ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى حراس الفضيلة (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=103)
-   -   حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله) (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=194143)

ابو معاذ المسلم 19-01-2021 11:19 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(110)



علاج التشاؤم

تبيّن لنا من خلال ما سبق أن التشاؤم مرض نفسي ناجم عن مجموعة عوامل تؤول جميعها إلى خلل في علاقة الإنسان بربه وانقطاع وغفلة عن موارد القوة التي تعين المتشائم على الخروج من أزمته، ومن أهم العلاجات التي تعيد المتشائم إلى حالته الطبيعية بل تجعله دائم التفاؤل ما يلي:

1-تقوى الله تعالى في السر والعلن، وذلك بامتثال أوامره والانتهاء عن نواهيه، حتى تنفرح الأزمات وتذلل الصعاب ويجعل الله بعد كل ضيق فرجًا ومخرجًا، يقول تبارك وتعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا}(1)، ويقول: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا}(2)
2-الإيمان بقدر الله تعالى خيره وشره، وعدم التضجر والتملل من أمر الله، فما يدري الإنسان مكامن الخير والشر، فربما يرى الشر في شيء وهو خير له وربما يرى الخير في آخر ويكون الشر بعينه، يقول تبارك وتعالى: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}(3)
وصدق الشاعر حين قال:
ولا تبيتنّ إلا خالي البال *** يبدِّل الله من حال إلى حال
دع المقادير تجري في أعنتها *** ما بين غمضة عين وانتباهتها
3-كثرة ذكر الله تعالى وحمده واسترجاعه والثناء عليه، خاصة حين يوسوس الشيطان للإنسان بأسباب التشاؤم واليأس، بل إن ذكر الله تعالى يحوّل اضطراب النفس وقلقه إلى روضة من الأمان والسكينة، يقول تبارك وتعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}(4) فإن الله تعالى يتولى عباده ويحميهم من نزغات الشياطين وهمزاتهم إذا لجأوا إليه، ولن يجعل للشياطين عليهم سبيلا، يقول تبارك وتعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ}(5)، ويقول: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}(6)
4-الصبر والاحتساب أمام المشقات المختلفة التي يتعرض لها الإنسان في رحلة الحياة، والتي تُعدّ بمثابة محطات اختبارية لتكوين شخصية الإنسان الناجح وصناعة التفاؤل عنده، وهو زاد المؤمنين وسلاح الناجحين والمتفوقين، لما يترتب عليه من خير في الدنيا وفلاح ونجاة في الآخرة، يقول تبارك وتعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}(7)
5-الثقة بالله سبحانه وتعالى وحسن الظن به، وأنه الرحمن الرحيم بعباده، كل ذلك يصنع التفاؤل عند الإنسان ويحرره من أغلال التشاؤم والنظرة السوداء إلى المحيط الخارجي، والله تعالى عند حسن ظن عبده به، قال عليه الصلاة والسلام: «يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ، ذكرته في ملإ هم خير منهم، وإن تقرب مني شبرًا تقربت إليه ذراعًا وإن تقرَّبَ إلي ذراعًا تقرّبت منه باعًا، وإن أتاني يمشي، أتيته هرولة«(8).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
(1) [الطلاق: 2]
(2) [الطلاق: 4]
(3) [البقرة: 216]
(4) [الرعد: 28]
(5) [الحجر: 42]
(6) [فصلت: 36]
(7) [البقرة: 155-156]
(8) أخرجه البخاري (ص1273، رقم 7405) كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} ومسلم (ص1166، رقم 575) كتاب الذكر والدعاء، باب الحث على ذكر الله.





ابو معاذ المسلم 19-01-2021 11:20 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(111)



علاج التشاؤم (2-2)


6-الاستخارة والاستشارة قبل الشروع في أي أمر، وكما قيل: ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار.

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: «إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب, اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال في عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني قال ويسمي حاجته«(1).

قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: «وإنما يسن له استخارة الخالق، واستشارة المخلوق، والاستدلال بالأدلة الشرعية التي تبيّن ما يحبه الله ويرضاه، وما يكره وينهى عنه« (2).

7-التوكل على الله في جميع الشؤون والأحوال، لأن التوكل الحقيقي يصنع التفاؤل عن صاحبه ويجعله يتطلع دائمًا إلى الأفضل ويسعى لذلك دون كلل أو ملل، بل إن التوكل على الله تعالى يفرج عن الإنسان الهموم ويخفف عنه الأثقال، لأنه يستند إلى خالق الكون ومدبره، يقول تبارك وتعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}(3).

ولمعرفة حقيقة التوكل على واقع النفس حين يحاصرها العنت والمشقة، تأمل قول ابن عباس رضي الله عنهما عن قوله تعالى: {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}(4): قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}(5)(6).

8-قراءة القرآن والاستماع إليه: كما أمر الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام بقوله: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}(7). لما في ذلك من تفريج للهموم والغموم وإعطاء القوة والنشاط لصاحبه، لا سيما إذا اقترن ذلك بتدبر آيات القرآن والتفكر فيها والتفاعل معها، يقول تبارك وتعالى:{إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ}(8). وقد جاءت آيات كثيرة في شأن الحث على تلاوة كتاب الله والإمعان في آياته وتدبر في معانيها وحقائقها.

كما قال عليه الصلاة والسلام: «من قرأ حرفًا من كتاب الله تعالى فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول آلم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف»(9). وقال ﷺ: «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه»(10).

ثم إن تلاوة القرآن الكريم وتدبره – بالإضافة إلى فضل ذلك – يعين المسلم على صناعة التفاؤل من خلال ما يقرأ من قصص الأنبياء وأحوالهم مع أقوامهم وكذا ما أمر به نبي الله محمد ﷺ.

9-الدعاء: الذي هو لبّ العبادة والعرى التي توصل الإنسان بربه، حيث يبث من خلاله شكواه ونجواه، ويطلب منه العافية والمعافاة، بشرط أن يكون هذا الدعاء مشروعًا وليس محرمًا، فعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله ﷺ: «من ردته الطيرة من حاجة فقد أشرك»، قالوا يا رسول الله ما كفارة ذلك؟ قال: «أن يقول أحدهم: اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك»(11).

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــ

(1)
أخرجه البخاري (ص186، رقم 1162) كتاب التهجد، باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى.


(2)
مجموع الفتاوى 68/ 23.


(3)
[الطلاق: 3]


(4)
[آل عمران:173]


(5)
[آل عمران:173]


(6)
أخرجه البخاري (ص777، رقم 4563) كتاب التفسير، باب إن الناس قد جمعوا لكم.


(7)
[المزمل: 4]


(8)
[النمل: 91-92]


(9)
أخرجه الترمذي (ص655، رقم 2910) كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء فيمن قرأ القرآن ما له من الأجر. والحاكم في المستدرك (1/555، رقم 540). قال الترمذي والحاكم: صحيح.


(10)
أخرجه مسلم (ص325، رقم 1874) كتاب صلاة ا لمسافرين، باب فضل قراءة القرآن.


(11)
أخرجه مالك في الموطأ (2/934، رقم 1672) كتاب صفة صلاة النبي، باب جامع ما جاء في الطعام والشراب. وأحمد (2/220، رقم 7045). وهو حديث حسن.

ابو معاذ المسلم 19-01-2021 11:20 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(112)



التفاؤل والعمل

ولعلنا نعرج قبل النهاية إلى بيان أن التفاؤل ليس نظرة سلبية مقعدة عن العمل، بل يكون مع العمل والجدّ فيه ومتابعته وعدم التقصير فيه، فالرسول ﷺ – في جميع ما أصابه – لم يتوقف عن العمل لحظة من اللحظات فيما كلفه الله تعالى به، بل عمل وواصل العمل، وجدّ واجتهد حتى نصره الله تعالى، ولذا فعلى المسلم ألا يقعد ويتكاسل، ويرقد ويقول بعد ذلك أنني متفائل، فالحيوانات تعمل، وتحصل على النتيجة، فالطير تغدو خماصًا – يعني جياعًا – وتروح بطانًا كما أخبر النبي ﷺ، فالإنسان أولى.

ومن هنا فالمتفائل الحق هو العامل بحق:

فالطالب عليه المذاكرة، ومن ثم يتفاءل بالنجاح.

والتاجر يبيع ويشتري، ومن ثم يتفاءل بالمربح.

والمريض يتداوى ويتوكل على الله، ومن ثمّ يأمل الشفاء.

والمصاب يتوكل على الله ويسترجع ولا يتسخط، ومن ثمّ تنزل عليه السكينة.

والوالد يعمل بأسباب التربية، ويأمل صلاح ذريته.

والمسؤول يعمل بأسباب نجاح عمله، ويأمل بالوصول إلى نتائجه المرجوة، وهكذا.

* * *

وأخيرًا:

فإن التفاؤل محبوب ومطلوب، والتشاؤم مذموم وممنوع، ولكل منهما آثاره على حياة صاحبه، فلا فشل ولا خيبة ولا خسران مع التفاؤل، ولا نجاح ولا تفوق ولا نجاة مع التشاؤم واليأس، وكلما اقترب الإنسان من ربّه وقدّم بين يديه الأعمال الصالحة من قراءة للقرآن وذكر ودعاء وإنفاق في سبيل الله وقضاء حوائج الناس والسهر على مصالح المسلمين كلما زاده الله تعالى تفاؤلاً ونجاحًا وأغدق عليه من النعم ما لا يُحصى، وكلما ابتعد الإنسان عن ربّه، وغفل عن ذكره، وأهمل فرائضه، كلما تمكّن الشيطان من نفسه وجعلها أسيرة لهمزاته ووساوسه، فيصيبه التشاؤم واليأس من رحمة الله تعالى، فلا يرى الدنيا بالمنظار الحقيقي حيث الرياض والرياحين في أرجائها، والحب والخير يسود بين أبنائها، ورحمة الله تعالى قريبة منها في وقت وآن، وإنما يرى هذه الدنيا عكس ذلك، مصائب ومآس، وحقد وكراهية، وشتات وتمزق، وفوق كل ذلك عذاب من الله محدق بهم في كل لحظة.

ابو معاذ المسلم 19-01-2021 11:21 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(113)



الرضا بالقضاء

روى الإمام أبو داود رحمه الله في سننه قال:

حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ الْهُذَلِيُّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ رَبَاحٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ عَنْ أَبِي حَفْصَةَ قَالَ قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ لابنه يَا بُنَيَّ إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَك،َ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ الله الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ قَالَ رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُب؟ُ قَال:َ اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ». يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي»(1).

قضاء الله وقدره نافذ في هذه الحياة، وقد قدّرت الأشياء وحصولها قبل خلق السموات والأرض، والإيمان بذلك والرضى به والعمل وفق هذا الإيمان من أركان الإيمان، وأصول السعادة في الدنيا والآخرة، ونبدأ بالتعريفات.

مفهوم القضاء والقدر:

القضاء في اللغة:

قضى: قَضْيًا، وقضاءً، وقضيَّةً: حكم وفصل. ويقال قضى بين الخصمين، وقضى عليه، وقضى له، وقضى بكذا(2).

هذا وقد جاء (قضى) ومشتقاتها في اللغة بمعان أخرى، كما في الآيات القرآنية الآتية:

1-بمعنى الأمر: في قوله تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}(3).

2-بمعنى الأداء: في قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}(4).

3-بمعنى الموت: في قوله تعالى: {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ}(5).

وبذلك يمكن تحديد مفهوم القضاء في اللغة: بأنه إحكام الشيء وإتمام الأمر، وهذا هو أصل معنى القضاء، وإليه ترجع جميع معاني القضاء الواردة في اللغة(6).


القَدَرُ في اللغة:

قدر: «القاف والدال والراء أصل صحيح يدل على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته وهو بتسكين الدال وفتحها مع فتح القاف«(7).

وقد ورد في القرآن الكريم معنى القدر أو مشتقاته، فقد جاء بمعنى التضييق كما في قوله تعالى: {وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ}(8).

وجاء بمعنى الطاقة كما في قوله تعالى: {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ}(9).

كما يأتي بمعنى التقدير والقياس كما جاء في قول النبي ﷺ في رؤية الهلال: «فإن غُمّ عليكم فاقدروا له«(10).

فهناك توافق وتقارب بين معنى القضاء والقدر في اللغة.

القضاء والقدر في الشرع:

أما في الاصطلاح فإن القضاء والقدر هو: «تقدير الله الأشياء في القدم، وعلمه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة، وكتابته لذلك ومشيئته له، ووقوعها على حسب ما قدرها وخلقه لها«(11).

منزلته من الدين:

هو ركن من أركان الإيمان حيث لا يكتمل الإيمان إلا به لقول النبي ﷺ في حديث جبريل عليه السلام حين سئل عن الإيمان: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره«(12).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ

(1)
أخرجه أبو داود (ص664، رقم 4700) كتاب السنة، باب في القدر. والبيهقي في سننه الكبرى (10/104، رقم 214) كتاب الشهادات، باب شهادة أهل الأهواء. والطبراني في مسند الشاميين (1/58، رقم 59). حديث صحيح.


(2)
المعجم الوسيط، مادة (قضى)، ص742.


(3)
[الإسراء: 23]


(4)
[البقرة: 200]


(5)
[القصص: 15]


(6)
مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني ص422.


(7)
الصحاح للجوهري 2/ 786، معجم مقاييس اللغة 5/ 62.


(8)
[الفجر: 16]


(9)
[البقرة: 236]


(10)
أخرجه البخاري (ص306، رقم 1906) كتاب الصوم، باب قول النبي ﷺ: إذا رأيتم الهلال. ومسلم (ص439، رقم 1080) كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان برؤية الهلال.



(11)
العقيدة الواسطية لابن تيمية 21.


(12)
أخرجه مسلم (ص24-2، رقم 93) كتاب الإيمان، باب الإيمان بالإسلام والإحسان.





ابو معاذ المسلم 19-01-2021 11:22 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(114)



مراتب القدر

أولاً: العلم:

وهو الإيمان بأن الله تعالى يعلم بالأشياء قبل نشوئها وخلقها، ويعلم حالتها الحاضرة وما تؤول إليه في المستقبل، لقوله تعالى: {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ}(1)، وقوله تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}(2).

ومن أنكر هذه المرتبة من العلم فهو كافر لأنه بذلك يطعن في كمال الله تعالى، لأن غياب أي شيء عن علمه جل شأنه يعني الجهل بذلك الشيء وسبحان الله عن ذلك علوًا كبيرًا، يقول تبارك وتعالى على لسان موسى عليه السلام حين سأله: {قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَىٰ . قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى}(3).

ثانيًا: الكتابة:

هي الإيمان بأن الله تعالى كتب ما علمه بعلمه القديم في اللوح المحفوظ، يقول عليه الصلاة والسلام: «إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب فجرى بما هو كائن إلى الأبد«(4).

ويقول الله تبارك وتعالى في تأكيد هذه الحقيقة: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}(5).

ثالثًا: المشيئة:

هي الإيمان بأن كل ما في الكون يجري بمشيئة الله وإرادته لقوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}(6). وقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ}(7).

رابعًا: الخلق والإيجاد:

هو الإيمان بأن الله تعالى وحده خالق كل شيء وموجده، فهو الخالق الأوحد وكل ما دونه مخلوقات من صنعه جل شأنه، وكل ما ينتج من هذه المخلوقات من آثار وأفعال هي أيضًا مخلوقات لله جل وعلا، يقول تبارك وتعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}(8).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ



(1) [يونس: 61]



(2) [الأنعام: 59]



(3) [طه: 51-52]



(4) أخرجه الترمذي (ص757، رقم 3319) كتاب التفسير، باب سورة ص. وأحمد (1/307، رقم 2804). والحاكم في المستدرك (2/540، رقم 3840). وهو صحيح.




(5) [الحديد: 22]



(6) [الإنسان: 30]



(7) [هود: 118]




(8) [الرعد: 16]



ابو معاذ المسلم 23-03-2021 01:55 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(115)



أنواع التقدير
ويمكن تقسيم التقدير إلى أربعة أقسام:
1- التقدير العام: وسبق بيانه وهو الذي يتعلق بكل شيء في هذا الكون، من جماد وكائنات، وعلم الله تعالى بها وحدوثها وكتابة مقاديرها. وهذا التقدير ما كتبه الله تعالى في اللوح المحفوظ قبل خلق الخلق كلهم.
2- التقدير العمري: وهو الذي يتعلق بأعمار الناس وأطوار الخلق التي يمرون بها، وأفعالهم وأرزاقهم في مراحل حياتهم ومن ثم تحديد آجالهم وانقطاع أرزاقهم بها.
وهو ما بيّنه عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي يرويه ابن مسعود رضي الله عنه: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها«(1).
3- التقدير السنوي: وهو أمر الله تعالى المحكم من الآجال والأرزاق في ليلة القدر من كل سنة حين يقضى من اللوح المحفوظ إلى كتبة الملائكة، وهي آجال وأرزاق لا تتبدل ولا تتغير، وهو معنى قوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ . فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ . أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا ۚ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ}(2).
4- التقدير اليومي: وهذا هو قدر الله تعالى الأزلي الذي يظهر كل يوم، من خلال حركة الإنسان في الأفعال والأقوال، وما يترتب عليها من رزق، أو حرمان، ومن مغفرة أو عذاب، ومن موت أو حياة، وغيرها من الآجال التي يظهرها الله تعالى في يوم واحد من عمر هذا الإنسان، وهي بالأصل آجال مكتوبة منذ الأزل، يقول تبارك وتعالى: {يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}(3).
ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــ
(1) أخرجه البخاري (ص554، رقم 6594) كتاب القدر، باب القدر. ومسلم (ص1151، رقم 6723) كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه.
(2) [الدخان: 3-5]

(3) [الرحمن: 29]

ابو معاذ المسلم 23-03-2021 01:56 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(116)



الإرادة وأنواعها

ظن كثير من الناس أن إرادة الله تعالى للأشياء تقتضي محبته لها وبذلك فإن كل أعمال الخير داخلة في هذه الإرادة، وأن أعمال الشر التي لا يحبها الله تعالى تكون خارجة عن هذه الإرادة، وهذا تفسير خطير يهزّ قواعد العقيدة الصحيحة، لأن هذا التصور يخرج كثيرًا من الأشياء والأفعال خارج إرادته جلّ وعلا، الأمر يناقض صفة المشيئة له وكذلك يؤدي إلى الظن بوجود إرادات أخرى في هذا الكون الذي هو من صنع الله وحده وتحت مشيئته وقدرته، ولذا لا بد من بيان حقيقة الإرادة وأنواعها لإزالة هذا الغبش العقدي في أذهان الناس وبيان العقيدة الصافية لهم.

فقد بيّن كتاب الله تعالى وسنة نبيّه ﷺ نوعين من الإرادة، الكونية والشرعية:

أولاً: الإرادة الكونية:

فهي إرادة عامة تشمل كل شيء، في هذا الكون سواء كان مما يحبّه الله تعالى أو مما لا يحبه، كالخير والشر، والطاعة والمعصية، والفقر والغنى، والصحة والعافية وغيرها، فكل هذه الأشياء داخلة في الإرادة الكونية التي أراد الله تعالى أن تكون قدرًا واقعًا حتمًا، يقول الله تعالى: {فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ}(1).

ويقول تبارك وتعالى: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا}(2).

ويقول جل شأنه: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}(3).

وغيرها من الآيات التي تدل على أن هناك إرادة كونية كبرى تقود المخلوقات والموجودات ولا يخرج عنها شيء أبدًا مهما كان نوع هذا الشيء سواء كان مما أمر الله به أم مما لم يأمر به، كالطاعة والمعصية وغيرها.

ثانيًا: الإرادة الشرعية أو الدينية:

وهي ما أراده الله تعالى لعباده من أحكام وتشريع أنزله في كتابه وسنة نبيه ﷺ، من أمر ونهي، وهي مختصة بالأمور التي يحبها الله تعالى، فالله يأمر عباده أن يكون مؤمنين قائمين بفرائضه وأحكامه وهذا أمر محبوب إليه جلّ وعلا، ولكن كثير من الناس لا يستجيبون لهذا الأمر فيعصونه ويعرضون عنه، وهذه هي الإرادة الشرعية، كما في قوله جلّ وعلا حين يأمر عباده بالخير والطاعات وينهاهم عن طرق الغواية والشر: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}(4).

ولا تقتضي هذه الإرادة حصول الشيء ووقوعه، وإلا فإن الناس جميعًا كانوا مسلمين ولم يكن هناك غيرهم من الملل والنحل الكافرة والمشركة والمنحرفة، وبالتالي ما كانت هناك إلا الجنة وحدها دون النار والحساب.

ووجود هذه الإرادة ضرورة شرعية لحدوث التنافس والتسارع في تقديم الطاعات والأعمال الصالحة بين الناس، يقول تبارك وتعالى:{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ . وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ . وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ}(5).

وبالتالي يمكن بيان بعض الأمور المهمة التي تفصل هاتين الإرادتين عن بعضهما:

1-الإرادة الكونية لا بد من وقوعها، أما الشرعية فلا يجب وقوعها.

2-الإرادة الكونية تتعلق بما يحبه الله تعالى وبما لا يحبه، كالطاعة والمعصية، أما الشرعية فتكون حصرًا مما يحبه الله جل وعلا.

3-الإرادة الكونية تتعلق بربوبية الله تعالى، والإرادة الشرعية تتعلق بألوهيته جل وعلا وشريعته.

وفي الحالتين تكون إرادة الله تعالى لحكمة لا يعلمها إلا هو، تنصب في آخر المطاف لصالح العباد، يقول تبارك وتعالى:{وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}(6).

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــ

(1) [الأنعام: 125]

(2) [النساء: 78]

(3) [البقرة: 253]


(4) [النحل: 90]

(5) [الليل: 5-10]

(6) [المائدة: 50]

ابو معاذ المسلم 23-03-2021 01:56 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(117)

الإنسان بين الاختيار والإجبار
الإنسان يعيش بين نوعين من الإرادات، الإرادة الإلهية الكبرى وإرادته الصغرى التي تتحرك وفق الإرادة الإلهية، وبذلك يكون الإنسان مسيَّرًا في أعماله التي يقدر عليها، ويحاسب على هذه الأفعال، سواء في الدنيا أو الآخرة، وهي الأعمال التكليفية المنوطة بسن البلوغ والعقل، أما الأمور الأخرى التي هي خارجة عن إرادته وطاقته فلا يحاسب عليها، كتحديد نوعه ولونه وعرقه، وأوصافه الخَلقية، وغيرها من المجالات التي لا إرادة للإنسان فيها.
وبناء على هذا فلا يحق لأحد القول بأن من يعصي الله تعالى أو يكفر به أو يظلم أو يسرق، إنما هو قدر الله عليه، بل إن ذلك كله يدخل ضمن إرادته واختياره الذاتي الذي يحاسب عليه، لأنه يمكن أن يتجنب ذلك ويسلك سبيل الهدى والإيمان، بعد أن بيّنه الله لعباده، وقد أورد الله تعالى آيات عن أولئك القوم بقوله: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ}(1).

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــ
(1) [الأنعام: 148]

ابو معاذ المسلم 23-03-2021 01:57 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(118)

هل الإيمان بالقدر يعارض فعل الأسباب؟



إن الإيمان بالقدر لا يعارض أو ينافي فعل الأسباب، وكيف ينافيها وقد أمر الله تعالى ونبيه ﷺ بها واتخاذها وسائل مرتبطة بالغايات التي يسعى إليها الإنسان، فلو كان فعل الأسباب يعارض الإيمان بالقدر لتخلى الناس عن كل شيء وقعدوا عن الحركة والسعي في الحياة لتأتيهم أرزاقهم ومعاشهم، وتتحقق آمالهم ورغباتهم من عند الله، ولكن الحقيقة التي بُني عليها هذا الدين تخالف هذا التصور وتنبذه بشدة، فقد ظهرت في بعض العصور الإسلامية فرق تدعو إلى نوع من هذا التفكير والاعتقاد، ولكن الله تعالى الذي تكفل بحفظ دينه وكتابه جعل تلك العصور نقاطًا سوداء ظهرت في التاريخ الإسلامي، حيث خرج العلماء الصالحون المصلحون والأئمة الصادقون الذين أنار الله على أيديهم الحياة وكشف بسببهم ترهات المضلين والجبريين، فانتقلت إلينا بفضل الله تعالى ثم بفضل تلك الكوكبة هذا الدين خالصًا من غير تبديل أو تحريف.

وقد أخذ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالسبب دون الاستسلام للتصور الخاطئ في حادثة الطاعون الذي أصاب بلاد الشام وكان متوجهًا إليها، فلما سمع بذلك أمر بالرجوع، فقال له أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: «يا أمير المؤمنين كيف ترجع إلى المدينة أفِرارًا من قدر الله؟ فقال عمر رضي الله عنه: نَفرّ من قدر الله إلى قدر الله». وهو تصديق لقول الرسول ﷺ عن الطاعون: «إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها«(1).

ثم إن الدارس للسيرة النبوية وحياة الصحابة رضوان الله عليهم سيجد أن الأخذ بالأسباب كانت دأبهم مع توكلهم على الله تعالى وإيمانهم بأن كل ما يصيبهم من خير وشر مقدّر عليهم، فالرسول ﷺ وهو المخيَّر والمصطفى من عباد الله الذي أرسله الله لتبليغ الرسالة إلى الناس كان يأخذ بالأسباب، وهذا واضح منذ البعثة إلى وفاته ﷺ:

- فهو الذي أسرّ بالدعوة في بدايتها خشية أن تقمع في مهدها.

- وهو الذي أمر الصحابة بالهجرة إلى الحبشة ليستأمنوا على أنفسهم ودينهم من المشركين.

- ثم إنه عليه الصلاة والسلام أمر الصحابة بالهجرة إلى المدينة المنورة خشية العنت عليهم من الكفار والمشركين في مكة المكرمة، وقد كانت في هجرته عليه الصلاة والسلام أعظم دلالة على أخذه بالأسباب، فقد هاجر برفقه أبو بكر رضي الله عنه إلى المدينة سرًا، وكان يستطيع أن يهاجر علنًا، ولكنه عليه الصلاة والسلام أراد أن يبيّن للصحابة وللأمة من بعدهم أن العمل بالأسباب هو جزء من الإسلام، ولا يعارض قدر الله، وإن تجاهل الأمة هذا الأمر يعرضها للضعف والتخلف والجهل.

فترك الأسباب والاستسلام للقدر يعدّ تواكلاً على الله وليس توكلاً عليه، بل إن التوكل الحقيقي هو الأخذ بالأسباب والرضا بالقدر، وهو ما أمر به عليه الصلاة والسلام بقوله: «اعقلها وتوكل«(2).

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــ

(1)
أخرجه البخاري (ص1012، رقم 5728) كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون. ومسلم (ص982، رقم 2219) كتاب السلام، باب الطاعون والطيرة والكهانة.



(2)
أخرجه الترمذي (ص572، رقم 2517) كتاب الزهد، باب اعقلها وتوكل. وابن حبان (2/510، رقم 731). حديث حسن.

ابو معاذ المسلم 23-03-2021 01:57 AM

رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)
 
حيـــــــــاة الســــــعداء
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
(119)



آثار الإيمان بالقضاء والقدر

للإيمان بالقضاء والقدر ثمرات وآثار عظيمة على الإنسان في نفسه وجوارحه، بل على مسيرته في الحياة ونتاجه فيها، ولا يمكن حصر جميع الثمرات والآثار لأن جلّ أعمال المؤمن الصادق مرتبطة بمدى إيمانه بالقدر وقبوله لأمر الله في السراء والضراء، لذا نذكر بعض الثمرات الجامعة التي ينطوي تحتها سائر الثمرات، وهي:


1- تحقيق العبودية لله تعالى وحده، والخلاص من الشرك بكل أنواعه وألوانه، فالمؤمن بقضاء الله تعالى وقدره يعلم يقينًا أن كل شيء من عند الله تعالى وبإرادته، فلا حول ولا قوة لغيره - جل ثناؤه - من المخلوقات الأخرى من بشر أو حجر أو شجر أو دواب، وبذلك تصفى عقيدة المؤمن من شوائب الشرك ووسائله.

2- الإيمان بالقدر يكسب صاحبه الشجاعة والجرأة في الحق من غير خوف أو تردد، وهذا كان دأب خير القرون ومن تبعهم من سلف هذه الأمة رضوان الله عليهم، حيث لم تأخذهم في الله لومة لائم، وما استطاع صناديد الكفر من العرب والفرس والروم أن يثنوا من عزائمهم أو يخبوا شعلة الإيمان في نفوسهم، فاستذلوا الصعاب وتجاوزوا الخطوب من أجل نشر هذا الدين وتبليغه للعالمين، رغم أنهم دفعوا ثمن ذلك أرواحهم وأموالهم وأولادهم، ولكن الله تعالى حقق لهم النصر والتمكين في الدنيا، والفوز والنعيم في الآخرة.

3- الإيمان بالقدر يكسب صاحبه فضيلة الصبر وقوة التحمل على المصائب والنوازل، لأنه يعلم أن ما قدره الله عليه هو خير له عند الله تعالى وإن لم يتحسسه عاجلاً، فإيمانه بقدر الله وقضائه يزوده بزاد الصبر الذي حث الله عليه، وجعله من معالي الأمور، ورتّب تبارك وتعالى على هذه الفضيلة ثمرات عظيمة ويافعة في نفسه وأهله ومجتمعه، فضلاً عن الجزاء الأوفى الذي ادخره له يوم القيامة، يقول جل ذكره: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}(1).

4- الإيمان بقضاء الله تعالى وقدره يعطي لصاحبه قوة واندفاعًا نحو الأمام ويجعله عنصرًا متحركًا نحو الخير أينما حلّ وارتحل، فهو يعيش في تفاؤل دائم وأمل مستمر مع الله تعالى، لأنه يعلم أن ما قدّره الله تعالى لا يمكن تبديله أو تغييره ما دام قد وقع وصارًا أمرًا مفروضًا، فلا مكان حينها للقنوط واليأس والتحسر، وكانت هذه حال الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم، فهذا نبي الله يوسف عليه السلام، يحكم عليه بالسجن بضع سنين ظلمًا، ولكنه لم ييأس من روح الله تعالى، فلم تؤثر ظلمات السجن على مسار حياته الدعوية، بل كان السجن ميدانًا للدعوة إلى الله حين قال لصاحبيه:{يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}(2).

وهذا نبي الله موسى عليه السلام وهو في المهجر وفي حالة الخوف والهلع من قومه، يرى ظلمًا واقعًا على امرأتين عند السقاء، فلم تشغله هجرته وغربته عن الحق في نصرتهما، يقول تبارك وتعالى:{وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ . فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}(3).

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــ


(1) [البقرة: 156]

(2) [يوسف: 39]

(3) [القصص: 23-24]




الساعة الآن : 07:09 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 133.71 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 133.21 كيلو بايت... تم توفير 0.50 كيلو بايت...بمعدل (0.38%)]