ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   الملتقى العام (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=4)
-   -   القراءة (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=218905)

ابو معاذ المسلم 08-12-2019 11:49 AM

القراءة
 
القراءة (2)
د. محمد بن لطفي الصباغ






إن شأن القراءة شأن عظيم كما ذكرنا آنفًا، والقراءة أمر لا بد منه لكل إنسان يريد أن يتقدَّم في شؤون الفِكْر والثقافة، وهي بالنسبة للإنسان المثقَّف غذاءٌ فِكري، لا يجد طعمًا للحياة دونه.

وإذا كُتِب عليه لسبب ما أن يتوقَّف عن القراءة، فمعنى ذلك أنه انتهى بصفته مثقَّفًا، والعمر قصير، والمشاغل متعددة، والكتب كثيرة، فماذا يَقرأ؟ وكيف يقرأ القراءةَ المفيدة؟ ومتى يقرأ؟

الحقُّ أن كل سؤال من هذه الأسئلة موضوع مُستقِل بذاته، ولن أدخل في تفصيلات الإجابة عن هذه الموضوعات؛ لأن كلاًّ منها يحتاج إلى سلسةٍ من المقالات حتى يُعطى الموضوع حقه، ولكنني سألمس بعض جوانبها لمسًا رفيقًا.



لقد أُلِّفتْ كتب كثيرة في القراءة، وفنُّ القراءة مادَّة من مواد الدراسة لنفَر من المتخصصين، فهناك قراءة مسموعة، وقراءة مهموسة، وقراءة نظر صامتة، وقراءة سريعة، وقراءة متأنِّية، ولكل واحدة غرضٌ.

وكلُّ مقروء يستدعي لونًا من القراءة، فهناك فَرْق كبير بين قراءة صحيفة يومية، وقراءة في كتاب من كتب التراث، وكتب التراث ذاتها تتفاوت؛ فبعضها يَطلُب لونًا، وبعضها الآخر يطلب لونًا آخر.



هناك قاعدة صحيحة وهي قولهم: "أي كتاب تقرَأْ تَستفِدْ"، ولكن الفائدة تختلف؛ فقد يكون مقدارها جليلاً، وذلك إذا وقفت فيها على معلومات وحقائق كثيرة ونافعة، وقد يكون مقدارها هزيلاً، كأن تَعرِف أن هذا الكتاب الذي قرأته كتاب سخيف فيه معلومات ليست صحيحة، أو فيه تأييد لعقائدَ باطلة.

ولذا فلا أنصح بأن يقرأ الإنسانُ أي كتاب يقع تحت يده؛ لأنه لو فعَل ذلك لضيَّع عمره في الحصول على فائدة يسيرة.

أعرف رجلاً كان يقرأ دائمًا، فلا تلقاه إلا مُمسِكًا بكتاب يقرأ... يقرأ في الطريق، وفي الدكان، وفي البيت، وفي القطار ووسائل المواصلات، ولكنه بقي عاميًّا لم يُفِد من هذه القراءة إلا اليسير.

ويعود ذلك أولاً إلى إمكاناته، ثم إلى أنه لم يكن يتخيَّر ما يقرأ.



هناك أمران في القراءة لا بد من توفُّرهما حتى تكون مُثمِرة نافعة، وهما: الجِدية والتنظيم.

إن علينا أن نقرأ قراءة جادَّة هادفة، نرمي من ورائها إلى هدف معين نافع، لا أن تكون قراءتنا للتسلية لنملأ فراغًا كُتِب علينا، فلا نبتغي من قراءتنا إلا تمضية الوقت، ولا أن تكون هذه القراءة وسيلة لجلْب النوم، بل يجب أن نَقصِد هدفًا معيَّنًا، وهو الاستزادة من المعرفة التي تعود علينا بالنفع في ديننا ودنيانا بالخير العميم.

علينا أن نقرأ بهذه الرُّوح الجادة، وعندئذ فإن النتيجة ستكون محقِّقة للغرض المطلوب، ولا يمنع بعد ذلك أن نقرأ للتسلية أو لاستجلاب النوم، ولكنها لا تكون هي القراءة التي يُلزِم المرء نفسه بها.

وأما التنظيم فهو أمر من الأهمية بمكان كبير، يجب أن يكون للقراءة وقت محدود في كل يوم (ساعة.. أو ساعتين أو أكثر أو أقل)، ونترك لأنفسنا الحريَّة في حركة هذا الوقت؛ لأن ظروف الحياة مُتشابِكة معقَّدة متعدِّدة، وينبغي الالتزام بذاك الوقت مهما كانت الظروف.



إن علينا أن نُنظِّم قراءتنا التي هي غذاء عقولنا كما نُنظِّم طعامَنا الذي نقيم به أصلابنا؛ وقتًا، ومقدارًا، وكيفيَّة.

إن مشاغل الحياة ومشكلاتها كثيرة، تَستغرِق منا ساعات النهار معظمَه أو كله، وبعضها تافه، وإذا أمكن قَبُول ذلك في الشهر أو السَّنة، فما يجوز أن يكون ذلك على مدار العُمُر.

لا بد أن نُفسِح لوقت القراءة مجالاً كافيًا، ونُقدِّمه على الراحة والنوم؛ ذلك لأن ترْك القراءة تَخلُّف وانحدار إن كان المرءُ حصَّل شيئًا من العلم، وهو إصرارٌ على الجهالة والأمية إن لم يكن المرء تعلَّم شيئًا فيما سبق.

والالتزام بوقت القراءة مع تنظيم ما يقرأ، يجعل الإنسانَ بعد مدة من الزمان مثقَّفًا مشاركًا بعدد من المعارف والعلوم.



فالكتاب كما قيل: معلِّم لطيف عفيف، يُعلِّم القارئ من غير عصا ولا سوط، ولا يسيء المعاملة ولا يغضب، ولا يطلب أُجرةً ولا هدية، إذا دنوتَ منه لا ينأى عنك، وإذا سألته لا يُخفي عنك شيئًا، وإذا أعرضتَ عنه لا يشكوك لأحد، وإذا كنتَ جاهلاً لا يسخر منك.

وقيل: مَن تيسَّرت له أسباب القراءة يَعِش سعيدًا.

وإذا قرأ في كتب التاريخ تتجلَّى أمام عينيه صورةُ الأمم الغابرة وأحوالها كمَن عاشر جميع أفرادها.

وإذا قرأ في الصحف والمجلات العلميَّة عرَف أنباء المخترعات والآلات ومكتشفات العلماء في الطب والعلوم، ووقَف على حكمة العقلاء وخلاصة تجارِبِهم في الحياة.



القراءة هي المواسية لنا في وقت الحزن والأسى، وهي تُبدِّل الحزن والكآبة فرحًا وسرورًا.

ومن التنظيم: إعداد مكان القراءة، وإضاءته، وتهويته، وإبعاد الجَلَبة والتشويش عنه من تلفاز وإذاعة ومُتحدِّثين.

ولو استطاع المرء أن يُعوِّد أهلَه على احترام وقت القراءة، وأن يُشارِكوه الفائدة والمتعة في القراءة، لكان هذا أفضل، وإن لم يكن ذلك فليُعوِّدهم على عدم شَغْلِه بشيء عندما يدخل غرفة المكتبة، أو عندما يشرع في القراءة، وأن يُبعِدوا الأولاد الصغارَ عنه، ويَشغَلوهم بالألعاب التي يُحبُّونها.

والقراءة المفيدة ينبغي أن تكون متنوِّعة، ويأتي في مقدمة المقروء كتابُ الله؛ فينبغي أن يكون للإنسان جزء منه يقرؤه يوميًّا.

وأنصح الأخ المسلم أن يقرأ كلَّ يوم شيئًا من عِلْم الفقه، وشيئًا من التفسير، وأن يقرأ شيئًا من كتاب رياض الصالحين، وجانبًا من السيرة، وشيئًا من كتب الأدب.



واختيار الكتاب المقروء أمرٌ مهم، من حيث سلامة أفكاره، وجودة معالجته، ومن حيث مستواه العلمي، وينبغي أن يستعين في الاختيار بعالِم يرضى دِينَه وعِلمه وعقله.

ومن الأمور التي يُنصَح بها القراء أن يكون مع الواحد منهم قلم وورقة، فإذا مرَّت بالقارئ فكرة هامة كتبها، وإذا واجهته مشكلة سجَّلها ليسأل عنها.


ومذاكرة العلماء أو الزملاء أو الأهل في قراءة مُشترَكة شيء نافع.



وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.




الساعة الآن : 04:01 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 9.98 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 9.88 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (0.94%)]