ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى القرآن الكريم والتفسير (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=57)
-   -   سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن ) (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=74514)

أم عبد الله 07-06-2009 05:49 PM

سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

سأقدم لكم إن شاء الله سلسلة حديث القرآن عن القرآن لفضيلة الشيخ / د . محمد الراوي

إن شاء الله نستفيد منها ...تابعوني


حديث القرآن عن القرآن (1)


فضيلة الشيخ / د. محمد الراوي

الأول

إن حديث القرآن عن القرآن فيه بيان لهدايته ومقاصده ، ودعوة إلى حسن تدبره والعمل به ، وهو حق يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم .
ومن حديث القرآن عن القرآن ما جاء في قوله تعالى من سورة البقرة .
﴿
الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [ البقرة:1،2] وفي البدء بهـذه الأحرف " الم " إعلام للمخاطبين بأن هذا القرآن الكريم منتظم من جنس ما تنظمون منه كلامكم من الحروف المعهودة للناطقين بهذه اللغة لم يخرج عنها أو يزد عليها . ومن غير المستطاع لإنسٍ أو جنٍّ أن يأتوا بمثل هذا القرآن ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً .
وفي ذلك ما فيه من توجيه القلوب إليه وهي تري تَفَرُّدَهُ ، مع أن الحروف التي انتظم منها هى الأحرف التي يعرفها الناس وينطقون بها .
ولكن رفعة شأنه وبعد مكانته لا تجعل للخلق مطمعاً في الإتيان بمثله أو بسورة من مثله . ولذا جاءت الإشارة إليه بقوله ﴿
ذلك الكتاب ﴾ للدلالة على بعد المشار إليه . فإن ما في الإشارة من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان بعلو مكانته وكونه في الغاية القاصية من الفضل والشرف .
وكذلك القرآن المجيد بعيد في شرفه وعلو مكانته قريب في تبصرته وهدايته .
﴿
ذلك الكتاب ﴾ إشارة دالة على التعظيم .
والكتاب في الأصل مصدر . وقد يراد به المكتوب .
وأصل هذه المادة الدلالة على الجمع ومنه كتيبة الجيش . والكتاب عُرفاً ضم بعض حروف الهجاء إلى بعض . وتسمية القرآن بالكتاب هكذا بالتعريف فيه أيضاً تنويه بمكانته، وأنه الجدير بأن يُخَصَّ بإطلاق هذا الاسم عليه من بين الكتب المنزلة ؛ لأنه المهيمن الحافظ لمقاصدها وهدايتها، الشاهدُ المؤتمن على ما جاء فيها ، وبه ينقطع كل ادّعاءٍ على الكتب المنزلة قبـله، ويبطل كل باطل ينسـب زوراً إليها ﴿
وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ
( سورة المائدة : 48 )
فلا سبيل مع هذا الكتاب لتَقَوُّل على الله أو ادعاء على رسله . ونور الحق الذي جاء به ساطعٌ يبطل كل باطل ﴿
وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ ( سورة فصلت : 41 ، 42 ) وقد حفظه الله وأبقاه .
وفي حفظ الله له مخاطبة للخلق بكلمة الحق التي بعث بها الأنبياء جميعاً وجاء خاتَمُهم صلى الله عليه وسلم ليبلغها للناس أجمعين ﴿
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ ( سورة الأعراف : 158 )
فقد نُزِّل الكتاب المحفوظ بحفظ الله على النبي الأمي خاتم النبيين بلاغاً للعالمين فليس بعد هذا الكتاب كتاب ولا بعد الرسول المنزل عليه رسول . ﴿
تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ﴾ ( سورة الفرقان : 1 )
﴿
ذلك الكتاب لا ريب فيه
فإن قيل قد وجد الريب من كثير من الناس في القرآن ، وقوله ﴿
لا ريب فيه ﴾ ينفي ذلك .
فالجواب أن المنفي كونه متعلَّقاً للريب ومَحلاًّ له . بمعنى أن معه من الأدلة ما لو تأمله المنصف المحق لم يَرْتَب فيه ، ولا اعتبار بريب يكون من مرتاب لم ينظر حق النظر ومعرض لم يرد أن يتدبر .
﴿
هدي للمتقين ﴾ أي رشاد وبيان . وتخصيص الهدى بالمتقين يدعونا إلى وقفة متأنية نرى فيها لماذا خصهم مع أن هداية القرآن عامة شاملة وقد جاءت الهداية مطلقة في قوله تعالى : ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ ﴾ [البقرة: الآية185] فلماذا خَصَّ وعَمَّ وأطلق وقيد ؟ لماذا خَصَّ في موضع وعَمَّ في آخر ؟
إن القرآن من حيث هو نور وهدى للناس أجمعين . ومن حيث الانتفاع به والفوز بهدايته لا يكون إلا لمن اتبعه وأخضع هواه لما جاء به ﴿
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ﴾ [ طه 123 – 127 ]
فتخصيص الهدى بالمتقين لما أنهم المقتبسون من أنواره المنتفعون بهدايته ، وإن كانت هدايته شاملة لكل ناظر من مؤمن أو كافر ولكن لا يظفر بنتائجه إلا من اتبعه واهتدى بهداه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه .
والآثار التي تترتب على التقوى في حياة الناس لا تخفى .
فإن من اتقى كف شرّه عن غيره وقدَّم خيره . وردّته تقواه عن ظلمه لنفسه في الإعراض عن الذكر أو الإساءة لغيره .
وأما في الآخرة فالدار دارهم ونعم دار المتقين ﴿
وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ ﴾ ( سورة النحل : 30 ، 31 )
ومن رحمة الله بالخلق أن جعل للتقوى شرعة ومنهاجا .
ومنهاج المتقين قرآن وسنة . وأهل التقوى في جميع أحوالهم متبعون لا مبتدعون ، يخضعون أنفسهم للحق ولا يتبعون الأهواء . فإن اتباع الهوى جهل وضلال واتباع الهدى هدى ونور ﴿
ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ * هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ ( سورة الجاثية : 18 ـ 20 )
إن موقف الناس من الحق الذي أنزل هو الذي يحدد مصائرهم .
والقرآن الكريم يبين الجزاء ويذكر النتائج ﴿ ل
ِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ﴾ (لأنفال: الآية42) فلا يدع الناس يتيهون دون تحديد للمعالم والصفات ، بل يبين صفات الناجين المفلحين ليتبع الناس سبيلهم، ويذكر صفات الهالكين الخاسرين ليجتنب الناس سبلهم ، ويفيض في ذلك إفاضة بالغة حتى لا تبقى لأحد من الناس حجة أو معذرة .
القرآن هدى للمتقين لأنهم المنتفعون بنوره . فمن هم المتقون الذين خصهم القرآن بهدايته وشملهم الرحمن برحمته ؟
نقرأ في القرآن المجيد تحديداً لصفاتهم وبيانا لأعمالهم .
وإذا تدبرنا آثار هذه الأعمال وتلك الصفات رأيناها أمنا لدنيا الناس وسلاما لحياتهم وتراحما فيما بينهم والراحمون يرحمهم الرحمن ، ومن لا يرحم لا يرحم .
﴿
ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (2) )الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) ﴾ ( سورة البقرة : 2 ـ4 )
هؤلاء هم الذين انتفعوا بهداية القرآن فعَلموا وعمِلوا وبَّروا وصدقوا وآمنوا برسل الله جميعا ولم يفرقوا وأيقنوا بلقاء الله فسارعوا إلى الخيرات وكفوا عن السيئات . أرأيت أخي المسلم أن هداية القرآن رحمة للناس في دنياهم وأخراهم .
فمن اهتدى بالقرآن استقام وأصلح وأفلح ، ومن أعرض عنه ضل وشقي وأفسد وندم على التفريط فيه يوم لا ينفع الندم . وفي القرآن إنذار لهؤلاء وبشرى لأولئك ﴿
إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ [ سورة الإسراء : 9 ، 10 ]




أم عبد الله 07-06-2009 05:50 PM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حديث القرآن عن القرآن (2)فضيلة الشيخ / د.محمد الراوي الثاني
ومن حديث القرآن عن القرآن ما جاء في قوله تعالى من سورة البقرة ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ(24) ﴾ [ سورة البقرة : 23 ، 24 ]
ولعلنا نستحضر ما ذكرناه من قبل من حديث القرآن عن القرآن في قوله تعالى : ﴿
الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [ البقرة:1،2] وقلنا إن المنفي في قوله ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ كون القرآن متعلقاً للريب ومَحلاّ له . فالريب يتعلق بالنفوس لعللٍ فيها أو بشيء ما لأنه محل للشك والريب .
والقرآن الكريم ـ وقد نفي الريب عنه ـ ليس محلا للشك لأنه الحق . وللحق حجته وسلطانه، وللريب علله وأوهامه وظنونه، وهو مُدْحَضٌ بالحق زاهقٌ ذاهب . والكتاب الذي يخاطب العالمين بأنه إنذار من رب العالمين يضيف إلى إعجازه في ذاته إعجازاً في مخاطبة الجاحدين المعاندين ـ في كل زمان ومكان ـ أن يأتوا بسورة من مثله مع حرصهم على إزهاقه وإطفاء نوره بل وتدمير أهله .
وتراهم في كل زمان ـ مع بغيهم وتسلطهم على أهله ـ عاجزين صاغرين أمام بلاغته وعزته وسلطانه .
وتراه ينتصر على النفوس الباغية، وأهله مستضعفون .
وكثيراً ما رأينا القرآن في عزته يُخضِع الأعداء فيؤمنون به، وينفذون أمره ويقومون بحقه .
ومن تدبر تاريخ أمتنا الإسلامية عرف ما للقرآن من أثر وتأثير، وما له من حجة وهدى وسلطان . إن تاريخ هذه الأمة ـ بين مَدٍّ وجَزْرِ ـ يتصل به ولا ينفك عنه .
فهى في مدٍّ حين تقبل عليه وتستنير به وتعتصم به ولا تتفرق .
وهى في جَزْرٍ حين تُشْغَل عنه وتعرض عن ذكره . وهو في منعته وعزته يظل يذكر وينذر ويبشر ويهدي في كل شأن للتي هى أقوم . يظل يوجه نداءه إلى القلوب لتخشى وتخشع، وإلى من شُغِل عنه أن يئوب إليه وأن يتبع هداه حتى لا تتفرق بهم السبل أو ينتهي بهم الإعراض والبعد إلى الضلال وسوء المصير . وهذا التذكير من جانب القرآن يخاطب به من نزل فيهم . وتخاطب به الأجيال من بعدُ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها , وكأنه نزل لساعته ، وحمله جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم لوقته لا يختلف مع اختلاف الزمان ولا يتباين مع تباين الأجيال . ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً .
﴿
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ ﴾ . يخاطب به كل معاند مكابر في أي زمان كما خوطب به الأولون من المكذبين الجاحدين، وهم جميعاً في العجز سواء، وهم جميعا مَدْعُوّون لاتباعه والاهتداء بهداه . ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) ﴾ واتقاء النار يكون بالاعتصام به، والاحتراز من جحوده والإعراض عنه . كأنه قيل: فإذا عجزتم عن الإتيان بمثله ـ كما هو واقع ومقرر ـ فاحترزوا من إنكار كونه منزلا من عند الله سبحانه فإن ذلك يدفعكم إلى الإعراض عنه والصد عن سبيله . ومن أعرض عنه أو كذب بآياته فالنار موعده .
والخطاب على هذا النحو خطاب عزيز واثق لا يهين، ولا يضعف، ولا يأتيه أو يقترب من ساحته باطل .
﴿
وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (37) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) ﴾ [ سورة يونس : 37 ، 38 ]
ذاك حديث القرآن عن القرآن في بيان إعجازه، وتحدى المعاندين الجاحدين في كل زمان أو مكان أن يأتوا بسورة مثله . تراه في بيانه يصدع بالحق، وينطق بالصدق، ويعلن في عزة وثقة أنه تنزيل رب العالمين؛ ليعتصم الناس جميعاً به، ويهتدوا بهداه، ويجدوا أنفسهم في ساحته في أمن وتراحم وتعاون وتآزر وبر وسلام ﴿
فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (80) ﴾ ( سورة الواقعة : 75 ـ 80 )

أم عبد الله 07-06-2009 05:50 PM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حديث القرآن عن القرآن (3) فضيلة الشيخ / د.محمد الراوي
الثالث

ومن حديث القـرآن عن القـرآن ما تضمنه قولـه تعالى في سـورة البقرة ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39)
[ سورة البقرة : 38 ـ 39 ]
والقرآن الكريم قد أنزله الله هدى للناس . وهو بهذا ليس بمعزل عن قوة تحقق وعده ووعيده . إنه الحق من ربك، وللحق نور ونار فمن أبى النور فالنار موعده. وذاك بيان وبلاغ من الله بذكر النتائج والعواقب لمن تبع هدى الله ومن جحد وأعرض ﴿
فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39)
إن في اتباع هدى الله أمن وأمان . أمن لا خوف معه ولا حزن ﴿
فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ والخوف غم يلحق بالإنسان من توقع أمر في المستقبل . والحزن غم يلحقه من فوات أمر في الماضي . والمتبعون هدى الله مبشرون بذلك عندما يفزع الناس و يخافون . وذاك وعد الله لهم ـ ولن يخلف الله وعده ـ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) ) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32) ﴾ [سورة فصلت : 30 ـ 32 ]
ذاك ما يكون لمن اتبع آيات الله فآمن واستقام، وأما من أعرض وكذب وكفر وأصر على كفره وجحوده ـ من بعد ما تبين له الهدى ـ فتلك عاقبته وذاك مصيره ﴿
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) ﴾.
وفي إسناد الآيات إلى نون العظمة في قوله ﴿
وكذبوا بآياتنا ﴾ دلالة لا تغيب على أن هدى الله ليس بمعزل عن قوة تحقق الوعد والوعيد، وأن المعرضين عن هدى الله مؤاخذون، وترى نون العظمة هذه في تنزيل الذكر وحفظه ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [ سورة الحجر : 9 ] وفي مؤاخذة المكذبين بآياته المعرضين عن ذكره ﴿ وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً (11) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً وَجَحِيماً (12) وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً (13) ﴾ [ سورة المزمل : 11 ـ13 ]
ومن عرف أن القوة لله جميعا، وأن الله شديد العذاب أيقن أن حديث القرآن عن وعد الله ووعيده لمن اتبع هدى الله ولمن كذب بآياته سيأتي تأويله وعندئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا .﴿
وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53) ﴾ [ سورة الأعراف : 52 ، 53 ]

أم عبد الله 07-06-2009 05:51 PM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حديث القرآن عن القرآن (4)

فضيلة الشيخ / د.محمد الراوي الرابع


ومن حديث القرآن عن القرآن ما تضمنه قوله تعالى في مواجهة بني إسرائيل أولئك الذين واجهوا الدعوة الإسلامية في المدينة مواجهة نكرة وقاوموها مقاومة خفية وظاهرة ـ ﴿ وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) ﴾ [ سورة البقرة : 41 ]
لقد كان المنتظر أن يكون اليهود في المدينة هم أول من يؤمن بالرسالة، ويؤمن للرسول صلى الله عليه وسلم، والقرآن يصدق ما جاء في التوراة ، وهم يتوقعون رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعندهم أوصافه في البشارات التي تتضمنها التوراة . وهم كانوا يستفتحون على العرب المشركين ﴿
فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89)
إن الله يأمرهم أن يؤمنوا بما أنزل من القرآن لأن الإيمان به إيمان بما معهم والكفر به كفر بما معهم من التوراة، بل بالكتب والرسل جميعا، وهم دعاة إلى دين واحد . وقد أخذ الله عليهم الميثاق أن يؤمن بعضهم ببعض، وأن ينصر بعضهم بعضا، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم :« لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي »
﴿
وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ
إن من الواجب أن يكونوا أول من آمن به لا أول من كفر .
لأنهم أهل النظر في معجزاته، والعلم بشأنه، وقد كانوا من قبل يستفتحون به على الذين كفروا ويبشرون ﴿
وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ أي لا تستبدلوا بآياتي التي في كتابكم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم ثمنا قليلا والدنيا كلـها ثمن قليل .
لقد كان كعب بن الأشرف ورؤساء اليهود وعلماؤهم يصيبون المآكل من سفلتهم وجهالتهم، وكانوا يأخذون منهم في كل سنة شيئا معلوما من زرعهم وثمارهم ونقودهم ، فخافوا أنهم إن بينوا صفة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وتبعوه تفوتهم تلك الفوائد ، فغيروا نعته بالكتابة فكتبوا في التوراة بدل أوصافه أضدادها . وكانوا إذا سئلوا عن أوصافه كتموها ولم يذكروها . وقد أشار القرآن الكريم إلى التعبير بالكتابة بقوله ﴿
وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ وقوله ﴿ وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ ﴾ وأشار إلى الكتمان بقوله ﴿ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ . وقد جمعوا بين الفعلين التغيير والكتمان . وهم يعلمون أنهم ينكرون الحق ويؤثرون الباطل . وقد فصّل القرآن ذلك في مواطن كثيرة .
هذا ما كان من رؤساء اليهود وعلمائهم و « لو آمن بي عشرة من اليهود لآمن بي اليهود* » كما جاء فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم .
ونحن حين نقرأ حديث القرآن عنهم، ونتدبر ما جاء في شأنهم نعرف حقيقتهم، وما يريدون، فما كان اليهود يجهلون بعثة النبي صلى الله عليه وسلم أو يمتارون في معرفته ، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة .
لقد تواترت الأخبار باقتراب زمانه ، وغدا الناس يرقبون مبعثه ، كما يرقب من أظلم عليه الطريق مطلع الفجر وانطواء الليل ليمضي إلى قصده ويصل إلى مأمنه على نور وبصيرة، ولا يلتبس الفجر على من كان ذا بصر و بصيرة ، ولا يختلط إشراق الشمس بظلام الليل، ولا يستوي الهدى والضلال ، كما لا تستوي الظلمات والنور .
إن القوم قد عرفوا ولكنهم جحدوا ، وهدوا ولكنهم استحبوا العمى على الهدى ، وجاءتهم الآيات البينات فضلوا وأضلوا من بعد ما جاءهم البينات .
ولكن لا يخلو زمان من أهل إنصاف و عدل ، فمن اليهود ناس عرفوا فلزموا وهدوا فأسلموا ، وحفظوا ما في التوراة فشهدوا بما علموا ، ووجدوا في الرسول صـلى الله عليه وسلم مصداق ما حفظـوا ﴿
أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا ﴾ [ القصص : 54 ] .
ولقد تناقل الربانيون والأحبار والقسيسون والرهبان ما وجدوه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ، وبُلِّغوه من أنبيائهم وكانوا عليه شهداء .
وظلت البشرى بمبعثه صلى الله عليه وسلم تنتقل من جيل إلى جيل ومن قبيل إلى قبيل، والنبأ العظيم يتردد بين الناس، والزمن يقترب حتى رأينا شابَّاً كسلمان الفارسي يدع ما هو فيه من رغد العيش، ويتنقل من دار إلى دار ، ومن حال إلى حال ، ويلاقي ما يلاقي طلبا للحق الذي دخل زمانه واقترب فجره، وهو يحفظ من الرهبان الذين انتقل بينهم، وعاش معهم، وكان في خدمتهم ، ويحفظ عنهم موطن هجرته صلى الله عليه وسلم وصفات خَلْقِه وخُلُقه، ويحدث حين أسلم بكل ما جرى معه .
فالأمر لم يكن خافيا ، وأكثر الناس عِلماً به هم علماء أهل الكتاب من الربانيين والأحبار والقسيسين والرهبان الذين كانوا يبشرون باقتراب زمانه ويستفتحون . فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم، وأنزل عليه الكتاب أنكر علماؤهم ما عرفوا، وكتموا ما أنزل الله من البينات والهدى ﴿
فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ
ذاك حديث القرآن عنهم، وفيه عبر وعظات لمن اتعظ واعتبر.
وسيظل حديث القرآن عن القرآن، وبيان موقف الناس منه حجة على من كذب وأعرض، وهداية لمن اهتدى وصدّق . مخاطبا بذلك الأجيال كلها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ﴿
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَة ﴾ .

أم عبد الله 07-06-2009 05:52 PM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حديث القرآن عن القرآن (5)
الخامس
ومن حديث القرآن عن القرآن ما تضمنه قوله تعالى ـ بياناً لمن عاداه وكتم ما جاء من عند الله ـ ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ [ سورة البقرة : 89 ]
﴿
وَلَمَّا جَاءَهُمْ ﴾ أي جاء اليهودَ المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم كتاب من عند الله تعالى هو القرآن ﴿ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ ﴾ كذبوا وكانوا من قبل مجيئه يستفتحون بمن أنزل عليه ذلك الكتاب، فلما جاءهم ذلكم النبي الذي عرفوه ويجدونه مكتوباً عندهم في التوراة كفروا به وصدوا عنه . يستفتحون به قبل مجيئه وعند مجيئه يكفرون .
وذلك أنهم كانوا إذا حزبهم أمر ودهمهم عدو يقولون : اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد صفته في التوراة فكانوا ينصرون . وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عادٍ وإرم .
فلما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم تنكروا لما علموا، ونبذ فريق منهم كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ﴿
وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ
( 101)
﴾ [ سورة البقرة : 101]
نبذوا كتابهم الذي كانوا قد قبلوه من قبل، وزعموا تمسكهم به ، نبذوا التوراة لموافقة القرآن لها كأنهم لا يعلمون أنه كتاب الله، ولا يداخلهم فيها شك فيما جاء فيه . ولكنه العناد والكفر والحسد من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق .
وهم بما علموا كانوا أولى الناس بالإيمان به، والدعوة إلى اتباعه ﴿
وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [ سورة المائدة : 41 ]
ومنكر الحق في حاضر كمنكره في ماض لأن الحق من عند الله واحد لا اختلاف فيه، وبه أرسل الله المرسلين، وأمرهم أن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه .
فمن كذب واحداً منهم فقد كذب جميع الرسل، وحق عليه ما حقّ على المكذبين الضالين . إنهم جميعا دعاة إلى دين واحد أقاموه كما أمرهم الله ولم يتفرقوا فيه .
والفرقة بين الخلق في أمر الدين حملتها الأهواء، ولم تكن في رسالة الأنبياء .
وقد يعرف إنسان الحق ولا يستجيب له فحسب . وقد يعلم آخر أنه الحق ثم لا يكتفي بالإعراض عنه بل يعمل على تشكيك الناس فيه، وصدهم عنه، وحملهم على محاربته والكيد له . وعمل اليهود من هذا اللون المفرط المغالي في الكيد والصد والعداوة والإفساد وقد قال الله فيهم : ﴿
وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْرا ﴾ [ سورة المائدة : 64 ] وقال مخاطبا أهل الكتاب من النصارى محذرا لهم من اتباع أهوائهم ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ(77)
[ سورة المائدة : 77 ]
إن وصف الكتاب المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بأنه من عند الله، وأنه مصدق لما معهم فيه ما فيه من إدانة للقوم، وتسجيل لمواقفهم، ودعوة للأجيال من بعد أن تثوب، وأن تزن الأمور بميزان الحق لا بموازين الأهواء . وأن تعلم علم اليقين أن كل إنسان مؤاخذ عند الله بعمله . وأن الحق الذي أنزله الله وحفظه هداية للخلق وحجة عليهم . ولا أضر من إعراضٍ عن الحق من بعد علم به، واتباع للهوى من بعد ما تبين الهدى، وكتمان للحق من بعد عهد وميثاق .
إن الحق الذي جاء به موسى من عبادة الله وعدم الإشراك به هو الذي جاء به خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم وهو الحق من ربهم . فمن كفر بهذا كفر بذاك . ولا بقاء لادّعاء أنهم يؤمنون بما أنزل عليهم لأن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق مصدقا لما معهم . فالكفر بما جاء به كفر بما معهم وهم يعرفون ذلك ﴿
فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ
وسيظل نداء القرآن الكريم يبصر كل جيل، ويحذر من سوء العاقبة والمصير . والكل عائد إلى الله ومحاسب بين يديه، ومن رغب عن الحق حوسب عليه . ولا حجة بعد بيان ولا عذر بعد إعذار وإنذار ﴿
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) ﴾ [ سورة المائدة : 15 ، 16 ]


أم عبد الله 07-06-2009 05:53 PM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حديث القرآن عن القرآن (6)
السادس
ومن حديث القرآن عن القرآن ما تضمنه قوله تعالى في سورة البقرة ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)
[ سورة البقرة : 91]
والآية بما اشتملت عليه تبين أمرين : الأول : ما للقرآن من صفات، وأنه من عند الله، وهو الحق مصدقا لما معهم . الثاني : موقف اليهود المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم .
أما عن القرآن فإن القوم يوقنون أنه من عند الله وهو يتلى عليهم " مصدقا لما معهم " ،
﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ﴾ ويعرفون الرسول صلى الله عليه وسلم بصفاته وأخلاقه كما يعرفون أبناءهم، وهم يجدونه مكتوبا فيما معهم . ومن أجل ذلك كانوا أولى الناس بتصديقه ومناصرته والدعوة إلى الإيمان به وفاء لكتابهم وتصديقا لنبيهم وتكريما لأنفسهم ﴿ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ ﴾ .
إن إعراض هؤلاء عن الحق، وجحودهم به لا يرجع إلى خفاء أدلته أو التباس في حقيقته، وحاشا أن تخفى دلائل الحق أو يلتبس نوره، ولكن إعراضهم يرجع إلى علل في نفوسهم لا عن جهل بحقيقته .
إن كفرهم بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم كان مبنيا على الحسد أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده .
﴿ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ [ سورة البقرة :90 ]
وهذا الحسد لم يقف بهم عند النكران والجحود فحسب، وإنما دعاهم إلى محاولة رد المسلمين عن دينهم وتشكيكهم فيه ، كما أغراهم بالطغيان والبغي لما رأوا ثباتهم عليه وتمسكهم به
﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقّ ﴾ [ سورة البقرة : 109 ]
﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْرا
فلم يبق لهم وقد كفروا بالحق لما جاءهم ـ إيمان بحق . بل قادهم الهوى إلى جحود ما معهم، وساقهم أن يكتبوا بأيديهم ما يكتبون وينسبوا إلى الله ما يكتبون .
﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ﴾ ( سورة البقرة : 79 )
ونسوا أن الله الذي فضلهم من قبل وآتاهم الكتاب والحكم والنبوة ورزقهم من الطيبات قد أمرهم أن يكونوا أوفياء للعهد أمناء ، وألا يتنكروا لما فضلهم الله به ويرون عزهم في غير ما أعزهم الله به من شرف النبوة والكتاب ، فإن من اعتز بغير ما أعزه الله به أذله الله .
إن الوفاء لرسالة الأنبياء والقيام بحقها ـ كما أمر الله ـ أصل في تكريم الإنسان وإعزازه . والرسل جميعا ما جاءوا إلا بالحق . وبالحق تكون القيم ويعرف الفضل . والحق من عند الله فمن جحده فقد كفر بنعمه . ومن فرق بين من أرسلهم الله بدين واحد، وقال: نؤمن ببعض ونكفر ببعض لم يبق له إيمان بأحدٍ من رسل الله .
إن منشأ كل فُرقة وفساد في نكران الحق بعد بيانه، والإيمان ببعض الرسل دون بعض، والإيمان ببعض الكتب والكفر ببعض بدافع الأهواء لا بسندٍ من حجة أو برهان , فإن ذلك يفقد الإنسان العدل في شئونه كلها . ويبعده عن الإنصاف في القول والعمل . كما يفقد الاعتدال في مواجهة سراء الحياة وضرائها، ويوقعه في مرج واضطراب لا يسلم من عواقبه إلا بالعود إلى الحق، والفرار إليه وإخضاع الهوى له، وانشراح الصدر به .
وسيظل نداء القرآن لأهل الكتاب بل للناس جميعا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، سيظل ـ في عزته ـ يذكر ويبصر، ويدعو إلى الحق، ويهدي للتي هى أقوم، وهو يسوق العبر والعظات، ويدعو إلى كلمة سواء يقام بها العدل، وينصف الحق، ويشيع البر، ويُدفع الفساد والظلم والشر، وهذا نداؤه لأهل الكتاب بل للناس جميعا
﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ ( سورة آل عمران : 64 )
﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ ( سورة الأعراف : 158 )
ذاك هو النداء الذي يبصر الناس بما جاء به الأنبياء . وبالاستجابة له يصان الأمن ويقام السلم وتحفظ الحياة . ويتحقق في الناس ما وصى به الأنبياء ( أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه )
﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت:69)

أم عبد الله 07-06-2009 05:53 PM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حديث القرآن عن القرآن (7)
السابع
ومن حديث القرآن عن القرآن ما تضمنه قوله تعالى في سورة البقرة ﴿ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ * وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ ﴾ ( سورة البقرة : 97 ـ 99 )
وسواء كان سبب نزول هذه الآيات مناظرة جرت بين اليهود ورسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر نبوته، أو بينهم وبين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فإن في الآيات بيانا لأمور يجب أن نتدبرها، وأن ندرك منها هداية القرآن ومقاصده، وأن نعتصم به في كل شأن . من ذلك موقف اليهود من رسل الله بعامة ومن الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم بخاصة . ومن المعلوم أن عداوة رسول من رسل الله هى عداوة لله وللرسل جميعا ـ ولا إيمان مع التفرقة بينهم أو تعمد الإساءة لأحد منهم ﴿
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ ( سورة النساء : 150 ، 151 )
وكذلك كان اليهود ولا يزالون يرون أنفسهم ولا يرون غيرهم، ويكفرون بما أنزل الله مصدقا لما معهم بغيا منهم وحسدا من عند أنفسهم .
لقد سمعوا أن جبريل ينزل بالوحي من عند الله على رسوله صلى الله عليه وسلم فزعموا أن جبريل عدوهم لأنه ينزل بالهلاك والدمار والعذاب . وأن هذا هو الذي يمنعهم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولو كان الذي ينزل إليه بالوحي هو ميكائيل لآمنوا . فميكائيل يتنزل بالرخاء والمطر، وهو ملك الرحمة ، وجبريل عندهم هو ملك العذاب ، هكذا يزعمون .
وهم يعلمون أن الله لم يبعث نبيا قط إلا وجبريل عليه السلام وليُّه . وجبريل عليه السلام لم يكن بشرا يعمل معهم أو ضدهم، ولم يكن يتنزل إلا بأمر ربه﴿
وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً
( سورة مريم : 64 ) .
﴿
قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ
ولكن القوم ـ وهم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ـ ينكرون ما يعرفون، ولا يرون الفضل إلا لهم والنبوة إلا فيهم ، ولو كان ما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم . ذكر عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ فيما روي عنه قال : كنت أشهد اليهود يوم مدارسهم، فأعجب من التوراة كيف تصدق القرآن ومن القرآن كيف يصدق التوراة ، فينما أنا عندهم ذات يوم قالوا : يا ابن الخطاب ما من أصحابك أحدٌ أحب إلينا منك . قلت : ولم ذلك ؟ قالوا : لأنك تغشانا وتأتينا . فقلت : إني آتيكم فأعجب من القرآن كيف يصدق التوراة ومن التوراة كيف تصدق الإنجيل . ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا ابن الخطاب ذاك صاحبكم فالحق به . قال : فقلت لهم عند ذلك: نشدتكم بالله الذي لا إله إلا هو وما استرعاكم من حقه وما استودعكم من كتاب هل تعلمون أنه رسول الله ؟ قال : فسكتوا . فقال لهم عالمهم وكبيرهم : إنه قد غلظ عليكم فأجيبوه .
قالوا : فأنت عالمنا وكبيرنا فأجبه أنت .
قال : أما إذ نشدتنا بما نشدتنا فإنا نعلم أنه رسول الله .
قلت: ويحكم إذاً هلكتم . قالوا : إنا لم نهلك . قلت : كيف ذلك وأنتم تعلمون أنه رسول الله ولا تتبعونه ولا تصدقونه ؟
قالوا : إن لنا عدوًّا من الملائكة وسلْمًا من الملائكة ، وإنه قرن بنبوته عدونا من الملائكة . قلت : ومن عدوكم ومن سلمكم ؟
قالوا : عدونا جبريل ، وسلمنا ميكائيل . قالوا: إن جبريل ملك الفظاظة والغلظة والإعسار والتشديد والعذاب ونحو هذا ، وإن ميكائيل ملك الرحمة والرأفة والتخفيف ونحو هذا . قال : قلت : وما منزلتهما عند ربهما ؟
قالوا : أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره . قال : فقلت فوالله الذي لا إله إلا هو إنهما والذي بينهما لعدو لمن عاداهما، وسلم لمن سالمهما/ وما يبنغي لجبرائيل أن يسالم عدو ميكائيل، وما ينبغي لميكائيل أن يسالم عدوَّ جبرائيل. قال : ثم قمت فاتبعت النبي صلى الله عليه وسلم فلحقته وهو خارج من خوخة لبني فلان .
فقال : يا ابن الخطاب ألا أقرئك آيات نزلن قبل , فقرأ علىّ ﴿
قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ حتى قرأ الآيات : قال : قلت بأبي وأمي أنت يا رسول الله والذي بعثك بالحق لقد جئت وأنا أريد أن أخبرك وأنا أسمع اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر . (*)
ذاك ما كان فلنتدبر ما أنزل من القرآن، ولنعرف مقاصده، ولنتبع هدايته . وفي حديث القرآن عن القرآن بيان لهدايته ومقاصده، ودعوة إلى حسن تدبره والاعتصام به، وهو حق يهدي إلى حق وإلى طريق مستقيم .
ومنه نعلم أن اليهود لا يكونون إلا حيث تهوى نفوسهم، لا حيث يأمر ربهم. هكذا كانوا مع الرسل ومع خاتمهم صلى الله عليه وسلم إلا من رحم الله منهم ﴿
أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ
( سورة البقرة : 87 )
إن من اتخذ إلهه هواه يأتي بما يفضح ويُخجل ولا يستحي من قول أو فعل . إن النتيجة الحتمية لقول هؤلاء أنهم لا يؤمنون بأحدٍ من الرسل ، لأنهم جميعا قد جاءهم الروح الأمين بأمر من رب العالمين، فلم يبق لمن عاداه صلة بدين أو إيمانٌ برسول .

(*) جامع البيان لابن جرير الطبري

أم عبد الله 07-06-2009 05:54 PM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
يتبـــــــــــع بإذن الله .....

أم عبد الله 08-06-2009 02:40 AM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حديث القرآن عن القرآن (8) طريق القرآن الثامن
ومع حديث القرآن عن القرآن في قوله تعالى ﴿ قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين (97)
ومن قبل وقفنا معا عند هذه الآية , وعرفنا ما كان من اليهود من مفارقتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن وليَّه جبريل عليه السلام، وقولهم لو أن وليه سواه من الملائكة تابعناه وصدقناه .
وقلنا إن من اتخذ إلهه هواه يأتي بما يفضح ويخجل من قول أوفعل . واليهود الذين ناظرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يقولون إن جبريل عدوّنا وهو وليّك فلا نتبعك , يأتون بما يسجل عليهم الكفر والفسوق ويحرمهم من الهداية والتوفيق .
لقد حرموا الهداية والتوفيق بجحودهم الحق وكراهيتهم له .
والقرآن الكريم هدى وبشرى للمؤمنين , وهؤلاء بما قالوا وفعلوا لم يكونوا أمناء فيما اؤتمنوا عليه . ولا إيمان لمن لا أمانة له . ومن فقد الإيمان فلا بشرى له . ومن أضله الله على علم، وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله ؟
إن القرآن الكريم هدى وبشرى للقلوب التي تتفتح للحق وتستجيب له ، لا لمن ختم الله على قلبه وسمعه ، القرآن هدى للمتقين ، وهدى لقوم يؤمنون ، وهدى لقوم يوقنون ، وشفاء ورحمة للمؤمنين ، وبنو إسرائيل بما صنعوا لم يكونوا يؤمنون أو يتقون أو يوقنون .
وعلة العلل فيهم أن جحودهم ناشئ عن حقد وحسد لا عن جهل بما جاء من الحق . ولا شيء أضر بحياة الناس من جحود الحق والإساءة إلى أهله مع وضوح الآيات وتكرار البينات وتوافر أسباب اليقين من كتاب يصدق كتابا ، ورسول يصدق رسولاً . ﴿
ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون (99) أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريقا منهم بل أكثرهم لا يؤمنون (100) ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون (101) ﴾ ( سورة البقرة : 99 ـ101 )
إن جحود الحق مع بيانه إيثار للباطل ، ومن آثر الباطل دُمِّر به وزهق معه . فما بالك بمن صد عن الحق وعادى أهله .
والقرآن حق وله نوره وتلك بشراه ، وله ناره وذاك إنذاره ﴿
إن هذا القرآن يهدي للتي هى أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا (9) وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما (10) ﴾ ( سورة الإسراء : 9 ، 10 ) تلك بشراه لمن آمن واتبع، وذاك إنذاره لمن كذب وأعرض، وهو بهذا يكون هدى للناس أجمعين . ولا عذر لأحد من بعد ما تبين له الهدى ﴿ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا (115) ﴾ ( سورة النساء : 115 )
ذاك حديث القرآن عن القرآن في بيان حقيقته وآثاره . إنه من عند الله بلاغا للناس أجمعين ونذيرا للعالمين، يهدي للتي هى أقوم وينذر ويبشر . يبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم . وفي بشراه لهم حث للناس أن يتبعوا سبيلهم . وفي إنذاره تحذير للناس أن يتبعوا غير سبيل المؤمنين، ومن يتبع غير سبيل المؤمنين يوله الله ما تولى ويصله جهنم وساءت مصيرا .
وفي جميع ذلك لا ترى فيه إلا الحق ولا تسمع إلا الصدق، ولا تجد تناقضا بين الخبر والواقع، أو اختلافا بين ما يخبر عنه وما يدعو إليه ﴿
ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ﴾ ﴿ وإنه لكتاب عزيز (41) لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد (42) ﴾ ( سورة فصلت : 41 ، 42 )



أم عبد الله 08-06-2009 02:40 AM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حديث القرآن عن القرآن (9) التاسع
ومن حديث القرآن عن القرآن ما جاء في قوله تعالى في سورة البقرة من دعاء إبراهيم عليه السلام : ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ ( سورة البقرة : 129 )
وقد استجاب الله دعاء إبراهيم عليه السلام فبعث فيهم رسولاً منهم . بعثه برسالة عامة إلى العرب والناس أجمعين، وجعل معجزته هذا القرآن الذي تتلى آياته ولا تنقضي عجائبه، ولا يَخْلَق من كثرة الرد . وقد حفظه الله ليتلى على الناس في كل زمان ومكان؛ تُبلّغ به رسالته ويعرف هديه .
﴿
يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ
والمراد القرآن، فهو آيات الله المنزلة على نبيه صلى الله عليه وسلم المتعبد بتلاوته المتحدى بأقصر سورة منه .
لقد استجاب الله دعاءَ إبراهيم وكانت الاستجابة هي بعثة هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، بعثة رسول من ذرية إبراهيم وإسماعيل يتلو عليهم آياته، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويطهرهم من الأرجاس والأدناس، فكانت الأمة الإسلامية بهذه الاستجابة هي الوارثة لإمامة إبراهيم الداعية إلى ما دعا إليه جميع المرسلين، وهم جميعا دعاة إلى دين واحد هو الإسلام الذي فطر الخلق عليه، وأرسل جميع الرسل دعاة إليه ﴿
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ ( سورة الأنبياء : 25 )
وهذا الكتاب الذي يتلى على الناس شاهد حق بما بعثوا به، وما دعوا إليه، وهو محفوظ بحفظ الله، عزيز بعزته، لا تهزم حجته، ولا يطفأ نوره، ولا تخفى دلالته، به أخرج الله الناس من الظلمات إلى النور، وعلّم الناس ما لم يكونوا يعلمون، وبه قد حفظت كلمة الحق، وعُرف ميزان العدل، وتحددت قيم الأشياء، وعلت قيمة الإنسان حين انتسب إليه وشرف به واستجاب لندائه, علت قيمة الإنسان وتعلو كلما أخذ نفسه بكلمة الحق التي جاء بها القرآن، فلم يخضع لنزعة جنس أو لون، ولم يستجب لدافع هوى أو إغراء منفعة . نعم .. تعلو قيمة الإنسان حين ينصر الحق ـ والحق من ربك ـ وبه يرفع الله أقواما ويضع آخرين . تعلو قيمة الإنسان حين ينصر الحق دون نظر لقريب أو بعيد أو عدو أو صديق، فيغدو بالحق صاحب رسالة، وإنسان مبدأ وعقيدة، ينصر المظلوم ولو كان من غير جنسه، ويأخذ على يد الظالم ولو كان من أهله وذوي قرابته، يقوم بالقسط ويأمر بالعدل ولو على نفسه .
وهذا ما تنطق به الآيات التي تتلى، والتي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بتلاوتها ﴿
يتلو عليهم آياتك ﴾. ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92) ﴾ ( سورة النمل : 91 ، 92 )
وسيظل القرآن الكريم يتلى وينذر، ويهدي للتي هى أقوم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وستكون العزة لمن آمن وعمل بمقتضاه، ولن يضل من استمسك به واهتدى بهداه . ومن رحمة الله بالخلق أن جعل لهم أسوة في رسول منهم يرون فيه القرآن قولا وعملا، ويشاهدونه في حياتهم بيانا وخلقا . ولا فصل بين بيان ومبين ، لا فصل بين قرآن وسنة ، فالأخذ بالسنة الصحيحة عمل بالقرآن، والعمل بالقرآن يقتضي حسن الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بين بقوله وفعله وإقراره ما نزل إليه من ربه .
وقد كان دعاء إبراهيم جامعاً إذ دعا ربّه فاستجاب له ﴿
رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ فتلا الرسول الآيات، وعلّم الكتاب وبيّن وبصّر وربّى وطهّر . وقد كان خلقه القرآن يرضى برضاه ويسخط بسخطه .

أم عبد الله 08-06-2009 02:42 AM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حديث القرآن عن القرآن (10)

العاشر
ومن حديث القرآن عن القرآن ما جاء في قوله تعالى في سورة البقرة : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ ( سورة البقرة : 185 )
حديث عن الزمان الذي أنزل فيه وعن هدايته ومقاصده .
وفي الحديث عن الزمن تشريف لشهر رمضان وتعظيم، إذ اختص من بين الشهور بإنزال القرآن فيه ﴿
شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾ .
والشهر فيه قولان لأهل اللغة أشهرهما أنه اسم لمدة الزمان الذي يكون مبدؤها الهلال ظاهراً إلى أن يستتر، وسمي بذلك لشهرته في حاجة الناس إليه في العبادات والمعاملات وغيرها . الثاني : اسم للهلال نفسه .
ورمضان علم لهذا الشهر المخصوص، وقد قيل في تسميته برمضان لأنه وافق مجيئه في الرمضاء وهى شدة الحر فسمى به، وقيل لأنه يَرْمَضُ الذنوب أي يحرقها ويمحوها، وأما القرآن فهو في الأصل مصدر قرأت ثم صار علما لما بين الدفتين . وقد نزل جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا، وكان ذلك في شهر رمضان في ليلة القدر منه، كما قال الله عز وجل ﴿
إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ﴾ ( سورة الدخان :3 ) وقال : ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ ( سورة القدر : 1 )
ثم نزل بعده مفرقا بحسب الوقائع على رسول الله صلى الله عليه وسلم . هكذا روى من غير وجه عن ابن عباس رضي الله عنهما .
وقوله ﴿
هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ
حديث عن هداية القرآن وما يحققه في حياة الناس . لقد أنزله الله هدي لقلوب العباد ممن آمن به وصدقه وأحسن اتباعه .
﴿
هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ ﴾ أي دلائل واضحات، وحججا جلية لمن فهمها وتدبرها، دالة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي للضلال، والرشد المخالف للغي، ومفرقا بين الحق والباطل والحلال والحرام .
وما من شأن من شؤون الخلق إلا وللقرآن فيه إرشاد وبيان وتبصرة وذكرى . ويخطئ من يظن أن هداية القرآن عرضٌ يأبونها، أو يعرضون عنها، فيُتركون دون حساب وجزاء .
يخطئ من يظن أن القرآن ـ وهو الحق من ربهم ـ يُعرض عنه مَن يعرض، فلا يؤاخذ بذنب أو يحاسب على إعراض وترك . إنه الهدى والحق . وللهدى والحق نور ونار، فمن أبى النور فالنار موعده .
إن الكارهين للحق مأخذون به، والمعرضون عنه ماكثون في ناره ﴿
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ {74} لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ {75} وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ {76} وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ {77} لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ {78} ﴾ ( سورة الزخرف 74 ـ 78 )
إن القرآن الكريم ـ وهو يهدي في كل شأن للتي هى أقوم ـ به تتحدد مصائر الناس، وتتميز صفوفهم، فمن اتبع هداه اهتدى ونجا، ومن أعرض عنه ضل وخسر . وسيظل يدعو الناس إلى اتباعه ما بقيت الحياة، ثم هو ـ يوم القيامة ـ شافع شاهد، تسأل كل آية فيه عن فريضتها . ومن تدبر عرف النتائج، ومن استبصر أدرك العواقب ، ومن أبى النور والهداية في يومه ندم على ما فرط في غده ، كما قال أبو الدرداء رضي الله عنه « أخاف أن يقال لي يوم القيامة علمتَ أم جهلت َ ؟ فأقول علمتُ . فلا تبقى آية في كتاب الله آمرة أو زاجرة إلا وتسألني فريضتها . تسألني الآمرة هل ائتمرت ؟ وتسألني الزاجرة هل ازدجرت ؟ فأعوذ بالله من علم لا ينفع ومن دعاء لا يسمع » .
اللهم ارحمنا بالقرآن واجعله لنا إماما ونورا وهدى ورحمة واجعله لنا حجة يا رب العالمين .



أم عبد الله 08-06-2009 02:43 AM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حديث القرآن عن القرآن (11)

الحادي عشر ومن حديث القرآن عن القرآن ما جاء في قوله تعالى : ﴿
تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ ( سورة البقرة : 252 )
والإشارة في قوله ﴿
تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ ﴾ إلى قصة أولئك الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم، وقصة طالوت وجالوت وما وقع فيها من عبر وعظات، وبيان سنة الله في دفعه النّاس بعضهم ببعض، ونصر من يستحق النصر وإن قل عدده، وخذلان من يستحق الخذلان وإن كثر جنده، وكل ذلك بإذن الله وفضله ﴿ وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252) ﴾ ( سورة البقرة : 250 ـ 252 )

﴿
نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ﴾ أي باليقين الثابت الذي لا يعتريه شك ﴿ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ بحيث تخبر بهذا القصص من غير أن تعرفه بقراءة كتب ولا استماع أخبار، فدّل ذلك على رسالتك ﴿ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ أي بشهادة إخبارك عن الأمم من غير مطالعة كتاب أو اجتماع يخبرك بذلك .
ولا أدل على رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم من هذا القرآن الحكيم : ﴿
وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴾ ( العنكبوت : 48 ) والمناسبة بين قوله ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ﴾ وقوله ﴿ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ بينة واضحة . فإن الآيات دالة على صدقه، وأنه مرسل من ربه.
ومثله ما جاء في قوله تعالى : ﴿
يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(4) ﴾ ( سورة يس : 1ـ4 )
فإن المقسم به ﴿
وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ﴾ دليل على صدق المقسم عليه، كافٍ في الدلالة على نبوته، وأنه مرسل من ربه ﴿ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ ( العنكبوت : 51 ) ووصف القرآن بالحكيم في القسم على رسالة مَنْ أُرسِل ليعلِّم الناس الكتاب والحكمة فيه اتساق بين المقسم به والمقسم عليه .
إن هذا الكتاب الذي نزل بالحق يشهد بنفسه على نفسه بأنه خطاب رب العالمين للناس أجمعين، ويتحدى الجن والإنس أن يأتوا بمثله أو بسورة منه، ويقطع بأنهم لن يأتوا بمثله وإن اجتمعوا ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا؛ لأنه من عند الله الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت . وما كان من عند الله فهو الحق بلا شك أو امتراء . ﴿
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
وهذه الحقيقة تحدد لطالب الحق مصدر المعرفة والتمسك بما هو حق، وبالحق يعرف الباطل لأنه ضده، وبه لا بغيره يكون الإصلاح ﴿
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ﴾ ( المؤمنون : 71 )
والناس مأمورون بأن يصلحوا في الأرض ولا يفسدوا، منهيون عن الإفساد في الأرض بعد إصلاحها . فلا بد من منهج وشرعة تُتّبع، يكون مصدرها الحق لا الهوى، والله هو الحق وقوله الحق، وقد أنزل الكتاب بالحق .
فإذا أراد الناس صلاحا لدنياهم وفلاحا في أخراهم فلا سبيل لذلك إلا باتباع ما نزل من الحق
﴿
تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ﴾ .
وهذا ما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعمل به، وأن يبلغه الناس ﴿
ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ( سورة الجاثية : 18 )
﴿
فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15) ﴾ ( سورة الشورى : 15 )
وسيظل القرآن الكريم في ثباته وعزته ـ وهو الحق ـ يدعو إلى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وهو حق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يطفأ نوره ولا يتوقف مده . وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم وعن الكتاب المنزل عليه في آية واحدة بلا تفرقة تبصرة وذكرى للمؤمنين ﴿
تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252)

أم عبد الله 08-06-2009 02:45 AM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حديث القرآن عن القرآن (12)

الثاني عشر ومن حديث القرآن عن القرآن ما جاء في قوله تعالى في سورة آل عمران : ﴿
; الم (1) اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4) إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ (5) )هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ 6) ﴾ ( سورة آل عمران : 1ـ 6 )
آيات فيها بيان عمن نزل الكتاب، ومن نزل عليه، وعن وصف هذا الكتاب، وما يهدي إليه . فالمنزِّل هو الله لا إله إلا هو الحي القيوم، ولكل صفة من هذه الصفات دلالتها في الأخذ بما جاء في هذا الكتاب، والاعتصام به، وحسن اتباعه، ولها دلالتها كذلك في الجزاء، جزاء من صدق وآمن، ومن كذب وأعرض
﴿
; لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31) ﴾ النجم 31 والله لا يخفى عليه شئ من أمر هؤلاء وأولئك ﴿ ; إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ ﴾ وفي قوله ﴿ ; نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ﴾ بيان للمنزَّل عليه وهو الرسول صلى الله عليه وسلم. وفي هذا القول ما فيه من إشادة بالكتاب، وأنه الجدير بهذا الوصف دون سواه، ومن تكريم لمَنْ نزّل عليه بتوجيه الخطاب إليه
﴿
; نَزَّلَ عَلَيْكَ ﴾ ، ومن بيان لمكانة المنزل، وحقيقته، وأنه منزل بالحق، فهو حق في ذاته وفيما يدعو إليه ، فليس للباطل إليه سبيل، فهو مصون بحفظ الله في الأرض وفي السماء ﴿ ; قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ﴾( سورة النحل : 102) ﴿ ; وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ ( الإسراء : 105)
﴿
; نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ﴾ بيان لحقيقة هذا الكتاب، ومن نزله، ومن نزل عليه.
وقد سُبق بقوله ﴿
; اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ ولا شئ أدعى للتمسك بالكتاب المنزل من معرفة هذه الحقيقة ﴿ ; اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ﴾ . إنها تحقق في نفس المتدبر المهابة والخشية، وحسن الإقبال عليه والاعتصام به . ومن عرف أن كتابا يأتيه من عظيم له شأن، أحسن استقباله وعمل بمقتضاه ـ ولله المثل الأعلى ـ والكتاب ـ الذي يُدعى الناس جميعا إلى الاستمساك به، وحسن اتباعه، وعدم الإعراض عنه ـ من الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، والرسول رسوله . وفي الكتاب دلالة على هذه الحقيقة لا تخفى . وفي الرسول كذلك وهو الأسوة والقدوة في بيان هذه الحقيقة . والله شاهد له وكفى بالله شهيدا . وأقوى الدلالات ما يجده الإنسان في نفسه وهو يتلو كتاب ربه، يجد هذه الخاصية الفريدة التي لا توجد إلا في هذا الكتاب ﴿ ; اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23) ﴾ ( الزمر 23 ) . خصوصية دالة على أنه من الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم . وجدير به وتلك نسبته أن يكون كذلك في تأثيره، وفيما يخبر به أو يدعو إليه .
﴿
; اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ﴾ إن حديث القرآن عن القرآن في هذا المقام بما اشتمل عليه يدعو إلى عبادة الله، وعدم الإشراك به، وحسن التوكل عليه .
فإن هذا الكتاب منزل من الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، فهو المتفرد بصفة الألوهية، وهو الحي الذي يتوكل عليه، ولا يتوكل على غيره . فإن الإنس والجن يموتون والله حي لا يموت ﴿
; وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ ﴾ وهو القيوم الذي تقوم به كلّ حياة، وبه يقوم كلّ وجود، فلا قيام لحياة في هذا الكون ولا وجود له إلا به سبحانه . إن هذه الصفات وهى تذكر في الحديث عن القرآن تهيئ النفس لاستقبال ما يتلى، وتثير الخشية، وتدعو إلى صدق الإخلاص وحسن التقبل . لأن الذي نزل القرآن يستحق أن يُعْبَدَ، وأن يطاع ويتقى ، وهو أحق أن يُخشى . ومنهج عبادته وتقواه ما نُزِّل في هذا الكتاب على رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد كان خلقه القرآن، فمن رام صلاحاً وفلاحاً في عاجله وآجله فعليه أن يتبع هذا المنهج في صدق وإخلاص واقتداء وحسن اتباع ﴿ ; وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)﴾ ( سورة الأنعام : 153 )


أم عبد الله 08-06-2009 02:45 AM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حديث القرآن عن القرآن (13)

الثالث عشر ومن حديث القرآن عن القرآن ما جاء في قوله تعالى في سورة آل عمران :
﴿
الم (1) اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ ﴾ (سورة آل عمران : 2 ـ3 )
وقد تحدثنا عن هذه الآيات من قبل، وقلنا إنها حديث عمن نزّل الكتاب، ومن نُزّل عليه، وعن وصف هذا الكتاب، وما يدعو إليه . وفي ذلك ما يثير الخشية، ويدعو إلى صدق الإخلاص وحسن التقبل؛ لأن الذي نزل الكتاب هو الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، كما أنه نزل التوراة والإنجيل من قبل . وهذا الكتاب الذي نزله الله عليك بالحق ﴿
مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ من التوراة والإنجيل، وكلها تستهدف غاية واحدة ﴿ هُدىً لِلنَّاسِ ﴾ وهذا الكتاب ﴿فرقان﴾ بين الحق الذي تضمنته الكتب المنزلة، والانحرافات والشبهات التي لحقت بها بفعل الأهواء والشهوات .
فلا وجه للتكذيب أو الإعراض من أهل الكتاب، والقرآن مصدق لما بين يديه من الكتاب، وقد نزّله من أرسل الرسل، وأنزل الكتاب الله لا إله إلا هو الحي القيوم . وفي قوله ﴿
مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ دلالة على هيمنته ومكانته، وأنه الشاهد على ما جاء فيها، المؤتمن على حقيقتها، ودفع الشبه عنها ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ﴾ ( المائدة48 ) فلم يبق بعد نزوله سبيل لادعاء على رسل الله أو تقول عليهم . وهذا الكتاب فرقان واضح مبين، يفرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام، والظلمات والنور . ﴿ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ ﴾ وتلك مهمة الكتاب المهيمن والرسول الخاتَم . مهمة الكتاب بيان ما كان عليه الرسل جميعا، وأنهم بعثوا بدين واحد هو الإسلام ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ ( آل عمران 85 )
ومهمة الرسول الخاتم أن يبلغ ما أنزل إليه من ربه، وأن يخاطب الناس جميعا في يقين وثقة ﴿
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) ﴾ ( سورة الأعراف : 158 )
فمن أبي إلا الإعراض والجحود من أهل الكتاب، أو من غيرهم فهذا هو الوعيد
﴿
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4)
( آل عمران : 4 )
وفي صدد الوعيد بالعذاب الشديد، يؤكد لهم علم الله الذي لا يندّ عنه شئ، فلا خفاء عليه ولا إفلات منه ﴿
إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ ﴾ ( سورة آل عمران : 5 )
فلا يمكن ستر النوايا عليه، ولا إخفاء الكيد عنه، ولا يمكن كذلك التفلت من الجزاء والتهرب منه ﴿
يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ﴾ ( سورة النور : 25 )
وفي ذلك بلاغ للناس جميعا ليعرفوا حقيقة الرسالة والرسول، وليتقوا الله في أنفسهم، وفيما ينسبونه إلى الأنبياء، فإن حفظ « الفرقان والذكر» حفظ للرسالة وفي هيمنته صون للأمانة التي بعث بها الرسل، وصدقوا جميعاً في تبليغها، والتمسك بها، وفي « حفظ الذكر »شهادة على أولئك الذين يريدون أن يفرقوا بين الله ورسله، ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض .
﴿
آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ﴾ ( سورة البقرة : 285 )
ذاك هو الإيمان الذي يدعو إليه هذا الكتاب، والذي دعا إليه الرسل جميعاً . والكل مسئول عما بُلِّغ به وما دُعي إليه ﴿
فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (7) ﴾ ( سورة الأعراف : 6 ـ7 )
وذاك ما يوحي به حديث القرآن عن القرآن في هذه الآيات ﴿
الم (1) اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4) إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ (5)

أم عبد الله 08-06-2009 02:46 AM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حديث القرآن عن القرآن (14)

14
ومن حديث القرآن عن القرآن ما جاء في قوله تعالى في سورة آل عمران : ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [آل عمران:7].
﴿
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ﴾ حديث عن القرآن، وعمن أنزله، ومن أنزل عليه . والضمير في قوله [هو] يعود إلى الله عز وجل، وقد ذُكِرَ من قبل في آيات. وقد جاء الضمير في قوله ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ﴾ بعد هذه الآيات ليُعلم أنّ من أنزله تلك صفاته فهو الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ، وهو عزيز ذو انتقام ، ولا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء . وهو ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:6]
فقوله بعد ذلك ﴿
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ﴾ فيه بيان لمنزلة الكتاب ومكانته ببيان من أنزله، وفيه تشريف وتكريم لمن نُزِّل عليه .
فالمنزِّل هو الله وقد عرفت صفاته وشوهدت آياته .
والمنَزَّلُ عليه رسول من الله فهو جدير بأن يطاع وأن يتّبع، فإن طاعته طاعةٌ لله الذي أرسله ﴿
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء:80]. ولا نجاة إلا بصدق الإخلاص لله واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم .
والكتاب في قوله ﴿
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ﴾ هو القرآن فإنه الجدير بهذا الوصف على الإطلاق دون سواه . وقد حفظ بحفظ الله ليبقى منهج الهداية محفوظا للأجيال كلها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وبه حفظت الرسالة وختمت وعرفت الحقيقة ـ كما جاءت من عند الله ـ مع جميع الأنبياء . حفظ الكتاب المهيمن فحفظت الهداية لجميع الخلق . وإذا عرف الناس مصدر الهداية ومنهجها وحفظ الله الذكر وبيانه هدى للناس إلى يوم الدين فلا عذر لمخالف ولا حجة لمعرض بعد إعذار وإنذار ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [آل عمران:4] وتقرير الجزاء ـ كما جاء في هذا الكتاب ـ لمن أحسن أو أساء فيه دلالة على أن الحق الذي أنزل وحفظ بحفظ الله لا يمكن أن يهزم أو يضيع، ومن تدبر العواقب أيقن يقيناً لا شك فيه أن الحق لا يمكن أن يهزم أبدا . والأمور بعواقبها . والعاقبة نصر للحق ودمار لمخالفيه، وتكريم للعاملين به وهلاك للكارهين ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾ .
وإذا تدبرنا ﴿
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ﴾ دعانا ذلك إلى الاعتصام بالكتاب والتمسك بالسنة . ذلك أن الله هو الذي أنزل الكتاب، وخاطب به رسوله رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ﴾ فالمنزل عليه رسول مصطفي من الله يجب أن يطاع، وطاعته طاعة لله ومعصيته معصية لله ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63] وقد جاء الحديث عن هذا الكتاب في قوله: ﴿ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:7] وهو يفيد أن منه محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات . ولا تعارض بين هذا وبين ما جاء في القرآن، مما يدل على أنه كله محكم؛ إذ قال الله عز وجل ﴿ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ [هود:1] وما جاء فيه مما يدل على أنه كله متشابه إذ قال الله عز وجل ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ [الزمر:23] . لا تعارض بين هذه الإطلاقات لأن معنى إحكامه أنه متقن رصين، لا يتطرق إليه خلل لفظي ولا معنوي كأنه بنيان مشيد محكم يتحدى الزمن ولا ينتابه تصدع ولا وهن .
ومعنى كونه متشابها أنه يشبه بعضه بعضا في إحكامه وحسنه وبلوغه حد الإعجاز في ألفاظه ومعانيه، حتى إنك لا تستطيع أن تفاضل بين كلماته وآياته في هذا الحسن والإحكام والإعجاز .
وأما أن بعضه محكم وبعضه متشابه فمعناه أن من القرآن الكريم ما اتضحت دلالته على مراد الله عز وجل منه . ومنه ما خفيت دلالته على هذا المراد . فالأول هو المحكم، والثاني هو المتشابه على خلاف بين العلماء في ذلك . بيد أن الذي اتفقوا عليه ولا يمكن أن يختلفوا فيه، هو أنه لا تنافى بين كون القرآن كله محكما أي متقنا، وبين كونه كله متشابها أي يشبه بعضه بعضا في هذا الإتقان والإحكام، وبين كونه منقسما إلى ما اتضحت دلالته على مراد الله تعالى وما خفيت دلالته . فالقرآن كله محكم أي متقن؛ لأن الله قد صاغه صياغة تمنع أن يتطرق إليه خلل أو فساد في اللفظ أو المعنى. والقرآن كله متشابه لأنه يماثل بعضه بعضا في هذا الإحكام . والقرآن منه محكم واضح المعنى المراد وضوحا يمنع عنه الخفاء ومنه متشابه تخفى دلالته ﴿
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ﴾ أي إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة ﴿ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ ﴾ أي الإضلال لأتباعهم إيهاما لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن وهو حجة عليهم لا لهم. ﴿ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾ أي تحريفه على ما يرون . وقد جاء في صحيح البخاري ومسلم عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ ..﴾ إلى قوله ﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ ﴾ قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم )
أخي المسلم: لا تكن من أولئك الذين يتكلمون في أمرٍ بلا علم، أو يبتغون التأويل بلا حجة أو دليل، أو يتبعون ما تشابه ويعرضون عن المحكمات ـ وهن أم الكتاب، فإن الله قد جعل لك ما به تستيقن . آيات محكمات هن أم الكتاب ـ وامتحنك بأخر متشابهات، وهداك بفضله ورحمته إلى الحق بإذنه . فادع الله بصدق ويقين ألا تقع فيما وقع فيه أولئك الذين في قلوبهم زيغ ، فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وقل آمنت به كل من عند ربي، وسله مخلصا مع الراسخين المتقين ﴿
رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8].
ولا تجعل فكرك أسيرا لهواك بإقحامه فيما لا مجال له فيه، وما لا يعلم تأويله إلا الله، واحذر الظن والتخمين، وكن مع الحجة والبينة والبرهان، فبها يطلب العلم ويكون اليقين . فإن الراسخين في العلم لا يقولون قولا بلا علم يستند إلى برهان وحجة . وما استأثر الله بعلمه يجب أن يوقن به، وألا يلجأ إلى تأويله، بل يقول المؤمن ما يقوله الراسخون في العلم ﴿
آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ﴾ . ومن هذا القبيل ما أخفاه الله على الناس من معرفة الساعة، فإن الحكمة في ذلك لا تخفى على ذي عقل ورشد . فإن الله قد أخفى ذلك على الناس رحمة بهم، كما أخفى عنهم آجالهم . فسبحانه من إله حكيم . فما استأثر الله بعلمه وأخبر به وقال ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ ﴾ فيه من حكمة الامتحان والاختبار ما لا يخفى، وبه يتميز الناس ويتفاوتون في درجات الإيمان واليقين ﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:3].
وقد قضى الله أن يُمتحن الناس، وقد أحكم لهم ما به يكون الثبات على الحق واليقين، وامتحنهم بالمتشابه الذي ذكره واستأثر بعلمه ؛ ليميز الصادقين الراسخين من الكاذبين المذبذبين .
وإذا تجاوزنا عن هذا النوع من المتشابه ـ وهو ما استأثر الله بعلمه ـ إلى غيره مما يعلمه خواص العلماء وما يعرفه الإنسان عن طريق الدرس والبحث، فإن الحكمة فيه لا تخفى سواء في رفع درجات الناس، وتنافسهم على معالي الأمور وتحصيل كثير من العلوم، أو حث الناس على البحث والدرس وطلب المعرفة فيما يصعب عليهم، واستعمال عقولهم فيما طولبوا بتدبره والتفكر فيه . وفي ذلك فليتنافس المتنافسون . ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين .


أم عبد الله 08-06-2009 02:47 AM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حديث القرآن عن القرآن 15

حديث القرآن عن القرآن
ـ 15 ـ

د / محمد الراوي
ومن حديث القرآن عن القرآن ما جاء في قوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴿100﴾ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿101﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴿102﴾ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [أل عمران : 100 ـ103]
ولنا عند دلالة هذه الآيات من سورة أل عمران وقفات :
الأولى : دلالة هذا النداء ﴿
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُو ﴾ وما يقتضيه من حسن استجابة وعمل بمقتضاه . فإن من مقتضيات الإيمان حسن الاستجابة لله وللرسول فيما يُدعَى إليه أهل الإيمان من فعلٍ أو ترك . فإن في الاستجابة حياة أيّ حياة . وفي الإعراض فتنة لا تخص الظالمين وحدهم ، بل تعم ، مصداقا لقول الله تعالى
﴿
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿24 ﴾ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال : 24ـ25]
إن الأمة الإسلامية في مجموعها جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر ، وهذه الأمة لا يحفظ كيانها إلا حسن استجابتها لله وللرسول في كل شأن من شئونها ، وقيامها بما أوجب الله عليها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمسارعة إلى الخيرات . فإن هى قصّرت أو أعرضت حوسبت وعوقبت ، فإن سنن الله لا تجامل ولا تحابي ولا تتحول ولا تتبدل .
وقد جعل الله حياتها بوصفها أمة مرهونة بحسن استجابتها لنداء ربها وعملها بمقتضى إيمانها . فإن هى استجابت لنداء الإيمان حفظت نفسها وأدّت رسالتها وظفرت بعزتها ونصر ربها . وإن تراخت نالها ما ينال غيرها دون تعلق بالأماني أو ركون إلى المغفرة .
وهذا النداء ﴿
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُو ﴾ له دلالته في وحدة المؤمنين وترابطهم وتعاونهم في تحقيق مقتضيات الإيمان ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة:71]
وهذا وعد الله لهم بحسن المثوبة والجزاء والله لا يخلف وعده ﴿
وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:72 ]
إن أيّ تراخ في تحقيق مقتضيات الإيمان أو استخفاف بها أو إعراض عنها يودي بالأمة ويوقعها في الاضطراب والإحباط ، فإن هى تمادت أخذت بذنبها ويستخلف الله قوما آخرين لينظر ما يعملون .
ومن الفهم الخاطئ ، بل من الخطيئة أن يُتَصور أن كل إنسان في محيط الأمة الإسلامية من حقّه أن يفعل ما يشاء دون التزام بمعالم أو حدود . فإن ذلك قد يودي بالأمة كلها ما لم يؤخذ على يد المفسد أو الضال . فقد شبه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمرنا نحن المسلمين حيث كنا كالراكبين في سفينة واحدة ليس من حق أحد فيها أن يقول هذا نصيبي أفعل فيه ما أشاء ؛ فقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما رواه البخاري عن النعمان بن بشير ـ رضي الله عنهما ـ :« مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها وكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مرُّوا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا». وما الخرق الذي أشير إليه إلا الذنوب والآثام والمعاصي التي يترك أصحابها دون رادع من منكر لها أو مؤاخذٍ عليها . وقد روى الإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : « والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده ثم لَتَدْعُنَّه فلا يستجاب لكم »
تلك مقتضيات الإيمان وما يوحي به هذا النداء ﴿
يا أيها الذين آمنوا ﴾ كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان » وفي رواية « وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل »

الوقفة الثانية : عند قوله ﴿
إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ [آل عمران:100] وقد جاء التكليف أو التحذير في هذه الآية في أسلوب الشرط والجزاء لتعرف النتائج وتدرك العواقب . ﴿ إِنْ تُطِيعُوا . . يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾ وتلك هى الغاية عند القوم ومن يتوهم غير ذلك فقد ضل سواء السبيل .
ولئن كان للآية سبب خاص فإن العبرة فيها بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
والسبب حين يذكر يعين على حسن فهم وتدبر ويشير إلى أصل الداء والخطر .
ومما جاء في سبب نزول هذه الآية أن شاس بن قيس اليهودي ـ وكان عظيم الكفر ـ قد مر بنفر من الأوس والخزرج ـ وهم في مجلس يتحدثون فغاظه ما رأى من ألفتهم وصلاح ذات بينهم في الإسلام ، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية ، وقال : قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد . والله ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار . فبعث رجلا معه وأمره أن يجلس بينهم ويذكر لهم ما كان من حروبهم يوم بعاث ـ وكان يوم بُعاث يوم اقتتلت فيه الأوس والخزرج قبل مبعثه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ففعل فلم يزل ذلك دأبه حتى حميت نفوس القوم ، وغضب بعضهم على بعض ، وطلبوا أسلحتهم وتواعدوا إلى الحرة وخرجوا إليها ، فبلغ ذلك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فخرج إليهم فيمن معه ، من المهاجرين حتى جاءهم ، فقال: يا معشر المسلمين أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن أكرمكم الله بالإسلام وقطع عنكم إصْرَ الجاهلية وألف بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً ؟ اللهَ الله َ . فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم فألقوا السلاح من أيديهم وبَكَوْا واعتنق بعضهم بعضا ثم انصرفوا مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سامعين مطيعين . قال جابر : فما رأيت يوما أقبح اولاً وأحسن آخراً من ذلك اليوم فأنزل الله ﴿
إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾ . ذاك ما ذكر من سبب وهو يعين على حسن فهم وتدبر .
فكيف خرج المسلمون آنذاك من فتنة عدوهم وسلموا من كيده . إن ذلك ما بينته الآيات في أسلوب أخاذ ﴿
وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾ ففي هذه الآيات دعوة إلى الاعتصام بالكتاب والتمسك بالسنة
﴿
تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾ فإن في ذلك عصمة من التفرق والتنازع والمطاوعة للهوى والباطل .
إن لأهل الباطل وسائلهم في صرف الناس عن الحق وإبعادهم عنه .
ومن الناس ناس تستخفهم وسائل اهل الشر وتسهل مطاوعتهم للباطل وتستحوذ عليهم الشياطين فيُرّدُّ أحدهم إلى الكفر بعد إيمان ويشاقُّ الرسول بعد بيان .
ومن أهل الكتاب ناس تخصصوا في ترويض المسلمين وردّهم عن دينهم وإفساد ذات بينهم . ولا سلامة من وسائل هؤلاء إلا بصدق اعتصام وحسن اتباع . والكتاب يتلى علينا والسنة قائمة فينا ويكون الأمر بالغ العجب إذا رأيت من يشكو الظمأ والماءُ محمولٌ على ظهره أو يقع في الحيرة ومعه التبصرة ، أو يُردُّ على عقبه بعد إذ هداه الله ﴿
وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾ إن الغاية التي يسعى العدو نحوها ، والنتيجة التي يودُّها أن يُرَدَّ المسلمون عن دينهم وأن يعودوا كافرين . ومن توهم غير ذلك أيقظته الفواجع والنكبات . وجميع ما يرى غير ذلك إن هو إلا مقدمات في العمل على إضعاف المسلمين وتمزيق صفوفهم للوصول إلى هذه الغاية وتلك النتيجة ﴿ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ
﴿
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [البقرة:109]
وقد تسألنا من قبل ما السبيل إلى حماية الأمة الإسلامية من ذلك ؟ بل ما السبيل إلى تأثيرها في غيرها لا في تأثرها به ومطاوعتها له ؟
إن ذلك لا يكون إلا بإيجاد الإنسان الصحيح في عقيدته وسلوكه وجميع أمره .
فإن الإنسان الصحيح تصح به الأمور الفاسدة . والإنسان الفاسد تفسد به الأمور الصالحة . والمنهج في إعداد الإنسان الصحيح كتاب وسنة . كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وسنة صحيحة تتم بها الأسوة الحسنة وتصح بها القدوة .
ومع الأخذ بالكتاب والسنة تصعب المطاوعة للباطل ويستعصي على العدو أن يميل بالمسلمين حيث يريد .
وذلك لا يقع إلا عندما تضعف صلة المسلمين بكتاب ربهم وسنة نبيهم .
والكتاب ما أُنزل إلا ليعمل به ويُتَّبع لتتحقق هدايته وينعم الناس بفضل الله ورحمته . ولا تفرقه في الاتباع بين قرآن وسنة . فإن التفرقة بين الكتاب والسنة ردٌّ عن الدين كله ، وتحقيق لمآرب أعداء الله الذين يسعون إلى ذلك بشتى الوسائل ﴿
وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾ وآيات الله ـ وهى تتلى ـ تبين للناس ما يجب أن يكونوا عليه في كل شأن وتهدي للتي هى أقوم . وسنة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ تُرِى الناس خُلُق القرآن في واقع حيث تكون الأسوة والقدوة بمعرفة وبصيرة ولا يكون للأهواء سبيل في تفسير أو ظن أو تخمين ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: 44]
ويكون الأمر بالغ العجب إذا وقعت المطاوعة من المسلمين لأعدائهم وحققوا فيهم ما يريدون من فرقة وتنازع والقرآن يتلى عليهم ورسول الله فيهم . أي كيف يوجد منكم الكفر مع وجود هذين النورين ؟ فإذا كان تدبير الأعداء داء يعمل على فرقتكم وإشاعة البغضاء بينكم ، بل على إخراجكم من دينكم وإرجاعكم إلى ظلمات جاهليتكم فإن معكم الدواء الذي يحفظكم ويعينكم على رد الكيد ودفع الشر وإحراز الفوز والنصر ، وهو من عند الله ، وما عند الله لا يطلب إلا بطاعته ، وفي بيان القرآن ما يغنيكم ويبصركم بما يجب أن تكونوا عليه ﴿
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴿118 ﴾ هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿119 ﴾ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [أل عمران:118ـ120]
هكذا يبين لنا القرآن الكريم ما يجب أن يكون ﴿
وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾ وتحقيق ذلك باتباع المنهج دون غلو أو تفريط والمنهج مسطور ومحفوظ ومن حاد عنه ضل ومن ابتغى العزة في غيره ذلّ ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
الوقفة الثالثة : عند قوله ﴿
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا
فإن من رحمة الله بخلقه أن هداهم إلى معرفته وجعل هدايته عصمة لهم من الضلال وسوء المصير وأمرهم أن يعتصموا بكتاب الله وأن يتمسكوا به فهو حبل الله المتين وصراطه المستقيم . والنور المبين . عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه ﴿
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ﴾ أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة . وبين لهم ما به تجتمع كلمتهم ويأتلف جمعهم . تجتمع كلمتهم ويستقيم سعيهم وتقوى مودتهم بالاعتصام بكتاب ربهم والعمل بما جاء به في أنفسهم وفي روابطهم وفي علاقتهم بغيرهم وفي كل شأن من شئونهم . ونهاهم عن التفرق وحذرهم فإن التفرق دمارٌ لأهله ومدعاة للفشل وذهاب الريح .
والله عز وجل ـ قد أرسل الرسل وأنزل الكتاب ـ لم يترك الناس لكي يجعلوا من أهوائهم شرعا يتبع أو منهجا تجتمع عليه كلمتهم فإن الأهواء تفرق ولا تجمع ، وتفسد ولا تصلح ، ولكل شخص هواه . ولكل حزب مآربه ﴿
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ [المؤمنون:71] فلابد لجمع الكلمة من شرع منزه عن الأهواء ، يحفظ الحق لجميع الخلق ، ويقيم العدل بلا تفرقه . من أجل ذلك أنزل الله هذا الكتاب وتكفل بحفظه رحمة بخلقه وهداية لهم . أنزله على خاتم الرسل ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد كان خلقه القرآن يرضى برضاه ويسخط بسخطه ، فالأسوة به استمساك بالكتاب والسنة . ومخالفته إعراض عن الذكر وانحراف عن الصراط المستقيم ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63]
وبذا يكون المنهج قد تحدد علما وعملا ولم يترك لهوى الناس .
وتجربة التاريخ أمام أعيننا ـ نحن المسلمين ـ ترينا أن كلمتنا لم تجتمع إلا به . ووحدتنا لم تصان إلا باتباعه . ولقد بين الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن أمر هذه الأمة في كل زمان ومكان لا يصلح إلا بما صلح به أولها فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ « تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي » .
ذاك ما ائتلفت به القلوب ، وتآخت به النفوس ، وعزت حين اعتزت به ، ولم تر عزّها في غيره ، وهذا ما يذكرنا به الله لنسلك الطريق القويم ، ونحذر السبل التي تفرقنا عن سبيله ، وتجعلنا شيعا وأحزابا ، يعادي بعضنا بعضا ، ويضرب بعضنا وجوه بعض. ولا بقاء لأمة مع الفرقة ولا صلاح لجمع مع التنازع ﴿
وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [ أل عمران : 103 ] هذا التذكير ليس لمن نزل القرآن فيهم فحسب ، بل هو لهم ولنا ولمن جاء من بعدنا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، ونحن مطالبون بشكر هذه النعمة ولو كانت لأسلافنا من قبل . فكل نعمة أنعمها الله على أسلافنا من قبل لنصر دينه وإعلاء كلمته هى نعمة لنا نطالب بشكرها ؛ إذ لولا ذلك لما وصلت إلينا ونعمنا بها . وذكرها في القرآن ذكر لنا وتبصرة وشرف عظيم لا يدانيه شرف ، فمن أبي القرآن أو أعرض عن الذكر عاش في دنياه مهينا بلا شرف ، وسئل بين يدي الله عما فرط وضيع ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ ﴾ ( سورة الزخرف : 44 )
وقد بين لنا القرآن الكريم كيف نحافظ على جمع الكلمة ونعتصم بحبل الله جميعا ولا نتفرق كما أمر الله ، وحفظ البيان لتكون الأجيال كلها على بصيرة من أمرها فلا تَضِلُّ أو تُضّلُّ .
فإن أبى ناس إلا أن يسلكوا سبل الباطل ـ والله يدعوهم إلى الحق ـ فإن الله بما يعملون بصير ، والحق الذي أنزله الله وحفظه لا يُضَيَّع ، فإن للحق نورا ونارا فمن أبى النور فالنار موعده . ﴿
وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ ( سورة محمد : 38 )
﴿
وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ [الأنعام:133] . إن مصدر قوة هذه الأمة ـ وهى من الله ـ تتوقف على الاستجابة في التمسك بأسباب القوة كما أمر الله لتسلم من تدبير العدو وكيده وتحقيق مآربه وغايته . هو يريد أن يرد المسلمين بعد إيمانهم كافرين . فليكونوا في جميع أحوالهم مؤمنين صادقين موحِّدين موحَّدين . وليحذروا أسباب الفرقة والتنازع والتشاحن والتخاصم . فإنها تحقق للعدو العبث بمقدراتهم ـ وهم يتخاصمونوأن يتداعى عليهم كما تداعى الأكلة على قصعتها ـ والأمر في بدايته ونهايته يتصل بالمسلمين أنفسهم لا بعدوِّهم ، فإن من سنن الله ألا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم . وذنوبهم أخطر عليهم من عدوهم . وما يأتيهم من شر هو من أنفسهم لا من كيد عدوهم . فليسألوا الله العون على أنفسهم كما يسألونه النصر على أعدائهم .
فليحذروا أن يقع الشرط منهم ، فإنه فِعلهم ، فيأتي الجزاء مدمِّرا لدنياهم مُخِسرًا لأخراهم . الشرط ﴿
إِنْ تُطِيعُو ﴾ وهو مسند إليهم لا إلى غيرهم وهم الفاعلون . والجزاء ﴿ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾ . تلك هى غاية العدوّ . وفي سبيله يتخذ جميع الوسائل لإضعاف المسلمين وتمزيقهم للوصول إلى هذه النتيجة ﴿ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾ . وياله من جزاء يحمل من العار والمذلة وسوء العاقبة ما ينفر منه كل حر تقي كريم .
والقرآن الكريم الذي أُمِر أهل الإيمان أن يعتصموا به ولا يتفرقوا قد بيّن كل شئ . وما فُرّط فيه من شئ . بيّن للمسلمين كيف يعتصمون ويحافظون ويستمسكون ويتوحدون ولا يتفرقون . فقال الله جل شأنه في هذا الكتاب العزيز ﴿
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [أل عمران: 104] ذاك ما بينه القرآن ودعا إليه وحذر من مخالفته أو الإعراض عنه .
وهذا ما يصون وحدة الأمة ويحفظها من الفرقة والاختلاف .
دعوة إلى الخير وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر تقوم به أمة راشدة تعتصم بحبل الله ولا تتفرق أمة تدرك العواقب ـ فتؤدي ما فرض الله عليها ـ ولا تأسرها الأهواء والرغائب .
فإن من فرط فيما أمر به وضيع ما فرض عليه لقى ما لقيت الأمم التي تفرقت واختلفت من قبل ﴿
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [أل عمران : 105] . إن الأمة لا تفلح إلا إذا ساد الخير فيها ، وكان المعروف معروفا والمنكر منكرا . وهذا واجب الأمة في المقام الأول أن ترعى هذا الحق ، وأن تصونه ، وأن يبذل في سبيله كل مرتخص وغال ، وألا تدع للشهوات والنزوات سبيل للفساد والإفساد .
وإذا لم تفعل الأمة ذلك تكون قد رضيت لنفسها بالفرقة المذِلّة والاختلاف المشين الذي يحقق للأعداء غايتهم وينفذ كيدهم وينتهي بهم إلى أسوأ مصير﴿
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [أل عمران : 106] عذاب وتبكيت وتأنيب على ما وقع من فرقة واختلاف من بعد ما جاءهم البينات .
وجدير بمن عرف هذا المصير على هذا النحو ألا يكون في سعيه إمعة يطيع أهل الشر في شرِّهم دون مبالاة بعاقبة أو مصير .
ولنذكر ما بدئت به الآيات وما تضمنه النداء في قوله ﴿
)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [أل عمران : 100]
فذاك المصير الذي نهانا الله أن نقع فيه في قوله ﴿
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا. . . ﴾ هو مصير أهل الكتاب الذين نهى الله أن يطيعهم أهل الإيمان أو يطاوعوهم فيما يودون ﴿ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿105 ﴾ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
فهل من متعظ ومعتبر يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه فيرد أمة الإسلام إلى الاعتصام بحبل الله والقيام بما فرض الله من دعوة الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ كما أمر الله ليتحقق لها ما ترجوه من فوز وفلاح ﴿
وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ .
﴿
وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت :69]


أم عبد الله 08-06-2009 02:59 AM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حديث القرآن عن القرآن 16

حديث القرآن عن القرآن
ـ 16 ـ
د / محمد الراوي
ومن حديث القرآن عن القرآن ما جاء في قوله تعالى في سورة آل عمران : ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعَالَمِينَ [ آل عمران : 108 ]
والمخاطب هو الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفي مخاطبته تنويه بشأنه وذكر لمكانته ورسالته والمشار إليه بقوله﴿
تِلْكَ ﴾ ما سبق من الآيات وما تقرر فيها من حقائق ومصائر ومنها ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿104﴾ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿105﴾ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴿106﴾ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿107﴾ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعَالَمِينَ [أل عمران: 104 ـ 108 ]
تلك آيات الله وبيناته لعباده نتلوها عليك بالحق . فما تقرره من مبادئ وقيم حقُّ وما تعرضه من مصائر حقٌّ ، وهى آيات حق من الله الحق .
ومن أدرك ذلك وآمن به تمسك بالحق وعمل به ، ولم تصرفه منفعة عاجلة أو رغبة طارئة عن الاستمساك بالحق والثبات عليه والرضا بنتائجه . فإن الجزاء واقع لا محالة .
فمن تمسك بالحق وجده ، ومن آثر الباطل أُخذ بالحق . والجزاء في الحالين حق . فالجنة حق والنار حق ﴿
وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعَالَمِينَ
إن ترتيب الجزاء على العمل إحقاق للحق الذي لا تستقيم شئون الناس إلا به .
ومن تدبر العواقب أيقن أن الحق لا يهزم أبداً لأنه من الله ، والله هو الحق ، وقوله الحق ﴿
وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [آل عمران:109]
إن من له ما في السموات وما في الأرض لا يستطيع أحد أن ينفذ من ملكه أو يفلت من حكمه ، ومن إليه ترجع الأمور لا إلى غيره يحاسب على الحق الذي بصَّر به ودعا إليه وأقام الحجة على الخلق بآياته وبيناته ، وهو قادر على ذلك ﴿
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً [سورة فاطر:44]
فالأمر جد لا هزل فيه ، وحق لا يقترب من ساحته باطل ولا يتسرب إليه .
إن من نزّل هذه الآيات لا يعجزه من شئ في الأرض ولا في السماوات . وبالحق أنزل القرآن ، وبالحق نزل ، وبالحق ومن أجل الحق تقوم الساعة ﴿
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ [الجاثية:27]
فالحق ليس ضياعاً أو خذلاناً لمن تمسك به . فما الساعة في قيامها وأهوالها إلا إحقاق للحق وإحضار لميزانه ﴿
وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47] . ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴿14﴾ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ﴿15 ﴾ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ [الروم:14 ـ 16]
إن الإيمان بالحق والعمل به أمن لدنيا الناس ، وفوز لهم في أخراهم . ولا أمن ولا استقرار لمن كذب بالحق أو أعرض عنه .
وإذا تنكر الناس للحق وأُخْسِرَ ميزانه بين الخلق فلا تسل عن الاضطراب والهرج والمرج في كل شئ داخل النفس وخارجها . في الكلمة التي تقال وفي العمل الذي يُراد وفي كل شأن من الشئون مرج واضطراب وشقاءٌ يقع بمن كذب بالحق في دنياه وفي الآخرة عذاب أيّ عذاب .
إن الآيات التي تتلى على الناس بالحق فيها دعوة لهم إلى اتباع الحق ويأتي الجزاء لمن اتبع الحق وأعرض عنه من الله عدلًا وإنصافاً وإحقاقاً للحق وإبطالاً للباطل ﴿
وما الله يريد ظلماً للعالمين ﴾ .
﴿
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴿27﴾ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ﴿28 ﴾ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص: 27 ـ 29]



أم عبد الله 08-06-2009 03:00 AM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حديث القرآن عن القرآن
ـ 17 ـ
د / محمد الراوي
ومن حديث القرآن عن القرآن ما جاء في قوله تعالى في سورة آل عمران : ﴿ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:138]
وسواء كانت الإشارة في قوله : ﴿
هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ ﴾ إلى القرآن الكريم أو إلى ما يسبق هذه الآية من آيات ، فإن المشار إليه جدير أن يتدبر وأن تُعلم هدايته
﴿
إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الاسراء:9]
والبيان في قوله ﴿
هَذَا بَيَانٌ ﴾ هو الدلالة التي تفيد إزالة الشبهة بعد أن كانت حاصلة . والهدى : بيان طريق الرشد المأمور بسلوكه دون طريق الغيّ .
والموعظة : هى الكلام الذي يفيد الزجر عما لا ينبغي في طريق الدين .
فالحاصل أن البيان جنسٌ تحته نوعان : أحدهما الكلام الهادي إلى ما ينبغي في الدين وهو الهدى . والثاني : الكلام الزاجر عما لا ينبغي في الدين وهو الموعظة .
هذا ما أجمله العلماء في تفسير البيان والهدى والموعظة . وهو إجمال يحتاج إلى تفصيل وحسن تدبر لآيات الله .
فمن المعلوم أن الناس جميعا يمرون بالحياة الدنيا ولا يقيمون .
والأجل الذي كتب لهم إن هو إلا فترة امتحان يُرى فيها أيحسنون أم يسيئون ؟ فترة عمل وجد وإخلاص وكَدّ ﴿
مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا [فصلت:46]
ومن رحمة الله بالخلق أن بين لهم نتيجة عملهم وبصَّرهم بما يجب أن يكونوا عليه ليفلحوا في يومهم ويفوزوا في غدهم . فأرسل الرسل مبشرين ومنذرين . وأنزل معهم الكتاب والميزان وجعل الجزاء لمن أحسن أو أساء وفاء لأعمالهم وإنصافا للحق الذي دعوا إليه وأمروا به. ﴿
وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [ النجم : 31 ]
ومن تدبر إحسان المحسن وإساءة المسيء وجد أثر ذلك في الدنيا عدلاً وبرًّا وفساداً وظلمًا . يحسن من يحسن في الدنيا ويسيء من يسيء ، فينعم الناس بإصلاح من يحسن ، ويساءون بإساءة من يسيء . وحكمة الخلق تأبى أن يستوي عند الله محسن ومسيء أو متّقٍ وفاجر وحكمة الخلق تقتضي أن يعود الناس إلى خالقهم وأن يجدوا ما عملوه في دنياهم حاضراً أمام أعينهم في حساب وجزاء لا مناص منه ول مفر . وإلا كان الخلق عبثاً وباطلاً ﴿
وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار [ ص : 27 ]
﴿
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ ﴿115﴾ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون: 115 ـ 116]
﴿
وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة : 281]
وهذا البيان للناس دلالة لهم على ما يجب أن يكونوا عليه , وقد حفظ الله الذكر للأجيال كلها ليكون بيانه هدى لهم وتبصرة ﴿
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال : 42]
وليس بعد هذا البيان للناس عذر لمعتذر أو حجةٌ لمنكر أو جاحد . وفي البيان الذي سبق هذه الآية صفات يجب أن تتبع وهى صفات المتقين الذين يرجون رحمة الله وينالون مغفرته ورضوانه وهى صفات لها أثر في تزكية النفس وروابط المجتمع . فالمتقي بتقواه ليس بمعزل عن شئون الحياة وأحوال الناس بل هو عامل على إصلاحها . يكف شره عن غيره ويقدم خيره . فعلى الذين يؤثرون الحياة الدنيا أن يعرفوا سبيل الأمن والسلام فيها .
فإنها لا تأمن إلا بإيمان المؤمن ولا تسلم إلا بتقواه . ويخطئ من ينشد الإصلاح بعيداً عن صلاح الفرد وهو الأصل في تكوين المجتمع .
إن صلاح الإنسان فيه إصلاح لشئون الحياة واستقامتها . فالإنسان الصالح تصلح به الأمور الفاسدة . والإنسان الفاسد تفسد به الأمور الصالحة .
ومن هنا كانت العناية بتربية الإنسان وإعداده هى السبيل لإعداد أمةٍ ناهضة تنشد معالي الأمور وتبعد عن سَفْسافِها .
ولنتدبر بيان القرآن في صفات المتقين لنرى ما تؤديه هذه الصفات في حياة الفرد وروابط المجتمع وما تجنيه الإنسانية من ثمار الخير والبر حين تتنافس على المكارم لا على المغانم .
﴿
وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴿133﴾ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴿134﴾ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿135﴾ أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين ﴿136﴾ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [أل عمران: 133 ـ 137]
تلك هى الآيات التي سبقت قوله تعالى ﴿
هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ
وفيها صفات أهل التقى التي يُسارع بها أهلها إلى مغفرة من ربهم وجنة عرضها السموات والأرض . وفي ذلك فليتنافس المتنافسون . أما أهل التكذيب والجحود فلن ينتظروا إلا سنة الله في عاقبة المكذبين ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا . ومن ذلك فليحذر المخالفون المكذبون وليسارعوا بالتوبة ﴿
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ﴿43﴾ مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴿44﴾ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [الروم: 43 ـ 45]
إن صفات أهل التقى رحمة بالناس في دنياهم والراحمون يرحمهم الرحمن ﴿
فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [ آل عمران:107] فإنهم ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ [آل عمران:134] وتلك صفة لها دلالتها في إشاعة الخير بين الناس وتحقيق المودة ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ [آل عمران:134]
ولا تسل عن برَّ من يكف عن إمضاء غيظه مع القدرة عليه فإن من ملك زمام نفسه وكظم غيظه ولم يَدَعْه ينفذ إلى غيره كان أقدر على تحقيق السلم في حياة الناس عن غيره . والعافين عمن ظلمهم أي التاركين عقوبتهم أولئك يبرون بغيرهم ويبتغون بما صنعوا وجه ربهم ﴿
فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى:40].
إن أهل التقى مُنْفِقون ، كاظمون غيظهم ، عافون عن الناس ، محسنون ، تائبون ، ذاكرون لله، مستغفرون . وتلك صفات يعود أثرها على الناس سلماً وأمناً ووُدًّا وخيراً وصلاحاً وبراًّ . إنهم بصفاتهم رحماء عاملون في تحقيق الخير وإشاعة البر ﴿
أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ[آل عمران:136] .
﴿
هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴿138﴾ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ آل عمران: 138 ـ 139]

أم عبد الله 08-06-2009 03:01 AM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حديث القرآن عن القرآن
ـ 18 ـ

د/ محمد الراوي
ومن حديث القرآن عن القرآن ما جاء في قوله تعالى : ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ [آل عمران:164]
والحديث عن القرآن في هذه الآية يأتي في سياق منَّةِ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم .
﴿
لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ ﴾ يعني أحسن إليهم وتفضل عليهم . والمنّة النعمة العظيمة ولا تكون في الحقيقة إلا لله ـ عز وجل ـ . وخص المؤمنين بهذه النعمة مع أن بعثة الرسول ـ صلى الله عليه وسلمـ رحمةٌ للعالمين ؛ لبيان أنهم المنتفعون برسالته المقتدون بهدايته .
ورسالته رحمة للعالمين لا تخصُّ جنسا دون جنس ولا قبيلا دون قبيل ﴿
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف:158]
فمن اتبع هدى الله الذي جاء به اهتدى ونجا ، ومن أعرض خَسِر وهلك .
والمنة على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا منهم ، هدايتهم للحق الذي جاء به ، وإيمانهم بما نزّل عليه ، وفوزهم بالعاقبة التي لا تكون إلا لمن اتبع وآمن . ﴿
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ [محمد :2] . وفي قوله ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ﴾ أضاف الآيات إلى ضمير الجلالة ، وفي إضافتها تشريف أيُّ تشريف ودعوة إلى حسن تدبرها والاستمساك بها ؛ لأنها آيات الله ـ عز وجل ـ .
والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مأمور بتلاوتها وتبليغها كما أمره الله ﴿
إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿91﴾ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ [النمل : 91 ـ 92]
﴿
وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ معناه : يطهرهم من دنس الكفر والمعاصي ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ والكتاب : القرآن . والحكمة : السنّة المتعلمة من لسانه ـ صلى الله عليه وسلم ـ . ذاك معناها حين تقترن بالكتاب . وقال مجاهد ومالك : « إن الحكمة معرفةُ الحق والعملُ به والإصابةُ في القول والعمل . وهذا لا يكون إلا بفهم القرآن والفقه في شرائع الإسلام وحقائق الإيمان ».
تلك منة الله على المؤمنين في إرسال الرسول وإنزال الكتاب وهى منة تستوجب الشكر وتدعو إلى تقدير النعمة واتباع ما جاء من الحق . نعمة أيُّ نعمة في كتاب وسنّة ، يُعْصَم من تمسك بهما من الزيغ والضلال وينجو من خزي الدنيا وعذاب الآخرة .
﴿
وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام : 153]


أم عبد الله 08-06-2009 03:01 AM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
يتبـــــــــــع بإذن الله

أم عبد الله 16-06-2009 10:09 AM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حديث القرآن عن القرآن
ـ 20 ـ
د / محمد الراوي
ومن حديث القرآن عن القرآن ما تضمنه قوله تعالى في النساء : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً [ النساء : 56]
ففي حديث القرآن في هذه الآية بيان لموقف فريق من الناس منه وذكر للجزاء المترتب على الكفر به ﴿
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً ﴾ ﴿ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ [النور :25 ]
ومن رحمة الله بالخلق أن يخبرهم بالجزاء قبل وقوعه وأن يبصرهم بما يجب أن يكونوا عليه . ﴿
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ﴾[لأنفال:42] . وآيات الله تتلى على الناس صباحَ مساءَ ، والقرآن محفوظ بحفظ الله ما بقيت الأرض والسماء . ليجد كل جيل تبصرته وهدايته . والقرآن يهدي للتي هى أقوم في جميع شئون الحياة . والله على كل شئ شهيد . والكل مسئول عما دُعي إليه واؤتمن عليه . ولا عذر بعد بيان ولا حجة بعد إعذار وإنذار . وتلك عاقبة من كفر ومن آمن . فليتدبر من شاء هذه العاقبة وليختر لنفسه ما يشاء ﴿ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ [ق :45] ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً *وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً [ النساء : 56 ـ 57 ]
ومن تدبر حكمة الثواب والعقاب وأدرك النتائج والعواقب علم أن حديث القرآن لدنيا الناس صلاح وإصلاح . فالذين يصليهم الله في الآخرة ناراً لم تر الدنيا منهم إلا فسادا وإفسادا والذين يدخلهم الله جنات قد آمنوا وعملوا الصالحات ,
فالإيمان بالآخرة وما فيها من حساب وجزاء داعٍ إلى عمل الخير في الدنيا والكف عن الشر والإفساد فيها . فليس الإيمان بمعزل عن شئون الحياة ، بل هو مصلح لها بارٌّ بها .
إن إرادة الآخرة والسعي لها تمكين لمكارم الأخلاق وفضائل الأعمال في الدنيا .
إن من أحسنت إلى كلب فسقته ابتغاء مرضاة ربها شكر اللهُ لها فغفر لها ، ومن أساءت إلى هرة حبستها فلم تطعمها ولم تتركها تأكل من خشخاش الأرض دخلت النار. دلالة ذلك أن الله يطلب منا أن نحسن في الدنيا ولا نسئ وأن يرحم بعضنا بعضا حتى نُرحم والراحمون يرحمهم الرحمن . ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء . ومن لا يَرحم لا يُرحم .
ألا وإن الكفر بآيات الله كفر بما تضمنته من الإيمان بالآخرة وما فيها من حساب وجزاء ومن كفر بالآخرة أفسد في الدنيا وأساء . ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن أصلح في سعيه وأحسن وأولئك كان سعيهم مشكورا .
إن إرادة الدنيا دون سواها تدمير في الدنيا وخسران في الآخرة , لأن إيثار الدنيا يوقع أهلها في التنافس المسعور عليها دون مبالاة بظلم أو غدر . ولسان حال هؤلاء يقول مرحبا بالظلم إن حقّق لذة بل مرحبا بالغدر إن أحرز غنيمة . بل واحسراتاه عند هؤلاء إن فات مطلوبهم منها أو بُعد المرغوب . وعندئذ يكون التنافس على المغانم لا على المكارم ، والصراع على سلب أقوات الجياع دون وازع . كل يريد دنياه ولو هلك الناس من حوله . إن ظمأ اللهو بالتكاثر لا يطفئه مزيد من التكاثر وإنما يطفئه يقين صادق باليوم الآخر . وباليقين يتحقق التعادل والاعتدال الذي تنهزم معه الأثرة ويتحقق الإيثار . ويكون ذلك عندما يوقن الناس أنهم يمرون بالحياة الدنيا ولا يقيمون فيعملون لآخرتهم ما يصلح أمر دنياهم ويحقق الأمن والسلام فيها .
﴿
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ *أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ [ المؤمنون : 60 ـ 61 ]
أرأيت أخي المسلم أن الجزاء على كفرٍ أو إيمان دعوة لاستقامة الإنسان لينعم الناس فيما بينهم بالتعارف والتعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان .
ويخطئ من يظن أن إهمال الآخرة وما فيها من حساب وجزاء يحقق التفوق والسبق في الدنيا . إنه سبقٌ ـ إن وقع ـ مفتون مدمر لأهله إن لم يُصَن بإيمان ﴿
فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ ﴿41﴾ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ ﴿42﴾ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴿43﴾ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ [ الزخرف : 41 ـ 44 ]
فلن يفلت أحد من جزاء أو يفر من عاقبة ومصير .
﴿
فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ [ الزلزلة : 7 ـ 8 ]
﴿
إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [ المائدة : 105 ]

أم عبد الله 16-06-2009 10:09 AM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حديث القرآن عن القرآن
ـ 21 ـ
د / محمد الراوي
ومن حديث القرآن عن القرآن ما تضمنه قوله تعالى في النساء : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [ النساء : 59 ] . والرد إلى الله رد إلى كتابه ، والرد إلى الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] رد إليه في حياته وإلى سنته بعد وفاته . ذاك هو السبيل لاستقامة الحياة وتراحم الأحياء وقيام الناس بالقسط على شرعة ومنهاج . وذاك هو الحق فماذا بعد الحق إلاّ الضلال ؟ وإذا أراد الناس الخير لأنفسهم في عاجل أمرهم وآجله فما لهم من سبيل سوى الرضا بالحق والتسليم له والعمل به . وليس من بعد ذلك إلاّ اتباع الهوى من بعد ما تبين الهدى . والرد إلى الله والرسول ردٌّ إلى الحق وبعد عن الهوى والضلال . وعدم الرضا بالرد إلى الله والرسول إيثار للباطل واتباع له ، بل وقوع فيما لا تحمد عقباه من ضياعٍ واضطراب وشقاء وخسران . ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً ﴿60﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً [ النساء : 60 ـ 61 ] . وهؤلاء لن يفلتوا من حساب وعقاب . ومن أبى الطاعة لله في دنياه لقى ما يلقاه في دنياه وآخرته . وما أرسل الرسول إلا ليطاع وطاعته طاعة لله والله يعلم ما تبديه النفوس وما تخفيه الصدور فلا بد من الصدق في الطاعة وإخلاص النية لله في الرد إلى الله وإلى الرسول والسمع الطاعة لما جاء في الكتاب والسنة . فذاك دليل الإيمان ولا إيمان لمن صد عن ذلك أو أبى ﴿ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيم [ النساء : 65 ]
إن القرآن الكريم قد أنزل ليكون منهج حياة وهدى للناس ، على رسول من البشر لتحسن القدوة والأسوة . ويُرى القرآن عملاً وخلقا ومنهجا وسلوكاً في رسول الله
[ صلى الله عليه وسلم ] . وقد سئلت أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ عن خلق رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقالت : كان خلقه القرآن يرضى برضاه ويسخط بسخطه . ولا فلاح للناس ولا نجاة لهم إلا باتباع الصراط المستقيم الذي أنزل من أجله القرآن وأرسل الرسول ، به تسمو النفوس بتجردها للحق ، وخضوعها للعدل . وتنمو الروابط بتغليب أمر الله على هوى النفس وتحيا النفوس بحسن استجابتها لله وللرسول . وتتحرر الإرادة من أسر الأهواء والشهوات . إن الحكم بما أنزل الله والردّ إلى الله والرسول برهان إيمان ويقين ، وإن الإعراض عن حكم الله في أي شأن من الشئون ينبئ عن مرض في القلوب وفساد في النفوس ولا نجاة من ظلم وظلام وسوء عاقبة ومصير إلا بالإذعان لحكم الله وإعلان السمع والطاعة لما نزل من الحق . بهذا يتحقق الفوز والفلاح وبغيره تدمِّر الإنسانية ما عمَّرت وتسوق الفناء بمعاصيها وآثامها إلى ما شيَّدت من بناء .
أخي المسلم : إن آيات الله ـ وهى تتلى عليك ـ لا تخاطبك بأحداث ماضية لا صلة لها بحاضرك ومستقبلك ، وإنما تخاطبك بسنن باقية لا تتبدل ولا تتحول ﴿
فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيل [ فاطر : 43 ]
فإذا رأيت الناس في مرج واضطراب وفتن وشقاء فاعلم أنهم قد بعدوا عما يجب أن يكونوا من اتباع الحق وطريق مستقيم ، ولم يرضوا بحكم الله ورسوله فتحكمت فيهم الشياطين , وماذا يكون من الإعراض عما قضى الله ورسوله إلاّّ الضلال والخسران والضياع . وماذا يُجنى من ثمار ذلك إلا الظلم والفساد . ولا فلاح ولا فوز إلا بالسمع والطاعة والرضا بما قضى الله ورسوله ﴿
إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿51﴾ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [ النور : 51 ـ 52]


أم عبد الله 16-06-2009 10:10 AM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حديث القرآن عن القرآن
ـ 22 ـ

د / محمد الراوي
ومن حديث القرآن عن القرآن ما تضمنه قوله تعالى في النساء : ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً [النساء:105]
والكتاب هو القرآن . والله هو الذي أنزل الكتاب بالحق ليتحاكم الناس في كل شأن بما قضى الله ورسوله . وذلك هو مقتضى الإيمان ﴿
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً [ الأحزاب : 36]
والآية وإن كان لها سبب خاص فإن العبرة فيه بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .

فالحكم بين الناس جميعا بما أرى اللهُ ورسولَه لا بما يرى الناس . لأن ما يراه الناس غير معصوم من هوى والله هو الحق لا يحكم بين الناس إلا بالحق ، والحق لا يتبع أهواء الناس ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ [المؤمنون : 71].
والنبي
[ صلى الله عليه وسلم ] ـ وهو يحكم بين الناس بما أراه الله ـ معصوم بعصمة ربه ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴿3﴾ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم : 3 ـ 4] فإذا بعد الناس عن الحكم بما أنزل الله ـ وهو الحق ـ تقاذفتهم الأهواء ، واقتادهم الباطل ، وعمَّت الفوضى وكثر الفساد وضيعت الأمانة وتطاولت الخيانة . والحكم بين الناس بالحق ، وهو يقام مقام الإيمان وبدافع من يتنزه عن المؤثرات التي تميل بالناس من حبهم لأنفسهم ، أو ميلهم لذوي قرباهم ، أو انعطافهم لصديق وجفائهم من عدو .
الحكم بالحق يتنزه عن المؤثرات التي تميل بالناس عما يقتضيه الحق وتوحي به دلائله ومعالمه والله جل وعلا يأمر المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط غير متبعين لهوى أنفسهم أو أهواء غيرهم ومن تخلص من هوى نفسه كان قادرا ـ بعون الله ـ على التخلص من هوى غيره . ﴿
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً [ النساء : 135]
﴿
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة : 8]
والتحذير من الميل أو اتباع الهوى في تحقيق العدل وإقامة الحق لا يُلقى على الناس موعظةً بلا حساب أو جزاء . لا . بل لابد من حساب عليه وجزاء لمن أحسن أو أساء . والآيتان كما ترى تُخْتًمان بقوله ﴿
فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾ وقوله ﴿ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ .
وفيهما من الدلالة على العلم والإحاطة ما يجعل المؤمن يخشى حتى من وسوسة نفسه ومن نيته وعزيمة قلبه . فإن من تولى عن حكم الحق أو أعرض عنه مأخوذ بنيته محاط بخطيئته ﴿
وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ [ المائدة: 49]
إن الله قد أنزل الكتاب ليحكم به بين الخلق ، وذلك من مقتضيات الحق أن يكون حكما بين الناس ولا يكون غيره . ومصالح الناس لا تستقيم بل لا تتحقق إلا بحكم الحق والعدل . والحاكم بما أنزل الله ـ وهو الحق ـ متبع يحكم بشرع الله لا بهواه . واجتهاد المجتهد لتطبيق حكم الله هو اتباع للحق يجعل الله له به فرقانا ونوراً ومغفرة وأجراً ويهديه إلى سواء السبيل .
فمقصد الشرع هو إقامة الحق والعدل بين الناس . والكتاب وهو حق هدى للناس إلى الحق . والرسول
[ صلى الله عليه وسلم ]هادٍ إليه . والناس لا يتراحمون إلا بإقامة الحق والعدل . ولا تراحم بظلم وجور وإنما الرحمة في إحقاق الحق وإقامة العدل بين الناس جميعا بلا تفرقة ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً [ النساء : 105]
وقد ذكرت الآية من قبل أن هذه الآية وإن كان لها سبب خاص فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . أي أن الحكم بين الناس بما أنزل الله وبما أوحى إلى نبيه عامٌ لا يَخص ناسًا دون آخرين وإنما هو حكم رب العالمين للناس أجمعين . ولكن السبب قد يعطي دلالة خاصة وهى أن الحكم بالحق أعزُّ من الصلات بين الناس ، صلات القرابة والصحبة .
فمهما كانت العداوة بينك وبين غيرك فأنت مطالب بتنفيذ حكم الله ـ وهو الحق ـ لصالح عدوك إن كان الحقُّ له ، وأن تنصفه وإن عاداك وأبغضك ﴿
وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [ المائدة : 8] إنه الحق الذي لا مجاملة فيه ولا محاباة .
وإذا عرفنا أن هذه الآيات ﴿
إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً ﴿105﴾ وَاسْتَغْفِرِ اللّهَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴿106﴾ وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً [ النساء : 105ـ 107]
إذا عرفنا أنها أنزلت
أنزلت لتنصف رجلا يهوديا اتّهم ظلما في سرقة ـ هو منها برئ ـ كادت التهمة تلصق به لوجود المسروق عنده .
نزلت الآيات لتبرئه وتدين الذين تآمروا عليه وهم أهل بيت من الأنصار . إذا عرفنا ذلك أدركنا أن الحق أعزُّ من أن يخضع للأهواء أو يستدرج أو يستمال لصالح من ظلم أو خان لأي سبب أو أي اعتبار .
نزلت الآيات لتكون تبصرة للمؤمنين في كل زمان ومكان لكي يرتفعوا إلى المستوى الذي يقتضيه الإيمان . وأن يكونوا قوامين لله شهداء بالقسط وأن لا تحملهم العداوات مهما كانت ضراوتها على مجاوزة العدل أو مجافاة الحق .
حُكمٌ صدر لصالح اليهودي وإدانة الأنصاري الذي تآمر عليه في الوقت الذي كان اليهود فيه لا يدعون سهما مسموما يملكونه إلا أطلقوه في حرب الإسلام وأهله ، ولكنّ الوحي الذي عُلِّمُوه وحكموا به جعلهم جندا للحق في كل حال دون اعتبار لأي شئ سواه ؛ لأن الحقَّ أكبر وأعلى وأغلى وأبقى شئ في الوجود ، فلا اعتبار عندهم لشئ سواه ، وهم بالحق ولن يكونوا بغيره . والنفوس المؤمنة حين تؤمر به تطيع وترتفع بإيمانها وصدقها عن الخلود إلى الأرض ، فتقيم العدل وتحكم بالحق دون تفرقة بين قريب أو بعيد أو عدو وصديق ومن أجل ذلك أرسل الله الرسل وأنزل معهم الكتاب والميزان ، فقام الرسل بما أمروا به دون ميل أو استدراج وجعلوا حكم الله نافذا لا تقبل من شفاعة ولا يحول دون إمضائه أن يكون على شريف أو وضيع « وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها » يذكر الرسول
[ صلى الله عليه وسلم ]أقرب الناس منه وأحبهم إليه ليعلم الناس أن ميزان الحق لا يفرق بين قريب أو بعيد فالناس جميعا أمام العدل سواء . والحق دائما أحق أن يتبع . وحكم العدل حري أن يمضى وأن يقبل دون شعور بحرج . إنه حكم الله رب العالمين ، ولا يقبل في حكم الله أن يساء إلى برئ لوضاعته أو عداوته ، وأن يترك ظالم أو خائن لشرفه ومكانته دون تطبيق حكم الله عليه . فإن ذلك مجلبة للفساد ومدعاة للدمار والهلاك « إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها » كما جاء في الحديث المتفق عليه عن عائشة رضي الله عنها .
إن الحكم بما أنزل الله هو الحكم بالحق والرضوان به هم طلاب حق وعدل والمعرضون عنه ـ من بعد ما تبين لهم ـ هم أرباب شقاق ونفاق وعبيد هدى ومنفعة . وأسرى شكوك وريب .
هؤلاء لا يرضون بالحق إلا إذا كان لهم أما إذا كان عليهم فهم عنه معرضون وله منكرون ﴿
وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ ﴿48﴾ وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ﴿49﴾ أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ النور: 48 ـ 50] ،﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ
وسواء كان المراد بقوله ﴿
بِمَا أَرَاكَ اللّهُ ﴾ بالذي علَّمه أو بما يؤدي إليه اجتهاده فإن الحكم في الحالين حكم بما أنزل الله فإن الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] معصوم بعصمة ربه من الهوى الذي يُضلُّ عن سبيل الله . وما يكون من اجتهاد من غيره فيما لم يرد فيه نص قاطع ـ محكوم بضوابط وقواعد ـ فلا ينشئ المجتهد حكما من عند نفسه دون نظر في سند أو دليل وإنما يعتمد في اجتهاده على معرفته بشرع الله وإدراكه لعلل الأحكام ومقاصد الشرع وحصوله على شروط الاجتهاد . فما يكون عليه المجتهد من صفات تحول بينه وبين الركون إلى الهوى أو التعمد أن يحيد عن الحق وتعينه على أن يتحرى العدل مجتنبا ما استطاع المؤثرات التي تميل به ولذا فإن التربية الإيمانية أصل أصيل في إعداد النفوس التي تقوم بالقسط وتحكم بالعدل . إن إنزال الكتاب بالحق داع إلى الحكم به وعدم مجاورته والحيدة عنه ﴿ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ [ المائدة : 48]
فمقتضى نزوله أن يُتبع وأن تحذر الفتنة عن شئ منه . فإن الفتنة عن بعض ما أنزل الله مفضية إلى الفساد والفسوق ﴿
وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ [ المائدة : 49]
إن كثيرا من الناس يقودهم هواهم إلى الخروج عن حكم الله طمعا في العاجلة ورغبة عن الآخرة مع أنهم تاركون لما طمعوا فيه ، مقبلون إلى ما رغبوا عنه ، محاسبون على الحق الذي خالفوه ، مأخذون بالباطل الذي اتبعوه . ومن رغب عن الحق لم تسلم له منافعه . ولن تبقى له مطامعه ، ومن آثر الباطل خسر دنياه وآخرته وعاش في الدنيا ظمآن يحسب السراب ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه . الحق هو الذي يجده الطالب ولا يجده غيره . فهو الحياة وهو المرجع والمصير. فمن استهان به أو أعرض عنه أو آثر سواه في سلوك أو معاملة أو اعتقاد حوسب بالحق علي اتباع الباطل . ووجد الحق ولم يجد شيئا سواه . لأن ما سواه هالك . وما عداه باطل وضلال يقود إلى الدمار والهلاك والعذاب والخسران ﴿
يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ [ ص : 26] يقول الإمام ابن كثير في تفسيره القرآن العظيم : « وهذه وصية من الله عز وجل لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده تبارك وتعالى ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيل الله . وقد توعد تبارك وتعالى من ضل عن سبيله وتناسى يوم الحساب بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد ». أخي المسلم ، إن لليوم شأناً أيَّ شأن في استقامة النفس وخضوعها للحق وإيثارها ما يبقى على ما يفنى . وإن نسيانه والغفلة عنه وترك العمل به يبعد عن الحق ويوقع في الضلال . ومصالح الناس لا تستقيم إلا بالعدل وروابطهم لا تحسن إلا بإقامة الحق .
إن الحكم بالحق اتساق مع فطرة الإنسان وحقيقة الوجود في حسن الاستجابة لله والتسبيح بحمده ﴿
وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [ الإسراء : 44] والحكم بالحق ليس نافلة يخير الإنسان بين فعلها وتركها . بل هو فريضة محكمة لا يعذر تاركها ولا يسلم من ريبة أو جحود . وأهل الإيمان أوفياء للحق ولا يخلو منهم زمن وإن قل عددهم وكثر عدوهم ﴿ وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [ الأعراف : 181]

أم عبد الله 16-06-2009 10:10 AM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حديث القرآن عن القرآن
ـ 23 ـ

د / محمد الراوي
ومن حديث القرآن عن القرآن ما جاء في قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً [النساء : 136]
والكتاب الذي نزل على رسوله
[صلى الله عليه وسلم ]هو القرآن نزّله على عبده ورسوله محمد [صلى الله عليه وسلم ]ليكون للعالمين نذيرا . والكتاب الذي أنزل من قبل على الرسل بمعنى الكتب فـ«أل » فيه للجنس والكتب المنزَّلة يصدق بعضها بعضا . وقد جاء خاتمها مهيمنا عليها محفوظا بحفظ الله لتظل كلمة الحق على ألسنة الرسل جميعا مصونة من التلبيس والافتراء والكذب .
جاء القرآن الكريم ليعلم الناس حقيقة الرسالة ويصدع بالحق الذي جاءت به الرسل وأنزلت به الكتب . ويرد كلَّ باطل أُلبس عليهم وكل ضلال نسب إليهم . فلم يعد هناك سبيل لكتمان ما جاء به الرسل والكتاب المحفوظ مهيمن وأمين وشاهد . ولا مهرب للمفرقين بين الرسل من حساب وجزاء . والقرآن يتلى عليهم ويبين حقيقة ما جاءوا به من الدين وأنه واحد . ولا حجة بعد بيان ، ولا معذرة بعد تبليغ وإنذار ﴿
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً [النساء : 150 ـ 151]
إن التفرقة بينهم وهم يدعون إلى دين واحد ـ كفر بهم جميعا وتكذيب أحدهم تكذيب لهم جميعا . وعداوة أحدهم عداوة للحق الذي بعثوا به . والحق واحدٌ لا يتعدد . وهو ما دعوا إليه جميعا ﴿
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء : 25] إن رسالات الرسل جميعا منبعها واحد وأصلها واحد .
وهذه الحقيقة ذات تأثير بليغ في سلوك الفرد وراوبط المجتمع .
وشتان بين من يؤمن بالرسل جميعا والكتب جميعا ولا يفرق . وبين من يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض ﴿
وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً ﴾ شتان ما بينهما في الصفات والسلوك والأخلاق . شتان بين من يوحد ولا يفرق وبين من يفرِّق ويرى ذلك دينًا يدين به ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ [الشورى : 14]
إن رسول الله
[صلى الله عليه وسلم ] كرَّم الأنبياء جميعا وآمن بهم وطلب الإيمان بهم جميعا وعد الإيمان بهم أصلاً في رسالته والتفريق بينهم إنكارًا لدعوته . وذاك هو إيمانه وتلك دعوته ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ [البقرة : 285]
وكان من فضل الله على الناس أن يضمن لهذا الكتاب الذي ضم الاعتراف بالأنبياء جميعا الحفظ والبقاء وهو يسجل الصفحات البيضاء لهم جميعا ويضعهم في موضعهم إذ يردُّ ما افترت الأهواء عليهم .
وهو بهذا يقول للإنسانية جميعا تلك هى الحقيقة الماضية على يد الداعين إليها من رسل الله وأنبيائه . وتلك هى الحقيقة محفوظة باقية في كتاب عزيز﴿
لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت : 42]
وذاك هو النداء في هذا الكتاب ﴿
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً [النساء : 136]
أخي المسلم ، ومع إنزال الكتاب وحفظه وهداه وتبصرته لا عذر لمن فرط في جَنب الله أو أساء الظن بالله . والكتاب الكريم يخبرنا في ثقة وحق عن مصير هؤلاء وأولئك وعاقبة من أحسن أو أساء ﴿
لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً * وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً * وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً [النساء : 123 ـ 126]

أم عبد الله 16-06-2009 10:11 AM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حديث القرآن عن القرآن
ـ 24 ـ

د / محمد الراوي
ومن حديث القرآن عن القرآن ما تضمنه قوله تعالى في سورة النساء ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ﴿174﴾ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِالله وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء:174 ـ 175]

والبرهان : الحجَّةُ الفاصلة البينة . وبرهن عليه : أقام الحجة .

الظاهر في نفسه المُظْهِرُ لغيره يُسمَّى نوراً .

والنور من صفات
الله عز وجل . قال الله تعالى ﴿ الله نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [النور: 35]
﴿
يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ﴾ وهو القرآن الكريم سمَّاه نورا ، لأنه يُهتَدَى به من ظلمات الضلال والباطل . وهذا القرآن يحمل برهانه للناس من رب العالمين . وهو نور كاشف للظلمات والشبهات . فمن اهتدى به فاز ونجا ومن أبى وأعرض شَقِي وخسر ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ﴾ تنكشف به حقائق الأشياء ويُفرق بين الحق والباطل في داخل النفس وواقع الحياة . حيث تجد النفس من هذا النور ما ينير حياتها وللقرآن أثره البالغ في لين القلوب وسكون النفوس وزيادة الإيمان واستقامة السلوك ﴿ الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ الله ذَلِكَ هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر : 23]

وللقرآن أثره في روابط الناس وصلاتهم . فهو هدى ونور مبين .
والنور المبين تتحدد به المعالم ويُعرف به الطريق ويهتدى به للوصول إلى الغاية والمصير بلا تعسر أو التباس ﴿
قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ﴿15﴾ يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة : 15 ـ 16]

إن هذا الكتاب الذي جعله
الله نورا كما جعل الشمس ضياء قد حفظه ليكون الناس على بينة من أمرهم ولا حياة بلا نور ﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام : 122]
إن للحق نوره وبرهانه , وإن له نفعا وبقاء .
﴿
فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد : 17]
وأنعم بنور لا يكشف لك دُرُوبَ في دنياك فحسب ، بل يبين لك ما أنت صائر إليه ومنته عنده . ولا يدع مرحلة من مراحل السير بغير كشف وبيان .

ومن تدبر القرآن عرف نفسه من أين جاء
؟ وإلى أين يصير ؟ والقرآن يذكره بالبداية والنهاية ، ويبصره بما يجب أن يكون عليه للفوز بالعاقبة وحسن المصير ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ﴿12﴾ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ﴿13﴾ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴿14﴾ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ﴿15﴾ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ ﴿16﴾ وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ [المؤمنون : 12 ـ 17]
هكذا في ثقة ويسر تقدم الحقائق للناس ويقام البرهان ويتضح المسير في غير لَبْسِ أو غموض . الناس يمرون بالحياة ولا يقيمون . « و
الله لا تموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون . ولتحاسبن عما تعملون » حقائق لها تأثيرها البالغ في تربية الإنسان وتبصرته وإعداده للفوز برحمة الله ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِالله وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء : 175]

أخي المسلم : إن رحلة الحياة الدنيا عميقة الدلالة . يظفر السعيد بدلالتها وينعم بتبصرتها . ويفتن الشقي بزينتها ويؤخذ بزهرتها . ومن رحمة الله بالخلق أن تكون دلائل الحق فيهم وفيما خلق لهم من شئ ، وأن يجيئهم الحق من ربهم بإرسال الرسول وإنزال الكتاب ليكون العلم بالحق فطريا لا تكلف فيه . تقرأ آيات الله فيما أنزل وتجد صدقها في نفسك وفي الأفاق من حولك . والحق نور تقوم به الحاة , وحبل واصل من السماء ، يعتصم به الأحياء ، ويرتفعون عن الخلود إلى الأرض واتباع الأهواء . ومن آمن بالله اهتدى بهداه ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [التغابن : 11]

أم عبد الله 16-06-2009 10:11 AM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حديث القرآن عن القرآن
ـ 25 ـ
د / محمد الراوي
ومن حديث القرآن عن القرآن ما تضمنه قوله تعالى في سورة المائدة : ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ﴿15﴾ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة : 15ـ 16]
نور وكتاب مبين ، وصفان لما جاء به الرسول
[ صلى الله عليه وسلم ]، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ، ذاك هو السبيل لمن ينشد السلام في أي زمان ومكان . السلام بمعناه الواسع الممتد في حياة الفرد والمجتمع والعالم بأسره . سلام البيت والأسرة . وسلام المجتمع والأمة ، بل سلام البشر والإنسانية جميعا في العاجلة والآخرة .
السلام القائم على الحق والعدل . الذي تنتصر فيه الفضائل وينعم الناس بالأمن والتراحم . ولا أمن مع ظلم وجور ، ولا سلام يرجى مع كفر وجحود .
فإن الأمن والسلام يرتبطان بصفات النفس ويتصلان بالقيم والأخلاق . ولا بد للقيم من منهج يهتدي الناس به ، وللأخلاق من أسوة تكون أمام الناس في كل شأن . وقد اختار الله الأسوة وأنزل الكتاب . ﴿
قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ﴿15﴾ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ [المائدة : 15 ـ 16] ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب :21] وليس من يرجو اليوم الآخر بمعزل عن شئون الحياة , بل هو مصلح فيها محقق لما ترجوه من خير وما تنشده من بر .
إن العدل والحق . والأمانة والصدق والوفاء والبر والرحمة والحب . صفات لا بد منها لتحقيق الأمن الصادق والسلام الآمن . وهى صفات من يرجو الله واليوم الآخر فيتأسى برسول الله
[ صلى الله عليه وسلم ] ويتخلق بما تخلق به وقد كان خلقه القرآن يرضى برضاه ويسخط بسخطه . ذاك هو النور الذي تُرى به الأمور على حقيقتها دون غبش أو التباس . ويعرف الإنسان ما له وما عليه دون تعدِّ أو انتقاص . وبغير هذا النور يتخبط الناس في الظلمات وتُساء المعاملة ولا تصان الحرمات .
والإنسانية ـ وقد غدت بوسائل العصر وكأنها بيت واحد ـ تحتاج في سلامها العالمي إلى دين عالمي يكون العالم أمام عدله سواء . لا يفرق بين جنس وجنس أو لون ولون . كما لا يفرق في عدله بين عدوٍّ وصديق وقريب وبعيد وشريف ووضيع .
دين يحترم قيمة الإنسان ويقدِّر كرامته ويحوطه بسياج اليقين ويطبعه على البر والرحمة ، دين يبدد بنوره ظلام الخوف ويحقق أسباب السلام ويقيم دعائم الثقة .
يقيم العدل في ذات الإنسان أولا بين مطالب جسده وفضائل روحه ليتحقق العدل في الخارج وتقوم عليه حراسة ذاتية من قبل الإنسان وضميره .
دين يبقى على الإنسان مكرَّما في الأرض وخليفة لمالك الملك وأمينا على شرائع العدل وقد ارتضى الله لنا هذا الدين وأتم لنا به النعم وحفظ لنا النور والكتاب المبين . ولا إنقاذ للبشرية كلها إلا بما حفظ الله ولا هداية لها إلاّ بهداه .
دين يدعو إلى الإيمان بالرسل جميعا لا يفرِّق ويدعو إلى كلمة سواء تنصف المظلوم حيث كان وتأخذ على يد الظالم من أي جنس كان . هو دين السلام والإسلام وبه أرسل الله الرسل جميعا وأنزل الكتاب وحفظ ما أنزله على رسله في كتاب عزيز لا يقترب الباطل من ساحته .
دين رب العالمين للناس أجمعين ﴿
تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان : 1]
﴿
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] ﴿ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف:158]
والمسلمون جميعا مسئولون بين يدي الله عن إدراك هذه الحقيقة والعمل بها ودعوة الناس إليها ﴿
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ [الزخرف:44] فعليهم أن يدركوا أن دينهم يدعو إلى السلام . وللسلام أسسه ومقوماته ، وله قواعده وغاياته .
واتباع الكتاب والاقتداء بالرسول هو سبيل السلام فليستمسكوا بما أُمروا به من ربهم وما دعوا إليه وليعلموا أن دوافع الماديين ترتبط بمنافعهم لا بمرضاة ربهم . فلا يستخفنهم من يزهو بدنياه ولا يوقن بأخراه , وليجعلوا من نور هذا الكتاب المبين هدًى لهم في كل شأن وليعتصموا به حيث كانوا . فإنه حجة لهم أو عليهم . وليخاطبوا وليأخذوا بالأسباب في نصرته والدعوة إليه . فإنه الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟ وليكونوا على علمٍ بعصرهم وزمنهم حتى يأخذوا بالأسباب على بصيرة وليخلصوا النية في جميع أعمالهم ؛ فإن إعلاء كلمة الله عز لمن ابتغاه ، وقد أعزهم الله بالإسلام فمن ابتغى العز في غيره أذله الله . وذاك هو الطريق إلى السلام لهم ولغيرهم ، وهذا ما جاء من ربهم الذي له القوة جميعا والعزة جميعا ﴿
قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ﴿15﴾ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة :15ـ 16]

أم عبد الله 16-06-2009 10:12 AM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حديث القرآن عن القرآن
ـ 26 ـ
د/ محمد الراوي
﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿48 ﴾ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ [المائدة : 48 ـ 49]

﴿
وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ﴾ والكتاب هو القرآن الكريم وهذه الآية لها دلالتها فيما تؤديه كلُّ كلمة بذاتها أو متعاونة مع أخواتها في بيان شأن القرآن الكريم في ذاته ، وبالنسبة لما بين يديه من الكتب ، وما يجب من عمل به ، واتباع له ، وتسليم بحكمه .

وتدبر أخي المسلم دلالة هذه الكلمات في هذه الآية من حديث القرآن عن القرآن .

﴿
وَأَنْزَلْنَا ﴾ والمنزِّل هو الله تعالى . وكفى بذلك دلالة على الحق وما يجب من حرص عليه وتمسك به وقد اتصل الفعل أنزل بنون العظمة « نَا » في الحديث عن الكتاب المحفوظ المعجز المهيمن ، كما نرى ذلك في الحديث عن تنزيل الذكر وحفظه في قوله تعالى في الحجر ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ

« إِلَيْكَ » : هكذا بكاف الخطاب دون ذكر اسمه صلى الله عليه وسلم ، فيه ما فيه من تكريم لنبيه وتنويه بعلو مكانته واختصاصه بانتهاء التنزيل إليه دون سواه صلى الله عليه وسلم ، وجلَّ من أنزل واصطفى من أُنزل عليه و ﴿
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ

« الْكِتَابَ » : دون وصفٍ له لأنه الجدير بان يُسمَّى وحده بالكتاب فهو الفرد الكامل الحقيق بأن يُسمّى كتابا على الإطلاق لحيازته جميع الأوصاف الكمالية لجنس الكتاب السماوي وتفوقه على بقية أفراده وهو القرآن الكريم فاللاِّم فيه للعهد.

« بِالْحَقِّ »: وكل ما سبق هذه الكلمة يدل عليها . فالمنزِّل هو الله . والمنزل عليه هو رسول الله صلى الله عليه وسلم . والمنزَّل هو ذلك الكتاب . والنَّازل به هو الروح الأمين . فأيُّ دلالة على الحق وصونه وحفظه أوفي وأكمل من ذلك﴿
قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ . وقوله ﴿ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ مع ما فيه من دلالة على تصديق الكتب المنزلة قبله فإن كلمة « لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ » تكاد تجعلك تنطق بهيمنته قبل أن تسمع : « وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ » وأنه حاكم عليها ومؤتمن وحافظ وشهيد .

والقرآن الكريم أمين على الكتب المتقدمة قبله يعرض ما فيها من الحق ويرد ما ينسب إليها من باطل .

﴿
فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ والمقصود الحكم بين أهل الكتاب بما بيَّن الله في هذا الكتاب ولكن لم يأت القول على هذا النحو الذي ذكرتُ ، وإنما جاء بما يدعو إلى وجوب الخضوع والرضا والتسليم حيث قال: ﴿ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ فلا مجال للمراوغة أو التفلت والإعراض . فإن الحكم بما أنزل الله ليس منسوبا إلى غيره فمن عارضه أو أباه فقد عارض الله ومن أعرض عنه فقد أعرض عن الحق ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾ ولا مفر من عَوْدٍ إلى الله وحساب بين يديه ﴿ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ

إن الحكم بما أنزل الله واجب الطاعة والرسول صلى الله عليه وسلم يبلِّغ ما نزل إليه من ربه ، فطاعته طاعةٌ لله ومعصيته معصيةٌ لله ﴿
فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [ النور : 63]﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا [ الأحزاب : 36].

والرسول صلى الله عليه وسلم مأمور أن يتبع الحق الذي أنزل إليه منهيّ عن مجاوزته أو الانحراف عنه ﴿
وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ﴾. إن الحكم بما أنزل الله يتنافى مع اتباع الأهواء ، لأنه الحق ، واتباع الأهواء ضلال وباطل تفسد به أحوال الناس , والحق ثابت مستقيم ، لا تجوز مجاوزته أو الميل عنه ، فلا تتزحزح أو تنحرف عما جاءك من الحق ـ وهو القرآن ـ متَّبِعًا أهواءهم كما قال الله عز وجل ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴿18 ﴾ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ﴿19 ﴾ هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [ الجاثية : 18 ـ20]

إن إنزال الكتاب بالحق داع إلى حسن اتباعه والاستمساك به .

ومما يعين الناس على اتباع الحق في كل شأن من شئونهم تطبيق ما جاء من الحق في الاعتقاد والتربية وإقامة الفرائض التعبدية والفضائل والأخلاق .
فإن الإنسان هو محور الإصلاح وهو المخاطب بالتطبيق فلا بد من صلاحه واستقامته ، والمسلمون مطالبون دائما أن يعالجوا الأحداث المتجددة بفطرة الدين مستعينين بقواعده وأصوله . فإن من الخطأ بل من الخطيئة أن تثار قضايا الدين بعيدا عن الواقع أو يعالج الواقع بغير فطرة الدين .

إن الناس إذا لم يُسعفهم البيان الحق في الأحداث المتجددة والقضايا المتلاحقة تخطفتهم أندية الباطل وأبعدتهم عن أصول دينهم بتذليل شئون دنياهم .

ولأن يخطئ المسلمون في الاجتهاد السليم الصحيح خير لهم من التبعية والمطاوعة لغيرهم .

ولأن يعيشوا بأجر الخطأ في الاجتهاد خير من العيش بوزر القصد في المطاوعة ، مطاوعة من يردهم عن دينهم ويبعدهم عن أصوله ﴿
وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [ آل عمران : 101]إن الأمر ميسور لمن تحرَّى العدل ورغب فيه . وطلب الحق واجتهد في الحرص عليه والتمسك به .

والدين هو الحق والعدل كل ما جاء به ودعا إليه .

وهذه الكلية من أمر الدين تحث المسلمين على مواجهة الأحداث المتجددة في ثقة وبينة فمقصد الدين هو إقامة العدل بين جميع الخلق .

فليثق المسلمون في أنفسهم مع ثقتهم في دينهم وليُعَالِجُوا ـ في غير حرج ـ قضايا عصرهم بفطرة دينهم ، وليخضوا معركة الحياة وفي طريقهم نوران : كتابٌ وسنة . فمهما اتسعت الحياة وتعددت أحداثها فإن معهم الثابت في أمر دينهم ما ينير طريق المتغير في حياتهم . معهم من القواعد والأصول ما يتسع لجزئيات الأحداث واختلافها باختلاف الزمان أو المكان وما يجعل شريعتهم صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان .

وبذلك تكون صلتهم بالحق الذي أنزله الله دائمة ومتجددة ، راشدة ومثمرة ، ويستمد كل جديد في دنياهم أسباب حياته من شمس دينهم ونور كتابهم ، فلا تنفصل قضايا عصرهم عن الحق الذي أنزله الله وأمر أن يُحكم به .

بل تتصل به اتصال النبت المتجدد بأسباب الحياة واتصال الحياة بمصدرها فلا تُحْكَمُ إلا بما أراها الله .

وبذلك تحقق الأمة الإسلامية ما أمر الله به وحذَّر من مخالفته أو الميل عنه﴿
فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ [ المائدة : 48].

وهل تسلم دنيانا من سيطرة الأهواء وغلبة الأعداء إلاَّ باتباع هدى الله ؟ وهل تتحرر نفوسنا من المؤثرات التي تميل بها عن الحق وتبعدها عن الصراط المستقيم إلا بصدق الإخلاص لله وحسن التوجه إليه ﴿
وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [ العنكبوت : 69]﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ التغابن : 11]

أم عبد الله 16-06-2009 10:12 AM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حديث القرآن عن القرآن
ـ 27 ـ
د / محمد الراوي
﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ [المائدة : 49] إن الحكم بما أنزل الله ـ وهو الحق ـ ليس نافلة في حياة الناس ، بل هو الواجب الذي لا يُعْفَى أحدٌ من السؤال عنه والتمسك به . إن ما أنزل الله من الحق لا تستقيم الحياة إلا به ولا يتحقق بدونه سلام ولا أمن . وواجب على المؤمنين في كل زمان ومكان أن يعرفوا سنن الله في خلقه وأن يدركوا أنها سننٌ لا تجامل ولا تحابي ولا تتبدل ولا تتحول . فلكل عمل جزاؤه ، ولكل سعي عاقبته ومن مقتضيات الإيمان تحكيم شرع الله والتسليم به وإيثاره على كل ما سواه.
﴿
فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء : 65] فليحذر أهل الإيمان في كلِّ زمان ومكان ما يبعدهم عن شريعة الله والحكم بما أنزل. فليحذروا المؤثرات التي تميل بهم عن الحق وتصرفهم عنه وتبعدهم عن استحباب الهدى والرشاد فالحسد والبغي والظلم والكبر والعناد . واتباع الهوى ، والغلو. والاستهزاء بدين الله والقول على الله بغير حق، واتباع الشيطان . وكراهة الحق. وإرضاء الناس في سخط الله، واتباع الظن، والجهل وعدم العلم، والنفاق، وتكذيب الحق من أول وهلة دون تدبر أو نظر ، والغرور بالحياة الدنيا، وسوء الظن بالله وطول الأمد وقسوة القلب ، واتخاذ أعداء الله أولياء توهما لتحقيق منفعةٍ أو دفع مضرة. واتباع الباطل والركون إلى أهله .. كل ذلك وغيره من الشرور والمفاسد والعلل التي تصرف الناس عن الحق وتبعدهم عن استحباب الهدى والرشاد . وهذه المؤثرات تميل بالناس عن الحق ـ وإن تعددت أو تداخلت ـ فإنها جميعا ظلم للنفس وظلمات يوم القيامة ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [آل عمران:117] إنها ذنوب وآثام تدمر أصحابها وتسوقهم إلى أسوأ مصير . وكم من نداء للعباد أن يفيئوا إلى رشدهم وأن يتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم من قبل أن يأتيهم الموت. كم من نداء يحذرهم من التكذيب بالحق والإعراض عنه. وما أنزل الله من الحق هو لمصلحتهم في دنياهم وآخرتهم والله غني عن العالمين. وآيات الله تتلى عليهم وتدعوهم إلى الإنابة إليه والإسلام له واتباع ما أنزل من قبل أن يأتي الموت أويقع العذاب ﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴿54 وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴿55 أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ﴿56 أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴿57 أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴿58 بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آَيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ [الزمر : 54 ـ 59] إن من أنزل الحق سيحاسب عليه والخلق جميعا عائدون إليه ومحاسبون بين يديه. وسيكون شاهد الإنسان عليه من نفسه وإدانته بعمله . ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿24 يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ [النور : 24 ـ 25] فطوبى لمن استمسك بالحق ولم يمت إلا عليه . وطوبى لمن رضي بحكمه واتبع هداه ولم يفرط في جنب الله. طوبى لمن آمن ولم يلبس إيمانه بظلم ﴿ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82].

أم عبد الله 16-06-2009 10:13 AM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حديث القرآن عن القرآن
ـ 28 ـ
د / محمد الراوي
ومن حديث القرآن عن القرآن ما تضمنه قوله تعالى في المائدة ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ [ المائدة : 83 ـ 85 ]
القرآن حق . وللحق سلطان على النفوس ، وهو يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم . نعم ، للحق سلطانه وتأثيره في النفوس وانتصاره فيها .
وانتصار الحق في النفوس تراه في صور متعددة : تراه في صبر مجاهد ، وفي توبة تائب ، وفي سخاء جواد ، وعفة فقير .
تراه في خضوع النفس لدوافعه وانقيادها لأوامره ، وفي وجل القلب لحديثه ويقينه بوعده ووعيده .
وانتصار الحق في النفوس يحقق لها فوزًا وفلاحًا . وتلك ميزة لا تكون إلا للحق ومنفعة لا تقوم إلا به . تخضع له النفوس فتعز . وتستجيب لأوامره فتسمو . وتعتصم به فتبرأ من الآثام وتسلم من النقائص . وتلجأ إلى غيره فلا تأمن إلا باللجوء إليه .
إنه الحق . والحقُّ خير كلُّه . وبر وصدق وعدل ورحمة .
يذنب المذنب فيتوب فلا يعيِّره بذنبه ويُعرض من يعرض عنه ثم يئوب فَيَبَرُّ به ويكرمه .
تتحول به النفس من ضلال إلى هدى ، ومن فجور إلى تُقًى . ومن ظلامٍ إلى نور، ومن خوف إلى أمن ، ومن خسران إلى فوز ، ومن جهل إلى علم ، ومن سفاهة إلى حلم ، ومن ابتغاء غير الله إلى الإخلاص لله ، ومن الخلود إلى الأرض إلى رجاء من في السماء ، ومن الإساءة إلى الخلق إلى الإحسان إليهم والبرِّ بهم ، ومن الظلم للنفس والغير إلى العدل مع النفس ومع الغير ، ومن نصرة القريب مهما ظَلَم إلى الأخذ على يده إذا ظلم ، ومن وأد البنات إلى تكريمهن وحسن تربيتهن ، ومن الخصومة والتباغض إلى الأخوة والتراحم ، ومن التناكر والتقاطع إلى التعارف والتعاون .
ذاك هو الحق وتلك بعض آثاره وانتصاره في النفس وإيثاره . ﴿
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ( الحج : 54 ) إيمان بالحق نشأ عن علم ومعرفة وَجِلَت له القلوب وفازت بهدايته ـ هداية الله ـ واستقامت على صراطه المستقيم .
ومن آمن بالحق أبصر نتائجه وأدرك عواقبه . ومن لم يؤمن أيقظته طلائعه وصحبته قوارعه .
والمؤمن يتعهد قلبه بذكر الله وما نزل من الحق كما تُتَعَهَّد جنةٌ بوابلٍ أو طلّ فتؤتي أكلها وثمارها كل حين بإذن ربها .
وإحياء النفوس بالحق لا يتوقف ، وعطاؤه لا ينقطع ، بل يتجدد تجدُّدَ الماء في السماء فيصيب به من يشاء ، ويصرفه عمن يشاء وهُوَ هو من قبل ومن بعد .
لا تنبت الأرض بغيره ولا تحيا بسواه . والماء هو الماء في ماض وحاضر .
والحق هو الحق في سابق ولاحق . من آمن به اليوم وجد نفسه مع السابقين من المؤمنين يحسُّ بإحساسهم ويشعر بشعورهم ولا يجد فارق زمن بينه وبينهم ، بل يقول في ثقة ، ذاك هو الحق الذي آمن به السابقون وجاء به النبيون . كما قال ورقة بن نوفل لرسول الله صلى الله عليه وسلمحين جاءه الوحي . هذا الناموس الذي أنزله الله على موسى ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك . قال : أو مخرجي هم ؟ قال : نعم . ما جاء رجل بمثل ما جئت إلا عودي . وكما قال من آمن من أهل الكتاب حين تُلي عليهم ما أُنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم﴿
قَالُوا آَمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ [ القصص : 53 ]
وذاك تأثيره في نفوسهم أثره في أقوالهم وأعمالهم ﴿
وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ [ المائدة : 83 ـ 84 ]
وهذا ثوابهم وجزاؤهم عند ربهم ﴿
فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ [ المائدة : 85 ] إن للحق خصائصه وآثاره وله نبته وثماره التي لا تستند إلى غيره ولا تكون لسواه ، ومن رأى النخل باسقات لها طلع نضيد لم يغب عنه في التربة ماءً وأن الحياة لا تكون بدونه .
وأهل العلم والإيمان في كل زمان ومكان يعرفون ما للحق من حياة ولا تخفى عليهم آثاره وثماره ، والحقُّ في نفوس هؤلاء ينتصر على ما سواه ، ويرون بنوره ما هم مقبلون عليه وصائرون إليه . يرون أخراهم في دنياهم ويعملون لها ويشفقون منها .
ينتصر الحق في النفوس فيطوعها لعمل الخير ويجعلها تنظر ما قدَّمت لغد . فلا ترى غير الحق أصلا للحياة وسبباً للنجاة . ولا تماري في وقائع الحق وآياته . وهى تؤمن أن الساعة آتية لا ريب فيها ـ وهى حق ـ فتعمل لها وتشفق منها .
إن الذين آمنوا بالحق ينتصر الحق في نفوسهم فلا تلهيهم العاجلة عن الآخرة ولا تشغلهم الرغائب عن العواقب . بل يمشون في الأرض يبتغون من فضل الله وهم يحذرون الآخرة ويرجون رحمة ربهم ﴿
اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ [ الشورى : 17 ـ 18 ] والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق وأنها تكون بالحق للفصل بين من اتبع الحق وبين من اتبع الباطل ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ [ الروم : 14 ]
ذاك ما يحققه إيمانهم بالحق يخلصهم من الركون لدنياهم ولا يجعل لها سلطانا عليهم . بل تكون بسبب الحق الذي آمنوا به خادمة لغاياتهم خاضعة لمقاصدهم ، يريدون بها الآخرة فيصلحون ولا يفسدون ، ولا يريدونها في ذاتها فيفسدون ولا يصلحون .. وإشفاقهم من الساعة نصرٌ للحق وإعلاءٌ للصدق وإشاعة للبر وإمساك عن الشر .
وتلك ـ وربي ـ دعائم السلم لمن طلب السلم وأسباب الأمن لمن ابتغى الأمن .
وليس انتصار الحق في النفوس وإيثاره في معركة طارئة من معارك الحياة فحسب . بل هو انتصار يقود إلى ملازمة واتباع . اتباع للحق في كل شأن وطاعة له في كل أمر ﴿
وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ [ محمد : 2 ـ 3 ]
وليست هذه الملازمة في الاتباع ترتبط بمعنى يقف عند حدود الدنيا ولا يزيد ، بل هو اتباع يتجاوز حدود الدنيا إلى غيرها وينشد ما وراءها .
وشتان بين اتباع واتباع . بين اتباع الباطل في بطلانه واتباع الحق في ثباته وبقائه . وشتان بين النتائج في الحالين . وشتان ما بين الفريقين ﴿
وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [ العصر ]
تواصٍ بالحق يدل على إيثاره وتواصٍ بالصبر يدل على دوامه ، وتآزر يدل على الإصرار على الثبات حتى الممات . وقد يتواصى الذين يتبعون الباطل فيما بينهم لحظة من نهار . وتراهم فيما بينهم وعند تبدُّل الأحوال اشدَّ الناس نكراناً لباطلهم . وما يبدو غير ذلك إنْ هو إلا ركون لزهرة الحياة الدنيا في إملاء واستدراج ينتهي بدمار وخسران . ﴿
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ [ الجاثية : 37 ]
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، وأحسن عاقبتنا في الأمور كلها إنك نعم المولى ونعم النصير


أم عبد الله 16-06-2009 10:13 AM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حديث القرآن عن القرآن
ـ 29 ـ
د / محمد الراوي
ومن حديث القرآن عن القرآن ما تضمنه قوله تعالى في سورة الأنعام : ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [الأنعام : 19]
وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية نزلت لما قال كفار مكة للنبي صلى الله عليه وسلم أرِنَا من يشهد أنك رسول الله فإنا لا نرى أحداً نُصدِّقه . ولقد سألنا اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر .

وقد جاء بعد هذه الآية قوله تعالى : ﴿
الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [الأنعام : 20]. وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وأسلم عبد الله بن سلام وهو من بين اليهود شرفاً وعلما ، فهو حبرهم وابن حبرهم وعالمهم وابن عالمهم . فلما أسلم قال له عمر بن الخطاب : إن الله قد أنزل على نبيه بمكة ﴿ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ﴾ فكيف هذه المعرفة ؟

قال عبد الله بن سلام : يا عمر لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ولأنا أشدُّ معرفة بمحمد مني بابني .
فقال عمر : كيف ذلك ؟ قال : أشهد أنه رسول الله حقا ولا أدري ما تصنع النساء.
وَاَعَجبًا أن تُطْلَبَ الشهادة على نبوة محمد من كفار مكة والقرآن يتلى عليهم . وفي القرآن شهادة من الله له ، وما كان يتلو من قبله من كتاب ﴿
وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (49) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [العنكبوت : 48 ـ 52]
﴿
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ﴾ والقرآن الذي أوحى الله به إلى نبيه قد حفظه ليكون بلاغا للناس ونذيرا للعالمين فهو للأجيال كلها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
﴿
تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان : 1]﴿ قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا [الأعراف : 158]
رسالة عامة شاملة ينذر كتابُها ويبشر وهو يتلى على الناس ﴿
فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ [النمل : 92]

وقد بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم ما أنزل إليه من ربه وبشر وأنذر كما أمر ولم يعد لأحد عذرٌ بعد ولا حجة بعد إعذار وإنذار ﴿
وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء : 115]

إن هذا القرآن بيان للناس وإنذار لهم قبل يوم الحساب . وهو كتاب مقروء محفوظ تبلَّغ به الأجيال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها . ولا يقترب الباطل من ساحته . وبه يعرف ما ينسب إلى الحق وما يخالفه وتكشف أوثان الباطل وأصنامه ، وأولياء الشيطان وأعوانه . وتبقى به مصابيح النور على الصراط المستقيم مشرقة مضيئة هادية فلا يُلبَس الحق بالباطل ولا تلتبس على الناس السبل . إنه صراط واحد مستقيم يقف القرآن الكريم داعيا وهاديا إليه . وما عداه سبلٌ يتخبط أهلها في الظلمات وتفضي بهم إلى فرقة ضالة وعذاب مهين ﴿
وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام : 153]


أم عبد الله 16-06-2009 10:14 AM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حــديـث القــرآن عــن القــرآن
ـ 30 ـ

د / محمـد الـراوي
ومن حديث القرآن عن القرآن ما تضمنه قوله تعالى في سورة الأنعام : ﴿ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴿66﴾ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [الأنعام: 66ـ67]
والضمير في قوله ﴿ وَكَذَّبَ بِهِ ﴾ راجع إلى القرآن الكريم ويحتمل أن يعود على الوعيد الذي تضمنه هذه الآية من قبل ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ
[الأنعام :65]
﴿ وَهُوَ الْحَقُّ ﴾ يعود إلى القرآن الكريم أو ما تضمنه من وعيد .
والرسول مبلِّغ عن ربِّه . ينذرهم عاقبة تكذيبهم ولا يملك هدايتهم أو إجبارهم على الإيمان ، كما لا يملك حفظهم أو دفع العذاب عنهم ﴿ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ
ولا حجة لهم وقد أُرسل إليهم ، ولا عذر لهم وقد جاءهم الحق من ربهم . ولا مفرَّ
من العذاب لمن كذب بالحق وأعرض عنه . ﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ وعيدلمن كفر .
لكل خبرٍ أخبر الله تعالى به من وعدٍ أو وعيد مستقرٌّ في الدنيا أو في الآخرة .
ويخطئ من يستبطئ العاقبة أو يستبعد الجزاء .
فإن السنين الطوال إذا مضت غدت في حسِّ الإنسان دقائق وثواني ﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ﴿112﴾ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ ﴿113﴾ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿114﴾ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴿115﴾ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ
[المؤمنون: 112 ـ 116]
﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ
[الروم: 55] ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا [النازعات:46] عندئذ توفى كلُّ نفس ما عملت ﴿ يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا [النبأ:40]
إن التكذيب بما نَزَلَ من الحق مُفْضٍ إلى عقاب قد يُعَجَّلُ وقد يُؤجَّلُ إلى حين ولكن المكذبين لن يفلتوا منه بحال . ولن يجدوا مَوْئِلاً لفرار . ولن يكونوا أكثر أو أشد قوة ممن كذب من قبلهم . فقد أخذهم الله بذنبهم وجعل أخذهم عبرة لمن بَعْدهم . والأرض هى الأرض ، تحكي لكل جيل ما جرى عليها وما وقع فيها .
وفي آثار من كذبوا صمت رهيب ترتجف منه القلوب وتخشع النفوس . ومن لم يعتبر بما يرى من بوار فليس له من جزاء إلا النار ﴿ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآَثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ﴿21﴾ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ
[غافر: 21 ـ 22]
تلك سنة الله فيمن كذب بما نزل من الحق ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا
[محمد:10]
إن القرآن الكريم حق وهو يدعو الناس جميعا إلى اتباع الحق .
وللحق سلطانه وحجتهُ ولو نظر الجاحدون في أنفسهم لرأوا سلطانه فيهم . فكيف ينكرونه وما من شئ من أمرهم في خلقهم ومعاشهم ، وحياتهم وموتهم ، وليلهم ونهارهم ، إلا وللحق فيه دليل وله بيان وحجة وسلطان ؟!
فإذا دعوا إلى عبادة الله وحده ـ وهذا حق ـ كان لهم من الأدلة على صدق الدعوة إلى الحق ما يدعوهم إلى حسن الطاعة والاستجابة ويبعدهم عن الفسوق والعصيان .
وإذا دعُوا إلى الإيمان بالبعث ـ وهو حق ـ وفيه ما فيه من صلاح دنياهم ـ كان لهم من الأدلة في الأفاق وفي الأنفس ما يدعوهم إلى اليقين بأنه حق .
ومن لا يَدِنْ دين الحق ـ فللحق معه موقف محدد منضبط بضوابط الحق . والحق من الله ولا دخل لأهواء الناس فيه .
والحساب بين يدي الله الذي يعلم حق الناس وباطلهم وسرَّهم وعلانيتهم ﴿ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ
[النور:25]
إن الناس مأمورون باتباع الحق ومحاسبون عليه . والحساب لا يدع شيئا ولن يفلت من ميزانه شئ ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ
[الأنبياء:47]

أم عبد الله 16-06-2009 10:14 AM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
يتبـــــــــــع إن شاء الله

أم عبد الله 20-06-2009 01:51 PM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حـديـث القــرآن عـن القــرآن
ـ 31 ـ
د / محمــد الــراوي
ومن حديث القرآن عن القرآن ما جاء في قوله تعالى من سورة الأنعام ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [الأنعام:92]

إن كلمة ﴿ مُبَارَكٌ ﴾ يوصف بها الماء كما يوصف بها هذا الكتاب . ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ
[ق:9]

وكلنا يدرك إلى أي حدٍّ تنتهي بركة الماء وإلى أي مدى تمتد بركة هذا الكتاب المنزل على رسول الله
[صلى الله عليه وسلم] ، وكيف يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه . فبركته ـ بحمد الله ـ ثابتة وممتدةٌ .

وإذا كانت الأرض الطيبة تقبل الماء فتنبت الكلأ والعشب الكثير ، فإن النفوس ـ بفضل ربها ـ تتقبل وحي الله وتؤمن بآياته ، فتنبت العمل الطيب ، وتثمر الخلق الحسن . تتحرك بإيمانها وتنبعث بيقينها ويؤازر بعضُها بعضا تعبدا لله وطاعة لأمره ﴿ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِه
[الفتح:29] وكثيرا ما نجد في الحديث عن القرآن الكريم يتجاور مع الحديث عن الماء في كتاب الله عزوجل . وهذا التجاور يلفت نظر المتدبر إلى ما بينهما من مناسبة .

والرسول
[صلى الله عليه وسلم] يبين ذلك بقوله ( مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا ) كما جاء في الحديث المتفق عليه عن أبي موسى رضي الله عنه .

إن إيمان الإنسان بهذا واستجابته لما دعاه إليه يحقق له الحياة . كما أن تقبل الأرض للماء يحييها من بعد موات ﴿ وتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ
[الحج:5] أل وإن أثر الماء في تحقيق الحياة محدود بأجل .

ولكن آثار القرآن تمتد مع الإنسان ولا تتخلف عنه في موت أو بعث أو حساب أو جزاء . ( اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه ) كما جاء فيما رواه مسلم عن أبي أمامة ـ رضي الله عنه ـ وعن النواس بن سمعان ـ رضي الله عنه ـ قال : سمعت رسول الله
[صلى الله عليه وسلم] يقول : ( يؤتى بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تَقْدُمُه سورة البقرة وآل عمران تحاجّان عن صاحبهما ). وروى أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي [صلى الله عليه وسلم] قال : يقال لصاحب القرآن : ( اقرأ وارتق ورتّل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها ).

تلك هى بركة القرآن لمن اهتدى به ، تمتد ولا تنقطع , وتدوم مع الإنسان في موت وبعث وحساب وجزاء . نورٌ لصاحبه وحرزٌ من النار , رفعة وارتقاء في درج الجنة بقدر ما حفظ وعمل . اقرأ وارتق , أي في درج الجنة بقدر ما حفظت آي القرآن فأَنْعِم به من صاحب وأكرمْ به من محفوظ وحافظ . ومن محبوب يُدخل صاحبه الجنة بفضل الله ورحمته ، ومن وفيٍّ لا يتخلى عن صاحبه عندما يفر المرءُ من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ، كتاب مبارك لا تنقطع بركته ولا يتوقف عطاؤه ولا ينطفئ نوره ولا يضيَّع صاحبُه فاحفظ أخي المسلم كتاب ربك وحافظ عليه واجعل لسانك رطبا به فإنه أفضل ذكر تذكر به ربّك . واحذر هجره أو الإعراض عنه . فإن في كل حرف منه أجرا أيَّ أجر . ( من قرأ حرف من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول آلم حرف ولكن ألفٌ حرف ، ولامٌ حرف ، وميمٌ حرف ) كما جاء فيما رواه الترمذي عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ وقال حديث حسن صحيح , ولا تجعل قلبك محروما بتركه ( فإن الذي ليس في جوفه شئ من القرآن كالبيت الخرب ) وكن مُتَّبِعًا لهواه فإن من اتبعه قاده إلى الجنة .

ومن أعرض عنه شقي في دنياه وأخراه .

اللهم ارحمنا بالقرآن واجعله لنا إماما ونورا وهدى ورحمة .


أم عبد الله 20-06-2009 01:51 PM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حـديـث القــرآن عـن القــرآن
32

د / محمـد الـراوي
ومن حديث القرآن عن القرآن ما تضمنه قوله تعالى في سورة الأنعام ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴿104﴾ وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿105﴾ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ[الأنعام:104ـ106]
﴿ قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ والبصائر جمع بصيرة وهو النور الذي تُبصر به النفس . كما أن البصر هو النور الذي تبصر به العين . والمراد بالبصائر الأدلة والحجج . ويراد بها هنا آيات القرآن الكريم .
وفي قوله ﴿ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ حث وتحذير . حثٌّ على صدق التمسك وحسن الاتباع . وتحذير من المخالفة والإعراض . فإن هذه البصائر من ربكم الذي خلقكم وربَّاكم بنعمه ، وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض بفضله ورحمته .
وفي وصف البصائر بالمجيء تَفْخِيمٌ لشأنها وجعلها بمنزلة الغائب المتوقع مجيئه . ﴿ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ﴾. أي من تعقَّل البصائر وعَرَفها وأذعن لها فنفع ذل لنفسه لأنه ينجو بهذا الإبصار من النار ﴿ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ﴾ أي عمي عن البصائر ولم يتعقلها ولم يذعن لها فضرر ذلك عائد عليه ؛ لأنه يتعرض لغضب الله في الدنيا والآخرة . وللإبصار نتائجه وللعمى عن البصائر عواقبه .
ولما كان هذا وارداً على لسان الرسول وقد أمر بتلاوته وتبليغه قال : ﴿ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ
﴾ أي قل لهم هذا وذاك ، قل لهم مبِّلغا عن ربك ما أنزل إليك : ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴾ أي برقيب أحصي عليكم أعمالكم وإنما أنا رسولٌ أبلغكم رسالة ربَّي وهو الحفيظ عليكم .
﴿ وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ ﴾ أي مثل ذلك التصريف البديع نصرفها في الوعد والوعيد والوعظ والتنبيه لتقوم الحجّة وتنقطع المعذرة .
ومع تصريف الآيات وبيانها ترى من الناس من يجادل في آيات الله بغير علم ويحاول أن يجد تعليلا لهواه بنسبة هذه البصائر لغير الحق .
﴿ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ ﴾ هذا يا محمد مع أهل الكتاب وتعلمتَه منهم وهم يوقنون أنه ما تلا من قبل من كتاب ولا خطه بيمينه
[صلى الله عليه وسلم] .
وما كان أحدٌ من قبل من أهل الكتاب ولا من غيرهم يعلم شيئا على هذا المستوى من التنزيل المعجز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ولكنه العمى والجهل يقود صاحبه إلى التخبط والجحود .
﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴿48﴾ بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ
[العنكبوت:48ـ49]
إن هذا القرآن يقوم في حياة الناس مقام الشمس في عالم الكون لا يخفى نوره ولا ينقطع مدُّه ولا يذهب أثره ﴿ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ﴾ والبصائر قائمة لا تغيب . ومن عمى عن البصائر فَلِعِلَّةٍ فيه لا في النور والهدى ﴿ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ
[الرعد:19]
ومع الضياء والنور ترى ناسا يأبون إلا أن يكونوا في القبور .
ومن أصحاب القبور أولئك الذين يقولون للرسول الكريم
[صلى الله عليه وسلم] ـ وهم يعلمون نشأته ـ درست أي أعانك عليه قوم آخرون وليس من عند ربك , ويقول أمثالهم على مر السنين ما يقولون. وشمس القرآن فوق رءوسهم لا تغيب ، إن بارحت رءوسهم أنارت عند آخرين ، والناس قديما وحديثا أمام حجج الحق وبيانه فريقان: فريق مبصرٌ يعلم أنه الحق ، وفريق أعمى يجادل في الحق بغير علم .
وعلى دعاة الحق حيث كانوا أن يقتدوا بنبيهم فيما أُمِرَ به ، وان يستمسكوا بالحق دون أن يعبأوا بالذين لا يوقنون .
﴿ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ
[الأنعام:106]اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ﴾ فإنه الحق الذي يريد أهل الباطل أن يصرفوا الداعين عنه وأن يردوا المتمسِّكين به ، وأن يشغلوهم عنه بلغوٍ من القول وأن يبعدوهم بشتى الوسائل والأساليب , والسبيل لردِّ الكيد والصدّ هو صدق الاتباع والتمسك بما أنزل الله على رسوله ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ذاك هو السبيل ﴿ [آل عمران:120] ﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ [الروم:60]
وبذا يكون تحقيق النصر ودفعُ الكيد , إذ لا سبيل لنصر الحق إلا التمسك به والعمل بمقتضاه والصبر والتقوى كما أمر الله .
ومن تدبر النتائج وعرف العواقب أيقن يقينا لا شك فيه أن الحقَّ لا يهزم أبدا ؛ لأن العاقبة له لا لغيره .
وسيعلم الناس جميعا ذلك ويوقنون به ﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
[الشعراء:227]

أم عبد الله 20-06-2009 01:52 PM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حـديـث القـرآن عـن القـرآن
_33_

د / محمـد الـراوي

ومن حديث القرآن عن القرآن ما تضمنه قوله تعالى في سورة الأنعام ﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴿114﴾ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام: 114 ـ 115 ]

إن الميل عن الحكم بما أنزل الله قصدا وعمدا دلالة على انحراف القصد وسوء المصير .

والإعراض عنه دلالةٌ على ريب النفوس ومرض القلوب . وسوء ظن بالله وبالرسول. ﴿ وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ﴿47﴾ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ﴿48﴾ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ﴿49﴾ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ
[النور: 47 ـ 50 ]

إن القرآن الكريم قد أُنزل ليحكم به ويرجع إليه وهو يهدي في كل شأن للتي هى أقوم ولا يأبى حكمه إلا أولئك الذين يبغونها عوجا .

ولن تستقيم حياة الناس إلا بالرضا بحكم الله والتسليم له.

وقد أمر الله الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول لأولئك الذين يميلون إلى زخارف الشياطين ﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا
﴾ معناه : قل لهم : أأميل إلى زخارف الشياطين فأبتغي غير الله حكما ؟

وفي توجيه هذا القول ما فيه من إنكار على أولئك الذين تميل قلوبهم لغير ما أنزل الله مما تمليه الشياطين وتزينه فتصرفهم عن الرضا بحكم الله والتسليم له .

إن الحكم بغير ما أنزل الله مجافاةٌ للحق وبعد عن الصراط المستقيم .

والله قد أنزل الكتاب بالحق وحفظه من التبديل والتحريف ليكون هداية للأجيال كلِّها ورحمةً للعالمين. فمن ابتغى الهدى في غيره أضله الله.

إنه القول الفصل والحكم والعدل في كل شأن من شئون الخلق .

والذين آتيناهم الكتاب من علماء اليهود والنصارى يعلمون أن القرآن منزل من ربك بالحق . وفي تقرير أن القرآن منزل من ربك بالحق فيه ما فيه من دعوة لجميع الحلق لاتباع الحق . والحق جدير أن يتبع , وأن تحذر مخالفته أو الإعراض عنه . فإن للحق نوراً وناراً فمن أبي النور فالنار موعده .

ومن علم أنه الحقُّ مدانٌ مسئول .

والكارهون للحق أو المبغضون له مأخوذون به خالدون في ناره .

﴿ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ
[الزخرف : 74 ] وعلَّة خلودهم فيها كراهيتهم للحق الذي جاءهم من ربهم ﴿ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [الزخرف : 78 ]

فهم بسبب كراهيتهم للحق مجرمون . وهم من أجل ذلك في عذاب جهنم خالدون . ذاك هو المصير لمن كره الحق أو أعرض عنه وهو يعلم أنه الحق .

والله هو الحق وقوله الحق وقد أنزل الكتاب بالحق .

ولا نجاة إلا لمحق ولا فوز إلا لمن كان على الحق الذي أنزل الله به الكتاب وأرسل الرسل، وما هلك هالك وقد جاءه الحق من قبل وبلِّغ به وحذِّر من مخالفته ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
[الإسراء : 15 ]

فإذا جاءت العاقبة كان الحساب بعد بيان وإعذار وابتلاء وامتحان. ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ
[فاطر : 24 ]

وإن الله الذي أرسل الرسل وأنزل الكتاب هو الذي يجمع الخلائق ويقضي بينهم وهو الذي خلقهم وهو الذي أحياهم ثم يميتهم ثم يجمعهم إلى يوم القيامة لا ريب فيه .

وفي يوم الجمع القول للحق . والباطل مدان . والقضاء بين جميع الخلق ولا شفاعة إلا لمن شهد بالحق .

وإذا تأملنا في أمر الفريقين ـ من أهل الجنة وأهل السعير ـ وتدبرنا حالهم لم نجد إلا الحق سببا فيما وصلوا إليه . وصاروا إليه . إن كانوا محقٍّين فبالحق أدخلوا في رحمة ربهم . والجنة حق . وإن كانوا مبطلين فمن أجل الحق الذي كرهوه وأنكروه ـ آوتهم النار ـ وهى حق .

وما ظنوه بعيداً وجدوه قريبا. وما لم يكونوا مستيقنين وجدوه يقينا وذاك ما جاء به الكتاب مفصلا إعذارا وإنذارا .

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ
[محمد : 3 ]

أم عبد الله 20-06-2009 01:53 PM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حـديـث القـرآن عـن القـرآن
34
د/ محمـد الـراوي
ومن حديث القرآن عن القرآن ما جاء في قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأنعام : 155]
والإشارة في قوله ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ ﴾ إلى القرآن الكريم , وأنزلناه صفة لـ «كتاب» و«مبارك» صفة أخرى له , والوصفان يرشدان إلى صدق اليقين وحسن الاتباع فالله هو الذي أنزله ، وبالحق أنزله . فهو جدير أن يُسْتَمْسَك به وأن يتبع . وهو مبارك ثابت البركة لا ينقطع مدُّه ولا يزول نفعه ﴿ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ وإنه لكتاب مبارك حقا إذ تناط به رحمة الله لمن أحسن الاتباع واتقى ربه فأخلص وأحسن .
مبارك في ذاته ومبارك في آثاره ونتائجه , وكفاه شهادةُ الله له بأنه « مبارك » ففيه من التعظيم لشأنه والإشادة بذكره ما فيه .

فهو جامع لكل أسباب الهداية الثابتة الدائمة النامية . فاتبعوا ما هداكم إليه واتقوا ما نهاكم عنه وحذركم إياه ، لتكون رحمة الله تعالى مرجوة لكم في دنياكم وآخرتكم فإن أكبر سبب لنيل رحمة الله اتباع هذا الكتاب علما عملا .

فما من خير إلاَّ ودعا إليه ورغب فيه وما من شر إلا ونهى عنه وحذر منه . فهو مبارك في ذاته وفي آثاره ونتائجه بما يفيض به من الخيرات وما يحققه من طمأنينة نفس واستقامة سعي وهدى للتي هي أقوم .

ومن تدبر آثاره في عالم النفس وعالم الحس رأى المكانة التي سما إليها الإنسان حين استمسك به واسترشد بهدايته . حيث نهاه أن يسجد لشمس أو قمر وأمره أن يسجد لله الذي خلقه وعلَّمه أن الأشياء مع عظمها وكبرها خلقت من أجله وسخِّرت له . وأنه خُلق لعبادة ربِّه فلا يسجد لغيره ولا يذل لسواه .

فسمت بذلك مكانة الإنسان وتحددت منزلته وغايته ، وغدَا به صاحب رسالة ومبدأ. ارتفع به عن جاذبية التعصب لجنس أو لون . وجعله ينظر إلى الحياة من أفق أعلى . ويرى أرضه شيئا في ملك الله وليست كل شئ ، فتحرر من الخلود إليها والإفساد فيها , مشى في مناكب الأرض ينشد رزق ربه وهو يوقن بالعود إليه والحساب بين يديه . فلم يفتن بعطاء ، ولم يَقنط بمصاب أو بلاء . والقرآن الكريم يوجه سعيه ويطمئن قلبه ويحفظ نفسه من الدمار بإيثار الحياة الدنيا أو الركون إليها . دعاه إلى الأخذ بالأسباب والعمل لدنياه دون غفلة عن أخراه فما ضيعت دنيا ولا تركت الأخرى .

فكانت بركة القرآن تعميرًا لدنيا الناس وحفظا لأخراهم .
وقد حدد للمجتمع كله طريق أمنه وسلمه . ودعا إلى تعارفه وحذر من تناكره . وجعل الفرائض التي أمر بها عونا له على تقديم خيره وكفِّ شرِّه .
ومن الحدود التي شرعها حماية للإنسان من ظلم نفسه أو ظلم غيره .
ومن العقيدة التي نادى بها طلبًا لأخراه في صالح العمل في دنياه .

فما ضيعت دنيا ولا أهملت أخرى. بل نعمت دنيا الناس بما في سعي الآخرة من عمل بر وتقديم خير. وطابت الآخرة بما يكون في الدنيا من إخلاص قصد واستقامة سعي .

فكانت بركة القرآن وهدايته عدلا للإنسان في ذات نفسه بين مطالب جسده وفضائل روحه , عدلاً بينه وبين غيره . عدلا في حق دنياه وحق آخرته .

فوجد به الإنسان الصحيح الذي يتحقق به الأمن ويصان السلم .

والإنسان الصحيح تصح به الأمور الفاسدة والإنسان الفاسد تفسد به الأمور الصالحة . ومن أجل الإنسان نزل القرآن نورًا وهدى للناس ليتراحموا فيما بينهم وليتعارفوا ولا يتناكروا . نزل ليتَّبع ويعمل به ﴿ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ


أم عبد الله 20-06-2009 01:53 PM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حـديـث القـرآن عـن القـرآن
_35_

د / محمـد الـراوي

ومن حديث القرآن عن القرآن ما جاء في قوله تعالى في سورة الأعراف : ﴿ المص ﴿1﴾ كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿2﴾ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [الأعراف : 1 ـ 3 ]

والمخاطب بقوله ﴿ كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ هو الرسول صلى الله عليه وسلم . والكتاب المنزل هو القرآن الكريم .

وفي قوله ﴿ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ ﴾ تنبيه لما يلاقيه الداعي إلى الحق من صدٍّ وتكذيب وكيد . وهو يصدع بالحق ويجابه عقائد وعادات ويعارض انحرافات وأباطيل . فالحرج في طريقه كثير ؛ لأن الحق لا يجامل ولا يحابي، ولا يُستخفُّ أهل اليقين ولا يستدرجون . فهم على ثبات وصدق فيما يؤمنون به ويدعون إليه .

﴿ كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ المؤمنون لهم الذكري . وغير المؤمنين لهم الإنذار . للحق نورٌ ونارٌ فمن أبى النور فالنار موعده ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾ دعوة إلى الناس كافة أن يتبعوا القرآن ولا يتخذوا من دون الله أولياء يطيعونهم في معصية الله فإن ذلك مفض إلى دمار وهلاك .

﴿ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ﴿4﴾ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴿5﴾ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ﴿6﴾ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ ﴿7﴾ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿8﴾ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ
[الأعراف : 4 ـ 9 ]

إن مصارع المكذبين الغابرين فيه تذكير وتحذير﴿ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا ﴾ كثيرة تلك القرى التي أهلكت بمعاصيها وأخذت بذنوبها ودمّرت بتكذيبها ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا
[ سورة محمد : 10 ]. إن سنن الله نافذة في الأولين والآخرين لا تتبدل ولا تتحول ﴿ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ[العنكبوت : 40 ].

وليس أمام الخلق من سبيل لنجاة إلا بصدق الاتباع لما نزل من الحق ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾ .

وفي إنذار الناس بما حصل للأمم الماضية بسبب إعراضهم عن الحق ما يكفي للعبرة والموعظة . والسعيد من اتعظ بغيره . وتدبر ما وقع ولم يكن من الغافلين .

﴿ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ﴾ أهلكوا في ساعة بياتٍ أو قيلولة حيث الاسترخاء والأمان فكان أن أخذهم أشدّ ترويعا وأعنف وقعاً وأدعى للتذكر والاعتبار دون إرداء و إبطاء .

﴿ أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴿45﴾ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴿46﴾ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ
[النحل : 45 ـ 47 ]. إن لكل شئ عاقبته . وعاقبة المكذبين دمار وخسران .
وتراهم ـ والدمار لاحق بهم ـ يعترفون بذنوبهم وآثامهم ويبدون الأسف والندم حيث لا ينفع ندم ولا تقبل توبة أو معذرة . فإن الندم قد فات موعده والتوبة لا تقبل إذا حضر الموت أو وقع العذاب ﴿ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ﴿84﴾ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ
[غافر : 84 ـ 85 ]

الأمر إذن جد خطير . فلنتدبر ما أنزل إلينا من ربنا ولنستمسك به ولنحذر مخالفته أو الإعراضَ عنه .

فإن القرآن قد أنزل وحفظ ليعمل به .

فمن اتبعه قاده إلى الجنة ومن أعرض عنه ساقه إلى النار .

فليس أعزل من قوة تحقق وعدهُ ووعيده وهو تنزيل رب العالمين إنه الحق . وللحق نورٌ ونار فمن أبى النور فالنار موعده .

﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴿123﴾ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى
[طه : 123 ، 124 ]

نحن مأمورون باتباعه ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ فلنحذر مخالفته أو الإعراض عنه . فإن الإصرار على الإعراض عنه دليل شرك وخسران واتخاذ الشياطين أولياء .

﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ﴾ فتشركون وتضلون .

ولا عذر بعد بيان ، ولا حجة بعد تذكير وإنذار ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ﴿6﴾ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ
[الأعراف : 6 ، 7 ]

أم عبد الله 20-06-2009 01:54 PM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حديث القرآن عن القرآن (36)فضيلة الشيخ / د.محمد الراوي
ومن حديث القرآن عن القرآن ما جاء في قوله تعالى من سورة الأعراف ﴿
وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿52﴾ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ[الأعراف:52 ـ 53]

﴿
وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ ﴾ قرآنٍ فصلناه بإيضاح الحق من الباطل وبينا فيه كل شيء عالمين بتفصيله. أو فصلناه مشتملاً على أيِّ علم ﴿ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ وخص المؤمنين بالذكر؛ لأنهم المنتفعون بهدايته الفائزون برضا الله ورحمته

إنهم آمنوا به واتبعوه واهتدوا بهداه ففازوا وسعدوا وكان لهم نوراً في دنياهم وأخراهم وتلك عاقبة من اتبع القرآن واهتدى بهداه.

اما أولئك الذين كذبوه وأعرضوا عنه فإنهم ـ وهم يصرون ـ سيؤمنون به ويعلنون أنه الحق ولكن بعد فوات الآوان ، حيث لا ينفعه اعتراف ولا إيمان ﴿
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقّ ﴾ يقولون ذلك يوم القيامة حين يرون العاقبة في صدق ما أخبر به ودعا إليه.

لقد تركوا الإيمان من قبل، وندموا حيث لا ينفع الندم وقالوا معترفين نادمين ﴿
قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ﴾ أي تبين لنا صدق الرسل فيما أخبرونا به في الدنيا. فيعترفون بذلك لمشاهدتهم ومعاينتهم العذاب الذي أخبروا به، وحذروا منه . وهاهم يلتمسون كل سبيل لكي يعودوا إلى ما تركوه وفرطوا فيه ، معلنين إيمانهم به واعترافهم بأنه الحق ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ﴿51﴾ وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴿52﴾ وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴿53﴾ وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴿53﴾ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ ﴾ [سـبأ:51 ـ 54].

لقد فات أوان الامتحان والاختبار ومضى وقت العمل وانقضى الأجل وجاء الحساب والجزاء. وفاز من صدَّق وآمن وعمل صالحاً. وخسر من كذّبَّ وأعرض وكره ما جاء من الحق.

وترى هؤلاء في حسرتهم ينشدون الشفعاء ويطلبون أن يعودوا ليحصلوا ما فرطوا فيه فلا يجابون إلا بتوبيخ وتقريع ﴿
فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾. ذاك هو الحق في انتصاره.

إنَّ من تدبر العاقبة أيقن أن الحق لا يهزم أبداً وأن الباطل زاهق لا محالة.
وترى الناس جميعاً مؤمنين وكافرين يعلنون ولاءهم للحق وقد رأوا بأعينهم عاقبة ما أخبرهم به ودعاهم إليه أو حذرهم منه.

أما أهل الإيمان فإنهم يقولون ﴿
قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقّ ﴾ حمداً وشكراً . وأما أهل الكفر فيقولون ﴿ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقّ ﴾ أسفاً وندماً على تفريطهم. وشتان ما بين قول هؤلاء وأولئك.
هؤلاء يقولونها أسفاً وندماً على التفريط في الإيمان بالحق وقد خسروا أنفسهم ، وأولئك يقولونها حمداً وشكراً وهم يدخلون رحمة ربهم وقد عملوا بما آمنوا به من قبل .
لقد رأى الخلق جميعاً تأويل ما جاء به القرآن وتحقق الجزاء وفاز من فاز وخسر من خسر وحق الحق وبطل الباطل.
والقرآن الكريم ـ وهو الحق ـ يرينا عاقبة هؤلاء وأولئك من صّدَّق وآمن ومن كذب وأعرض ، ليختار الناس لأنفسهم على بينة سبيل النجاة ، أو سبل الدمار والهلاك

﴿
وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً [الكهف:49]

أم عبد الله 20-06-2009 01:55 PM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حديث القرآن عن القرآن (37)فضيلة الشيخ / د.محمد الراوي

ومن حديث القرآن عن القرآن ما تضمنته هذه الآيات من سورة الأعراف، قال تعالى: ﴿
وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴿156﴾ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ .. [الأعراف:157]

لقد تضمنت هذه الآيات حديثاً عن القرآن من حيث وصفه وآثاره ونتائجه.
﴿
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾ فالإيمان بالقرآن والعمل بمقتضاه في اتباع لا ابتداع فيه تطلب به رحمة الله وترجى. ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ .. [الأنعام:155].

وقد وعد الله ـ ووعده الحق ـ أن يتغمد برحمته أولئك الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي أرسله الله رحمة للعالمين ونزَّل عليه الفرقان؛ ليكون للعالمين نذيراً.

فالإيمان برسالته إيمان برسل الله جميعاً وصفته
[ صلى الله عليه وسلم ] معلومة لأهل الكتاب، حملتها التوراة وحملها الإنجيل ﴿ يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ ﴾ . وهو رحمة الله للخلق جميعاً ولا تكتب الرحمة في الآخرة إلا لمن اتبعه وآمن به.

ومن كفر به ـ بعد بعثته ـ ليس له نصيب في رحمة الآخرة التي تعم المؤمنين من سائر الأمم ممن آمن برسل الله من قبل وآمن به بعد بعثته بلا تفرقة بين رسول ورسول. ﴿
لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ﴾ .. [البقرة:285]، وإعلام الخلق بذلك رحمة بهم وإعذار.

وقد تضمنت الآيات في الحديث عن القرآن الذي أنزل على النبي الأمي تضمنت وصفه بـ « النور » ﴿
وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ ﴾ .. اتبعوا النور الذي أنزل معه أي القرآن وقد عُبِّر عنه بالنور المنبئ عن كونه ظاهراً بنفسه مظهراً لغيره.
أي اتبعوا القرآن المنزَّل عليه مع اتباعه
[ صلى الله عليه وسلم ] بالعمل بسنته وبما أمر به أو نهى عنه . أو اتبعوا القرآن كما اتبعه هو [ صلى الله عليه وسلم] مصاحبين له في اتباعه.

وقد كان خلقه القرآن يرضى برضاه ويسخط بسخطه
[ صلى الله عليه وسلم ].

إنه النور. وبالنور تتميز الأشياء وتدرك المعالم ويهتدي الناس. والقرآن يهدي به الله إلى الحق وإلى طريق مستقيم .

﴿
وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿52﴾ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾ .. [الشورى:53].

ولا حياة بلا روح ولا سعي إلى الغاية بلا نور ﴿
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ﴾ .. [النور:40] . وهذا أمر الله لنبيه ونداؤه للخلق جميعاً أن يتبعوه وأن يهتدوا بهداه .

نداءُ أُمرَ الرسول بتبليغه ـ وقد بلّغ الرسالة وأدى الأمانة ـ ﴿
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ .. [الأعراف:158].

والذين آمنوا به واتبعوا النور الذي أُنزل معه مطالبون في كل زمان ومكان أن يقدروا لهذا الأمر قدره.
وأمة الإسلام مسئولة عمَّا آمنت به وشرفت بالانتساب إليه . فإنها أمة أقام فيها التنزيل مقام الشمس في فلك السماء . أضاء جوانب الحياة كلها .
فعرفت به نفسها وفهمت رسالتها وخاض بها تجربة حياتها فعرفته سبيل عزها ومجدها وطريق نصرها وفوزها . فأحيت به ليلها وطهرت سعيها فأحلت ما أحل وحرمت ما حرم.
وامتد ملكها بنوره وعرفت بين الأمم .

وظل في مكانته وسيظل عزيزاً، لا يقترب من ساحة باطل، أو يأتي من حرف من حروفه عدوُّ غادر. قد يقصد أرضه أو يهزم أهله فينال منهم ـ إن هم فرطوا ـ ولا يستطيع أن ينال منه أو يقترب من حماه . ومن حفظه الله لا يضيعه الناس.
المسلمون مطالبون في كل عصر أن يستمسكوا به فهو عزُّهم وشرفهم وأن يعتصموا به ولا يتفرقوا وأن يتبعوه وأن يبلِّغوه وأن يحذروا مخالفته أو الإعراض عنه فإنهم به ولن يكونوا بغيره ﴿
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ ﴾ .. [الزخرف:44].

أم عبد الله 20-06-2009 01:57 PM

رد: سلسلة ( حديث القرآن عن القرآن )
 
حديث القرآن عن القرآن (38)فضيلة الشيخ / د.محمد الراوي

ومن حديث القرآن عن القرآن ما تضمنه قوله تعالى في سورة الأعراف ﴿
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ ﴿182﴾ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ[الأعراف: 182- 183].

والذين كذبوا بآياتنا ﴿
الْقُرْآنُ ﴾ سنستدرجهم: أي ننقلهم درجة بعد أخرى من علو إلى أسفل أو من أسفل إلى علو.
ومعناه: نَقْلهم وتقريبهم إلى العقوبة بواسطة النعم التي اغتروا بها.

نستدرجهم إلى الهلاك قليلاً قليلاً أي نُقربهم منه بإمهالهم وإدرار النعم عليهم حتى يأتيهم وهم غافلون.
ولذا قيل: إذا رأيت الله أنعم على عبده وهو مقيم على معصيته فاعلم أنه مُستدرج.

﴿
مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي من حيث لا يعلمون أنه استدراج، فكلما جددوا معصية زيدوا نعمة ونسوا الشكر.
وذلك أن الله تعالى يفتح عليهم من النعم ما يُغبطون به ويركنون إليه، ثم يأخذهم على غِرَّرة أغفلَ ما يكونون.
تلك عاقبة من كذب بالحق وجحد ما أنزل الله من كتاب.
والله وحده هو الذي يستدرج هؤلاء ويُملي لهم.

الله الذي لم يخافوه وهم يُخالفون رسولَه، ويحاربون من يهدون بالحق وبه يعدلون، هو وحده الذي يستدرجهم ويأخذهم ويُمْهِلُهُم ولا يُهْمِلُهم.

الله الذي ينسون قوته ويذكرون قوتهم، يملي لهم في العصيان والطغيان استدراجا لهم في طريق الهلكة، وإمعانا في الكيد لهم والتدبير. ومن الذي يكيدهم؟ إنه الجبار ذوالقوة المتين. ولكنهم غافلون.

والعاقبة للمتقين الذي يهدون بالحق وبه يعدلون.
﴿
فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ ﴿44﴾ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴿45[القلم: 44، 45].

إن الله -سبحانه- يحذرهم نفسه ليدركوا أنفسهم قبل فوات الأوان، وليعلموا أن الأمان الظاهر الذي يدعه لهم هو استدراج إلى أسوأ مصير. وأنه تدبير من الله ليحملوا أوزارهم كاملة ويأتوا إلى الموقف الرهيب مثقلين بالذنوب.
ولو تدبر الإنسان ذلك في دنياه -وهو في سعة من أمره- لم يُشْشَل بالرغائب عن العواقب ولم يُفتن بالزينة عن القيمة.
إن كشفَ الاستدراج والتدبير عدل من الله ورحمة.

والله -سبحانه- يقدم لأعدائه المكذبين بآياته عدله ورحمته في هذا التحذير وذلك التدبير، وهم وما يختارون لأنفسهم.
إنه -سبحانه- يُمْهل ولا يُهمل، ويُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته، وذلك ما وقع للمكذبين بالحق من قبل، وما جرى للمستهزئين بالرسل، ﴿
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴿32[الرعد: 32].
فترك أهل الباطل فترة ليس نسيانا لهم أو غفلة عنهم.

والإملاء للظالمين ليس تكريما لهم -كما يظنون- أو إهانة لغيرهم -كما يتوهمون- وإنما هو الاستدراج إلى العذاب من حيث لا يشعرون.
﴿
وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ [إبراهيم: 42]، ومن يتدبر القرآن يرى ما وقع من قبل مع أقوام وأقوام، ويرى ما يقع مع أمثالهم في كل زمان ومكان ﴿ وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾.

﴿
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ ﴿42﴾ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ ﴿43﴾ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [الحج: 42- 44].

والأرض قد سكنت من بعد هؤلاء وأولئك، وبقيت آثارهم خاوية خالية تدل عليهم، وتسوق العبرة لمن بعدهم.
﴿
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ [غافر: 82].

وكم في الأرض من عبر وعظات، وكم فيها من دور قد خَلت، وأقوام قد ذهبت، وقرى ظالمة قد أخذت ودمرت، فما بكت عليهم السماء والأرض، ولا رُئِىَ منهم بعد هلاكهم حراك، ولا سُمع لهم صوت ﴿
وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا [مريم: 98].
فطوبى لمن اعتبر، وهدى بالحق وبه عدل.


الساعة الآن : 07:07 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 254.21 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 252.44 كيلو بايت... تم توفير 1.77 كيلو بايت...بمعدل (0.70%)]