي يحمله، حتى يعطي الصورة الناصعة عن الدين فلا يحدث عند الناس التناقض والتنافر، والله تعالى يقول: {كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}(6).
ج – الاختلاط مع الناس وعدم الاستعلاء عليهم، لمعرفة مشكلاتهم ومعاناتهم والمستجدات التي تظهر بين الفترة والأخرى.
د – عدم كتمان هذا العلم عن أحد، وتسخيره وبذله فيما ينفع الناس في الدنيا والآخرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــ
(1) [التحريم: 6]
(2) أخرجه البخاري (ص143-144، رقم 892) كتاب الرق، باب كراهية التطاول على الرق.
(3) [المجادلة: 11]
(4) [النحل: 43]
(5) أخرجه أبو داود (ص525-526، رقم 3664) كتاب العلم، باب في طلب العلم لغير الله تعالى. والترمذي (ص603، رقم 2655) كتاب العلم، باب فيمن طلب العلم لدنيا. وابن ماجه (ص38، رقم 252) المقدمة، باب الانتفاع بالعلم والعمل. وأحمد (2/338، رقم 8438). وهو حديث صحيح.

(6) [الصف: 3]




ابو معاذ المسلم 20-05-2021 05:52 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(127)




عبودية الضرّاء
هي ما يقوم به العبد من أقوال وأفعال إزاء ما يعتريه من المصائب والابتلاءات، في نفسه أو ماله أو أهله وأبنائه.
أنواع الضراء:
لا يمكن أيضًا حصر صور الضرّاء التي تصيب الإنسان ويبتلى بها في حياته، ولكن يمكن الإشارة إلى بعضها وأهمها وهي:
1- المرض:
المرض صورة من صور الضرّاء، ويبتلى به معظم الناس بشكل متفاوت، يختلف من إنسان إلى آخر، من حيث نوعه وقوته وتأثيره على المريض، ويشمل الجانب العضوي والنفسي في الإنسان.
يقول عليه الصلاة والسلام: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط»(1).
2- الفقر:
الفقر صورة أخرى للضرّاء، حيث يحرم الفقير من المال الذي يتحقق به كثير من الآمال والطموحات، فلا يجد الفقير هذه الوسيلة ويبقى بعيدًا عن ملذات كثيرة، ونعم مختلفة، جراء عوزه وفقره، رغم أن كثيرًا من الفقراء يعملون ويسعون إلا أن أرزاقهم محدودة ولا تتوسع كحال غيرهم من الناس، أو ربما يكون الفقر نتيجة مرض أو كارثة أو مصيبة حالت الفقير أن يرقى إلى حال أفضل من الناحية الاقتصادية.
وينظر كثير من الناس إلى الفقر نظرة خاطئة، ويرونها عيبًا في الشخص أو خدشًا اجتماعيًا عنده، وهي نظرة مخالفة للكتاب والسنة، لأن رسول هذه الأمة ونبيها عليه الصلاة والسلام كان فقيرًا، حتى لم يكن توقد في بيته نار شهرًا أو شهرين.
وقد تحدَّث القرآن عن الفقراء في مواطن عديدة، كما في قوله تبارك وتعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}(2)، وقوله جل شأنه: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}(3).
هذا وإن معظم الصحابة كانوا فقراء، لا سيما المهاجرون الذي فرّوا بدينهم وتركوا أموالهم وديارهم ومصالحهم في مكة.
3- الفشل في الدراسة والحرمان من الشهادات العلمية:
تتفاوت القدرات العقلية من إنسان إلى آخر، كما تختلف ظروفهم وأحوالهم، فليس كل إنسان لديه القدرة والظروف التي تدفعه لإكمال دراسته أو السير في طلب العلم والحصول على الشهادات العلمية العليا، رغم أن كثيرًا من الناس يجتهدون ويسعون من أجل ذلك، إلا أنهم يفشلون ولا يكتب لهم تحقيق ذلك، ولا شك أن هذا نوع من الضرّاء، لأن الحرمان من العلم يعني الحرمان من نِعم كثيرة وآمال كبيرة.
4- عدم التوفيق في الزواج:
من أنواع الضرّاء التي يُبتلى بها كثير من الناس عدم التوفيق في الزواج، بالنسبة إلى الزوج أو الزوجة، سواء لأسباب مادية أو لعدم التفاهم والتلاقي في الأفكار والتصورات، الأمر الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى الطلاق، وإما يتحمل أحدهما الآخر ويصبر على الضرّاء احتسابًا للأجر أو خشية على مستقبل الأسرة والأولاد.
5- عدم الإنجاب:
يبتلى بعض الناس بصورة من الضرّاء الاجتماعي وهي عدم الإنجاب مطلقًا أو إنجاب الإناث دون الذكور، وهذا الابتلاء يؤدي في الغالب إلى الخلافات الزوجية، أو إلى الطلاق، أو تعدد الزوجات، مع العلم أنه ابتلاء من الله تعالى لبعض عباده كما قال: {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا ۖ وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}(4).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
(1) سبق تخريجه.

(2) [البقرة: 273]
(3) [الحشر: 8]
(4) [الشورى: 50]




ابو معاذ المسلم 30-07-2021 12:52 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(128)



كيف تتحقق عبودية الضرّاء
بناء على ما سبق من أنواع الضرّاء، يمكن تطبيق العبودية فيها وفق الآتي:
1- في حال المرض:
لقد أمر الشرع المريض بالصبر والرضى بحكم الله تعالى، وأن يجعل نبي الله أيوب عليه السلام قدوة له في محنة المرض، وكيف أنه رضي أمر الله تعالى ولم يستسلم لليأس والقنوط من رحمته ونزول الشفاء عليه، حتى قال فيه الله: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ}(1).
ثم يحتسب العبد في مرضه، لأنه بذلك يقترب من الله تعالى أكثر ويبتعد عن وساوس الشياطين وهمزاتهم، وهو المدخل إلى الشفاء والتعافي من المرض، يقول عليه الصلاة والسلام: «إذا مرض العبد بعث الله إليه ملكين، فيقول: انظرا ما يقوله لعوّاده، فإن هو حمد الله تعالى إذا دخلوا عليه، رفعا ذلك إلى الله تعالى وهو أعلم. فيقول: لعبدي إن أنا توفيته أن أدخله الجنة، وإن أنا شفيته أن أبدله لحمًا خيرًا من لحمه، ودمًا خيرًا من دمه، وأن أكفِّر عنه خطاياه«(2).
ولكي يتجنب المريض الوقوع في المحظورات الشرعية أثناء مرضه فعليه بعض الأمور التي لا بد من تصورها لتحقيق عبودية السراء، ومن أهمها:
أ – اليقين بأن المرض قدر من الله ولا بد من القبول والرضى بهذا القدر.
ب – اليقين بالأجر العظيم المرتب على الصبر إزاء الأمراض.
ج – اليقين بأن الله تعالى هو الشافي، وأن كل ما يأخذه من العقاقير والعلاجات إنما هي أسباب يجب تناولها ما دامت غير محرمة.
د – حسن الظن بالله تعالى، والتفاؤل بالشفاء والمعافاة دائمًا.
هـ- الإكثار من ذكر الله تعالى، من الدعاء وقراءة القرآن، والمحافظة على العبادات والفروض.
و – الإكثار من الإنفاق في وجوه الخير المختلفة، لأنها سبب من أسباب الشفاء.
2- في حال الفقر:
وتتحقق العبودية لله تعالى في حالة الفقر من خلال الأمور الآتية:
أ – الصبر على الفقر وقبول أمر الله تعالى، وعدم قطع الأمل في الله تعالى في أن يزيد له في رزقه ويوسع في عيشه.
ب – العمل والسعي من أجل طلب الرزق بالطرق المشروعة، وعدم التكاسل أو الاعتماد على الغير، أو اتباع الطرق المحرمة من أجل الكسب والحصول على المال.
ج – الابتعاد عن التسوّل وعدم إظهار معالم الفقر، لأن الغنى الحقيقي في النفس وليس في العَرض.
3- الفشل في الدراسة:
أما كيف يحوّر العبد هذا الابتلاء إلى عبادة؟ فإن عليه أن يتجه نحو طريق آخر في الحياة، ويعمل في مجال آخر غير المجال العلمي، فهناك التجارة والزراعة والصناعة وغيرها من الأعمال والحرف التي يمكن أن يحقق من خلالها طموحات كبيرة كالرزق الواسع والعيش الرغيد، بحيث يعمل وفق الضوابط الشرعية ضمن حدود الحلال والحرام.
والمتأمل في أحوال الناس سيجد أن كثيرًا من الأغنياء والأثرياء من أصحاب المعروف والمشاريع الخيرية ليس لديهم شهادات علمية، أو أن تحصيلهم العلمي محدود، ولكنهم أفادوا الأمة بأعمالهم الخيرية والدعوية.
4- عدم التوفيق في الزواج:
إن التعبد عبر هذه المصيبة، تكون بالصبر والحلم واتباع الحكمة في جميع الأحوال، وعدم الخوض في الجدال والنقاش الذي يؤدي إلى مزيد من الانفعالات والمشكلات، وغض النظر عما يكره كل منهما من الآخر، امتثالاً لقول النبي ﷺ: «إن كره منها خُلقًا رضي منها آخر«(3).
5- عدم الإنجاب:
ويكون التعبد مع هذا الابتلاء بالاحتساب والصبر وقبول أمر الله الذي يهب لمن يشاء من الذكور أو الإناث، ويحرم الآخرين حرمانًا مطلقًا، وقد ابتلي رسول الأمة عليه الصلاة والسلام بالحرمان من الذكور، بل إن محنته كانت أشد حيث يوهب له الأولاد ثم يموتون في مقتبل أعمارهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــ
(1)
[ص: 44]


(2)
أخرجه مالك في الموطأ (2/940، رقم 1682) كتاب العين، باب ما جاء في أجر المريض. والبيهقي في الكبرى (3/315، رقم 6786). والحاكم في المستدرك (1/348، رقم 1290). وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

(3)
أخرجه مسلم (ص626، رقم 1467) كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء.





ابو معاذ المسلم 30-07-2021 12:56 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(129)



الرسول القدوة
لقد مرّ النبي عليه الصلاة والسلام في حياته الدعوية خلال ثلاث وعشرين سنة بمعالم كثيرة من السرّاء والضراء، وكان عليه الصلاة والسلام المثل الأعلى في العبودية لله تعالى مع تلك المعالم التي من أهمها:
- فَقَد النبي ﷺ زوجته خديجة رضي الله عنها التي كانت حضنًا دافئًا وسَكَنًا مريحًا له عليه الصلاة والسلام منذ بداية الوحي إلى أن توفاه الله، كما توفي في السنة نفسها عمه أبو طالب الذي ذبّ عن النبي ﷺ بكل قوة ودافع عنه في مواطن كثيرة، بل إن هاتين المصيبتين تزامنت مع الحصار الذي فرض عليهم في الشِّعب، فكانت مصائب متراكمة وشديدة على رسول الله ﷺ، فكان الصبر والرضى زاده وسلاحه في مواجهة هذه المحنة.
- لقد أوذي عليه الصلاة والسلام من قومه إيذاء شديدًا، حيث اتُّهم بالجنون والسحر، ورمي بالحجارة من صبيان بني ثقيف، وشُجّ رأسه وكسرت رباعيته، كل ذلك في سبيل الدعوة إلى الله، لكنه كان صابرًا عابدًا لله تعالى لأنه عَرف أن طريق الجنة محفوفة بالمكاره والأشواك، لقوله تعالى:{أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}(1).
- هاجر عليه الصلاة والسلام في سبيل الله فارًّا بدينه وعقيدته مع الصحابة رضوان الله عليهم، وقد تركوا خلفهم الأهل والديار، كل ذلك من منطلق تعبدي، وتنفيذًا لأمر الله تعالى بالهجرة، وقد رضي الله عنهم بعد ذلك وقال فيهم: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}(2).
- كان عليه الصلاة والسلام شاكرًا لأنعم الله عليه، فقد ثبت في الصحيح أنه قام حتى تفطرت قدماه، فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا«
- وكان ﷺ ينفق في سبيل الله ولا يخش فقرًا، يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: ما سُئل رسولُ الله ﷺ على الإسلام شيئاً إلا أعطاهُ، ولقد جاءه رجلٌ، فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر(3).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ
(1)
[البقرة: 214]

(2)
[التوبة: 100]

(3)
أخرجه مسلم (ص1021، رقم 2312) كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول الله ﷺ من شيء قط فقال: لا.






الساعة الآن : 01:25 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 140.23 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 139.73 كيلو بايت... تم توفير 0.50 كيلو بايت...بمعدل (0.36%)]