سلسلة هدايات القرآن
سلسلة هدايات القرآن (1) المقصود بهدايات القرآن حماده إسماعيل فوده 1- المقصود بهدايات القرآن: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ، بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ. الحمدُ للهِ الذي أنزلَ علينا كتابًا يهدي إلى الحقِّ والرشدِ، والصراطِ المستقيمِ، يهدي للتي هي أقومُ، يهدي مَن اتَّبعَ رِضوانَه سُبلَ السلامِ، ويُخرجُهم من الظلماتِ إلى النور بإذنِ ربهم، والصلاةُ والسلامُ على المبلِّغِ للهدى، والمبينِ له الذي شرَّفه بقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الشورى: 52]، وعلى آلهِ الطاهرين، وصَحبِه الصادقين، ومَن سارَ على نَهجِهم، واهتدى بهدْيهم إلى يومِ الدين؛ أما بعدُ: فالهدايةُ أعظمُ نعمةٍ يَمُنُّ الله بها على عبادِه، والهدايةُ أولُ دعاءٍ في القرآن: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6]، وأكثَرُ دعاءٍ أمرَنا اللهُ به هو سؤالُ الهدايةِ؛ فقد افترضَ اللهُ على عبادِه أن يَطلُبوا منه الهدايةَ في كلِّ ركعةٍ من ركعاتِ الصلاة، سواءٌ كانت الصلاةُ فريضةً أم نافلةً، فما من ركعةٍ يُصليها العبدُ إلا وجبَ عليه أن يقولَ: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾. والقرآنُ الكريمُ هو النورُ المبدِّدُ لظلماتِ الحياة، والهدى العاصمُ من كلِّ ضلالٍ، والروحُ التي تَحيا بها النفوسُ الحياةَ الطيبةَ، والشفاءُ الكاملُ لكلِّ ما تُعانيه الأمةُ من أمراضٍ، وأولُ وصفٍ وصفَ اللهُ به القرآنَ: ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 2]، وأولُ وصفٍ رتَّبَ اللهُ عليه فلاحَ المؤمنين: ﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 5]. فالهدايةُ هي المقصدُ الأولُ من مقاصدِ القرآن الكريم، وهو تحقيقُ الهداية للعالمين؛ فالحياةُ بدون هدايات القرآن مُظلمةٌ، والعقولُ بغيرِ هدايات القرآن حائرةٌ، فأثرُ هداياتِ القرآن بليغٌ، والحاجةُ إليها كبيرةٌ، وهدفُها جليلٌ، وهو إخراجُ الناسِ من الظلمات إلى النورِ، ولذا كانت هذه المقالات لعلها تُسهمُ في نشرِ هداياتِ القرآن الكريم، لكنْ ما المقصودُ بهدايات القرآن الكريم؟ المقصودُ بهدايات القرآن الكريم أيها الكرامُ: ما يُستفادُ من معاني آياتِ القرآن الكريم من إرشاداتٍ وتوجيهاتٍ للفرد والمجتمع، يَحصُلُ بتطبيقِها الاهتداءُ لسعادةِ الدنيا والآخرة. لماذا نتحدثُ عن هدايات القرآن؟ هل هي مهمةٌ لهذه الدرجةِ؟ هذا ما سنَعرِفُه في المقال القادم إن قدَّرَ اللهُ لنا البقاءَ واللقاءَ، أَسألُ اللهَ عزَّ وجلَّ أن يَهديَني وإياكم بهدايات القرآن الكريم، وصلِّ اللهمَّ وسلِّم على نبينا محمدٍ، وعلى آلهِ وصحبِه والتابعين. تَمَّ الاعتماد على مجموعة من المصادر المتنوعة في إعداد هذه المقالة، مع التصرف في النقولات، وإعادة صياغة الهدايات، وفيما يلي قائمة بالمراجع المستفاد منها: 1- موسوعة هدايات القرآن، محمد سيد ماضي، الناشر دار التقوى ناشرون. 2- سلسلة هدايات القرآن، فكرة وإعداد بدرية بنت صالح الراجحي، مها بنت صالح العبد القادر، راجعه وأشرف عليه: أ.د/ بدر بن ناصر البدر، الطبعة الأولى معالم الهدى للنشر والتوزيع. 3- القرآن تدبر وعمل، الفكرة والإعداد مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي، الطبعة السادسة، الناشر مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي بالرياض. 4- هدايات القرآن صياغة معاصرة لأكثر من عشرة آلاف هداية بصائر للسائرين وتذكرة للمتدبرين، إعداد فريق من المتخصصين والباحثين، الطبعة الأولى، الناشر معالم التدبر. 5- رحلة تدبر في رحاب القرآن، إعداد د. مشعل عبدالعزيز الفلاحي، الطبعة الأولى، الناشر دار القلم دمشق. 6- الجامع في الهدايات القرآنية، إعداد نخبة من المختصين بإشراف أ.د/طه عابدين طه، من الإصدارات الإلكترونية لكرسي الهدايات القرآنية بجامعة أم القرى ومؤسسة النبأ العظيم الوقفية بمكة المكرمة. 7- التفسير المحرر للقرآن الكريم، إعداد الفريق العلمي بمؤسسة الدرر السنية، الطبعة الثانية، الناشر مؤسسة الدرر السنية للنشر. |
رد: سلسلة هدايات القرآن
سلسلة هدايات القرآن (2) حماده إسماعيل فوده أهمية هدايات القرآن: بسمِ اللهِ، والحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أما بعدُ: فيا أيها الكرامُ، تناوَلنا في المقال الماضي مُقدمةً يسيرةً، وقلنا: إن هداياتِ القرآن هي الإرشاداتُ والتوجيهاتُ التي تدعو آياتُ القرآنِ الكريمِ إليها. واليومَ إن شاءَ اللهُ تعالى سنتحدثُ عن أهميةِ هداياتِ القرآنِ بالنسبةِ للفردِ والمجتمعِ. أيها الكرامُ، هداياتُ القرآنِ تُعينُ الفردَ والمجتمعَ بعدَ توفيقِ الله تعالى على تحقيقِ الغاية العظمى من إنزال القرآن، وهي العملُ بالقرآنِ؛ قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]، قال مجموعةٌ من العلماءِ في تفسيرِ هذه الآيةِ: هذا الموحَى به إليك - أيها الرسولُ - كتابٌ أنزلناه إليك مباركٌ؛ ليتفكَّروا في آياتِه، ويَعملوا بهداياتِه ودلالاتِه، وليتذكَّر أصحابُ العقولِ السليمةِ ما كلَّفهم اللهُ به؛ جعلني اللهُ وإياكم منهم. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: 121]. قال ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنه:« والذي نفسي بيدِه، إن حقَّ تلاوتِه أن يُحِلَّ حلالَه، ويُحرِّمَ حرامَه، ويَقرأه كما أنزلَه اللهُ، ولا يُحرِّفَ الكلمَ عن مواضعِه، ولا يتأوَّلَ منه شيئًا على غيرِ تأويلِه). وعن ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما قال: (يتلونه حقَّ تلاوتِه، يتَّبعونه حقَّ اتباعِه)، وقال مجاهدٌ رحمهُ اللهُ: «يعملون به حقَّ عملِه". والنبيُّ صلى الله عليه وسلم كان خلقُه القرآنَ؛ كما قالت أمُّ المؤمنين عائشةُ رضيَ اللهُ عنها، والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم كان يعملُ بأوامرِ القرآنِ، وينتهي بنواهيه، ويقفُ عند حدودِه، ويسيرُ على منهجِه. فإذا علِمنا أيها الكرامُ ما يُستفادُ من معاني آياتِ القرآنِ الكريمِ من هدايات، وقُمنا بتنفيذِها، والعملِ بها، وتحويلِها إلى واقعٍ عمليٍّ في حياتِنا، فإننا بفضلِ اللهِ تعالى سنمتثلُ أوامرَ القرآنِ، ونَجتنبُ نواهيه، ونقفُ عند حدودِه، ونتَّعظُ بمواعظِه، ومن ثَم نَسعَدُ ونُفلحُ في الدنيا والآخرةِ، ولِمَ لا واللهُ تبارك وتعالى يقول: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]! • يهدي للتي هي أقومُ في العقيدةِ. • يهدي للتي هي أقومُ في العبادةِ. • يهدي للتي هي أقومُ في الأخلاقِ والآدابِ. • يهدي للتي هي أقومُ في المعاملاتِ. ومن أجلِ الإسهامِ في نشرِ هدايات القرآن الكريم، كانت هذه المقالات "هداياتُ القرآنِ"، والتي ستكونُ منهجيَّتُنا فيها إن شاءَ اللهُ تعالى ذكرَ الآيةِ من كلامِ ربنا تبارك وتعالى، ثم تفسيرٍ ميسَّرٍ لها من كُتبِ التفسيرِ، ثم الوقوفِ على ما تيسَّرَ من هداياتِ الآيةِ مما ذكره أهلُ العلمِ الذين فتحَ اللهُ عزَّ وجلَّ عليهم في هذا البابِ، واعْتَنَوْا بالهداياتِ القرآنيةِ، سائلًا اللهَ تعالى الصدقَ والإخلاصَ، والتوفيقَ والسدادَ والقبولَ، وألا يَستخرجَ مني إلا ما يُرضيه عني سبحانهُ. وصلِّ اللهمَّ وسلِّمْ على نبينا محمدٍ، وعلى آلهِ وصحبِه والتابعين. المصادر والمراجع: تَم الاعتماد على مجموعة من المصادر المتنوعة في إعداد هذه المقالة، مع التصرف في النقولات وإعادة صياغة الهدايات. وفيما يلي قائمة بالمراجع المستفاد منها: 1) موسوعة هدايات القرآن، محمد سيد ماضي، الناشر دار التقوى ناشرون. 2) سلسلة هدايات القرآن، فكرة وإعداد بدرية بنت صالح الراجحي، مها بنت صالح العبد القادر، راجعه وأشرف عليه: أ.د/ بدر بن ناصر البدر، الطبعة الأولى معالم الهدى للنشر والتوزيع. 3) القرآن تدبر وعمل، الفكرة والإعداد مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي، الطبعة السادسة، الناشر مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي بالرياض. 4) هدايات القرآن صياغة معاصرة لأكثر من عشرة آلاف هداية بصائر للسائرين وتذكرة للمتدبرين، إعداد فريق من المتخصصين والباحثين، الطبعة الأولى، الناشر معالم التدبر. 5) رحلة تدبر في رحاب القرآن، إعداد د. مشعل عبدالعزيز الفلاحي، الطبعة الأولى، الناشر دار القلم دمشق. 6) الجامع في الهدايات القرآنية، إعداد نخبة من المختصين بإشراف أ.د/طه عابدين طه، من الإصدارات الإلكترونية لكرسي الهدايات القرآنية بجامعة أم القرى ومؤسسة النبأ العظيم الوقفية بمكة المكرمة. 7) التفسير المحرر للقرآن الكريم، إعداد الفريق العلمي بمؤسسة الدرر السنية، الطبعة الثانية، الناشر مؤسسة الدرر السنية للنشر. |
رد: سلسلة هدايات القرآن
سلسلة هدايات القرآن 3. الاستعاذة بالله من الشيطان عند تلاوة القرآن حماده إسماعيل فوده بسمِ اللهِ، والحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أما بعدُ: فيا أيها الكرامُ، تحدَّثنا في المقالين الماضيين عن هداياتِ القرآنِ وأهميتِها بالنسبةِ للفردِ والمجتمعِ. واليومَ إن شاءَ اللهُ تعالى قبلَ أن نبدأَ في سورةِ الفاتحة، يَحسُنُ بنا أن نقفَ وقفةً يسيرةً مع الاستعاذةِ؛ لأن الاستعاذةَ مشروعةٌ قبلَ تلاوةِ القرآنِ؛ قال اللهُ تعالى: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ [النحل: 98]. وقد أجمعَ العلماءُ على أن التعوذَ ليسَ من القرآن ولا آيةً منه، وهو قولُ القارئِ: (أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ). ومعنى (أعوذُ باللهِ): أَستجيرُ وأَتحصَّنُ باللهِ وحدَه. (من الشيطانِ): أي من كلِّ عاتٍ متمرِّدٍ من الجنِّ والإنسِ، يَصرِفُني عن طاعةِ ربي، وتلاوةِ كتابِه. (الرجيمُ): أي المطرودُ من رحمةِ اللهِ. أيها الكرامُ، إن الاستعاذةَ - في حقيقتِها - استعانةٌ باللهِ تعالى، واعترافٌ لهُ بالقدرةِ، وللعبدِ بالضعفِ، بل إقرارٌ من العبدِ بالعجزِ والضعفِ، واعترافٌ من العبدِ بقدرةِ الله عزَّ وجلَّ، وأنهُ الغنيُّ القادرُ على رفع جميع المضراتِ والآفاتِ. والاستعاذةُ بالله تعظيمٌ لهُ؛ لأن المستعيذَ يَشعُرُ بالخوفِ، فيَلجأُ إلى المستعاذِ بهِ؛ حتى يَنصُرَه ويَحفَظه، وهذا هو التعظيمُ بعينهِ، والتعظيمُ عبادةٌ. والمستعيذُ في الحقيقةِ ضعيفٌ؛ لأنهُ يشعرُ بعجزِه بنفسِه، فلذلكَ يلجأُ إلى ربِّه، ويصاحبُ الاستعاذةَ ذلٌّ وخوفٌ واستكانةٌ، فلا يصلحُ ذلكَ إلا للهِ تعالى. والاستعاذةُ لا تكونُ إلا بالله تعالى، وأسمائِه الحسنى، وصفاتِه العليا، وكلماتِه التامةِ، وأجمعَ العلماءُ على أنهُ لا تجوزُ الاستعاذةُ بغيرِ الله، فيما لا يَقدِرُ عليهِ إلا اللهُ سبحانه. أيها الكرامُ، إن أعظمَ ما يُستعاذُ منه هو الشيطانُ الرجيمُ، فقد وردَت الاستعاذةُ منهُ في مواضعَ كثيرةٍ؛ منها: عندَ تلاوةِ القرآنِ، وعندَ الغضبِ، وعندَ الوسوسةِ، وعندَ سماعِ نُباحِ الكلابِ، ونَهيقِ الحمارِ بالليلِ، وعندَ دخولِ المسجدِ، والخروجِ منه، وعندَ دخولِ الخلاءِ، وإذا نزَغَ الشيطانُ بمعصيةٍ، وإذا خَشِيَ مِن حضورِه، وإذا وَسوَسَ لهُ في الصلاةِ، وإذا رأى في المنامِ ما يُزعجهُ. وحديثُنا اليومَ عن الاستعاذةِ بالله من الشيطانِ عندَ تلاوةِ القرآن، فلها فوائدُ كثيرة؛ منها: أن العبدَ يلتجئُ إلى الله عزَّ وجلَّ، ويعتصمُ بهِ، ويستعينُ بهِ من خلالِها على دفعِ وساوسِ الشيطانِ الذي يسعى بشدةٍ إلى صدِّ العبدِ عن قراءةِ القرآنِ وتدبُّرِه. ومن فوائدِها كذلكَ: أنها طهارةٌ للفمِ مما كانَ يتعاطاهُ العبدُ من اللغوِ والرفثِ، وتطييبٌ لهُ، وتَهيُّؤُهُ لتلاوةِ كلامِ اللهِ عزَّ وجلَّ. ومن فوائدِها كذلكَ: أن الملائكةَ تدنو من قارئِ القرآنِ، وتستمعُ لقراءتِه، والشيطانُ ضدُّ الملكِ وعدوُّهُ، فأمرَ القارئَ أن يطلبَ من اللهِ تعالى مباعدةَ عدوِّه عنه؛ حتى تَحضُرَ الملائكةُ، فهذهِ وليمةٌ لا يجتمعُ فيها الملائكةُ والشياطينُ. وأخيرًا أيها الكرامُ، أُذكِّرُ نفسي وإياكم بأن الاستعاذةَ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ مَنجاةٌ من نزغِ الشيطانِ، وفيها تذكيرٌ بواجبِ مُجاهدتِه، والتيقُّظِ لكيدِه، وهذا التيقُّظُ سنةُ المتقينَ؛ كما قالَ اللهُ تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ [الأعراف: 201]. وإلى أن أَلقاكم في المقال القادمِ إن شاءَ اللهُ تعالى، أسألُ اللهَ عزَّ وجلَّ أن يُعيذني وإياكم وذريَّاتِنا من الشيطانِ الرجيمِ، وصلِّ اللهمَّ وسلِّمْ على نبينا محمدٍ، وعلى آلِه وصحبِه والتابعينَ. مصادر ومراجع المقال: تَمَّ الاعتماد على مجموعة من المصادر المتنوعة في إعداد هذه المقالة، مع التصرف في النقولات، وإعادة صياغة الهدايات، وفيما يلي قائمة بالمراجع المستفاد منها: 1- موسوعة هدايات القرآن، محمد سيد ماضي، الناشر دار التقوى ناشرون. 2- سلسلة هدايات القرآن، فكرة وإعداد بدرية بنت صالح الراجحي، مها بنت صالح العبد القادر، راجعه وأشرف عليه: أ.د/ بدر بن ناصر البدر، الطبعة الأولى معالم الهدى للنشر والتوزيع. 3- القرآن تدبر وعمل، الفكرة والإعداد مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي، الطبعة السادسة، الناشر مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي بالرياض. 4- هدايات القرآن صياغة معاصرة لأكثر من عشرة آلاف هداية بصائر للسائرين وتذكرة للمتدبرين، إعداد فريق من المتخصصين والباحثين، الطبعة الأولى، الناشر معالم التدبر. 5- رحلة تدبر في رحاب القرآن، إعداد د. مشعل عبدالعزيز الفلاحي، الطبعة الأولى، الناشر دار القلم دمشق. 6- الجامع في الهدايات القرآنية، إعداد نخبة من المختصين بإشراف أ.د/طه عابدين طه، من الإصدارات الإلكترونية لكرسي الهدايات القرآنية بجامعة أم القرى ومؤسسة النبأ العظيم الوقفية بمكة المكرمة. 7- التفسير المحرر للقرآن الكريم، إعداد الفريق العلمي بمؤسسة الدرر السنية، الطبعة الثانية، الناشر مؤسسة الدرر السنية للنشر. |
رد: سلسلة هدايات القرآن
سلسلة هدايات القرآن حماده إسماعيل فوده 4. ليست مجرد عبارة تُقال بسمِ اللهِ، والحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أما بعدُ: فيا أيها الكرامُ، اليومَ بفضل الله تعالى ومَددِه وتوفيقِه، نبدأُ في هدايات القرآن الكريم، بالوقوفِ مع هدايات سورة الفاتحةِ، فاتحةِ الكتابِ، أمِّ القرآنِ، أمِّ الكتابِ، السبعِ المثاني والقرآنِ العظيمِ، سورةِ الحمدِ، على اعتبارِ أن البسملةَ آيةٌ من آياتِ هذه السورةِ المباركةِ. أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 1 - 7]. قالَ تعالى: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ): قولُكَ (بِسْمِ اللَّهِ)؛ أي: أبتدئُ قراءةَ القرآنِ باسمِ اللهِ، مستعينًا بهِ سبحانهُ، (اللَّهُ) عَلَمٌ على الربِّ تباركَ وتعالى المعبودِ بحقٍّ دونَ سواه، وهو أَخصُّ أسماءِ اللهِ تعالى، ولا يُسمى بهِ غيرُهُ سبحانهُ، (الرَّحْمَنِ) ذي الرحمةِ العامةِ الذي وسِعتْ رحمتُهُ جميعَ الخلقِ، (الرَّحِيمِ) بالمؤمنينَ، وهما اسمانِ من أسمائِه تعالى، يتضمنانِ إثباتَ صفةِ الرحمةِ لله تعالى كما يليقُ بجلالِه. (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، أَنْعِمْ بهِ من استهلالٍ يَفتتحُ بهِ المسلمُ تلاوتَهُ لكلامِ ربِّه امتثالًا لأمرِه جلَّ وعزَّ، في أولِ ما أنزلَ على نبيِّه: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ [العلق: 1]. ولنا مع هذه الآيةِ الكريمةِ وقفاتٌ: الوقفةُ الأولى: أن البدءَ باسمِ الله تعالى في جميعِ أمورِ العبدِ، هو السُّنةُ والهدْيُ القرآني، وهو من كمالِ ارتباطِ القلبِ بالله تعالى، واعتمادِه عليه، فاللهُ تباركَ وتعالى افتتحَ كتابَهُ بقولهِ تعالى: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)، فحَرِيٌّ بنا أن نبدأَ بها أعمالَنا وأقوالَنا طلبًا لعونِ الله وتوفيقِه. الوقفةُ الثانيةُ: أن معرفةَ العبدِ ألوهيةَ الله تعالى وأسماءَه وصفاتِه من خلالِ البدءِ باسمِه -استعانةً وتبركًا - من أعظمِ الطاعاتِ وأَجَلِّ القُرباتِ، وبهِ بدأَ اللهُ تعالى أولَ آيةٍ من كتابِه. الوقفةُ الثالثةُ: أن مِن أعظمِ أسماءِ اللهِ تعالى التي لا يشاركُهُ فيها مَخلوقٌ اسْمَي (الله) و(الرَّحْمَن)، فحريٌّ بالمسلمِ أن يدعوَ بهما، وأن يَلْهَجَ لسانُهُ بذكرِهما؛ قال تعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ [الإسراء: 110]. الوقفةُ الرابعةُ: تفيدُ هذه الآيةُ عراقةَ هذه الجملةِ؛ حيثُ إنها كانتْ موجودةً في الأديانِ السماويةِ السابقةِ، فقد قالَ تعالى: ﴿ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ [النمل: 30]، وفي ذلكَ إشارةٌ خفيةٌ إلى أن ما جاءَ بهِ النبيُّ محمدٌ صلى الله عليه وسلم هو امتدادٌ لما كان موجودًا عند الأنبياء السابقين. الوقفةُ الخامسةُ: يفيدُ عدمَ ذكرِ المتعلقِ بالجارِّ والمجرور في (بِسْمِ اللَّهِ) إشارةً إلى أن الأعمالَ بالنياتِ، وأن مكانَها القلبُ، فلا حاجةَ إلى الانشغالِ بالتلفظِ بها وذكرِها باللسانِ، فيكفي عنها أن تَستحضرَ ذِكرَ اسمِ الله عليها، (بِسْمِ اللَّهِ أَبْتَدِئُ اَلْمُذَاكَرَةَ)، أو: (بِسْمِ اَللَّهِ أَبْتَدِئُ اَلْأَكْلَ)، يكفي أن تقولَ بسمِ اللهِ تبدأُ بها كلَّ شؤونِ حياتِك؛ لتكونَ مطمئنًّا أنك مع الرحمنِ الرحيمِ. إلى هنا وصَلنا إلى ختامِ هذا المقال، وفيها أُذكِّرُ نفسي وإياكم بأن البدءَ باسمِ اللهِ تعالى في كلِّ شؤونِ الحياةِ، يعكسُ عبوديةَ القلبِ وارتباطَهُ الوثيقَ بخالقِه سبحانه، ويُجسدُ وعيَ المؤمنِ بحقيقةِ التوكلِ على الله، والاستعانةِ بهِ سبحانهُ في كلِّ خُطوةٍ يَخطوها؛ فَـ"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، ليستْ مجردَ عبارةٍ تقالُ، بل هي مِفتاحٌ لكلِّ خيرٍ، وبركةٌ لكلِّ عملٍ، وضمانٌ لتوفيقِ الله وتسديدِه، فما لا يكونُ باللهِ لا يكونُ! وصلِّ اللهمَّ وسلِّمْ على نبينا محمدٍ، وعلى آلِه وصحبِه والتابعينَ. تَمَّ الاعتماد على مجموعة من المصادر المتنوعة في إعداد هذه المقالة، مع التصرف في النقولات، وإعادة صياغة الهدايات، وفيما يلي قائمة بالمراجع المستفاد منها: 1- موسوعة هدايات القرآن، محمد سيد ماضي، الناشر دار التقوى ناشرون. 2- سلسلة هدايات القرآن، فكرة وإعداد بدرية بنت صالح الراجحي، مها بنت صالح العبد القادر، راجعه وأشرف عليه: أ.د/ بدر بن ناصر البدر، الطبعة الأولى معالم الهدى للنشر والتوزيع. 3- القرآن تدبر وعمل، الفكرة والإعداد مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي، الطبعة السادسة، الناشر مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي بالرياض. 4- هدايات القرآن صياغة معاصرة لأكثر من عشرة آلاف هداية بصائر للسائرين وتذكرة للمتدبرين، إعداد فريق من المتخصصين والباحثين، الطبعة الأولى، الناشر معالم التدبر. 5- رحلة تدبر في رحاب القرآن، إعداد د. مشعل عبدالعزيز الفلاحي، الطبعة الأولى، الناشر دار القلم دمشق. 6- الجامع في الهدايات القرآنية، إعداد نخبة من المختصين بإشراف أ.د/طه عابدين طه، من الإصدارات الإلكترونية لكرسي الهدايات القرآنية بجامعة أم القرى ومؤسسة النبأ العظيم الوقفية بمكة المكرمة. 7- التفسير المحرر للقرآن الكريم، إعداد الفريق العلمي بمؤسسة الدرر السنية، الطبعة الثانية، الناشر مؤسسة الدرر السنية للنشر. |
رد: سلسلة هدايات القرآن
سلسلة هدايات القرآن حماده إسماعيل فوده (5)هدايات سورة الفاتحة: ما أرْوعها من كلمة حين تنبعث من القلب! بسمِ اللهِ، والحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أما بعدُ: فقال الله تعالى: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الفاتحة: 2]، هذا خبرٌ من الله عزَّ وجلَّ فيه حمدُ نفسِه الكريمةِ، وفي ضمنِه إرشادٌ لعبادِه بأن يحمَدوه سبحانه وتعالى. الحمدُ لله؛ أي: جميعُ المحامدِ للمعبودِ تبارك وتعالى، لا يستحقها إلا هو وحدَه سبحانه، وهو حمدٌ دائمٌ ومستمرٌّ. والحمدُ: هو وصفُ المحمودِ سبحانه بالكمالِ، مع محبتِه، وتعظيمِه جلَّ وعلا. واللهُ: اسمٌ ثابتٌ له سبحانه، يتضمَّن صفةَ الألوهيةِ له عزَّ وجلَّ، ومعناه: المألوهُ؛ أي: المعبودُ. ربِّ العالمينَ؛ أي: هو السيدُ، والمالكُ، والمدبرُ لجميعِ العالمين، وهم كلٌّ من سوى الله تعالى، من جميعِ أصنافِ المخلوقات في كلِّ مكانٍ وزمانٍ. ولنا مع هذه الآية الكريمة وقفاتٌ: الوقفةُ الأولى:العبدُ بين يدي سيدِه لا يليقُ به أن يَفتتح خطابَه إلا بالحمدِ والثناءِ عليه، فلا يناسبُ المؤمنَ إلا هذا المطلعُ: الحمدُ لله. الوقفةُ الثانيةُ: (الحمدُ للهِ): هذا خبرٌ يتضمَّن الأمرَ، فينبغي أن نحمَده سبحانه على جميعِ نِعمِه الظاهرةِ والباطنةِ، وأعظمُها نعمةُ الهدايةِ للإسلامِ. الوقفةُ الثالثةُ: (الحمدُ للهِ)، لم يَقُل: (المدحُ للهِ)؛ لأن (المدحَ) ثناءٌ مجردٌ، أما (الحمدُ) فثناءٌ معه محبةٌ وإجلالٌ وتعظيمٌ، (فالحمدُ) أَليقُ بالله جلَّ وعزَّ، وأكملُ وأعمقُ، ولم يقل (الشكرُ للهِ)؛ لأن (الشكرَ) يكون فقط مقابلَ نعمةٍ، أما (الحمدُ)، فيكون حتى ولو لم تكن هناك نعمةٌ، فكيف وهو المنعِم جلَّ جلالُه؟! (فالحمدُ) أعلى وأرفعُ، فكلُّ حامدٍ شاكرٌ، وليس كلُّ شاكرٍ حامدًا. الوقفةُ الرابعةُ: (الحمدُ للهِ): اللامُ في (للهِ) للتمليكِ والتخصيصِ، فالحمدُ والمدحُ مختصٌّ بالله وللهِ، وما مِن محمودٍ وممدوحٍ غيرِ الله إلا وفيه نقصٌ. الوقفةُ الخامسةُ: (الحمدُ للهِ) الله سبحانه وتعالى يَستحق الحمدَ لذاتِه لأنه ربُّنا، فاللهم لك الحمدُ لأنك إلهُنا، ولك الحمدُ لأننا عبيدُك. الوقفةُ السادسةُ: (الحمدُ للهِ): يقولها في صلاتِه المبتلى والمحرومُ والمريضُ والملهوفُ؛ ليتعلَّم حمدَ الله على ما أصابَه، إذ لا يقدِّر الله إلا ما يَصلُحُ للعبدِ. الوقفةُ السابعةُ: "الحمدُ للهِ".. ما أَروعَها من كلمةٍ حين تَنبعِثُ من قلوبٍ أرهَقها المرضُ، وأصواتٍ أنهَكها التعبُ، وشفاهٍ جفَّفها الألَمُ! كلمةٌ تقال بصدقٍ: "يا ربِّ لك الحمدُ"، حتى وسطَ الأوجاعِ والمعاناةِ، تُشرق بها الأرواحُ وتُضيء بها الدروبُ، كأنها بلسمٌ يُسْكَبُ على الجراحِ، وراحةٌ تَسكُن القلوبَ؛ فاللهم لك الحمدُ كما ينبغي لجلالِ وجهِك وعظيمِ سلطانِك. الوقفةُ الثامنةُ: (الحمدُ للهِ): الله سبحانه وتعالى علَّمنا صفةَ الحمدِ؛ لأن الناس يتفاوتون في قدرتِهم على الحمدِ وبلاغتِهم فيه، فمنهم الشاعرُ والناثرُ، ومنهم البليغُ، ومنهم عامةُ الناس الذين لا يُحسنون صناعةَ الكلامِ وتجميلَه، فعلَّمنا سبحانه وتعالى بهذه الصيغةِ (الحمدُ للهِ) كيف نَحمَدُه، وهذا التعليمُ نفسُه يستحق منا حمدًا لله عزَّ وجلَّ عليه. ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾: هذه الآيةُ الكريمةُ بها الكثيرُ من الهداياتِ غيرِ التي وقَفنا معها، وهذا ما سنَعرِفه إن قدَّر الله لنا البقاءَ واللقاءَ في المقال القادم إن شاء الله تعالى، وإلى أن ألقاكم فيه، أسألُ الله عزَّ وجلَّ أن يَهديَني وإياكم بهداياتِ القرآنِ الكريمِ، وصلِّ اللهم وسلِّمْ على نبينا محمدٍ، وعلى آلِه وصحبِه والتابعينَ. تَمَّ الاعتماد على مجموعة من المصادر المتنوعة في إعداد هذه المقالة، مع التصرف في النقولات، وإعادة صياغة الهدايات، وفيما يلي قائمة بالمراجع المستفاد منها: 1- موسوعة هدايات القرآن، محمد سيد ماضي، الناشر دار التقوى ناشرون. 2- سلسلة هدايات القرآن، فكرة وإعداد بدرية بنت صالح الراجحي، مها بنت صالح العبد القادر، راجعه وأشرف عليه: أ.د/ بدر بن ناصر البدر، الطبعة الأولى معالم الهدى للنشر والتوزيع. 3- القرآن تدبر وعمل، الفكرة والإعداد مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي، الطبعة السادسة، الناشر مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي بالرياض. 4- هدايات القرآن صياغة معاصرة لأكثر من عشرة آلاف هداية بصائر للسائرين وتذكرة للمتدبرين، إعداد فريق من المتخصصين والباحثين، الطبعة الأولى، الناشر معالم التدبر. 5- رحلة تدبر في رحاب القرآن، إعداد د. مشعل عبدالعزيز الفلاحي، الطبعة الأولى، الناشر دار القلم دمشق. 6- الجامع في الهدايات القرآنية، إعداد نخبة من المختصين بإشراف أ. د/ طه عابدين طه، من الإصدارات الإلكترونية لكرسي الهدايات القرآنية بجامعة أم القرى ومؤسسة النبأ العظيم الوقفية بمكة المكرمة. 7- التفسير المحرر للقرآن الكريم، إعداد الفريق العلمي بمؤسسة الدرر السنية، الطبعة الثانية، الناشر مؤسسة الدرر السنية للنشر. |
رد: سلسلة هدايات القرآن
سلسلة هدايات القرآن حماده إسماعيل فوده هدايات سورة الفاتحة 6-كلمة لكنها تملأ الميزان بسمِ اللهِ، والحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أما بعدُ: فيا أيها الكرامُ، لا زِلنا مع هدايات الآية الثانية من سورة الفاتحة، وهي قولُ الله عزَّ وجلَّ: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الفاتحة: 2]، وتوقَّفنا في الحلقة الماضية عند الوقفة الثامنة مع الآية الكريمة، ومضمونُها أن الله سبحانه وتعالى علَّمنا صفةَ الحمد؛ لأن الناس يتفاوتون في قدرتهم على الحمد وبلاغتِهم فيه، فمنهم الشاعرُ والناثرُ، ومنهم البليغُ، ومنهم عامةُ الناس الذين لا يُحسنون صناعةَ الكلام وتجميلَه، فعلَّمنا سبحانه وتعالى بهذه الصيغةِ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) كيف نَحمَدُه، وهذا التعليمُ نفسُه يستحق منا حمدًا لله عزَّ وجلَّ عليه! واليومَ إن شاءَ اللهُ تعالى نَستأنف وقفاتِنا مع الآية الكريمة: الوقفةُ التاسعةُ: (الحمدُ لله) كلمةٌ، لكنها (تملأُ الميزانَ)؛ كما أخبرَ بذلك خيرُ الأنام صلى الله عليه وسلم؛ فامْلَأْ ميزانَك بكثرةِ حمدِك لله تبارك وتعالى، أَكثِر من قول: (الحمدُ لله)؛ قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ؛ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا". الوقفةُ العاشرةُ: (الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ): كم نعمةٍ أَسبَغها الله تباركَ وتعالى عليكَ تستدعي حمدَكَ له سبحانَهُ في كلِّ لَمحةٍ! وكم منَّةٍ أَسْداها إليكَ سبحانهُ، تستوجبُ شكرَكَ له سبحانه في كلِّ لحظةٍ! الوقفةُ الحادية عشرة: (ربِّ العالمينَ) يقوم بحوائجِهم وتربيتهم مع غناهُ عنهم، ويُعرضون عن ربِّهم مع فقرِهم إليه، منَ تأمَّل هذه وحدَها عرَفَ أنه ربٌّ! الوقفةُ الثانية عشرة: (ربِّ العالمينَ): مَن لم يَترُكْ عبادَه بدون تربيةٍ ونعمةٍ، فلن يَتْرُكَهم بدون دينٍ، فحاجةُ قلوبِهم للدينِ أشدُّ من حاجةِ أبدانِهم للنعمِ! الوقفةُ الثالثة عشرة: (ربِّ العالمينَ): ذُكِرَ اسمُ الربِّ دون غيره؛ لأن الربوبيةَ ترجعُ كلُّها لهذا الاسمِ، فهو الخالقُ والرازقُ والمحيي والمميتُ؛ لأنه ربٌّ سبحانه. الوقفةُ الرابعة عشرة: (ربِّ العالمينَ): تَهدِم كلَّ نظرياتِ الكفرِ المعاصرةِ التي ألَّهَتْ كلَّ شيءٍ إلا ربَّ كلِّ شيءٍ. الوقفةُ الخامسة عشرة: (ربِّ العالمين): مَن تأمَّل حاجةَ العالمين وتنوُّعَهم واختلافَهم، أَيْقَنَ بربِّ العالمينَ، فمن خلال الخلْق تَعرِفُ الربَّ؛ فلا يكون الربُّ ربًّا إلا إذا قامَ على حوائج مربوبِه؛ بحيثُ يُغنِيه عن القيام بنفسِه، وكذلك اللهُ مع كلِّ العالمينَ، فسبحانه وبحمدِه، وتبارك اسمُه، وتعالى جدُّه، ولا إله غيرُه! الوقفةُ السادسة عشرة: (الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ): تُعلِّمُنا هذه الآيةُ أن على المربين أنْ يستفيدوا من أسلوب القرآن في تعليمِ العبادِ، وأن يكونوا قدوةً لمن يربونَهم ويعلِّمونهم، فالله عزَّ وجلَّ في فاتحةِ كتابِه لم يبدأ بأوامرَ؛ مثل: احْمَدوني، فأنا مُستحقٌّ للحمدِ، وإنما حمد نفسَه ليقتدي بحمدِه خلقُه، فتنبَّه أخي - الداعية إلى اللهِ - إلى هذه الهدايةِ، وكذلك أخي المربي؛ سواءٌ كنت أبًا أو مُعلمًا، أو غيرَ ذلك. الوقفةُ السابعة عشرة: (الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ): تأتي هذه الآيةُ لتذكِّرنا أن حمدَ الله لا ينبغي أن يكونَ مجرَّدَ كلماتٍ عابرةٍ تقالُ، بل يجب أن يَستحضرَ العبدُ عند نُطقِها عظمةَ خالق الكون سبحانه، وعددَ مخلوقاته التي لا تُحصى، وفي واقعِنا المعاصر؛ حيث تتسارعُ الحياةُ وتتعددُ النعمُ حولنا؛ من هواءٍ نَستنشِقُه، وأجهزةٍ نستخدمُها، ووسائلِ نَنْعَمُ بها، يصبحُ استشعارُ عظمةِ الله من خلال هذه الآية أعمقَ، فحين نقول: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الفاتحة: 2]، فلنتخيَّل الأرضَ بِمَن عليها، والسماءَ بما فيها، والمجرَّاتِ اللامتناهية، وكلَّ مخلوقٍ صغيرٍ أو كبيرٍ، إنسانٍ أو حيوانٍ، أو نباتٍ، أو جمادٍ، يُسبحُ بحمدِ ربِّه؛ قال تعالى: ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ [الإسراء: 44]، فينبغي للعبدِ أن يستحضرَ عندَ حمدِ ربِّه عددَ هؤلاء العالمينَ، وقد ثبَت في الأحاديثِ: "سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدُ خَلْقِهِ." إلى هنا أيها الكرامُ نكون قد وصَلنا إلى ختامِ هذا المقال، وفيه أُذكِّر نفسي وإياكم بأن الحمدَ ليس مجرَّدَ كلمةٍ تقالُ، بل هو أسلوبُ حياةٍ ينطلقُ من القلبِ ويعبِّرُ عنه اللسانُ. يعلِّمنا الحمدُ استحضارَ نِعَمِ الله الظاهرةِ والباطنةِ، والاعترافَ بفضلِه في السراءِ والضراءِ، واستشعارَ عظمة الله، وجميلِ إحسانه في كلِّ لحظةٍ، ويُذكِّرنا بأن الحمدَ لا يقتصر على القولِ، بل ينبغي أن يُترجَم إلى سلوكٍ عمليٍّ يعكس شكرَ العبدِ لمولاه. وختامًا أيها الكرامُ، يبقى الحمدُ للهِ عنوانًا للإيمانِ، ومِفتاحًا لراحةِ القلوبِ، وميزانًا تُثْقَلُ به الصحائفُ يومَ الحسابِ، أسألُ الله عزَّ وجلَّ أن يَجعَلَني وإياكم من الحامدين الشاكرينَ. وصلِّ اللهم وسلِّمْ على نبينا محمدٍ، وعلى آلِه وصحبِه والتابعينَ. تَمَّ الاعتماد على مجموعة من المصادر المتنوعة في إعداد هذه المقالة، مع التصرف في النقولات، وإعادة صياغة الهدايات، وفيما يلي قائمة بالمراجع المستفاد منها: 1- موسوعة هدايات القرآن، محمد سيد ماضي، الناشر دار التقوى ناشرون. 2- سلسلة هدايات القرآن، فكرة وإعداد بدرية بنت صالح الراجحي، مها بنت صالح العبد القادر، راجعه وأشرف عليه: أ.د/ بدر بن ناصر البدر، الطبعة الأولى معالم الهدى للنشر والتوزيع. 3- القرآن تدبر وعمل، الفكرة والإعداد مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي، الطبعة السادسة، الناشر مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي بالرياض. 4- هدايات القرآن صياغة معاصرة لأكثر من عشرة آلاف هداية بصائر للسائرين وتذكرة للمتدبرين، إعداد فريق من المتخصصين والباحثين، الطبعة الأولى، الناشر معالم التدبر. 5- رحلة تدبر في رحاب القرآن، إعداد د. مشعل عبدالعزيز الفلاحي، الطبعة الأولى، الناشر دار القلم دمشق. 6- الجامع في الهدايات القرآنية، إعداد نخبة من المختصين بإشراف أ.د/طه عابدين طه، من الإصدارات الإلكترونية لكرسي الهدايات القرآنية بجامعة أم القرى ومؤسسة النبأ العظيم الوقفية بمكة المكرمة. 7- التفسير المحرر للقرآن الكريم، إعداد الفريق العلمي بمؤسسة الدرر السنية، الطبعة الثانية، الناشر مؤسسة الدرر السنية للنشر. |
رد: سلسلة هدايات القرآن
سلسلة هدايات القرآن حماده إسماعيل فوده هدايات سورة الفاتحة 7- فما ظنُّكم بالله الرَّبِّ الرحيم؟! بسمِ الله، والحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما بعدُ: فنقفُ اليومَ مع قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ [الفاتحة: 1]. ﴿ الرَّحْمَنِ ﴾: الذي وسِعتْ رحمتُه جميعَ الخلق، (الرَّحِيمُ) بالمؤمنين، وهما اسمانِ من أسماء الله تعالى. ﴿ الحمدُ للهِ ربِّ العالمينِ ﴾، ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾: لَما جاء وصفُ الله سبحانه نفسَه بالربوبيةِ التي تعني أنه السيدُ المالكُ، المعبودُ الذي له مطلقُ التصرفِ في عباده، والتي قد يُفهم منها معنى الجبروتِ والقهرِ - جاء وصفُه بالرحمةِ بعدها؛ لينبسطَ أملُ العبدِ في العفو إن زلَّ، ويَقوى رجاؤُه إن هفا. وأيضًا لَمَّا وصفَ اللهُ تعالى نفسَه بالربوبيةِ، بيَّن أن تربيتَه تعالى للعالمين ليست لحاجةٍ به إليهم؛ كجلْبِ مَنفعةٍ، أو دَفْعِ مَضرَّةٍ، وإنما هي لعمومِ رحمته وشمولِ إحسانِه. ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾: هما اسمانِ مشتقَّانِ من الرحمة على وجه المبالغةِ، ورحمنٌ أشدُّ مبالغةً من رحيمٍ؛ وذلك لأن (رحمن) على وزنِ فَعْلان، وهذه الصيغةُ تفيد الكثرةَ والسعةَ، فالرحمنُ: ذو الرحمةِ الواسعةِ لجميعِ خلقِه، والرحيمُ: ذو رحمةٍ خاصةٍ، يختصُّ بها عبادَه المؤمنين. ولنا مع هذه الآيةِ الكريمةِ وقفاتٌ: الوقفةُ الأولى: الفاتحةُ من أرجى سُور القرآن، ألا ترى أنك تستفتحُ بذكرِ ألوهية الله (الْحَمْدُ لِلَّهِ)، ثم ربوبيَّته (رَبِّ الْعَالَمِينَ)، ثم رحمته: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، فما ظنُّكم بالله الربِّ الرحيمِ؟! الوقفةُ الثانيةُ: ورد قولُه: ﴿ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾ بعد قوله: ﴿ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ كالتعليلِ لها، فاللهُ ربٌّ للعالمين بالنعمِ مؤمنِهم وكافرِهم؛ لأنه رحمنٌ رحيمٌ بهم. الوقفةُ الثالثةُ: صفاتُ الله تعالى تدورُ بين الإجلالِ والإكرامِ؛ كما قال تعالى: ﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ [الرحمن: 78]، وهنا في سورةِ الفاتحةِ لَما تحدَّث ربُّنا تبارك وتعالى عما يدلُّ على جلالِه وعظمتِه في قوله تعالى: ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾، تحدَّث بما يدلُّ على إكرامِه ورحمتِه، في قوله سبحانه وبحمده: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾. الوقفةُ الرابعةُ: وصفَ اللهُ تعالى نفسَه بعد قوله: ﴿ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ بأنه: ﴿ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾؛ لأنه لَما كان في اتِّصافِه بـ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ ترهيبٌ، وهو الخوفُ من الله عزَّ وجلَّ؛ خوفًا من عقابِه أو سخطِه أو غضبِه، وهو خوفٌ محمودٌ يدفعُ المؤمنَ إلى الحرصِ على اجتنابِ ما يَكرَهُه اللهُ من المعاصي والذنوب، قرَنه سبحانه وتعالى بقوله: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ لِما تَضمَّنه من الترغيبِ، وهو الرجاءُ في الله عزَّ وجلَّ، رجاءٌ في رحمتهِ ولطفِه وعفوِه وفضلِه، وهو رجاءٌ محمودٌ يدفعُ المؤمنَ إلى الإكثارِ من الطاعات والحرصِ على فعلِ الخيرات؛ ليجمعَ سبحانه وبحمدِه في صفاتِه بين الرهبةِ منه والرغبةِ إليه، فيكونُ أعونَ على طاعتِه؛ بحيث يعيشُ المؤمنُ بقلبٍ يعتدلُ فيه الخوفُ من الله والرجاءُ فيه، فلا يَغلِبُ أحدُهما الآخرَ، فغلبةُ الخوفِ المحضِ قد تؤدِّي إلى القنوطِ واليأسِ، وغلبةُ الرجاءِ المحضِ قد تؤدي إلى التفريطِ والاتِّكالِ، أما الجمعُ بينهما فيُحفِّزُ المسلمَ على القيامِ بالطاعات وتركِ المنكرات، راجيًا ثوابَ الله، وخائفًا من عقابه. الوقفةُ الخامسةُ: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾: وجودُها في بداية القرآن يَبعثُ على حُسنِ الرجاء في الله عزَّ وجلَّ، وعدمِ القنوط من رحمته جلَّ وعلا مهما حدَث من العبد مِن تفريطٍ. ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾: هذه الآيةُ الكريمةُ بها الكثيرُ من الهدايات غير التي وقفنا معها، ولِمَ لا وهي تتعلقُ باسمينِ عظيمينِ من أسماء الله الحسنى؟! وهذا ما سنَعرِفه إن قدَّرَ اللهُ لنا البقاءَ واللقاءَ في المقال القادم إن شاء الله تعالى، وإلى أن أَلقاكم فيها، أسألُ الله عزَّ وجلَّ أن يَهديَني وإياكم بهداياتِ القرآن الكريم، وصلِّ اللهم وسلِّمْ على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحْبه والتابعين. تَم الاعتمادُ على مجموعة من المصادر المتنوعة في إعداد هذه المقالة، مع التصرف في النقولات، وإعادة صياغة الهدايات. وفيما يلي قائمة بالمراجع المستفاد منها: 1- موسوعة هدايات القرآن، محمد سيد ماضي، الناشر دار التقوى ناشرون. 2- سلسلة هدايات القرآن، فكرة وإعداد بدرية بنت صالح الراجحي، مها بنت صالح العبد القادر، راجَعه وأشرف عليه: أ.د/ بدر بن ناصر البدر، الطبعة الأولى، معالم الهدى للنشر والتوزيع. 3- القرآن تدبر وعمل، الفكرة والإعداد مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي، الطبعة السادسة، الناشر مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي بالرياض. 4- هدايات القرآن صياغة معاصرة لأكثر من عشرة آلاف هداية بصائر للسائرين وتذكرة للمتدبرين، إعداد فريق من المتخصصين والباحثين، الطبعة الأولى، الناشر معالم التدبر. 5- رحلة تدبر في رحاب القرآن، إعداد د. مشعل عبدالعزيز الفلاحي، الطبعة الأولى، الناشر دار القلم دمشق. 6- الجامع في الهدايات القرآنية، إعداد نخبة من المختصين بإشراف أ.د/طه عابدين طه، من الإصدارات الإلكترونية لكرسي الهدايات القرآنية بجامعة أم القرى ومؤسسة النبأ العظيم الوقفية بمكة المكرمة. 7- التفسير المحرر للقرآن الكريم، إعداد الفريق العلمي بمؤسسة الدرر السنية، الطبعة الثانية، الناشر مؤسسة الدرر السنية للنشر. |
رد: سلسلة هدايات القرآن
سلسلة هدايات القرآن حماده إسماعيل فوده هدايات سورة الفاتحة 8-الحرمانُ أن نُحرَمَ منها وقد وَسِعت الخلائقَ أجمعَ بسمِ الله، والحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، أما بعدُ: فأيها الكرامُ، لا زِلنا مع هداياتِ الآية الثالثة من سورةِ الفاتحة، وهي قولُ الله عزَّ وجلَّ ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾، وتوقَّفنا في الحلقةِ الماضيةِ عند الوقفةِ الخامسةِ مع الآيةِ الكريمةِ، ومضمونُها أن وجودَ قولِ الله عزَّ وجلَّ ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ في بدايةِ القرآنِ، يبعثُ على حسنِ الرجاءِ في الله عزَّ وجلَّ، وعدمِ القنوطِ من رحمتهِ جلَّ وعلا، مهما حدثَ من العبدِ مِن تفريطٍ. واليومَ إن شاءَ اللهُ تعالى نستأنفُ وقفاتِنا مع الآيةِ الكريمةِ: الوقفةُ السادسةُ: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾: هل رأيتَ كم هي عظيمةٌ رحمةُ أمِّك بك؟ فاعلَم أن رحمةَ اللهِ بكَ أعظمُ وأوسعُ منها بكثيرٍ، فلو لم يعلم الناسُ عن ربِّهم إلا هذين الاسمينِ، لكانَ كافيًا بأن يُبدِّدَ كلَّ أحزانِهم ومتاعبِهم! الوقفةُ السابعةُ: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾: قال أهلُ العلمِ: هذانِ الاسمانِ يفتحانِ لمن عَقَلَ أَوسعَ أبوابِ المحبةِ لله والرجاءِ فيه، وتنويعُ الاسمين مع أن المصدرَ واحدٌ - وهو الرحمةُ - دليلُ سَعتِها. الوقفةُ الثامنةُ: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾: ولأنه كذلكَ، فقد أرادَ لنا الخيرَ أكثرَ مما نريدُه لأنفسِنا؛ فجعلَ مفتاحَ الخير طلبَ الهدايةِ في كلِّ ركعةٍ من كلِّ صلاةٍ. الوقفةُ التاسعةُ: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾: سبحانه وبحمده، تعالى وتقدَّسَ وَسِعتْ رحمتُه كلَّ شيءٍ؛ قال تعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [الأعراف: 156]، فالحرمانُ هو أن نُحرَمَ هذه الرحمةَ، وقد وسِعت الخلائقَ أجمعَ، فكلما كنتَ لله أَتقى يا عبد الله، كنتَ لرحمتِه أَقربَ، ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ [الأعراف: 156]. إذا قرأتَ: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾، فثِقْ أنَّ قضاءَ الله أرحمُ بك، ورُبَّما نزلَ في ثوبِ بلاءٍ ليُطهِّرَك! الوقفةُ العاشرةُ: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾: تُفيد أنَّه ينبغي على العبدِ نشرُ خلقِ الرحمةِ والتراحمِ، وتطبيقُها على نفسِه وعلى مجتمعِه المحيطِ به، فرحمةُ العبدِ بمخلوقاتِ الله تعالى، تَستجلبُ وتَستدعي رحمةَ الله عليه، فالراحمون يَرحَمُهم الرحمنُ؛ كما قال النبيُّ العدنانُ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومَن تبِعهم بإحسانٍ. الوقفةُ الحادية عشرة: من أعظمِ أسماءِ الله تعالى التي لا يُشاركه فيها مخلوقٌ - اسمُ (الرَّحْمَنِ)، فحَرِيٌّ بالمسلمِ أن يدعوَ به، وأن يَلهَجَ لسانُه بذكرِه؛ قال تعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ [الإسراء: 110]. الوقفةُ الثانية عشرة أيها الكرامُ: تضمَّنت هذه الآيةُ اسمينِ عظيمينِ من أسماءِ الله الحسنى، (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، تعرَّضنا في بعضِ الوقفاتِ السابقةِ إلى معاني هذين الاسمين العظيمينِ، ويَحسُنُ بنا قبل أن نَختِمَ حديثَنا حول هداياتِ هذه الآيةِ الكريمةِ أن نقفَ وقفةً مع التعبدِ لله عزَّ وجلَّ بهذين الاسمين. فكيف نتعبَّدُ للهِ عزَّ وجلَّ باسْمَيه العظيمينِ ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾؟ التعبدُ بهذين الاسمين العظيمينِ أيها الكرامُ يكون بعدةِ أمورٍ: أولًا: اليقينُ التامُّ بمعناهما في القلبِ، ومن ذلك: أن تَستشعرَ سَعةَ رحمةِ الله التي شَمِلتْ كلَّ شيءٍ؛ كما قال تعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ [الأعراف: 156]، وكذلك أن تتفكَّرَ في مظاهرِ رحمتِه سبحانه في الدنيا والآخرةِ؛ مثل: الهداية، والمغفرة، والنعم التي لا تُعَدُّ ولا تُحصى. ثانيًا: الإكثارُ من الدعاءِ بهما، ومن ذلك الدعاءُ بـ"يا رحمنُ، يا رحيمُ، ارحَمني برحمتِك التي وسِعتْ كلَّ شيءٍ"، أو "يا رحمنُ، يا رحيمُ، ارزُقني الرحمةَ بِمَن حولي مِن خلقِك"، ونحو ذلك من الأدعية بهذين الاسمين العظيمينِ. ثالثًا: التخلقُ بصفاتِ الرحمةِ، ومن ذلك: أن تَرْحَمَ الخلقَ؛ كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "إنما يَرحمُ اللهُ من عبادِه الرُّحماءَ"، وقال صلى الله عليه وسلم: "الراحمون يرحمهم الرحمنُ، ارحَموا أهلَ الأرضِ يَرحَمْكم مَن في السماءِ". ومِن ذلك أيضًا أن تكون لينًا في التعامل، سواءٌ مع الأهلِ، أو الجيرانِ، أو حتى الحيواناتِ، وأن تُشفقَ على الضُّعفاءِ؛ كالأيتامِ والمساكين؛ اقتداءً بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأن تَنشُرَ الرحمةَ بين الناسِ بقولِك وفِعلِك. أسألُ اللهَ عزَّ وجلَّ ألَّا يَحرمني وإياكم من الآثارِ الإيمانيةِ لهذين الاسمين العظيمينِ، وأن يوفِّقني وإياكم للتعبدِ له بمقتضاهما على الوجهِ الذي يُرضيه سبحانه. وإلى أن أَلقاكم في المقالِ القادمِ إن شاءَ اللهُ تعالى، وصلِّ اللهم وسلِّمْ على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبِه والتابعين. تَمَّ الاعتمادُ على مجموعة من المصادر المتنوعة في إعداد هذه المقالة، مع التصرف في النقولات، وإعادة صياغة الهدايات. وفيما يلي قائمة بالمراجع المستفاد منها: 1- موسوعة هدايات القرآن، محمد سيد ماضي، الناشر دار التقوى ناشرون. 2- سلسلة هدايات القرآن، فكرة وإعداد بدرية بنت صالح الراجحي، مها بنت صالح العبد القادر، راجَعه وأشرف عليه: أ.د/ بدر بن ناصر البدر، الطبعة الأولى، معالم الهدى للنشر والتوزيع. 3- القرآن تدبر وعمل، الفكرة والإعداد مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي، الطبعة السادسة، الناشر مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي بالرياض. 4- هدايات القرآن صياغة معاصرة لأكثر من عشرة آلاف هداية بصائر للسائرين وتذكرة للمتدبرين، إعداد فريق من المتخصصين والباحثين، الطبعة الأولى، الناشر معالم التدبر. 5- رحلة تدبر في رحاب القرآن، إعداد د. مشعل عبدالعزيز الفلاحي، الطبعة الأولى، الناشر دار القلم دمشق. 6- الجامع في الهدايات القرآنية، إعداد نخبة من المختصين بإشراف أ.د/طه عابدين طه، من الإصدارات الإلكترونية لكرسي الهدايات القرآنية بجامعة أم القرى ومؤسسة النبأ العظيم الوقفية بمكة المكرمة. 7- التفسير المحرر للقرآن الكريم، إعداد الفريق العلمي بمؤسسة الدرر السنية، الطبعة الثانية، الناشر مؤسسة الدرر السنية للنشر. |
رد: سلسلة هدايات القرآن
سلسلة هدايات القرآن حماده إسماعيل فوده هدايات سورة الفاتحة 9-مالك يوم الدين هو الرحمن الرحيم بسمِ اللهِ، والحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أما بعد: فنقفُ اليومَ مع قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ [الفاتحة: 4]، هو سبحانَه وحدَه مالكُ يومِ القيامةِ، وهو يومُ الجزاءِ على الأعمال، وفي قراءة المسلم هذه الآيةَ في كلِّ ركعةٍ من صلواته، تذكيرٌ له باليوم الآخر، وحثٌّ له على الاستعداد بالعملِ الصالح، والكفِّ عن المعاصي والسيئات. أيها الكرامُ، لَمَّا وصفَ تعالى نفسَه بالرحمةِ في الآية التي قبلها، وكان هذا قد يؤدي بالعبدِ إلى غلبة الرجاءِ عليه - نبَّه بصفة الْملك ليوم الدين؛ ليكونَ العبدُ من عمله على وجلٍ، وليعلمَ أن لعملِه يومًا تظهرُ له فيه ثمرتُه من خيرٍ وشرٍّ. ﴿ مَالكِ يومِ الدينِ ﴾: في قولِه تعالى: ﴿ مالكِ ﴾ قراءتانِ: القراءةُ الأولى: مالكِ بالألف مدًّا، وهو: المتصرفُ بالفعلِ في الأشياءِ المملوكةِ له. القراءةُ الثانيةُ: ﴿ مَلِكِ ﴾ بغيرِ ألفٍ قصرًا، وهو المتصرفُ بالقولِ أمرًا ونهيًا فيمَن هم مَلِكٌ عليهم. ﴿ مَالكِ يومِ الدِّينِ ﴾: أي: إن اللهَ عزَّ وجلَّ هو المتصرفُ في جميعِ خلقه بالقول والفعل؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ [الانفطار: 17 - 19]، وكما قال سبحانه: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴾ [مريم: 40]، وقال أيضًا: ﴿ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ [غافر: 16]. ﴿ يَومِ الدِّينِ ﴾؛ أي: يوم الجزاءِ والحسابِ. ولنا مع هذه الآيةِ الكريمةِ وقفاتٌ: الوقفةُ الأولى: من أجمل التأملات في سورة الفاتحة أيها الكرامُ أن نُدركَ أن (مالك يوم الدينِ)، هو الرحمن الرحيم، ففي قولِه تعالى: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ [الفاتحة: 3]، ذكر صفتين للرحمة، بينما ذكر صفةً واحدةً للتهديد في قوله: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾؛ ففيها دلالةٌ على أن رحمتَه سبحانه أوسعُ وأقربُ، وفي ذلكَ ما يَبعَثُ الطُّمأنينةَ في قلوبِ المؤمنين، ويبعثُ في نفوسِهم دواعيَ المحبة والرجاء، وقد ثبتَ في صحيح مسلم أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ لله مائةَ رحمةٍ أنزَل منها رحمةً واحدةً بين الجنِّ والإنس والبهائم والهوامِّ، فبها يتعاطفون، وبها يتراحَمون، وبها تَعطِف الوحشُ على ولدِها، وأخَّرَ الله تسعًا وتسعين رحمةً يرحَم بها عبادَه يومَ القيامةِ". الوقفةُ الثانيةُ: ﴿ مالكِ يومِ الدينِ ﴾: تفيد كمالَ مُلكِ الله للدنيا والآخرةِ، ففي قولِه تعالى: ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الفاتحة: 2] إشارةٌ إلى مُلكِه سبحانه للدنيا، وفي قولِه تعالى: ﴿ مالكِ يومِ الدينِ ﴾ إشارةٌ لملكِه سبحانه للآخرةِ؛ كما قال تعالى في سورةِ النجمِ: ﴿ فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى ﴾ [النجم: 25]. الوقفةُ الثالثةُ: الله سبحانه وتعالى يستحق الحمدَ؛ لأنه ﴿ مالكِ يومِ الدينِ ﴾، يضعُ فيه الموازينَ بالقسطِ، وينصرُ المظلومَ، ويعذبُ الظالمَ، وهذا من تمامِ عدله وسلطانه، وفي قولِه تعالى: ﴿ مالكِ يومِ الدينِ ﴾ دلالةٌ على عِظَمِ نِعمة يوم الدين على العالمين في تحقيق العدالةِ، ولهذا يَحمَدُه العالمونَ في ذلك اليوم؛ قال تعالى: ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الزمر: 75]. الوقفةُ الرابعةُ: ﴿ مالكِ يومِ الدينِ ﴾: تُطمئِنُكَ وتُطمئِنُ قلبَك بأن الجزاءَ في هذه الدنيا ليس هو الجزاءَ الأخيرَ، وتَجعلُكَ تُوقنُ أن هناكَ حياةً أخرى تنتظرُك تستحقُّ أن تجاهدَ لها، وستُوفَّى فيها أجرَك غيرَ منقوصٍ من مالكِ يومِ الدينِ. الوقفةُ الخامسةُ: ﴿ مالكِ يوم الدينِ ﴾ تُطمئنُك بأن الحقوقَ محفوظةٌ، فذلك يومُ الفصلِ والقضاءِ، وأن الله يُمهل ولا يُهمل، وسوف يُجازي العبادَ كلَّهم يومَ الدينِ؛ مَن أحسنَ منهم، ومَن أساءَ، فإن كان لك حقٌّ فستأخذُه، وإن كان عليك فسيُقتَصُّ منك. ﴿ مالكِ يومِ الدِّينِ ﴾: هذه الآيةُ الكريمةُ بها الكثيرُ من الهداياتِ غيرِ التي وقفنا معها، وهذا ما سنَعرِفه إن قدَّرَ الله لنا البقاءَ واللقاءَ في المقالِ القادمِ إن شاء الله تعالى، وإلى أن أَلقاكم فيه، أسألُ الله عزَّ وجلَّ أن يَهديَني وإياكم بهداياتِ القرآنِ الكريمِ، وصلِّ اللهم وسلِّمْ على نبينا محمدٍ، وعلى آلِه وصحبِه والتابعينَ. تَمَّ الاعتمادُ على مجموعة من المصادر المتنوعة في إعداد هذه المقالة، مع التصرف في النقولات، وإعادة صياغة الهدايات. وفيما يلي قائمة بالمراجع المستفاد منها: 1) موسوعة هدايات القرآن، محمد سيد ماضي، الناشر دار التقوى ناشرون. 2) سلسلة هدايات القرآن، فكرة وإعداد بدرية بنت صالح الراجحي، مها بنت صالح العبد القادر، راجَعه وأشرف عليه: أ.د/ بدر بن ناصر البدر، الطبعة الأولى، معالم الهدى للنشر والتوزيع. 3) القرآن تدبر وعمل، الفكرة والإعداد مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي، الطبعة السادسة، الناشر مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي بالرياض. 4) هدايات القرآن صياغة معاصرة لأكثر من عشرة آلاف هداية بصائر للسائرين وتذكرة للمتدبرين، إعداد فريق من المتخصصين والباحثين، الطبعة الأولى، الناشر معالم التدبر. 5) رحلة تدبر في رحاب القرآن، إعداد د. مشعل عبدالعزيز الفلاحي، الطبعة الأولى، الناشر دار القلم دمشق. 6) الجامع في الهدايات القرآنية، إعداد نخبة من المختصين بإشراف أ.د/طه عابدين طه، من الإصدارات الإلكترونية لكرسي الهدايات القرآنية بجامعة أم القرى ومؤسسة النبأ العظيم الوقفية بمكة المكرمة. 7) التفسير المحرر للقرآن الكريم، إعداد الفريق العلمي بمؤسسة الدرر السنية، الطبعة الثانية، الناشر مؤسسة الدرر السنية للنشر. |
رد: سلسلة هدايات القرآن
سلسلة هدايات القرآن حماده إسماعيل فوده هدايات سورة الفاتحة 10- يوم جزاء لا يوم عمل بسم الله، والحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أما بعدُ: فيا أيها الكرامُ، لا زلنا مع هدايات الآية الرابعة من سورة الفاتحة، وهي قولُ الله عزَّ وجلَّ (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، وتوقَّفنا في الحلقة الماضية عند الوقفة الخامسة مع الآية الكريمة، ومضمونُها أن ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ تُطمئنك بأن الحقوقَ محفوظةٌ، فذلك يومُ الفصل والقضاء، وأن اللهَ يُمهلُ ولا يهملُ، وسوفُ يجازي العبادَ كلَّهم يومَ الدين؛ مَنْ أحسنَ منهم، ومَن أساءَ، فإن كان لك حقٌّ فستأخذُه، وإن كان عليك فسيقتصُّ منك. واليومَ إن شاءَ اللهُ تعالى نَستأنف وقفاتنا مع الآية الكريمة: الوقفةُ السادسةُ: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، تُفيد عظمةَ الله وَسَعةَ قدرته، وعظيمَ سلطانه تعالى؛ حيثُ يَجمعُ الخلقَ جميعًا، ويُحاسبُهم ويُجازيهم على كلِّ ما قدَّموا في حياتهم في يومٍ واحدٍ. الوقفةُ السابعةُ: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، تُفيد أن مَن أرادَ النجاةَ يومَ الدين بتجاوُز الصراط ودخول الجنة والنجاة من النار، فليَطلبها من مالك يوم الدين مباشرةً دون اللجوء إلى الشُّفعاء والوُسَطاء. الوقفةُ الثامنةُ: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، تفيد إثباتَ البعث والحساب والجزاء، وكلُّ ما جاء مفصلًا في القرآن الكريم عن يوم القيامة وتوابِعه، وأن الإيمانَ بالبعث من القضايا الكبرى في الدين؛ لذا تقدَّم ذكرُه هنا في سورة الفاتحة، وبُسِط القولُ فيه في كثيرٍ من الآيات والسور. الوقفةُ التاسعةُ: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، تُفيد أن مِن أسماء القيامة: (يوم الدين)، وقد ذُكِرَتْ له أسماءٌ أخرى في القرآن كلها تدلُّ على هوْله وشدته، وتُفيد هذه الآيةُ عِظَمَ ذلك اليوم؛ لأن الله تبارك وتعالى خصَّ مُلكَه له بالذِّكر، مع أنه المالكُ لكلِّ شيءٍ، وفي قوله تعالى: ﴿ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ إشارةٌ إلى أنه يومُ جزاءٍ لا يومُ عملٍ، وكما تَدينُ في هذه الدنيا تدانُ في ذلك اليوم. الوقفةُ العاشرةُ: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ [الفاتحة: 2 - 4]، في هذه الآيات الثلاث الأولى من سورة الفاتحة، يعلِّمنا الله ثلاثَ عباداتٍ: كيف نَحمُدُه؟ وكيف نُثني عليه؟ وكيف نُمجِّدُه؟ كما جاء في صحيح مسلمٍ من حديث أبي هريرةَ رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: (قسمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبدُ: ﴿ الْحَمْدُ للَّه رَبِّ العالَمينَ ﴾، قال الله تعالى: حمَدني عبدي، وإذا قال: ﴿ الرَّحْمَن الرَّحيم ﴾، قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: ﴿ مالِكِ يَومِ الدِّينِ ﴾، قال: مَجَّدني عبدي، وقال مرةً فوَّضَ إليَّ عبدي، فإذا قال: ﴿ إيَّاكَ نَعْبُدُ وإيَّاكَ نَسْتَعينُ ﴾، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل. الوقفةُ الحادية عشرة: ﴿ الحَمْدُ للَّه رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾، تأمَّل هذه الآيات الثلاث، تجد أن الله سبحانه هو وحدَه المستحقُّ لكلِّ حمدٍ، فإن كنت حامدًا لأجل الكمال، فإنه الله، وإن كنت حامدًا لأجل الإحسان، فإنه ربُّ العالمين، وإن كنت حامدًا لأجل الرجاء، فإنه الرحمنُ الرحيمُ، وإن كنت حامدًا لأجل الخوف، فإنه مالكُ يوم الدين. الوقفةُ الثانية عشرة: مَبنى سورة الفاتحة أيها الكرامُ على العبودية، فإن العبوديةَ إما محبةٌ أو رجاءٌ أو خوفٌ، ففي ﴿ الْحَمْدُ للَّه ﴾ محبةٌ، و﴿ الرَّحْمَن الرَّحيم ﴾ رجاءٌ، و﴿ مالك يَوْمِ الدِّينِ ﴾ خوفٌ، وهذه هي أصولُ العبادة، فرحِم الله عبدًا استَشْعَرها، وأثَّرت في قلبه. الوقفةُ الثالثة عشرة: مالك يوم الدين: هل استعدَدْنا ليوم الدين أيها الكرامُ؟ هل عمِلنا لهذا اليوم العصيب، في صحيح البخاري أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم خطب، فقال: إنكم محشورون إلى الله حُفاةً عُراةً غُرْلًا، ثم قرأ: ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ [الأنبياء: 104]، ثم إن أولَ مَن يُكسى يومَ القيامة إبراهيمُ، ألا إنه يجاء برجالٍ من أمتي، فيؤخذ بهم ذاتَ الشمال، فأقول: يا ربِّ أصحابي، فيقال: لا تدري ما أحدَثوا بعدك، فأقول كما قال العبدُ الصالحُ: ﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [المائدة: 117، 118]، فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدِّين على أعقابهم منذ فارَقتهم، أسألُ اللهَ ألَّا يجعلني وإياكم من هؤلاء. فلنقِف مع أنفسنا وقفةً أيها الكرامُ، ولنَستعدَّ لهذا اليوم بالتوبة النصوح، وأن نحيا على مراد الله إلى أن نَلقاه سبحانه بميتةٍ حسنةٍ، رزَقني الله وإياكم حسنَ الختام. الوقفةُ الرابعة عشرة: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، تفيد أن النجاةَ في ذلك اليوم مرهونةٌ بِحُسن عبوديته سبحانه؛ لذا لَما تكلَّم عن يوم الدين بيَّن في الآية التي بعدها ما به يكون الفوزُ والنجاةُ؛ قال تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، وهذا ما سنَقف معه في المقال القادم إن شاءَ اللهُ تعالى، أسألُ اللهَ عزَّ وجلَّ أن يُنجِّيَني وإياكم يومَ الدين، وأن يجعلني وإيَّاكم فيه من الفائزين، وصلِّ اللهم وسلِّمْ على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه والتابعين. تَمَّ الاعتمادُ على مجموعة من المصادر المتنوعة في إعداد هذه المقالة، مع التصرف في النقولات، وإعادة صياغة الهدايات. وفيما يلي قائمة بالمراجع المستفاد منها: 1- موسوعة هدايات القرآن، محمد سيد ماضي، الناشر دار التقوى ناشرون. 2- سلسلة هدايات القرآن، فكرة وإعداد بدرية بنت صالح الراجحي، مها بنت صالح العبد القادر، راجَعه وأشرف عليه: أ.د/ بدر بن ناصر البدر، الطبعة الأولى، معالم الهدى للنشر والتوزيع. 3- القرآن تدبر وعمل، الفكرة والإعداد مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي، الطبعة السادسة، الناشر مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي بالرياض. 4- هدايات القرآن صياغة معاصرة لأكثر من عشرة آلاف هداية بصائر للسائرين وتذكرة للمتدبرين، إعداد فريق من المتخصصين والباحثين، الطبعة الأولى، الناشر معالم التدبر. 5- رحلة تدبر في رحاب القرآن، إعداد د. مشعل عبدالعزيز الفلاحي، الطبعة الأولى، الناشر دار القلم دمشق. 6- الجامع في الهدايات القرآنية، إعداد نخبة من المختصين بإشراف أ.د/طه عابدين طه، من الإصدارات الإلكترونية لكرسي الهدايات القرآنية بجامعة أم القرى ومؤسسة النبأ العظيم الوقفية بمكة المكرمة. 7- التفسير المحرر للقرآن الكريم، إعداد الفريق العلمي بمؤسسة الدرر السنية، الطبعة الثانية، الناشر مؤسسة الدرر السنية للنشر. |
رد: سلسلة هدايات القرآن
سلسلة هدايات القرآن حماده إسماعيل فوده هدايات سورة الفاتحة 11- لِمَن أراد السعادة الأبدية: بسمِ اللهِ، والحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أما بعدُ: فنقفُ اليومَ مع قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]. جاءَ في التفسيرِ الميسَّرِ في معنى هذه الآيةِ: ﴿ إِيَّاكَ نَعبُدُ وَإِيَّاكَ نَستَعِين ﴾؛ أَيْ: إِنَّا نَخُصُّك وحدك بالعبادةِ، ونستعينُ بك وحدَك في جميعِ أمورِنا، فالأمرُ كلُّه بيدِك، لا يَملِكُ منه أحدٌ مثقالَ ذرَّةٍ. أيها الكرامُ، في هذه الآيةِ دليلٌ على أنَّ العبدَ لا يجوزُ له أن يَصرِفَ شيئًا من أنواعِ العبادةِ - كالدعاءِ والاستغاثةِ والذبحِ والطوافِ - إلا للهِ وحدَه لا شريكَ له، وفيها شفاءُ القلوبِ من داءِ التعلُّقِ بغيرِ اللهِ، ومِن أمراضِ الرِّياءِ والعُجبِ والكِبرياءِ، نعم، فما لا يكونُ باللهِ لا يكونُ، وما لا يكونُ للهِ لا ينفعُ ولا يدومُ. ﴿ إِيَّاكَ نَعبُدُ وَإِيَّاكَ نَستَعِين ﴾: في قولِه تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نعبدُ ﴾ تبرُّؤٌ من الشركِ، وفي قولِه: ﴿ وَإِيَّاكَ نستعينُ ﴾ تبرُّؤٌ مِن الحولِ والقوةِ، وتفويضٌ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، وهذا المعنى في غيرِ آيةٍ من القرآنِ؛ كما قال تعالى: ﴿ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [هود: 123]، ﴿ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا ﴾ [الملك: 29]، ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ﴾ [المزمل: 9]، لذا قال بعضُ السلفِ: الفاتحةُ سرُّ القرآنِ، وسرُّها هذه الكلمةُ: ﴿ إِيَّاكَ نعبدُ وَإِيَّاكَ نستعينُ ﴾، لماذا أيها الكرامُ؟ لأنَّ هذه الآيةَ تضمَّنت أصلينِ عظيمينِ؛ هما عبادةُ اللهِ عزَّ وجلَّ، والتوكُّلُ عليه، فمقصدُ القرآنِ الأعظمُ يتمثلُ في تحقيقِ العبوديةِ الخالصةِ للهِ تعالى، من خلالِ عبادتِه والتوكُّلِ عليه سبحانهُ، ولنا مع هذه الآيةِ الكريمةِ وقفاتٌ: الوقفةُ الأولى: مهما بلغَ الإنسانُ من الأوصافِ الدينيةِ والدنيويةِ، فليسَ له أشرفُ من وصفِ العبوديةِ، نعم فُتفيدُ ﴿ إِيَّاكَ نعبدُ ﴾ أنَّ العبدَ يؤدي رسالتَه الخالدةَ أمامَ سيدِه وخالقِه ومولاه جلَّ في علاه، ويا لها من سعادةٍ، فمَن أرادَ السعادةَ الأبديةَ، فليَلْزَمْ عتبةَ العبوديةِ. الوقفةُ الثانيةُ: في كلِّ ركعةٍ حينما تتلفَّظُ بقولِك: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾، تذكَّرْ أنك تجدِّدُ عهدَك العظيمَ مع اللهِ تعالى، عهدًا يَقضي بألا تَلتفتَ في عبادتِك وتعلُّقِك وتوكُّلِك إلا إليه وحدَه، ومن ثَمَّ يتأكدُ على المؤمنِ أن يَستشعرَ هذا العهدَ بقلبِه، وأن يَحرِصَ على الوفاءِ به في أقوالِه وأفعالِه؛ إذ لا يليقُ أن يَنصرِفَ قلبُ العبدِ المؤمنِ إلى غيرِ اللهِ بعد لحظاتٍ من إقرارِه بالعبوديةِ الخالصةِ. هل يليقُ بك بعد قولِك: ﴿ إِيَّاكَ نعبدُ وَإِيَّاكَ نستعينُ ﴾ أن تَحلِفَ بغيرِ اللهِ، وقد أشهدتَه على إفرادِك إياه بالعبوديةِ والاستعانةِ؟! هل يليقُ بك بعد تَكرارِك الإخلاصَ للهِ في الصلاةِ، أن تُنذرَ لغيرِ اللهِ، وأنت قد أعلنتَ بقلبِك ولسانِك أنَّ كلَّ أعمالِك وعباداتِك خالصةٌ له؟! هل يليقُ بك بعد توحيدِك اللهَ في العبادةِ والاستعانةِ أن تذبحَ لغيرِ اللهِ، وهو الذي تستعينُ به وحدَه وتعبُدُه وحدَه؟! هل يليقُ بك بعد أن وقفتَ بين يديه متذللًا: ﴿ إِيَّاكَ نعبدُ وَإِيَّاكَ نستعينُ ﴾ - أن تتوسلَ بغيرِ اللهِ في أمورٍ لا يَقدِرُ عليها إلا اللهُ تعالى؟! هل يليقُ بك بعد إعلانِك ﴿ إِيَّاكَ نعبدُ وَإِيَّاكَ نستعينُ ﴾ أن تَطوفَ بغيرِ الكعبةِ؟! هل يليقُ بك بعد أن عاهَدتَ اللهَ على طاعتِه وأنت تقولُ: ﴿ إِيَّاكَ نعبدُ وَإِيَّاكَ نستعينُ ﴾ - أن تقعَ في عقوقِ والدَيْك، فتُغضِبَهما أو تُقصرَ في حقِّهما، وقد وصاكَ اللهُ بالإحسانِ إليهما؟! هل يليقُ بك بعد قولِك: ﴿ إِيَّاكَ نعبدُ وَإِيَّاكَ نستعينُ ﴾ أن تَخرُجَ من المسجدِ، ثم تَمُدَّ عينَك للنظرِ المحرَّمِ في الشارعِ، أو في وسائلِ التواصلِ؟! هل يليقُ بك بعد أن توحِّدَه بالعبادةِ وتستعينَ به وحده - أن تُطلقَ العنانَ للسانِ بالغيبةِ والنميمةِ ما أن تتبادلَ أطرافَ الحديثِ مع الناسِ؟! هل يليقُ بك بعد قولِك: ﴿ إِيَّاكَ نعبدُ وَإِيَّاكَ نستعينُ ﴾ أن تقعَ في الغشِّ والكذبِ في معاملاتِك التجاريةِ، وأنت قد عاهَدتَ اللهَ على الإخلاصِ والنزاهةِ؟! هل يليقُ بك بعد تَكرارِك: ﴿ إِيَّاكَ نعبدُ وَإِيَّاكَ نستعينُ ﴾ أن تتكاسلَ عن الصلاةِ أو تؤخرَها بلا عذرٍ، وقد أشهدتَ اللهَ على إخلاصِ العبوديةِ له وحده؟! هل يليقُ بك بعد قولِك: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نستعينُ ﴾ أن تُهملَ الاستعانةَ باللهِ في حياتِك اليوميةِ، فتتوجَّهَ بقلبِك لخوفٍ مِن بشرٍ، أو طمعٍ في دنيا، ناسيًا أنك قبل لحظاتٍ قلتَ: ﴿ إِيَّاكَ نعبدُ وَإِيَّاكَ نستعينُ ﴾؟! فلابدَّ لنا أيها الكرامُ مِن أن نُدركَ قيمةَ العهدِ الذي نُجددُه مع اللهِ في كلِّ ركعةٍ؛ حيث نقولُ: ﴿ إِيَّاكَ نعبدُ وَإِيَّاكَ نستعينُ ﴾، فكيف يليقُ بنا أن نَنقضَه بعد قليلٍ من أدائِه؟! إنَّ في استحضارِ هذا المعنى في جميعِ أقوالِنا وأفعالِنا عصمةً للنفسِ بإذنِ اللهِ من الانحرافِ عن مفهومِ العبوديةِ الخالصةِ للهِ! ﴿ إِيَّاكَ نَعبُدُ وَإِيَّاكَ نَستَعِينُ ﴾: هذه الآيةُ الكريمةُ بها الكثيرُ من الهداياتِ غيرِ التي وقفنا معها، وهذا ما سنَعرِفُه إن قدَّرَ اللهُ لنا البقاءَ واللقاءَ في المقالِ القادمِ إن شاءَ اللهُ تعالى، وإلى أن ألقاكم فيه أَسألُ اللهَ عزَّ وجلَّ أن يَهدِيَني وإيَّاكم بهداياتِ القرآنِ الكريمِ، وصلِّ اللهم وسلمْ على نبينا محمدٍ، وعلى آلِه وصحبِه والتابعينَ. تَمَّ الاعتمادُ على مجموعة من المصادر المتنوعة في إعداد هذه المقالة، مع التصرف في النقولات، وإعادة صياغة الهدايات. وفيما يلي قائمة بالمراجع المستفاد منها: 1- موسوعة هدايات القرآن، محمد سيد ماضي، الناشر دار التقوى ناشرون. 2- سلسلة هدايات القرآن، فكرة وإعداد بدرية بنت صالح الراجحي، مها بنت صالح العبد القادر، راجَعه وأشرف عليه: أ.د/ بدر بن ناصر البدر، الطبعة الأولى، معالم الهدى للنشر والتوزيع. 3- القرآن تدبر وعمل، الفكرة والإعداد مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي، الطبعة السادسة، الناشر مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي بالرياض. 4- هدايات القرآن صياغة معاصرة لأكثر من عشرة آلاف هداية بصائر للسائرين وتذكرة للمتدبرين، إعداد فريق من المتخصصين والباحثين، الطبعة الأولى، الناشر معالم التدبر. 5- رحلة تدبر في رحاب القرآن، إعداد د. مشعل عبدالعزيز الفلاحي، الطبعة الأولى، الناشر دار القلم دمشق. 6- الجامع في الهدايات القرآنية، إعداد نخبة من المختصين بإشراف أ.د/طه عابدين طه، من الإصدارات الإلكترونية لكرسي الهدايات القرآنية بجامعة أم القرى ومؤسسة النبأ العظيم الوقفية بمكة المكرمة. 7- التفسير المحرر للقرآن الكريم، إعداد الفريق العلمي بمؤسسة الدرر السنية، الطبعة الثانية، الناشر مؤسسة الدرر السنية للنشر. |
رد: سلسلة هدايات القرآن
هدايات سورة الفاتحة 12- عليك البداية ومن الله التمام بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أما بعد أيها الكِرام: فلا زلنا مع هدايات الآية الخامسة من سورة الفاتحة؛ وهي قول الله عز وجل: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، واليوم إن شاء الله تعالى نستأنف وقفاتِنا مع الآية الكريمة: الوقفة الثالثة: حين يهمس الشيطان في قلبك بأنك القائم بطاعاتك بقوتك وإرادتك وحدك، تذكَّر أنك في كل صلاة تردد قولك: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، لتشهد أن كلَّ خطوة تخطوها على طريق الطاعة ليست إلا بعون الله وتوفيقه، فلو لم يأذَن لك الرحمن بالوقوف بين يديه، لَما نهضتَ من مكانك، ولما ركعت ولا سجدت، وهكذا في سائر الطاعات والعبادات التي تتقرب بها إلى الله جل في علاه، فلو لم يأذن لك بها سبحانه، لَما أطعْتَه ولا عبدته، فتذكر دائمًا - يا عبدالله - أن الفضل كله لله، وأنك ضعيف لا تملك من أمرك شيئًا، لولا فضل الله عليك وتوفيقه وعونه. الوقفة الرابعة: هل تشعر أن أعباءك قد تكاثرَت حتى ضاقت بها أنفاسك؟ هل تحاصرك الهموم من كل صوب وناحية؟ هل تجد نفسك مثقلًا بتكاليف الحياة وشدائدها؟ تذكر دائمًا أن باب الاستعانة بالله مفتوحٌ على مصراعيه، فقِف بصدقٍ - يا عبدالله - بين يدي خالقك ومولاك، بُثَّ له شكواك وهمَّك، وثِق أنه سبحانه شرع الاستعانة لأجلك؛ ليُعينك على مواجهة كلِّ ثقلٍ ينهك قلبَك، ويحد من خُطاك، قُلها خاشعًا موقنًا: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، ثم انظر كيف تنقشع غيوم اليأس أمام نور العون الإلهي، الذي يُبدِّد الظلام ويهوِّن الصِّعاب؟ الوقفة الخامسة: يفيد قوله تعالى: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5] دلالةً على أن الاستعانة تتعدى بنفسها وبالباء، فتقول: (نستعينك) و(نستعين بك)، وفي اختيار الاستعانة التي تتعدى بنفسها دون الثانية إشارةٌ لطيفة لمن نوَّر الله بصيرته بهدايات القرآن الكريم، إلى أن الاستعانة به سبحانه وتعالى لا تحتاج إلى واسطة، بل تكون مباشرةً بين العبد وربِّه، ولا تحتاج حتى إلى حرف الباء. الوقفة السادسة: أتَتِ الاستعانة بعد العبادة في قوله تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، رغم كون الاستعانة عبادةً من العبادات، فقُدمت العبادة في قوله تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ [الفاتحة: 5]؛ لأنها الغاية التي خُلق العبد لأجلها، ثم أُتبعت هذه الغاية بالوسيلة؛ وهي الاستعانة في قوله تعالى: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، بيانًا لأن هذه الغاية لا تُدرَك إلا بتوفيق الله ومعونته، فلولا الاستعانةُ بالله ما عرَفنا كيف نعبده سبحانه. الوقفة السابعة: يفيد تقديم العبادة والاستعانة على طلب الهداية ﴿ اهْدِنَا ﴾ [الفاتحة: 6] إشارةً لطيفةً إلى أن من لا رصيدَ له من العبادة، فلا رصيد له من الهداية، فبقدر رصيدك من العبادة يكون رصيدك من الهداية، فاستقلَّ أو استكثر؛ ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ [العنكبوت: 69]. الوقفة الثامنة: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]: تفيد أن البداية منك فعلًا ومسارعةً، ومبادرةً ومدافعةً، وتقربًا ودعاءً، ثم بعده تكون الاستعانة وطلب المدد والعون، فعليك البداية وعلى الله التمام؛ فمثلًا: إن أردت الالتزام بصلاة الفجر في جماعة، فبادِر بضبط المنبه وتجنَّبِ السهر غير الضروري، وألحَّ على الله بالدعاء أن يُوقظك في أحبِّ الأوقات إليه، أو إن أردتَ تركَ معصية معينة، فابتعد عن الأجواء والأشخاص الذين يذكِّرونك بها، وتقرب إلى الله بالدعاء والإلحاح عليه أن يتوب عليك من هذه المعصية، فابدأ أنت يا عبدالله، ثم استعن بالله عز وجل، واطلب المدد والعون منه سبحانه؛ فعليك البدء وبذل الجهد، وعلى الله التمام والتوفيق. الوقفة التاسعة: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5] تفيد أن من أعظم مواطن إجابة الدعاء هي المواطن التي يُظهر فيها العبد الافتقار والتذلل والخضوع إليه سبحانه وتعالى، فـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]؛ أي: لا نعبد إلا إياك، متذللين لك وحدك لا شريك لك، ولا نستعين إلا بك وحدك لا شريك لك. الوقفة العاشرة والأخيرة: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5] تفيد جواز التوسل بالأعمال الصالحة، فكوننا عبدناه سبحانه واستعنَّا به سبحانه نستطيع أن نقدم ذلك وسيلةً قبل الدعاء، ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]؛ ثم قال تعالى في الآية التي بعدها: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6]، وهذا ما سنقف معه في المقال القادم إن شاء الله تعالى، أسأل الله عز وجل أن يُنجيني وإياكم يومَ الدين، وأن يجعلني وإياكم فيه من الفائزين، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين، • تم الاعتماد على مجموعة من المصادر المتنوعة في إعداد هذه المقالة، مع التصرف في النقولات وإعادة صياغة الهدايات. وفيما يلي قائمة بالمراجع المستفادة منها: 1- موسوعة هدايات القرآن، محمد سيد ماضي، الناشر: دار التقوى ناشرون. 2- سلسلة هدايات القرآن، فكرة وإعداد: بدرية بنت صالح الراجحي، مها بنت صالح العبد القادر، راجعه وأشرف عليه: أ.د/ بدر بن ناصر البدر، الطبعة الأولى، معالم الهدى للنشر والتوزيع. 3- القرآن تدبر وعمل، الفكرة والإعداد: مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي، الطبعة السادسة، الناشر: مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي بالرياض. 4- هدايات القرآن صياغة معاصرة لأكثر من عشرة آلاف هداية بصائر للسائرين، وتذكرة للمتدبرين، إعداد فريق من المتخصصين والباحثين، الطبعة الأولى، الناشر: معالم التدبر. 5- رحلة تدبر في رحاب القرآن، إعداد د. مشعل عبدالعزيز الفلاحي، الطبعة الأولى، الناشر: دار القلم دمشق. 6- الجامع في الهدايات القرآنية، إعداد نخبة من المختصين بإشراف أ.د/ طه عابدين طه، من الإصدارات الإلكترونية لكرسي الهدايات القرآنية بجامعة أم القرى، ومؤسسة النبأ العظيم الوقفية بمكة المكرمة. 7- التفسير المحرر للقرآن الكريم، إعداد الفريق العلمي بمؤسسة الدرر السنية، الطبعة الثانية، الناشر: مؤسسة الدرر السنية للنشر. |
رد: سلسلة هدايات القرآن
سلسلة هدايات القرآن حماده إسماعيل فوده هدايات سورة الفاتحة 13- أنفع الدعاء وأعظمه وأحكمه بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أما بعد: نقف اليوم مع قول الله عز وجل: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6]، والمعنى: أي: دُلنا على الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، ووفِّقنا لسلوكه، وثبِّتنا عليه. أيها الكرام: لا سعادة للعبد في الدنيا ولا في الآخرة إلا بالاستقامة على الصراط المستقيم، ذلكم الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، الطريق الذي يقود العبد إلى رضوان الله وجنته، إنه الطريق الذي رسمه لنا خاتم الأنبياء والمرسلين، محمدٌ صلى الله عليه وسلم، فكلُّ مَن سار عليه وَجَدَ راحة القلب، وطمأنينة النفس، وسعادةً لا تُضاهى، لأنه الطريق الحقُّ الذي يرضاه الله لعباده. ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6] هذه الآية المباركة تربِّينا جميعًا على اللجوء إلى الله عز وجل، من خلال التوسُّل إليه سبحانه في الآية التي قبلها بأننا لا نعبد إلا إياه سبحانه، متذللين له وحده لا شريك له، ولا نستعين إلا به وحده لا شريك له، والمتوسَّل فيه، ما هو؟ لماذا توسلنا إلى الله عز وجل بالعبادة والاستعانة؟ لماذا أيها الكرام؟ من أجل أن يهديَنا سبحانه صراطَه المستقيم. لأنه لا بد في العبادة من إخلاص؛ يدل عليه قوله تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ [الفاتحة: 5]، ومن استعانةٍ يتقوَّى بها على العبادة؛ يدل عليها قوله تعالى: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، ومن اتباع للشريعة يدل عليه قوله تعالى: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6]؛ لأن الصراط المستقيم هو الشريعةُ التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذه أهم محاور العبودية التي توصِّل لمرضاته جل وعلا. ولنا مع هذه الآية الكريمة وقفات: الوقفة الأولى: إذا علِمنا أن الله تعالى أمرنا أن نسأله في اليوم والليلة سبع عشرة مرةً على الأقل، قائلين: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6]، أدركنا أن الهداية أشرف المطالب، وأن أعظم دعوةٍ يتضرع بها العبد إلى خالقه ومولاه هي: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6]؛ فلنستشعر هذا المعنى كلما قرأناها، أيها الكرام. وهنا تجدر الإشارة إلى نقطة مهمة؛ وهي أنه حينما يدعو لك أحدٌ بالهداية بقوله: (هداك الله)، فافرح بهذه الدعوة وأمِّن عليها من قلبك، ولا تستنكر عليه، فالهداية - أيها الكرام - أشرف المطالب، أسأل الله أن يهديَني وإياكم جميعًا صراطه المستقيم. الوقفة الثانية: استشْعِرْ مناجاتك حين تتلو: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6]، أناجيك يا رب معترفًا بعجزي عن استبانة الهدى إلا بفضلك، فسُبل الباطل شتى، وسبيل الحق واحد؛ فيا رب برحمتك اهدنا الصراط المستقيم. الوقفة الثالثة: أنفع الدعاء وأعظمه وأحكمه دعاءُ: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6]؛ لأن الله عز وجل إذا هدى العبد هذا الصراطَ، أعانه على طاعته وترك معصيته، فأذكِّر نفسي وإياك يا عبدالله، مهما كنت بعيدًا عن الله، مهما كانت ذنوبك ومعاصيك، فعليك البداية بالإقبال على الله عز وجل، ثم ألحَّ عليه سبحانه بهذا الدعاء: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6]، وأنت موقِن بالإجابة، وعلى الله التمام، فيُعينك سبحانه على ترك هذه المعاصي وفِعل الطاعات، فمهما بلغ العبد منا من القوة، والعزة، والغِنى، فإن كلها لا تساوي شيئًا بدون الهداية. هذه الآية الكريمة بها الكثير من الهدايات غير التي وقفنا معها، وهذا ما سنعرفه إن قدَّر الله لنا البقاء واللقاء في المقال القادم إن شاء الله تعالى، وإلى أن ألقاكم فيه، أسأل الله عز وجل أن يهديني وإياكم بهدايات القرآن الكريم، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين. تم الاعتماد على مجموعة من المصادر المتنوعة في إعداد هذه المقالة، مع التصرف في النقولات وإعادة صياغة الهدايات. وفيما يلي قائمة بالمراجع المستفادة منها: 1- موسوعة هدايات القرآن، محمد سيد ماضي، الناشر: دار التقوى ناشرون. 2- سلسلة هدايات القرآن، فكرة وإعداد: بدرية بنت صالح الراجحي، مها بنت صالح العبد القادر، راجعه وأشرف عليه: أ.د/ بدر بن ناصر البدر، الطبعة الأولى، معالم الهدى للنشر والتوزيع. 3- القرآن تدبر وعمل، الفكرة والإعداد: مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي، الطبعة السادسة، الناشر: مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي بالرياض. 4- هدايات القرآن صياغة معاصرة لأكثر من عشرة آلاف هداية بصائر للسائرين، وتذكرة للمتدبرين، إعداد فريق من المتخصصين والباحثين، الطبعة الأولى، الناشر: معالم التدبر. 5- رحلة تدبر في رحاب القرآن، إعداد د. مشعل عبدالعزيز الفلاحي، الطبعة الأولى، الناشر: دار القلم دمشق. 6- الجامع في الهدايات القرآنية، إعداد نخبة من المختصين بإشراف أ.د/ طه عابدين طه، من الإصدارات الإلكترونية لكرسي الهدايات القرآنية بجامعة أم القرى، ومؤسسة النبأ العظيم الوقفية بمكة المكرمة. 7- التفسير المحرر للقرآن الكريم، إعداد الفريق العلمي بمؤسسة الدرر السنية، الطبعة الثانية، الناشر: مؤسسة الدرر السنية للنشر. |
رد: سلسلة هدايات القرآن
سلسلة هدايات القرآن حماده إسماعيل فوده 14- من سلِم هنا فاز هناك بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أما بعد أيها الكرام: فلا زلنا مع هدايات الآية السادسة من سورة الفاتحة؛ وهي قول الله عز وجل: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6]، وتوقفنا في المقال الماضي عند الوقفة الثالثة مع الآية الكريمة، ومضمونها أن أنفع الدعاء وأعظمه وأحكمه دعاءُ: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6]؛ لأن الله عز وجل إذا هدى العبد هذا الصراط، أعانه على طاعته وترك معصيته، فأذكِّر نفسي وإياك يا عبدالله، مهما كنت بعيدًا عن الله، مهما كانت ذنوبك ومعاصيك، فعليك البداية بالإقبال على الله عز وجل ثم ألحَّ عليه سبحانه بهذا الدعاء: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6]، وأنت موقن بالإجابة، وعلى الله التمام، فيُعينك سبحانه على ترك هذه المعاصي، وفعل الطاعات، فمهما بلغ العبد منا من القوة، والعزة، والغِنى، فإن كلها لا تساوي شيئًا بدون الهداية. واليوم - إن شاء الله تعالى - نستأنف وقفاتِنا مع الآية الكريمة: الوقفة الرابعة: طلب الهداية في قلب أعظم سورة في القرآن، وفي كل ركعة دليلٌ على أن الضلال أقرب إلى العبد من شراك نَعله، وأن فرص انحرافنا - مهما استقمنا - كثيرة، فلا تغترَّ باستقامتك يا عبدَالله، وسَلِ الله الثبات، فعلى قدر ثبوت قدمك على الصراط المستقيم في هذه الدار؛ يكون ثبوت قدمك على الصراط المنصوب على النار. الوقفة الخامسة: كما أن صراط جهنم عليه كلاليب، فكذلك الشبهات والشهوات هي كلاليب الصراط المستقيم، ومن سلِم هنا فاز هناك، فأكثِر من هذا الدعاء: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6]. الوقفة السادسة: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6] تفيد الآية أن العبد لا يستطيع معرفة الحق مع وضوحه إلا إذا هداه الله، ولا يستطيع سلوكه بعد معرفته إلا بهدايته وإعانته؛ فأكثِر من هذا الدعاء: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6]. الوقفة السابعة: تفيد ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6] الحثَّ على طلب العلم؛ لأن الهداية تتطلب العلم بالحقِّ والعمل به، وتفيد أيضًا أهمية معرفة العبد لحاجته للعلم؛ "فإن طلب الهداية اعتراف بالاحتياج إلى العلم". الوقفة الثامنة: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6] تفيد هذه الآيةُ الحثَّ على طلب أقربِ وأيسر السُّبل إلى الله تعالى؛ لأن الطريق المستقيم أقرب إلى الوصول، وأيسر من الطريق المعوَّج. الوقفة التاسعة: يفيد ذكر الصراط دون (السبيل)، أو (الطريق) في قوله تعالى: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6]، وإن كان الكل واحدًا؛ ليكون لفظ الصراط مذكِّرًا لصراط جهنم، فيكون الإنسان على مزيدِ خوفٍ وخشية. الوقفة العاشرة: ابدأ الدعاء بالحمد لله والثناء عليه سبحانه، كما ابتدأت سورة الفاتحة بـ ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الفاتحة: 2]، ثم اسأله ما تريد كما خُتمت السورة بـ ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6]، فمن أدب الدعاء أن يكون بعد الثناء. وختامًا أيها الكرام: فإن دعاء: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6] يختزل أعظم ما يحتاجه المؤمن في مسيرة حياته؛ فهو استمطارٌ دائمٌ للهداية والتوفيق نحو الحق، وثبات على منهج الاستقامة، وما أحوج القلوب إلى تجديد هذا الطلب باستمرار، والانكسار بين يدي الله تعالى؛ إذ لا يُسلِّمها من الحَيرة والتِّيه إلا الله، ولا يُثبِّتها على الصراط المستقيم إلا هو سبحانه! فلنُكثر من سؤال الله الهداية إلى صراطه المستقيم، وإلى أن ألقاكم في المقال القادم إن شاء الله تعالى، أسأل الله عز وجل أن يهديني وإياكم جميعًا صراطه المستقيم، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين. تم الاعتماد على مجموعة من المصادر المتنوعة في إعداد هذه المقالة، مع التصرف في النقولات وإعادة صياغة الهدايات. وفيما يلي قائمة بالمراجع المستفادة منها: 1- موسوعة هدايات القرآن، محمد سيد ماضي، الناشر: دار التقوى ناشرون. 2- سلسلة هدايات القرآن، فكرة وإعداد: بدرية بنت صالح الراجحي، مها بنت صالح العبد القادر، راجعه وأشرف عليه: أ.د/ بدر بن ناصر البدر، الطبعة الأولى، معالم الهدى للنشر والتوزيع. 3- القرآن تدبر وعمل، الفكرة والإعداد: مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي، الطبعة السادسة، الناشر: مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي بالرياض. 4- هدايات القرآن صياغة معاصرة لأكثر من عشرة آلاف هداية بصائر للسائرين، وتذكرة للمتدبرين، إعداد فريق من المتخصصين والباحثين، الطبعة الأولى، الناشر: معالم التدبر. 5- رحلة تدبر في رحاب القرآن، إعداد د. مشعل عبدالعزيز الفلاحي، الطبعة الأولى، الناشر: دار القلم دمشق. 6- الجامع في الهدايات القرآنية، إعداد نخبة من المختصين بإشراف أ.د/ طه عابدين طه، من الإصدارات الإلكترونية لكرسي الهدايات القرآنية بجامعة أم القرى، ومؤسسة النبأ العظيم الوقفية بمكة المكرمة. 7- التفسير المحرر للقرآن الكريم، إعداد الفريق العلمي بمؤسسة الدرر السنية، الطبعة الثانية، الناشر: مؤسسة الدرر السنية للنشر. |
رد: سلسلة هدايات القرآن
سلسلة هدايات القرآن حماده إسماعيل فوده هدايات سورة الفاتحة 15- لولاه جلَّ وعز ما بلغوا هذه المقاماتِ بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أما بعد: فنقف اليوم مع قول الله عز وجل: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 7]؛ أي: طريق الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين، والشهداء والصالحين، فهم أهل الهداية والاستقامة، ولا تجعلنا ممن سلك طريق المغضوب عليهم، الذين عرفوا الحق ولم يعملوا به؛ وهم اليهود، ومن كان على شاكلتهم، والضالين، وهم الذين لم يهتدوا، فضلوا الطريق؛ وهم النصارى، ومن اتَّبع سُنتهم. أيها الكرام: يُستحب للقارئ أن يقول في الصلاة بعد قراءة الفاتحة: (آمين)، ومعناها: اللهم استجِب، وليست آيةً من سورة الفاتحة باتفاق العلماء؛ ولهذا أجمعوا على عدم كتابتها في المصاحف. ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ [الفاتحة: 7]: لما كان في الآية السابقة طلب الهداية إلى أشرف طريق في قوله تعالى: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6]، ناسب ذلك سؤالَ أحسنِ رفيق؛ حيث قال تعالى في الآية التي بعدها: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ [الفاتحة: 7]. من هم أيها الكرام؟ هم الذين أنعم الله تعالى عليهم بالهداية إلى الصراط المستقيم، وهم الذين علِموا الحقَّ وعمِلوا به؛ امتثالًا لما أمر الله عز وجل، واجتنابًا لما نهى عنه سبحانه، بإخلاص لله تعالى، ومتابعةٍ للرسول صلى الله عليه وسلم؛ وهم المذكورون في قوله تعالى في سورة النساء: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: 69]. ولنا مع هذه الآية الكريمة وقفات: الوقفة الأولى: حقيقة الصراط المستقيم هو معرفة الحق والعمل به؛ لأن الله لما ذكره في الفاتحة، قال سبحانه: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 6، 7]، فذِكره سبحانه من انحرفوا عنه وهم اليهود المغضوب عليهم، الذين عرفوا الحق ولم يعملوا به، والنصارى الذين ضلوا عن الحق وعملوا بغيره، والمسلمون هم الوسط. الوقفة الثانية: لا يصل العبد إلى الله إلا باتباع كتاب الله، وبموافقة حبيبه صلى الله عليه وسلم في شرائعه، ومن جعل الطريق إلى الوصول في غير الاقتداء، ضلَّ من حيث ظنَّ أنه مهتدٍ؛ لذلك ندعو في صلواتنا في كل ركعة: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 6، 7]. الوقفة الثالثة: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ [الفاتحة: 7]، تأمل: ﴿ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾، فمع أنهم أنبياء وصدِّيقون، وشهداء وصالحون، إلا أن المنَّة كلها لله، والنعمة منه سبحانه، فلولاه جل وعز ما بلغوا هذه المقامات. الوقفة الرابعة: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ [الفاتحة: 7] فيها انكسار لله عز وجل، فكما أنعمتَ يا رب على غيرنا ممن اصطفيتَهم من النبيين والصديقين، والشهداء والصالحين، فأنعِم علينا نحن المساكين. ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 7]، هذه الآية الكريمة بها الكثير من الهدايات غير التي وقفنا معها، وهذا ما سنعرفه إن قدر الله لنا البقاء واللقاء في المقال القادم إن شاء الله تعالى، وإلى أن ألقاكم فيه، أسأل الله عز وجل أن يهديني وإياكم بهدايات القرآن الكريم، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين. تم الاعتماد على مجموعة من المصادر المتنوعة في إعداد هذه المقالة، مع التصرف في النقولات وإعادة صياغة الهدايات؛ وفيما يلي قائمة بالمراجع المستفادة منها: 1- موسوعة هدايات القرآن، محمد سيد ماضي، الناشر: دار التقوى ناشرون. 2- سلسلة هدايات القرآن، فكرة وإعداد: بدرية بنت صالح الراجحي، مها بنت صالح العبد القادر، راجعه وأشرف عليه: أ. د/ بدر بن ناصر البدر، الطبعة الأولى، معالم الهدى للنشر والتوزيع. 3- القرآن تدبر وعمل، الفكرة والإعداد: مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي، الطبعة السادسة، الناشر: مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي بالرياض. 4- هدايات القرآن صياغة معاصرة لأكثر من عشرة آلاف هداية بصائر للسائرين، وتذكرة للمتدبرين، إعداد فريق من المتخصصين والباحثين، الطبعة الأولى، الناشر: معالم التدبر. 5- رحلة تدبر في رحاب القرآن، إعداد د. مشعل عبدالعزيز الفلاحي، الطبعة الأولى، الناشر: دار القلم دمشق. 6- الجامع في الهدايات القرآنية، إعداد نخبة من المختصين بإشراف أ.د/ طه عابدين طه، من الإصدارات الإلكترونية لكرسي الهدايات القرآنية بجامعة أم القرى، ومؤسسة النبأ العظيم الوقفية بمكة المكرمة. 7- التفسير المحرر للقرآن الكريم، إعداد الفريق العلمي بمؤسسة الدرر السنية، الطبعة الثانية، الناشر: مؤسسة الدرر السنية للنشر. |
رد: سلسلة هدايات القرآن
سلسلة هدايات القرآن حماده إسماعيل فوده هدايات سورة الفاتحة 16- إشارة وبشارة للمهتدي بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أما بعد: فمع قول الله عز وجل: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 7]. أيها الكرام: لا زلنا مع هدايات الآية السابعة من سورة الفاتحة؛ وهي قول الله عز وجل: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 7]، وتوقفنا في الحلقة الماضية عند الوقفة الرابعة مع الآية الكريمة؛ ومضمونها أن صراط الذين أنعمت عليهم فيها انكسار لله عز وجل، فكما أنعمتَ يا رب على غيرنا ممن اصطفيتَهم من النبيين والصديقين، والشهداء والصالحين، فأنعِم علينا نحن المساكين. واليوم - إن شاء الله تعالى - نستأنف وقفاتنا مع الآية الكريمة: الوقفة الخامسة: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ [الفاتحة: 7] فيها إشارة وبشارة للمهتدي؛ أنه ليس وحده على هذا الطريق، وأنه وإن كان غريبًا بين العابثين من البشر، فإن طريقه مليءٌ بالصالحين، الذين حازوا أعلى نعمة وهي نعمة الهداية، فليأنَس بذلك، وليتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء)). الوقفة السادسة: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ [الفاتحة: 7] ذكر في هذه الآية الإنعام والْمُنعِم والْمُنعَم عليهم، ولم يذكر المنعَم به؛ لأن السورة بُنيت على الإجمال، ولتذهب النفس كلَّ مذهب في تخيُّل هذا الإنعام من الرب المنعِم جل جلاله، بدءًا من الهداية إلى الصراط المستقيم، وانتهاءً بحسن الجزاء يوم الدين. الوقفة السابعة: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ [الفاتحة: 7]: كلما مررتَ بهذه الآية، تفاعَلْ معها، وادعُ الله دومًا أن يجعلك منهم؛ الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين، والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. الوقفة الثامنة: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 7]: من أسباب الثبات تأمُّل أحوال الصالحين للاقتداء، ودركات الضالين للحذر، فاحذر مصاحبةَ الضالين ومجالستهم، وحدد مجموعةً من أهل الخير والصلاح، وأكثِر من مصاحبتهم ومجالستهم. الوقفة التاسعة: ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 7]: يدخل في المغضوب عليهم من لم يعمل بعلمه، وفي الضالين العاملون بلا علمٍ، فاستعِذ بالله دومًا أن تكون من هؤلاء. الوقفة العاشرة: من أحسن ما يفتح لك بابَ فَهم الفاتحة قولُه تعالى في الحديث القدسي: ((قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الفاتحة: 2]، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ [الفاتحة: 3]، قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ [الفاتحة: 4]، قال: مجَّدني عبدي، فإذا قال: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 6، 7]، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل)). وأخيرًا أيها الكرام: لو أن العبد أحسن التداويَ بسورة الفاتحة بإيمانٍ ويقين، متدبرًا معانيَها، ومستشعرًا قوتها وبركتها، لَرأى فيها أثرًا عجيبًا في الشفاء، هل تذكرون موقفَ أبي سعيد الخدري رضي الله عنه حينما رقى اللديغ بفاتحة الكتاب، فبَرَأ الرجل، ولما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم تبسَّم وقال: ((وما أدراك أنها رقية؟))، فيا من ابتُليت بمرضٍ أو ألم، ها هي سورة الفاتحة، أقبِل عليها بيقينٍ، ردِّد آياتها بخشوع، واستشعر في كل حرفٍ بركتها، وسترى بإذن الله أثرها العجيب في روحك وبدنك. وإلى أن ألقاكم في اللقاء القادم إن شاء الله تعالى، أسأل الله عز وجل أن يوفقني وإياكم لتدبر هذه السورة المباركة، والعمل بما فيها، والتداوي بها، كل ذلك على الوجه الذي يرضيه سبحانه، وأن يهدينا جميعًا صراطه المستقيم مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين، والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين. تم الاعتماد على مجموعة من المصادر المتنوعة في إعداد هذه المقالة، مع التصرف في النقولات وإعادة صياغة الهدايات. وفيما يلي قائمة بالمراجع المستفادة منها: 1- موسوعة هدايات القرآن، محمد سيد ماضي، الناشر: دار التقوى ناشرون. 2- سلسلة هدايات القرآن، فكرة وإعداد: بدرية بنت صالح الراجحي، مها بنت صالح العبد القادر، راجعه وأشرف عليه: أ.د/ بدر بن ناصر البدر، الطبعة الأولى، معالم الهدى للنشر والتوزيع. 3- القرآن تدبر وعمل، الفكرة والإعداد: مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي، الطبعة السادسة، الناشر: مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي بالرياض. 4- هدايات القرآن صياغة معاصرة لأكثر من عشرة آلاف هداية بصائر للسائرين، وتذكرة للمتدبرين، إعداد فريق من المتخصصين والباحثين، الطبعة الأولى، الناشر: معالم التدبر. 5- رحلة تدبر في رحاب القرآن، إعداد د. مشعل عبدالعزيز الفلاحي، الطبعة الأولى، الناشر: دار القلم دمشق. 6- الجامع في الهدايات القرآنية، إعداد نخبة من المختصين بإشراف أ.د/ طه عابدين طه، من الإصدارات الإلكترونية لكرسي الهدايات القرآنية بجامعة أم القرى، ومؤسسة النبأ العظيم الوقفية بمكة المكرمة. 7- التفسير المحرر للقرآن الكريم، إعداد الفريق العلمي بمؤسسة الدرر السنية، الطبعة الثانية، الناشر: مؤسسة الدرر السنية للنشر. |
| الساعة الآن : 04:52 AM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour