ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   فتاوى وأحكام منوعة (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=109)
-   -   شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=323814)

ابوالوليد المسلم 27-01-2026 06:50 PM

شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم
 


شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: بَيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ


  • حكم البيع هو ثبوتُ المِلْك للمُشْتري في المَبِيع وللبَائع في الثّمَن إذا كان تاما وعند الإجازة إذا كان مَوقُوفا
  • بُعِثَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم والناسُ يتعاملُون بالبيع والشّراء فأقرّهم عليه وبيّن لهم كثيراً مِنْ أحْكامه
  • مذهبُ الجُمهور أنّ الحِنْطة والشّعير صِنفان يجوزُ التفاضلُ بينهما كالحِنْطة مع الأرُز
لمّا فرغ الإمام مسلم -رحمه الله- مِنْ أحاديث الحَجّ والعُمْرة، جاء بأحاديث النّكاح، نظراً إلى أنّ النّكاحَ مُشتملٌ على المَصَالح الدّينية والدُّنيويّة، وهو أفضلُ مِنَ التخلّي للنّوافل، ثمّ جاء بأحاديث البُيوع، وبعضُ أهل الحديث قدّم البُيُوع على النّكاح؛ نظراً إلى أنّ احْتياجَ الناس إلى البَيع، أكثر مِنْ احتياجهم إلى النّكاح؛ فكان أولى بالتّقديم.
لفظ «الكتاب» مشتملٌ على الأبواب، وهي كثيرة في أنْواع البُيوع، وجَمَعَ البَيع لاختلاف أنواعه، والصّرْف إنْ كان بيع الثَّمن بالثمن، والمُرابحة إنْ كان بالثّمن مع زيادة، والتّوْلية إنْ لمْ يكنْ مع زِيادة، والوَضِيعة إنْ كان بالنُّقصان، واللازم إنْ كان تامّاً، وغير اللازم إنْ كان بالخيار، والصّحيح والباطل والفاسد والمكروه، وغيرها.
أركان البيع وشروطه
ثم للبيع تفسير لغة وشرعا، وركنٌ وشَرْطٌ ومَحلّ، وحُكمٌ وحِكْمة.
  • أمّا تفسيره لغة: فمُطْلق المُبادلة، وهو ضدُّ الشّرَاء، والبيع الشّراء أيْضاً، باعه الشيء، وباعه منه جميعاً فيهما، وابتاع الشيء: اشْتراه، وأباعه: عَرَضه للبيع، وبايعه مبايعةً وبياعاً، عارضه للبيع، والبيِّعان: هما البائع والمشتري، وجمعه باعة، والبَيْع: اسم المَبِيع، والجَمْع بُيُوع، والبياعات: الأشياء المتبايعة للتّجارة، ورجلٌ بَيُوع: جيّد البَيع، وبَيّاع: كثير البيع، ذكره سيبويه فيما قاله ابنُ سيده، وفي الجامع: أبَعْته أبيعه إباعةً: إذا عَرَضته للبيع، ويقال: بعتُه وأبعته بمعنى واحد، والشّيءُ مبيع ومبيوع، والبياعة السلعة، وقال ابن قتيبة: بعتُ الشّيء: بمعنى بعته، وبمعنى اشتريته، وشريتُ الشيء: اشْتريته وبمعنى بعته، ويقال: اسْتبعته أي: سألته البيع.
وقيل: سمي البيع بيعًا: لأنّ البائع يَمدُّ باعه إلى المُشْتري حال العَقد غَالباً، وردّ هذا بأنّه غلط؛ لأنّ الباع مِنْ ذَواتِ الواو، والبيع مِنْ ذوات الياء.
  • وأمّا تفسيرُه شَرعاً: فهو مبادلة المال بالمال، على سبيل التراضي.
وأمّا رُكْنُه: فالإيجابُ والقبول. وأمّا شَرْطُه: فأهليّة المتعاقدين. وأما محله: فهو المال، لأنه ينبئ عنه شَرْعاً. وأمّا حُكْمُه: فهو ثبوتُ المِلْك للمُشْتري في المَبِيع، وللبَائع في الثّمَن، إذا كان تاما، وعند الإجازة إذا كان مَوقُوفا. وأمّا حِكَمُ البَيع والشراء: فهي كثيرة، منْها: اتساعُ أمُور المَعَاش للناس والبَقاء. ومنْها: إطفاءُ نارِ المُنازعات، والنَّهْبِ والسّرِقة، والخِيانات والحِيل المَكروهة. ومنها: بقاء نظام المَعَاش، وبقاء العالم؛ لأنّ المُحْتاج يَميل إلى ما في يد غيره، فبغيرِ المُعاملة بالبيع والشّراء، يُفضي إلى التّقاتل والتّنازع، وفناء العالم، واختلال نظام الحياة، وغير ذلك مِنَ الحِكم. وأمّا ثبوته بالكتاب: فلقوله -تعالى-: {وأحلّ الله البيع وحرم الرّبا} (البقرة: 275). وفي السنة النّبوية: أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بُعِثَ والناسُ يتعاملُون بالبيع والشّراء فأقرّهم عليه، وبيّن لهم كثيراً مِنْ أحْكامه، والإجماع منعقدٌ على شَرْعيّته. والآن إلى أحاديث كتاب البُيوع:
باب: بَيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ
عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عبداللَّهِ - رضي الله عنه -: أَنَّهُ أَرْسَلَ غُلَامَهُ بِصَاعِ قَمْحٍ، فَقَالَ: بِعْهُ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ شَعِيراً، فَذَهَبَ الْغُلَامُ فَأَخَذَ صَاعاً وَزِيَادَةَ بَعْضِ صَاعٍ، فَلَمَّا جَاءَ مَعْمَراً أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ مَعْمَرٌ: لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ؟ انْطَلِقْ فَرُدَّهُ، وَلَا تَأْخُذَنَّ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَإِنِّي كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» قَال: وكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ. قِيلَ لَهُ: فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمِثْلِهِ، قَال: إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُضَارِعَ» الحديث رواه مسلم في المساقاة (3/1214) باب: بيع الطعام مثلاً بمثل.
صحابي الحديث
صحابي الحديث هو معمر بن عبدالله بن نافع بن نضلة بن عوف، وهو معمر بن أبي معمر القرشي العدوي، أسلم قديماً وتأخرت هجرته إلى المدينة، لأنّه كان هاجر الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة، وعاش عُمراً طويلاً، وعداده في أهل المدينة.
  • قوله: إنّ مَعمر بن عبدالله - رضي الله عنه - أرسلَ غُلامَه بِصَاع قَمحٍ ليَبيعه ويَشتري بثَمَنه شَعيراً، فبَاعه بِصاعٍ وزِيادة، فقال له معمر: رُدّه ولا تأخذه إلا مثلاً بمثل. واحتج بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الطعامُ بالطعام، مِثْلاً بمثل» أي: بيعُ الطّعام بالطعام، «مثلًا بمثل» أي: يجبُ أنْ يَتماثلا، ويَحرُمُ أنْ يَتفاضلا.
وكانَ طعامنا يومئذ الشّعير
  • قوله: «وكانَ طعامنا يومئذ الشّعير» يفيد أنّ المراد بالطّعام هنا هو الشّعير، وكأنه - صلى الله عليه وسلم - قال: الشعير بالشعير، ولا نزاعَ عند أهلِ العِلْم في أنّ الشّعيرَ لا يُباعُ بالشّعير، إلا مِثلاً بمثل، غير أنّ معمر بن عبدالله - رضي الله عنه - كان يَخْشى أنّ هذا اللفظ النبوي، ربّما يشملُ بَيع البُرّ بالشّعير، وأنّه تَجبُ فيهما المُماثلة، وهو اجْتهادٌ منه - رضي الله عنه -.
ولمّا قيل له: فإنّه ليسَ بمثله، قال: إنّي أخَافُ أنْ يُضارع، والذي فهمه عامّةُ أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنّ المُراد مِنَ الطعامين، ما يكونُ مِنْ جِنسٍ واحدٍ، كالبُرّ بالبُرّ، والشّعير بالشّعير، أمّا الشّعيرُ مع البُرّ، فهما جنسان، لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الذّهبُ بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير...»، فإنّه ينصّ على أنّ جنسَ البُر، غير جِنْس الشّعير، كما إنّ جنس الذهب غير جنس الفضة، وقد قال في آخره: «فإذا اختلفتْ هذه الأصناف، فبيعُوا كيفَ شِئْتم، إذا كان يداً بيد».
الحِنْطة والشّعير صِنْف واحد
قال النووي: «واحتجّ مالكٌ بهذا الحديث، في كون الحِنْطة والشّعير صِنْفاً واحداً، لا يجوزُ بيعُ أحدهما بالآخر مُتفاضلاً، ومذهبُنا ومذهبُ الجُمهور: أنّهما صِنفان، يجوزُ التفاضلُ بينهما، كالحِنْطة مع الأرُز، ودليلنا ما سبق عند قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فإذَا اخْتلفتْ هذه الأجْنَاس، فبِيعُوا كيفَ شِئتم». مع ما رواه أبو داود والنسائي: في حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا بأسَ ببيع البُرّ بالشّعِير، والشّعير أكَثَرهُما، يَداً بيدٍ»، وأمّا حديثُ معمر هذا، فلا حُجّةَ فيه؛ لأنّه لمْ يُصرّح بأنّهما جِنسٌ واحد، وإنّما خافَ مِنْ ذلك، فتورّعَ عنه احْتياطاً». انتهى.


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي







ابوالوليد المسلم 30-01-2026 02:52 PM

رد: شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم
 
شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم – باب: النَّهْيُ عن بَيْعِ الطَّعَامِ قبل أنْ يُسْتَوْفَى


  • بيَّن رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ مَنِ اشتَرَى طَعامًا وأرَادَ أن يَبِيعَه فلا يَبِعْه حتَّى يَأخُذَه بالكَيْلِ والمِيزانِ وهو كِنايةٌ عن قَبْضِه لَه وأنَّه أصبَحَ في حَوْزةِ المُشْتَرِي
  • نظَّمَ الشَّرعُ الإسلاميُّ الحَنيفُ أُمورَ التَّعامُلِ بيْن النَّاسِ في البَيعِ والشِّراءِ وأَوضَحَ أُموراً لا بدَّ منها حتى لا يَتنازَعَ النَّاسُ فيما بيْنهم
  • شرَعَ اللهُ سُبحانَه وتعالَى في البَيْعِ ما يَحفَظُ حُقوقَ النَّاسِ ويُجنِّبُهمُ التَّنازُعَ والخِصامَ ويَدفَعُ عنهمُ الضَّرَرَ
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ ابْتَاعَ طَعَاماً فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ»، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «وأَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ مِثْلَهُ»، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: أَنَّهُ قَالَ لِمَرْوَانَ: أَحْلَلْتَ بَيْعَ الرِّبَا؟! فَقَالَ مَرْوَانُ: مَا فَعَلْتُ؛ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَحْلَلْتَ بَيْعَ الصِّكَاكِ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُسْتَوْفَى. قَالَ فَخَطَبَ مَرْوَانُ النَّاسَ؛ فَنَهَى عَنْ بَيْعِها، قَال سُلَيْمَانُ: فَنَظَرْتُ إِلَى حَرَسٍ يَأْخُذُونَهَا مِنْ أَيْدِي النَّاسِ.
  • في الباب حديثان: الأول: أخرجه مسلم في البيوع (2/1159) باب: بُطلان بيع المبيع قبل القبض، وأخرجه البخاري في البيوع (2135) باب: بيع الطعام قبل أنْ يُقبض، وبيع ما ليسَ عندك، قد رواه البخاري ومسلم من حديث عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما-، كما روى البخاري (2137) ومسلم (2/1162) من حديثه قال: «رأيتُ الذين يَشْترُون الطّعام مَجَازفة، يُضرَبُون على عَهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَبيِعُوه حتّى يُؤْوه إلى رحالهم».
من اشترى شيئًا مما يؤكل
  • قَولُهُ: «مَنْ ابْتَاعَ طَعَاماً فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» يُبيِّنُ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم - أنَّ مَن اشترَى شَيئًا ممَّا يُؤكَلُ، فلا يَبِعه حتَّى يَستوفيَه، وفي لفظ: «حتَّى يَقْبِضَهُ» أي: فلا يتَّخِذْ أيَّ تَصرُّفٍ بالبيعِ مرَّةً أخرى، إلَّا إذا قَبَضَه وافياً؛ بأنْ يَأخُذَ ما اشتراهُ أولًا، ويُصبِحَ في حَوزتِه، فهنا يُمكِنُه أنْ يُعيدَ بيعَه, وفي روايةٍ لمسلم (2/1160): سأَلَ طَاوُسُ بنُ كَيْسانَ- مِنَ التَّابِعينَ- ابنَ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: لِمَ؟» أي: لِمَ شرَطَ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - هذا الشَّرْطَ؟ فقال ابنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: «ألَا تَراهم يتَبايَعونَ بالذَّهَبِ، والطَّعامُ مُرْجَأٌ؟» أي: أنَّ البَائعَ كان يَقبِضُ الثَّمَنَ بدَنانيرِ الذَّهبِ، ثمَّ يُؤجِّلُ تَسليمَ الطَّعامِ للمُشتَرِي، فشَرَطَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم - على المُشترِي ألَّا يَبيعَه حتَّى يَقبِضَه، ويكونَ في حوْزَتِه.
وقدْ أوضَحَ حَديث ابن عمر -رضي الله عنهما- في الصَّحيحَينِ: أنَّهُمْ كَانُوا يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مِنَ الرُّكْبَانِ علَى عَهْدِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم -، فَيَبْعَثُ عليهم مَن يَمْنَعُهُمْ أنْ يَبِيعُوهُ حَيْثُ اشْتَرَوْهُ، حتَّى يَنْقُلُوهُ حَيْثُ يُبَاعُ الطَّعَامُ.
أي: إنَّه أرادَ بذلك أنْ يَقبِضوه أولاً؛ لأنَّ القَبضَ شَرْطٌ، ثمّ أنْ يَنقُلَ الطَّعامَ إلى مَكانٍ آخَرَ، أو إلى الأَسْواقِ الَّتي يُباعُ فيها، حتَّى لا يُحتكَرَ أو يُتلاعَبَ بسِعْرِه، وبالنَّقلِ المذكورِ يَحصُلُ القبْضُ.
فالنَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهى أنْ يُباعَ الطَّعامُ إذا اشْتراهُ المشتري حتَّى يَستوفِيَه، أي: فلا يَتَّخِذُ أيَّ إجراءٍ أو تَصرُّفٍ بالبيعِ مرَّةً أُخرى، إلَّا إذا أخَذَ ما اشْتراهُ أوَّلًا، وأصبَحَ في. حَوْزتِه، وأنَّه يَعلَمُ مِقْدارَه عِلماً نافياً للجَهالةِ، وهذا يكونُ فيما بِيعَ بكَيْلٍ؛ فإنَّه لا بُدَّ أنْ يَكِيلَه أوَّلًا حتَّى يَستَوفِيَه تامّاً، ثُمَّ يَبِيعَه بعدَ ذلك، ولا يَحِلُّ له أنْ يَبِيعَه قبْلَ أنْ يَكْتَالَه؛ لأنَّه رُبَّما تَقَعُ فيه زِيادةٌ أو نُقصانٌ، ويكونُ في هذا غَبْنٌ وضَرَرٌ إمَّا على البائِعِ أو المُشتَرِي. فبعد أنْ يقبضه؛ هنا يُمكِنُه أنْ يُعيدَ بَيعَه، وفي هذا منعٌ لما قد يَضُرُّ بالبائعِ أوِ المُشتَري، أو أهْلِ البَلدِ، فيقَعُ الخِلافُ والتَّشاحُنُ بينَ النَّاسِ، ويقَعُ عليهمُ الضَّررُ.
القبضُ يتفاوتُ بتفاوت المَبيع
والقبضُ يتفاوتُ بتفاوت المَبيع: فما يتناولُ باليد كالدّراهم والدّنانير ونحوهما، فقبضه بالتّناول، وما لا يُنقل كالعَقار، والثّمَر على الشّجر، فقبضه بالتَّخْلية، وما ينقل في العادة؛ كالأخْشاب والحُبوب والحيوان، فقبضه بالنّقل إلى مكان لا اختصاصَ للبائع به، وما يُشترى كيلاً لا يُباع إلا بالكيل، وما يشترى وزْناً لا يُباع إلا بالوَزن، وأنّه لا يجوز أنْ يكتفي فيه بالكيل الأول، ولا بالوزن الأول، وقد انعقد إجْماع عُلماء هذه الأمة على جواز بيع الصّبرة جُزافاً؛ أي بلا كيلٍ ولا وزن.
قال ابن قدامة في (المغني): «ومَنْ اشْتَرى ما يَحتاجُ إلى القَبْض؛ لمْ يَجُز بيعه حتّى يَقبضه، ولا أرى بين أهل العلم فيه خلافاً؛ إلا ما حُكي عن عثمان البتي، وأمّا غير ذلك؛ فيجوز بيعه قبل قبضه في أظهر الروايتين- أي عن أحمد- ونحوه قول مالك بن المنذر. اهـ, وقال عطاء بن أبي رباح والثوري وابن عيينة وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، والشافعي في الجديد، ومالك في رواية، وأحمد في رواية، وأبو ثور وداود: النهي الذي وَرَد في البيع قبل القبض؛ قد وقع على الطّعام وغيره، وهو مذهب ابن عباس أيضاً، ولكن أبا حنيفة قال: لا بأسَ ببيع الدُّور والأرْضين قبل القَبْض؛ لأنّها لا تُنْقل ولا تُحوّل. لكن الشافعي وموافقيه يقولون: إنّ قبضَ كلّ شيءٍ بحَسْبه.
من فوائد الحديث:
  • الحثُّ على إتمامِ الصَّفقاتِ، وحِيازةِ البائعِ لِمَا اشتراهُ حتى يَتصرَّفَ فيه كَيْفما شاء.
  • وفي هذا الحَدِيثِ يُرشدُنا رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ مَنِ اشتَرَى طَعامًا وأرَادَ أن يَبِيعَه، فلا يَبِعْه حتَّى يَأخُذَه بالكَيْلِ والمِيزانِ، وهو كِنايةٌ عن قَبْضِه لَه وأنَّه أصبَحَ في حَوْزةِ المُشْتَرِي.
  • وأنَّ الإمامَ ووَلِيَّ الأمرِ يُرشِدُ النَّاسَ في أعمالِ بُيوعِهم وشِرائِهِم.
  • بَيانُ حِرصِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على كلِّ ما هو خيرٌ لأُمَّتِه، ورِفقِهِ بها، حتَّى في المصالحِ الدُّنيويَّةِ.
  • وأنّ اللهُ -سُبحانَه- وتعالَى شرَعَ في البَيْعِ ما يَحفَظُ حُقوقَ النَّاسِ، ويُجنِّبُهمُ التَّنازُعَ والخِصامَ، ويَدفَعُ عنهمُ الضَّرَرَ.
  • وفيه: النَّهيُ عنِ اتِّباعِ طُرقِ البَيعِ والشِّراءِ الَّتي تُؤدِّي إلى احْتكارِ السِّلعِ، وغَلاءِ الأسْعارِ، أو تؤدِّي إلى وُقوعِ الضَّررِ بينَ أطْرافِ البَيعِ.
  • وأنّ الشَّرع الإسلاميّ الحَنيف نظَّمَ أُمورَ التَّعامُلِ بيْن النَّاسِ في البَيعِ والشِّراءِ، وأَوضَحَ أُموراً لا بدَّ منها؛ حتى لا يَتنازَعَ النَّاسُ فيما بيْنهم، وحتى تَتِمَّ الصَّفقاتُ بيْنهم وهي خاليةٌ مِن المُشكِلاتِ أو الحُرْمةِ.
الحديث الثاني
  • قَولُهُ: قَال أَبُو هُرَيرَةَ - رضي الله عنه - لِمَرْوَانَ: أَحْلَلْتَ بَيْعَ الصِّكَاكَ، وقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حتَّى يُسْتَوْفَى. والصِّكَاكُ: جَمْعُ صَكٍّ، وهُوَ الوَرَقَةُ المَكْتُوبَةُ بِدَيْنٍ، ويُجْمَعُ أَيْضاً عَلَى صُكُوكٍ، والمُرَادُ هُنَا الوَرَقَةُ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ وَلِيِّ الْأَمْرِ بِالرِّزْقِ لِمُسْتَحِقِّهِ، بِأَنْ يَكْتُبَ فِيها لِلْإِنْسَانِ كَذَا وكَذَا مِنْ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَيَبِيعُ صَاحِبُهَا ذَلِكَ لِإِنْسَانٍ قبلَ أَنْ يَقْبِضَهُ، واستدلّ بهذه الرواية على مَنع بيع الصُّكوك.
قال النووي: «وقد اختلفَ العُلماء في ذلك، والأصحّ عند أصحابنا وغيرهم: جوازُ بيعها، والثاني: مَنْعها، فمَنْ أخذ بظاهر قول أبي هُريرة وبحُجّته مَنَعها، ومَنْ أجازها تأوّل قضية أبي هريرة على أنّ المُشْتري، ممّن خَرَج له الصّك؛ باعه لثالث قبل أنْ يقبضه المُشْتري، فكان النّهي عن البيع الثاني، لا عن الأول، لأنّ الذي خَرَجتْ له؛ مالكٌ لذلك مُلْكاً مُسْتقراً، وليس هو بمُشترٍ، فلا يمنع بيعه قبل القَبْض، كما لا يَمتنع بيعه ما وَرثه قبل قبضه.
قال القاضي عياض- بعد أنْ تأوّله على هذا النحو- وكانوا يَتَبايعونها، ثمَّ يَبيعها المشترون قبل قبضها، فنُهوا عن ذلك، قال: فبلغ ذلك عُمر بن الخطاب، فردّه عليه، وقال: لا تَبِع طَعاماً ابتعته حتّى تستوفيه. اهـ.
قال النووي: وكذا جاء الحديث مفسّراً في الموطأ: أنّ صُكوكاً خَرَجت للناس في زمن مروان بطَعام، فتبايع الناس تلك الصّكوك قبل أنْ يَسْتوفوها. وكَذَا جاءَ الحدِيثُ مُفَسَّراً في المُوطَّأ: أَنَّ صُكُوكًا خَرَجَتْ لِلنَّاسِ في زَمَنِ مَرْوانَ بِطَعَامٍ، فَتَبَايَعَ النَّاسُ تِلْكَ الصُّكُوكَ؛ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفُوهَا.
وفِي المُوَطَّأِ: ما هُوَ أَبَيْنُ مِنْ هَذَا، وَهُوَ أَنَّ حَكِيمَ بنَ حِزَامٍ ابْتَاعَ طَعَاماً أَمَرَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -]-، فَبَاعَ حَكِيمٌ الطَّعَامَ الَّذِي اشْتَرَاهُ قَبْلَ قَبْضِهِ.
من فوائد الحديث:
  • وجُوبُ النّصيحة لأئمة المسلمين: فالنَّصِيحةُ لوُلاة الأمْر مِنْ أعظم القُرُبات، وهي مِنْ صِفات المُؤمنين الصالحين، وكان أبو هريرة - رضي الله عنه - قُدْوة في ذلك، حيث نصح مروان وهو والٍ، ولم يَسْكُت عن المُنْكر.
  • قَبُول الحقّ والاسْتجابة له؛ فمروان -رحمه الله مع كونه والياً- قَبِلَ النّصيحة مِنْ أبي هريرة، وتراجع عمّا كان عليه، وهذا مِنْ علامة قوّة الإيمان، وحُبّ الخير.
  • الحِكْمة في الدّعوة والنّصيحة: حيثُ اسْتعمل أبو هريرة الأسْلُوب الحكيم في النّصيحة، فبدأ بإثارة الانتباه بقوله: «أحْلَلّت بيع الرّبا؟»، ثمّ بيَّن له الحُكْم بالدليل منْ سُنّة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
  • مسؤولية الولاة في تطبيق شرع الله: فمَروان بعدما عَرَف الحُكم، لمْ يَتردّد في تطبيقه، ومَنَع الناس مِنْ هذا البيع، بل أرسْل حُرّاسه ليمنعوه بالقُوّة إذا لزم الأمر.
  • وفيه: تحريم بيوع الرّبا، والبُيوع التي تؤدّي إليه: ومنه: بيع «الصِّكاك» التي لمْ يُقبض بعد، هو مِنَ البُيوع التي تؤدي إلى الرّبا، فيجب منعها.
  • وفيه إقامة الإمام على الناس مَنْ يُراعي أحوالهم في ذلك.
  • قوله: «كانوا يضربون» أنّ ولي الأمر له أنْ يُعزّرَ مَنْ تَعَاطى بيعاً فاسداً، بالضرب وغيره ممّا يراه من العقوبات في البدن والمال، على ما تقرّر في الشرع.
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي


ابوالوليد المسلم 08-02-2026 03:40 PM

رد: شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم
 
شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: نَقْلُ الطّعامِ إذا بِيعَ جُزَافاً

نظَّمَ الإسْلامُ المُعاملاتِ بين النَّاسِ ولاسيما في الأمْوالِ فنَهى عن أنْواع الغَررِ والجَهالةِ في البُيوعِ نَهَى النبي صلى الله عليه وسلم عن بَيعِ الثَّمرِ في رُؤوسِ النَّخلِ والشَّجرِ وعن بَيعِ الزُّروعِ جُزافاً قبْلَ أنْ تنضُجَ دونَ كَيلٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ اشْتَرَى طَعَاماً، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ»، قَالَ: وكُنَّا نَشْتَرِي الطَّعَامَ مِنْ الرُّكْبَانِ جزَافًا، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ مِنْ مَكَانِهِ، الحديث رواه مسلم في البيوع (2/1161) باب: بُطلانُ بيع المَبيع قبل القبض، وأخرجه البخاري في البيوع (2136) باب: بيع الطعام قبل أنْ يُقبض، وبيع ما ليس عندك. قوله: «مَنْ اشْتَرَى طَعَاماً، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» يُبيِّنُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ مَن اشترَى شَيئًا ممَّا يُؤكَلُ، فلا يَبِعه حتَّى يَستوفيَه، وفي لفظ: «حتَّى يَقْبِضَهُ» أي: فلا يتَّخِذْ أيَّ تَصرُّفٍ بالبيعِ مرَّةً أخرى، إلَّا إذا قَبَضَه وافياً، بأنْ يَأخُذَ ما اشتراهُ أولاً، ويُصبِحَ في حَوزتِه، فهنا يُمكِنُه أنْ يُعيدَ بيعَه. ظاهر هذا الحديث قال الحافظ ابن عبدالبر: «وظاهر هذا الحديث: يَحظُرُ ما وقع عليه اسمُ طعام، إذا اشْتُرِيَ حتّى يُسْتوفى، واسْتيفاؤه قَبْضه، على حسْبِ ما جَرَت العادة فيه، مِنْ كيلٍ أو وَزْن، قال الله -عزوجل-: {أوفُوا الكيلَ ولا تكونُوا مِنَ المُخسِرين} (الشعراء: 181). وقال: {فأوْفِ لنا الكيلَ وتَصَدّقْ عَلينا} (يوسف: 88). وقال: {وإذا كالُوهُم أو وزَنُوهُم يُخْسِرون} (المطففين: 3). قال: وأمّا اختلافُ العلماء في معنى هذا الحديث: فإنّ مَالكًا قال: مَنْ ابْتاعَ طَعامًا أو شَيئًا مِنْ جميع المَأكول أو المَشْروب ممّا يُدّخر، وممّا لا يذخر، ما كان منه أصلُ معاشٍ أو لمْ يكنْ، حاشا الماء وَحْده، فلا يجوزُ بيعُه قبل القَبْض، لا مِنَ البائع، ولا مِنْ غيره، سواءً كان بعينه أو بغير عينه، إلا أنْ يكونَ الطّعامُ ابتاعه جُزَافاً، صُبْرةً أو ما أشْبه ذلك، فلا بأسَ ببيعه قبلَ القَبْض؛ لأنّه إذا ابتيع جُزَافاً، كان كالعُرُوض التي يجوز بيعها قبل القَبض، هذا هو المشْهور مِنْ مذهب مالك، وبه قال الأوزاعي. ما لا يجوزُ أنْ يُباع قبلَ القَبض قال: وما لا يجوزُ أنْ يُباع قبلَ القَبض عند مالك، وأصحابه فلا يَجوزُ أنْ يُمْهر، ولا يُسْتأجر به، ولا يُؤخذ عليه بَدَل، ولا خلافَ عن مالك أنّ ما عَدَا المَأكول، والمَشْروب مِنَ الثياب والعُرُوض والعقار، وكلّ ما يكالَ ويُوزن إذا لمْ يكنْ مأكولاً، ولا مشروباً منْ جميع الأشياء كلّها غير المَأكول، والمَشْروب، أنّه لا بأس لمَنْ ابتاعه أنْ يبيعه قبل قَبْضه واسْتيفائه، وحُجّته فيما ذهب إليه ممّا وصفنا عنه: قوله - صلى الله عليه وسلم - «من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه، ولا يبعه حتى يستوفيه». ففي هذا الحَديث خُصُوص الطّعام بالذّكْر، فوجبَ أنْ يكونَ ما عَدَاه بخلافه، وفيه: مَنْ ابْتاعَ طَعاماً فوجب أنْ يكون المقروض، وغير المشترى بخلافه، استدلالاً ونظراً». انتهى. فوائد الحديث الحثُّ على إتمامِ الصَّفقاتِ، وحِيازةِ البائعِ لِمَا اشتراهُ، حتى يَتصرَّفَ فيه كَيْفما شاء، وليس فيه ارْتباطاتٌ لأحدٍ غيرِه. وفيه: أنَّ الإمامَ ووَلِيَّ الأمرِ يُرشِدُ النَّاسَ في أعمالِ بُيوعِهم وشِرائِهِم. أنّ الشَّرع الإسلاميّ الحَنيف، نظَّمَ أُمورَ التَّعامُلِ بيْن النَّاسِ في البَيعِ والشِّراءِ، وأَوضَحَ أُموراً لابدَّ منْها، حتّى لا يَتنازَعَ النَّاسُ فيما بيْنهم، وحتى تَتِمَّ الصَّفقاتُ بيْنهم وهي خاليةٌ مِن المُشكِلاتِ أو الحُرْمةِ. باب: بيعُ الطّعَامِ المَكِيل بالجِزاف عَنْ عبداللَّهِ بن عمر -رضي الله عنهما- قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ المُزَابَنَةِ، أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إِنْ كَانَتْ نَخْلًا، بِتَمْرٍ كَيْلاً، وإِنْ كَانَ كَرْماً، أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلاً، وإِنْ كَانَ زَرْعاً، أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ، نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ»، الحديث أخرجه مسلم في البيوع (2/1174) باب: النّهي عن المُحاقلة والمزابنة. أخرجه البخاري في البيوع (2205) باب: بيع الزّرعِ بالطّعام كيلاً. وفي هذا الحديثِ يقولُ عبداللهِ بنُ عمرَ -رضي الله عنهما-: «نَهى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن المُزابَنةِ، أنْ يَبيعَ ثمَرَ حائطِه»، أي: ثَمَرَ بُستانِه أو مَزرعتِه، «إنْ كان نخْلاً بتمْرٍ كَيلاً» أي: إنْ كانت ثمرةَ نخْلٍ، وهو الرُّطَبُ على رُؤوسِ النَّخلِ، فلا يَبِيعُه بتمْرٍ يابسٍ كَيلاً، أي: بكذا وسْقًا من تمْرٍ. قوله: «وإنْ كان كرْماً» أي: عِنَباً، «أنْ يَبيعَه بزَبيبٍ كَيلًا» أي: يأخُذَ زَبيباً بكيلٍ مُحدَّدٍ مُقابلَ العِنبِ غيرِ النَّاضجِ، وغيرِ المَعْروفِ مِقدارُه، والزَّبيبُ: هو العِنبُ المُجفَّفُ. قوله: «وإنْ كان زَرْعاً، أنْ يَبيعَه بكَيلِ طعامٍ» أي: وكذلك لا يَبيعُ الزَّرعِ في سُنبلِه بحِنْطةٍ صافيةٍ كَيلاً. قوله: «نَهى عن ذلك كلِّه» أي المَقصودُ: أنَّه نَهَى عن بَيعِ الثَّمرِ في رُؤوسِ النَّخلِ والشَّجرِ، وعن بَيعِ الزُّروعِ جُزافاً قبْلَ أنْ تنضُجَ دونَ كَيلٍ، وأنْ يأخُذَ مُقابلَ ثمَرِه غيرِ النَّاضجِ قدْراً معلوماً مِنَ الثِّمارِ القديمةِ المَخْزونةِ، ولكنْ عليه أنْ ينتظِرَ حتَّى ينضُجَ الثَّمرُ، ويجمَعَه ويَكيلَه، ويعرِفَ مِقدارَه، ثمَّ يَبيعَه كيف شاء، بما أحَلَّ اللهُ مِنَ البُيوعِ، حتَّى لا يقَعَ في الغَررِ والجَهالةِ، فربَّما فسَدَ أو تلِفَ، وربَّما زاد قدْرُه أو نقَصَ، عمَّا تَمَّ الاتِّفاقُ عليه. الترخيص في بيع العاريّة وفي الصَّحيحَينِ: «أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ في بَيعِ العَرايا»، والعَرايا جمْع عَريَّة، وهي النَّخلةُ، هو نَوعٌ من أنواعِ البُيوعِ، ومعناه: أنْ يَبيعَ الرُّطبَ على النَّخلِ بتمر على الأرضِ، أو العِنبَ على الشَّجرِ بخَرْصِه- أي: بمِقدارِه - مِن الزَّبيبِ، على أنْ يكونَ ذلك خَمسةَ أَوسقٍ فما دُونَ ذلك، وسُمِّيَ ببيعِ العرايا، لأنَّ النخلةَ يَعرُوها- أي: يُعطيها- مالكُها لرَجُلٍ مُحتاجٍ إلى أكْلِ ثَمرتِها مُدَّةً معيِّنةً، وقيل: لأنَّ هذِه النخلةَ عَرِيتْ عن حُكمِ باقي البُستانِ، حيثُ تَخلَّى صاحبُها عنها من بَينِ سائرِ نخْلِه، وهذا البيعُ مُستثنًى مِن بَيعِ المزابنةِ المنهيِّ عنه، وسيأتي الكلام عليه، قال الحافظ ابن عبدالبر: «وكلُّ ما لا يجوزُ فيه التّفاضل، لمْ يَجزْ بيعُ بعضِه ببعضِه جُزَافاً بكيل، ولا جُزَافاً بجُزافٍ، لعَدم المُماثلة المأمور بها في ذلك، ولمُواقعة القِمَار، وهو الزَّبْن. مَنْ زادَ أو ازداد فقد أرْبى قال: ألا تَرَى أنّ كلّ ما وَرَد في الشّرع: أنْ لا يُباعَ إلا مثلاً بمثل، إذا بيعَ منه مَجهولٌ بمجهُول، أو معلومٌ بمَجهول، أو رَطبٌ بيابس، فقد دخل في ذلك التفاضل، وجُهِل المُماثلة، وما جُهِلتْ حقيقة المماثلة فيه، لمْ يُؤمن فيه التفاضل، فدخل في ذلك الرّبا، لأنَّ الحديث وَرَد في مثل ذلك، أنّ مَنْ زادَ أو ازداد، فقد أرْبى، وفي ذلك قمارٌ، وخَطرٌ أيضًا، وهذا كله تقتضيه معنى المُزابنة. فإنْ وقَعَ البيع في شيءٍ مِنَ المُزابنة، فُسخَ إنْ أُدْرك قبلَ القَبضِ وبعده، فإنْ قُبضَ وفاتَ، رجعَ صاحبُ الثّمرة بمَكيلةِ ثَمَرِه، على صاحب الرُّطَب، ورجع صاحبُ الرُّطب بقيمةِ رُطبه على صاحب الثمر يومَ قَبْضه، بالغاً ما بلغ، وما كان منْه قبل قبضه، فمصيبتُه مِنْ صاحبه. قال أبو عمر: هذا أصلُ هذا الباب، وهو يقتضي المُماثلة في الجِنْس الواحد، ويَحْرمُ الازْدياد فيه، وأمّا النسيئة في بيع الطّعام بالطعام جملة، فذلك غير جائز عند جمهور العلماء، لقوله عليه السلام: «البُرّ بالبُرّ رباً، إلا ها وها». فالجنس الواحد من المأكولات، يدخله الربا مِنْ وجْهين: الزّيادة والنّسيئة، والجنسان يدخلهما الربا منْ وجْهٍ واحد، وهو النسيئة». انتهى. فوائد الحديث النَّهيُ عن البُيوعِ الَّتي فيها جَهالةٌ وغَررٌ، كالمزابنةِ وما شابَهها مِن البُيوعِ، لِمَا يُورِثُ ذلِك من الشَّحناءِ والبَغضاءِ، والحِقدِ والحسدِ. لا يجوزُ بيعُ الرّطب خَرْصاً بتمرٍ كيلاً، إلا في العَرايا. ولا يجوزُ بيع العِنَب خَرْصاً، بزبيبٍ كيلًا. ولا يجوزُ كذلك بيعُ ثمرةِ الزّرع خَرْصاً، بجِنْسها كيلاً. وفيه: أنّ الإسْلامُ جاء فنظَّمَ المُعاملاتِ بين النَّاسِ، وخاصَّةً في الأمْوالِ، حتَّى يَنزِعَ أسبابَ الشِّقاقِ والاختلافِ، فنَهى عن أنْواع الغَررِ والجَهالةِ في البُيوعِ.



اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي






ابوالوليد المسلم 14-02-2026 10:16 PM

رد: شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم
 
شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: بيعُ التّمرِ مِثْلاً بمِثْل


  • في الحديث النَّهيُ عن الزِّيادةِ في كَيلٍ أو وَزْنٍ في الجنسِ الواحد على وجْه التَّفاضلِ والزِّيادةِ والنصّ على تحريم ربا الفَضْل
  • أحَلَّ اللهُ لعِبادِه التَّكسُّبَ بالبَيعِ وحرَّمَ الرِّبا ولذا فقدْ نَهى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن بَعضِ المُعامَلاتِ حتَّى لا يَقَعَ الإنسانُ في الرِّبا
عنَّ أَبي هُرَيْرَةَ وأَبي سَعِيدٍ -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ أَخَا بَنِي عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيَّ، فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى خَيْبَرَ، فَقَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟» قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَنَشْتَرِي الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ مِنْ الْجَمْعِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَفْعَلُوا، ولَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ، أَوْ بِيعُوا هَذَا، واشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا، وكَذَلِكَ الْمِيزَانُ». الحديث رواه مسلم في المساقاة (2/1215) باب: بيع الطّعام مثلاً بمثل، ورواه البخاري في البيوع (2201) باب: إذا أرادَ بيع تمرٍ بتمرٍ خيرٍ منه، ومواضع أخرى.
في هذا الحديثِ يَرْوي أبو سَعيدٍ الخُدْريُّ وأبو هُريرةَ -رضي الله عنهما- أنَّ رَسولَ اللهِ -[- اتَّخَذَ عاملاً، واسم هذا العامل: سَواد بن غزية بن وهب البَدْري البلوي، حليف الأنصار، وقيل: مالك بن صَعْصعة الخزرجي، ذكره الخطيب، وجزم ابن بشْكوال بالأول.
قوله: «فاسْتَعْملَه على خَيبَرَ»
«خَيبَرَ» مَنطقةٌ شَمالَ المَدينةِ النبويةِ، كان بها حُصونٌ لليَهودِ، وفُتِحَت بعْدَ صُلْحِ الحُدَيبيةِ، في أوَّلِ المُحرَّمِ سَنةَ سَبْعٍ مِن الهِجرةِ، وقوله: «فَقَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ» أي: أَتَى سَوَادٌ - رضي الله عنه - إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - «بتَمرٍ جَنيبٍ» وهو نَوعٌ جيِّدٌ مِنْ أنواعِ التَّمرِ، وقيل: الصُّلْبُ منه، فسَأَلَه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أكُلُّ تَمْرِ خَيْبرَ هكذا؟». فقال الرجُلُ: «لا واللهِ يا رَسولَ الله، إنَّا لنَأخُذُ الصَّاعَ» أي: مِن الجَنيب، بالصَّاعين، «منَ الجَمْع» أي: مِنَ التَّمرِ الرَّديءِ، وهو كلُّ نوعٍ مِنَ التّمر لا يُعرف اسمه، أو تمر مُختلط منْ أنواعٍ متفرّقة، وليس مرغوبًا فيه وما يخلط إلا رداءته، وفسّره في المصباح: بالدقل، وهو أرْدأ أنواعِ التّمْر، وفسَّره في القاموس: بالنّخل الذي يَخرجُ مِنَ النّوى لا يُعرف اسْمه. وفي رواية: «والصَّاعينِ مِن الجَنيبِ بالثَّلاثةِ» وقع في بعض الروايات بـ«الثلاث» بغير هاء. والصّاع يذكّر ويؤنّث.
لَا تَفْعَلُوا، ولَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ
قوله: «لَا تَفْعَلُوا، ولَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ» أي: فنَهاهُ - صلى الله عليه وسلم - عن أنْ يَفعَلَ هذا، وفي رواية له وللبخاري: «أوّه أوّه، عَينُ الرّبا» مرّتين، وقوله: «أَوْ بِيعُوا هَذَا، واشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا، وكَذَلِكَ الْمِيزَانُ» أي: وَجَّهَه لأنْ يَبِيعَ التَّمرَ الرَّديءَ بالدَّراهمِ، ثمَّ يَشْتريَ بالدَّراهمِ تَمْراً جَنيباً؛ ليَكونَا صَفقتَينِ؛ وذلك حتَّى لا يَقَعَ في رِبا الفضْلِ، وهو: بَيعُ النُّقودِ بالنُّقودِ متفاضلاً، أي: مع الزِّيادةِ، أو الطَّعامِ بالطَّعامِ مع الزِّيادةِ، وهو ربا مُحرَّمٌ، وقد نصَّ الشَّرعُ على تَحريمِه في سِتَّةِ أشياءَ: ففي صَحيحِ مُسلمٍ: قال رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم -: «الذَّهَبُ بالذَّهَبِ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ، والتَّمرُ بالتَّمرِ، والمِلحُ بالمِلحِ، مِثلًا بمِثلٍ، سَواءً بسَواءٍ، يدًا بيَدٍ، فإذا اختَلَفَت هذه الأصنافُ فَبِيعوا كيف شِئتُم إذا كان يَدًا بيَدٍ».
تحريم التّفاضلُ في الجِنْس الواحد
قوله: «وكَذَلِكَ المِيزَانُ» أي: يَحْرمُ التّفاضلُ فيه أيضًا في الجِنْس الواحد، قال ابن عبد البر: المِيزانُ، وإنْ لمْ يذكره مالك فهو أمرٌ مُجمعٌ عليه، لا خلاف بين أهل العلم فيه، كلّ يقوله على أصله، إنّ ما داخله في الجنس الواحد من جهة التفاضل والزيادة؛ لمْ تَجزْ فيه الزيادة والتفاضل، لا في كيلٍ ولا في وَزْن، والوزنُ والكيلُ عندهم في ذلك سَواء، إلا ما كانَ أصْلُه الكيل؛ لا يُباعُ إلا كيلاً، وما كان أصْلُه الوَزْن؛ لا يُباعُ إلا وَزْناً، وما كانَ أصْلُه الكيلُ فبيعَ وَزْناً؛ فهو عندهم مُمَاثلة، وإنْ كرِهُوا ذلك، وما كان موزوناً؛ فلا يجوز أنْ يُباع كيلاً عند جميعهم، لأنّ المماثلة لا تُدْرك بالكيل، إلا فيما كان كيلاً لا وزناً، اتباعاً للسُّنّة، وأجْمعوا أنّ الذّهبَ والوَرِق والنُّحاس وما أشبه، لا يجوزُ شيءٌ مِنْ هذا كلّه كيلاً بكيل، بوجهٍ مِنَ الوجُوه، والتمرُ كلّه على اختلاف أنواعه جنسٌ واحد، لا يجوز فيه التفاضلُ في البيع والمُعَاوضة، وكذلك البُر والزّبيب، وكلّ طعامٍ مَكيل، هذا حُكمُ الطّعام المُقْتَات عند مالك، وعند الشافعي: الطعام كلّه مُقْتات، أو غير مُقْتات، وعند الكوفيين: الطّعام المكيل والموزون دون غيره. انتهى.
مَنْ لمْ يقلْ بسدّ الذّرائع
قال القرطبي: استدلّ بهذا الحديث مَنْ لمْ يقلْ بسدّ الذّرائع؛ لأنّ بعض صور هذا البيع يُؤدّي إلى بيع التّمر بالتمر متفاضلاً، ويكون الثمن لغزاً، قال: ولا حُجّة في هذا الحديث؛ لأنّه لمْ ينص على جواز شِراء التمر الثاني ممّن باعه التّمر الأول، ولا يتناوله ظاهر السياق بعُمومه بل بإطلاقه، والمُطْلق يحتمل التقييد إجْمالاً، فوجبَ الاسْتِفسار، وإذا كان كذلك فتقييده بأدنى دليلٍ كاف، وقد دلّ الدليل على سدّ الذرائع؛ فلتكنْ هذه الصّورة ممنُوعة. واستدلّ بعضهم على الجواز: بما أخرجه سعيد بن منصور: من طريق ابن سيرين: «أن عُمر خَطبَ فقال: إنّ الدّرهم بالدّرهم سواءً بسواء، يداً بيد»، فقال له ابن عوف: فنُعطي الجَنيب ونأخذ غيره؟ قال لا، ولكن ابتع بهذا عرضاً، فإذا قبضته وكان له فيه نية؛ فاهْضِم ما شئت، وخُذْ أيّ نقدٍ شئت». واستدلّ أيضاً: بالاتفاق على أنّ مَنْ باع السّلْعة التي اشْتراها ممّن اشتراها منه بعد مدة؛ فالبيع صحيح، فلا فرق بين التعجيل في ذلك والتأجيل، فدلّ على أن المعتبر في ذلك: وجود الشرط في أصل العقد وعدمه؟ فإنْ تشارطا على ذلك في نفْسِ العقد؛ فهو باطل، أو قبله ثمّ وقع العقد بغير شرطٍ؛ فهو صحيح، ولا يخفى الورع. وقال بعضُهم: ولا يضرّ إرادة الشّراء إذا كان بغير شَرْط، وهو كمَنْ أرادَ أنْ يَزْني بامرأةٍ ثمّ عدل عن ذلك، فخَطَبها وتزوجها، فإنّه عَدَلَ عن الحَرَام إلى الحلال؛ بكلمة الله التي أباحها، وكذلك البيع، والله أعلم.
من فوائد الحديث:
  • النَّهيُ عن الزِّيادةِ في كَيلٍ أو في وَزْنٍ، في الجنسِ الواحد على وجْه التَّفاضلِ والزِّيادةِ، والنصّ على تحريم ربا الفَضْل.
  • وفيه: أنَّه كان مِن عَادةِ رَسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا نَهى عن شَيءٍ له بَديلٌ مِن المُباحِ؛ أنْ يَذكُرَ هذا البديلَ، وهو مِنْ رفقه - صلى الله عليه وسلم - بالأمة.
  • وفيه: أنَّ مَن لم يَعلَمْ بتَحريمِ الشَّيءِ؛ فلا حرَجَ عليه حتَّى يَعلَمَه، قال تعالى: {وما كنّا مُعذّبينَ حتّى نَبْعثَ رَسُولا} (الإسراء: 15).
  • قام الإجماع على أنّ البيع إذا وقع مُحرّماً؛ فهو مفسوخٌ مَرْدُودٌ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً ليسَ عليه أمْرُنا؛ فهُو رَدٌّ». وفي (صحيح مسلم): «فردُّوه».
  • أحَلَّ اللهُ لعِبادِه التَّكسُّبَ بالبَيعِ، وحرَّمَ الرِّبا، ومِنْ ثَمَّ فقدْ نَهى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن بَعضِ المُعامَلاتِ التِّجاريةِ؛ حتَّى لا يَقَعَ الإنسانُ في الرِّبا صَراحةً أو ضِمناً.
  • وفيه: اختيار طيّب الطعام.
  • جواز الوَكالة في البيع وغيره.
  • وفيه أنّ البُيوع الفاسدة تُردّ.
  • بُطلان عقود بيع الرّبا.
  • الحِرْصُ على تعليم الناس أمُور الدّين لمَنْ يجهلها.
  • عنايةُ وليّ أمْر المسلمين بشؤونِ دينهم، وتعليمهم ما يَجهلونه من ذلك.



اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي






ابوالوليد المسلم 06-04-2026 05:38 PM

رد: شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم
 
شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: النَهي عَنْ بَيْعِ الثَّمَر حتّى يَبدُو صَلاحُه


  • نَهَى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن بَعضِ البُيُوعِ التي تُؤدِّي إلى وُقوعِ الغِشِّ والخِدَاعِ ويَترتَّبُ عليها الخُصومةُ بيْن البائعِ والمُشتَرِي
  • من حرص الإسلام على حفظ أموال الناس وصيانتها وعدم أكلها بالباطل نهى عن بيع الثمرة قبل بُدُو صلاحها
عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم-: «نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ، وَعَنْ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ، وَيَأْمَنَ العَاهَةَ، نَهَى البَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ»، الحديث رواه مسلم في البيوع (2/1165) باب: النَهي عَنْ بَيْعِ الثَّمَار قبل بدُو صَلاحُها بغير شَرط القَطع.
قوله: «نهى عنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ» يَزهو: أي يَظهر فيه الزَهو، وهو الاحْمِرار أو الاصْفرار الذي يدُلُّ على بداية نضج الثمرة، وفي لفظ للبخاري ومسلم: من حديث أنس - رضي الله عنه -: أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم- نَهَى عن بيع ثَمَر التَّمْر حتّى تَزْهُو، فقلنا لأنس: ما زَهْوها؟ قال: تَحْمَرَ وتَصْفرّ، أرأيتَ إنْ مَنَعَ الله الثَّمَرةَ؛ بِمَ تسْتحل مَالَ أخيك؟». قوله: «وَعَنْ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ» والسُّنبل: هو ما عليه الحبّ مِنَ الزّرع، كالقمح والشعير، ويبيض: أي يُصبح لُونه أبيض، وهو علامةُ نضجه، قوله: «ويأمنَ العَاهة» أي: يخلو مِنَ الآفات والأمْراض التي قد تُفسده، وفي لفظ للبخاري ومسلم: عن جابر - رضي الله عنه - قال: نَهى رسُول الله - صلى الله عليه وسلم- عن بَيع الثّمرِ حتّى يطيب، وفي لفظ: عن أنس - رضي الله عنه -: أنّ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى أنْ تُباعَ ثَمرةَ النّخل حتّى تَزْهو. قال أبو عبدالله: يعني حتّى تَحْمرّ، وفي لفظ: عن أنس - رضي الله عنه -: عن النّبي - صلى الله عليه وسلم- أنّه نَهى عن بيع الثَّمرة حتّى يَبْدُو صَلاحها، وعن النَّخْل حتّى يَزْهُو. قيل: وما يزْهُو؟ قال: «يحْمارّ أو يصفار».
نَهَى النبي - صلى الله عليه وسلم- عن بيع الثمار حتّى تَزهى
وفي لفظ: عن أنس - رضي الله عنه -: أنّ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم- نَهَى عن بيع الثمار حتّى تَزهى، فقيل له: وما تزهى؟ قال: حتى تحْمّر، فقال: أريتَ إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدُكم مال أخيه؟ وفي لفظ للبخاري ومسلم: من حديث جابر - رضي الله عنه - قال: نهى النّبيّ - صلى الله عليه وسلم- أنْ تُباع الثّمرة حتّى تَشْقح، فقيل: ما تَشْقح؟ قال: «تحمارّ وتصفارّ، ويُؤكل منْها». وقد أخرج مسلم: عن ابن عمر - رضي الله عنه -: أن رسُول الله - صلى الله عليه وسلم- نَهَى عن بيع النَّخْل حتّى يَزْهُو، وعن السُّنْبل حتّى يَبْيض، ويَأمن العاهة، نهى البائع والمُشْترى، وفي لفظ عنه - رضي الله عنه -: لا تبتاعوا الثمر حتى يبدو صلاحه وتذهب عنه الآفة، قال: يبدو صلاحه حمرته وصفرته.
النهي عن بَيْعِ الثِّمارِ الَّتي على الشَّجرِ
ففي هذه الأحاديثِ: نَهَى - صلى الله عليه وسلم - عن بَيْعِ الثِّمارِ الَّتي على الشَّجرِ، أو على رُؤوسِ النَّخلِ مُنفرِدةً وحْدَها، حتَّى تَنضَجَ، ويَظهَرَ صَلاحُها، بظُهورِ مَبادئِ الحَلاوةِ؛ بأنْ يَتلوَّنَ ويَلِينَ أو نحْوِ ذلك؛ لأنَّه إذا احمَرَّتْ أو اصفَرَّتْ كان ذلك عَلامةً على تَمامِ نُضوجِها؛ فإنَّه حينئذٍ يَأمَنُ مِن العاهةِ، التي هي الآفةُ التي قدْ تُذهِبُ بالثَّمَرِ أو تُقلِّلُه. قوله: «نَهَى البَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ» أي: البائع والمُشْتري، كلاهما منْهيٌّ عن ذلك.
الفائدةُ مِنَ النَّهْيِ عن هذا البَيْعِ
فالفائدةُ مِنَ النَّهْيِ عن هذا البَيْعِ، تَعُودُ على البائعِ والمُشترِي معًا؛ فأمَّا البائعُ فلِأَنَّ ثَمَنَ الثَّمَرةِ قبلَ بُدُوِّ الصَّلاحِ قَلِيلٌ، فإذا تَرَكَها حتى يَظْهَرَ صَلاحُها زاد ثَمنُها، وفي تَعجُّلِه القليلَ نَوْعُ تَضيِيعٍ للمالِ، وكذا قدْ يَتلَفُ الثَّمَرُ قبْلَ أنْ يَنضَجَ، فيكونُ قد أكَلَ مالَ أخيه المسلمِ بغيرِ حقٍّ، وأمَّا المُشترِي فإنَّه إذا اشترَى الثَّمَرَ قبْلَ نُضْجِه؛ فإنَّه قد يَفقِدُ مالَه إذا لم يَخرُجِ الثَّمَرَ على النَّحْوِ المَطلوبِ، فيكونُ قد خاطَرَ بمالِه، بالإضافةِ إلى فائدةٍ أُخرى تَعودُ على الطَّرَفينِ، وهي: إنَّ النَّهيَ عن هذا البَيْعِ؛ يَقْطَعُ التَّشاحُنَ والتّخاصم، والإثمَ الَّذي قد يَقَعُ بيْنهما عندَ فَسادِ الثَّمَرةِ.
فوائد الحديث
  • النّهي عن بيع الثمار قبل بُدوِّ صلاحها.
  • أنّ هذا النّهي يشمل البائع والمشترى.
  • أنّ بُدو صلاح ثمرة النخيل باحْمرارها أو باصْفرارها.
  • وبدو صلاح العِنب بأنْ يبيض أو يسود ويطيب.
  • وأن بدو صلاح الحب بأنْ يشتدّ ويطعم.
  • حرص الشريعة على صيانة أموال الناس وعدم أكلها بالباطل.
  • لا يحل لمسلم أنْ يمكِّن أحداً من أكل ماله بالباطل.
  • حرص الشريعة على القضاء على أسْباب المخاصمات والمنازعات فمَنعت الغِشِّ في البُيوعِ، ونَهَى النَّبيُّ -[- عن بَعضِ البُيُوعِ التي تُؤدِّي إلى وُقوعِ الغِشِّ والخِدَاعِ، ويَترتَّبُ عليها الخُصومةُ بيْن البائعِ والمُشتَرِي.
  • ومن حرص الإسلام على حفظ أموال الناس وصيانتها وعدم أكلها بالباطل، نهى عن بيع الثمرة قبل بُدُو صلاحها، فإنّه يحفظ البائع مِنْ أكلِ مال أخيه بالباطل، ويحفظ المشتري فلا يضيع ماله.
العقل نعمة الفِكر والتدَّبُر
جعل الله تعالى العقل مناط التكليف، وبه يميز الإنسان الصحيح من الخطأ والنافع من الضار، فمن استخدم عقله لنيل رضى الله نال مبتغاه وسلم من مهاوي الردى، ومن استخدمه لغير ذلك ندم حيث لا ينفع الندم، فمن المعلوم أنّ العقل هو آلة الإدراك والتمييز عند بني البشر، وبهذه الآلة فضّله الله تعالى على كثير ممّن خلق، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) الإسراء / 70. ولقد وجّهنا الله تعالى إلى توظيف نعمة العقل في التأمّل والتفكّر والتدبّر والنظر في السماوات والأرض وما فيهما، قال تعالى: (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) يونس / 101. وقال:(أفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) الحج / 46. وقد ذمّ الله تعالى الّذين عطلوا عقولهم عن التفكّر والتدبّر، فلم يعتبروا بمخلوقات الله تعالى الدالّة على عظمته وإبداعه، فقال سبحانه: (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) يوسف/105. والآيات الدالّة على الله ووحدانيته وقدرته كثيرة مبثوثة في تضاعيف الكون، معروضة للأبصار والبصائر، في السماوات والأرض، يمرون عليها صباح مساء، آناء الليل وأطراف النهار، وهي ناطقة تكاد تدعو الناس إليها، بارزة تواجه العيون والمشاعر، موحية تخايل للقلوب والعقول، ولكنهم لا يرونها ولا يسمعون دعاءها ولا يحسّون إيقاعها العميق. ومن هنا فإن العقل لا ينفع صاحبه إن لم يُطِع الله، وينعَم بفضله في الحياة الدنيا، فالذين لم يعبُدوا الله عبادة حقيقية بعيدة عن الشرك وأوثان الهوى والبدع، فهؤلاء لا تنفعُهم عقولهم في تحقيق السعادة في الدنيا، والنجاة من عذاب الله في الآخرة، على الرغم من كونهم أصحاب ذكاءٌ وفطنة، فهذا الذكاء وتلك الفطنة لا توجِب السعادة والنجاة من العذاب إلا بعبادة الله وحده لا شريك له، والإيمان برسله وكتبه واليوم الآخر.


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي






ابوالوليد المسلم 06-04-2026 05:46 PM

رد: شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم
 
شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: بيع الْمُزَابَنَةِ


  • نهى الإسلام عن البُيوعِ الَّتي فيها جَهالةٌ وغَررٌ كالمزابنةِ وما شابَهها لِمَا يُورِثُ ذلِك من التخاصم والخلاف والشَّحناءِ والبَغضاءِ
  • نظَّمَ الإسلامُ المُعاملاتِ بين النَّاسِ ولا سيما في الأموالِ فنَهى عن الغَررِ والجَهالةِ في البُيوعِ كلّها
عن بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ: أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ وَسَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ حَدَّثَاهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ المُزَابَنَةِ؛ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، إِلَّا أَصْحَابَ العَرَايَا؛ فَإِنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُمْ»، الحديث رواه مسلم في البيوع (2/1170-1171) باب: تحريم بيع الرُّطب بالتّمر إلا في العَرايا، ورواه البخاري بنحوه عن ابن عمر -رضي الله عنهما- في البيوع (2185) باب: بيع المزابنة.
بُشَيْرِ بن يَسَارٍ مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ، الأنْصاري مولاهم المَدني، وكنيته يسار أبو كيسان، تابعيٌ ثقة. قال محمد بن سعد: كان شيخاً كبيراً فقيهاً، وكان قد أدْرك عامّة أصحاب رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان قليل الحديث، ورَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ هو الحارثي الأنْصاري، صحابي جليل. وسَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ، هو الأنصاري الخَزْرجي، صحابيٌ صغير.
النهي عَنْ المُزَابَنَةِ
قولهما: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ المُزَابَنَةِ، الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ» أي: نَهى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن أنْ يَبيعَ الرجل ثمَرَ حائطِه، أي: ثَمَرَ بُستانِه أو مَزرعتِه، بتمرٍ كيلاً. وفي حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: «نهى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن المُزابَنَةِ، والمُزابَنَةُ بيعُ ثمرَ النّخل بالتمرٍ كيلاً، وبيعُ الزّبيبِ بالعِنَب كيلاً، وعن كلّ ثَمَرٍ بخَرْصِه». متفق عليه. أي: إنْ كان نخْلاً؛ أنْ يبيع ثمرةَ النخْلٍ، وهو الرُّطبُ على رُؤوسِ النَّخلِ، أنْ يَبِيعُه بتمْرٍ يابسٍ كَيلاً، أي: بكذا وسْقٍ من تمْرٍ، وإنْ كان عِنباً، أنْ يَبيعَه بزَبيبٍ كَيلًا، أي: يأخُذَ زَبيباً بكيلٍ مُحدَّدٍ مُقابلَ العنبِ غيرِ النَّاضجِ وغيرِ المعروفِ مِقدارُه، والزَّبيبُ: هو العِنبُ المُجفَّفُ، وفي لفظٍ: «وإنْ كان زرعاً؛ أنْ يَبيعَه بكَيلِ طعامٍ»، أي: وكذلك لا يَبيعُ الزَّرعِ في سُنبلِه، بحِنْطةٍ صافيةٍ كَيلاً؛ قال: «نَهى عن ذلك كلِّه».
النهى عن بَيعِ الثَّمرِ في رُؤوسِ النَّخلِ والشَّجرِ
والمَقصودُ: أنَّه نهى عن بَيعِ الثَّمرِ أيّاً كان في رُؤوسِ النَّخلِ والشَّجرِ، وعن بَيعِ الزُّروعِ جُزافاً قبْلَ أنْ تنضُجَ دونَ كَيلٍ، وأنْ يأخُذَ مُقابلَ ثمَرِه غيرِ النَّاضجِ قدْرًا معلوماً مِنَ الثِّمارِ القديمةِ المَخزُونةِ، ولكنْ عليه أنْ ينتظِرَ حتَّى ينضُجَ الثَّمرُ، ويجمَعَه ويَكيلَه، ويعرِفَ مِقدارَه، ثمَّ يَبيعَه كيف شاء، بما أحَلَّ اللهُ من البُيوعِ؛ حتَّى لا يقَعَ في الغَررِ والجَهالةِ، فربَّما فسَدَ أو تلِفَ، وربَّما زاد قدْرُه أو نقَصَ عمَّا تَمَّ الاتِّفاقُ عليه. قال ابنُ عبدالبر: «ولا خلافَ في أنّ بيعَ الرُّطَب على النّخلِ بالتَّمْر كيلاً، وبيع العِنَب على الكرم بالزبيب كيلاً مُزابنة، والخلاف بين العلماء في إلحاق غيرهما مِنَ الثمار بهما، فقيل: تختصُّ المزابنة بهما، والجُمهور على الإلْحاق، أمّا الشافعي فيلحق بذلك كلّ بيع مجهولٍ بمَجهول، وكل بيع مجهولٍ بمَعْلوم؛ مِنْ جِنسٍ يجري الرّبا في نقده.
سبب النهي
قال: وسببُ النّهْي عنده ما يدخله مِنَ القمار والغَرَر، فنظر مالك إلى معنى المُزابنة لغة، وهي المُدافعة، ويدخل فيها القِمَار والمُخَاطرة، وكلّ ما يُباع مثلاً بمثل؛ لا يجوز فيه كيلٌ بجُزَاف، ولا جُزَاف بجُزَاف.
مسائل متفرعة
وتفرع عن هذه المسألة مسائل: منْها بيعُ الرُّطب على رُؤوس النّخل؛ برطبٍ على الأرض، أو على رُؤوس نخلٍ أخرى، فأجازه ابن خيران من الشافعية، ومنعه الاصْطرخي، وصحّحه جماعة، وقيل: إن كانا نوعاً واحداً لمْ يجز، إذْ لا حاجة إليه، وإن كانا نوعين جاز، وهو رأي أبي إسحاق. ومنها: بيع العِنب على الكرم خرصاً، بالتّمر على الأرض كيلاً، وهو جائز. وبيع الرطب والعنب على أصولهما خرصاً؛ بالدَّرهم والدينار، وهو جائز أيضاً. انتهى.
فوائد الحديث
  • النَّهيُ عن البُيوعِ الَّتي فيها جَهالةٌ وغَررٌ، كالمزابنةِ وما شابَهها مِن البُيوعِ؛ لِمَا يُورِثُ ذلِك من التخاصم والخلاف، والشَّحناءِ والبَغضاءِ، والحِقدِ والحسدِ.
  • جاء الإسلامُ فنظَّمَ المُعاملاتِ بين النَّاسِ، ولا سيما في الأموالِ؛ حتَّى يَنزِعَ أسبابَ الشِّقاقِ والاختلافِ، فنَهى عن الغَررِ والجَهالةِ في البُيوعِ كلّها.
باب: بَيْع العَرَايَا بِخَرْصِهَا
عن زَيْد بْن ثَابِتٍ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ فِي العَرِيَّةِ، يَأْخُذُهَا أَهْلُ البَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْراً، يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا، الحديث رواه مسلم في الباب السابق. وكذا البخاري. سبق في الحَديثِ الماضي أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بَيعِ الثَّمرِ في رُؤوسِ النَّخلِ قبْلَ جَنْيِه؛ تَقديراً بالتَّمْرِ على الأرْضِ، وهو المَعروفُ: ببَيعِ المُزابَنةِ، لكن قد اسَتْثنى - صلى الله عليه وسلم - مِن ذلك العَرِيَّةَ، وهي: أنْ يُشتَرى الرُّطَبُ بعْدَ بُدوِّ صَلاحِهِ على النَّخلِ؛ بتمرٍ على الأرْض، فيُعطِي ثَمرةَ النَّخلةِ للمُحتاجِ ليَأكُلَ مِن ثَمَرِها وَقْتَما يَشاءُ، ويُقدِّرَ ما على النَّخْلِ، ويَأخُذَ بدَلاً منه تَمْرًا؛ وذلك لأنَّ بعضَ النَّاسِ كانوا يُدرِكون مَوْسِمَ الرُّطَبِ، وهم لا يَملِكون نَخْلاً أو مالاً، ويُريدون أنْ يُطعِموا عِيالَهم من الرُّطب، فأراد النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الإرفاقَ بهم، فرخَّص في هذا النَّوعِ مِن البَيْعِ، إذا كان دُونَ خَمْسةِ أوْسُقٍ، كما سيأتي مِن حَديثِ أبي هُريرةَ - رضي الله عنه -، والوَسْقُ: وِعاءٌ يَسَعُ سِتِّينَ صاعًا.
  • فالعرايا: جمع عَريّة، بفتح العين وكسر الراء وتشديد الياء المفتوحة، كمطايا جمع مطيّة، وضحايا جمع ضَحيّة، مُشتقةٌ منَ التّعرّي، وهو التّجرّد، لأنّها عَرِيتْ عنْ حُكم باقي البُسْتان.
  • فالعرية: اسمٌ للنّخْلة المُعْطى ثمرها، فهي اسمٌ لعطيةٍ خاصّة.
  • وقوله: «ورخّصَ في العَريّة، بخَرْصِها تمراً يأكلها أهلُ البيت رُطَبا» الخَرص بكسر الخاء، هو: اسمٌ للمَخْرُوص، وبفتح الخاء هو: المَصْدر.
  • وأهل البيت: هم المُشْترون الذين يَشترُون الرُّطب بالتّمر، ليأكلوا الرُّطب.
فالعَريّة إنّما رُخّص فيها، لأنّها مِنْ باب المعروف والرِّفق، والتسهيل في فعل الخير، والمعونة عليه. فالمراد منَ العَريّة هنا: النَّخلة أو النَّخلات عليها رُطَب، يحتاج صاحبُها تمراً، أو يحتاج صاحب تمر رطبها، فيخرص ما عليها منْ رطب - أي يُخمّن ويُقدّر، فيقال: فيها الآن منَ الأوسق كذا، فإذا يبسَ كان مِنَ الأوْسق كذا وكذا، فيدفع صاحبُ التّمر تمره على الأرْض، ويُخلّي صاحبُ النّخلة بينه وبينها.
باب: في قَدْر ما يجوزُ بَيْعه مِنَ العَرَايا
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ فِي بَيْعِ العَرَايَا بِخَرْصِهَا؛ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ فِي خَمْسَةِ، يَشُكُّ دَاوُدُ قَالَ: خَمْسَةٌ أَوْ دُونَ خَمْسَةٍ، الحديث رواه مسلم في الباب السابق، وفي لفظٍ للصَّحيحَينِ: «أنَّ رسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ في بَيعِ العَرايا»، والعَرايا كما سبق جمْع عَريَّة، وهي النَّخلةُ، ومعناه: أنْ يَبيعَ الرُّطبَ على النَّخلِ بتَمرٍ على الأرْضِ، أو العِنبَ على الشَّجرِ بخَرْصِه- أي: بمِقدارِه - مِن الزَّبيبِ، على أنْ يكونَ ذلك خَمسةَ أَوسقٍ فما دُونَ ذلك.
قوله: «فيما دُون خَمْسة أوْسق، أو في خَمسة» شكٌ من الراوي. قوله: «أوْسُق» جمع وَسق بفتح الواو وضمها، ويقال بكسرها، والفتح أفصح، ويقال في الجمع أيضاً: أوسَاق ووسوق، والوسق في الأصل: ضَمّ الشيء بعضه إلى بعض، وقدْره سُتّونَ صاعاً، وكان كيلاً معروفاً، ووزنه يختلفُ منْ مَكيلٍ إلى مكيل مِنَ الحُبُوب والثمار، وكان كيل الصاع نحو أربع حَفنات، بحفنات رجلٍ معتدل. وهذا البيعُ مُستثنًى مِن بَيعِ المزابنةِ المنهيِّ عنه، رخّص به للحاجة، كما سبق.
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

ابوالوليد المسلم 06-04-2026 05:57 PM

رد: شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم
 
شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: في قَدْر ما يجوزُ بَيْعه مِنَ العَرَايا


  • حَرِصَ الإسْلامُ على حِفظِ الحقوقِ ورِعايتِها وحذر مِن أخْذِ حُقوقِ النَّاسِ بالباطلِ وتوعد من ينتهك تلك الحُرمةَ أو يَهتِكُها
  • حث النبي - صلى الله عليه وسلم - على التَّعاون على البِرّ والتقوى ومُواساة المحتاج ومَنْ عليه دَين
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ فِي بَيْعِ العَرَايَا بِخَرْصِهَا؛ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ فِي خَمْسَةِ، (يَشُكُّ دَاوُدُ قَالَ: خَمْسَةٌ أَوْ دُونَ خَمْسَةٍ)، الحديث رواه مسلم في الباب السابق، وأخرجه البخاري في البيوع (2190) باب: بيع الثّمر على رؤوس النخل بالذهب أو الفضة.
وفي لفظٍ للصَّحيحَينِ: «أنَّ رسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ في بَيعِ العَرايا»، والعَرايا كما سبق جمْع عَريَّة، وهي النَّخلةُ، ومعناه: أنْ يَبيعَ الرُّطبَ على النَّخلِ بتَمرٍ على الأرْضِ، أو العِنبَ على الشَّجرِ بخَرْصِه- أي: بمِقدارِه- مِن الزَّبيبِ، على أنْ يكونَ ذلك خَمسةَ أَوسقٍ فما دُونَ ذلك.
  • قولُه: «فيما دُون خَمْسة أوْسق، أو في خَمسة» شكٌ من الراوي،
  • قولُه: «أوْسُق» جمع وَسق بفتح الواو وضمها، ويقال بكسرها، والفتح أفصح، ويقال في الجمع أيضاً: أوسَاق ووسوق، والوسق في الأصل: ضَمّ الشيء بعضه إلى بعض، وقدْره سُتّونَ صاعاً، وكان كيلاً معروفاً، ووزنه يختلفُ منْ مَكيلٍ إلى مكيل مِنَ الحُبُوب والثمار، وكان كيل الصّاع نحو أربع حَفنات، بحفنات رجلٍ معتدل؛ وهذا البيعُ مُستثنًى مِن بَيعِ المزابنةِ المَنْهيِّ عنه، رخّصَ به للحاجة، كما سبق.
جواز بَيعِ العَرايا
في هذا الحَديثِ يُخبِرُ أبو هُرَيرةَ - رضي الله عنه - أنَّ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «رخَّصَ» أي: أَجازَ وأباحَ، «في بَيعِ العَرايا» وصُورتُه: أنْ يَشتريَ الرُّطَبُ بعْدَ بُدوِّ صَلاحِهِ على النَّخلِ؛ بتَمْرٍ على الأرضِ، فيُعطِيَ ثَمرةَ النَّخلةِ للمُحتاجِ ليَأكُلَ مِن ثَمَرِها وَقْتَما يَشاءُ، ويُقدِّرَ ما على النَّخْلِ ويَأخُذَ بدَلًا منه تَمْراً. وسُمِّيَ ببَيعِ العَرايا؛ لأنَّ النَّخلةَ يُعطيها مالِكُها لرجلٍ مُحتاجٍ، أي: يَعْرُوها لهُ. ولكنِ اشتَرَط الشَّرعُ أنْ يكونَ ذلك «بخَرْصِها» أي: بِنَفسِ مِقدارِ ثَمرِ النَّخلِ تمْراً؛ وذلك لأنَّ بعضَ النَّاسِ كانوا يُدرِكون مَوْسِمَ الرُّطَبِ، وهمْ لا يَملِكون نَخْلًا أو مالًا، ويُريدون أنْ يُطعِموا عِيالَهم منها، فأراد النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الإرفاقَ بهم، فأباح لهم ذلك، واشتَرَط أنْ يكونَ ذلك في مِكيالٍ أو وزْنٍ أقلَّ مِن «خَمسةِ أوسُقٍ» والوَسْقُ: مِكيالٌ يَسعُ ستِّينَ صاعاً. والمعنى: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رخَّصَ لهم في هذا النَّوعِ مِن البَيعِ؛ بهذا المِقدارِ فقطْ؛ لأنَّه قدْ يُتوهَّمُ فيه أنَّه رِباً؛ حيثُ إنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهى عن بَيعِ الثِّمارِ بالثِّمارِ مِنْ نوعٍ واحدٍ، ويُسمَّى هذا البيعُ بَيعَ المُزابَنةِ، فكأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - استَثنى لهم بيعَ العَرايا مِن المُزابَنةِ، وحدَّده بمِقدارِ خَمسةِ أوسُقٍ؛ حتَّى لا يقَعَ في شُبهةِ الرِّبا.
  • قولُه: «أو في خَمسةِ» هذا الشَّكُّ وقَع مِن أحدِ رُواةِ الحديثِ، وهو داودُ بنُ الحُصينِ؛ فهو لا يَذكُرُ هلْ خَمسةُ أوْسقٍ، أو دُونَ خَمسةِ أوسُقٍ.
فوائد الحديث
1- بَيانُ التَّرخيصِ في نوعٍ مِن أنواعِ البيوعِ تَخفيفاً وتَيسيراً على الأُمَّةِ. 2- وفيه: بيانُ مِقدارِ المُعاملاتِ في بَيعِ العَرَايا تَحديداً بخمسةِ أوسُقٍ.
باب: الجَائِحَة في بَيْع الثَّمَر
عن جَابِر بْن عبداللَّهِ -رضي الله عنهما- قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَراً، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ؛ فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟»، الحديث رواه مسلم في المساقاة (2/1190) باب: وضْع الجوائح. قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لو بعتَ مِنْ أخيك ثمراً فأصَابته جائحة، فلا يحل لك أنْ تأخذَ منه شيئاً، بم تأخذ مالَ أخيك بغيرِ حقّ؟». وفي رواية عن أنس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بيعِ النَّخْل حتّى تَزْهُو». فقلنا لأنس: ما زَهْوها؟ قال: «تَحْمّر وتَصْفّر، أرأيتك إنْ مَنَعَ اللهُ الثَّمرة؛ بِمَ تَستحلّ مالَ أخيك؟»، وفي رواية عن أنس: أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنْ لمْ يُثْمِرْها اللهُ، فبمَ يَسْتحلّ أحدُكمْ مالَ أخِيه؟».
ففي هذه الأحَاديثِ يُبيِّنُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه لوِ اشْتَرى أحدُ النَّاسِ ثَمراً مِن أخيهِ المسلِمِ، بأنْ يَشتريَ الثَّمرَ وهو على الشَّجرِ، أو أنَّه لم يَزَلْ في قَبضةِ البائعِ ولم يَستَلِمْه المُشْتَري، ثمَّ أصابَتِ الثَّمرَ جائحةٌ، وهي مُصيبةٌ، أو آفةٌ تَجتاحُ الثَّمرَ وتُهلِكُه وتُفسِدُه، فلا يَحِلُّ للبائعِ صاحبِ الثَّمرِ أنْ يَأخُذَ شيئاً مِنَ المُشتَري، فبأيِّ حقٍّ يَأخُذُ مالَ أخيهِ، وقدْ فسَدَ الثَّمرُ وأصابَتْه آفةٌ أو جائحةٌ تمنَعُ مِنَ الِانتِفاعِ به؟! وفي هذه الحال لا يَجوز له أنْ يأخُذَ أحدٌ مالَ أخيهِ باطلًا؛ لأنَّه إذا تلِفَتِ الثَّمرةُ؛ لا يَبْقى للمُشتَري في مُقابَلةِ ما دفَعَه شيءٌ، ولهذا نَهى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - -كما في الصَّحيحَينِ- عن بَيعِ الثَّمرِ قبلَ أنْ يَبدوَ صَلاحُه ويَنضَجَ، وهذا من إجْراءِ الحُكمِ على الغالِبِ. وفي رِوايةِ الصَّحيحَينِ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئلَ: «ما صَلاحُه؟ قال: «حتَّى تَذهَبَ عاهَتُه». أي: بأنْ يَصيرَ على الصِّفةِ المَطلوبةِ، من ظُهورِ النُّضْجِ فيه؛ فإنَّه حِينَئذٍ يَأمَنَ مِنَ العاهةِ، الَّتي هي الآفةُ. واختلف العلماء: في الثَّمَرة إذا بيعتْ بعد بُدو الصّلاح، وسلمها البائع إلى المشتري بالتخلية بينه وبينها، ثمّ تلفت قبل أوان الجذاذ بآفةٍ سماوية، هل تكون منْ ضمان البائع أو المشتري؟ فقال الشافعي في أصح قوليه، وأبو حنيفة والليث بن سعد وآخرون: هي في ضَمان المشتري، ولا يجبُ وضع الجائحة، لكن يستحب. وقال الشافعي في القديم وطائفة: هي في ضمان البائع، ويجب وضع الجائحة. وقال مالك: إنْ كانت دون الثلث لم يجبْ وضعها، وإنْ كانت الثلث فأكثر؛ وجب وضعها وكانت منْ ضمان البائع، واحتجّ القائلون بوضعها بقوله: «أمرَ بِوضْع الجَوائح». وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فلا يحلّ لك أن تأخذ منه شيئاً». ولأنّها في معنى الباقية في يد البائع من حيثُ إنه يلزمه سقيها، فكأنّها تلفت قبل القبض فكانت من ضمان البائع.
باب: أَخْذُ الغرماء ما بقي
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «تَصَدَّقُوا عَلَيْه» فَتَصَدَّقَ النَّاسُ علَيْه، فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِغُرَمَائِهِ: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، ولَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ»، الحديث رواه مسلم في المساقاة (2/1191) باب: استحباب الوَضْع منَ الدَّين. في هذا الحديثِ يُخبِرُ أبو سَعيدٍ الخُدْريُّ - رضي الله عنه - أنَّ رجلًا في عَهدِ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أصابَتْ ثِمارَه آفَةٌ أدَّتْ إلى إتْلافِ ثِمارِه الَّتي اشْتراها ولم يَدفَعْ ثَمنَها، فازدادتْ عليه الدُّيونُ بسَببِ ذلك، فأمَرَ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - النَّاسَ أنْ يَتصدَّقوا عليه؛ حتَّى يَتمكَّن مِن سَدادِ الدَّينِ الَّذي عليه، فاستجاب الصَّحابةُ -رَضِي اللهُ عنهم- لأمرِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وتَصدَّقوا عليه، فلم يَستوْفِ ما جَمَعه مِن النَّاسِ مَجموعَ دَينِه لكثْرتِه، وبَقِي عليه جزءٌ منه، فأمَرَ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الغُرَماءَ -وهم أصْحابُ الدَّيْنِ عليه- أنْ يَأخُذوا ما وَجدوا عِندَه ممَّا بَقِيَ ويُنتفَعُ به مِن الثِّمارِ، وما حَصَلَ عليه مِن الصَّدَقةِ.
  • قولُه: «ولَيسَ لَكمْ إلَّا ذلِكَ» أي: ليسَ لَكمْ طلَبُ ما بَقِيَ لكُم مِن دَيْنٍ ممّا عجَزَ عن وَفائهِ. وقيلَ: ليسَ لَكمْ إلَّا ذلكَ لإفلاسِهِ الآنَ، وأنَّهُ يُنظَرُ إلى مَيْسرةٍ؛ لقولِ اللهِ -تعالى-: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} (البقرة:280). والأول أقوى.
فوائد الحديث
  • أنَّ المفْلِسَ يُؤخَذُ ما بَقِي عندَه منْ مالٍ بقِيمتِه، ولا يترك للمفلس سوى حاجاته الضرورية، ولا يُحبَسُ ولا يُزجَرُ، ولكنَّه يُنظَرُ إلى مَيسرةٍ، ثمَّ يَرُدُّ دُيونَه لأهلِها.
  • وفيه: التَّعاون على البِرّ والتقوى، ومُواساة المحتاج ومَنْ عليه دَين، والحثّ على الصّدقة عليه، وفضْلُ مُواساةِ المُحتاجِ ومَنْ عليه دَينٌ.
  • وفيه: أنّ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُقيمُ دَعائمَ المجتمعِ على التَّراحمِ والتَّكافلِ، وكان دائِماً ما يُحرِّضُ أصحابَ الدَّيون على الوَضْعِ مِن دَيونهم في حقِّ المَدينِين إذا أصابتْهم نَوائبُ الدَّهرِ واجتاحَتْهم أموالَهم؛ مِن ثمَرٍ أو نقْدٍ أو أصولٍ أو غيرِ ذلك، حتَّى أصبَحَ مِن شَأنِ المُسلِمِ أنْ يَسعى دائِماً في حاجةِ أخيهِ المسلِمِ، وخاصَّةً في المصائِبِ والنَّوازِلِ.
  • وفيه: حرَصَ الإسْلامُ على حِفظِ الحقوقِ ورِعايتِها، ويتَجلَّى هذا الحرصُ هنا: في تَحذيرِ الإسْلامِ مِن أخْذِ حُقوقِ النَّاسِ بالباطلِ، والوعيدِ الشَّديدِ لِمَن يَتَخطَّى تلك الحُرمةَ أو يَهتِكُها.
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي


ابوالوليد المسلم 06-04-2026 06:03 PM

رد: شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم
 
شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: مَنْ بَاعَ نَخْلًا فيها ثَمَر


  • ضَبَط الإسلامُ عُقودَ المُعامَلاتِ بيْن النَّاسِ حتَّى يَحفَظَ علَيهم أموالَهُم ومَصالِحَهم فلا يَبْغي أحدٌ على أحدٍ
  • نَهَى الإسلام عن بعضِ أنواعِ المعامَلاتِ الَّتي يَكونُ ظاهرُها البيع وباطِنُها أكْل الأموالِ بالباطلِ أو الَّتي تَشتمِلُ على غَررٍ وجَهالةٍ وربَّما تُضِرُّ بالبائعِ أو المُشْتري
عَنْ عبداللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مَنْ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ؛ فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ، ومَنْ ابْتَاعَ عَبْداً؛ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ»، الحديث رواه مسلم في البيوع (3/1173) باب: من باع نخلاً عليها ثمر، وأخرجه البخاري في: (2204).
في هذا الحديثِ يُبيِّنُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ مَن اشْتَرى نَخلاً بعْدَ أنْ تُؤبَّرَ، يعني: بعد أنْ تُلقَّحَ، فثَمَرتُها للبائعِ؛ ولذا فله حَقُّ الدُّخولِ للنَّخلِ، لسَقْيِها وإصْلاحِها واقتطافِها، ولَيس للمُشتري أنْ يَمنَعَه مِن الدُّخولِ إليها؛ لأنَّ له حقًّا لا يَصِلُ إليه إلَّا به. قوله: «إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ» إلَّا أنْ يَشترِطَ المُشتري أنْ تكونَ الثَّمرةُ له، ويُوافِقَه البائعُ على ذلك، فتكونُ للمُشْتري، وليس للبائعِ فيها حقٌّ. قوله: «ومَنْ ابْتَاعَ عَبْداً؛ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ» أي: وكذلك مَن اشْتَرى عبْداً، وللعبدِ مالٌ، فمالُه للذي باعَهُ؛ لأنَّ العبدَ لا يَملِكُ شَيئاً أصلًا؛ لأنَّه مَملوكٌ، فلا يَصح أنْ يكونَ مالِكاً، إلَّا أنْ يَشترِطَ المُشتري كونَ المالِ له، جَميعِه أو جُزءٍ مُعيَّنٍ منه.
فوائد الحديث
  • أنّ ثمرةَ نخلِ البُستان المَبيع تكون للبائع، إذا وقعَ عقد البيع بعد التأبير.
  • إذا اشْترطَ المُشْتري أنّ الثَّمرةَ تكونُ له؛ ووافقَ على ذلك البائع، فإنّها تكون للمُشتري.
  • أنّه يصحّ البيع مع الشّرط؛ ما دامَ هذا الشّرط لا يُنَافي مُقْتضى العقد.
  • يكونُ للبائع حق الدخُول في الأرض المَبيعة، ما دامت ثمرتُه فيها.
  • الاعتبارُ بالشُّروطِ في عُقودِ البَيعِ، ما لم تُحِلَّ حَراماً، أو تُحرِّمْ حَلالًا.
  • قد ضَبَط الإسلامُ عُقودَ المُعامَلاتِ بيْن النَّاسِ؛ حتَّى يَحفَظَ علَيهم أموالَهُم ومَصالِحَهم، فلا يَبْغي أحدٌ على أحدٍ.
باب: بَيعُ المُخَابَرَةِ والمُحَاقَلَةِ
عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ قال: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ المَكِّيُّ وهُوَ جَالِسٌ عِنْدَ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عبداللَّهِ -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ المُحَاقَلَةِ، والمُزَابَنَةِ، والمُخَابَرَةِ، وأَنْ تُشْتَرَى النَّخْلُ حَتَّى تُشْقِهَ، (والْإِشْقَاهُ: أَنْ يَحْمَرَّ أَوْ يَصْفَرَّ، أَوْ يُؤْكَلَ مِنْهُ شَيْءٌ)، والمُحَاقَلَةُ: أَنْ يُبَاعَ الحَقْلُ بِكَيْلٍ مِنْ الطَّعَامِ مَعْلُومٍ، والْمُزَابَنَةُ: أَنْ يُبَاعَ النَّخْلُ بِأَوْسَاقٍ مِنْ التَّمْرِ، وَالمُخَابَرَةُ: الثُّلُثُ والرُّبُعُ وأَشْبَاهُ ذَلِكَ، قَالَ زَيْدٌ قُلْتُ: لِعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ: أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عبداللَّهِ يَذْكُرُ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قَالَ: نَعَمْ، الحديث رواه مسلم في البيوع (3/1175) باب: النّهي عن المُحاقلة والمُزابنة وعن المُخابرة، وبيع الثّمرة قبل بدو إصلاحها.
يقولُ جابرُ بنُ عبداللهِ -رضي الله عنهما-: «نَهى رسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن المُحاقَلةِ»: مأخوذة من «الحقل» وهو الزَّرع وموضعه، وهي بيعُ الحَبِّ في سَنابِلِه بحَبٍّ صافٍ، وهذا فيه جَهالةُ ما في السَّنابلِ.
نَهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المُزَابنة
«والمُزابَنةِ»: أي: ونَهى - صلى الله عليه وسلم - عن المُزَابنة، وهي: بيعُ التَّمْرِ على رُؤوسِ النَّخْلِ بالتَّمْرِ الرُّطَبِ، أو ثِمارِ العِنَبِ وهي على الشَّجَرِ بالزَّبيبِ، وهذا فيه جَهالةٌ بكَيلِ الثِّمارِ ووزنِها، وقد رَخَّصَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في العَرايا، بِشَرطِ ألَّا تزيدَ على خَمْسةِ أَوْسُقٍ، مع التَّقابُضِ في مَجْلِسِ العَقْدِ؛ كما سبق بيانه. «والمُخابَرةِ»: مأخوذة من «الخبار» وهي الأرْض اللّيّنة القابلة للزّرع، أو من «الخبير» وهو مَنْ يُحْسنُ حَرْث الأرض. وهي: العملُ في الأرْض مُقابل جزءٍ معين ممّا يَخرُجُ منها مِنَ الزّرع، مثل ما يَخْرج مِنْ شمال المَزْرعة مثلاً، وهذا فيه جَهالةٌ بما لَمْ يحصلُ بَعدُ. قوله: «وأَنْ تُشْتَرَى النَّخْلُ حَتَّى تُشْقِهَ، (والْإِشْقَاهُ: أَنْ يَحْمَرَّ أَوْ يَصْفَرَّ، أَوْ يُؤْكَلَ مِنْهُ شَيْءٌ» وفيه النَّهيُّ عن بيع الثَّمر قبل بُدُو صَلاحه، بأنْ يحمرّ أو يصفر، لعَدم أمْنِ العاهة. قَالَ زَيْدٌ قُلْتُ: لِعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ: أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عبداللَّهِ يَذْكُرُ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قَالَ: نَعَمْ. فيه: التثبّت مِنَ الراوي في نقل الحديث النبوي، لئلا يَخْتلط بأقوالِ الصحابة وفتاويهم.
من فوائد الحديث
  • نهيُ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - عن أنواع مِنَ البيوعِ التي تتعلّق بالثِّمار؛ لما فيها مِنَ الضَّرر على طرفٍ واحدٍ أو على الطّرفين، فنَهَى عن المُخابرة، والمُحاقلة، والمُزابنة.
  • والنَّهْي عن هذه البُيوع؛ لمَا فيها مِنَ الجَهلِ بتساوي العِوضَين، والجهلُ بذلك يُفْضِي إلى الرّبا المُحرّم، ومنْ باب أولى: يَحرُمُ البيع إذا عُلِم التفاضل بين العِوضين الربويين منْ جِنْسٍ واحد.
  • استثنى من المُزابنة: بيع العرايا، للحاجة.
  • وكذا النَّهيُّ عن بيع الثَّمر قبل بُدُو صَلاحه، لعَدم أمْنِ العاهة.
  • وفيه اهتمامَّ الإسلامُ اهتماماً بالغاً بحِفظِ أموالِ النَّاسِ، والحرَصَ على عدَمِ ضَياعِها؛ ولذلك نَهَى عن بعضِ أنواعِ المعامَلاتِ؛ كتِلْك الَّتي يَكونُ ظاهرُها البيعَ، وباطِنُها أكْلَ الأموالِ بالباطلِ، أو الَّتي تَشتمِلُ على غَررٍ وجَهالةٍ، وربَّما تُضِرُّ بالبائعِ أو المُشْتري.
من فقه البيوع وآدابه
كان من هدي النبي أن يعلِّم أصحابه فقه البيوع وآدابه، ومن ذلك الأمانة في البيع والشراء، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مرَّ على صُبْرة من طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا، فقال: يا صاحب الطعام، ما هذا؟ قال: أصابته السماء، يا رسول الله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أفلا جعلتَه فوق الطعام حتى يراه الناس، ثم قال - صلى الله عليه وسلم -: من غشَّنا فليس منَّا، والمكر والخديعة في النار»، قال الصنعاني: والحديث دليل على تحريم الغشِّ، وهو مجمعٌ على تحريمه شرعًا، ومذموم فاعله عقلًا. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم، قالوا: إنَّ الغشَّ حرام. وعن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعًا فيه عيب إلا بيَّنه له»، وعن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإنْ صدقا وبيَّنا بُورك لهما في بيعهما، وإنْ كتما وكذبا مُحقت بركة بيعهما. وعن بردة بن نيار - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أفضل الكسب بيعٌ مبرور، وعمل الرجل بيده»، وكما علَّمهم النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمانة بقوله، أيضًا علَّمهم إياها بفعله، ويدل على ذلك حديث العدَّاء بن خالد - رضي الله عنه - قال: «كتب لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتابًا قال فيه: هذا ما اشترى العدَّاء بن خالد من محمَّد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اشْتَرَى مِنْهُ عَبْدًا أَوْ أَمَةً، لَا دَاءَ وَلَا غَائِلَةَ وَلَا خِبْثَةَ، بَيْعَ المُسْلِمِ المسلمَ».


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي






ابوالوليد المسلم 18-04-2026 10:30 PM

رد: شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم
 
شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: بيع المُعَاوَمَةِ


  • نهى الإسلام عن المعامَلاتِ الَّتي يَكونُ ظاهرُها البيعَ وباطِنُها أكْل الأموالِ بالباطلِ أو الَّتي تَشتمِلُ على غَررٍ وجَهالةٍ وربَّما تُضِرُّ بالبائعِ أو المشتري
عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عبداللَّهِ -رضي الله عنهما-: قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ المُحَاقَلَةِ، والْمُزَابَنَةِ، والمُعَاوَمَةِ، والمُخَابَرَةِ». قَالَ أَحَدُهُمَا: بَيْعُ السِّنِينَ هِيَ المُعَاوَمَةُ، وعَنْ الثُّنْيَا، ورَخَّصَ فِي العَرَايَا»، وعَنْ جَابِرٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ، وفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ سِنِينَ. الحديثان أخرجهما في الباب السابق.
  • في الحَديثِ الأول: يقولُ جابرُ بنُ عبداللهِ -رضي الله عنهما-: «نَهَى رسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن المُحاقَلةِ، والمُزابَنةِ» وسبق بيانها، «والمُعَاومةِ»: وهي «بيعُ السِّنينَ»، وهو بيعُ ثَمَرِ نَخْلةٍ، أو نَخلاتٍ بأعيانِها أو ما شابَه، سَنتَينِ أو ثلاثًا؛ ومِنَ المَعلومِ أنَّ هذا الثَّمَرَ لمْ يُخْلَقْ بَعْدُ، ولا يُعلمُ مِقداره، «والمُخابَرةِ»: وهي العمَلُ في الأرْضِ ببعضِ ما يَخْرُجُ منها، والبَذْرُ من العاملِ، وهذا فيه جَهالةٌ بما لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ، وكذلك نهى «عَن الثُّنْيا»: وهو أنْ يُباعَ الثَّمَرُ، ويُسْتثنى منه جزءٌ غيرُ مَعلومِ القَدْرِ، وفي رِوايةٍ قال: «إلَّا أنْ يُعْلَمَ»، أي: إلَّا أن يكونَ الجُزءُ المستَثنى في البيعِ؛ معلومَ القَدْرِ، وقد رَخَّصَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - «في العَرايا» وسبق بيانه.
فوائد الحديث
  • اهتمَّ الإسلامُ اهتمامًا بالغاً بحِفظِ أمْوالِ النَّاسِ، وحرَصَ حِرصاً شديداً على عدَمِ ضَياعِها؛ ولذلك نهى عن أنواعِ مِنَ المعامَلاتِ؛ كتِلْك الَّتي يَكونُ ظاهرُها البيعَ وباطِنُها أكْلَ الأموالِ بالباطلِ، أو الَّتي تَشتمِلُ على غَررٍ وجَهالةٍ، وربَّما تُضِرُّ بالبائعِ أو المشتري.
باب: بيعُ العَبْد بالعَبْدين
عَنْ جَابِرٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: جَاءَ عَبْدٌ فَبَايَعَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى الْهِجْرَةِ، ولَمْ يَشْعُرْ أَنَّهُ عَبْدٌ، فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «بِعْنِيهِ» فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ، ثُمَّ لَمْ يُبَايِعْ أَحَداً بَعْدُ، حَتَّى يَسْأَلَهُ: أَعَبْدٌ هُوَ؟». الحديث أخرجه مسلم في المُساقاه (3/1225) باب: جواز بيع الحَيوان بالحيوان منْ جنسه مُتفاضلاً.
في هذا الحديثِ يَرْوي جابرُ بنُ عبداللهِ -رضي الله عنهما- أنَّه جاءَ عبدٌ مملوكٌ، فَبايعَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وعَاهَدَه على الهِجرةِ، وذلك أنَّ مِن شُروطِ المبايَعةِ آنذاكَ الهِجرةَ إلى المدينةِ، ولم يَدْرِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه عَبْدٌ مَملوكٌ، والمبايَعةُ على الهجرةِ تَتعارَضُ مع عُبوديَّتِه، ولو عَلِم - صلى الله عليه وسلم - أنَّه عبدٌ؛ ما بايَعَه إلَّا بإذنِ سَيِّدِه.
  • قوله: «فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ» أي: فجاءَ سَيِّدُه يَطلُبُه، ليَرجِعَ معه إلى بَلدِه، فَقَالَ لَهُ -النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «بِعْنِيهِ» أي: فطَلَبَ منه النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَبيعَه هذا العبدَ، فَاشتراهُ منه - صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم - بِعبدَيْنِ أَسْوديْنِ.
أَعَبْدٌ هُوَ؟
  • قوله: «ثُمَّ لَمْ يُبَايِعْ أَحَداً بَعْدُ، حَتَّى يَسْأَلَهُ: أَعَبْدٌ هُوَ؟» أي: ثُمَّ إنّه - صلى الله عليه وسلم - لم يَشرَعْ بالمبايَعةِ مع أحدٍ بعْدَ هذا العبدِ، حتَّى يَسألَه: «أعبدٌ هو؟» أي: أَأنت عبدٌ أو حُرٌّ؟ وذلك حِفظًا لحُقوقِ مالكِه، إنْ كان المبايِعُ عبْداً.
قال النووي: «هذا مَحْمُولٌ على أنَّ سيده كان مُسْلماً، ولهذا باعه بالعبدين الأسْودين، والظاهر أنّهما كانا مسلمين، ولا يجوزُ بيعُ العبدِ المُسْلم لكافر، ويحتمل أنّه كان كافراً، أو أنّهما كانا كافرين، ولا بُدّ من ثبوت مُلكه للعبد الذي بايع على الهجرة، إمّا ببينة، وإمّا بتصديق العبد قبل إقراره بالحرية. قال: وفيه: ما كان عليه النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ مكارم الأخْلاق والإحسان العام، فإنّه كرِهَ أنْ يَردّ ذلك العبدَ خائباً، بما قَصَده مِنَ الهِجْرة، وملازمة الصحبة، فاشتراه ليتمّ له ما أراد. قال: وفيه: جوازُ بيعِ عبدٍ بعبدين، سواءً كانت القِيمةُ متّفقةً أو مختلفة، وهذا مُجْمعٌ عليه إذا بِيعَ نقداً، وكذا حُكم سائر الحيوان، فإنْ باع عبداً بعبدين، أو بعيراً ببعيرين إلى أجل، فمذهب الشّافعي والجُمْهور جوازه، وقال أبو حنيفة والكوفيون: لا يجوز، وفيه مذاهب لغيرهم، والله أعلم. انتهى.
فوائد الحديث
  • فيه: أنّ أخْذُ البيعةِ تكون مِنَ الحُرِّ لا مِنَ العبدِ؛ لأنَّه مملوكٌ لِسيِّدهِ، فلا يَملِكُ التَّصرُّفَ بِنفْسِه.
  • أنّ المُبايَعةُ هي المعاقَدةُ والمُعاهَدةُ، وسُمِّيت بذلك تَشبيهًا بالمُعاوَضةِ الماليَّةِ، كأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَبيعُ ما عندَه لصاحبِه؛ فمِن طرَفِ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: وَعْدٌ بالثَّوابِ والجنّة، ومِن طَرَفِ المبايِعينَ له: الْتزامُ الطَّاعةِ له.
  • وفيه: جوازُ بيعِ عبدٍ بعبدين، سواءً كانت القِيمةُ متّفقةً أو مختلفة، وهذا مُجْمعٌ عليه إذا بِيعَ نقداً، وكذا حُكم سائر الحيوان.
  • وفيه: ما كان عليه النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِن مَكارمِ الأخلاقِ، والإحسانِ العامِّ للناس؛ فَإنَّه كَرِهَ أنْ يَردَّ العبدَ خائباً مِمَّا قَصدَه مِنَ الهِجرةِ، ومُلازَمَةِ الصُّحبَةِ له.
التحذير من احتكار السّلع
عن معمر بن عبدالله - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يحتكر إلا خاطئ، والاحتكار هو شراء السلع، وحبسها لتقلَّ في السوق، ويرتفع سعرها على المشتري؛ وقد اتفق الأئمة الأربعة على تحريم الاحتكار، وإنما الخلاف هو في نوع السلع التي يحرم احتكارها، والراجح والله أعلم هو حرمة الاحتكار في كل ما يحتاج إليه الناس، وكما كان من سُنَّة النبي - صلى الله عليه وسلم - أنْ يفقَّه المسلمين في أحكام البيع وآدابه ، كذلك كانت سُنَّة عمر بن الخطاب- رضي الله عنه -، فلقد مر يومًا في السوق فرأى حاطبَ بن أبي بلتعة- رضي الله عنه - يبيع زبيبًا، فقال له: إما أنْ ترفع السعر، وإما أنْ تدخل بيتك فتبيع كيف شئت، وكذلك كان عمر بن الخطاب- رضي الله عنه - يمر بدرته في السوق فيضرب ويقول: لا يبع في سوقنا إلا من فقه، وإلا أكل الرِّبا، شاء أم أبى. وكذلك فلقد سطَّر الأئمة- رحمهم الله- جملة من المصنفات في هذا الباب؛ وذلك ليفقهوا الراعي والرعية في أحكام البيع ومعاملاته، يقول الإمام الماوردي: لما اتسع نطاق التجارة وأصبحت موردًا لأهل الإعواز من البلاد كافة ، يتناولون فيها حاجتهم من المال، وقع غش فاحش في التجارة، وصارت الصيارف من اليهود وغيرهم يعطون مالهم بالرِّبا، على أنْ يعاد عليهم المثل في نهاية العام مثلَين وأكثر منه، فأقام الرشيد محتسبًا؛ ليكون بالأسواق لفحص الأوزان والمكاييل من الغش، وينظر في معاملات التجارة؛ لتكون جاريةً على سنن العدل؛ حتى لا تُجامل الشرفاء على الضعفاء، والأغنياء على الفقراء؛ ا.هـ. وقال- رحمه الله-: وأما المعاملات المنكرة كالرِّبا والبيوع الفاسدة، وما منع الشرع منه مع تراضي المتعاقدين به إذا كان متفقًا على حظره، فعلى والى الحسبة إنكاره والمنع منه، والزجر عليه، وأمره في التأديب مختلف بحسب الأحوال وشدة الحظر، ومما يتعلق بالمعاملات غش المبيعات وتدليس الأثمان، فينكره ويمنع منه، ويؤدب عليه بحسب الحال فيه، روي عن النبي -[- أنه قال: «ليس منا من غش»، ويمنع من تصرية المواشي، وتحفيل ضروعها عند البيع للنهي عنه؛ فإنه نوع من التدليس.


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي






ابوالوليد المسلم 04-05-2026 07:47 PM

رد: شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم
 
شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: النَّهْي عنْ بَيْعِ المُصَرَّاة


  • نهَى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن المُعاملاتِ الَّتي يصاحبها الغِشُّ والخداعُ وتُؤدِّي إلى الضَّررِ بالبائِعِ أو بالمُشتري
  • كلّ مُحرّم فثمنه حَرَام لأنّه لا يُباح التوصّل إليه بأي طريق فالوسائل لها أحكام المقاصد وهذه قاعدة نافعة
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «مَنْ ابْتَاعَ شَاةً مُصَرَّاةً؛ فَهُوَ فِيهَا بِالخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَها، وإِنْ شَاءَ رَدَّهَا، ورَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ»، الحديث رواه مسلم في البيوع (3/1158) باب: حكم بيع المُصراة، وأخرجه البخاري (2148) بنحوه, يقولُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم-: «مَنِ ابتاعَ» يعني: اشْتَرى، «شاةً مُصرَّاةً» هي: الشاة التي تُترَكُ أيامًا دون حَلْبٍ، حتَّى يَمتلِئَ ضَرعُها، فيَظُنَّ المُشتري أنَّها حَلوبٌ كثيرةُ اللَّبنِ؛ فيَزيدُ في ثَمَنِها، وبعدَ حلْبِها يطَّلِعُ على عَيبِها، فيكونُ قدِ اشْتَراها بأكثَرَ ممَّا تستحِقُّه، وبذلك يكونُ البائِعُ قد غرَّر بالمُشْتري وظَلَمَه.
قال الحافظ النووي: «وهو رَبْط أخلافها، ومعناه: لا تجمعوا اللبن في ضرعها عند إرادة بيعها، حتّى يَعظمَ فيظنُّ المُشْتري أنّ كثرةَ لبنها عادةٌ مُسْتمرّة، ومنه قول العرب: صريت الماء في الحوض إذا جمعته، وصرى الماء في ظهره إذا حبسه... قال: واعلم أنَّ التّصرية حَرامٌ سواءً تصريةُ النّاقة والبقرة والشاة والفرس والأتان وغيرها؛ لأنّه غشٌ وخداع، وبيعها صحيح مع أنّه حَرام، وللمشتري الخيار في إمساكها وردها.. قال: وفيه دليلٌ على تحريم التّدليس في كلّ شيء، وأنّ البيع مِنْ ذلك ينعقد، وأنّ التدليس بالفعلِ حرامٌ كالتدليس بالقول». اهـ من شرح مسلم بتصرف.
بالخِيارِ ثَلاثةَ أيامٍ
لذا قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم-: «فهو بالخِيارِ ثَلاثةَ أيامٍ»، يَعنِي: هو مُخيَّرٌ بينَ شَيئينِ: بين الإمساك بالشراء أو الرجوع فيه، خلالَ ثلاثةِ أيَّامٍ، وهي مُدَّةٌ غالباً ما تَسمَحُ للمُشْتري بمعرِفَةِ عادتِها, ثمّ قال: «إنْ شاءَ أنْ يُمسِكَها أمْسَكَها» أي: أنْ يَقبَلَ بها ويُمضِيَ البَيعَ، «وإنْ شاءَ أنْ يَرُدَّها ردَّها وصاعاً من تَمرٍ» أي: يَرُدُّها على البائعِ الَّذي خَدَعَه مُبطِلًا للبيعِ، ومعها صاعٌ من تَمْرٍ بدلًا منَ اللَّبنِ الَّذي حَلَبَه منْها، ويَسترِدُّ مالَه. والصَاع: مكيال معروف في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، يساوي أربعة أمداد، ومقداره الحديث يعادل حوالي 2.5 كيلوغرام من القمح أو ما يعادله. وفي لفظ لمسلم: «لا سَمْراء» والسَّمراءُ هي الحِنْطةُ، أي: لا يُعطي غيرَ التَّمرِ.
فوائد الحديث
  • نهَى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم- عن المُعاملاتِ الَّتي يصاحبها الغِشُّ والخداعُ، وتُؤدِّي إلى الضَّررِ بالبائِعِ أو بالمُشتري.
  • فالغش مُحرّم في الإسلام، سواء في البيع أو الشراء أو أي معاملة، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي». رواه مسلم.
  • في الحديث: حفظ حُقوق المتعاقدين، فالشريعة تحفظ حقوق البائع والمشتري، وتمنع الظلم والغبن.
  • مشروعية الخيار في البيع: فإذا ظهر عيبٌ أو غش للمشتري بعد العقد، فله الحقُّ في فسخ العقد أو إمْضائه.
  • التعويض عن المنافع: فإذا استفاد المشتري من السلعة خلال مدة الخيار (كحلب اللبن)، فيجب عليه تعويض البائع عن هذه المنفعة.
  • العدل والإنصاف: حتى عند الرجوع في البيع، فيجبُ العَدلُ وعدم أكل حق الآخرين، ولهذا أمر برد الصاع تعويضاً عن اللبن المستفاد.
باب: تَحْريمُ بَيْع ما حَرُمَ أكْلُه
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ - رضي الله عنه - أَنَّ سَمُرَةَ بَاعَ خَمْراً، فَقَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ سَمُرَةَ؛ أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ؛ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا»، الحديث رواه مسلم في المساقاة (3/1207) باب: تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، ورواه البخاري (2224)،
قوله:» بَلَغَ عُمَرَ - رضي الله عنه - أَنَّ سَمُرَةَ بَاعَ خَمْراً» اختُلف في كيفيّة بيع سَمُرة للخمر على ثلاثة أقوال، أحدها: أنّه أخذها مِنْ أهلِ الكتابِ عن قيمة الجِزية، فبَاعَها منْهم، مُعتقداً جوازَ ذلك. والثاني: قال الخطّابي: يجوز أنْ يكون باعَ العَصير مِمّن يتّخذَه خَمراً، والعَصير يُسمّى خَمراً، كما قد يُسمّى العِنبُ به؛ لأنّه يَؤُول إليه، قال: ولا يُظنُّ بسَمُرة أنّه باع عَينَ الخَمر، بعد أنْ شاعَ تَحريمها، وإنّما باعَ العَصير. والثالث: أنْ يكون خلَّل الخَمْر وباعَها، وكان عُمر يعتقد أنّ ذلك لا يُحلّها، كما هو قولُ أكثرِ العُلماء، واعتقد سَمُرة الجَواز كما تأوله غيرُه أنّه يُحلّ التخليل. قال القرطبي: والأشبه الأول. قال الحافظ: ولا يتعيَّن على الوجْه الأول أخذُها عن الجِزْية، بل يحتملُ أنْ تكون حَصَلت له عن غنيمةٍ أو غيرها، وقد أبدى الإسماعيلي في المَدخل فيه احتمالاً آخر: وهو أنَّ سَمُرة عَلِمَ تَحريمَ الخَمْر، ولمْ يَعلم تحريمَ بيعها، ولذلك اقتصرَ عُمر على ذمِّه دُون عُقُوبته، وهذا هو الظّنّ به. قال: وفي الحديث: لعنُ العَاصي المُعيّن، ولكنْ يَحتملُ أنْ يقال: إنّ قول عمر رضي الله عنه : قاتلَ اللهُ سَمُرة، لمْ يُردْ به ظاهره، بل هي كلمةٌ تقولُها العرب عند إرادة الزَّجْر، فقالها في حقّه تَغليظاً عليه. قال: وفيه إقالة ذَوي الهيئات زَلّاتهم؛ لأنَّ عُمر اكتفى بتلك الكلمة عن مزيد عقوبةٍ ونحوها. فتح الباري: (4/ 415).
لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ
قوله: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ؛ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا» وفي لفظٍ: «قاتل الله اليهود» أي: أهلكهم ولعنهم، وهو إخبارٌ، أو دُعاءٌ عليهم. «حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ» وفي لفظ: «إنّ اللهَ حرّم عليهم الشحوم» أي: شحوم الغنم والبقر، قال الله -تعالى-: {وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا} (الأنعام: 146). «فَجَمَلُوهَا» وفي لفظ: «فأجْمَلُوه» أي: أذابُوه، قال في النهاية: جَمَلتُ الشَّحْم وأجْملتُه: أذبته. وفي القاموس: جَمَل الشحم أذابه، كأجْمَله واجْتَمله؛ أي: أنّهم احْتالوا بذلك في تَحْليله؛ وذلك لأنّ الشّحْمَ المُذاب؛ لا يُطلقُ عليه لفظ «الشّحم» في العُرْف، بل يُقال: إنّه الوَدَك.
بطلان كلّ حِيلةٍ
قوله: «فَبَاعُوهَا» وفي لفظ: «ثُمّ بَاعُوه فأكلُوا ثَمَنه» الضّمير المنصوب في هذه الجُمل الثلاث؛ راجعٌ إلى الشُّحوم، قال في «شرح السنة»: فيه دليلٌ على بطلان كلّ حِيلةٍ تُحتال للتوصّل إلى مُحرّم، وأنّه لا يتغيّر حُكمه بتغير هيئته، وتبديل اسمه. انتهى. فالحاصل: أنّ مَنْ باعَ الخَمْرَ؛ فقد شابَه اليهود الذين حُرّمت عليم الشُّحُوم، فأذابُوها وباعُوها، وأكلُوا ثَمَنَها، حيلةً ومُخَادعة، وإنّما حَرّم اللهُ -عز وجل- شحوم الغنم والبقر على اليهود؛ بسببِ بَغْيهم وظُلْمهم، وتعدّيهم حُدُود الله -تعالى-، كما قال الله -عز وجل-: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} (الأنعام: 146)، وأمّا هذه الأمّة؛ فقد رَفع اللهُ -تعالى- عنها برحمته الآصَارَ والأغْلالَ التي كانت على مَنْ كان قبلها، فلا ريبَ في إباحة شُحُوم الغَنم والبقر لهذه الأمّة؛ كما يُباحُ لهم سائرَ أجزائها، وممّا يقال: أنّ سببَ تنفيرِ النّاس في العالم المُعاصر مِنْ أكلِ الشُّحُوم في طعامهم، واسْتبدالها بالزَّيُوت المُصنّعة الضارة؛ هم اليهود!
من فوائد الحديث
  • تَحريمُ المُعاملة بالخَمْر، ببيعٍ، أو شِراء، أو عمل، أو إعانة بأيّ نوعٍ كان.
  • تحريمُ الحِيل، فإنّ الله -تعالى- لمّا حَرّم الخَمرَ، حَرّم ثَمنه الذي هو وسيلةٌ إليه.
  • مَنْ باعَ الخَمر؛ فقد شَابَه اليهودَ الذينَ حُرّمتْ عليم الشُّحوم، فأذابُوها وباعوها، وأكلُوا ثَمَنها، حِيلةً ومخادعة.
  • أنّ كلّ مُحرّم فثمنه حَرَام؛ لأنّه لا يُباح التوصّل إليه بأي طريق، فالوسائل لها أحكام المقاصد، وهذه قاعدة نافعة.
  • قال الحافظ: وفيه: إبطالُ الحِيل والوسائل إلى المُحرّم، وفيه تحريم بيع الخمر، وقد نقل ابنُ المنذر وغيرُه في ذلك الإجماع، وشذَّ مَنْ قال: يجوز بيعها.
  • قال: وفيه دليلٌ على أنّ بيعَ المُسْلم الخَمْر مِنَ الذِّمّي لا يجوز، وكذا توكيل المُسْلم الذّمّي في بيع الخَمْر.
  • قال: وفيه استعمال القياس في الأشْبَاه والنَّظائر؛ انتهى. فتح الباري: (4/ 415).



اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي






ابوالوليد المسلم 04-05-2026 07:49 PM

رد: شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم
 
شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم.. باب: تَحْريمُ بَيْعِ الخَمْر


  • الخَمرُ أمُّ الخبائثِ وضَررُها أكثرُ مِن نفْعِها ولا يحلّ للمُسلمِ أنْ يَشرَبَها وقد حرَّمَ الشَّرعُ كلَّ أنواع الخَمرِ وكلَّ أنواع الانْتِفاعِ بها
  • أحلَّ اللهُ لعِبادِهِ الطَّيِّباتِ وحرَّمَ عليهِمُ الخَبائِثَ مِن كُلِّ شَيءٍ وفي كُلِّ شَيءٍ مِن المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَكْسَبِ والتِّجارَةِ
عَنْ عبدالرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ السَّبَئيِّ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ: أَنَّهُ سَأَلَ عبداللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَمَّا يُعْصَرُ مِنْ العِنَبِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: إِنَّ رَجُلًا أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَاوِيَةَ خَمْرٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَهَا؟» قَالَ: لَا، فَسَارَّ إِنْسَاناً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «بِمَ سَارَرْتَهُ؟» فَقَالَ: أَمَرْتُهُ بِبَيْعِهَا، فَقَالَ: «إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا؛ حَرَّمَ بَيْعَهَا». قَالَ: فَفَتَحَ المَزَادَةَ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيها، الحديث رواه مسلم في المساقاة (2/1206) باب: تحريم بيع الخمر.
في هذا الحَديثِ يَرْوي التَّابِعيُّ عبدالرَّحمنِ بنُ وَعْلةَ، أنَّه سألَ عبداللهِ بنَ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما- عن حُكمِ الشَّرابِ الَّذي يُعصَرُ مِنَ العنَبِ، وظاهِرُه أنَّه يَسألُ عنِ الخَمرِ الَّتي تُتَّخذُ منَ العنَبِ، فأخبَرَه عبداللهِ بنُ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما- أنَّ رجُلًا أَهْدَى إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - «رَاويةَ خَمرٍ» والرَّاويةُ: هي القِرْبةٌ منَ الجِلدِ.
هَلْ علِمْتَ أنَّ اللهَ -عزَّوجلَّ- قدْ حرَّمَها؟
فسَألَه النبي - صلى الله عليه وسلم -: «هَلْ علِمْتَ أنَّ اللهَ -عزَّوجلَّ- قدْ حرَّمَها؟» لعلَّ السُّؤالَ كان ليَعرِفَ حالَه، فإنْ كان عالِماً بتَحريمِها، أنكَرَ عليه هَديَّتَها، وإمْساكَها، وحَملَها، وعزَّرَه على ذلك، فلمَّا أخبَرَه أنَّه كان جاهلاً بذلك عذَرَه، ولعلَّ الرَّجلَ كان مِنْ خارجَ المدينةِ قبلَ أنْ يَنتشِرَ حُكمُ تَحريمِها، فنَفى الرَّجلُ عِلمَه بالنَّهيِ والتَّحْريمِ.
قوله: «فَسَارَّ إِنْسَانا»ً
  • قوله: «فَسَارَّ إِنْسَانا»ً أي: فكلَّمَ هذا الرَّجلُ رَجلاً آخَرَ بجِوارِه سرّاً، دونَ أنْ يَسمَعَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فسَألَه - صلى الله عليه وسلم -: «بِمَ سَارَرْتَه؟» وإنَّما سأَلَه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عمَّا سرَّ به؛ لمَا غلَبَ في ظنِّه أنَّ كلامَه للآخَرِ؛ كان فيه ما يتعَلَّقُ بتلك الخَمرِ، فأرادَ أنْ يُبيِّنَ له شُموليَّةَ حُكمِ الخَمرِ، وأنَّ التَّحريمَ يَتعدَّى شُربَها كما سيأْتي، فَأجابَ الرَّجلُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أمَرْتُه بِبَيْعِها»، وفي رِوايةٍ لأحمدَ: «فأقبَلَ الرَّجلُ على غُلامِه، فقال: اذهَبْ فبِعْها».
إنَّ الَّذي حرَّمَ شُربَها حرَّمَ بيْعَها
  • قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الَّذي حرَّمَ شُربَها حرَّمَ بيْعَها» أي: فبَيعُها حَرامٌ مِثلُ شُربِها، وقولُه: «الَّذي» كنايةٌ عنِ اسمِ اللهِ -تعالى-، فكأنَّه قال: إنَّ اللهَ حرَّمَ شُربَها، وحرَّمَ بَيعَها. ويَحتمِلُ أنْ يكونَ مَعناه: إنَّ الَّذي اقْتَضى تَحريمَ شُربِها، اقْتَضى تَحريمَ بَيعِها؛ إذ لا تُرادُ إلَّا للشُّربِ، فإذا حُرِّمَ الشُّربُ لم يجُزِ البَيعُ؛ لأنَّه يكونُ من أكْلِ المالِ بالباطِلِ، وهو داخل في قوله -تعالى-: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (المائدة:2)، فيأمر عباده المؤمنين بالتعاون على فعل الخيرات وهو البر، وترك المنكرات وهو التقوى، وينهاهم عن التناصر على الباطل، والتعاون على المآثم والمحارم. قال ابن جرير: «الإثم» تَركُ ما أمَرَ الله بفعله، و»العُدْوان» مُجاوزة ما حدّ الله في دِينكم، ومُجَاوزة ما فَرَضَ اللهُ عليكم في أنفسكم، وفي غيركم.
  • قوله: «فَفتحَ الرَّجلُ المَزادةَ» وهي القِرْبةُ، «حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيها» أي: حتَّى سَكَبَ ما فيها، وتَخلَّصَ منه، وظاهرٌ من إيرادِ ابنِ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما- هذا الحديثَ جواباً لسُؤالِ عبدالرَّحمنِ بنِ وَعْلةَ: أنَّه أرادَ أنَّ التَّحريمَ يقَعُ في كُلِّ ما يكونُ يُعَدُّ خَمراً، ويكونُ مُسكِراً، ومُغيِّباً للعقلِ، سواءٌ أكانت مُتَّخَذةً منَ العنبِ، أو من غيرِها.
فوائد الحديث
  • النَّهْيُ عَن بَيْعِ الخَمرِ.
  • وفيه: أنَّ مَن أَهْدَى المُحَرَّمَ لم تُقبَلْ هَدِيَّتُه.
  • وفيه: أنَّ مَنِ ارتكَبَ مَعْصيةً جاهلًا بتَحْريمِها لا إثْمَ عليه، ولا تَعزيرَ.
  • وأنّ الخَمرُ أمُّ الخبائثِ، وضَررُها أكثرُ مِن نفْعِها، ولا يحلّ للمُسلمِ أنْ يَشرَبَها، وقد حرَّمَ الشَّرعُ كلَّ أنواع الخَمرِ، وكلَّ أنواع الانْتِفاعِ بها.
  • وفيه: حُسنُ تَعليمِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه.
باب: تَحْريمُ بيعِ المَيْتَةِ والْأَصْنَامِ والخِنْزِيرِ
عَنْ جَابِرِ بْنِ عبداللَّهِ -رضي الله عنهما-: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ»، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ؟ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، ويَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؛ فَقَالَ: «لَا هُوَ حَرَامٌ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عِنْدَ ذَلِكَ: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا؛ أَجْمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ»، الحديث رواه مسلم في المساقاة (2/1207) باب: تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام.
تحريم بيع الخمور بكل أنواعها
في هذا الحديثِ يُخبِرُ جابرُ بنُ عبداللهِ أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - خطبَ الناس عامَ فتْحِ مكَّةَ في السَّنةِ الثامنةِ مِن الهِجرةِ، فحرَّمَ بَيعَ الخمرِ بكلِّ أنْواعِها، وحرَّمَ المَيتَةِ مِن الحَيَواناتِ والطُّيورِ، والخِنزيرِ الَّذي حَرَّمه اللهُ في كِتابِه، وحرَّمَ بيعَ الأصنامِ، وهي التَّماثيلُ المُصوَّرةُ المُجسَّمةُ؛ لأنَّها تكونُ ذَريعةً إلى الشِّركِ باللهِ -تعالى-، سَواءٌ كان بمُضاهاتِهم ومُشابَهتِهم اللهَ -تعالى- في خلْقِه، أو بعِبادتِها كما فَعَل الناس في الجاهليَّةِ. وقال ابن التين: بيعها ما دامتْ مُصوّرة ممنوع، وإذا طُمِست صُورها؛ جاز بيعها، كانت فضةً أو نحاساً أو حَجَراً، والنّهي في الشحوم منصب عند أكثر العلماء إلى البيع دُون الانتفاع، وأجاز أبو حنيفة بيع شحوم الميتة وخالف الحديث؟ ونَحَا إليه ابن وهب وسلف، واستدل الخطّابي بجواز الانتفاع؛ بإجماعهم أنّ مَنْ ماتتْ له دابة؛ ساغ له إطْعامها لكلابه، فكذلك الدُّهن، وظاهر كلام عبدالملك منعه.
أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ؟
  • قوله: «فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، ويَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ، أي: أخْبَرَه النَّاسُ أنَّ شُحومَ الحَيواناتِ الَّتي تَموتُ؛ يُنتفَعُ بها في طِلاءِ السُّفنِ ودَهْنِ الجُلودِ، ويَجعَلُها النَّاسُ في مَصابيحِهم يَستضِيئونَ بها، فهلْ يَجوزُ ذلك؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا، هو حَرامٌ» أي: قَطْعاً؛ لأنَّ اللهَ حرَّمَ المَيتةَ في كِتابِه، وكل وجوه الانتفاع بها،
ثُمَّ قال رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عندَ ذلك: «قاتَلَ اللهُ اليَهودَ» أي: أهلَكَهُم ولَعَنَهم؛ «إنَّ اللهَ لَمَّا حرَّمَ شُحومَها» والمرادُ: شُحومُ المَيتةِ، أو شُحومُ البقَرِ والغنَمِ، كما أخْبَرَ -تعالى- بقَولِه: {وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا} (الأنعام: 146).
  • قوله: «جَمَلُوه» أي: أذابُوه، أي: أذابُوا هذه الشُّحومَ ثُمَّ باعُوها؛ تَحايُلاً على الشَّريعةِ، وعلى ما حرّم الله، وأخَذوا ثَمَنَها، فاستَحقُّوا اللَّعنةَ مِنَ اللهِ -تعالى-، وفي هذا تَحذيرٌ مِن التَّحايُلِ على المُحرَّماتِ كما فَعَلَت بَنو إسرائيلَ.
فوائد الحديث
  • إبطالُ الحِيَلِ والوَسائلِ إلى المُحرَّمِ.
  • وفيه: أنَّ الشَّيءَ إذا حُرِّمَ عَينُه حُرِّم ثَمَنُه.
  • وفيه: أنّ اللهُ أحلَّ لعِبادِهِ الطَّيِّباتِ، وحرَّمَ عليهِمُ الخَبائِثَ مِن كُلِّ شَيءٍ وفي كُلِّ شَيءٍ؛ مِن المَطْعَمِ والمَشْرَبِ، والمَكْسَبِ والتِّجارَةِ، وغيرِ ذلك.



اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي






ابوالوليد المسلم 04-05-2026 08:05 PM

رد: شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم
 
شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: النَّهْيُّ عن ثَمَنِ الكَلْبِ ومَهْرِ البَغِيِّ وحُلْوَانِ الكَاهِنِ


  • حرص الإسلامُ على اتِّخاِذ سُبُلِ الرِّزقِ الطيِّبةِ والبُعدِ عن كُلِّ كسب خَبيث
  • نَهَى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن بَيعِ الكلْبِ وأخْذِ ثَمَنِه مُطلقاً وما يُكتسب مِنْ ذلك فهو مالٌ غيرُ طَيِّبٍ
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ - رضي الله عنه -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، ومَهْرِ الْبَغِيِّ، وحُلْوَانِ الْكَاهِنِ» رواه مسلم في المساقاة (3/1198) باب: تحريم ثمن الكلب، وحلوان الكاهن، ومهر البغي، والنّهي بيع السنّور.
  • في هذا الحديثِ نَهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ثَلاثةِ أشياءَ:
الأوَّلُ: النهي عن بيع الكلب
نَهَى النبي - صلى الله عليه وسلم- عن بَيعِ الكلْبِ، وأخْذِ ثَمَنِه مُطلقاً، وما يتمَّ كَسْبُهُ مِنْ ذلك فهو مالٌ غيرُ طَيِّبٍ؛ وذلك لأنَّ الكلْبَ مَنْهِيٌّ عَنِ اقتنائِهِ وتَربيتِهِ، إلَّا كلْبَ الماشيةِ والحَرْث. قيل: إنَّ هذا حكْمٌ عامٌّ، سُواءٌ كان مُعلَّماً على الصَّيدِ أو غيرَ مُعلَّمٍ، أو كان ممَّا يَجوزُ اقتِناؤه، أو ممَّا لا يَجوزُ اقتِناؤُه.
  • والصحيح: أنّه يُستثنَى مِن ذلك كَلبُ الحِراسةِ والصَّيدِ؛ لأنَّه ذُو مَنفَعةٍ، مأذونٍ فيه، كما في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنِ اقتَنى كَلباً إلَّا كَلباً ضارياً لصَيدٍ، أو كَلبَ ماشيةٍ، فإنَّه يَنقُصُ مِن أجرِه كُلَّ يَومٍ قيراطانِ»؛ متفق عليه.
وكما في سُنَنِ أبي داود والتِّرمذيِّ: «نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكلْبِ، إلَّا كلبِ الصيدِ»، أخرجه أبو داود (3484) أوله بنحوه في أثناء حديث، والترمذي (1281) واللفظ له، والنسائي (4675)، وابن ماجة (2160)، وأحمد (10489)، ويُحتمَلُ أنْ يكونَ النَّهيُ عن ثمَنِ الكلْبِ كان في بَدءِ الإسلامِ، ثمَّ نُسِخَ ذلك، وأُبِيحَ الاصطيادُ به، وكان كسائرِ الجَوارحِ في جَوازِ بَيْعِه, قال الحافظ: «ظاهرُ النّهي تَحريم بيعه، وهو عامٌّ في كلّ كلبٍ معلّماً كان أو غيره، ممّا يَجُوز اقتناؤه أو لا يجوز، ومِنْ لازم ذلك: أنْ لا قيمةَ على مُتْلفه، وبذلك قال الجمهور؛ انتهى. وقال عطاء والنّخعي: يجوزُ بيع كلبِ الصّيد دون غيره». «فتح الباري» (4/ 426).
الثاني: النهي عن مَهْرِ البَغِي
  • قوله: «ومَهْرِ البَغِي» هو ما تُعطاه على الزّنا، وسُمّي مَهْراً لكَونِه على صُورتِه، أو على سبيل المجاز، إذْ هو حَرام؛ لأنه في مقابلة حرام، فمَهْرِ البَغيِّ، وهو الثَّمَنُ الَّذي تَتَقاضاهُ الزَّانيةُ مُقابلَ تَسليمِ نفْسِها للرجُلِ الأجْنبيِّ، وقدْ كانوا في الجاهليَّةِ يُكرِهون إماءَهم على الزِّنا والاكتسابِ به، فأنْكَرَ الإسلامُ عليهم ذلك، كما في قَولِ اللهِ -تعالى-: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (النور: 33), في حديث أبي هريرة: «نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن كَسْبِ الإمَاء». زاد أبو داود: من حديث رافع بن خُديج: «نَهَى عن كسْبِ الأمَة، حتّى يُعْلمَ مَنْ أينَ هو؟».
الثالث: النهي عن حلوان الكاهن
  • قوله: «وحُلْوانِ الكَاهِن» وهو ما يُعطَاه على كهانته، وأصْله مِنَ الحَلاوة، شُبّه بالشيء الحُلو؛ مِنْ حيث إنه يأخذه سَهلاً بلا كلفةٍ ولا مَشقّة، قال الحافظ: وهو حرامٌ بالإجْماع، لما فيه مِنْ أخَذ العِوض على أمرٍ بَاطل، وفي معناه: التنجيم والضرب بالحصى، وغير ذلك ممّا يَتعاطاه العَرّافون من استطلاع الغيب». «الفتح» (4/ 427).
وقال في كتاب الطب: «والكهانة ادّعاء علم الغيب، كالأخْبار بما سيقع في الأرض مع الاسْتناد إلى سبب، والأصلُ فيه استراقُ الجِنّي السمع من كلام الملائكة، فيلقيه في أذُن الكاهن، والكاهن لفظٌ يُطلق على العَرّاف، والذي يَضرب بالحَصَى والمُنْجم، ويُطلق على مَنْ يقوم بأمرٍ آخر، ويَسَعى في قضاء حوائجه». «الفتح» (10/ 216).
أنواع الكهانة
وقال الخطابي: «الكهنة قومٌ لهم أذهانٌ حادّة، ونفوسٌ شريرة، وطباعٌ نارية، فألِفَتهم الشياطين لما بينهم مِنَ التّناسب في هذه الأمُور، ومساعدتهم بكلّ ما تَصل قُدرتهم إليه، وكانت الكهانة في الجاهلية فاشية، خُصُوصاً في العرب، لانقطاع النبوة فيهم، وهي على أربعة أصناف:
النوع الأول: التلقي من الجن
منها: ما يتلقّونه مِنَ الجنّ، فإنّ الجنّ كانوا يَصْعدُون إلى جِهة السّماء، فيركبُ بعضُهم بعضاً إلى أنْ يدنُو الأعلى؛ بحيثُ يسمعُ الكلام، فيُلقيه إلى الذي يليه إلى أنْ يتلقّاه مَنْ يلقيه في أذُن الكاهن، فيزيدُ فيه، فلمّا جاء الإسلام ونَزَل القرآن، حُرسَت السّماء مِنَ الشّياطين، وأُرْسلت عليهم الشُّهُب، فبقيَ مَن اسْتراقِهم ما يَتخطّفُه الأعلى، فيُلقيه إلى الأسْفل قبل أنْ يُصيبه الشّهاب، وإلى ذلك الإشارة بقوله -تعالى-: {إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} (الصافات: 10)، وكانت إصابةُ الكهان قبل الإسلام كثيرة جدًّا؛ كما جاء في أخبار شقّ وسطيح ونحوهما، وأمّا في الإسْلام فقد ندر ذلك جدّاً، حتى كادَ يَضمحلُ، ولله الحمد.
النوع الثاني: ما يُخبر الجنّيّ به مَنْ يُواليه
ما يُخبر الجنّيّ به مَنْ يُواليه، بما غابَ عن غيره ممّا لا يطلع عليه الإنسان غالباً، أو يطّلع عليه مَنْ قرُب منه لا من بعد.
النوع الثالث: ما يُستندُ إلى الظَنٍّ والتخمينٍ
ما يُستندُ إلى ظَنٍّ وتخمينٍ وحدس، وهذا قد يجعل الله فيه لبعض الناس قوة؛ مع كثرة الكذب فيه.
النوع الرابع: ما يستند إلى التّجربة والعادة
رابعها: ما يستند إلى التّجربة والعادة، فيستدلُّ على الحادث بما وقع قبل ذلك، ومن هذا القسم الأخير ما يُضَاهي السِّحر، وقد يعتقد بعضهم في ذلك بالزّجر والطَّرْق والنُّجوم، وكلُّ ذلك مذمومٌ شرعًا، وورد في ذمّ الكِهَانة ما أخرجه أصحاب السنن وصححه الحاكم: من حديث أبي هريرة رفعه: «ومَنْ أتَى كاهِناً أو عَرّافاً فصدَّقه بما يقول، فقد كَفَر بما أنزلَ على مُحمّد». ولمسلم: من حديث امرأة من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ومَنْ أتَى عَرّافاً أو سَاحِراً أو كاهناً؛ فصَدّقه بما يقول، لمْ تُقبل له صلاةُ أرْبعينَ يوماً». «الفتح» (10/ 216). - قال الحافظ: «والوعيدُ قد جاء تارةً بعدَم قَبول الصلاة، وتارة بالتكفير، فيحمل على حالين من الآتي، أشارَ إلى ذلك القرطبي، والعَرّاف: مَنْ يَستخرج الوقوف على المغيبات؛ بِضَربٍ مِنْ فعلٍ أو قول». انتهى. - قال شيخ الإسلام: «وصناعةُ التّنْجيم، وأخذُ الأجْرة عليها، وبذلها، حَرامٌ بإجْماع المسلمين، وعلى وُلاة أمُور المُسْلمين المَنْع من ذلك، والقيام في ذلك؛ مِنْ أفضل الجِهادِ في سبيل الله». «مجموع الفتاوى» (35/ 197).
فوائد الحَديثِ
  • تحريم بيع الكلب؛ إلا كلبَ الصّيد المعلّم.
  • وفيه: الحثُّ على تَجنُّبِ البُيوعِ الخَبيثةِ، ببَيعِ المُحرَّماتِ أو المَنْهيِّ عنه.
  • حِرصُ الإسلامُ على اتِّخاِذ سُبُلِ الرِّزقِ الطيِّبةِ، والبُعدِ عن كُلِّ سَبيلٍ خَبيثةٍ.
باب: النَّهْيُّ عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ
عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِراً - رضي الله عنه -: عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ؟ قَالَ: «زَجَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم- عَنْ ذَلِكَ»، أخرجه مسلم في الباب السابق، في هذا الحديثِ يقولُ جابِرُ بنُ عبداللهِ -رضي الله عنهما-: «زَجرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم- عن ثَمَنِ الكَلبِ»، أي: نَهَى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم- عن بَيعِ الكَلبِ أو شِرائِه بشدّةٍ، لأنَّ الكَلبَ لا يُؤكَلُ، ويَحرَّمٌ اقتناؤه؛ إلا الكلبَ المُعلّم للصّيد والحِراسة كما سبق. قال: «والسِّنَّوْرِ» أي: نَهَى أيضاً عن ثَمَنِ السِّنَّوْرِ، وهو القِطُّ، قيل: هو لا مَنفَعةَ له، أو هو كالمُتوحِّشُ الذي لا يُقدَر على تَسليمه، وقد ذهبَ جماعةٌ من العلماء إلى جواز بيع السّنّور، منْ أهل المَذَاهب الأربعة وغيرهم، وذهبَ بعضُ أهلِ العلم إلى تَحْريمه وهُم الظّاهريّة، وحكاه ابن المنذر عن أبي هريرة ومجاهد وجابر بن زيد، وحكاه المُنذري عن طاووس، وهو الراجحُ الذي يدلُّ عليه النَّصّ، كما في حديث الباب، وعند البيهقي: عن جابر أيضاً: نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم- عنْ أكل الهِرّة، وأكلِ ثَمَنها, وقد ذهبَ بعض أهلُ العلمِ إلى تَضعيف هذه الأحاديث؟ ولكن قولهم مَرْدُود.
  • قال الحافظ النووي في «المجموع»: «وأمّا ما ذَكره الخَطّابي وابن المنذر، أنَّ الحديث ضعيفٌ، فغلطٌ منهما؛ لأنَّ الحديثَ في صحيح مسلم بإسنادٍ صحيح», وقال الشوكاني في «النيل» ردَّاً على الجُمْهور؛ الذين حَمَلُوا النّهيَ في الحديث على كراهة التّنْزيه، وأنَّ بيعه ليسَ مِنْ مَكارِم الأخْلاق والمُرُوءات، فقال: «ولا يَخْفى أنَّ هذا إخْراجُ النّهْي عن معناه الحَقيقي؛ بلا مُقتضٍ».
  • وقال البيهقي في السنن: ردّاً على الجُمهور أيضاً: «وقد حَمَله بعض أهل العلم على الهرّ إذا تَوحشّ فلمْ يُقْدر على تَسْليمه، ومنْهم مَنْ زَعَمَ أنّ ذلك كان في ابتداء الإسْلام، حين كان مَحْكُوماً بنَجَاسته؟ ثُمّ حين صارَ مَحكوماً بطهارة سُؤْره؛ حَلّ ثَمنُه، وليسَ على واحدٍ مِنْ هذين القَولين دلالةٌ بيّنة». انتهى.
  • وجزم الإمام ابنُ القيم بتَحْريم بيعه في «زاد المعاد»، وقال: «وكذلك أفْتَى أبو هريرة - رضي الله عنه -، وهو مذهبُ طاووس ومجاهد وجابر بن زيد، وجميع أهل الظّاهر، وإحدى الروايتين عن أحمد، وهي اختيار أبي بكر، وهو الصواب لصحّة الحديث بذلك، وعدم ما يُعَارضه، فوجبَ القَولُ به». انتهى وقال ابن المنذر: «إنْ ثَبَتَ عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم- النّهيُّ عن بيعه؛ فبيعه باطلٌ، وإلا فجائز». انتهى, قد عرفتَ ثُبُوت الحديث، فلازم مذهب ابن المنذر: تحريم بيعه.



اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي






ابوالوليد المسلم 17-05-2026 07:38 PM

رد: شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم
 
شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ


  • احْتَجَمَ النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأعْطى الحجَّامَ أُجْرةً وفي ذلك جواز التداوي بالاحتجام
  • أحلَّ الله لعِبادِهِ الطَّيِّباتِ وحرَّمَ عليهِمُ الخَبائِثَ مِن كُلِّ شَيءٍ مِن المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَكْسَبِ والتِّجارَةِ وغيرِ ذلك
عن رَافِع بْن خَدِيجٍ - رضي الله عنه -: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ، ومَهْرُ البَغِيِّ خَبِيثٌ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ»، الحديث رواه مسلم في المساقاة (2/1199) باب: تحريم ثمن الكلب، وحلوان الكاهن، ومهر البغي، والنهي عن بيع السنور, في هذا الحَديثِ يقولُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم-: «ثَمَنُ الكلبِ خَبيثٌ» أي: حَرامٌ، والمُرادُ ثَمَنُ بَيعِهِ أو شِرائِهِ، وما تمَّ كَسْبُهُ مِن ذلك فهو مالٌ غيرُ طَيِّبٍ؛ لأنَّ الكلبَ مَنْهيٌّ عَنِ اقْتنائِهِ وتَربيتِهِ، إلَّا كلْبَ الماشيةِ والحَرْثِ، كما سبق.
مَهْرُ البَغِيِّ خَبِيثٌ
  • قوله: «ومَهْرُ البَغِيِّ خَبِيثٌ» وكذلك ما تَأخُذُهُ البَغِيِّ مِن مالٍ مُقابِلَ فعلها، ومُقابلَ تَسليمِ نفْسِها للرَّجُلِ الأجْنبيِّ، فهو مُحرَّمٌ؛ لأنَّ الزِّنا حَرامٌ، وما أُخِذَ عليه مِن مالٍ فهو حَرامٌ، وسمَّاه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم- مَهراً؛ لكَونِه على صُورتِه؛ فهو مقابلُ تَمكينِ المرأةِ من نَفْسِها.
كَسْبُ الحَجَّامِ
  • قوله: «وكَسْبُ الحَجَّامِ خَبيثٌ» والحَجَّامُ هو مَنْ يقومُ بالحِجامةِ، وهي إخْراجُ الدَّمِ الفاسِدِ مِنَ نواحي الجسد، وتعتمد على استخدام أكوابٍ خاصة، يتم وضعها على الجلد ثُمّ شفط الدم، وهذا ممّا يحفّز تدفق الدّم، ثمّ يُجْرح الجلد فيخرج الدّم، وفي الحِجَامة منافعُ عظيمة للبدن، وشفاءٌ مِنْ أمْراض وعلل كثيرة، ولذا حثّ عليها النبيّ - صلى الله عليه وسلم- في أحاديث كثيرة؛ حيثُ قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: «خيرُ ما تَدَاويتُم به الحِجَامة». أخرجه البخاري ومسلم.
وروى جابر: عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: «إنْ كانَ في شيءٍ مِن أدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ، فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أوْ لَذْعَةٍ بنارٍ تُوافِقُ الدَّاءَ، وما أُحِبُّ أنْ أكْتَوِيَ». رواه البخاري، وعن أبن عباس: عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: «الشِّفَاءُ في ثَلَاثَةٍ: شَرْبَةِ عَسَلٍ، وشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وكَيَّةِ نَارٍ، وأَنْهَى أُمَّتي عَنِ الكَيِّ». رواه البخاري في الطب (5680)، وكَوْنُ كَسْبِهِ خَبيثًا لا يَعني أنَّه مُحرَّمٌ؛ فالخَبيث هو الرّديءُ مٍنْ كلّ شيء، وقد يرِد الخَبيث بمعنى الحَرَام. ولأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم- قدِ احْتَجَمَ وأعْطى الحجَّامَ أُجْرةً، كما في الصَّحيحَينِ من حَديثِ ابنِ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما-، كما سيأتي، ولو كان ذلك حَراماً لَمَا أعْطاهُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم-؛ ولذا حُمِلتْ أحاديثُ النَّهيِ عن كَسْبِ الحجَّامِ، والتَّصريحِ بأنَّه خَبيثٌ؛ على التَّنْزِيهِ والتَّرَفُّعِ عن دَنيءِ المكاسبِ، والحَثِّ على مَكارمِ الأخْلاقِ، ومَعالي الأُمُورِ، ويَحتمِلُ أنْ يكونَ النَّهيُ كان في أول الإسْلامِ، ثمَّ نُسِخَ ذلك؛ فلَمَّا أعْطى الحَجَّامَ أجْرَه، كان ناسخاً لِمَا تَقدَّمَه.
من فوائد الحديث
  • أنّ اللهُ -تعالى- أحلّ لعِبادِهِ الطَّيِّباتِ، وحرَّمَ عليهِمُ الخَبائِثَ مِن كُلِّ شَيءٍ، وفي كُلِّ شَيءٍ؛ مِنَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ، والمَكْسَبِ والتِّجارةِ، وغيرِ ذلك.
  • وفيه: الحَثَّ على أنْ يكونَ المسلِمَ كَريمَ النَّفْسِ، مُترَفِّعًا عَنِ الدَّنايا.
باب: إباحة أجْرة الحَجّام
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: «حَجَمَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم- عَبْدٌ لِبَنِي بَيَاضَةَ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم- أَجْرَهُ، وكَلَّمَ سَيِّدَهُ فَخَفَّفَ عَنْهُ مِنْ ضَرِيبَتِهِ، ولَوْ كَانَ سُحْتاً لَمْ يُعْطِهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم-»، وعَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - رضي الله عنه - عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ، فَقَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم-، حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ، وَكَلَّمَ أَهْلَهُ فَوَضَعُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ، وقَالَ: «إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ؛ الْحِجَامَةُ، أَوْ هُوَ مِنْ أَمْثَلِ دَوَائِكُمْ». في الباب حديثان، رواهما مسلم في المساقاة (1204-1205) باب: حلّ أجْرة الحِجامة، وروى الحديث الأول البخاري في الإجارة (2278، 2279) باب: خراج الحجّام، وروى الحديث الثاني البخاري في البيوع، وفي الإجارة أيضا (2277) باب: ضريبة العبد، وتعاهد ضرائب الإماء. وفي (2281) باب: مَنْ كلّم موالي العبد أنْ يُخففوا عنه من خراجه.
حَجَم النبيَّ - صلى الله عليه وسلم- عبدٌ لبني بياضة
  • قوله: «حَجَم النبيَّ - صلى الله عليه وسلم- عبدٌ لبني بياضة» وهو أبو طيبة، كما في حديث أنس، واسمه نافع على الصحيح، وكان مولًى لمحيصة بن مسعود من بني حارثة وعبد بني بياضة، وكان يقال له أيضاً: أبو هند، وفي لفظ لمسلم: دعا النبي - صلى الله عليه وسلم- غلاماً لنا، إلخ. ولا معارضة، فإنّ قول أنس: غلاماً لنا يعني الأنصار، وكونه من بني بياضة، أو بني حارثة، يدلُّ على تكرّر الاحْتِجام؛ إذْ إنّ بني بياضة غير بني حارثة.
  • قوله: «فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم- أَجْرَهُ» أجْره؛ أي: قِيمة عمله. وفي حديث أنس: «فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ».
قوله: «ولَوْ كَانَ سُحْتاً لَمْ يُعْطِهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم-» أي: ولو كان حَرَاماً لمْ يُعطه؛ أي: ولو كان أجرُ الحجَّام محرّمَاً؛ لم يُعطِه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم- أُجرةً على عمله هذا؛ لأنّه - صلى الله عليه وسلم- لا يُعطي شيئاً محرَّمّاً - صلى الله عليه وسلم-، وفي بعضها: «ولو عَلِمَ كراهيةً لم يُعطه»؛ ولا تعارضَ فيه؛ إذ قد تُحمل الكراهية على كراهة التّحريم، أو على نفي التَّحْريم بل الكراهية فقط.
كسب الحَجّام
  • قوله: «وكَلَّمَ سَيِّدَهُ فَخَفَّفَ عَنْهُ مِنْ ضَرِيبَتِهِ» أي: شَفَع له عند سيّده، فخفّف عنه الخَراج الذي يَدفعه له، قال الحافظ: «واختلفَ العُلماء في كسب الحَجّام، فذهبَ الجُمهور إلى أنّه حلال، واحتجّوا بهذا بحديث ابن عباس، قالوا: هو كسبٌ فيه دَناءة وليس بمُحرّم، فحَمَلوا الزَّجر عنه على التنزيه، ومنهم مَنْ ادّعى النّسخ، وأنّه كان حراماً، ثم أبيح وجنح إلى ذلك الطحاوي، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، وذهب أحمد وجماعة إلى الفرق بين الحُرّ والعبد، فكرهوا للحُر الاحْتِراف بالحجامة، ويَحرُم عليه الإنْفاق على نفسِه منها، ويجوزُ له الإنْفاق على الرّقيق والدَّواب منها، وأباحُوها للعَبد مُطلقاً، وعُمْدتهم حديث محيصة: أنّه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم- عن كسب الحجام، فنَهَاه، فذكر له الحاجة فقال: اعْلفه نَواضِحك. أخرجه مالك وأحمد وأصحاب السنن ورجاله ثقات». «فتح الباري» (4/ 459).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «واتخاذُ الحِجَامة صناعةً يتكسّب بها، هو ممّا نهي عنه عند إمكان الاستغناء عنه، فإنّه يُفضي إلى كثرةِ مُباشرة النَّجاسات والاعتناء بها، لكن إذا عَمِل ذلك العَمل بالعِوض؛ استحقَّه، وإلا فلا يجتمع عليه استعماله في مباشرة النَّجاسة، وحِرْمانه أجرته، ونُهي عن أكله مع الاستغناء عنه، مع أنّه ملكه، وإذا كانت عليه نفقة رقيق أو بهائم يحتاج إلى نفقتها، أنفقَ عليها من ذلك؛ لئلا يَفْسد ماله، إذا كان الرجل محتاجاً إلى هذا الكسْب، ليس له ما يُغْنيه عنه إلا المسألة للناس، فهو خيرٌ له مِنْ مسألة الناس؛ كما قال بعض السلف: كسبٌ فيه دَنَاءة؛ خَيرٌ مِنْ مَسألة الناس». الفتاوى الكبرى (5/ 412).
  • قوله: - صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ؛ الحِجَامَةُ، أَوْ هُوَ مِنْ أَمْثَلِ دَوَائِكُمْ» وفيه الحثّ على الحِجامة، وأنّها منْ أحْسن الدّواء وأنفعه.
قال الحافظ: وفي الحديث إباحة الحِجَامة، ويلتحقُ به ما يتداوى مِنْ إخْراج الدم وغيره، وفيه: الأجْرة على المُعَالجة بالطب. انتهى. الفتح (4/ 459).
من فوائد الحديث
  • جوازُ أخذ الأجْرة على الحِجامة، والاكتساب بها، مع الكراهة.
  • جواز التداوي بالاحتجام.
  • وفيه: الشفاعة إلى أصْحاب الحُقُوق أنْ يُخفّفوا منها.
  • وجواز مُخارجة السيد لعبده، كأن يقول له: أذنت لك أن تكتسب على أن تعطيني كل يوم كذا، وما زاد فهو لك.
  • وفيه: أنّ الله أحلَّ لعِبادِهِ الطَّيِّباتِ، وحرَّمَ عليهِمُ الخَبائِثَ مِن كُلِّ شَيءٍ وفي كُلِّ شَيءٍ؛ مِن المَطْعَمِ والمَشْرَبِ، والمَكْسَبِ والتِّجارَةِ، وغيرِ ذلك، كما حَثَّ الشَّرْعُ المُسلِمَ على أنْ يكونَ كَريمَ النَّفْسِ، مُتْرَفِّعاً عَنِ الدَّنايا.



اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي






ابوالوليد المسلم 25-05-2026 05:47 PM

رد: شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم
 
شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: بيع حَبَلِ الْحَبَلَةِ


  • في الحديث تحريمُ بيع الجَزُور إلى أنْ تلد الناقة ثُمّ يلد مولودها وكذا غيرها من الحيوان
  • من فوائد الحديث تحريم بيع الجنين منفردًا عن أمه وتحريم البيع إلى أجل مجهول
عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- قَالَ: كَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُونَ لَحْمَ الْجَزُورِ؛ إِلَى حَبَلِ الحَبَلَةِ، وحَبَلُ الحَبَلَةِ أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ تَحْمِلَ التِي نُتِجَتْ، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ ذَلِكَ، رواه مسلم في البيوع (2/1154) باب: تَحريم بيع حَبَل الحبلة، ورواه البخاري في كتاب البيوع (2143) باب: بيع الغَرر وحَبَل الحَبلة.
قوله: «كَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُونَ لَحْمَ الْجَزُورِ؛ إِلَى حَبَلِ الحَبَلَةِ...» قال الحافظ ابن حجر: فظاهرُ هذا السّياق؛ أنّ هذا التفسير منْ كلام ابْن عمر، ولهذا جزم ابنُ عبدالبر بأنّه من تفسير ابن عمر، وقد أخرجه مسلم من رواية الليث، والترمذي والنسائي من رواية أيوب، كلاهما عن نافع بدون التفسير، وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجة من طريق سعيد بن جبير عن ابن عمر، بدون التفسير أيضاً.
قال: وقال الإسماعيلي: وهو مُدْرج يعني: أنّ التفسير مِنْ كلام نافع، وكذا ذكر الخطيب في (المُدْرج) وسيأتي في آخر السلم عن موسى بن إسماعيل التبوذكي عن جويرية التصريح بأنّ نافعاً هو الذي فسَّره، لكنْ لا يلزم مِنْ كون نافع فسّرَه لجويرية؛ أنْ لا يكون ذلك التفسير ممّا حمله عن مولاه ابن عمر. انتهى «الفتح» (4/357)، وقوله: «كَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ» أي: أنّه كان بيعاً جاهليّاً مشهوراً.
قوله: «لحْمَ الجَزُور»
  • قوله: «لحْمَ الجَزُور» بفتح الجِيم وضمّ الزّاي، هو البعيرُ ذكراً كان أو أنثى، إلا أنّ لفظه مُؤنّث تقول: هذه الجزُور وإنْ أردت ذكراً، فيحتمل أن يكون ذكره في الحديث قيدا فيما كان أهل الجاهلية يفعلونه، فلا يتبايعون هذا البيع إلا في الجزور أو لحْم الجَزُور، ويحتمل أنْ يكون ذُكر على سبيل المثال، وأمّا في الحُكم فلا فَرْقَ بين الجزور وغيرها في ذلك.
قوله: «بيع حَبَل الحَبلة»
  • قوله: «بيع حَبَل الحَبلة» حبل بفتح المُهملة والموحدة، وقيل: في الأول بسكون الموحدة وغلطه عياض، وهو مصدر حَبَلتْ تَحْبلُ حَبلاً، والحَبَلة: جمع حابل، مثل: ظَلَمة وظَالم، وكتَبَة وكاتب، والهاء فيه للمبالغة، وقيل: للإشعار بالأنوثة، وقد ندر فيه: امرأة حابلة، فالهاء فيه للتأنيث، وقيل: حبلة مصدر يسمّى به المحبول، قال أبو عبيد: لا يقال لشيء من الحيوان حبلت، إلا الآدميّات، إلا ما ورد في هذا الحديث. وأثبته صاحب «المحكم» قولاً، فقال: اختلف أهي للإناث عامّة، أم للآدميات خاصة؟ وفي ذلك تعقبٌ على نقل النووي؛ اتفاق أهلِ اللّغة على التّخْصيص.
قوله: «إلى أنْ تُنْتَج» بضم أوّله وفتح ثالثه، أي: تلدُ ولداً، والناقة فاعل، وهذا الفعل وقع في لغة العرب على صيغة الفعل المسند إلى المفعول، وهو حَرفٌ نادر.
وقوله: «ثُمَّ تَحْمِلَ التِي نُتِجَتْ» وفي رواية: «ثمّ تُنتج التي في بَطْنها» أي: ثمَّ تعيش المُولودة حتى تكبر؛ ثمّ تلد. فهو: أنْ يَبيعَ بثمنٍ إلى أنْ يلدَ ولدُ النّاقة. وقال بعضُهم: أنّ يبيع بثمنٍ إلى أن تحمل الدابة، وتلد ويحمل ولدها. وبه جزم أبو إسحاق في «التنبيه»، والمَنْعُ في الصُّور الثلاث؛ للجَهَالة في الأجَل، ومِنْ حقّه على هذا التفسير؛ أنْ يُذْكر في السلم.
وقال أبو عبيدة وأبو عبيد وأحمد وإسحاق وابن حبيب المالكي وأكثر أهل اللغة وبه جزم الترمذي: هو بيع ولد نتاج الدابة، والمنع في هذا مِنْ جِهة أنّه بيعُ مَعْدومٍ ومَجْهول، وغير مقدورٍ على تسليمه، فيدخل في بُيُوع الغَرَر، ولذلك صدّر البخاري بذكر الغَرَر في الترجمة، لكنّه أشار إلى التفسير الأول بإيراد الحديث في كتاب السَّلَم أيضاً، ورجّح الأول لكونه مُوافقاً للحديث، وإنْ كان كلام أهل اللغة موافقاً للثاني، لكن قد روى الإمام أحمد: من طريق ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر ما يوافق الثاني، ولفظه: «نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الغرر»، قال: إنّ أهلَ الجاهلية كانوا يَتَبايعُون ذلك البَيع، يَبتاع الرجلُ بالشارف حَبَل الحَبَلة؛ فنُهوا عن ذلك».
هل المراد البيع إلى أجل أو بيع الجَنين؟
وقال ابن التين: محصّل الخلاف: هل المراد البيع إلى أجل، أو بيع الجَنين؟ وعلى الأول: هل المراد بالأجل ولادة الأم، أو ولادة ولدها؟ وعلى الثاني: هل المراد بيع الجنين الأول، أو بيع جنين الجنين؟ فصارت أربعة أقوال. انتهى.
وحكى صاحبُ «المحكم» قولاً آخر: أنّه بيعُ ما في بُطُون الأنْعام، وهو أيضا منْ بُيُوع الغَرَر، لكن هذا إنما فسّر به سعيد بن المسيب- كما رواه مالك في «الموطأ»- بيع المضامين، وفسّر به غيرُه بيع الملاقيح، واتفقت هذه الأقوال- على اختلافها- على أنّ المُراد بالحبلة: جمع حابل أو حابلة من الحيوان، إلا ما حكاه صاحب «المحكم» وغيره عن ابن كيسان أن المراد بالحبلة الكرمة؟ وأن النَّهْي عن بيع حبلها، أي: حملها قبل أنْ تبلغ، كما نهى عن بيع ثَمَر النَّخلة قبل أنْ تزهى، وعلى هذا فالحبلة بإسكان الموحدة وهو خلاف ما ثبتت به الروايات...
ثُمّ إنّ عطفَ بيع حَبَل الحَبلة، على بيع الغَرَر هو مِنْ عطف الخاص على العام.
فوائد الحديث
  • تحريمُ بيع الجَنين منْفرداً عن أمّه.
  • تحريم البيع إلى أجلٍ مَجْهول.
  • تحريمُ بيع الجَزُور إلى أنْ تلد الناقة، ثُمّ يلد مولودها، وكذا غيرها من الحيوان.
  • إبطالُ الإسْلام جهالات أهل الجاهلية.
من هَدْي النبي - صلى الله عليه وسلم - في البيع والشراء
السماحة في البيع والشراء
عن جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «رحم الله عبدًا سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا اقتضى»، وفي رواية: «غفر الله لرجل كان قبلكم، كان سهلًا إذا باع، سهلًا إذا اشترى، سهلًا إذا اقتضى»؛ و عن ابن عمر- رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من طلب حقًا فليطلبه في عفاف، وافٍ أو غير وافٍ».
إقالة النادم
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أقال مسلمًا بيعته، أقال الله عثرته» في لفظ عند البيهقي: «من أقال نادمًا أقال الله عثرته».
الأمانة في البيع
عن أبي هريرة- رضي الله عنه -» أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: مرَّ على صُبْرة من طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا، فقال: يا صاحب الطعام، ما هذا؟ قال: أصابته السماء، يا رسول الله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أفلا جعلتَه فوق الطعام حتى يراه الناس، ثم قال -صلى الله عليه وسلم -: من غشَّنا فليس منَّا، والمكر والخديعة في النار»، قال الصنعاني: والحديث دليل على تحريم الغشِّ، وهو مجمعٌ على تحريمه شرعًا، ومذموم فاعله عقلًا. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم قالوا :إنَّ الغشَّ حرام. وعن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم - قال: «المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعًا فيه عيب إلا بيَّنه له»، وعن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإنْ صدقا وبيَّنا بُورك لهما في بيعهما، وإنْ كتما وكذبا مُحقت بركة بيعهما».



اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي









ابوالوليد المسلم 25-05-2026 05:50 PM

رد: شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم
 
شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: النَّهْي عن بَيْع المُـلَامَسَةِ والمُنَابَذَةِ

المُلَامَسَة والْمُنَابَذَة كِلاهما مِن العُقُودِ المَنهِيِّ عنْها لِمَا فيها مِنَ الغرر والجهالة والغِشِّ المُلَامَسَة: أنْ يأتي بثوبٍ مَطْوي أو في ظلمة فَيَلمسه المستلم فيقول له صاحب الثوب بِعْتكه بكذا بشَرْط أنْ يَقومَ لَمْسك مقام نظرك
عن أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ - رضي الله عنه - قَال: «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَيْعَتَيْنِ، ولِبْسَتَيْنِ، نَهَى عَنْ المُلَامَسَةِ والْمُنَابَذَةِ فِي الْبَيْعِ، والْمُلَامَسَةُ: لَمْسُ الرَّجُلِ ثَوْبَ الْآخَرِ بِيَدِهِ بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ، ولَا يَقْلِبُهُ إِلَّا بِذَلِكَ، والمُنَابَذَةُ: أَنْ يَنْبِذَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ بِثَوْبِهِ، ويَنْبِذَ الْآخَرُ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ، ويَكُونُ ذَلِكَ بَيْعَهُمَا، مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ ولَا تَرَاضٍ». أخرجه مسلم في أول كتاب البيوع (3/1152) باب: إبطال بيع المُلامسة والمُنابذة.
في هذا الحديثِ بيانٌ لبَعضِ المنهيَّاتِ في البيع، حيثُ يَرْوي أبو سعيد - رضي الله عنه - أنَّ رَسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهى عن بَيعتَين، وهما: المُلَامَسَةِ والْمُنَابَذَةِ، وفسَّرَهما في الحَديثِ بأنَّ «المُلامَسة» مِن اللَّمْسِ؛ وهي أنْ يَبِيعَ البائعُ شيئاً إلى المُشترِي؛ على أنَّه متى لَمَسَه؛ فقد تَمَّ البَيعُ، و»المُنابَذة» مِن النَّبْذِ، وهو الإلقاءُ؛ وهي أنْ يَجعَلَ إلْقاءَ السِّلعةِ إيجاباً للبَيعِ؛ فمتى أَلْقى إليه ثوباً أو غيرَه؛ التَزَمَ المُشترِي بشِرائِه، وكِلاهما مِن العُقُودِ المَنهِيِّ عنْها؛ لِمَا فيها مِنَ الغرر والجهالة والغِشِّ.
بيع الملامسة
قال الحافظ ابن حجر في «الفتح»: واختلفَ العُلماء في تفسير المُلامسة على ثلاث صور، وهي أوجه للشافعية أصحها: أنْ يأتي بثوبٍ مَطْوي أو في ظلمة، فَيَلمسه المستلم، فيقول له صاحب الثوب: بِعْتكه بكذا، بشَرْط أنْ يَقومَ لَمْسك مقام نظرك، ولا خِيار لك إذا رأيته، وهذا موافق للتفسيرين اللذين في الحديث. الثاني: أنْ يَجْعلا اللَمس نَفْسَه بَيعاً بغير صيغةٍ زائدة. الثالث: أنْ يَجْعلا اللمسَ شَرْطاً في قطع خيار المجلس وغيره، والبيع على التأويلات كلها باطل...
بيع المنابذة
قال: وأمّا المُنابذة فاختلفُوا فيها أيضاً على ثلاثة أقول، وهي أوجه للشافعية أصحها أنْ يجعلا النّبذ نفسَه بيعاً كما تقدّم في المُلامسة، وهو الموافق للتفسير في الحديث المذكور، والثاني: أنْ يجعلا النبذ بيعاً بغير صيغة, والثالث: أنْ يجعلا النبذ قاطعاً للخيار، واختلفوا في تفسير «النبذ» فقيل: هو طرح الثوب كما وقع تفسيره في الحديث المذكور، وقيل: هو نبذ الحصاة والصحيح أنه غيره. وعلة بطلان البيعتين لما تحتويان عليه من الغرر والجهالة. انتهى.
قوله: «ونهَى رَسولُ الله -صلى الله عليه وسلم - عَن لِبستَين»
قوله: «ونهَى رَسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عَن لِبستَين» وقد فسَّرَهما في الحديثِ الآخر: بأنَّهما «اشتِمال الصَّمَّاءِ» وهو أنْ يَلُفَّ الإنسانُ جميعَ جسَدِه بالثَّوبِ، ولا يَرفَعَ شيئاً مِن جَوانبِه، فلا يُمكِنُه إخراجُ يدِه إلَّا مِنْ أسفَلِه؛ وسُمِّيَ بذلك؛ لِسَدِّه المَنافِذَ كلَّها كالصَّخْرةِ الصَّمَّاءِ، وفيه تَشبُّهٌ باليهودِ الَّذين كانوا يَفْعَلون ذلك، وقد نَهى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم - عن التَّشبُّهِ بهم. قال ابن قتيبة: سُمّيت صَمّاء، لأنّه يَسدُّ المنافذ كلّها، فيصير كالصّخرة الصَّمّاء التي ليس فيها خرق، وقال الفقهاء: هو أنْ يَلتحفَ بالثّوب، ثُمّ يَرفعه مِنْ أحد جانبيه، فيَضعه على منكبيه، فيصير فرجه بادياً، قال النووي: فعلى تفسير أهل اللغة؛ يكونُ مَكروهاً، لئلا تعرض له حاجة فيتعسر عليه إخراج يده، فيلحقه الضرر، وعلى تفسير الفقهاء يَحْرم، لأجل انكشاف العورة.
حكم الاحتباء
قوله: «وعن الاحتِباءِ» وهو أنْ يَقعُدَ الإنسانُ على أَليَتَيْهِ ويَنصِبَ ساقَيْهِ، فيَضُمَّ رِجلَيْهِ إلى بَطنِه بثَوبٍ، ويَجمَعَهما مع ظهْرِه، ويَشُدَّ الثَّوبَ عليه بهذه الهيئةِ، أو يَشُدَّ على ساقَيْهِ بيَدِه؛ وإنَّما نَهَى عنه؛ لأنَّه إذا لمْ يكُنْ عليه إلَّا ثوبٌ واحدٌ، فرُبَّما تحرَّكَ أو زَالَ، فتنكشف عَوْرتُه، كما بيَّنه في قَولِه: «يُفْضي بِفَرجِه إلى السَّماء». وقيل: إنَّ الاحتِباءَ المَنْهِيَّ عنه في الجُلوسِ، هو احتِباءُ الرَّجُلِ الَّذي لا يملِكُ إلَّا ثوبًا واحداً بثوبِه، أمَّا الذي يَحتبي وهو ساترٌ لعَورتِه بالثيابِ، فلا بأسَ في ذلك.
فوائد الحديثِ
1-الابتعادِ عن كلِّ ما فيه غِشٌّ أو جَهالةٌ تُؤدِّي إلى التنازُعِ. 2- الحثُّ على سَترِ العَورةِ، والحِرصُ على حُسنِ الهَيئةِ وجَمالِها. 3- التزامُ هديِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم - في الأمْرِ والنَّهيِ في البَيعِ والشِّراءِ، وسائرِ العِباداتِ والمُعامَلاتِ، هو سبيلُ الخَيرِ والنَّجاةِ في الدُّنيا والآخِرةِ.
باب: بَيْعِ الغَرَرِ والْحَصَاةِ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَيْعِ الحَصَاةِ، وعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» أخرجه مسلم في كتاب البيوع (2/1153) باب: بُطلان بيع الحَصَاة، والبيع الذي فيه غَرَر. في هذا الحديثِ يَرْوي أبو هُرَيرةَ - رضي الله عنه - أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهى عَن بَيعِ الحَصاةِ، وهو أحدُ بُيوعِ أهْلِ الجاهِليَّةِ الَّتي كانوا يَعقِدُونها بَيْنهُم؛ فكانَ المُتبايِعانِ إذا رَمَى أَحدُهما مِن يَدِهِ حَصاةً؛ كانَ ذلكَ عَلامةً لِتَمامِ البَيعِ، وله ثَلاثُ صُوَرٍ:
  • الأُولى: أنْ يقولَ البائعُ للمُشتري: بِعتُك مِن هذه الأثوابِ ما وقَعَت عليه الحَصاةُ الَّتي أرْمِيها، أو بِعتُك مِن هذه الأرضِ مِنْ هنا؛ إلى ما انتَهَت إليه هذه الحَصاةُ.
  • والثَّانيةُ: أنْ يَجعَلَا الرَّميِ نفْسَه بالحَصاةِ بَيعاً، فيقولَ: إذا رمَيتُ هذا الثَّوبِ بالحَصاةِ؛ فهو مَبيعٌ مِنكَ بكذا.
  • والثَّالثُ: أنْ يقولَ: بِعتُكَ على أنَّ لك بالخِيارِ؛ إلى أنْ أرمِيَ بهذه الحَصاةِ, وقيلَ: المرادُ به أنْ يُقالَ: ارْمِ بالحَصاةِ؛ فما خَرجَ؛ كان لي بعدَدِهِ دَنانيرُ أو دَراهِمُ, وهذا كلُّه مِن أنواع البيعِ الفاسدِ، الَّذي يَتحقَّقُ فيه الغَرر، والظُلمٌ لأحدِ المُتبايعَينِ.
قوله: «وعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ»
قوله: «وعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» أي: ونَهى أيضًا رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَن بَيعِ الغَرَرِ، ومعنى الغَرَرِ: الخطَرُ والغرورُ والخِداعُ، وهذا تَعميمٌ بعْدَ تَخصيصٍ، فهوَ شاملٌ لكُلِّ بَيعٍ اشتَملَ على أيِّ نَوعٍ مِنْ أنْواعِ الخِداعِ، أوْ كانَ مَجهولَ القدر أو الكم أو الكيف، أوْ مَعجُوزاً عن تسليمه. - قال الحافظ النووي: «وأمّا النّهيُّ عن بيع الغَرَر؛ فهو أصْلٌ عَظيمٌ مِنْ أصُول كتاب البُيوع، ولهذا قدَّمه مُسلم، ويدخل فيه مسائلُ كثيرةٌ غيرُ منحصرة، كبَيع الآبق، والمَعدُوم والمَجْهول، وما لا يُقدر على تسليمه، وما لمْ يتم مُلك البائع عليه، وبيع السّمك في الماء الكثير، واللّبن في الضَّرع، وبيع الحَمل في البطن، وبيع بعض الصُّبْرة مُبْهماً، وبيع ثوبٍ منْ أثواب، وشاة مِنْ شياه، ونظائر ذلك، وكلُّ هذا بيعه باطلٌ، لأنّه غرر مِنْ غير حاجة. قال: قد يُحْتمل بعض الغَرَر بيعاً؛ إذا دعت إليه حاجة، كالجَهْل بأساس الدار، وكما إذا باع الشّاة الحامل، والتي في ضَرْعها لبن، فإنّه يصحّ البيع، لأن الأساس تابع للظاهر من الدار، ولأنّ الحاجة تدعو إليه فإنه لا يمكن رؤيته. وكذا القول في حمل الشاة ولبنها.
جواز أشياء فيها غرر حقير
قال: وكذلك أجمع المُسْلمون على جواز أشياء فيها غرر حقير، منْها أنّهم أجمعوا على صحة بيع الجبة المحشوة، وإنْ لمْ يرَ حَشوها، ولو بيع حشوها بانفراده لم يجز. وأجمعوا على جواز إجارة الدّار والدابة والثوب ونحو ذلك شهراً، مع أنّ الشهر قد يكون ثلاثين يوماً، وقد يكون تسعةً وعشرين. وأجمعوا على جواز دُخُول الحمام بالأجرة، مع اختلاف الناس في اسْتعمالهم المَاء، وفي قدر مكثهم. وأجمعوا على جواز الشُّرب مِنَ السّقاء بالعِوض، مع جهالة قدرِ المَشْروب، واختلاف عادة الشاربين وعكس هذا.
أجْمَعُوا على بُطلان بيع الأجنّة في البطون
وأجْمَعُوا على بُطلان بيع الأجنّة في البطون، والطّير في الهواء, ثمّ قال: قال العلماء: مدار البُطْلان بسبب الغَرَر، والصّحة مع وجوده على ما ذكرناه، وهو أنّهن إنْ دَعت حاجة إلى ارتكاب الغرر، ولا يُمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة، وكان الغَرر حَقيراً، جاز البيع، وإلا فلا، وما وقع في بعض مسائل الباب من اختلاف العلماء في صحة البيع فيها وفساده، كبيع العين الغائبة، مَبْني على هذه القاعدة، فبعضُهم يرى أنَّ الغَرر حقير، فيجعله كالمَعْدُوم، فيصح البيع، وبعضُهم يراه ليس بحقير؛ فيُبطل البيع، والله أعلم. انتهى.
فوائد الحديث
1- النَّهيُ عن التَّغريرِ والخِداعِ في البَيعِ. 2- التَّحذيرُ مِن أكْلِ أمْوالِ النَّاسِ بالباطِلِ. 3- الإشارةٌ إلى أنَّ التَّبايُعَ لا بدَّ أنْ يكونَ في شَيءٍ مَعلومٍ، وثَمنٍ مَعلومٍ. 4- ومِنْ حِكَمِ النَّهيِ عنه: أنَّ ذلك مِن إضاعةِ المالِ؛ إذْ قدْ لا يَحصُلُ المبيعُ، فيكونُ بَذْلُ مالِه باطلاً. 5- كان يَسودُ في الجاهِليَّةُ أنواعٌ مِن المعامِلاتِ الَّتي تَمتلِئُ ظُلماً وإجحافاً؛ فلمَّا جاء الإسلامُ أقرَّ البَيعَ العادلَ، ونهَى عن كلِّ ما فيه ظُلمٌ؛ فمَنَع ما فيه الغِشُّ والجهالةُ لقَطْعِ النِّزاعِ والخُصومةِ بيْن النَّاسِ، وهذا مَقصِدٌ مِن المَقاصِدِ الشَّرعيَّةِ.


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي







الساعة الآن : 03:26 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 152.98 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 152.30 كيلو بايت... تم توفير 0.68 كيلو بايت...بمعدل (0.45%)]