ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى القرآن الكريم والتفسير (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=57)
-   -   اعتماد ابن كثير اللغة العربية في تفسيره القرآن الكريم (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=254524)

ابو معاذ المسلم 08-03-2021 11:14 PM

اعتماد ابن كثير اللغة العربية في تفسيره القرآن الكريم
 
اعتماد ابن كثير اللغة العربية في تفسيره القرآن الكريم















مبارك بن حمد الحامد الشريف




توطئة:



نزل القرآن الكريم بلغة العرب، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [يوسف: 2]، وقال تعالى: ﴿ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [فصلت: 3]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [الزخرف: 3]، وغيرها من الآيات التي تدل على أن القرآن نزل بلغة العرب، على نبيٍّ من العرب، وهو محمد صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك تُعَدُّ اللغة العربية من أهم مصادر تفسير القرآن الكريم.







والصحابة رضوان الله عليهم يَرجِعون إلى اللغة العربية في معرفة معاني القرآن وتفسيره، ويستشهدون بأشعار العرب وأقوالهم؛ فالشِّعر ديوان العرب، كما يقول ابن عباس: "الشعر ديوان العرب، فإذا خفي عليهم الحرفُ من القرآن الذي أنزله الله بلُغتِهم، رجعوا إلى ديوانهم فالتمسوا معرفة ذلك"[1].







وقد روي عنه رضي الله عنه أنه قال: "ما كنت أدري ما قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ﴾ [الأعراف: 89]، حتى سمعت ابنة ذي يزن الحميري[2] وهي تقول: أفاتحك؛ يعني أُقاضيك".







وقال أيضًا: "ما كنت أدري ما ﴿ فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الشورى: 11] حتى أتاني أعرابيَّانِ يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطَرتُها؛ ابتدأتُها"[3].







بل إن السلف رحمهم الله شدَّدوا في منع مَن ليس له عِلم بلغة العرب أن يفسِّر القرآن، كما قال الإمام مالكٌ رحمه الله: "لا أُوتى برجُل غير عالم بلغات العرب يفسِّر كتاب الله إلا جعلتُه نكالًا"، وعن مجاهد قال: "لا يحلُّ لأحد يؤمن بالله وباليوم الآخر أن يتكلَّم في كتاب الله إذا لم يكن عالمًا بلغات العرب"[4].







وقال الزركشي في غريب القرآن: "وهذا الباب عظيم خطير، ومن هنا تَهيَّب كثير من السلف تفسير القرآن، وتركوا القول فيه؛ حذرًا أن يَزِلُّوا فيذهبوا عن المراد، وإن كانوا علماء في اللسان، فقهاء في الدين، وكان الأصمعي وهو إمام اللغة لا يفسِّر شيئًا من غريب القرآن"[*].







وقال الزركشي أيضًا: "واعلم أنه ليس لغير العالم بحقائق اللغة وموضوعاتها تفسيرُ شيء من كلام الله، ولا يكفي في حقه تعلُّمُ اليسير فيها؛ فقد يكون اللفظ مشتركًا وهو يعلم أحد المعنيين والمراد الآخر"[5].







وغالب العلوم التي يحتاج إليها المفسِّرُ ترجع إلى اللغة العربية؛ كمعرفة اللغة، والنحو والتصريف والاشتقاق، والمعاني والبيان والبديع، وعلم القراءات، وغيرها[6].







فلأهمية اللغة العربية في تفسير القرآن ومعرفة معانيه؛ نجد أن الإمام ابن كثير رحمه الله اعتمد عليها في تفسير القرآن اعتمادًا كبيرًا، وأولاها عناية تامة، وهذا ما سنتطرق إليه.







رجوع ابن كثير إلى اللغة واحتكامه إليها:



ويتمثل ذلك في:



أ. الاستشهاد بكلام العرب شعرًا ونثرًا:



أما الاستشهاد بما ورد عن العرب من الشِّعر فهو كثير[7]؛ من ذلك مثلًا قوله: "وأما الآية من العلامة على انقطاع الكلام الذي قبلها عن الذي بعدها وانفصالها؛ أي هي بائنة عن أختها ومنفردة؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ ﴾ [البقرة: 248]، وقال النابغة[8]:



تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا *** لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا العَامُ سَابِعُ[9]







وقال عند تفسير الآية: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ [البقرة: 3]: "وأصل الصلاة في كلام العرب الدعاءُ؛ قال الأعشى[10]:



لَهَا حَارِسٌ لا يَبْرَحُ الدَّهْرَ بَيْتَهَا *** وَإِنْ ذُبِحَتْ صَلَّى عَلَيْهَا وَزَمْزَمَا[11]







وعند تفسير الآية: ﴿ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ﴾ [البقرة: 74]،، قال: "اختلف علماء العربية في معنى قوله تعالى: ﴿ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً، بعد الاجتماع على استحالة كونها للشكِّ؛ فقال بعضهم: (أو) هاهنا بمعنى الواو؛ تقديره: كالحجارة وأشد قسوة؛ كقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا ﴾ [الإنسان: 24].







وقال جرير[12] بن عطيَّةَ:



نالَ الخلافةَ أو كانتْ له قَدَرًا *** كما أَتى ربَّه موسى على قَدَرِ







قال ابن جرير: يعني نال الخلافةَ وكانتْ له قدَرًا"[13].







وعند تفسير الآية: ﴿ فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ ﴾ [ق: 36]، قال: "ضربوا في الأرض... ويقال لمن طوَّف في البلاد: نَقَّبَ فيها؛ قال امرؤ القيس[14]:



لقد نقَّبتُ في الآفاقِ حتى *** رضيتُ مِن الغنيمةِ بالإيابِ"[15].







وأما استشهاد ابن كثير بالنثر، فمن أمثلته:



ما جاء عند تفسير الآية: ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ﴾ [البقرة: 26]، "والفاسق في اللغة: الخارج عن الطاعة... وتقول العرب: فسَقَتِ الرُّطبةُ؛ إذا خرجتْ من قشرتها؛ ولهذا يقال للفأرة: الفُوَيسقة؛ لخروجها من جُحرها للفساد"[16].







وعند تفسير الآية: ﴿ وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى ﴾ [البقرة: 83]، قال: "واليتامى: هم الصِّغار الذين لا كاسب لهم من الآباء، وقال أهل اللغة: اليتيم في بني آدم من الآباء، ومن البهائم من الأم"[17].







وعند تفسير الآية: ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ [البقرة: 46]، قال: "قال ابن جرير: والعرب تسمي اليقين ظنًّا، والشكَّ طنًّا، نظير تسميتهم الظُّلمةَ سُدْفةً، والضياءَ سُدْفَةً، والمغيث صارخًا، والمستغيث صارخًا، وما أشبه ذلك من الأسماء التي يسمَّى بها الشيءُ وضده"[18].







وعند تفسير الآية: ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ﴾ [البقرة: 196]، قال: "قيل: تأكيد؛ كما تقول العــــرب: رأيت بعـــيني، وسمعــــت بأذني، وكتبت بيدي"[19].







وعند تــفسير الآية: ﴿ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ ﴾ [المائدة: 3]، قال: "والنَّطيحة: فَعيلة بمعنى مفعولة؛ أي: منطوحة، وأكثر ما تَرِدُ هذه البِنْيةُ في كلام العرب بدون تاء تأنيث فيقولون: كَفٌّ خضيب، وعين كحيل، ولا يقولون: كف خضيبة ولا عين كحيلة، وأما هذه فقال بعض النحاة: إنما استعمل فيها تاء التأنيث؛ لأنها أُجريت مجرى الأسماء، كما في قولهم: طريقة طويلة، وقال بعضهم: إنما أُتي بتاء التأنيث فيها؛ لتدلَّ على التأنيث من أول وهلة، بخلاف (عين كحيل، وكف خضيب)؛ لأن التأنيث مستفاد من الكلام"[20].







وأخيرًا عند تفسير الآية: ﴿ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ﴾ [ص: 3]، قال: "وأهل اللغة يقولون: النَّوْصُ: التأخُّر، والبَوْص: التقدُّم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ؛ أي: ليس الحينُ حينَ فرارٍ ولا ذَهاب"[21].






[1] البرهان في علوم القرآن؛ للزركشي 1/ 294 مرجع سابق.



[2] هو سيف بن ذي يزن بن ذي أصبح بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن حمير بن سبأ، ويكنى أبا مرة، وقد خرج إلى ملك بُصرى ملك الروم وشكا له ما هم فيه من أمر الحبشة، وسأله أن يخرجهم عنه ويليهم هو، ويخرج إليهم من شاء من الروم فيكون له ملك اليمن، فلم يُشْكِه، فخرج حتى أتى النعمان بن المنذر عامل كسرى على الحيرة، فأدخله على كسرى، فبعث معه كسرى جيشًا، وخملت الفرس على الحبشة فهزمتهم وقُتِلوا وهربوا في كل وجه، ووفدت العرب من الحجاز على سيف يهنئونه بعودة المُلْك إليه (البداية والنهاية 3/ 158-161).



[3] البرهان 1/ 293.



[4] البرهان 1/ 292.



(8) المرجع نفسه1/ 393.



[5] البرهان ص 1/ 292، وانظر: اللاحم، منهج ابن كثير ص 367-372 مرجع سابق.



[6] انظر: السيوطي، الإتقان 2/ 180181.



[7] انظر مثلًا 1/ 17، 1/ 25، 1/ 30، 1/ 55، 1/ 56، 1/ 59، 1/ 64، 1/ 71، 1/ 73، 1/ 84، 1/ 87، 1/ 88، 1/ 113، 1/ 167، 1/ 202، 1/ 284، 1/ 285، 1/ 335، 1/ 363، 1/ 364، وهذا فقط في سورتي الفاتحة والبقرة.



[8] هو زياد بن معاوية بن ضباب الغطفاني المضري، أبو أمامة، شاعر جاهلي من الطبقة الأولى، من أهل الحجاز، كانت تُضرَب له قُبةٌ من جِلد أحمر بسوق عكاظ فتقصده الشعراء فتعرض عليه أشعارها، وكان الأعشى وحسان والخنساء ممن يَعرِض شعره على النابغة، وكان أبو عمرو بن العلاء يفضِّله على سائر الشعراء، وهو أحد الأشراف في الجاهلية، وكان أحسن شعراء العرب ديباجة، لا تكلُّفَ في شعره ولا حشو، وعاش عمرًا طويلًا، ومات سنة 18 قبل الهجرة. الأعلام 3/ 54، 55.



[9] انظر: تفسير القرآن العظيم 1/ 16.



[10] هو ميمون بن قيس بن جندل من بني قيس بن ثعلبة الوائلي، أبو بصير المعروف بأعشى قيس، ويقال له: أعشى بكر بن وائل، والأعشى الكبير، من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية، وأحد أصحاب المعلقات، كان كثير الوفود على الملوك من العرب والفرس، غزير الشعر يسلك فيه كل مسلك، وليس أحد ممن عُرِف قبله أكثر شعرًا منه، وكان يغنِّي بشعره فسمي صناجة العرب، عاش طويلًا وأدرك الإسلام ولم يسلم، ولقب بالأعشى؛ لضعف بصره، وعمي في آخر عمره، مولده ووفاته في قرية منفوحة باليمامة سنة 7هـ. الأعلام 7/ 341.



[11] انظر: تفسير القرآن العظيم 1/ 59، ومعنى "ذبحت" استعارة لثقب الإناء، والجامع هو سيلان الخمر من الدَّنِّ كسيلان دم الذبيحة، "صلى عليها": يقصد أنه امتدح جودتها، "زمزم" استعارة قصد بها الإشارة إلى صوت العلوج حين يديرون الكلام في خياشيمهم دون اللسان فلا يفهمه سواهم، ديوان الأعشى، شرحه وضبط نصوصه عمر فاروق الطباع ص 217، طبعة دار القلم بيروت 1393هـ.



[12] هو جرير بن عطية بن حذيفة الخطفى بن بدر الكلبي اليربوعي من تميم، أشعر أهل عصره، ولد ومات في اليمامة، وعاش عمره كله يناضل شعراء زمانه ويساجلهم، وكان هجَّاءً مرًّا، فلم يثبت أمامه غير الفرزدق والأخطل، وكان عفيفًا، وقد جُمعت نقائضه مع الفرزدق وديوان شعره، وأخباره مع الشعراء وغيرهم كثيرة جدًّا، مات سنة 110هـ. الأعلام 2/ 119.



[13] انظر: تفسير القرآن العظيم 1/ 144-145.



[14] هو امرؤ القيس بن حُجْر بن الحارث الكندي من بني آكل المرار، أشهر شعراء العرب على الإطلاق، يماني الأصل، مولده بنجد، اشتهر بلقبه، وكان أبوه ملك أسد وغطفان، وأمه أخت المهلهل الشاعر، فلقَّنه الشعر فقاله وهو غلام، وجعل يشبِّب ويلهو ويعاشر صعاليك العرب، فبلغ بذلك أباه، فنهاه عن سيرته فلم ينته، فأبعَدَه إلى حضرموت وهو في نحو العشرين من عمره، فأقام زهاء خمس سنين إلى أن ثار بنو أسد على أبيه فقتلوه، فبلغ ذلك امرأ القيس وهو جالس للشراب، فقال: رحم الله أبي! ضيَّعني صغيرًا، وحمَّلني دمَه كبيرًا، لا صحو اليوم ولا سكر غدًا، اليوم خمر، وغدًا أمر، ونهض من غده فلم يزل حتى ثأر لأبيه من بني أسد، وقال في ذلك شعرًا كثيرًا، ويُعرَف امرؤ القيس بالملك الضِّلِّيل لاضطراب أمره طول حياته، وكتب الأدب مشحونة بأخباره، مات سنة 80 قبل الهجرة. الأعلام 2/ 11.



[15] المرجع نفسه 4/ 269.



[16] المرجع نفسه 1/ 86.



[17] انظر: تفسير القرآن العظيم 1/ 151.



[18] المرجع نفسه 1/ 113.



[19] المرجع نفسه 1/ 292.



[20] انظر: تفسير القرآن العظيم 2/ 16.



[21] المرجع نفسه 4/ 33، وانظر للاستزادة: 1/ 33، 1/ 17، 1/ 29، 1/ 144، 1/ 153، 2/ 4، 2/ 601، 3/ 399، 3/ 425، 3/ 491، 3/ 7، 4/ 269، 4/ 345، 4/ 546.



الساعة الآن : 05:56 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 18.47 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 18.38 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (0.51%)]