ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   فتاوى وأحكام منوعة (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=109)
-   -   الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=322709)

ابوالوليد المسلم 01-01-2026 01:53 AM

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
 
https://www.daribnhazm.com/Storage/L...01%20-%207.png
ـ[الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة]ـ
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة
الناشر: المكتبة الإسلامية (عمان - الأردن)، دار ابن حزم (بيروت - لبنان)
الطبعة: الأولى، من ١٤٢٣ - ١٤٢٩ هـ (ينظر التفصيل بأول كل جزء)
عدد الأجزاء: ٧
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
(تنبيه):الأجزاء الـ ٣ الأولى مطبوعة بنفس الترقيم (تصوير)، دار الصديق - مؤسسة الريان

الموسوعة الفقهية الميسرة
في
فقه الكتاب والسنة المطهرة
الجزء الأول
كتاب الطهارة - كتاب الصلاة
بقلم
حسين بن عودة العوايشة
المكتبة الإسلامية
دار ابن حزم


بسم الله الرحمن الرحيم

الموسوعة الفقهية الميسرة
في
فقه الكتاب والسنة المطهرة


جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م
المكتبة الإسلامية
ص ب: (١١٣) الجبيهة - هاتف ٥٣٤٢٨٨٧
عمَّان - الأردن
دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع
بيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤ - تليفون: ٧٠١٩٧٤


مقدّمة المؤلف
إِنّ الحمد لله، نحمَدُه ونستعينهُ ونستغفِرُه، ونعوذُ بالله من شرور أَنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، من يَهدِه الله فَلا مُضِلَّ لهُ، ومَن يُضْلل فلا هاديَ لهُ.
وأَشهَد أنْ لا إله إِلاَّ الله، وحدَه لا شريكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ محمدًا عَبدهُ ورَسولهُ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣).
أمَّا بعد:
فإِنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدْي محمّد، وشرّ الأمور مُحدثاتها، وكلَّ مُحدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النَّار،
(١) آل عمران: ١٠٢
(٢) النساء: ١
(٣) الأحزاب: ٧٠، ٧١



فإِنَّني رأيتُ حاجة الأمَّة مُلحَّةً لكتاب فقهيٍّ: شامل، ميسَّر، مُدعَّم بالأدلَّة الثابتة، بعيدٍ عن الغُموض والتَّعقيد والخلافات الفقهيَّة، يفيد من أقوال أهل العلم؛ من غير تعصُّب لمذهب من المذاهب أو عالم من العلماء.
وتأمَّلت الكتبَ الموجودة؛ قديمها وحديثها، فرأيتُ الحاجة المُبتغاة مُتناثرة هنا وهناك، ورأيت أقربها إِلى هذا المطلب كتاب «فقه السنَّة» للسَّيد سابق -حفظه الله- تبويبًا وترتيبًا وتيسيرًا وعرضًا وتناولًا؛ فقد أدَّى كتابُه نفعًا عظيمًا وجُهدًا مباركًا، وقد استفدْتُ منه في كتابي هذا، ولا سيّما في كثيرٍ من العناوين والأدلّة، وكذلك من بعض عناوين المعلِّق على «الروضة الندية» للشيخ محمد الحلاق -حفظه الله- أسأل الله تعالى أن يتقبَّل منِّي ومنه.
بَيْد أنَّ الحاجة -فيما أرى- ما تزال مُلحَّة لوجود الكتاب الذي ذكرْتُ سماته في بداية حديثي، لأمور حديثيَّة وفقهيَّة وغير ذلك.
لذلك؛ شمَّرتُ عن ساعد الجدِّ، وأنا أعلمُ أنَّ الطريق طويلٌ، والجهد عظيمٌ؛ لأقوم بهذا العمل النافع المبارَك بإِذن الله.
وأرجو أن أنتفع من إِخواني بنصيحة أو توجيه أو اقتراح أو تصويب؛ فالمؤمن مرآة المؤمن؛ ليكون الكتاب على خير وجه -بإِذن الله تعالى-.
هذا، وقد رجعْتُ لشيخنا الألباني -شفاه الله تعالى وعافاه- في كثير من المسائل، فاستفدْتُ منه، وأنِسْتُ برأيه، فجزاه الله عنِّي وعن المسلمين خيرًا.
ولعلك سترى بعد ذكر كلمة (شيخنا) (١) مرّة -حفظه الله تعالى- ومرّة -شفاه الله وعافاه- وقد ترى كلمة -شفاه الله وعافاه- قبل أو بعد
(١) شفاه الله وعافاه.


-حفظه الله تعالى- ذلكم أنه قد اشتدّ بشيخنا المرض في فترةٍ من الفترات، ثمَّ تحسَّن حاله، ثمَّ عاوده المرض.
كما أننّي كتبتُ بعض العبارات وهو يستمتع بالصحة والعافية، وعند تصحيح التجارب كان في مرضه، وهأنذا الآن على وشك الانتهاء من الكتاب، وقد اشتدّ به المرض، وهو على حالٍ لا أستطيع وصْفها تُذكِّرنا بمقولة قتيبة ابن سعيد -في حياة أحمد بن حنبل رحمه الله- قال: «مات الثوري ومات الورع، ومات الشافعي وماتت السنن، ويموت أحمد بن حنبل وتظهر البدع».
أخرجه ابن الأعرابي في «معجمه» (١٢٥٤) والبيهقي في «مناقب الشافعي» (٢/ ٢٥٠) (١).
ولا أدري ما أقول! هل فقْدنا شيخنا الوالد عبد العزيز بن باز -رحمه الله- هيّأنا للمصاب الجلل الذي سيحلّ بالأمّة، أم أنّ ما نترقبّه من عظيم المصاب يهيّج أحزاننا على فراقه، وهذا كما قال الشاعر:
فقُلت له إِنّ الشجى يبعث الشجى ... فدعني فهذا كلّه قبر مالك
أسأل الله العظيم، ربَّ العرش العظيم أن يتقبَّلَ منِّي عملي، وأن ينفَعني به وإِخواني المسلمين، وأن لا يجعل لأحدٍ منه شيئًا؛ إِنَّه سبحانه على كلِّ شيء قدير.
ثمَّ وقعت مصيبة الموت وكان ذلك قبل مغرب يوم السبت بساعة ونصف تقريبًا لثمانية أيّام بقين من شهر جمادى الآخر سنة ١٤٢٠ هـ الموافق
(١) وهذا من إِتحافات أخي الشيخ مشهور -حفظه الله ورعاه- في بعض دروسه النافعة في المساجد.


٢/ ١٠/‏١٩٩٩م فإِنّا لله وإِنّا إِليه راجعون، ونقول: «إِنَّ العين لتدمع، وإِنَّ القلب ليحزن، وإِنّا بفراقك يا شيخنا الألباني لمحزونون».
ورحم الله فقيه المحدثين ومحدّث الفقهاء وشيخ الإِسلام في هذا الزمان، وأجزل له المثوبة والأجر، وجمَعنا به مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
وقد قلت أيام حياته -رحمه الله تعالى-:
لولا تفضُّلُ ربِّنا الرحمنِ ... بلقائكم يا شيخنا الألباني
ما كنتُ أشعر بالحياة وطعمها ... ولَما استطَبْتُ العيش في عمّانِ
علّمتنا كيف النّجاة ننالُها ... فالحمد للغفّار للمنّانِ
إِني سألْتُ الله أن ألقاكمُ ... في جنّة الفردوس خير جنانِ
ومع الأحبّة والأعزّة كلُّهم ... يا حبّذا عيشي مع الإِخوانِ
لا تحسبنّ القول نفثة شاعر ... أو أنّني قد هِمْت في الودْيانِ
فالكذْب ليس بجائز في ديننا ... لكنّها مِن غربة الإِيمانِ
وأقول الآن بعد مماته -رحمه الله-:
ودّعتنا يا شيخنا الألباني ... وادَمعَتَا للعالِم الرباني
فارقْتنا والحزن ليس مفارقي ... والدمع يعشق بعدكم أجفاني
أسفي على الدنيا بفقد إِمامنا ... والحزن بعدك شيخنا يهواني
يا شيخنا إِنّ القلوب تفطرت ... هذا عزائي أيها الثقلان


سأظل أذكركم ويذكرني الشجى ... حتى يوافيَ قبريَ الملكان
قلبي يتاجر بالهموم فمن أتى ... سيرى به سوقًا من الأحزانِ
أنظل نفرح بالربيع وزهره ... وكذا بماءٍ صبَّ في الوديانِ
أم سوف يبهجنا هديل حمائمٍ ... لما تبدّى الحزن من عمّانِ
أم سوف يُمتعنا السكون بليله ... حين اختفى عن أمّتي القمرانِ
لمّا قضى عبد العزيز إِمامنا ... ثمّ افتقَدنا بعده الألباني
ماذا يعيد إِلى القلوب سرورَها ... ماذا يبدّد مبعثَ الأشجان
كيف السبيل إِلى ابتسام شفاهنا ... تالله ليس لنا سوى الرحمنِ
ذاك الثرى قد ضمّ أغلى عالمٍ ... فلتهنئي يا تربة (الهملان) (١)
ورجاؤنا استغفار نملٍ شيخنا ... لكمُ ونرجو ذاك في الحيتان
منهاجَ خير الناس قد بصّرتنا ... أرشدتنا نحيا مع البرهانِ
عرَّفتنا هدي النبي وصحبه ... تالله هذا منهج القرآن
علّمتنا حبّ النبي وآله ... حفّزتنا نسعى إِلى الغفرانِ
في دقّة الأقوال قد مرّستنا ... درّبتنا نمضي إِلى الإِحسان
تالله شمس علومكم ما كُوّرت ... تكوير شمسٍ جاء في القرآنِ
وبحار فهمك شيخنا ما سُجّرت ... ستظل مغدقةً مع الأزمانِ
لكن بحار الكون يأتيها الفنا ... تسجيرها آتٍ بغير توانِ
أمّا انكدار النجم فهو محقّقٌ ... هذي عقيدتنا بلا نكرانِ
حين انكدار النجم يلمع علمكم ... وبه المفازة بالمنى وجنان
من للحديث مصححًا ومضعّفًا ... إِني شكوت البثّ للرحمن
(١) هي المقبرة التي دُفن فيها شيخنا -رحمه الله تعالى-.


من للفتاوى حين يعضل أمرها ... مِن بعد فقدِك رائد الفرسان
من ذا يصدُّ المُحدِثين وكيدَهم ... ويردُّ ما قالوا من الطغيان
من ذا سيُفحم كل صاحب بدعةٍ ... من ذا سيلجم هجمة الفتانِ
إِنً الذي قد قال إِنك مرجئٌ ... لا يعرف التأصيل في الإيمان
كبُر الكلام خروجه وقبوله ... من فيه شخصٍ خاض في البهتان
من قال ذا الإِيمانُ ليس بثابتٍ ... هو في ازديادٍ بل وفي نقصانِ
أو قال إنَّ الضُّر قد مس الفتى ... حين اقتراف الذنب والعصيانِ
أو قال سبُّ المسلمين مُفسِّقٌ ... وقتالهم يهدي إِلى الكفرانِ
كان المصيبَ وليس ذاك بمرجئ ... هذا -وربي- الحقُّ يا إِخواني
فاترك هواك فإِنه لك قاتلٌ ... وحذارِ أن تبقى على الهذيانِ
إِنَّ الهوى في قتلكم متجاهلٌ ... دِيَةً ولم يورِث سوى الخسران
أو قائل ما أنت غيرَ محدّث ... في الفقه ما عرفوا لكم من شانِ
ذاك امرؤٌ في جهله متخبّطٌ ... إِنّ الجحود طبيعة الإِنسان
روّى الورى من فقهه فتأمّلن ... «صفةَ الصلاة» مصنفَ الألباني
«أدب الزفاف» دقائقٌ ولطائفٌ ... «إِرواؤُه» كالماء للعطشانِ
وكفى بـ «حكام الجنائز» درّةً ... بيّنتَها للناس خير بيان
إنّ «الصحيحة» قد تعاظم نفْعها ... منها عبيق المسك والريحان
و«مناسك الحج» التي صنّفتها ... كانت وربّي تحفة الخلاّنِ
إِغفالكم إِغفال سنّة أحمدٍ ... نسيانكم ضربٌ من العصيان
مهما حييتُ فلست أنسى فضلكم ... إِني أخاف الله أن ينساني


لو كان ذلك جائزًا لوجدتني ... والله في عجزٍ عن النسيانِ
أنا في قيامي للصلاة لخالقي ... لا بد من ذكري إِمامي الحاني
لا بُدّ من ذكر الذي قد قاله ... في ذي الصلاة وسائر الأركانِ
في الحجّ ماذا قال أو أفتى به ... في الصوم في الصدقات في الإِحسانِ
لمّا يسبّح بعضهم في سبحةٍ ... قد كان يذكر أحمد العدناني
فيقول هذا لم يَرِدْ في ديننا ... ولذا تمثّل في جميع بناني
فإِذا السنون فنت سيبقى علمكم ... تالله ما قدّمتَ ليس بفانِ
كم من فتاوى كنت تُفتينا بها ... ستظل تذكركم بكل أمان
رباه ما أبغي الغلوّ فإِنّه ... يدعو إِلى النيران والشيطان
لكن أردت أداء حقِّ إِمامنا ... يا رب باعِدني عن الكفرانِ
رحم الإِله الشيخ أوسع رحمةٍ ... وحباه ما يرجو من الرضوان
وكتب:
حسين بن عودة العوايشة
ثمَّ بلَغَنا وفاة الشيخ السيد سابق -رحمه الله- فكان عامنا هذا حافلًا بالأحزان لفَقْد جَمْعٍ من العلماء، وأقول ما قاله الإِمام البخاري حين بلغه نبأ وفاة الإِمام الدارمي -رحمهما الله تعالى-:
إِنْ تبْقَ تُفَجعْ بالأحبّة كلهم ... وفناء نفسك -لا أبالك أفجع-.





ابوالوليد المسلم 01-01-2026 02:06 AM

رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
 
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 10الى صــ 25
الحلقة (2)




الطهارة
المياه وأقسامها
القسم الأول: الماء الطَّهور:
وهو الماء الطَّاهر في نفسه، المُطهِّر لغيره، تُرفع به الأحداث والنجاسات.
ويشمل الأنواع الآتية:

١ - ماء المطر:
قال الله سبحانه: ﴿وأَنْزَلْنَا مِنَ السَّماء ماءً طَهُورًا (١)﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ مَاءً ليُطَهّرَكمْ به (٣)﴾ (٤).

٢ - ما كان أصله الماء؛ كالثلج والبَرَد:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يسكُتُ بين التكبير وبين القراءة إِسكاتة -قال: أحسِبُه قال: هُنَيَّةً- فقلت: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله! إِسكاتُك بين التَّكبير والقراءة؛ ما تقول؟ قال:»أقول: اللهم باعد بيني وبين خطايايَ كما باعَدتَ بين المشرق والمغرب، اللهمَّ نقِّني من

------------------------------
(١) قال ابن كثير: «أي: آلة يُتطهَّر بها؛ كالسَّحور والوجور وما جرى مجراهما». والوَجور: الدواء يوجَر في وسط الفم؛ أي: يُصبُّ. «مختار الصحاح».
(٢) الفرقان: ٤٨
(٣) قال ابن كثير في «تفسيره»: «﴿لِيُطهِّرَكم به﴾؛ أي: مِن حدَث أصغر أو أكبر، وهو تطهير الظاهر».
(٤) الأنفال: ١١


الخطايا كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنس، اللهمَّ اغْسِلْ خطاياي بالماء والثلج والبرد» (١).

٣ - مياه العيون والينابيع (٢):
قال الله تعالى: ﴿أَلمْ تَرَ أَنَّ الله أَنْزَلَ منَ السَّماء مَاءً فَسَلَكهُ يَنابيعَ في الأرْضِ﴾ (٣).

٤ - ماء البحر:
لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سأل رجل النّبيَّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله! إِنَّا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإِنْ توضأنا به عطِشْنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «هو الطَّهورُ ماؤه، الحِلُّ مَيتته» (٤).

٥ - ماء زمزم:
لِما ثَبَتَ من رواية عليّ -رضي الله عنه-: «أنَّ رسول الله - ﷺ - دعا

------------------------------
(١) أخرجه البخاري: ٧٤٤، ومسلم: ٥٩٨، وغيرهما.
(٢) اليَنبوع: عين الماء، وجمعها: ينابيع.»مختار الصحاح«.
(٣) الزمر: بعض الآية ٢١، وفي»تفسير ابن كثير«عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في هذه الآية:»... ليس في الأرض ماءٌ إِلا نزل من السماء، ولكن عروق في الأرض تغيِّره، فذلك قوله تعالى: ﴿فَسَلَكَهُ ينابيعَ في الأرضِ﴾، فمن سرّه أن يعود الملح عذبًا؛ فليصعدْه«.
(٤) أخرجه مالك وأصحاب السنن وغيرهم، وانظر»الصحيحة«(٤٨٠)، و»صحيح سنن أبي داود" (رقم ٧٦).



بسَجْل (١) من ماء زمزم، فشَرِب منه وتوضَّأ» (٢).

٦ - الماء الآجن (٣) المتغير بطول المكث (٤) أو بمخالطة طاهر لا يمكن صونُه عنه؛ كالطحلب، وورق الشجر، والصابون، والدقيق.
«وكذلك ما يتغيَّر في آنية الأدم (الجلد) والنحاس ونحوه؛ يُعْفَى عن ذلك كلِّه، ولا يخرج به الماء عن إِطلاقه».
«وأيضًا؛ ما تغيَّر بالسمك ونحوه من دوابِّ البحر، لأنه لا يمكن التحرُّز منه» (٥).
ويظلُّ كلُّ ذاك طَهورًا ما دام اسم الماء المطلق يتناوله.
ومن الأدلَّة على ذلك:
ما روته أمُّ عطيَّة -رضي الله عنها- قالت: دخل علينا رسول الله - ﷺ - حين تُوفِّيت ابنته، فقال: «اغْسِلْنَها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك -إِنْ

--------------------------------
(١) بمعنى الذَّنوب: الدلو الملأى ماء.»النهاية«. وفي»فقه اللغة«للثعالبي:»لا يُقال للدلو: سَجْل؛ إِلا ما دام فيها ماء قلَّ أو كثر، ولا يُقال لها: ذَنوب؛ إِلا إِذا كانت ملأى«.
(٢) أخرجه عبد الله ابن الإِمام أحمد في»زوائد المسند«(١/ ٧٦)؛ كما في»الإِرواء«(١٣)، وانظر»تمام المنة«(ص ٤٦).
(٣) أي: المتغيِّر الطَّعم واللون.
(٤) ونقل شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله- اتفاق العلماء على ذلك في»الفتاوى«(٢١/ ٣٦).
(٥) انظر كتاب»المغني" (أحكام الماء المطلق والمتغيِّر).



رأيتنَّ- بماءٍ وسِدْر (١)، واجعَلْنَ في الآخرةِ كافورًا (٢)، فإذا فرغْتُنَّ؛ فآذِنَّني»، فلما فرغْنا؛ آذنَّاه، فأعطانا حَِقْوه (٣)، فقال: «أشعِرْنها (٤) إِيَّاه»؛ تعني: إِزاره (٥).
وفي حديث أمِّ هانئ: «أنَّ النّبيَّ - ﷺ - اغتسل وميمونة من إناء واحد؛ في قصعة فيها أثر العجين» (٦).
قال ابن حزم -رحمه الله تعالى- (مسألة ١٤٧) من «المحلى»: «وكلُّ ماءٍ خالَطه شيء طاهر مباح، فظهر فيه لونه وريحُه وطعمُه؛ إِلاَّ أنه لم يُزِلْ عنه اسم الماء؛ فالوضوء به جائز، والغُسل به للجنابة جائز.
برهان ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ (٧)، وهذا ماء، سواء كان الواقع فيه مِسكًا أو عسلًا أو زعفرانًا أو غير ذلك».
وأما دليل الوضوء في آنية النحاس والجلد ونحوها:
فلحديث عبد الله بن زيد -رضي الله عنه- قال: «أتى رسول الله -ﷺ-،

----------------------------
(١) السِّدر: شجر النَّبِق.
(٢) الكافور: من أخلاط الطيب، وفي»الصحاح«: من الطيب.»لسان العرب«.
(٣) بفتح المهملة -ويجوز كسرها، وهي لغة هذيل- بعدها قاف ساكنة، والمراد به هنا الإِزار.»فتح«-بحذف يسير-.
(٤) أي: اجْعلْنه شعارها؛ أي: الثوب الذي يلي جسدها.
(٥) أخرجه البخاري: ١٢٥٣، ومسلم: ٩٣٩، وغيرهما.
(٦) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(٢٣٤)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٣٠٣)، وغيرهما، وانظر»المشكاة«(٤٨٥)، و»الإِرواء" (٢٧١).
(٧) النساء: ٤٣، والمائدة: ٦



فأخرَجْنا له ماءً في تَوْرٍ مِن صُفر (١)، فتوضَّأ، فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه مرَّتين مرَّتين، ومسحَ برأسه، فأقبَلَ به وأدْبَرَ، وغَسل رِجليه» (٢).
وحديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «بِتُّ ذات ليلة عند خالتي ميمونة، فقام النّبيُّ - ﷺ - يصلِّي متطوِّعًا من الليل، فقام النّبيُّ - ﷺ - إِلى القربة فتوضأ، فقام فصلَّى، فقُمْتُ لمَّا رأيتُه صنَعَ ذلك، فتوضَّأتُ من القِربة، ثمَّ قُمتُ إِلى شقِّه الأيسر، فأخَذ بيدي من وراء ظهره إِلى الشقِّ الأيمن» (٣).
وكذلك حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «كان النّبي - ﷺ - إِذا خَرَجَ لحاجته؛ أجيء أنا وغلام معنا إِداوَة (٤) من ماء؛ يعني: يستنجي به» (٥).

٧ - الماء الذي خالَطَتْه النجاسةُ، ولم يتغيَّر طعمه أو لونُه أو ريحهُ:
عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - وهو يُقال له: إِنَّه يُستقى لك مِن بئر بُضاعة -وهي بئر يُلقى فيها لحوم الكلاب والمحايض (٦) وعُذَر النَّاس- فقال رسول الله - ﷺ -: «إِنَّ الماء طهور،

---------------------------------
(١) التور: شبه الطَّسْت، وقيل: هو الطَّسْت. والصُّفْر: النحاس الجيِّد.»الفتح«.
(٢) أخرجه البخاري: (رقم ١٩٧)، وروى النسائي نحوه.
(٣) أخرجه البخاري: ٦٣١٦، ومسلم: ٧٦٣، وغيرهما.
(٤) هي إِناء صغير من جلد.
(٥) أخرجه البخاري: ١٥٠
(٦) قال في»النهاية": قيل: المحايض جمْع المحيض، وهو مصدر حاض، فلما سُمّي به جَمَعَه، ويقع المحيض على المصدر والزمان والمكان والدّم.



لا ينجِّسه شيء» (١).
وفي الحديث: «إِذا بَلَغَ الماء قُلَّتين (٢)؛ لم يَحملِ الخَبَث» (٣).
قال الشوكاني: «وأمَّا حديث القُلَّتين؛ فغايةُ ما فيه أنَّ ما بلَغَ مقدار القلَّتين؛ لا يحمل الخَبَث، فكان هذا المقدار؛ لا يؤثِّرُ فيه الخبث في غالب الحالات، فإِنْ تغيَّر بعض أوصافه؛ كان نَجِسًا بالإِجماع الثابت من طُرُق متعدِّدة.
وأمّا ما كان دون القلَّتين؛ فلم يَقُل الشارع: إِنه يحمل الخَبَث قطعًا وبتًّا،

-----------------------------
(١) أخرجه أبو داود وغيره، وانظر»صحيح سنن أبي داود«(٦٠)، و»الإرواء«(١٤)، قال أبو داود:»وسمعت قتيبة بن سعيد؛ قال: سألت قيِّم بئر بُضاعة عن عمقها.
قال: أكثر ما يكون إلى العانة. قلت: فإِذا نقص؟ قال: دون العورة«.
قال أبو داود:»وقدرْتُ أنا بئر بُضاعة بردائي مَدَدْتُه عليها، ثمَّ ذرَعْتُه، فإِذا عرضها ستة أذرع، وسألتُ الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إِليه: هل غُيِّر بناؤها عمَّا كانت عليه؟ قال: لا. ورأيت فيها ماءً متغيِّر اللون«.
(٢) في»سنن الترمذي«:»قال عبدة: قال محمد بن إِسحاق: القُلة هي الجرار، والقُلَّة التي يُستقى فيها«.
وقال الشافعي وأحمد وِإسحاق -كما في الترمذي أيضًا-:»يكون نحوًا من خمس قِرب«.
والمراد من ذِكْر القلَّتين كثرة الماء، والله أعلم. وسمِّيت قُلَّة؛ لأنَّها تُقَلُّ؛ أي: ترفع وتحْمل.
(٣) أخرجه أبو داود وغيره، وانظر»صحيح سنن أبي داود«(٥٦)، و»صحيح سنن النسائي«(٥١)، و»صحيح سنن الترمذى«(٥٧)، و»الإِرواء" (٢٣).



بل مفهوم حديث القلَّتين يدلُّ على أنَّ ما دونهما قد يحمل الخَبَث وقد لا يحمله، فإِذا حَمَلَهُ؛ فلا يكون ذلك إِلا بتغيُّر بعض أوصافه ...» (١).
وقال الزهري: «لا بأس بالماء؛ ما لم يغيِّره طعمٌ أو ريحٌ أو لون» (٢).

٨ - الماء المستعمَل:
سواء تُوضِّىءَ به أو اغتُسِل ... ونحو ذلك؛ ما لم يُستعمل في إِزالة نجاسة.
وفي ذلك أدلَّة كثيرة؛ منها:
ما قاله عروة عن المِسْوَر وغيره -يصدِّق كل واحد منهما صاحبه-: «وإِذا توضَّأ النّبيّ - ﷺ -، كادوا يقتتلون على وَضوئه» (٣).
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: اغتسل بعض أزواج النّبيّ - ﷺ - في جفنة (٤)، فجاء النّبيّ - ﷺ - ليتوضَّأ منها -أو يغتسل- فقالت له: يا رسول الله! إِنِّي كنتُ جُنُبًا. فقال رسول الله - ﷺ -: «إِنَّ الماء لا

-----------------------------
(١)»السيل الجرّار«(باب المياه)، بحذف يسير، ونحوه في»الدراري المضية«.
(٢) أخرجه البخاري في»صحيحه«معلَّقًا مجزومًا به.
وقال شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى- في»مختصر البخاري«(باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء، رقم: ٥٩):»وصَلَه ابن وهب في«جامعه» بسند صحيح عنه، والبيهقي نحوه«. وانظر»الفتح«(١/ ٣٤٢).
(٣) أخرجه البخاري: ١٨٩
(٤) الجفنة: هي القصعة، وفي»الصحاح«:»كالقصعة".



يُجْنِب» (١).
وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - وهو يُقال له: إِنَّه يُستقى لك مِن بئر بُضاعة -وهي بئر يُلقى فيها لحوم الكلاب والمحايض (٢) وعُذَر النَّاس- فقال رسول الله - ﷺ -: «إِنَّ الماء طهور، لا ينجِّسه شيء» (٣).
وعن الرّبَيِّع بنت مُعَوِّذ -رضي الله عنها- في وصف وضوء رسول الله - ﷺ -: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - مسحَ برأسه مِن فضْل ماءٍ كان في يده» (٤).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: لقيني رسول الله - ﷺ - وأنا جُنُب،
فأخذ بيدي، فمشيتُ معه حتى قعد، فانْسَلَلْتُ فأتيتُ الرحل (٥)، فاغتسلتُ،
ثمَّ جئت وهو قاعد، فقال: «أين كنتَ يا أبا هرّ؟». فقلتُ له (٦)، فقال:
«سبحان الله يا أبا هرّ! إِنَّ المؤمن لا ينجُس» (٧).

-------------------------
(١) أخرجه الترمذي، وقال: «حديث حسن صحيح». وانظر «صحيح سنن أبي داود» «صحيح سنن الترمذي» (٥٥)، و«المشكاة» (٤٥٧).
(٢) قال في «النهاية»: قيل: المحايض جمْع المحيض، وهو مصدر حاض، وتقدّم.
(٣) أخرجه أبو داود وغيره، وانظر «صحيح سنن أبي داود» (٦٠)، و«الإرواء» (١٤)، تقدّم.
(٤) عن «صحيح سنن أبي داود» (١٢٠).
(٥) أى: المكان الذي يأوى فيه. «فتح».
(٦) في رواية أخرى: «كنت جنبًا، فكرهتُ أن أجالسك وأنا على غير طهارة». البخاري: ٢٨٣.
(٧) أخرجه البخاري: ٢٨٥، ومسلم: ٣٧١



قال ابن قدامة: «... ولأنَّه ماء طاهر لاقى محلًاّ طاهرًا؛ كالذي غسل به الثوب الطاهر» (١).
وقال أيضًا: «ولأنَّه لو غمس يده في الماء؛ لم ينجِّسْه، ولو مسَّ شيئًا رطبًا؛ لم يُنجِّسْهُ» (٢).
وعن عمرو بن يحيى عن أبيه؛ قال: «كان عمِّي يكثر من الوضوء. قال لعبد الله بن زيد: أخبِرني كيف رأيتَ النّبيّ - ﷺ - يتوضَّأ؟ فدعا بتورٍ (٣) مِن ماء، فكفأ على يديه، فغسَلهما ثلاث مرار، ثم أدخَل يده في التَّور، فمضمض واستنثَر ثلاث مرَّات من غَرفة واحدة، ثمَّ أدخَل يده فاغترف بها، فغسَل وجهه ثلاث مرات، ثمَّ غسَل يديه إِلى المرفقين مرتين مرتين، ثمَّ أخذ بيده ماءً، فمسح رأسه، فأدبرَ به وأقبل، ثمَّ غسل رجليه، فقال: هكذا رأيت النّبيّ - ﷺ - يتوضأ» (٤).
وفي «صحيح البخاري»: «وأمرَ جريرُ بنُ عبد الله أهلَه أن يتوضَّؤوا بفضل سواكِه» (٥).
قال الحافظ في «الفتح»: «وقد صحَّحه الدارقطني بلفظ: كان يقول

------------------------------
(١)»المغني«(الماء المضاف إِلى مقرِّه والمخالطة لما يلازمه).
(٢)»المغني«(الماء المضاف إِلى مقرِّه والمخالطة لما يلازمه).
(٣) شبه الطَّسْت، وقيل: هو الطَّسْت، وتقدَّم.
(٤) أخرجه البخاري: ١٩٩، ومسلم: ٢٣٥، وفيه الدلالة الصريحة على جواز إدخال اليد في الإِناء إلاَّ ما استُثني؛ خلافًا لمن يتحرَّج من ذلك، أو ينهى عنه.
(٥) كذا أورده معلَّقًا بصيغة الجزم. وقال الحافظ في»الفتح«:»هذا الأثر وصله ابن أبي شيبة والدراقطني وغيرهما من طريق قيس بن أبي حازم عنه«. وذكر شيخنا في»مختصر البخاري«تصحيح الدارقطني إِسناده. قال الحافظ:»وفي بعض طرقه: كان =



لأهله: توضَّؤوا من هذا الذي أدخل فيه سواكي» (١).
وعن أبي جحيفة -رضي الله عنه- قال: «خرج علينا رسول الله - ﷺ - بالهاجرة، فأُتي بوَضوء، فتوضَّأ، فجعَل النَّاس يأخذون من فضل وَضوئهِ فيتمسَّحون به ...» (٢).
قال الحافظ: «وفيه دلالةٌ بيِّنة على طهارة الماء المستعمل».
وعن أنس -رضي الله عنه-: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - دعا بإِناء من ماء، فأُتي بقدح رَحْراح (٣) فيه شيء من ماء، فوضع أصابعَه فيه»، قال أنس: «فجعلت أنظر إلى الماء ينبُع من بين أصابعه».
قال أنس: «فحزَرْتُ (٤) مَن توضَّأ ما بين السبعين إلى الثمانين» (٥).
وفي «الفتاوى» (٢١/ ٤٦) لشيخ الإِسلام: «وسُئِل ... -رحمه الله- عن الماء إِذا غَمَس الرجل يده فيه؛ هل يجوز استعماله أم لا؟ فأجاب: لا

-------------------------------
= جرير يستاك ويغمس رأس سواكه في الماء، ثمَّ يقول لأهله: توضؤوا بفضله، لا يرى به بأسًا».
(١) انظر (كتاب الوضوء) «باب استعمال فضل وضوء الناس» (رقم ١٨٧).
(٢) أخرجه البخاري: ١٨٧
(٣) رَحْراح: أي: متَّسع الفم. وقال الخطَّابي: «الرَّحْراح: الإِناء الواسع الصَّحن القريب القعر، ومثله لا يَسَع الماء الكثير؛ فهو أدلّ على عِظَم المعجزة». قال الحافظ: «وهذه الصفة شبيهة بالطَّست».
(٤) أي: قدَّرْتُ.
(٥) أخرجه البخاري: ٢٠٠



ينجس بذلك، بل يجوز استعماله عند جمهور العلماء؛ كمالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وعنه رواية أخرى أنَّه يصير مستعملًا، والله سبحانه وتعالى أعلم».
وقال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلَّى» (مسألة ١٤١): «والوضوء بالماء المستعمل جائز، وكذلك الغسل به للجنابة، وسواءٌ وُجد ماءٌ آخر غيره أو لم يوجد، وهو الماء الذي توضَّأ به بعينه لفريضة أو نافلة، أو اغتسل به بعينه لجنابة أو غيرها، وسواء كان المتوضِّىء رجلًا أو امرأة.
برهان ذلك: قول الله تعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضَىِ أو عَلى سَفَرٍ أو جَاءَ أحدٌ مِنْكُم مِنَ الغَائِطِ أو لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدوا مَاءَ فَتَيَمَّموا﴾ (١).
فعمَّ -تعالى- كل ماء، ولم يخصَّه، فلا يحِلُّ لأحد أن يترك الماء في وضوئه وغسله الواجب وهو يجده؛ إِلا ما منعه منه نصٌّ ثابت أو إِجماع متيقَّن مقطوع بصحّته».

٩ - الماء المسخَّن:
فقد ثبت عن عمر -رضي الله عنه-: «أنَّه كان يسخَّن له الماء في قمقم (٢)، فيغتسل به» (٣). وثبت عنه أيضًا: «أنَّه كان يغتسل بالحميم» (٤).

------------------------
(١) النساء: ٤٣، والمائدة: ٦
(٢) القُمقم: ما يسخّن فيه الماء من نحاس وغيره ويكون ضيّق الرأس. «النهاية».
(٣) أخرجه الدارقطني وغيره، وصحّحه شيخنا في «الإِرواء» (١٦).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة وغيره، وصحّحه شيخنا في «الإِرواء» (١٧). والحميم: هو الماء الحارُّ.



وأمّا حديث: «لا تغتسلوا بالماء المشمَّس؛ فإِنَّه يورث البَرَص»؛ فإِنَّه لم يثبت (١).

القسم الثاني: الماء الطاهر غير المطهِّر:
وهو ما خالَطَه طاهر، فغيَّر اسمه، حتى صار صبغًا أو خَلًا أو ماء وَرْد، أو غَلَب على أجزائه فصيَّره حِبرًا، أو طُبِخ فيه فصار مَرَقًا (٢)، وهذا الصِّنْف لا يجوز الغسل به ولا الوضوء؛ لأنَّ الطَهارة إِنَّما تجوز بالماء؛ لقوله تعالى: ﴿... فلم تجدوا ماءً فتيمَّموا﴾ (٣). وهذا لا يقع عليه اسم الماء. وعن عطاء: «أنَّه كره الوضوء باللبن والنّبيذ، وقال: إِنَّ التيمُّم أعجب إِليَّ منه» (٤).
وعن أبي خَلْدة؛ قال: «سألت أبا العالية عن رجل أصابته جنابة، وليس عنده ماء، وعنده نبيذ؛ أيغتسل به؟ قال: لا» (٥).
قال البخاري -رحمه الله- في «صحيحه»: «باب: لا يجوز الوضوء

------------------------------
(١) ضعيف موقوفًا على عمر -رضي الله عنه- ورُوِي مرفوعًا من طُرق واهية جدًّا. وانظر»المشكاة«(٤٨٩).
(٢)»الشرح الكبير«(ص ١١).
(٣) النساء: ٤٣، والمائدة: ٦
(٤) أخرجه البخاري معلَّقًا، وهو في»سنن أبي داود«(٨٦) موصولًا، وانظر»صحيح سنن أبي داود«(٧٨).
(٥) أخرجه أبو داود: ٨٧، وقال شيخنا -حفظه الله-:»إِسناده صحيح على شرط البخاري«. وهو في»صحيح سنن أبي داود" (٧٩).



بالنّبيذ ولا المسكر، وكرِهه الحسن وأبو العالية» (١).
قال أبو عيسى الترمذي -رحمه الله تعالى (٢) -: «وقول من يقول: لا يُتَوَضَّأ بالنَّبيذ: أقرب إلى الكتاب وأشبه؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعيدًا طَيِّبًا﴾ (٣)».

القسم الثالث: الماء النَّجس:
وهو ما تغيَّر بمخالطة نَجِس، أو أنْ تُغيِّر النجاسة طعمَه أو لونه أو ريحه. وهذا لا يجوز التطهّر به. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٣٠): «الماء إِذا تغيَّر بالنَّجاسات؛ فإِنَّه ينجس بالاتفاق».
وجاء في «سُبُل السلام» (ص ٢١): «قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنَّ الماء القليل والكثير إِذا وقَعَت فيه نجاسة، فغيَّرت له طعْمًا أو لونًا أو ريحًا؛ فهو نجِس».

النجاسات
أولًا: غائط الآدمي، وبوله:
وفي ذلك أدلَّة عديدة؛ منها:

------------------------
(١) قال شيخنا في «مختصر البخاري»: «أمّا أثر الحسن؛ فوصَله ابن أبي شيبة وعبد الرزاق من طريقين عنه نحوه، وأما أثر أبي العالية؛ فوصله أبو داود وأبو عبيد بسند صحيح عنه نحوه». وهو في «صحيح أبي داود» (٨٧)«. وانظر»الفتح" (١/ ٣٥٤).
(٢) بعد أن نقل أقوال أهل العلم في المسألة.
(٣) النساء: ٤٣، والمائدة: ٦



قوله - ﷺ -: «بول الغلام يُنضح، وبول الجارية يُغسل» (١).
ولم أستدلَّ به على تخفيف طهارة بول الغلام -مع إِفادته ذلك- بل على نجاسة البول بعامَّة، والشاهد: «وبول الجارية يُغسل».
وقوله - ﷺ - في بول الأعرابي: «دعوه، وأهريقوا على بوله ذَنوبًا من ماء -أو سَجْلًا من ماء-» (٢).
وقوله - ﷺ - في المُعذَّبَيْن في قبرَيهما: «كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة» (٣).
وقوله - ﷺ -: «إِذا وطئ أحدُكم بنعليه الأذى؛ فإِنَّ التراب له طَهور» (٤).
وفي رواية: «إِذا وَطِئ الأذى بخُفَّيْه؛ فطَهورهما التراب» (٥).
وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- في خلْع النّبيّ - ﷺ - نعليه في الصلاة-: قال: بينما رسول الله - ﷺ - يصلِّي بأصحابه؛ إِذ خَلَعَ نعليه، فوضَعَهُما عن يساره، فلمَّا رأى ذلك القوم؛ ألقَوا نعالَهم، فلمَّا قضى رسول الله - ﷺ - صلاتَه؛ قال: «ما حَمَلَكُم على إِلقائكم نعالكم؟». قالوا: رأيناك ألقيْتَ

------------------------
(١) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم. وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في «الإرواء» (١٦٦).
(٢) أخرجه البخاري: ٦١٢٨، ومسلم: ٢٨٤، وغيرهما.
(٣) أخرجه البخاري: ١٣٦١، ومسلم: ٢٩٢، وغيرهما. ومعنى: «لا يستتر»: لا يستبرئ، ولا يتطهَّر، ولا يستبعد منه.
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧١)، وانظر «المشكاة» (٥٠٣).
(٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٢) وغيره.



نعليك، فألقينا نعالنا. فقال رسول الله - ﷺ -: «إِنَّ جبريل - ﷺ - أتاني فأخبرني أنَّ فيهما قذرًا».
وقال: «إِذا جاء أحدكم إِلى المسجد، فلينْظرْ، فإِنْ رأى في نعليه قذرًا أو أذى؛ فليَمْسَحْهُ، ولْيُصَلِّ فيهما» (١).
وممَّا ورد في بول الصغير الذي لم يطعم:
ما روته أم قيس بنت مِحْصَن -رضي الله عنها-: «أنَّها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إِلى رسول الله - ﷺ -، فأجلسه رسول الله - ﷺ - في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماءٍ، فنَضَحَهُ، ولم يغسله» (٢).
قال الحافظ في «الفتح» في تفسير: «لم يأكل الطعام»: «المراد بالطعام ما عدا اللبن الذي يرتضعه والتمر الذي يحنَّك به والعسل الذي يلعقه للمُداواة وغيره، فكأنَّ المراد أنَّه لم يحصل له الاغتذاء بغير اللبن على الاستقلال، هذا مقتضى كلام النووي في»شرح مسلم«و»شرح المهذَّب«.
وقال ابن التين -كما في»الفتح«-:»يُحتمل أنَّها أرادت أنَّه لم يتقوَّت بالطَّعام، ولم يستغنِ به عن الرَّضاع«.
وعن لُبابة بنت الحارث -رضي الله عنها- قالت: كان الحسين بن علي -رضي الله عنهما- في حجر رسول الله - ﷺ -، فبال عليه، فقلتُ: اِلبَسْ ثوبًا

----------------------------
(١) أخرجه أبو داود وغيره، انظر»صحيح سنن أبي داود«(٦٠٥)، و»الإِرواء" (٢٨٤).
(٢) أخرجه البخاري: ٢٢٣، ومسلم: ٢٨٧


https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif

ابوالوليد المسلم 01-01-2026 02:16 AM

رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
 
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 26الى صــ 40
الحلقة (2)





وأعطني إِزاركَ حتى أغسله. قال:»إِنَّما يُغسل من بول الأنثى، وينُضَحُ من بول الذَّكر«(١).
عن أبي السَّمح؛ قال:»كنت أخدم النّبيّ - ﷺ -، فكان إِذا أراد أن يغتسل؛ قال: «ولِّني قفاك»، فأولِّيه قفاي، فأسترُه به، فأُتي بحَسَن -أو حُسين- فبال على صدره، فجئتُ أغسله، فقال: «يُغسل من بول الجارية، ويُرشُّ من بول الغلام» (٢).
وعن عليٍّ -رضي الله عنه- قال: «يُغسل بول الجارية، ويُنضح بول الغلام؛ ما لم يطعم» (٣).
وفي رواية: «قال قتادة: هذا ما لم يطعما الطعام، فإِذا طعما؛ غُسلا جميعًا» (٤).
قال أبو عيسى الترمذي: «وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النّبيّ - ﷺ - والتابعين من بعدهم -مِثل أحمد وإِسحاق-؛ قالوا: يُنضح بول الغلام، ويُغسل بول الجارية، وهذا ما لم يطعما، فإِذا طعما؛ غُسلا جميعًا».

ثانيًا: دم الحيض:
وفيه أدلَّة عديدة؛ منها:

-----------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦١)، وابن ماجه، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وانظر «المشكاة» (٥٠١).
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح أبي داود» (٣٦٢) وغيره، وانظر «المشكاة» (٥٠٢).
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٣).
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٤).


عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حُبَيْش إِلى النّبيّ - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله! إِني امرأة أُسْتحاض فلا أطهُر، أفأدَعُ الصلاة؟ فقال: «لا؛ إِنَّما ذلك عِرْق، وليس بالحيضة، فإِذا أقبلتِ الحيضة؛ فدَعي الصلاة، وِإذا أدبرَت؛ فاغْسِلي عنك الدم وصلِّي» (١).
وعن أم قيس بنت مِحْصَن -رضي الله عنها- قالت: سألتُ النّبيّ - ﷺ - عن دم الحيض يكون في الثوب؟ قال: «حُكِّيه بضِلْع (٢)، واغسليه بماء وسِدْر» (٣).
وقد نقل النووي في «شرحه» (٣/ ٢٠٠) الإجماع على نجاسته.

ثالثًا: الودي:
وهو: «البَلَل اللَّزِج الذي يخرج من الذكر بعد البول» (٤) مباشرة، وهو لا يوجب الغُسل.

رابعًا: المَذي:
وهو ماءٌ أبيض لَزج رقيق، يخرج بلا دَفْق عند الملاعبة أو تذكُّر الجماع أو إِرادته، وقد لا يحسُّ الإِنسان بخروجه، وهي من النجاسات التي يشقُّ الاحتراز

--------------------
(١) أخرجه البخاري: ٢٢٨، ومسلم: ٣٣٣، وهذا لفظه.
(٢) الضِّلع: هو العود، والأصل فيه ضِلع الحيوان، فسمِّي به العود الذى يشبهه. «النهاية»، وقيل: العود الذى فيه اعوجاج.
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٤٩)، والنسائي وغيرهما، وصحّحه شيخنا في «الصحيحة» (٣٠٠).
(٤) كذا في «النهاية»، وقال: "هو بسكون الدال وبكسرها وتشديد الياء، وقيل: =



عنها، فخُفِّف تطهيرُه، ولا غُسل على من يصيبه ذلك؛ بل عليه الوضوء، ويغسل ذكَره وخصيتيه قبل ذلك، ويأخذ كفًّا من ماء، وينضح بها ثوبه.
والأدلة على ذلك ما يأتي:
عن عليٍّ -رضي الله عنه- قال: كنت رجلًا مذَّاء، فأمرْت رجلًا أن يسأل النّبيّ - ﷺلمكان ابنته- فسأل، فقال: «توضأ، واغسل ذَكَرَك» (١).
وفي رواية: «إِذا وَجَدَ أحدُكم ذلك؟ فليَنْضَحْ (٢) فرْجَه، وليتوضَّأ وضوءه للصلاة» (٣).
وفي رواية: «ليغسل ذكَرَهُ وأنثييه» (٤).
وفي رواية: «من المَذْي الوضوء، ومن المَنِيِّ الغُسْل» (٥).
قال أبو عيسى الترمذي: «وهو قول عامَّة أهل العلم من أصحاب النّبيّ - ﷺ -

---------------------
= التشديد أصحّ وأفصح من السكون».
(١) أخرجه البخاري: ٢٦٩، ومسلم: ٣٠٦، وغيرهما.
(٢) ورد النضح على معنيين: الغسل والرش.
ولما جاء في بعض الروايات بمعنى الغسل؛ تعيَّن حمل النضح عليه، وهذا ما ذهَب إليه النووي -رحمه الله-.
قلت: «وهذا بخلاف الثوب؛ فإِنَّه لم يقل بغسله للتخفيف بخلاف الفرج».
(٣) انظر «صحيح سنن أبي داود» (١٩١).
(٤) انظر «صحيح سنن أبي داود» (١٩٢)، وأنثييه؛ أي: خصيتيه.
(٥) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩٩) وغيره، وانظر «المشكاة» (٣١١).



والتابعين ومن بعدهم، وبه يقول سفيان والشافعي وأحمد وإسحاق«.
وعن سهل بن حُنيف -رضي الله عنه- قال:»كنتُ ألقَى من المذي شدَّة وعناء، فكنتُ أُكثر منه الغسل، فذكرْتُ ذلك لرسول الله - ﷺ -، وسألته عنه فقال: «إِنَّما يُجزئك من ذلك الوضوء». فقلت: يا رسول الله! كيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: «يكفيك أن تأخذ كفًّا من ماء، فتنضح به ثوبك، حيث ترى أنَّه أصاب منه» (١).
قال الشوكاني -رحمه الله-: «فدلَّ هذا الحديث على أن مجرَّد النَّضح يكفي في رفع نجاسة المذْي، ولا يصحُّ أن يُقال هنا ما قيل في المنِيّ، إِنَّ سبب غسله كونه مستقذرًا، لأنَّ مجرَّد النضح لا يزيل عين المذي كما يزيله الغسل، فظهر بهذا أنَّ نضحه واجب، وأنَّه نَجِس خُفِّف تطهيره» (٢).

خامسًا: الميتة:
وهي ما مات من غير تذكية أو ذبح شرعي.
ودليل نجاستها قوله - ﷺ -: «إِذا دُبِغَ الإِهاب، فقد طَهُرَ» (٣).
قال الصنعاني -رحمه الله- في «سبل السلام» (١/ ٥٢): «وأمّا الميتة؛

----------------------
(١) أخرجه أبو داود وغيره، وانظر»صحيح سنن أبي داود«(١٩٥)، و»صحيح سنن ابن ماجه«(٤٠٩)، و»صحيح سنن الترمذي«(١٠٠).
(٢)»السيل الجرّار" (٧/ ٣٥).
(٣) أخرجه مسلم: ٣٦٦
والإِهاب: هو الجلد قبل أن يُدبَغ؛ فأمّا بعده؛ فلا يسمى إِهابًا.



فلولا أنَّه وَرَدَ»دباغ الأديم طَهوره«(١) و»أيّما إِهاب دُبغ؛ فقد طهُر«(٢)؛ لقُلْنا بطهارتها إِذ الوارد في القرآن تحريم أكْلها لكن حكَمْنا بالنَّجاسة لمَّا قام عليها دليلٌ غير دليل تحريمها».
ويندرج تحتها ما قُطع من البهيمة وهي حيَّة؛ لحديث أبي واقد الليثي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما قُطِعَ من البهيمة وهي حيَّةٌ؛ فهو ميتة» (٣).
ويستثنى من ذلك ميتة السمك والجراد؛ فإِنَّها طاهرة حلال أكلها؛ لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أُحِلَّتْ لنا ميتتان ودمان فأمّا الميتتان: فالحوت والجراد وأمّا الدَّمان: فالكبد والطحال» (٤).
ولقوله - ﷺ - في البحر: «هو الطَّهور ماؤه، الحلُّ مَيتتُه» (٥).
وجلد الميتة نجس كذلك -كما لا يخفى-؛ للحديث المتقدّم: «إِذا

--------------------
(١) أخرجه مسلم: ٣٦٦
(٢) أخرجه أحمد في»مسنده«والترمذي والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٣٩٥٥) وانظر»غاية المرام«(٢٨).
(٣) أخرجه أحمد في»مسنده«وأبو داود والترمذي والحاكم في»مستدركه«وحسّنه شيخنا في»غاية المرام«(٤١).
(٤) أخرجه أحمد وابن ماجه وغيرهما، وصحّحه شيخنا في»الصحيحة" (١١١٨).
(٥) تقدّم في (باب المياه).



دُبِغَ الإِهاب؛ فقد طَهُر».
وتقدّم في هذا المعنى بعض النصوص غير بعيد.
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «تُصدِّق على مولاة لميمونة بشاة، فماتت، فمرَّ بها رسول الله - ﷺ -، فقال:»هلاَّ أخذْتم إِهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟. فقالوا: إِنَّها مَيتة. فقال: «إِنَّما حَرُم أكلُها» (١).
فقوله - ﷺ -: «طَهُر»؛ يدلُّ على نجاسته قبل الدِّباغة؛ كما هو بيِّن.

سادسًا: لحم الخنزير:
قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
وقال رسول الله - ﷺ -: «من لَعِبَ بالنَّرْدَشير (٣)؛ فكأنَّما صَبَغَ يده في لحم خنزير ودمه» (٤).

سابعًا: الكلب:
ومن الأدلة على نجاسته:

--------------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٤٩٢، ٢٢٢١، ٥٥٣١، ومسلم: ٣٦٣، وهذا لفظه.
(٢) الأنعام: ١٤٥
(٣) النَّرد: اسم أعجمي معرَّب. وشير: بمعنى: حلو. «النهاية». وتعرف في بلاد الشام بـ (لعبة الطاولة).
(٤) أخرجه مسلم: ٢٢٦٠، والبخاري في «الأدب المفرد» وأبو داود، وغيرهم.



قوله - ﷺ -: «إِذا شَرِبَ الكلب في إِناء أحدكم؛ فليَغْسِلْهُ سبعًا» (١).
وقوله - ﷺ -: «طَهور (٢) إِناء أحدكم إِذا وَلَغَ فيه الكلب: أن يغسله سبع مرات، أولاهنَّ بالتراب» (٣).

ثامنًا: لحم السباع (٤):
ومن أدلة نجاستها ما يرويه عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: «سُئل رسول الله - ﷺ - عن الماء وما ينوبه من الدوابِّ والسباع فقال - ﷺ -:»إذا كان الماء قُلَّتين؛ لم يحمل الخَبَث«(٥) وفي لفظ:»لم ينجِّسْه شيء«(٦).

تاسعًا: لحم الحمار:
عن أنس -رضي الله عنه- قال:»إِنَّ رسول الله - ﷺ - جاءه جاءٍ، فقال: أُكِلَتِ الحُمُر ثم جاءه جاءٍ فقال: أُكِلَت الحُمر ثم جاءه جاءٍ، فقال: أُفْنِيَتِ الحُمُر فأمَر مناديًا فنادى في النَّاس: «إِنَّ الله ورسوله ينهيانكم عن

-----------------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٧٢ ومسلم: ٢٧٩ وغيرهما.
(٢) قال في»سُبُل السلام«:»قال في «الشرح الأظهر»: فيها ضمّ الطاء ويقال بفتحها؛ لغتان«.
(٣) أخرجه مسلم: ٢٧٩ وأبو داود: ٧١ وغيرهما.
(٤) انظر للمزيد -إِن شئت- (سؤر السباع).
(٥) أخرجه جمع من الأئمة وانظر»صحيح سنن أبي داود«(٥٦) و»المشكاة«(٤٧٧) وصحّحه شيخنا في»الإِرواء«(٢٣) وتقدم.
(٦) وهو عند ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٤١٨) وأحمد وصحّحه شيخنا في»الإِرواء" (٢٣) وتقدّم.



لحوم الحُمُر الأهليَّة؛ فإِنَّها رجس«. فأُكْفِئت القُدور وإِنَّها لتفور باللحم» (١)

عاشرًا: الجَلاَّلة (٢):
فقد ثبت في حديث ابن عمر: أنه قال: «نهى رسول الله - ﷺ - عن أكل الجلاَّلة وألبانها» (٣).
وقال عبد الله بن أبي أوفى: «... تحدَّثنا أنّما حرَّمها رسول الله - ﷺ - ألبته من أجل أنها تأكل العَذِرة» (٤).
وثبت عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أنَّه كان إِذا أراد أكل الجلاَّلة حبَسها ثلاثًا (٥).
قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلَّى» (٦): «وألبان الجلاَّلة حرام، وهي الإِبل التي تأكل الجلَّة -وهي العَذِرة- والبقر والغنم كذلك، فإِن مُنعت من أكلها حتى سقط عنها اسم الجلاَّلة؛ فألبانها حلال طاهرة».

------------------------
(١) أخرجه البخاري: ٥٥٢٨، ومسلم: ١٩٤٠، وغيرهما.
(٢) جاء في «النهاية» ونحوه في «اللسان»: «الجَلاَّلة من الحيوان: التي تأكل العَذِرة، والجِلَّة: البعر، فوضَع موضع العَذِرة، يقال: جلَّت الدابَّة الجِلَّة واجْتَلَتْها، فهي جالَّة وجلاَّلة، إِذا التقطتْها». وفي «مختار الصحاح»: «جلَّ البعر: التقطه، ومنه سمِّيت الدابَّة التي تأكل العَذِرة: الجَلاَّلة».
(٣) أخرجه أبو داود، وغيره، وصححه شيخنا في «الإِرواء» (٢٥٠٣).
(٤) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٥٨٥).
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عنه، وانظر «الإِرواء» (٢٥٠٥).
(٦) انظر «المحلَّى» (مسألة ١٤٠).



وأمّا الدَّجاج؛ فلا حرج في أكله، ولو أكَل الأقذار (١)، وقد ثبت أنَّ رسول الله - ﷺ - أكلهُ؛ كما في حديث زَهْدَم؛ قال:
«كنَّا عند أبي موسى الأشعري -وكان بيننا وبين هذا الحيِّ من جَرْم إِخاء - فأُتِي بطعام فيه لحم دجاج، وفي القوم رجُل جالس أحمر، فلم يدْنُ من طعامه، فقال: ادْنُ؛ فقد رأيت رسول الله - ﷺ - يأكل منه. قال: إِنّي رأيته يأكل شيئًا فقذِرته، فحَلَفْتُ أن لا آكله ... (وذكر الحديث)» (٢).
والبيض أيضًا يحمل نفس الحكم (٣).

حادي عشر: عظام وشَعْر وقَرْن ما يُحكم بنجاسته:
لأنها تتغذَّى بالنجاسة؛ إِلا إِذا قَبِلت الدِّباغ (٤).

الأسْآر (٥)
وتُقسَم إِلى قسمين:

القسم الأول: الأسآر الطاهرة:
وتندرج تحتها الأنواع الآتية:

------------------------
(١) انظر «الفتح» (٩/ ٦٤٦) للمزيد من الفائدة.
(٢) أخرجه البخاري: ٥٥١٨، ومسلم: ١٦٤٩، وغيرهما.
(٣) استفدته من شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى-.
(٤) أفادنيه شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى-.
(٥) جمع سؤر، وهو فضلة الشرب وبقيَّته.



١ - سؤر الآدمي:
قال ابن قدامة في «المغني» (١) -في معرض كلامه عن سؤر الآدمي-: «... فهو طاهر، وسؤره طاهر سواء كان مسلمًا أو كافرًا، عند عامّة أهل العلم ...».
وفي ذلك أدلَّة؛ منها:
قوله - ﷺ -: «... إنَّ المؤمن لا ينجس» (٢).
وفي رواية: «إنَّ المسلم لا ينجس» (٣).
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «بينما رسول الله - ﷺ - في المسجد، فقال: يا عائشة! ناوليني الثوب». فقالت: إني حائض. فقال: «إنَّ حيضتك ليست بيدك»، فناولَتْهُ (٤).
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «كنتُ أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النّبي - ﷺ -، فيضع فاه على موضع فيَّ، فيشرب، وأتعرَّق العَرْقَ (٥) وأنا

-----------------------------
(١) انظر (سؤر الآدمي وعرَقه).
(٢) تقدم تخريجه في (الماء المستعمل).
(٣) أخرجه البخاري: ٢٨٣، ومسلم: ٣٧٢
(٤) أخرجه مسلم: ٢٩٩
(٥) جاء في»الفتح«(٢/ ١٢٩):»عَرْقًا -بفتح العين المهملة وسكون الراء بعدها قاف-.
قال الخليل: العُراق: العظم بلا لحم، وإن كان عليه لحم؛ فهو عرق. =



حائض، ثمَّ أناولُه النّبيّ - ﷺ -، فيضع فاه على موضع فيَّ» (١).
وهذا صريح في طهارة فم وسؤر الحائض.
وعن عبد الله بن سعد -رضي الله عنه- قال: سألتُ النّبيّ - ﷺ - عن مواكلة الحائض؟ فقال: «واكِلْها» (٢).
وقد أورده الترمذي -رحمه الله- في (باب: مواكلة الحائض وسؤرها).
وأما القول بطهارة سؤر الكافر؛ فللأسباب الآتية:
أولًا: التمشي مع القاعدة المعروفة: «الأصل في الأعيان الطهارة».
ثانيًا: مخالطة المسلمين للمشركين وإباحة ذبائحهم والزواج منهم، ولا نعلم أنَّهم كانوا يغسلون شيئًا ممّا أصابته أبدانهم أو ثيابهم (٣).
وأما قول الله تعالى: ﴿إِنَّما المُشْرِكون نَجَس﴾ (٤)؛ فلا يُراد منها نجاسة الأبدان.

----------------------
= وفي المحكم عن الأصمعي: العَرْق -بسكون الراء-: قطعة لحم. وقال الأزهري: العَرق واحد العراق، وهي العظام التي يؤخذ منها هبر اللحم، ويبقى عليها لحم رقيق، فيُكسر ويُطبخ ويؤكل ما على العظام من لحم دقيق، ويتشمس العظام، يقال: عرَقت اللحم واعترقْتُه وتعرَّقته: إِذا أخذت اللحم منه نهشًا«.
ومما قال ابن الأثير في»النهاية«:»العَرْق: العظم الذي أخذ عنه معظم اللحم«.
(١) أخرجه مسلم: ٣٠٠
(٢) انظر»صحيح سنن ابن ماجه«(٥٣١) و»صحيح سنن الترمذي«(١١٤).
(٣) قاله السيد سابق -حفظه الله تعالى- بمعناه في»فقه السنَّة" (سؤر الآدمي).
(٤) التوبة: ٢٨



قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره»: وأما نجاسة بدنه؛ فالجمهور على أنَّه ليس البدن والذات؛ لأنَّ الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب ...«.
وقال ابن الجوزي في كتابه»زاد المسير في علم التفسير«(١): والثالث: أنَّه لمّا كان علينا اجتنابهم كما تُجتَنَب الأنجاس؛ صاروا بحُكم الاجتناب كالأنجاس، وهذا قول الأكثرين، وهو صحيح».

٢ - سؤر ما يؤكل لحمه:
عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: إِنِّي لَتَحْت ناقة رسول الله - ﷺ - يسيل عليَّ لعابُها، فسمعته يقول: «إِنَّ الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه؛ ألا لا وصيَّة لوارث» (٢).
جاء في «سُبل السلام» (١/ ٥٣): «والحديث دليل على أنَّ لعاب ما يؤكل لحمه طاهر. قيل: وهو إِجماع. وهو أيضًا الأصل، فذِكْر الحديث بيانٌ للأصل، ثمَّ هذا مبنيٌّ على أنَّه - ﷺ - علِم سيلان اللُّعاب عليه؛ ليكون تقريرًا».
قال أبو بكر بن المنذر: «أجمع أهلُ العلم -لا اختلاف بينهم- أنَّ سُؤر ما يؤكل لحمُه طاهر؛ يجوزُ شربُه والتطهر به» (٣).
ويرى أهل العلم طهارة روث ما يؤكل لحمه؛ فالقول بطهارة سؤره أولى.

--------------------
(١) وقد نَقَلَ ثلاثة أقوال في الآية.
(٢) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢١٩٤)، والترمذي والدارقطني وغيرهم، وانظر «الإرواء» (٦/ ٨٩).
(٣) الأوسط (١/ ٢٩٩) (المسألة ٧٦).



٣ - سؤر الهرة:
عن كبشة بنت كعب بن مالك -وكانت تحت ابن أبي قتادة- أنَّ أبا قتادة دخل فسكبت له وَضوءًا، فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى (١) لها الإِناء حتى شربت. قالت كبشة: فرآني أنظرُ إِليه. فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلتُ: نعم. فقال: إِنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِنَّها ليست بنَجَس، إِنَّها من الطَوَّافين عليكم والطَوَّافات» (٢).
وعن داود بن صالح بن دينار التمَّار عن أمه: أنَّ مولاتها أرسلَتها بهريسة (٣) إِلى عائشة، فوجدَتها تصلِّي، فأشارت إِليَّ أن ضعيها، فجاءت هرَّة، فأكَلت منها، فلمَّا انصرفتْ، أكَلت من حيث أكَلت الهرة. فقالت: إِنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِنَّها ليست بنَجَس، إِنَّما هي من الطوَّافين عليكم»، وقد رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضَّأ بفضلها (٤).
وفي طهارة سؤر الهرة قال الترمذي -رحمه الله-: «وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النّبيّ - ﷺ - والتابعين ومَن بعدهم؛ مِثل: الشافعي وأحمد

------------------------
(١) أي: أمال.
(٢) أخرجه أبو داود، والترمذي، وغيرهما. وانظر»صحيح سنن أبي داود«(٦٨).
وقال شيخنا -حفظه الله تعالى- في»الإِرواء«تحت (١٧٣):»... وكذا صحَّحه البخاري والعقيلي والداراقطني؛ كما في تلخيص الحافظ ...«.
(٣) في»لسان العرب«:»الهرْس: الدق، ومنه الهريسة، وقيل: الهريس: الحب المهروس قبل أن يُطبخ، فهو الهريسة ...«.
(٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (٦٩).



وإسحاق؛ لم يَروْا بسؤر الهرَّة بأسًا».

القسم الثاني: الأسآر النَّجسة:
ويدخل في ذلك:

١ - سؤر الكلب:
ومن الأدلَّة على ذلك:
قوله - ﷺ -: «إِذا شَرِب الكلب في إِناء أحدكم؛ فليغسله سبعًا» (١).
وفي رواية: «إِذا ولَغَ الكلب في إِناء أحدكم؛ فليُرِقْه، ثمَّ ليغسله سبع مرار» (٢).
قال بعض أهل العلم: «ولو كان سؤره طاهرًا؛ لم تَجُزْ إِراقته، ولا وَجَب غسْله».
وجاء في «سُبل السلام»: «والإِراقة إِضاعة مال، فلو كان الماء طاهرًا؛ لَما أمر بإِضاعته، إِذ قد نهى عن إِضاعة المال، وهو ظاهر في نجاسة فمه» (٣).
وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: «طَهور إِناء أحدكم إِذا ولَغ فيه الكلب: أن يغسله سبع مرات، أولاهنَّ بالتراب» (٤).
وقوله - ﷺ -: «طَهور»؛ تدلُّ على نجاسة سؤر الكلب؛ كما قال بعض أهل

--------------------------(١) أخرجه البخاري: ١٧٢، ومسلم: ٢٧٩ وغيرهما، وتقدَّم.
(٢) أخرجه مسلم: ٢٧٩
(٣) (كتاب الطهارة، طهور إِناء أحدكم ...).
(٤) أخرجه مسلم: ٢٧٩، وغيره وتقدَّم.



العلم.

٢ - سؤر الحمار:
ودليل ذلك قوله - ﷺ - عن أنس -رضي الله عنه- قال:»أنَّ رسول الله - ﷺ - جاءه جاءٍ، فقال: أُكِلَتِ الحُمُر، ثم جاءه جاءٍ، فقال: أُكلَت الحُمر، ثم جاءه جاءٍ، فقال: أُفْنِيَت الحُمُر، فأمَر مناديًا، فنادى في النَّاس: «إِنَّ الله ورسوله ينهيانكم عن لحم الحُمُر الأهليَّة؛ فإِنَّها رجس». فأُكْفِئت القُدور وِإنَّها لتفور باللحم«(١).
وفي رواية (٢): فأمَر رسول الله - ﷺ - أبا طلحة، فنادى: إِنَّ الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحُمُر؛ فإِنَّها رِجْس أو نَجَس».
وقال الترمذي -رحمه الله- في «سننه»: «باب: سؤر الحمار (وأورد الحديث السابق)».

٣ - سؤر الخنزير:
قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٣).
واستدلَّ من استدل من العلماء على نجاسة لحم الحمار بقوله - ﷺ -:

===================
(١) أخرجه البخاري: ٥٥٢٨، ومسلم: ١٩٤٠، وغيرهما، وتقدّم.
(٢) أخرجه مسلم: ١٩٤٠
(٣) الأًنعام: ١٤٥



https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif


ابوالوليد المسلم 01-01-2026 02:22 AM

رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
 
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 41الى صــ 55
الحلقة (4)





»فإِنها رجس«(١)؛ فالخنزير بهذا الوصف أولى.
وكلُّ شيء ثبتت نجاسة لحمه؛ يُحْكَم بنجاسة سؤره.
وكلّ شيء لا يؤكل لحمه -سوى الهِرّ-؛ يُحْكم بنجاسة سؤره» (٢).

٤ - سؤر السباع (٣):
ومن أدلَّة ذلك ما يرويه عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: سُئل
رسول الله - ﷺ - عن الماء وما ينوبه من الدوابِّ والسباع؟ فقال - ﷺ -: «إِذا كان الماء قُلَّتين؛ لم يَحْمِل الخَبَث» (٤).
وفي لفظ: «لم يُنَجِّسْهُ شيء» (٥).
قال شيخنا الألباني -حفظه الله- في «تمام المنَّة» (٦): «... قال ابن التُّركماني في»الجوهر النقي«(١/ ٢٥٠): وظاهر هذا يدلُّ على نجاسة سؤر السباع، إذ لولا ذلك؛ لم يكن لهذا الشرط فائدة، ولكان التقييد به ضائعًا.
وذكَر النووي نحوه في»المجموع«(١/ ١٧٣)» ... اهـ

----------------------
(١) تقدَّم تخريجه.
(٢) انظر «نيل الأوطار» (باب نجاسة لحم الحيوان الذي لا يُؤكل إِذا ذبح).
(٣) في «اللسان»: «السَّبُع: يقع على ما له ناب من السباع ويعدو على الناس والدواب فيفترسها؛ مثل: الأسد والذئب والنمر والفهد وما أشبهها ...».
وقيل: «السَّبُع من البهائم العادية: ما كان ذات مخلب».
(٤) تقدم.
(٥) تقدم.
(٦) (ص ٤٧) (... ومن السؤر).


قلتُ: والذي جاء في «المجموع»: «واحتجَّ مَن منَع الطهارة بسؤر السباع بحديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: أنَّ النّبيَّ سئل عن الماء يكون بالفلاة وما ينوبه من السباع والدوابِّ؟ فقال:»إِذا كان الماء قُلَّتين؛ لم ينجس«. قالوا: فدلَّ على أنَّ لورود السباع تأثيرًا في تنجيس الماء ...».

ما يُظنّ أنَّه نجس وليس كذلك
أولًا: المَنِيّ (١):
ومن الأدلَّة على طهارته ما يأتي:
ما يرويه علقمة والأسود؛ أنَّ رجلًا نزل بعائشة -رضي الله عنها- فأصبح يغسل ثوبه، فقالت عائشة: «إِنَّما كان يجزئك إِنْ رأيته أن تغسل مكانه، فإِن لم ترَ؛ نضَحْتَ حوله، ولقد رأيتُني أفركه من ثوب رسول الله - ﷺ - فرْكًا فيصلي فيه» (٢).
وفي رواية: «لقد رأيتُني وإِنِّي لأحكُّه من ثوب رسول الله - ﷺ - يابسًا بظُفُري» (٣).
ولو كان المنيُّ نجسًا؛ لما صلَّى النّبيُّ - ﷺ - في ثوبه ذلك.
قال أبو عيسى الترمذي -رحمه الله- عن الفرك: «وهو قول غير واحد من

---------------------
(١) وقد قال بعض أهل العلم بنجاسته، ولكن المتأمّل في النصوص وفقهها وأقوال أهل العلم يطمئنّ -إِن شاء الله تعالى- لطهارته.
(٢) أخرجه مسلم: ٢٨٨، وغيره.
(٣) عن»صحيح مسلم": ٢٩٠



أصحاب رسول الله - ﷺ - والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء؛ مِثل: سفيان، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإِسحاق؛ قالوا في المنِيِّ يصيب الثوب: يجزئه الفَرْك، وإِن لم يُغْسَل».
جاء في «السيل الجرَّار»: «وقد ثبت من حديث عائشة -رضي الله عنها- عند مسلم وغيره أنها كانت تفرك المنيَّ من ثوب رسول الله - ﷺ - وهو يصلي (١)، ولو كان نجسًا؛ لنزَلَ عليه الوحي بذلك؛ كما نزل عليه الوحي بنجاسة النعال الذي صلَّى فيه» (٢).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كنت أفرك المنيَّ من ثوب رسول الله - ﷺ - إِذا كان يابسا، ً وأمسحه أو أغسله -شكَّ الحُميدي- إذا كان رطبًا» (٣).
وتردُّد الحميدي بين المسح والغسل لا يضرُّ؛ فإِنَّ كلَّ واحد منهما

---------------------
(١) ليس في «صحيح مسلم» كما نبَّه أحد الأخوة، وِإنما هو في: «صحيح ابن خزيمة» (٢٩٠)، وصحّحه شيخنا.
(٢) يشير بذلك اٍلى حديث أبي سعيد -رحمه الله- قال: «بينما رسول الله - ﷺ - يصلّي بأصحابه؛ إِذ خلَع نعليه، فوضعَهما عن يساره، فخَلَعَ الناس نعالَهم، فلمّا قضى رسول الله - ﷺ - صلاته؛ قال: ما حمَلكم على إِلقائكم نعالكم؟». قالوا: رأيناك ألقيت نعلك فألقينا نعالنا. قال: «إِنَّ جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا». أخرجه أبو داود وغيره، وانظر «الإرواء» (٢٨٤)، وتقدّم.
(٣) أخرجه أبو عوانة، والطحاوي، والدارقطني؛ كما في «الإِرواء» (١٨٠)، وقال شيخنا -حفظه الله-: «وإسناده صحيح على شرط الشيخين».



ثابتٌ (١).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله - ﷺ - يسلت (٢) المنيَّ من ثوبه بعِرْق الإِذخِر (٣)، ثم يصلِّي فيه، ويحتُّه من ثوبه يابسًا، ثم يصلِّي فيه» (٤).
وعن عطاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أنَّه قال في المنيِّ يصيب الثوب: «أمِطْه عنك -قال أحدهم- بعودٍ أو إِذخِرة؛ فإِنَّما هو بمنزلة البصاق والمخاط» (٥).
قال ابن حزم في «المحلَّى» المسألة (١٣١): «والمنيُّ طاهر في الماء كان أو في الجسد أو في الثوب، ولا تجب إِزالته، والبصاق مثله، لا فرق».
وجاء في «سبل السلام» (١/ ٥٥): «وقالت الشافعيَّة: المنيُّ طاهر، واستدلُوا على طهارته بهذه الأحاديث (٦).

-------------------
(١) من قول شيخنا -حفظه الله- في»الإِرواء«(١٨٠).
(٢) أي: يميطه. وفي»المحيط«:»أخرجه بيده«.
والسلت: يأتي بمعنى المسح أيضًا.
(٣) هو حشيش طيب الريح.
(٤) أخرجه أحمد وغيره، وإسناده حسن؛ كما في»الإِرواء«(١٨٠). ورواه ابن خزيمة في»صحيحه«.
(٥) سنده صحيح على شرط الشيخين، وهو منكر مرفوعًا؛ كما في»الضعيفة" (٩٤٨).
(٦) يريد أحاديث الفرك والحتّ ونحوها.



قالوا: وأحاديث غَسله محمولة على النَّدب وليس الغَسْل دليل النجاسة؛ فقد يكون لأجل النظافة وإِزالة الدَّرن ونحوه، قالوا: وتشبيهه بالبُزاق والمخاط دليل على طهارته أيضًا، والأمر بمسحه بخرقة أو إِذخِرة لأجل إِزالة الدَّرن المستكره بقاؤه في ثوب المصلي، ولوكان نجسًا؛ لما أجزأ مسْحه».
وقد ورد غَسْل المنيّ؛ كما في بعض النصوص:
كما في حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كنت أغسل الجنابة من ثوب النّبيّ - ﷺ -، فيخرُجُ إِلى الصلاة، وإِنَّ بُقَعَ الماء في ثوبه» (١).
وعنها -رضي الله عنها- أيضًا: أنَّ رسول الله - ﷺ -: «كان يغسل المنيَّ ثمَّ يخرج إِلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغَسْل فيه» (٢).
وقال أبو عيسى -رحمه الله-: «وحديث عائشة -رضي الله عنها- أنَّها غسلت منيًَّا من ثوب رسول الله - ﷺ -؛ ليس بمخالف لحديث الفَرْك؛ لأنَّه وإن كان الفرك يجزئ؛ فقد يستحبُّ للرَّجل أن لا يرى على ثوبه أثره».
وقال ابن حزم في «المحلَّى» (مسألة ١٣١): «وأمّا حديث سليمان بن
يسار (٣)؛ فليس فيه أمْر من رسول الله - ﷺ - بغَسْله، ولا بإِزالته، ولا بأنَّه نجس،

-----------------
(١) أخرجه البخاري: ٢٢٩
(٢) أخرجه مسلم: ٢٨٩
(٣) وقد تقدَّم بلفظ:»كان يغسل المنيَّ ثمَّ يخرج إِلى الصلاة في ذلك الثوب ... ".



وإِنَّما فيه أنَّه - ﷺ - كان يغسله، وأنَّ عائشة -رضي الله عنها- كانت تغسله وأفعاله - ﷺ - ليست على الوجوب».
ثمَّ ذكر -رحمه الله- حديث أنس بن مالك -رحمه الله- في حكِّ البزاق باليد من المسجد.
ولفْظه -كما في البخاري (٤٠٥) -: عن أنس: «أنَّ النّبيَّ - ﷺ - رأى نخامة في القِبْلة، فشقَّ ذلك عليه، حتى رُئي في وجهه، فقام، فحكَّه بيده ..».
قال ابن حزم -رحمه الله-: «فلم يكن هذا دليلًا عند خصومنا على نجاسة النخامة، وقد يغسل المرء ثوبه ممّا ليس نجسًا».
وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (٢١/ ٦٠٥): «وبالجملة؛ فخروج اللبن من بين الفرث والدم: أشبه شيء بخروج المنيِّ من مخرج البول» (١).
وقال -رحمه الله-: ومن المعلوم أنَّه لم ينقُل أحد أنَّ النّبيّ - ﷺ - أمر أحدًا من الصحابة بغَسْل المنيّ من بدنه وثوبه، فعُلم يقينًا أنَّ هذا لم يكن واجبًا عليهم، وهذا قاطع لمن تدبَّره«(٢).
وقال الحافظ في»الفتح«:»... لا معارضة بين حديثي الغَسْل والفَرْك؛

-------------------
(١) «الفتاوى» (٢١/ ٦٠٣)، وله بحث نفيس في طهارة المني والردّ على من يقول بنجاسته (ص ٥٨٩ وما بعدها) من مجلد (٢١).
(٢) «الفتاوى» (٢١/ ٦٠٥).



لأنَّ الجمع بينهما واضح على القول بطهارة المنيِّ؛ بأن يُحْمل الغَسل على الاستحباب للتنظيف لا على الوجوب».
قال: «وهذه طريقة الشافعيِّ وأحمد وأصحاب الحديث» (١).

ثانيًا: الخمر:
وذلك لأنَّ الأصل في الأعيان الطهارة، وليس هناك من دليل على نجاستها.
أمَّا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢).
فإِن كلمة «رجْس» تعني النجاسة الحُكمية لا الحسِّيَّة، وإلاَّ لَزمنا من ذلك أن نحكم بنجاسة الأنصاب والأزلام.
وكذلك التحريم لا يقتضي النجاسة، وإلا لزِمنا الحكم بنجاسة الأمهات والبنات والأخوات والعمَّات ... لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ ...﴾ (٣) الآية.
والطعام المسروق يحرُم أكْله، ولا يُقال بنجاسته.
جاء في «سُبُل السلام» (١/ ٥٢): «والحقّ أنَّ الأصل في الأعيان الطهارة، وأنَّ التحريم لا يلازم النجاسة؛ فإِنَّ الحشيشة محرَّمة طاهرة، وكذا المخدِّرات والسموم القاتلة لا دليل على نجاستها، وأمَّا النجاسة؛ فيلازمها

---------------------
(١) انظر»الفتح«(١/ ٣٣٢). وذكره الشوكاني في»نيل الأوطار" (١/ ٦٧).
(٢) المائدة: ٩٠
(٣) النساء: بعض الآية ٢٣



التحريم، فكلُّ نجس محرَّم، ولا عَكْس، وذلك لأنَّ الحكم في النجاسة هو المنع عن ملابستها على كل حال، فالحكم بنجاسة العين حكمٌ بتحريمها؛ بخلاف الحكم بالتحريم؛ فإِنَّه يحرُم لُبْس الحرير والذهب، وهما طاهران ضرورة شرعية وِإجماعًا».
وجاء في «الدراري المضيَّة» (١) (١/ ٢٨): «ولو كان مجرَّد تحريم الشيء مستلزمًا لنجاسته لكان مِثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمتْ عَليكُمْ أمَّهاتُكُم ...﴾ إِلى آخره دليلًا على نجاسة النساء المذكورات في الآية، وهكذا يلزم نجاسة أعيان وقع التصريح بتحريمها، وهي طاهرة بالاتِّفاق كالأنصاب (٢) والأزلام (٣) وما يُسكر من النباتات والثمرات بأصل الخِلقة.
فإِن قلتَ: إِذا كان التصريح بنجاسة شيء أو رجسيَّته يدلُّ على أنَّه نجس كما قلتَ في نجاسة الروثة ولحم الخنزير؛ فكيف لم تحكم بنجاسة الخمر لقوله تعالى: ﴿إِنَّما الخَمْرُ والميْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ﴾ (٤)؟!
قلتُ: لمَّا وقع الخمر هنا مقترنًا بالأنصاب والأزلام؛ كان ذلك قرينة صارفة لمعنى الرجسية إِلى غير النجاسة الشرعية.
وهكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّما المُشْركونَ نَجَسٌ﴾ (٥)؛ لمّا جاءت الأدلَّة

--------------------
(١) باختصار يسير.
(٢) هي حجارة كانوا يذبحون قرابينهم عندها.»تفسير ابن كثير«.
(٣) هي قداح كانوا يستقسمون بها.»تفسير ابن كثير".
(٤) المائدة: ٩٠
(٥) التوبة: ٢٨



الصحيحة المقتضية لعدم نجاسة ذوات المشركين؛ كما ورد في أكل ذبائحهم وأطعمتهم والتوضُّؤ في آنيتهم والأكل فيها؛ كان ذلك دليلًا على أنَّ المراد بالنجاسة المذكورة في الآية غير النجاسة الشرعية».
وجاء في «السيل الجرَّار» (١/ ٣٥): «وليس في نجاسة المسكر دليل يصلح للتمسُّك به ...».
ثمَّ ذكر أن الرِّجْس في آية المائدة إِنَّما هو الحرام وليس النجس؛ بدلالة السياق.

ثالثًا: روث وبول ما يؤكل لحمه:
عن أنس -رحمه الله- قال: «قدِم أناس من عُكْل أو عُرَيْنة، فاجْتَوَوا (١) المدينة، فأمرهم النّبيُّ - ﷺ - بلقاح (٢)، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا، فلمَّا صحُّوا، قَتَلوا راعيَ النبي - ﷺ - واستاقوا النَّعم، فجاء الخبر في أوَّل النهار، فبعَثَ في آثارهم، فلما ارتفع النهار؛ جيء بهم، فأَمَر، فقَطَع أيدِيَهم وأرجُلَهم، وسُمِّرت (٣) أعينُهم، وأُلقوا في الحَرَّة (٤) يَستسْقون فلا

-----------------------
(١) أي: كرهوا المقام فيها لتضرّرهم بالإِقامة. قال ابن العربي: الجوى: داء يأخذ من الوباء، وهي بمعنى: استوخموا، وقد جاءت في رواية أخرى للبخاري: ٤١٩٢، بهذا اللفظ.
(٢) أى: فأمرهم أن يلحقوا بها. واللِّقاح: النُّوق ذوات الألبان، واحدها لِقْحة بكسر اللام وِإسكان القاف، وقال أبو عمرو: يقال لها ذلك إِلى ثلاثة أشهر، ثمَّ هي لَبون.»فتح«.
(٣) سُمّرت: لغة في السَّمل، وهو فقء العين بأي شيء كان، وقد يكون من المسمار، يريد أنَّهم كُحلوا بأميال قد أُحميت.»فتح".
(٤) الحرَّة: أرض ذات حجارة سود معروفة بالمدينة.



يُسقون».
قال أبو قِلابة: «فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد أيمانِهم وحاربوا الله ورسولَه» (١).
قال الإِمام أبو البركات ابن تيمية -رحمه الله-: «... فإِذا أُطْلِق الإِذن في ذلك (٢)، ولم يشترط حائلًا يقي من الأبوال، وأُطلق الإِذن في الشرب لقوم حديثي العهد بالإِسلام، جاهلين بأحكامه، ولم يأمر بغَسْل أفواههم وما يصيبهم منها؛ لأجل صلاة ولا غيرها، مع اعتيادهم شربها؛ دلَّ ذلك على مذهب القائلين بالطهارة» (٣).
وقال -رحمه الله-: «فتحليل التداوي بها دليل على طهارتها، فأبوال الإِبل وما يلحق بها طاهرة» (٤).
وقال: «والظاهر طهارة الأبوال والأزبال من كل حيوان يؤكل لحمه؛ تمسُّكًا بالأصل، واستصحابًا للبراءة الأصلية، والنجاسة حُكم شرعيٌّ ناقل عن الحُكم الذي يقتضيه الأصل والبراءة، فلا يُقبل قول مدَّعيها إلا بدليل يصلُح للنقل عنهما، ولم نجد للقائلين بالنجاسة دليلًا كذلك ...» (٥).

--------------------
(١) أخرجه البخاري: ٢٣٣، ومسلم: ١٦٧١
(٢) أي: الشرب من هذه الأبوال.
(٣) «نيل الأوطار» (١/ ٦٢).
(٤) «نيل الأوطار» (١/ ٦٠).
(٥) «نيل الأوطار» (١/ ٦١).



واستدلَّ بهذا الحديث من قال بطهارة بول ما يُؤكل لحمه (١).
واستدلوا معه أيضًا بقول ابن مسعود -رحمه الله-: «إِنَّ الله لم يجعل شفاءكم فيما حرَّم عليكم» (٢)، وذلك أنَّ التحليل يستلزم الطهارة (٣).
وفي الحديث: «صلّوا في مرابض الغنم (٤)، ولا تصلُّوا في أعطان الإِبل (٥)» (٦).
وفي بعض الروايات: «فإِنَّها خُلقت من الشياطين» (٧).
وعن جابر بن سَمُرة -رضي الله عنهما-: أنَّ رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -:
أأتوضَّأ من لحوم الغنم؟ قال: «إِن شئت؛ فتوضأ، وإن شئت؛ فلا توضَّأ».

-----------------------
(١) انظر «نيل الأوطار» (١/ ٦٠).
(٢) إِسناده صحيح موقوفًا على ابن مسعود -رضي الله عنه- وعلَّقه البخاري بصيغة الجزم (كتاب الأشربة، باب شراب الحلواء والعسل، «الفتح» (٧٨)، وقال شيخنا الألباني في «الصحيحة» تحت رقم (١٦٣٣): «إِسناده صحيح».
(٣) ولكنَّ التحريم لا يستلزم النجاسة؛ كما تقدَّم.
(٤) جمع مَربِض -بفتح الميم وكسر الباء- وهو المأوى والمقرّ.
(٥) جمع عَطن؛ قيل: موضع إِقامتها عند الماء خاصّة، وقيل: هو مأواها المطلق، وسواء كان هذا أو ذاك؛ فالأبوال والأرواث حاصلة.
(٦) أخرجه الترمذي، وقال «حديث حسن صحيح» وانظر «الإرواء» (١٧٦). و«المشكاة» (٧٣٩)، والنهي عن الصلاة في أعطان الإبِل لا يقتَضي القولَ بنجاستِها؛ كما لا يخفى.
(٧) أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٦٢٣)، وانظر «الإِرواء» (١٧٦).



قال: أتوضَّأ من لحوم الإِبل؟ قال: «نعم؛ فتوضَّأ من لحوم الإِبل». قال: أصلِّي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم». قال: أصلِّي في مبارك الإِبل؟ قال: «لا» (١).
جاء في «الفتاوى»: «وسُئل عن بول ما يؤكل لحمه؛ هل هو نجس؟
فأجاب: أمّا بول ما يؤكل لحمه وروث ذلك، فإِنَّ أكثر السلف على أنَّ ذلك ليس بنجس وهو مذهب مالك وأحمد وغيرهما، ويُقال: إِنَّه لم يذهب أحد من الصحابة إِلى تنجيس ذلك، بل القول بنجاسة ذلك قول مُحْدَث، لا سَلَف له من الصحابة، وقد بَسَطنا القول في هذه المسألة في كتاب مفرد، وبيَّنَّا فيه بضعة عشر دليلًا شرعيًّا، وأنَّ ذلك ليس بنجس، والقائل بتنجيس ذلك ليس معه دليل شرعيٌّ على نجاسته أصلًا» (٢).
وجاء فيه أيضًا: «... أنَّ هذه الأعيان لو كانت نجسة؛ لبيَّنه النّبيّ - ﷺ -، ولم يبيِّنْه؛ فليست نجسة، وذلك لأنَّ هذه الأعيان تكثر ملابسة الناس لها، ومباشرتهم لكثير منها، خصوصًا الأمَّة التي بُعِث فيها رسول الله - ﷺ -؛ فإِنَّ الإِبِل والغنم غالب أموالهم، ولا يزالون يُباشرونها ويباشرون أماكنها في مقامهم وسفرهم، مع كثرة الاحتفاء فيهم.
فلو كانت نجسة يجب غسل الثياب والأبدان والأواني منها، وعدم مخالطته، ويمنع من الصلاة مع ذلك، ويجب تطهير الأرض ممَّا فيه ذلك إِذا صُلّي فيها، ويحرُم شرب اللبن الذي يقع فيه بعْرها، وتُغسل اليد إِذا أصابها البول أو رطوبة البعر، إِلى غير ذلك من أحكام النجاسة؛ لوجب أن يبيِّن النّبيّ

-------------------------
(١) أخرجه مسلم: ٣٦٠
(٢) انظر»الفتاوى" (٢١/ ٦١٣) وما بعدها.



- ﷺ - بيانًا تحصل به معرفة الحكم، ولو بيَّن ذلك؛ لنُقِل جميعه أو بعضه؛ فإِنَّ الشريعة وعادة القوم توجب مِثل ذلك، فلمَّا لم ينقل ذلك؛ عُلِم أنَّه لم يبيِّن لهم نجاستها.
وعدم ذِكْر نجاستها دليل على طهارتها من جهة تقريره لهم على مباشرتها وعدم النَّهي عنه، والتقرير دليل الإِباحة، ومِن وجْه أنّ مِثل هذا يجب بيانه بالخطاب، ولا تُحال الأمّة فيه على الرَّأي؛ لأنَّه من الأصول، لا من الفروع ...» (١).
وجاء فيه أيضًا: «ومتى قام المقتضي للتحريم أو الوجوب ولم يذكُروا وجوبًا ولا تحريمًا؛ كان إِجماعًا منهم على عدم اعتقاد الوجوب والتحريم، وهو المطلوب، وهذه الطريقة معتمدة في كثير من الأحكام» (٢).
وفيه أيضًا: «... وهو إِجماع الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم في كل عصر ومصر على دياس الحبوب من الحنطة وغيرها بالبقر ونحوها، مع القطع ببولها وروثها على الحنطة، ولم ينكر ذلك منكر، ولم يغسل الحنطة لأجل هذا أحدٌ، ولا احترز عن شيء ممَّا في البيادر؛ لوصول البول إِليه، ولا أعلم لمن يخالف هذا شبهة» (٣).
وفيه أيضًا: «ما ثبت واستفاض من أنّ رسول الله - ﷺ - طاف على راحلته، وأدخَلها المسجد الحرام الذي فضَّله الله على جميع بقاع الأرض، ومعلوم أنَّه

-----------------------
(١) انظر»الفتاوى«(٢١/ ٥٧٨ وما بعدها) بحذف يسير.
(٢) انظر»الفتاوى«(٢١/ ٥٨١).
(٣)»الفتاوى" (٢١/ ٥٨٣ و٥٨٤)؛ بحذف يسير.



ليس على الدواب من العقل ما تمنع به من تلويث المسجد المأمور بتطهيره؛ للطائفين والعاكفين والرُّكَّع السجود، فلو كانت أبوالها نجسة؛ لكان فيه تعريض المسجد الحرام للتنجيس ...» (١).
قال ابن عباس: «طاف النّبيّ - ﷺ - على بعيره» (٢).
وعن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: «شكوت إِلى رسول الله - ﷺ - أني أشتكي، فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة، فطفتُ، ورسول الله - ﷺ - حينئذ يصلّي إِلى جنب البيت، وهو يقرأ: ﴿والطُّور وكِتابٍ مَسْطورٍ﴾ (٣)» (٤).
قال ابن بطال: «في هذا الحديث جواز دخول الدواب التي يؤكل لحْمها المسجد إِذا احتيج إِلى ذلك؛ لأنَّ بولها لا ينجسه؛ بخلاف غيرها من الدواب» (٥).
قال البخاري -رحمه الله-: «وصلّى أبو موسى في دار البريد والسِّرْقين

-----------------------
(١)»الفتاوى«(٢١/ ٥٧٣ و٥٧٤)؛ بحذف يسير.
(٢) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم في»كتاب الصلاة«ووصله في»كتاب الحج«برقم (١٦٠٧) من حديث ابن عبّاس -رضي الله عنهما- قال:»طاف النّبيّ - ﷺ - في حجّة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن«ورواه مسلم: ١٢٧٢
والمحجن: عصا محنيَّة الرأس، والحجن: الاعوجاج.
(٣) الطور: ١ - ٢
(٤) أخرجه البخاري: ١٦١٩
(٥)»الفتح" تحت الحديث (٤٦٤).



والبَرِّيَّة إِلى جنبه، فقال: ها هنا وثمَّ سواء» (١).

رابعًا: الدماء سوى دم الحيض والنفاس:
كنت قد تكلّمتُ في (باب النجاسات) عن نجاسة دم الحيض، وأما سائر الدِّماء؛ فطاهرة، سواء كان دم إِنسان أو دم مأكول اللحم من الحيوان؛ لأنَّ الأصل في الأعيان الطهارة، والبراءة الأصلية مستصحبة، فلا يُترك هذا الأصل إلا بنصٍّ صحيح.
ومن الأدلة على ذلك:
قصّة ذلك الصحابي الأنصاري الذي رماه المشرك بثلاثة أسهم وهو قائم يصلّي، فاستمرَّ في صلاته والدماء تسيل منه، وذلك في غزوة ذات الرقاع (٢).



-------------------------
(١) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم (كتاب الوضوء، باب أبوال الإِبِل والدواب والغنم ومرابضها).
قال الحافظ: «وهذا الأثر وصله أبو نعيم شيخ البخاري في كتاب الصلاة له».
والسِّرقين: هو الزّبل، ويُقال له: السِّرجين بالجيم. والبرية: الصحراء، منسوبة إِلى البر.
ودار البريد المذكورة: موضع بالكوفة، كانت الرسل تنزل فيه إِذا حضرت من الخلفاء إِلى الأمراء، وكان أبو موسى أميرًا على الكوفة في زمن عمر وفي زمن عثمان، وكانت الدار في طرف البلد، ولهذا كانت البرِّيَّة إِلى جنبها.
وقال المطرزي: البريد في الأصل: الدابَّة المرتبة في الرباط، ثمَّ سمّي به الرسول المحمول عليها، ثمَّ سُمّيت به المسافة المشهورة. «الفتح».
ومعنى سواء: يريد أنَّهما متساويان في صحة الصلاة. «الفتح» أيضًا.
(٢) أخرجه أبو داود وغيره من حديث جابر بسند حسن؛ كما في «الصحيحة» (٣٠٠).



https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif


ابوالوليد المسلم 01-01-2026 02:28 AM

رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
 
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 56الى صــ 70
الحلقة (5)





قال شيخنا -حفظه الله تعالى-: «ومن الظاهر أنَّ النّبيّ - ﷺ - عَلِم بها؛ لأنَّه يبعُد أن لا يطَّلع على مِثل هذه الواقعة العظيمة، ولم يُنْقَل أنَّه أخبره بأنّ صلاته بطلت؛ كما قال الشوكاني (١/ ١٦٥)» (١).
وكذلك قول الحسن -رحمه الله تعالى-: «ما زال المسلمون يصلُّون في جراحاتهم» (٢).
وعن محمد بن سيرين عن يحيى الجزَّار؛ قال: «صلى ابن مسعود -رضي الله عنه- وعلى بطنه فرث ودم جزور نحرها، ولم يتوضَّأ» (٣).
وصحَّ عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أيضًا: «أنَّه نحر جزورًا، فتلطَّخ بدمها وفرْثها، ثمَّ أقيمت الصلاة، فصلى ولم يتوضَّأ» (٤).
فائدة:
إِنَّ القائلين بنجاسة الدماء ليس عندهم حُجَّة؛ إِلا أنَّه محرَّم بنصّ القرآن، فاستلزموا من التحريم التنجيس؛ كما فعلوا تمامًا في الخمر، ولا يخفى أنَّه لا يلزم من التحريم التنجيس؛ بخلاف العكس؛ كما بيّنه الصنعاني في «سبل

-----------------------
(١) انظر»الصحيحة«تحت رقم (٣٠٠).
(٢) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم (كتاب الوضوء، باب من لم يرَ الوضوء إلاَّ من المخرَجيْن).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في»الأمالي«(٢/ ٥١/‏١) وغيره، وِإسناده صحيح؛ كذا في»الصحيحة«(تحت رقم ٣٠٠).
(٤) أخرجه عبد الرزاق في»المصنف«(١/ ١٢٥)، وغيره؛ كما في»تمام المنّة" (ص ٥٢).


السلام«ثمَّ الشوكاني وغيرهما ...» (١).
قال شيخنا -حفظه الله تعالى- «وجملة القول: أنَّه لم يَرِد دليل فيما نعلم على نجاسة الدم على اختلاف أنواعه؛ إلا دم الحيض، ودعوى الاتفاق على نجاسته منقوضة بما سبق من النقول، والأصل الطهارة، فلا يُتْرَك إلاَّ بنص صحيح يجوز به ترْك الأصل، وإِذ لم يَرِدْ شيء من ذلك؛ فالبقاء على الأصل هو الواجب، والله أعلم» (٢).
وذكر نحوه الشوكاني -رحمه الله- في «السيل الجرَّار» (٣) و«الدَّراري المضيَّة» (٤).

خامسًا: رطوبات فرج المرأة:
وذلك لاستصحاب البراءة الأصلية؛ كما تقدَّم مرارًا ذِكر هذه القاعدة، ولا أعلم أحدًا من أهل العلم ذكَرها في النجاسات.
واحتجَّ الشَّيخُ الموفَّقُ وغيره على طهارة رطوبة فرجِ المرأة: بأنَّ منيَّ الرَّجل عند الجماع يخالطُ منيَّ المرأة، ولو كان منيُّها نجسًا؛ لما اكتفى منه الرسول - ﷺ - بالفرك. «الفتح» (شرح الحديث ٢٣٠).

-------------------------
(١) انظر فقه حديث (٣٠٠) من «الصحيحة».
(٢) انظر «الصحيحة» تحت رقم (٣٠١).
(٣) (١/ ٤٤).
(٤) (١/ ٢٥ - ٢٦).



سادسًا: قيء الآدمي:
إِذِ الأصل الطهارة، فلا يُنقل عنها إلا بدليل.
قال الشوكاني في «السيل الجرَّار» (١/ ٤٣): «قد عرَّفناك في أول كتاب الطهارة أنَّ الأصل في جميع الأشياء الطهارة، وأنَّه لا يَنْقُل عن ذلك إلاَّ ناقلٌ صحيح صالح للاحتجاج به غيرَ معارض بما يرجُح عليه أو يساويه، فإِنْ وجدنا ذلك؛ فبها ونعمت، وإِنْ لم نجدْ ذلك كذلك؛ وَجَب علينا الوقوف في موقف المنع، ونقول لمدَّعي النجاسة:
هذه الدعوى تتضمَّن أنَّ الله سبحانه أوجب على عباده واجبًا هو غسل هذه العين التي تزعم أنَّها نجسة، وأنَّه يمنع وجودها صحة الصلاة بها؛ فهات الدليل على ذلك».
ولم يذكره -رحمه الله- في النجاسات في «الدرر البهية» (١).
وإلى طهارة قيء الآدمي ذهب شيخنا الألباني في «تمام المنة» (٢).

سابعًا: عرق الجنب والحائض:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أنَّ النّبيّ - ﷺ - لقِيَه في بعض طريق المدينة وهو جُنُب، فانخَنَسْتُ منه، فذهب فاغتسل ثمَّ جاء، فقال: «أين كنت يا أبا هريرة؟». قال: كنتُ جُنُبًا، فكرهتُ أن أجالسك وأنا على غير طهارة. فقال: «سبحان الله! إِنَّ المسلم لا ينجس» (٣).

-------------------
(١) وانظر «تمام المنَّة» (٥٣).
(٢) (ص ٥٣).
(٣) أخرجه البخاري: ٢٨٣، ومسلم: ٣٧١ نحوه، وتقدّم.



وبوَّب البخاري في «صحيحه» بابًا في ذلك، فقال: «باب عرق الجُنُب، وأن المسلم لا ينجُسُ».

ثامنًا: ميتة ما لا نفس له سائلة:
كالذُّباب والنَّمل والعنكبوت ونحو ذلك ... وذلك لأنَّ الأصل في الأعيان الطهارة والبراءة الأصلية مستصحبة.
وفي الحديث: «إِذا وقع الذُّباب في إِناء أحدكم؛ فلَيغْمِسْه كلَّه، ثمَّ ليطْرَحْه؛ فإِنَّ في إِحدى جناحيه داء وفي الآخر شفاء» (١).
وإِنَّما أمر بغمس الذباب كلّه حفاظًا على الطعام أو الشراب، وفيه دليل الطهارة.
وممَّن قال بطهارة ما لا نفس له سائلة: أبو البركات مجد الدين ابن تيمية في «منتقى الأخبار»، والشوكاني في شرحه «نيل الأوطار» (١/ ٦٨).
والصنعاني في «سبل السلام» (١/ ٣٦).

إِزالة النجاسات
أولًا: حكم إِزالة النجاسة:
وحكم إِزالة النجاسات فرض.
قال ابن حزم -رحمه الله-: «وإِزالة النجاسة وكل ما أمَر الله تعالى بإِزالته فرض».

-------------------
(١) أخرجه البخاري: ٥٧٨٢


وقال: «وهذه المسألة تنقسم أقسامًا كثيرة، يجمعها أنَّ كلَّ شيء أمَر الله تعالى على لسان رسوله - ﷺ - باجتنابه أو جاء نصٌّ بتحريمه أو أمَر كذلك بغسله أو مسْحه؛ فكلُّ ذلك فرض يعصي مَن خالفه؛ لما ذكرنا قَبْل مِنْ أَنَّ طاعته تعالى وطاعة رسوله - ﷺ - فرض» (١).

ثانيًا: قاعدة جليلة جامعة في تطهير النجاسات:
جاء في «السيل الجرَّار» (١/ ٤٢): «والواجب اتِّباع الدليل في إِزالة عين النجاسة، فما ورد فيه الغَسْل حتى لا يبقى منه لون ولا ريح ولا طعم؛ كان ذلك هو تطهيره. وما ورَد فيه الصبُّ أو الرشُّ أو الحتُّ أو المسح على الأرض أو مجرَّد المشي في أرض طاهرة؛ كان ذلك هو تطهيره.
وقد ثبت في السنَّة أنً النعل الذي يصيبه القذر يطهَّر بالمسح، وهو من المغلَّظة اصطلاحًا، وكذلك ورد في الثوب إِذا أصابه القذر عند المشي على أرض قذرة أنَّه يطهِّره المرور على أرض طاهرة» (٢).

ثالثًا: تطهير النجاسات:
١ - العَذِرة (الغائط):
وتُزال عند الاستنجاء بالماء أو الحجارة ونحوه:
أمّا الماء:
فلقوله تعالى: ﴿فيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ (٣).

-----------------
(١) «المحلَّى» (مسألة ١٢٠).
(٢) هناك تفصيلات طيبة (ص ٤٦ وما بعدها)، فارجع إِليها -إِن شئت-.
(٣) التوبة: ١٠٨



وقد نزلت هذه الآية في أهل قِباء؛ لأنهم كانوا يستنجون بالماء؛ كما في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال:»نزلت هذه الآية في أهل قِباء: ﴿فيهِ رِجالٌ يُحِبّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾«. قال: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم هذه الآية» (١).
وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «كان النّبيُّ - ﷺ - إِذا خرج لحاجته؛ أجيء أنا وغلام معنا إِداوة (٢) من ماء؛ يعني: يستنجي به» (٣).
وأمّا الحجارة:
فلقوله - ﷺ -: «لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار» (٤).
وعن عائشة -رضي الله عنها-: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِذا ذهب أحدُكم إِلى الغائط؛ فليستطب بثلاثة أحجار؛ فإِنَّها تجزئ عنه» (٥).
وأمّا ما يسدُّ عن الحجارة؛ كالورق ونحوه؛ فإِنَّه مستنبَط من عدَّة نصوص؛ منها:
ما يرويه أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: اتَّبعتُ النّبيّ - ﷺ - وخرج

--------------------
(١) أخرجه أبو داود، والترمذي، وغيرهما، وهو في «صحيح سنن أبي داود» (٣٤)، وصححه شيخنا في «الإِرواء» (٤٥).
(٢) إناء صغير من جلد؛ كما تقدَّم.
(٣) أخرجه البخاري: ١٥٠، وتقدَّم.
(٤) أخرجه مسلم: ٢٦٢
(٥) أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم، وصحّحه شيخنا -حفظه الله- في «الإرواء» (٤٤).



لحاجته. فكان لا يلتفت، فدنوتُ منه، فقال: «ابغني أحجارًا أستنفض بها - أو نحوه-، ولا تأتني بعظم ولا روث» (١).
فنهيُ النّبيّ - ﷺ - عن العظم والرَّوث دالٌّ على جواز ما سواهما ممّا تزال به النجاسة، ولو لم يَجُزْ هذا؛ لقال له - ﷺ -: «ابغني أحجارًا أستنفض بها» وسكت، أو قال: ولا تأتني بغيرها؛ بيدَ أنَّه - ﷺ - قال: «ولا تأتني بعظم ولا روث».
ومن المعلوم أنَّ النجاسات محصورة؛ بخلاف الأعيان الطاهرة؛ فإِنَّها غير ْمحصورة، فحصْر النهي عن العظم والروث يدلُّ على جواز استعمال غيرهما.
وقد علَّل النّبيّ - ﷺ - سبب هذا النهي، فقال: «لا تستنجوا بالرَّوث ولا بالعظام؛ فإِنَّه زاد إِخوانكم من الجنِّ» (٢).
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «... وهذا كما أنَّه لمَّا أمر بالاستنجاء بالأحجار؛ لم يختصَّ الحجر؛ إِلا لأنَّه كان الموجود غالبًا، لا لأنَّ الاستجمار بغيره لا يجوز، بل الصواب قول الجمهور في جواز الاستجمار بغيره؛ كما هو أظهر الروايتين عن أحمد؛ لنهيه عن الاستجمار بالروث

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٥٥
قال الحافظ في»الفتح -بحذف يسير-: «ابغِني؛ بالوصل من الثلاثي؛ أي: اطلب لي، وفي رواية بالقطع؛ أي: أعنِّي على الطَّلب، يُقال: أبغيتك الشيء؛ أي: أعَنْتُك على طلبه، والوصل أليق بالسياق».
ومعنى أستنفض: «أستخرج بها وأستنجي، والنفض: هزّ الشيء ليطير غباره».
(٢) أخرجه الترمذي وغيره، وروى مسلم نحوه، وانظر «الإِرواء» (٤٦).



والرِّمَّةَ (١) وقال:»إِنهما طعام إِخوانكم من الجنِّ«فلمّا نهى عن هذين تعليلًا بهذه العلَّة؛ عُلم أنَّ الحكم ليس مختصًا بالحجر، وإلاَّ لم يحتج إِلى ذلك» (٢). وذكر نحوه الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (١/ ٢٥٦).
وقال الشوكاني -رحمه الله- في «الدراري المضية»: «وإِذا لم توجد الأحجار؛ فغيرها يقوم مقامها للضرورة؛ ما لم يكن ذلك الغير ممَّا ورد النهي عنه؛ كالروثة والرجيع (٣) والعظم ...» (٤).
وتُطهّر العَذِرة من النِّعال بالتُّراب:
لقوله - ﷺ -: «إِذا وطئ أحدُكم بنعليه أذى؛ فإِنَّ التراب له طَهور» (٥).
وفي رواية: «إِذا وطئ الأذى بخُفَّيه؛ فطَهورهما التراب» (٦).

٢ - دم الحيض:
وتطهير دم الحيض من الثوب بحكِّه بضِلع وغَسْله بماء وسِدْر أو صابون ونحوه، ثم ينضح الماء في سائر الثوب:

--------------------
(١) أي: العظم البالي.
(٢) «الفتاوى» (٢١/ ٢٠٥).
(٣) أي: الرَّوث.
(٤) (١/ ٤٠ - ٤١).
(٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧١) وغيره، وانظر «المشكاة» (٥٠٣). وتقدَّم.
(٦) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٢)، والحاكم في «المستدرك». وتقدم.



لقوله - ﷺ -: «حُكِّيه بضِلْع، واغسليه بماء وسِدْر» (١).
وعن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- قالت: «سمعت امرأة تسأل رسول الله - ﷺ - عن ثوبها؛ إِذا طَهُرت من حيضها؛ كيف تصنع به؟
قال: إِن رأيتِ فيه دمًا؛ فحُكِّيه، ثم اقرصيه بماء، ثم انضحي في سائره، فصلِّي فيه» (٢).
قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «الصحيحة» (٢٩٩): «في هذه الرواية زيادة:»ثم انضحي في سائره«، وهي زيادة هامَّة؛ لأنَّها تبيِّن أنَّ قوله في رواية هشام:»ثم لتنضحه«؛ ليس المراد نضح مكان الدم، بل الثوب كله.
ويشهد له حديث عائشة قالت:»كانت إِحدانا تحيض، ثمَّ تقرص الدَّم من ثوبها عند طهرها، فتغسله، وتنضح على سائره، ثمَّ تصلِّي فيه«(٣).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-:»أنَّ خولة بنت يَسار -رضي الله عنها- أتت النّبيّ - ﷺ - فقالت: يا رسول الله! إِنَّه ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه، فكيف أصنع؟ قال: «إِذا طَهُرْتِ؛ فاغسليه، ثمَّ صلِّي فيه».

----------------------
(١) الضِّلع: العود الذي فيه اعوجاج، وتقدَّم معناه وتخريج الحديث في (باب النجاسات).
(٢) أخرجه أبو داود، والدارمي -والسياق له- والبيهقي وسنده حسن؛ كما في «الصحيحة» (١/ ٥٣٩) تحت رقم (٢٩٩).
وهو في «صحيح البخاري» (٣٠٧) بلفظ: «إِذا أصاب ثوب إحداكنَّ الدم من الحيضهّ؛ فلتَقْرصه، ثمَّ لتنضَحْه بماء، ثمَّ لتصلِّي فيه».
(٣) أخرجه البخاري: ٣٠٨ وابن ماجه، والبيهقي: (٢/ ٤٠٦ - ٤٠٧).



فقالت: فإِنْ لم يخرج الدَّم؟ قال: «يكفيك غسل الدم، ولا يضرُّك أثره» (١).
قال الشوكاني -رحمه الله-: «ويستفاد من قوله:»لا يضرُّك أثره«: أنَّ بقاء أثر النجاسة الذي عسُرت إِزالته: لا يضرُّ، لكن بعد التغيير بزعفران أو صفرة أو غيرهما، حتى يذهب لون الدم؛ لأنَّه مستقذر، وربَّما نسَبها من رآه إِلى التقصير في إِزالته» (٢).

٣ - الإِناء الذي ولغ فيه الكلب:
ويكون ذلك بغسله سبع مرات أولاهنَّ بالتراب.
لقوله - ﷺ -: «طَهور إِناء أحدكم إِذا ولَغَ فيه الكلب: أن يغسله سبع مرات
أولاهنَّ بالتراب» (٣).

٤ - البول:
ويُطهَّرُ البول عمومًا بالغَسْل:
ومن الأدلة على ذلك قوله - ﷺ -: «... وبول الجارية يُغسل» (٤).

------------------
(١) عن «صحيح سنن أبي داود» (٣٥١).
(٢) «نيل الأوطار» (١/ ٥٠).
(٣) أخرجه مسلم: ٢٧٩، وتقدَّم. وورد في «صحيح البخاري» بلفظ: «إِذا شرب الكلب في إِناء أحدكم؛ فليغسله سبعًا»، وتقدَّم.
وقد وردت في بعض الروايات: «السابعة بالتراب»،وهذا القول شاذٌّ، والأرجح: «الأولى بالتراب». وانظر «صحيح سنن أبي داود» (٦٦).
(٤) تقدَّم.



وأمّا إِذا كان بول ذَكَر رضيع لم يَطْعَم؛ فيخفَّف فيه بالنَّضح كما تقدَّم، لقوله - ﷺ - في الحديث السابق: «بَوْل الغلام يُنْضَح».
وكما في حديث أمِّ قيس بنت مِحْصَن -رضي الله عنها-: «أنَّها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إِلى رسول الله - ﷺ -، فأجْلَسَه رسول الله - ﷺ - في حِجْره، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فنضحه ولم يغْسِلْه» (١).
وكذلك حديث أبي السَّمح -رضي الله عنه- قال: كنتُ أخدم النّبيّ - ﷺ -، فكان إِذا أراد أن يغتسل؛ قال: «ولِّني قفاك»، فأوليّه قفاي، فأستره به، فأُتي بحسن -أو حسين-، فبال على صدره، فجئت أغسله، فقال: «يُغْسَل من بول الجارية، ويُرشُّ من بول الغلام» (٢).
وأمّا الأرض التي يصيبها البول:
فيَتِمُّ تطهيرها بأخذ ما بيل عليه من التراب وإلقائه، ثمَّ يُصبُّ على مكانه الماء.
فعن أبي هريرة: «أنَّ أعرابيًا دخل المسجد ورسول الله - ﷺ - جالس، فصلَّى ركعتين، ثمَّ قال: اللهمَّ ارحَمْني ومحمَّدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فقال النّبيّ - ﷺ -:»لقد تحجَّرتَ واسعًا«(٣)، ثمَّ لم يلبث أن بال في ناحية المسجد، فأسرع الناس إِليه، فنهاهم النّبيُّ - ﷺ -، وقال:»إِنَّما بُعِثْتم ميسِّرين، ولم تُبْعَثوا معسِّرين، صبُّوا عليه سَجْلًا من ماء أو قال: ذَنوبًا من ماء) «(٤).

-------------------
(١) تقدَّم.
(٢) تقدَّم.
(٣) أي: ضيَّقْتَ ما وسَّعه الله، وخصَّصْتَ به نفسك دون غيرك.»النهاية".
(٤) أخرجه البخاري: ٢٢٠، ومسلم: ٢٨٤ وأبو داود -وهذا لفظه- وغيرهم.



وفي رواية عبد الله بن معقل بن مقرِّن؛ قال: «صلَّى أعرابي مع النّبيّ - ﷺ - (بهذه القصة، وقال فيه): قال -يعني: النّبيّ - ﷺ --:»خذوا ما بال عليه من التراب، فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء«(١).

٥ - إِزالة الأذى من الذيل (٢) والثَّوب:
عن أمِّ ولد لإِبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف:»أنَّها سألت أم سلمة زوج النّبيّ - ﷺ -، فقالت: إِنِّي إِمرأة أطيل ذيلي، وأمشي في المكان القذِر، فقالت أمّ سلمة: قال رسول الله - ﷺ -: «يُطهِّره ما بعده» (٣).
وعن امرأة من بني عبد الأشهل -رضي الله عنها- قالت: «قلتُ: يا رسول

---------------------
(١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٦٧).
وقال أبو داود: وهو مرسَل؛ ابن معقِل لم يدرك النبي - ﷺ -».
قال شيخنا -حفظه الله-: «قلتُ: وهو مرسل صحيح الإِسناد، ورجاله كلهم ثقات، رجال الشيخين، وقد جاء مرسلًا وموصولًا من طرق أخرى، فالحديث بهما صحيح».
ومن الطرق الموصولة التي ذكَرها شيخنا طريق أنس: أنَّ أعرابيًا بال في المسجد، فقال النبي - ﷺ -: «احفِروا مكانه، ثمَّ صبُّوا عليه ذَنوبًا من ماء».
وهذا إِسنادٌ رجالُه ثقات؛ كما قال الحافظ في «تلخيص الحبير» (١/ ٣٧).
عن «صحيح سنن أبي داود» الأصل من نسخة شيخنا -حفظه الله تعالى-.
قلتُ: وذكر الحافظ في «الإِصابة» (٣/ ١٤٢) رقم (٦٦٤٣) أنَّه عبد الله بن مُغفَّل.
(٢) الذيل: آخر كل شيء، وذيل الإِزار والثوب: ما جُرَّ. «القاموس المحيط».
(٣) صحيح بما بعده، وانظر «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٩)، و«المشكاة» (٥٠٤).



الله! إِنَّ لنا طريقًا إِلى المسجد مُنْتِنة، فكيف نفعل إِذا مُطرنا؟ قال: «أليس بعدها طريق هى أطيب منها؟». قالت: قلتُ: بلى. قال: «فهذه بهذه» (١).

٦ - الوَدْي:
ويُطهَّر بالغَسْل.

٧ - المَذْي:
يُطهَّر ما لامس الفرج منه والأنثيين بالغَسْل، لقوله - ﷺ -: «ليغسل ذكره وأنثييه» (٢).
ويُطهره من الثياب بالنضح والرش:
كما في حديث سهل بن حُنيف -رضي الله عنه-: ... فقلت: يا رسول الله! كيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: «يكفيك أن تأخذ كفًّا من ماء، فتنضح به ثوبك، حيث ترى أنه أصاب منه» (٣).

٨ - جلد الميتة:
ويكون ذلك بدبغها:
لقوله - ﷺ -: «إِذا دُبِغ الإِهاب؛ فقد طهُر» (٤).
ولقوله - ﷺ -: «أيّما إِهاب دُبِغ فقد طَهُر» (٥).

------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٠). وانظر «المشكاة» (٥١٢).
(٢) تقدَّم.
(٣) تقدَّم.
(٤) أخرجه مسلم: ٣٦٦، وتقدَّم.
(٥) تقدَّم في (باب النجاسات).



٩ - إِذا وقع الفأر في السمن ونحوه:
يُلقي الفأر وما حوله، ويؤكَل السمن وما شابهه، هذا إِذا لم يكن في السمن المتبقِّي أثر لنجاسة في طعمٍ أو لونٍ أو رائحة، وإلاَّ؛ ألْقى ما تبقَّى.
وحُكم السَّمْن أو الزَّيْت؛ كحُكم الماء ولا فرق، وضابط الأمر يرتبط ببقاء أثرٍ للنَّجاسة أم لا.
ولا فرق بين القول في الجامد والمائع؛ إِلا من هذا الباب، وهو بقاء الأثر أو عدمه والله أعلم.
قال الزُّهري: «لا بأس بالماء ما لم يغيِّره طعمٌ أو ريحٌ أو لونٌ» (١).
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن ميمونة: أنَّ رسول الله - ﷺ - سُئل عن فأرة سقطت فىِ سمن؟ فقال: «ألقوها وما حولها فاطرحوه، وكلوا سمنكم» (٢).
وسئل شيخ الإِسلام -رحمه الله- عن الزيت إِذا كان في بئر، ووقع فيه نجاسة، فما الحكم إِذا كان دون القُلَّتين؟
فأجاب -رحمه الله-: «إِذا كان أكثر مِن القُلَّتين؛ فهو طاهر عند جمهور العلماء؛ كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم ...

---------------------
(١) أورده البخاري في»صحيحه«(كتاب الوضوء باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء) معلَّقًا بصيغة الجزم، ووصَله ابن وهب في»جامعه«عن يونس عنه.
وروى البيهقي معناه من طريق أبي عمرو -وهو الأوزاعي- عن الزهري. كذا في»الفتح".
(٢) أخرجه البخاري: ٢٣٥، وغيره.



والأظهر أنَّه إِذا لم يكن للنجاسة فيه أثر، بل استهلكت فيه، ولم تغيِّر له لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا؛ فإِنَّه لا ينجُس، والله أعلم» (١).

١٠ - إِذا كان الماء كثيرًا ووقعت فيه نجاسة:
إِن كان الماء لم يتغيَّر بالنجاسة؛ فهو طاهر، وِإنْ كانت عين النجاسة باقية؛ أُخِذَتْ منه ونُزِحَتْ وأُلقِيَت، وبهذا يكون سائر الماء طاهرًا.
جاء في «الفتاوى»: «وسُئل -رحمه الله- عن بئر وقع فيه كلب أو خنزير أو جمل أو بقرة أو شاة، ثمَّ مات فيها، وذهَب شعره وجلده ولحْمه، وهو فوق القُلَّتين؛ فكيف يُصنع به؟
فأجاب: الحمد لله، أي بئر وقع فيه شيء ممَّا ذكر أو غيره: إِنْ كان الماء لم يتغيَّر بالنجاسة؛ فهو طاهر، فإِن كانت عين النجاسة باقية؛ نُزِحَتْ منه وأُلقِيَتْ، وسائر الماء طاهر ...
وأمّا إِنْ كان الماء قد تغيَّر بالنجاسة؛ فإِنَّه يُنْزَحُ منه حتى يطيب، وإن لم يتغيَّر الماء؛ لم يُنْزَحْ منه شيء ... (وذكر حديث بئر بُضاعة)» (٢).

١١ - الماء القليل إِذا تنجَّس يطهُر بالمكاثرة:
وذلك حتى لا يبقى أثرُ ريحٍ أو طعمٍ أو لونٍ لنجاسة، وهذا إِذا تعذَّر التخلُّص من النجاسة؛ لظرف المكان ونحوه، إِذ الأصل إِزالة هذه النجاسة ونضْحها.

---------------
(١) «الفتاوى» (٢١/ ٥٢٩).
(٢) «الفتاوى» (٢١/ ٣٨ - ٣٩).



https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif


ابوالوليد المسلم 01-01-2026 02:33 AM

رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
 
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 71الى صــ 85
الحلقة (6)





١٢ - حبل الغسيل:
أما حبْل الغسيل؛ فيطهر إِذا صَعُبَ غسْله بالشمس والريح.
«وإن كان سِلكًا يمكنه مسْحه؛ فليَفْعَل» (١).

١٣ - إِذا استحالت النجاسة في الماء ولم يبق لها أثر؛ فإِنَّ الماء طهور:
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله- (٢): والصواب هو القول الأول (٣)، وأنه متى عُلم أنَّ النجاسة قد استحالت؛ فالماء طاهر، سواء كان قليلًا أو كثيرًا، وكذلك في المائعات كلِّها، وذلك لأنَّ الله تعالى أباح الطيِّبات وحرَّم الخبائث، والخبيث متميِّز عن الطيِّب بصفاته، فإِذا كانت صفات الماء وغيره صفات الطيِّب دون الخبيث؛ وجَبَ دخولُه في الحلال دون الحرام.
وأيضًا؛ فقد ثبَت من حديث أبي سعيد -رضي الله عنه-: أنَّ النّبيّ - ﷺ -
قيل له: أتتوضأ من بئر بُضاعة (وهي بئر يلقى فيها الحِيَض (٤) ولحوم الكلاب
والنتن)؟ فقال: «الماء طهور لا ينجِّسه شيء» (٥).

---------------------
(١) هذا مما استفدته من شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى-.
(٢) «الفتاوى» (٢١/ ٣٢ - ٣٣).
(٣) وقد ذكر خمسة أقوال في المسألة، وقال في الأول: «لا ينجس».
(٤) الحِيَض: بكسر الحاء وفتح الياء جمع حيضة -بكسر الحاء وسكون الياء: هي الخرقة التي تستعمل في دم الحيض، وانظر «تحفة الأحوذي» (١/ ٢٠٤).
(٥) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٦٠) وغيرهما، وتقدَّم. وانظر «الإرواء» (١٤).


وهذا اللفظ عامٌّ في القليل والكثير، وهو عامٌّ في جميع النجاسات.
وأمَّا إِذا تغيَّر بالنجاسة؛ فإِنما حرُم استعماله؛ لأنَّ جرْم النجاسة باقٍ، ففي استعماله استعمالها؛ بخلاف ما إِذا استحالت النجاسة؛ فإِنَّ الماء طَهور، وليس هناك نجاسةٌ قائمة.
ومما يبيِّن ذلك؛ أنَّه لو وقع خمر في ماء، واستحالت، ثمَّ شربها شارب؛ لم يكن شاربًا للخمر، ولم يجب عليه حدُّ الخمر، إِذ لم يبقَ شيء من طعْمها ولونها وريحها، ولو صُبَّ لبن امرأة في ماء، واستحال، حتى لم يبقَ له أثر، وشرب طفلٌ ذلك الماء؛ لم يَصِرْ ابنها من الرضاعة بذلك.
وأيضًا؛ فإِنَّ هذا باق على أوصاف خلقته، فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿... فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾؛ فإِنَّ الكلام إِنَّما هو فيما لم يتغيَّر بالنجاسة؛ لا طعمه، ولا لونه، ولا ريحه».
وبه قال الشوكاني -رحمه الله- في «السيل الجرَّار».
وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (٢١/ ٦١١): «... وعلى هذا؛ فدخان النار الموقدة بالنجاسة طاهر، وبخار الماء النَّجس الذي يجتمع في السقف طاهر».
"وسئل -رحمه الله- عن استحالة النجاسة؛ كرماد السِّرجين (١) والزّبل النَّجس تصيبه الريح والشمس فيستحيل ترابًا؛ فهل تجوز الصلاة عليه أم لا؟
فذَكَر أنَّ فيها قولين في مذهب مالك وأحمد، أحدهما أنَّ ذلك طاهر، وهو قول أبي حنيفة وأهل الظاهر وغيرهم، وهذا القول هو الراجح.

--------------------
(١) أى: الزّبل.


وقال -رحمه الله-: فأمَّا الأرض إذا أصابها نجاسة؛ فمن أصحاب الشافعي وأحمد من يقول: أنَّها تطهُر، وإن لم يقل بالاستحالة؛ ففي هذه المسألة مع مسألة الاستحالة ثلاثة أقوال، والصواب الطهارة في الجميع» (١).

رابعًا: هل الماء متعيّن في إِزالة النجاسة:
الماء متعيّن لإِزالة النجاسة؛ إلاَّ ما ورد فيه النصُّ؛ كالثوب يطهِّره المرور على أرض طاهرة، والنِّعال بالتراب ... ونحو ذلك.
قال شيخنا الألباني -حفطه الله-؛ -بعد حديث «حُكِّيه بضِلْع، واغسليه بماء وسِدْر» (٢) -: يُستفاد من هذه الأحاديث أحكام كثيرة، أذكر أهمَّها:
.... أنَّ النجاسات إِنَّما تُزال بالماء دون غيره من المائعات؛ لأنَّ جميع النجاسات بمثابة دم الحيض، ولا فرق بينه وبينها اتِّفاقًا، وهو مذهب الجمهور، ومذهب أبو حنيفة إِلى أنَّه يجوز تطهير النجاسة بكل مائع طاهر.
قال الشوكاني: والحقُّ أنَّ الماء أصْلٌ في التطهير؛ لوصفه بذلك كتابًا وسُنَّةً مطلقًا غير مقيَّد، لكن القول بتعيُّنه وعدم إِجزاء غيره يردُّه (٣).
مسْح النعل، وفرْك المنيِّ (٤) وإماطته بإِذخِرة ...

-------------------
(١) انظر «الفتاوى» (٢١/ ٤٧٨ و٤٧٩).
(٢) تقدَّم في (باب إِزالة النجاسة).
(٣) «نيل الأوطار» (ص ٤٨ و٤٩).
(٤) ومضى الكلام حول طهارة المنيّ.



وأمثال ذلك كثير، فالإِنصاف أن يُقال: إِنَّه يطهَّر كلُّ فرد من أفراد النجاسات المنصوص على تطهيرها بما اشتمل عليه النصُّ، لكنَّه إِنْ كان ذلك الفرد المحال عليه هو الماء؛ فلا يجوز العدول إِلى غيره؛ للمزيَّة التي اخُتصَّ بها، وعدم مساواة غيره له فيها، وإنْ كان ذلك الفرد غير الماء؛ جاز العدول عنه إِلى الماء لذلك، وإنْ وجد فرد من أفراد النجاسة لم يقع من الشارع الإِحالة في تطهيره على فرد من أفراد المطهِّرات، بل مجرد الأمر بمطلق التطهير، فالاقتصار على الماء هو اللاَّزم؛ لحصول الامتثال به؛ للقَطع، وغيره مشكوك فيه، وهذه طريقة متوسِّطة بين القولين، لا محيص من سلوكها».
قال شيخنا: «وهذا هو التحقيق، فشُدَّ عليه بالنَّواجذ.
وممَّا يدلُّ على أنَّ غير الماء لا يجزئ في دم الحيض: قوله - ﷺ - في الحديث الثاني:»يكفيك الماء«؛ فإِنَّ مفهومه أنَّ غير الماء لا يكفي، فتأمَّل» (١).
قال الحافظ تعليقًا على حديث عليٍّ -رحمه الله-: «كنتُ رجلًا مذَّاء»: «واستدلَّ به ابن دقيق العيد على تعيُّن الماء فيه دون الأحجار ونحوها؛ لأنَّ ظاهره يعيِّن الغسل، والمعيَّن لا يقع الامتثال إلا به، وهذا ما صحَّحه النوويُّ في»شرح مسلم«» (٢).
وقال الشوكاني -رحمه الله- في «الدَّراري المضيَّة» (١/ ٣٠):

------------------
(١) «الصحيحة» فقه الحديث رقم (٣٠٠).
(٢) «الفتح» (١/ ٣٧٩).



«ويطهُرُ ما تنجَّس بغسله حتى لا يبقى عينٌ ولا لونٌ ولا ريحٌ ولا طعمٌ، والنَّعل بالمسح، والاستحالة مطهِّرة؛ لعدم وجود الوصف المحكوم عليه، وما لا يمكن غسله؛ فبالصبِّ عليه أو النَّزح منه حتى لا يبقى للنجاسة أثر، والماء هو الأصل في التطهير، فلا يقوم غيره مقامه؛ إلا بإِذن من الشارع».

آداب التخلِّي وقضاء الحاجة
١ - أن يبتعد عن الناس ويستتر منهم:
عن المغيرة بن شعبه -رضي الله عنه-: أنَّ النّبيّ - ﷺ -: «كان إذا ذَهَب المذهب أبْعَدَ» (١).
وعن جابر بن عبد الله: أنَّ النّبيّ - ﷺ -: كان إذا أراد البَراز (٢)؛ انطلق حتى لا يراه أحد«(٣).
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال:»كان يذهب لحاجته إلى

--------------------
(١) أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم، وصححه شيخنا في «الصحيحة» (١١٥٩).
(٢) البَراز بالفتح: الفضاء الواسع، فكنّوا به عن قضاء الغائط كما كنّوا عنه بالخلاء، لأنهم كانوا يتبرَّزون في الأمكنة الخالية من الناس، قال الخطابي: المحدّثون يَروونه بالكسر وهو خطأ، لأنّه بالكسر مصدر من المبارزة في الحرب، وقال الجوهري بخلافه، وهذا لفظه: البِرَازُ المبارزة في الحرب، والبِرَاز أيضًا كناية عن ثفل الغذاء وهو الغائط، ثمَّ قال: والبَراز بالفتح: الفضاء الواسع، وتبرَّز الرجل أي: خرج إِلى البَراز للحاجة وانظر «النهاية».
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢) وغيره، وانظر «الصحيحة» (١١٥٩).



المُغمَّس«. قال نافع: المغمَّس: ميلين أو ثلاثة من مكة (١).
وعن يعلى بن مُرَّة عن أبيه -رضي الله عنه- قال:»كنتُ مع النّبيّ - ﷺ - في سفر، فأراد أن يقضي حاجته، فقال لي: «ائت تلك الأشاءتين (قال وكيع: يعني: النخل الصِّغار)، فقل لهما: إِنَّ رسول الله - ﷺ - يأمركما أن تجتمعا»، فاجتمعتا، فاستتر بهما، فقضى حاجته، ثم قال لي: «ائتهما، فقل لهما: لترجعْ كلُّ واحدة منكما إِلى مكانها»، فقلتُ لهما، فرجعتا (٢).

٢ - أن لا يتخلَّى في الطُّرق والظِّلال والموارد:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «اتَّقوا اللَّعَّانَيْن» (٣). قالوا: وما اللَّعَّانان يا رسول الله؟ قال: «الذي يتخلَّى (٤) في طريق الناس أو في ظلِّهم (٥)» (٦).

--------------------
(١) أخرجه السراج في «مسنده» بإسناد صحيح على شرط مسلم وغيره، وانظر «الصحيحة» (١٠٧٢).
وقيل بأنَّ المغمس مكان مستورة؛ إِما بهضاب، وإِما بعضاه، والعضاه: كل شجر له شوك؛ صغُر أو كبُر، والميل: قيل: ثلث الفرسخ، وقيل: هو مدّ البصر وقيل غير ذلك.
(٢) عن «صحيح ابن ماجه» (٢٧١).
(٣) قال الإِمام الخطابي -رحمه الله-: «المراد باللَّعَّانين: الأمرين الجالِبَيْن للَّعن، الحاملَين الناس عليه، والداعِيَين إليه، وذلك أنَّ مَن فعَلهما شُتِم ولُعِن؛ يعني: عادة الناس لعْنه، َ فلما صارا سببًا لذلك؛ أضيف اللعن إِليهما».
(٤) أي: يتغوّط.
(٥) قال الخطابي وغيره: هو مُستَظلّ الناس الذي اتَّخذوه مقيلًا ومناخًا ينزلونه ويقعدون فيه.
(٦) أخرجه مسلم: ٢٦٩



وعن معاذ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اتَّقوا الملاعن الثلاث: البِراز (١) في الموارد، وقارعة الطريق (٢)، والظلّ» (٣).

٣ - أن لا يبول في الماء الراكد أو المستحم:
عن جابر -رضي الله عنه- عن رسول الله - ﷺ -: «أنَّه نهى أن يُبال في الماء الرَّاكد» (٤).
وعن عبد الله بن مُغفَّل -رضي الله عنه-: قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يبولنَّ أحدُكم في مستحمِّه، ثم يغتسل فيه» (٥).

٤ - جواز البول في الإِناء أو الطَّست لمرض أو برد أو نحو ذلك:
عن أميمة بنت رقيقة -رضي الله عنها- قالت: «كان للنبي - ﷺ - قَدَح من عيدان؛ يبول فيه، ويضعه تحت السرير» (٦).

---------------------
(١) هو ثُفل الغذاء هنا، وتقدّم.
(٢) قارعة الطريق: أعلاه، أو جادَّته، أو وسطه، أو صدره، أو ما برز منه، فكلّها متقاربة مشتقة من القرع؛ أي: الضرب، فهي مقروعة بالقدم والحافر، وذلك من تسمية المفعول بالفاعل «فيض القدير».
(٣) أخرجه أبو داود، وابن ماجه، وغيرهما، وحسنه شيخنا -حفظه الله تعالى- في «الإرواء» (٦٢).
(٤) أخرجه مسلم: ٢٨١، وهو في «صحيح ابن ماجه» (٢٧٣)، و«صحيح سنن النسائي» (٣٤)، وله لفظ مقارب عند البخاري: ٢٣٩
(٥) أخرجه أبو داود «صحيح أبي داود» (٢٢) وغيره، وانظر «المشكاة» (٣٥٣).
(٦) أخرجه أبو داود والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣٢) وانظر «المشكاة» (٣٦٢).



وعن إِبراهيم عن الأسود؛ قال: ذكروا عند عائشة أنَّ عليًّا -رضي الله عنهما- كان وصيًّا، فقالت: «متى أوصى إِليه، وقد كنتُ مسنِدَتَه إِلى صدري -أو قالت: حَجري-، فدعا بالطَّسْت (١)، فلقد انخنث (٢) في حَجري، فما شعرتُ أنَّه قد مات، فمتى أوصى إِليه؟!» (٣).

٥ - ألا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض حتى لا تنكشف عورته:
لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان إِذا أراد حاجة؛ لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض» (٤).

٦ - أن يقول عند دخول الخلاء: «بسم اِلله، اللهمَّ إني أعوذ بك من الخبُث والخبائث»:
لقوله - ﷺ -: «سَتْر ما بين الجنِّ وعورات بني آدم إِذا دَخَلَ الخلاء أن يقول: بسم الله» (٥).
ولحديث عبد العزيز بن صهيب؛ قال: سمعتُ أنسًا يقول: «كان النّبيّ - ﷺ - إِذا دخل الخلاء؛ قال:»اللهمَّ إِني أعوذ بك من الخُبُث«(٦)

------------------
(١) الإِناء.
(٢) أي: انثنى ومال لاسترخاء أعضائه عند الموت.
(٣) أخرجه البخاري: ٢٧٤١ و٤٤٥٩ وغيره، وانظر»صحيح سنن النسائي«(٣٣).
(٤) عن»صحيح سنن أبي داود«(١١)، وانظر»الصحيحة«(١٠٧١).
(٥) أخرجه أبو داود، وابن ماجه، وغيرهما، وصحّحه شيخنا في»الإرواء«(٥٠).
(٦) ويجوز إسكان الباء، وانظر»الفتح" (١/ ٢٤٣).



والخبائث (١)» (٢).

٧ - عدم استقبال القبلة:
عن أبي أيُّوب الأنصاري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا أتى أحدُكم الغائط؛ فلا يستقبل القبلة، ولا يولِّها ظهرَه، شرِّقوا أو غرِّبوا (٣)» (٤).
وعن سلمان -رضي الله عنه- قيل له: قد علَّمكم نبيُّكم كلَّ شيء، حتى الخِراءة (٥). قال: فقال: «أجل؛ لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو نستنجيَ باليمين، أو أن نستنجيَ بأقلَّ من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجيَ برجيع (٦) أو بعظم» (٧).

-----------------------
(١) الخُبْث: جمع خبيث، والخبائث: جمع خبيثة؛ يريد: ذُكران الشياطين وإناثهم. قاله الخطابي وابن حبان وغيرهما. «فتح».
وأصل الخبائث: المعاصي، أو مطلق الأفعال المذمومة.
(٢) أخرجه البخاري: ١٤٢، ومسلم: ٣٧٥
(٣) وليس التشريق أو التغريب عامًّا لكل البلاد، فمن الناس من يشرِّق أو يغرِّب فيستقبل القبلة أو يستدبرها، والمراد عدم استقبال القبلة أو استدبارها؛ كما هى الإشارة في أوَّل الحديث.
(٤) أخرجه البخاري: ١٤٤
(٥) التخلِّي والقعود للحاجة؛ قال الخطابي: «وأكثر الرواة يفتحون الخاء». «النهاية».
(٦) الرَّجيع: العَذرة والرَّوث، سُمي رجيعًا؛ لأنَّه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان طعامًا أو علفًا. «النهاية».
(٧) أخرجه مسلم: ٢٦٢



قال ابن حزم -رحمه الله تعالى-: «ولا يجوز استقبال القبلة واستدبارها للغائط والبول؛ لا في بنيان، ولا في صحراء، ولا يجوز استقبال القبلة فقط كذلك في حال الاستنجاء.
(ثمَّ ذكر حديث أبي أيوب -رضي الله عنه- وغيره، وذكر أيضًا من قال بذلك من السَّلَف)» (١).
وعن يحيى بن يحيى؛ قال: قلتُ لسفيان بن عيينة: سمعتَ الزُّهريَّ يذكر عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب: أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: «إِذا أتيتُم الغائط؛ فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببولٍ ولا غائط، ولكنْ شرِّقوا وغرِّبوا».
قال أبو أيوب: «فقَدمْنا الشام؛ فوَجَدْنا مراحيضَ قد بُنِيَت قِبَل القِبلةِ، فننحرف عنها ونستغفر اللَّه؟ قال: نعم (٢)» (٣).
وربَّما يُشْكِل على البعض حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «ارتقَيْتُ فوق بيت حفصةَ لبعض حاجتي، فرأيتُ رسولَ الله - ﷺ - يقضي حاجَتَه مُسْتَدْبِرَ القِبلة مستقبِلَ الشام» (٤).
وقول مروان الأصفر: «أناخَ ابنُ عُمر بعيرَه مستقبلَ القِبلة، ثمَّ جَلَس يبولُ

-----------------------
(١) انظر»المحلّى«(مسألة ١٤٦).
(٢) جواب لقوله في البداية:»سمعتَ الزُّهري ... " إِلخ.
(٣) أخرجه البخاري: ٣٩٤، ومسلم: ٢٦٤
(٤) أخرجه البخاري: ١٤٨، ومسلم: ٢٦٦



إِليها، فقلتُ (١): يا أبا عبد الرحمن! أليس قد نُهِيَ عن هذا؟ قال: بلى؛ إِنَّما نُهِيَ عن هذا في الفضاء، أمَّا إِذا كان بينك وبينَ القِبلة شيءٌ يستُرُك؛ فلا بأسَ» (٢).
فالجواب عن ذلك:
«١ - إِنَّ كل النصوص المتعلِّقة بالموضوع لا تعدو أن تكون قوليَّة أو فعليَّة، سوى أثر ابن عمر، وهو موقوف، ولا يُعارَض المرفوع بالموقوف؛ كما هو معلوم.
٢ - إِذا تعارضَ قولٌ وفِعلٌ؛ قُدِّم القول على الفعل؛ كما هو مقرَّر في علم الأصول، والقول يأمر بعدم استقبال القِبّلة أو استدبارها ببولٍ أو غائط.
٣ - إِذا تعارَضَ حاظِرٌ ومُبيحٌ؛ قدِّمَ الحاظر على المُبيح.
٤ - لقد ثبتَ النَّهي عن البصقِ تجاه القبلة؛ كما في الحديث:»من تَفَلَ تجاه القِبلة؛ جاء يومَ القيامة وتفلتُه بينَ عينيه«(٣).
ومن هذا الحديث يُستَنْبَط أنَّ النَّهي عن استقبال القبلة ببول أو غائطٍ؛ إِنَّما هو مطلقٌ يشمل الصحراء والبُنيان؛ لأنَّه إِذا أفاد الحديث أنَّ البصقَ تجاه القِبلة لا يجوز مُطلقًا؛ فالبول والغائط مستقبلًا لها لا يجوز بالأولى» (٤).

----------------------
(١) أي: مروان الأصفر.
(٢) أخرجه أبو داود: ١١، «صحيح سنن أبي داود» (٨)، وغيره، وانظر «الإِرواء» (٦١).
(٣) أخرجه أبو داود، وغيره، وِإسناده صحيح؛ وانظر «الصحيحة» (٢٢٢).
(٤) كذا قاله لي بمعناه شيخُنا الألباني -حفظه الله-.



٨ - التحفُّظ من البول كي لا يصيبَ البدن والثياب، والتَّغليظ في ترك غسْله إِذا أصاب البدن والثياب (١):
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال:»مرَّ النّبيّ - ﷺ - بحائط (٢) من حيطان المدينة -أو مكة-، فَسَمع صوت إِنسانين يعذَّبان في قبورهما، فقال النّبيّ - ﷺ -: «يُعذَّبان، وما يُعَذَّبان في كبير»، ثمَّ قال: «بلى، كان أحدهما لا يستتر (٣) من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة» (٤).

٩ - عدم الاستنجاء باليمين:
وذلك لما سبق في حديث سلمان: «... نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجيَ بأقلّ من ثلاثة أحجار» (٥).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كانت يد رسول الله - ﷺ - اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وكانت اليُمنى لوضوئه ولمَطعمه» (٦).
وعن أبي قتادة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا شرب أحدُكم؛ فلا يتنفَّس في الإِناء، وإذا أتى الخلاء؛ فلا يمسّ ذكره بيمينه، ولا

--------------------
(١) هذا العنوان من»صحيح ابن خزيمة«.
(٢) أي: بستان.
(٣) أي: لا يستبرئ ولا يتطهَّر كما تقدَّم.
(٤) أخرجه البخاري: ٢١٦، ومسلم: ٢٦٢، وغيرهما، وتقدم مختصرًا.
(٥) تقدَّم تحت رقم (٧).
(٦) أخرجه أبو داود، وأحمد، وسنده صحيح كما قال النَّووي والعراقي، وانظر تفصيله في»الإرواء" تحت رقم (٩٣).



يتمسَّح بيمينه (١)» (٢).
وعنه أيضًا؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا دخل أحدُكم الخلاء؛ فلا يمسَّ ذَكَرَة بيمينه» (٣).

١٠ - الاستنجاء بالماء:
عن أنس بن مالك قال: «كان النّبيّ - ﷺ - إِذا خرجَ لحاجته؛ أجيء أنا وغلام معنا إِداوة (٤) من ماء؛ يعني: يستنجي به» (٥) ....
وعنه -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يتبرَّز لحاجته، فآتيهِ بالماء، فيَتَغَسَّلُ به» (٦).

١١ - إِذا استجمر بالحجارة؛ فلا يجْعَلْها أقلَّ من ثلاثة:
لحديث سلمان المتقدِّم: «نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول ... أو أن نستنجيَ بأقل من ثلاثة أحجار».
وأيضًا؛ لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «... وكان يأمر بثلاثة

---------------------
(١) أى: لا يستنج.
(٢) أخرجه البخاري: ١٥٣، ومسلم: ٢٦٧
(٣) أخرجه مسلم: ٢٦٧
(٤) هي إِناء صغيرمن جلد؛ كما تقدَّم في أول الكتاب.
(٥) أخرجه البخاري: ١٥٠، وهو في»صحيح مسلم" (٢٧١) نحوه، وتقدّم قريبًا.
(٦) أخرجه مسلم: ٢٧١



أحجار، وينهى عن الرَّوث والرِّمَّة» (١).
ولقوله - ﷺ -: «إِذا ذهب أحدكم إِلى الغائط؛ فليستطب بثلاثة أحجار؛ فإِنَّها تجزئ عنه» (٢).

١٢ - عدم الاستنجاء بالرَّوث أو العظم:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: اتَّبعتُ النّبيّ - ﷺ - وخرج لحاجته، فكان لا يلتفت، فدنوتُ منه، فقال: «ابغني أحجارًا أستنفضُ بها -أو نحوه-، ولا تأتني بعظم ولا روث»، فأتيتُه بأحجارٍ بطرف ثيابي، فوضعتُها إِلى جنبه، وأعرَضْتُ عنه، فلما قضى؛ أتْبَعَه بهنَّ«(٣).
وعن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه: أنَّه سمع عبد الله يقول: أتى النّبيُّ - ﷺ - الغائطَ، فأمَرَني أن آتيَه بثلاثة أحجار، فوجدتُ حجرين، والتمست الثالث؛ فلم أجده، فأخذتُ روثةً، فأتيتُه بها، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال:»هذا رِكْس (٤) «(٥).

------------------------
(١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٦)، وبعضه في مسلم: ٢٦٢، وتقدّم قريبًا والمراد بالرِّمة: العظم البالي.
(٢) أخرجه أحمد وأبو داود، وغيرهما، وانظر»الإِرواء«(٤٤)، وتقدّم، ويُفهم من الحديث أنَّ أقلَّ من ثلاث لا تجزئ.
(٣) أخرجه البخاري: ١٥٥، وتقدَّم في (باب إِزالة النجاسات).
(٤) جاء في»الفتح" (١/ ٢٥٨): الرِّكس: لغة في رجس؛ بالجيم، وقيل: الرِّكس الرَّجيع، رُدَّ من حالة الطهارة إِلى حالة النجاسة. قاله الخطابي وغيره. والأولى أن يقال: رُدَّ من حالة الطعام إِلى حالة الروث.
(٥) أخرجه البخاري: ١٥٦



وعن جابر -رضي الله عنه- قال: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يُتمسَّح بعظْم أو ببعْر» (١).
وعلَّل رسول الله - ﷺ - سبب نهيه عن الاستنجاء بالرَّوث والعظام، لأنَّه زاد إِخواننا من الجنِّ، كما في حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: «لا تستنجوا بالرَّوث ولا بالعظام؛ فإِنَّه زاد إِخوانكم من الجنِّ» (٢).

١٣ - عدم ردِّ السلام عند قضاء الحاجة:
عن ابن عمررضي الله عنهما-: «أنَّ رجلًا مرَّ ورسول الله - ﷺ - يبول، فسلَّم، فلم يردَّ عليه» (٣).
وعن المهاجر بن قنفذ -رضي الله عنه-: أنَّه أتى النّبىّ - ﷺ - وهو يبول، فسلَّم عليه، فلم يردَّ عليه حتى توضَّأ، ثمَّ اعتذر إِليه، فقال: «إِنِّي كرهتُ أن أذكر الله -عز وجل- إِلا على طهر (أو قال: على طهارة)» (٤).

١٤ - أن يقول عند الخروج من الخلاء: غفرانك:
كما في حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان النّبيّ - ﷺ - إِذا

------------------------
(١) أخرجه مسلم: ٢٦٣
(٢) أخرجه أحمد، والترمذي، وغيرهما، وصححه شيخنا فى»الإِرواء«(٤٦)، وتقدّم.
(٣) أخرجه مسلم: ٣٧٠، وغيره.
(٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٣)، والنسائي والدارمي، وانظر»الصحيحة" (٨٣٤).



https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif


ابوالوليد المسلم 01-01-2026 02:39 AM

رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
 
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 86الى صــ 100
الحلقة (7)





خرج من الخلاء، قال: غُفرانك» (١).

١٥ - دلْك اليد بالأرض بعد الاستنجاء:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - قضى حاجته، ثمَّ استنجى من تور، ثمَّ دَلَكَ يده بالأرض» (٢).
واستعمال الصابون ونحوه يجزئ عن ذلك.

هل يجوز التبوُّل قائمًا؟
لقد وَرَدَ عن عائشة -رضي الله عنها- قولُها: «من حدَّثكم أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يبولُ قائمًا، فلا تصدِّقوه، ما كان يبولُ إلا قاعدًا» (٣).
وما بَدَر عن عائشة -رضي الله عنها- نفيٌ، وقد حدَّثَتْ بما عَلِمَتْ.
وقد ورَدَ الإِثبات من حُذيفة -رضي الله عنه- وحدَّث بما عَلِمَ، فنُقدِّمه على النفي، وذلك بقوله: «أتى النّبيّ - ﷺ - سُباطَةَ (٤) قومٍ، فبال قائمًا» (٥).
ومن علم حجَّة على من لم يعلم.

------------------------
(١) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد»، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم، وهو في «الإِرواء» (٥٢)، و«صحيح سنن أبي داود» (٢٤٤).
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٥) وغيره، وانظر «المشكاة» (٣٦٠).
(٣) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٩) وغيره، وانظر «الصحيحة» (٢٠١).
(٤) المزبلة والكناسة: تكون بفناء الدور مرفقًا لأهلها. «الفتح».
(٥) أخرجه البخاري: ٢٢٦، ومسلم؛ ٢٧٣، وغيرهما.


قال الحافظ في «الفتح» (١/ ٣٣٠): «وقد ثَبَتَ عن عُمر وعليٍّ وزيد بن ثابت وغيرهم: أنَّهم بالوا قيامًا، وهو دالٌّ على الجواز من غير كراهة إِذا أمِنَ الرَّشاش، والله أعلم، ولم يثبُتْ عن النّبيّ - ﷺ - في النَّهي عنه شيءٌ (١)؛ كما بيَّنتُه في أوائل شرح التِّرمذي، والله أعلم».
أمَّا قولُ عمر -رضي الله عنه-: «ما بُلْتُ قائمًا منذُ أسلمتُ» (٢)؛ فَيُقابل بقول زيد -رضي الله عنه-: «رأيتُ عُمر بال قائمًا» (٣).
قال شيخنا- حفظه الله-: «ولعلَّ هذا وقع من عمر -رضي الله عنه- بعد قوله المتقدِّم، وبعدما تبيَّن له أنَّه لا شيء في البول قائمًا» اهـ.
فخُلاصة القول كما قال الحافظ -رضي الله عنه-: «جواز البول قائمًا من غير كراهة إِذا أمِنَ الرَّشاش».

--------------------------
(١) أما حديث: «يا عُمر! لا تَبُل قائمًا»؛ فإِنَّه ضعيف، وقد رواه ابن حبان في «صحيحه».
قال شيخنا في «الضعيفة» (٩٣٤): «وهذا سند ظاهره الصحَّة؛ فإِنَّ رجاله ثقات، لكنه معلول بعنعنة ابن جرير؛ فإِنَّه كان مدلِّسًا، وقال أبو عيسى في»سننه«(باب ما جاء في النهي عن البول قائمًا، تحت الحديث رقم ١٢): وِإنَّما رفعَ هذا الحديث عبد الكريم بن المُخارق، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعَّفه أيوب السختياني، وتكلَّم فيه».
(٢) أخرجهما ابن أبي شيبة في «المصنَّف»، وِإسنادهما صحيح؛ كما ذكر شيخنا في التعليق على حديث (٩٣٤) من «الضعيفة».
(٣) أخرجهما ابن أبي شيبة في «المصنَّف»، وِإسنادهما صحيح؛ كما ذكر شيخنا في التعليق على حديث (٩٣٤) من «الضعيفة».



الوضوء
الوُضوء (بالضمّ): الفِعْل، وبالفتح (الوَضوء): ماؤه، ومصدر أيضًا، أو لُغتان قد يُعني بهما المصدر وقد يُعني بهما الماء (١).
قال الحافظ (٢): «وهو مشتقٌّ من الوَضاءَة، وسُمّي بذلك لأنَّ المصلّي يتنظّف به فيصير وضيئًا».

فضل الوُضوء
عن نعيم المُجمِر؛ قال: رَقِيتُ (٣) مع أبي هريرة -رضي الله عنه- على ظهْر المسجد فتوضّأ فقال: إِنّي سمعْت النّبيّ - ﷺ - يقول: «إِنَّ أمَّتي (٤) يُدعوَن يوم القيامة غُرًّا (٥) مُحَجَّلينَ (٦) من آثار الوُضوء» (٧).

---------------------
(١) عن «القاموس المحيط»، وذكر نحوه الحافظ في «الفتح».
(٢) وذكر نحوه الشوكاني في «نيل الأوطار» (أبواب صفة الوضوء ...).
(٣) بكسر القاف؛ أي: صعدتُ.
(٤) أمَّة الإجابة، وهم المسلمون، لا أمَّة الدَّعوة. انظر «الفتح».
(٥) جمع أغرّ؛ أي: ذو غُرَّة، وأصل الغُرّة: لمعة بيضاء تكون في جبهة الفرس، ثمَّ استعملت في الجمال والشهرة وطيب الذِّكْر، والمراد بها هنا: النّور الكائن في وجوه أمَّة محمّد - ﷺ -، وغُرًّا: منصوب على المفعوليَّة ليُدعَوْن، أو على الحال؛ أي: أنهم إِذا دُعوا على رؤوس الأشهاد؛ نودوا بهذا الوصف، وكانوا على هذه الصفة.
(٦) من التَّحجيل، وهو بياض يكون في ثلاث قوائم الفرس، وأصْله من الحِجل، وهو الخَلخال، والمراد به هنا أيضًا النور. «الفتح».
(٧) أخرجه البخاري: ١٣٦، ومسلم: ٢٤٦، وحذفت الشطر الآخر من الحديث =



وعن أبي مالك الأشعريّ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الطُّهورُ (١) شَطر الإِيمان» (٢).
وعن حُمران مولى عثمان عن عثمان -رضي الله عنه- قال: رأيتُ رسول الله - ﷺ - توضّأ مثل وُضوئي هذا، ثمَّ قال: «من توضّأ هكذا؛ غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إِلى المسجد نافلة» (٣).
وعنه أيضًا؛ قال: سمِعْتُ عثمان وهو بفناء (٤) المسجد، فجاءه المؤذّن عند العصر، فدعا بوَضوء فتوضّأ، ثمَّ قال: والله لأحدّثنّكم حديثًا (٥)؛ لولا آية

----------------------
= لأنَّه مدْرج، ولفظه: «فمن استطاع منكم أن يُطيل غُرَّته؛ فليفعل».
قال الحافظ في «الفتح»: «... ثمَّ إِنَّ ظاهره بقيَّة حديث، لكن رواه أحمد من طريق فليح عن نعيم: لا أدري قوله:»من استطاع ... «إِلخ من قول النّبيّ - ﷺ - أو قول أبي هريرة، ولم أر هذه الجملة في رواية أحد؛ ممَّن روى الحديث من الصحابة، وهم عشرة، ولا ممَّن رواه عن أبي هريرة غير رواية نعيم هذه، والله أعلم».
وقد فصَّل القول في ذلك شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى- في «السلسلة الضعيفة» (١٠٣٠)، فارجع إِليها -إِن شئت- وِإلى هذا ذهب شيخ الإِسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم -رحمهما الله تعالى- وغيرهما.
(١) الطُّهور: بضم أوله: إِذا أريد به الفعل الذي هو المصدر، والطَّهور بالفتح: الماء لذي يُتطَّهر به.
(٢) أخرجه مسلم: ٢٢٣
(٣) أخرجه مسلم: ٢٢٩
(٤) بين يدي المسجد أو في جواره.
(٥) قال النووي: فيه جواز الحلف من غير ضرورة الاستحلاف.



في كتاب الله ما حدَّثْتُكُم: إِنّي سمِعْت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يتوضّأ رَجُلٌ مسلم فيُحسنُ الوُضوء، فيصلّي صلاةً، إلاَّ غَفَرَ الله له ما بينه وبين الصلاة التي تليها».
«قال عُروة: الآية: ﴿إِنَّ الذين يكْتُمونَ ما أنْزَلْنا من البيِّنات والهدى﴾ إِلى قوله: ﴿اللاّعِنونَ﴾ (١)» (٢).
وعن عثمان بن عفّان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أتمَّ الوُضوءَ كما أمَره الله تعالى؛ فالصّلوات المكتوبات كفّارات لما بينهنَّ» (٣).
وعن حُمران مولى عثمان قال: توضّأ عثمانُ بنُ عفّانَ وُضوءًا حسنًا، ثمَّ قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضّأ فأحسن الوُضوء، ثمَّ قال: «من توضّأ هكذا، ثمَّ خرج إِلى المسجد لا ينهزُه (٤) إلا الصّلاة، غُفر له ما خلا من ذنبه» (٥).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: "إِذا توضأ العبد المسلم (أو المؤمن)، فغَسل وجهه؛ فخرج من وجهه كلُّ خطيئة نظر

--------------------
(١) البقرة: ١٥٩
(٢) أخرجه البخاري: ١٦٠، ومسلم: ٢٢٧
(٣) أخرجه مسلم: ٢٣١
(٤) أي: لا يدفعه أو يحرِّكُه.
(٥) أخرجه مسلم: ٢٣٢



إِليها بعينيه مع الماء (أو آخر قَطرْ الماء)، فإِذا غسل يديه؛ خرج من يديه كلُّ خطيئة كان بطَشَتها (١) يداه مع الماء (أو آخر قطر الماء)، فإِذا غسل رجليه؛ خرجت كلُّ خطيئة مشتها رجلاه مع الماء (أو آخر قطر الماء)، حتى يخرُج نقيًّا من الذّنوب» (٢).
وعن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من توضّأ فأحسن الوُضوء؛ خَرجت خطاياه من جسده، حتى تخرج من تحت أظفاره» (٣).

الوضوء شرط من شروط الصلاة
قال تعالى: ﴿يا أيّها الذين آمنوا إِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاة فاغْسلُوا وُجوهَكُم وأيْديَكُم إِلى المرافقِ وامْسَحُوا برؤوسكُم وأرجُلَكُمَ إِلى الكعْبَيْن﴾ (٤).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تُقبل (٥) صلاةُ من أحدثَ حتى يتوضّأ».

-----------------
(١) أي: اكتسبتها.
(٢) أخرجه مسلم: ٢٤٤، وغيره.
(٣) أخرجه مسلم: ٢٤٥، وغيره.
(٤) المائدة: ٦
(٥) جاء في «الفتح» تحت حديث (رقم ١٣٥): "المراد بالقَبول: هنا ما يُرادف الصحّة، وهو الإِجزاء، وحقيقة القبول ثمرة وقوع الطاعة مجزئة رافعة لما في الذِّمَّة، =



قال رجلٌ من حضرَمَوت: ما الحدث (١) يا أبا هريرة؛ قال: فُساء أو ضُراط.
وعن مصعب بن سعد -رضي الله عنه- قال: «دَخَل عبد الله بن عمر على ابن عامر يعودُه وهو مريض، فقال: ألا تدعو الله لي يا ابن عمر؟ قال: إِنّي سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول:»لا تُقبل صلاة بغير طُهور، ولا صدقةٌ من غُلُول (٢) «وكنتَ على البصرة» (٣) (٤).

----------------------
= ولمَّا كان الإِتيان بشروطها مظنَّة الإِجزاء الذي القَبول ثمرتُه، عبَّر عنه بالقبول مجازًا، وأمَّا القبول المنفي في مثل قوله - ﷺ -: لا من أتى عرَّافًا؛ لم تُقبل له صلاة«؛ فهو الحقيقي؛ لأنَّه قد يصح العمل وَيتخلَّف القَبول لمانع، ولهذا كان بعض السّلف يقول: لأن تُقبل لي صلاة واحدة أحبُّ إِليَّ من جميع الدنيا، قاله ابن عمر.
قال: لأنَّ الله تعالى قال: ﴿إِنَّما يتقبل الله من المتقين﴾ (المائدة: ٢٧)» انتهى كلامه -رضي الله عنه- والحديث بلفظ: «من أتى عرَّافًا، فسأله عن شيء؛ لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة»، أخرجه مسلم: ٢٢٣٠، وغيره.
(١) الحدث: الخارج من أحد السَّبيلين، وتفسير أبي هريرة الأخصّ من ذلك تنبيهًا بالأخفّ على الأغلظ. (الفتح) رواه البخاري: ١٣٥، ومسلم: ٢٢٥ دون قوله: «قال رجل».
(٢) الغُلول: الخيانة، وأصله السَّرقة من مال الغنيمة قبل القِسمة.
(٣) أخرجه مسلم: ٢٢٤
(٤) قال النووي في «شرح مسلم»: "فمعناه: أنَّك لست بسالمٍ من الغلول، فقد كنت واليًا على البصرة، وتعلَّقت بك تَبعات من حقوق الله تعالى وحقوق العباد، ولا يقبل الدُّعاء لمن هذه صفته؛ كما لا تقبل الصلاة والصدقة إلاَّ من مُتصوَن، والظاهر -والله أعلم- أنَّ ابن عمر قصدَ زجر ابن عامر وحثَّه على التوبة وتحريضه على الإقلاع عن المخالفات =



وعن عليّ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مِفتاحُ الصلاة الطَّهور، وتحريمها التّكبير، وتحليلها التّسليم» (١).

فرائض الوضوء
١ - النِّيَّة
لحديتَ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: سمعْت رسول الله - ﷺ - يقول: «إِنَّما الأعمال بالنِّيَّات، وإِنَّما لكلّ امرئ ما نوى» (٢).
والنّيّة: القصد والعزم، ومحلّها القلب، والتلفّظ بها بدعة.

٢ - التَّسمية
لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه» (٣).
قال الحافظ المنذري -رضي الله عنه- في «الترغيب»: «... وقد ذهب الحسن وإِسحاق بن راهويه وأهل الظَّاهر؛ إِلى وجوب التَّسمية في الوضوء؛

-----------------
= ولم يُرِد القطع حقيقة بأنَّ الدعاء للفسّاق لا ينفع، فلم يزل النبيّ - ﷺ - والسّلف والخلف يدْعون للكفار وأصحاب المعاصي بالهداية والتوبة، والله أعلم.
(١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٥٥)، والترمذي، وغيرهما وانظر»الإِرواء«(٣٠١).
(٢) أخرجه البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧، وغيرهما.
(٣) أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٩٢)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٣٢٠)، وغيرهم، وانظر»الإِرواء" (٨١).



حتى إِنَّه إِذا تعمَّد ترْكها؛ أعاد الوضوء، وهو رواية الإِمام أحمد ...».
وهو من اختيار صدّيق خان، والشوكاني كما في «السيل الجرّار» (١/ ٧٦ - ٧٧)، و«الدّراري المضيّة» (١/ ٤٥)، وبه يقول شيخنا الألباني -حفظه الله- في «تمام المنّة» (ص٨٩).

٣ - المضمضة والاستنشاق والاستنثار مّرة واحدة.
عن لقيط بن صَبِرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا توضّأتَ؛ فمضمِض» (١).
و(مضمِض) فِعل أمر، والأمر يفيد الوجوب؛ إلا لقرينة تصرفه -كما هو معروف-.
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من توضّأ؛ فلْيستنثر (٢)، ومن استجمر؛ فليوتر» (٣).
قال الشوكاني -رحمه الله-: «القول بالوجوب هو الحقّ؛ لأنَّ الله سبحانه قد أمرَ في كتابه العزيز بغسل الوجه، ومحلّ المضمضة والاستنشاق من جملة الوجه، وقد ثبت مداومة النّبيّ - ﷺ - على ذلك في كلِّ وضوء، ورواه جميع من روى وضوءَه - ﷺ - وبيَّن صِفته، فأفاد ذلك أنَّ غسل الوجه المأمور به في القرآن

-----------------------
(١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (١٣١)، وصححه الترمذي والنووي. وانظر كلام الشوكاني في تخريجه بعد سطور.
(٢) من النَّثر: وهو طرح الماء الذي يستنشقه المتوضئ؛ أي: يجذبه بريح أنفه لتنظيف ما في داخله، فيخرُج بريح أنفه.
(٣) أخرجه البخاري: ١٦١، ومسلم: ٢٣٧



هو المضمضة والاستنشاق.
وأيضًا قد ورد الأمر بالاستنشاق والاستنثار في أحاديث صحيحة.
وأخرج أبو داود والترمذي من حديث لَقيط بن صَبِرة بلفظ:»إِذا توضأتَ؛ فمَضمِض«، وإسناده صحيح، وقد صحّحه الترمذي والنَّووي وغيرهما، ولم يأتِ من أعلَّه بما يقدح فيه» (١).

٤ - غَسْل الوجه مرّة واحدة.
قال ابن كثير في «تفسيره»: «وحدُّ الوجه عند الفقهاء ما بين منابت شعر الرأس -ولا اعتبار بالصّلع ولا بالغَمَم (٢) - إِلى منتهى اللحيَيْن والذّقن طولًا، ومن الأذن إِلى الأذن عَرضًا» (٣).

٥ - تخليل اللحية.
لحديث أنس -رضي الله عنه-: أنَّ رسول الله - ﷺ - كان إذا توضّأ؛ أخذ كفًّا من ماء، فأدخله تحت حَنَكه؛ فخلّل به لحيته، وقال: «هكذا أمرني ربي عز وجل» (٤).

--------------------
(١) «السيل الجرَّار» (٨١ و٨٢).
(٢) الغَمَم: هو سيلان الشعر حتى تضيق الجبهة والقفا. (المحيط).
(٣) انظره في تفسير الآية (٦) من سورة المائدة.
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٣٢)، وغيره، وهو صحيح بطرقه وشواهده، وانظر «المشكاة» (٤٠٨).



٦ - غَسل اليدين إِلى المرفقين (١) مرة واحدة.
٧ - مسح الرأس مرّة واحدة (٢).
٨ - مسح الأذنين مرّة واحدة.
لقوله - ﷺ -: «الأذنان من الرأس» (٣).
وبه يقول الإِمام أحمد بن حنبل -رضي الله عنه-.

٩ - غَسل الرّجلين إِلى الكعبين مرّة واحدة.
ودليل وجوب غسل هذه الأعضاء: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٤).

١٠ - تخليل أصابع اليدين والرجلين.
لقوله - ﷺ -: «إِذا توضّأْتَ؛ فخلِّلْ أصابعَ يديْك ورِجليْك» (٥).
وعن لَقيط بن صَبِرة عن النبيّ - ﷺ - قال: «إِذا توضّأْتَ؛ فخلِّل

-------------------------
(١) المرفق: موصل الذراع في العضُد.
(٢) سيأتي التّفصيل المتعلِّق بهذا المسح إِن شاء الله.
(٣) ثبت من عدّة طُرق، بعضها صحيح لذاته، وبعضها صحيح لغيره، وانظر تفصيله فى»الصحيحة«(٣٦).
(٤) المائدة: ٦
(٥) أخرجه الترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وأحمد، وهو في»الصحيحة" (١٣٠٦).



الأصابع» (١).

١١ - الموالاة في الوضوء.
واختُلف فيها على أقوال، والراجح فيها الوجوب؛ إِلا إِذا تُركت لعُذر، والله أعلم.
قال شيخ الإِسلام -رحمه الله-: «الموالاة في الوضوء، فيها ثلاثة أقوال: أحدها: الوجوب مُطلقًا؛ كما يذكره، أصحاب الإِمام أحمد ظاهر مذهبه، وهو القول القديم للشافعي.
والثاني: عدم الوجوب مطلقًا؛ كما هو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، والقول الجديد للشافعي.
والثالث: الوجوب؛ إلاَّ إِذا تركها لعُذر؛ مثل عدم تمام الماء؛ كما هو المشهور في مذهب مالك».
قلت [أي: شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى-]: وهذا القول الثالث؛ هو الأظهر والأشبه بأصول الشريعة وبأصول مذهب أحمد وغيره.
وذلك أنَّ أدلة الوجوب لا تتناول إِلا المفرِّط، لا تتناول العاجز عن الموالاة، فالحديث الذي هو عُمدة المسألة الذي رواه أبو داود (٢) وغيره عن خالد بن معدان عن بعض أصحاب النّبيّ - ﷺ -: «أنَّه رأى رجلًا يصلّي وفي ظهر

--------------------
(١) صححه ابن حبان والحاكم وغيرهما، وهو في»سنن أبي داود«(١٤٢) نحوه، وانظر»صحيح سنن أبي داود«(١٢٩)، و»الصحيحة«تحت رقم (١٣٠٦).
(٢) برقم: ١٧٥، وهو في»صحيح سنن أبي داود" (١٦١).



قدمه لمعة قدْر الدِّرهم لم يُصِبها الماء، فأمره النّبيّ - ﷺ - أن يُعيد الوضوء والصلاة» (١) فهذه قضيّة عين، والمأمور بالإِعادة مفرّط؛ لأنَّه كان قادرًا على غسل تلك اللمعة كما هو قادر على غسل غيرها، وإِنَّما بإِهمالها وعدم تعاهده لجميع الوضوء بقيت اللمعة، نظير الذين كانوا يتوضّؤون وأعقابهم تلوح، فناداهم بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النَّار» (٢).
وكذلك الحديث الذي في «صحيح مسلم» (٣) عن عمر -رضي الله عنه-: «أنَّ رجلًا توضّأ، فترك موضع ظُفُر على قدمه، فأبصَره النّبيّ - ﷺ -، فقال:»ارجِع فأحسِن وضوءك«، فرجع ثمَّ صلّى (٤)» (٥).

١٢ - التيامن.
وهو البدء بغسل اليمين من اليدين والرّجلين، وذلك لعموم ما ورد في التّيامن.
ثمَّ لقوله - ﷺ -: «إِذا لَبِستُم وإذا توضّأتم؛ فابدؤوا بأيامِنكم» (٦).

------------------
(١) أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما، وصحّحه شيخنا -حفظه الله- في «الإِرواء» (٨٦).
(٢) أخرجه البخاري: ٦٠، ٩٦، ١٦٣، ١٦٥، ومسلم: ٢٤٠، وغيرهما.
(٣) برقم: ٢٤٣
(٤) وفي رواية: «فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة»؛ كما تقدّم، رواه أحمد، وأبو داود وانظر «صحيح سنن أبي داود» (١٦١)، و«الإرواء» (٨٦).
(٥) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٣٥).
(٦) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٤٨٨)، وانظر «المشكاة» (٤٠١)، وهو في «صحيح سنن ابن ماجه» (٣٢٣)؛ بلفظ: «بميامنكم».



١٣ - «الدلك لمن كان ذا شعرٍ كثير (١) كثيف» (٢).
لأنَّ هذا الشعر قد يحول دون بلوغ الماء موضعه، وما لا يتمّ الواجب إلاَّ به؛ فهو واجب.

سُنَن الوضوء
١ - السِّواك:
لقوله - ﷺ -: «لولا أن أشقّ على أُمّتي؛ لأمَرْتُهم بالسواك مع كلّ وضوء» (٣).
ويستحبّ السّواك للصائم أوّل النَّهار وآخره؛ للبراءة الأصليّة (٤).

٢ - غَسل الكفّين في أوّل الوضوء.
ومن الأدلّة على ذلك:
حديث عبد الله بن زيد، وفيه:«... فأكفأ (٥) على يده من التَّور، فغسل يديه ثلاثًا ...» (٦).

----------------------
(١) ويسمى الشعراني في اللغة، وانظر «المحيط»، و«الوسيط».
(٢) قاله لي بمعناه شيخنا الألباني -حفظه الله-.
(٣) أخرجه أحمد ومالك والنسائي وغيرهم، وذكره البخاري معلقًا، وصحّحه شيخنا -حفظه الله- في «الإرواء» (٧٠).
(٤) انظر «تمام المنّة» (ص ٨٩).
(٥) أي: أمال وصبَّ.
(٦) أخرجه البخاري: ١٨٦، ومسلم: ٢٣٥، وتقدّم.



وكذلك حديث حُمران الآتي في النقطة الرابعة: «فأفْرَغ (١) على كفّيه ثلاث مرار، فغسلهما ...».

٣ - الدَّلك لمن لم يكن ذا شعر طويل كثيف.
عن عبد الله بن زيد: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - أُتيَ بثُلُثي مُدّ؛ فجعلَ يدْلُك ذراعه» (٢).

٤ - تثليث الغَسل.
وفيه عدة أحاديث؛ منها:
ما رواه حُمران مولى عثمان: «أنَّه رأى عثمان بن عفان دعا بإِناءٍ، فأفرغ على كفّيه ثلاث مِرار، فغسلَهما، ثمَّ أدخل يمينه في الإِناء فمضمضَ واستنشقَ، ثمَّ غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إِلى المرفقين ثلاث مرار، ثمَّ مسح برأسه، ثمَّ غسل رجليه ثلاث مرار إِلى الكعبين، ثمَّ قال: قال رسول الله - ﷺ -:»من توضّأ نحو وُضوئي هذا، ثمَّ صلّى ركعتين لا يُحدِّث فيهما نفسه؛ غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه«(٣).
وعن المطلب بن عبد الله بن حنطب:»أنَّ عبد الله بن عمر- رضي الله

-------------------
(١) أي: صبَّ.
(٢) أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» (٩٢)، والحاكم مثله، وصحّحه شيخنا الألباني -حفظه الله-.
(٣) أخرجه البخاري: ١٥٩، ومسلم: ٢٢٦ نحوه، وفيه: «قال ابن شهاب: وكان علماؤنا يقولون: هذا الوضوء أسبَغ ما يتوضّأ به أحدٌ للصلاة». وتقدّم.



https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif


ابوالوليد المسلم 01-01-2026 02:44 AM

رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
 
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 101الى صــ 115
الحلقة (8)





عنهما -توضّأ ثلاثًا ثلاثًا؛ يُسنِد ذلك إِلى النّبيّ - ﷺ -«(١).
وقد ثبتَ عن رسول الله - ﷺ -:»أنَّه توضّأ مرّتين مرّتين:
لحديث عبد الله بن زيد -رضي الله عنه-: «»أنَّ النّبيّ - ﷺ - توضّأ مرّتين مرتين (٢) «(٣).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-:»أنَّ النّبيّ - ﷺ - توضّأ مرّتين مرتين«(٤).
وثبت عنه - ﷺ - الوضوء مرّة مرّة:
كما في حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال:»توضّأ النّبيّ - ﷺ - مرة مرة«(٥).
كما صحّ عنه - ﷺ - غَسل بعض أعضائه مرتين وبعضهما ثلاثًا:
كما في حديث عمرو بن يحيى المازنيّ عن أبيه:»أنَّ رجلًا قال لعبد الله ابن زيد -وهو جدُّ عمرو بن يحيى-: أتستطيع أن تُريني كيف كان رسول الله - ﷺ - يتوضّأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء، فأفرغَ على يديه، فغسل مرّتين، ثمَّ مضمضَ واستنثر ثلاثًا، ثمَّ غسل وجهه ثلاثًا، ثمَّ

----------------
(١) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٧٩)، وابن ماجه «سنن ابن ماجه» (٣٣٤)، وتقدّم.
(٢) لكلّ عضو.
(٣) أخرجه البخاري: ١٥٨
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٢٤)، والترمذي وصححه ابن حبان.
(٥) أخرجه البخاري: ١٥٧


غسل يديه مرّتين مرّتين إِلى المرفقين، ثمَّ مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر؛ بدأ بمقدَّم رأسه حتى ذهب بهما إِلى قفاه، ثمَّ ردَّهما إِلى المكان الذي بدأ منه، ثمَّ غسل رجليه» (١).

٤ - الدّعاء بعده.
وفي ذلك أحاديث، منها:
«ما منكم من أحد يتوضّأ فيُبلغ (أو فيُسبغ) الوضوء، ثمَّ يقول:»أشهد أنَّ لا إِله إلا الله وأنَّ محمّدًا عبده ورسوله؛ إلاَّ فُتحت له أبواب الجنَّة الثمانية، يدخل من أيِّها شاء«(٢).

٥ - صلاة ركعتين بعده.
لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه-:»أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال لبلال عند صلاة الفجر: «يا بلال! حدّثني بأرجى (٣) عملٍ عملتَه في الإِسلام؛ فإِنّي سمْعت دَفَّ (٤) نعليك بين يديَّ في الجنَّة». قال: "ما عمِلْتُ عملًا أرجى عندي أنِّي لم أتطهَّر طُهورًا في ساعةِ ليلٍ أو نهارٍ؛ إلا صلّيت بذلك الطُّهور ما كُتب لي أن

-------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٨٥، ومسلم: ٢٣٥، وتقدّم.
(٢) أخرجه مسلم: ٢٣٤، وغيره، وسأذكره بتمامه إِنْ شاء الله في موضعه.
(٣) بلفظ أفعل التفضيل المبني من المفعول، وِإضافة العمل إِلى الرّجاء؛ لأنَه السبب الداعي إِليه. (فتح).
(٤) قال الخليل: دفَّ الطائر: إِذا حرّك جناحيه وهو قائم على رجليه. =



أصلّي» (١).

ما يجب له الوضوء
١ - الصلاة، سواء كانت فرضًا أو نافلة.
لقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٢).
ولقوله - ﷺ -: «لا تُقبل صلاة من أحدث حتى يتوضّأ» (٣).

٢ - الطّواف بالبيت.
لقوله - ﷺ -: «الطّواف بالبيت صلاة؛ إلا أنَّ الله أباح فيه الكلام» (٤).

------------------
= وقال الحميدي: الدّف: الحركة الخفيفة والسّير اللين. ووقع في رواية مسلم: «خَشْف»؛ قال أبو عبيد وغيره: الخَشف: الحركة الخفيفة. ووقع في حديث بريدة عند أحمد والترمذي وغيرهما: «خشخشة»، وهو بمعنى الحركة أيضًا. كذا في «الفتح» بحذف يسير.
(١) أخرجه البخاري: ١١٤٩، ومسلم: ٢٤٥٨، وغيرهما.
(٢) المائدة: ٦
(٣) تقدّم في (باب الوضوء شرط من شروط الصلاة).
(٤) أخرجه الترمذي، والدارمي، وابن خزيمة، وغيرهم، وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في «الإِرواء» (١٢١).



الأمور التي يستحبُّ لها الوضوء
١ - عند ذكر الله عز وجل.
عن المهاجر بن قنفذ -رضي الله عنه-: أنَّه أتى النّبيّ - ﷺ - وهو يبول، فسلَّم عليه، فلم يردَّ عليه حتى توضّأ، ثمَّ اعتذرَ إِليه فقال: «إِنِّي كرهْتُ أن أذكر الله إلا على طُهر (أو قال: على طهارة)» (١).
وعن أبي الجهيْم -رضي الله عنه- قال: «أقبل النّبيّ - ﷺ - من نحو بئر جمل، فلقيه رجل، فسلَّم عليه، فلم يردَّ عليه النّبيّ - ﷺ - حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثمَّ ردَّ عليه السلام» (٢).
ويندرج الدعاء تحت الذِّكْر، لا سيّما وقد ورد فيه نصٌّ خاصٌّ:
ففي حديث أبي موسى -رضي الله عنه- قال: «لمّا فرغ النّبيّ - ﷺ - من حنين؛ بعث أبا عامرٍ على جيش إِلى أوطاس، فلقي دريد بن الصِّمَّة، فقُتل دريد، وهزم الله أصحابه.
قال أبو موسى: وبعثَني مع أبي عامر، فرُميَ أبو عامر في ركبته، رماه جُشَميٌّ بسهم فأثبته في ركبته، فانتهيت إِليه، فقلت: يا عمِّ! من رماك؟ فأشار إِلى أبي موسى فقال: ذاك قاتلي الذي رماني، فقصدت له، فلحقْتُهُ، فلمَّا رآني؛ ولّى، فاتَّبعْتُه وجعلْت أقول له: ألا تستحي؟! ألا تثبت؟! فكفَّ، فاختلفنا ضربتين بالسيف، فقتلتُه، ثمَّ قلت لأبي عامر: قتَل الله صاحبك.

--------------------
(١) أخرجه أبو داود وغيره، وهو في»الصحيحة" (٨٣٤) وتقدم.
(٢) أخرجه البخاري: ٣٣٧، ومسلم: ٣٦٩، وغيرهما.



قال: فانزع هذا السهم. فنزعته، فنزا منه الماء (١).
قال: يا ابن أخي! أقرِئ النّبيّ - ﷺ - السلام، وقل له: استغفِر لي. واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيرًا ثمَّ مات.
فرجعتُ، فدخلتُ على النّبيّ - ﷺ - في بيته على سرير مُرمَل (٢)، وعليه فراش قد أثّر رِمال السرير بظهره وجَنْبَيْه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر، وقال: قل له: استغفِر لي. فدعا بماء فتوضّأ، ثمَّ رفع يديه فقال: «اللهمّ اغفر لعبيدٍ أبي عامر».
ورأيت بياض إِبطيه، ثمَّ قال: «اللهمّ اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس». فقلت: ولي فاستغفر. فقال: «اللهمّ اغفر لعبد الله بن قيس ذنبَه، وأدخلْه يوم القيامة مُدْخَلًا كريمًا».
قال أبو بردة: إِحداهما لأبي عامر، والأخرى لأبي موسى«(٣).
قال الحافظ:»يُستفاد منه استحباب التّطهير لإِرادة الدعاء، ورفْع اليدين في الدعاء؛ خلافًا لمن خصَّ ذلك بالاستسقاء«.

٢ - عند كلِّ صلاة.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -:»لولا أن أشقّ

------------------
(١) أي: انصبَّ من موضع السَّهم.
(٢) أي: معمول بالرِّمال، وهي حبال الحصر التي تضفر بها الأسرة «فتح».
(٣) أخرجه البخاري: ٤٣٢٣ واللفظ له، ومسلم: ٢٤٩٨. وأبو بردة هو ابن موسى راوي الحديث عنه.



على أمّتي؛ لأمَرْتهم عند كلِّ صلاة بوُضوء، ومع كلِّ وُضوء بسواك» (١).
وعن عبد الله بن عبد الله بن عمر؛ قال: «قلت: أرأيت توضؤ ابن عمر لكلّ صلاة طاهرًا وغير طاهر؟ عمَّ ذاك؟ فقال: حدَّثَتنيه أسماء بنت زيد بن الخطَّاب: أنَّ عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر حدّثها: أنَّ رسول الله - ﷺ - أمر بالوضوء لكلّ صلاة طاهرًا وغير طاهر، فلمّا شقَّ ذلك عليه؛ أمَر بالسواك لكل صلاة، فكان ابن عمر يرى أنَّ به قوَّة، فكان لا يدَع الوضوء لكلّ صلاة» (٢).

٣ - الوضوء عند كلّ حدث.
لحديث بريدة بن الحصيب؛ قال: «أصبح رسول الله - ﷺ - يومًا، فدعا بلالًا، فقال:»يا بلال! بما سبقْتني إِلى الجنّة؟! إِنِّي دخلْتُ البارحة الجنّة، فسمعت خشخشتك أمامي«.
فقال بلال: يا رسول الله! ما أذّنْتُ قطّ إلاّ صلّيت ركعتين، ولا أصابني حدث قطّ إلا توضّأت عنده، فقال رسول الله - ﷺ -:»لهذا«(٣).

٤ - الوضوء (٤) مِن حَمْل الميت:

--------------------
(١) أخرجه أحمد بإِسناد حسن؛ وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(١٩٣).
(٢) أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٨)، وحسّن شيخنا إِسناده في»المشكاة«(٤٢٦).
(٣) أخرجه الترمذي، والحاكم، وابن خزيمة في»صحيحه«، وِإسناده على شرط مسلم؛ كما ذكر شيخنا في»تمام المنة«(ص١١١)، وتقدّم في (باب سنن الوضوء) بغير هذا اللفظ.
(٤) استفدته من»تمام المنة" هو والذى قبله.



لقوله - ﷺ -: «من غسَّلَ ميتًا؛ فليغتسل، ومن حمله؛ فليتوضّأ» (١).

٥ - الوضوء للجُنب إِذا نام دون اغتسال (٢):
وفيه أحاديث منها:
عن أبي سلمة؛ قال: سألْتُ عائشة: أكان النّبيّ - ﷺ - يرقد وهو جُنب؟ قالت: «نعم، ويتوضّأ» (٣).
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أنَّ عمر سألَ رسول الله - ﷺ -: أيرقد أحدُنا وهو جُنُب؟ قال: «نعم؛ إِذا توضّأ أحدُكم؛ فليرقد وهو جُنُب» (٤).

٦ - الوضوء للجُنب إِذا أراد الأكل.
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - إِذا كان جُنُبًا، فأراد أن يأكل أو ينام؛ توضّأ وضوءه للصّلاة» (٥).

----------------
(١) أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم، وانظر «تمام المنة» (ص ١١٢)، و«الإِرواء» (١٤٤).
(٢) وكان من هدي النَبي - ﷺ - الاغتسال قبل النوم والنوم قبل الاغتسال؛ كما في حديث عبد الله بن أبي قيس؛ قال: «سألت عائشة عن وتر رسول الله - ﷺ -؟ (فذكر الحديث) وفيه: قلت: كيف كان يصنع في الجنابة؟ أكان يغتسل قبل أن ينام أم ينام قبل أن يغتسل؟ قالت:»كلّ ذلك قد كان يفعل، ربما اغتسل فنام، وربما توضّأ فنام«. قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سَِعة». [بفتح السين وكسرها، وانظر «الوسيط»]. أخرجه مسلم: ٣٠٧
(٣) أخرجه البخاري: ٢٨٦، ومسلم: ٣٠٥
(٤) أخرجه البخاري: ٢٨٧، ومسلم: ٣٠٦ نحوه، وغيرهما.
(٥) أخرجه مسلم: ٣٠٥



٧ - المعاودة للجماع.
عن أبي سعيد الخدريّ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أتى أحدُكم أهله، ثمَّ أراد أن يعود؛ فليتوضّأ» (١).

٨ - الوضوء من القيء.
لحديث مَعدان بن أبي طلحة عن أبي الدّرداء: «أنَّ رسول الله - ﷺ - قاء، فأفطر، فتوضّأ»، فلقيتُ (٢) ثوبان في مسجد دمشق، فذكرْتُ له، فقال (٣): صدق (٤)، أنا صببتُ له وضوءه (٥).

٩ - الوضوء من أكل ما مسّته النار.
وقد دلَّ على وجوب الوضوء:
ما روته عائشة -رضي الله عنها- عن رسول الله - ﷺ -: «توضؤوا ممّا مسّت النَّار» (٦).
وأيضًا حديث عبد الله بن إِبراهيم بن قارظ: «أنَّه وجد أبا هريرة يتوضّأ على المسجد، فقال: إِنَّما أتوضّأ من أثوار أقط أكلتها؛ لأنّي سمعتُ رسول الله

-----------------
(١) أخرجه مسلم: ٣٠٨، وأبو داود نحوه»صحيح سنن أبي داود«(٢٠٤).
(٢) قائله معدان بن أبي طلحة.
(٣) أي: ثوبان.
(٤) أى: أبو الدرداء.
(٥) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي" (٧٦) وغيره، وسيأتي في (أمور تُظنُّ أنها تنقض الوضوء).
(٦) أخرجه مسلم: ٣٥٣



- ﷺ - يقول: «توضّؤوا ممّا مسَّت النَّار» (١). ثمَّ أورد أهل العلم ما ينسخ هذا (٢)؛ كما فى حديث عمر بن أميّة: أنَّ أباه عمرو بن أميّة أخبره: «أنَّه رأى النّبيّ - ﷺ - يحتزُّ (٣) من كتف شاة في يده، فدُعي إِلى الصلاة، فألقاها والسكّين التي يحتزّ بها، ثمَّ قام فصلّى ولم يتوضّأ» (٤).
وعن جابر قال: «كان آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ -: ترْك الوضوء ممّا غيّرت النّار» (٥).

١٠ - عند النوم.
لحديث البراء بن عازب -رحمه الله- قال: قال النّبيّ - ﷺ -: «إِذا أتيت مضجعك؛ فتوضّأ وضُوءك للصّلاة، ثمَّ اضطجعْ على شقِّكَ الأيمن، ثمَّ قُلْ: اللهمَّ أسلمتُ وجهي إِليك، وفوَّضْت أمري إِليك، وألجأتُ ظهري إِليك؛ رغبةً ورهبةً إِليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إِليك، اللهمّ آمنت بكتابك الذي أنزَلْتَ، وبنبيِّك الذي أرسلتَ، فإِنْ مُتَّ من ليلتك؛ فأنت على الفطرة، واجعلهُنّ آخر ما تتكلّمُ به» قال: فردَّدْتها على النّبيّ - ﷺ -، فلمَّا بَلَغْتُ: «اللهمَّ آمنتُ بكتابك الذي أنزلْتَ»، قلتُ: «ورسولك» قال: «لا؛ ونبيِّكَ

---------------------
(١) أخرجه مسلم: ٣٥٢، وغيره، وهناك من حمله على غسل اليد والفم. انظر»الروضة الندية«(١/ ١٥٥).
(٢) فقد بوّب النووي لهذا بقوله:»باب نسْخ الوضوء مّما مسّت النار«، وأبو داود بقوله:»في ترْك الوضوء مما مسّت النار«.
(٣) أي: يقطع.
(٤) أخرجه البخاري: ٥٤٠٨، ومسلم: ٣٥٥
(٥) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (١٧٧).



الذي أرسلتَ» (١)، وقال النووي في «شرحه» (١٧/ ٣٢) باستحبابه.

مسألة في الوضوء لمسِّ المصحف:
اختلف العلماء في مسِّ المصحف من قِبل المحْدث والجُنُب، وذهبَ الجمهور إِلى منْع ذلك (٢)، واستدلُّوا بحديث: «لا يمسُّ القرآن إلا طاهر» (٣).
جاء في «نيل الأوطار» (١/ ٢٥٩): «والحديث يدلُّ على أنَّه لا يجوز مسُّ المصحف إلا لمن كان طاهرًا، ولكنَّ الطَّاهر يُطلق بالاشتراك على المؤمن والطاهر من الحدث الأكبر والأصغر ومن ليس على بدنه نجاسة.
ويدلُّ لإِطلاقه على الأوَّل: قول الله تعالى: ﴿إِنَّما المُشْرِكونَ نَجَسٌ﴾ (٤).
وقوله - ﷺ - لأبي هريرة -رحمه الله-:»المؤمن لا ينجُس«(٥).
وعلى الثاني: ﴿وإِنْ كنْتمْ جُنُبًا فاطهَّروا﴾ (٦).

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ٢٤٧، ومسلم: ٢٧١٠، وغيرهما. قال الحافظ:»النُّكتة في ختم البخاريِّ كتاب الوضوء بهذا الحديث من جهة: أنَّه آخر وضوء أُمِرَ به المكلَّف في اليقَظة، ولقوله في نفس الحديث: «واجعلهنَّ آخر ما تقول»، فأشعر ذلك بختم الكتاب، والله الهادي للصواب«.
(٢) وقال الشوكاني في»نيل الأوطار«(١/ ٢٦٠):»وقد وقع الإِجماع على أنّه لا يجوز للمحدث حدثًا أكبر أن يمسَّ المصحف، وخالف في ذلك داود" انتهى، وسيأتي هذا القول إِن شاء الله تعالى.
(٣) سيأتي الكلام حول هذا الحديث إِن شاء الله.
(٤) التوبة: ٢٨
(٥) تقدّم تخريجه.
(٦) المائدة: ٦



وعلى الثالث: قوله - ﷺ - في المسح على الخفَّين: «دعْهما؛ فإِنّي أدخلتُهما طاهرتين».
وعلى الرابع: الإجماع على الشيء الذى ليس عليه نجاسة حسِّيَّة ولا حُكميَّة يسمى طاهرًا، وقد ورَد إِطلاق ذلك في كثير.
فمن أجاز حَمْل المشرك على جميع معانيه؛ حمَله عليه هنا، والمسألة مدونة في الأصول، وفيها مذاهب.
والذي يترجَّح أن المشترك مُجملٌ فيها، فلا يُعْمَل به حتى يُبيَّن ...
وقال: «استدلَّ المانعون للجُنُب بقوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُون﴾ (١)، وهو لا يتمُّ إلا بعْد جعْل الضمير راجعًا إِلى القرآن، والظاهر رجوعُه إِلى الكتاب، وهو اللوح المحفوظ؛ لأنَّه الأقرب، والمطهَّرون الملائكة، ولو سَلِمَ عدم الظُّهور؛ فلا أقلَّ من الاحتمال، فيمتنع العمل بأحد الأمرين، ويتوجَّه الرجوع إِلى البراءة الأصليَّة، ولو سَلِم رجوعه إِلى القرآن على التَّعيين؛ لكانت دلالته على المطلوب -وهو منع الجُنُب من مسِّه- غير مسلَّمة؛ لأنَّ الطاهر من ليس بنجس، والمؤمن ليس بنجس دائمًا؛ لحديث»المؤمن لا ينجس"، وهو متَّفق عليه (٢)؛ فلا يصحُّ حمل المطهَّر على من ليس بجُنب أو حائض أو محدَث أو متنجِّس بنجاسة عينيَّة، بل حمْلُه على من ليس بمشرك؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّما المُشْرِكونَ نَجَسٌ﴾ (٣)، لهذا الحديث، والحديث للنهي عن السفر بالقرآن إِلى أرض العدو، ولو سلِم

---------------------
(١) الواقعة: ٧٩
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) التوبة: ٢٨



صِدْق اسم الطَّاهر على من ليس بمحدث حدثًا أكبر أو أصغر؛ فقد عَرَفْتَ أنَّ الراجح كون المشترك مجملًا في معانيه، فلا يعيَّن حتى يبيَّن، وقد دلَّ الدليل ها هنا أنَّ المراد به غيره لحديث: «المؤمن لا ينجس»، ولو سَلِم عدم وجود دليل يمنع من إِرادته؛ لكان تعيينه لمحلِّ النِّزاع ترجيحًا بلا مرجِّح، وتعيينه لجميعها استعمالًا للمشترك في جميع معانيه، وفيه الخلاف، ولو سَلِم رجحان القول بجواز الاستعمال للمشترك في جميع معانيه؛ لما صحَّ؛ لوجود المانع، وهو حديث: «المؤمن لا ينجس».
واستدلُّوا بحديث الباب (١)، وأُجيب بأنَّه غير صالح للاحتجاج؛ لأنَّه من صحيفة غير مسموعة، وفي رجال إِسناده خلاف شديد، ولو سَلِم صلاحيته للاحتجاج لعاد البحث السابق في لفظ طاهر، وقد عرفْتَه.
قال السيد العلامة محمد بن إِبراهيم الوزير: إِنَّ إِطلاق اسم النجس على المؤمن الذي ليس بطاهر من الجنابة أو الحيض أو الحدث الأصغر؛ لا يصحُّ لا حقيقةً ولا مجازًا ولا لغةً، صرَّح بذلك في جواب سؤال، وردَّ عليه، فإِن ثبت هذا؛ فالمؤمن طاهر دائمًا؛ فلا يتناوله الحديث، سواء كان جُنُبًا أو حائضًا أو محدثًا أو على بدنه نجاسة.
فإِن قلت: إِذا تمَّ ما تريد من حمْل الطاهر على من ليس بمشرك؛ فما جوابك فيما ثبت في المتَّفق عليه من حديث ابن عباس أنَّه - صلى الله عليه وآله وسلم - كتب الى هرقل عظيم الروم: أسلِم تسلم، وأسلِم يؤتك الله

----------------------
(١) أي: حديث: «لا يمس القرآن إلاَّ طاهر».


أجرك مرَّتين، فإِنْ تولَّيت فإِنَّ عليك إِثم الأريسيين، و﴿يا أَهْلَ الكتابِ تعالوْا إِلى كَلِمَةٍ﴾ إِلى قوله: ﴿مُسْلِمونَ﴾، مع كونهم جامعين بين نجاستي الشرك والاجتناب، ووقوع اللمس منهم له معلوم.
قلت: اجعله خاصًّا بمثل الآية والآيتين؛ فإِنَّه يجوز تمكين المشرك من مسِّ المقدار لمصلحة؛ كدعائه إِلى الإِسلام، ويمكن أن يُجاب عن ذلك بأنَّه قد صدر باختلاطه بغيره لا يحرم لمسه؛ ككُتُب التفسير؛ فلا تخصَّص به الآية والحديث.
إِذا تقرَّر لك هذا؛ عرفتَ انتهاض الدَّليل على منع من عدا المشرك.
وقد عرفت الخلاف في الجُنُب.
وأما المحدث حدثًا أصغر؛ فذهب ابن عباس والشعبي والضَّحَّاك؛ وزيد ابن علي والمؤيَّد بالله والهادوية وقاضي القضاة وداود إِلى أنَّه يجوز له مسُّ المصحف، وقال القاسم وأكثر الفقهاء والإِمام يحيى: لا يجوز، واستدلُّوا بما سَلَف، وقد سَلَف ما فيه» اهـ.
وأمَّا القراءة له بدون مسٍّ؛ فهي جائزة اتِّفاقًا، وقد ذَكر ابن أبي شيبة -رحمه الله- في «مصنّفه» آثارًا كثيرة في ذلك (١).
قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلَّى» (١/ ١٠٧): «وأمَّا مسُّ المصحف؛ فإِنَّ الآثار التي احتج بها من لم يُجزْ للجنب مسَّه، فإِنَّه لا يصحُّ

--------------------
(١) انظر (١/ ٩٨) (في الرجل الذى يقرأ القرآن وهو غير طاهر) وكذا عبد الرزاق في»مصنفه" (١/ ٣٤٠).


منها شيء (١)؛ لأنَّها مُرسلة، وإمَّا صحيفة لا تُسْنَد، وإِمَّا عن مجهول، وإمَّا عن ضعيف، وقد تقصَّيناها في غير هذا المكان».
ثمَّ ذكر رسالة النّبيّ - ﷺ - إِلى هِرَقل عظيم الروم (٢) وما حَوَتْه من الذِّكر ولفظ الجلالة، وتضمُّنها لآية من القرآن الكريم.
ثمَّ قال: «فإِن قالوا: إِنِّما بعَث رسول الله - ﷺ - إِلى هِرَقل آية واحدة! قيل لهم: ولم يمنع رسول الله - ﷺ - من غيرها، وأنتم أهل قياس، فإِن لم تقيسوا على الآية ما هو أكثر منها؛ فلا تقيسوا على هذه الآية غيرها».
ثمَّ ذكر ردّه على من يحتجُّ بقوله تعالى: ﴿لا يَمَسّه إِلاَّ المُطَهَّرونَ﴾ (٣)؛ بأنَّه خبر وليس أمرًا، وأنَّنا رأينا المصحف يمسُّه الطَّاهر وغير الطَّاهر، فنعلم أنَّ الله -عز وجل- لم يعْنِ المصحف، وإنما عنى كتابًا آخر، وأورد بعض أقوال السَّلف أنَّهم الملائكة الذين في السَّماء.
قلت: ومحور الخلاف وأقواه -فيما رأيت- منصبٌّ على فهم حديث: «لا يمسّ القرآن إِلاَّ طاهر»، وقد جاء من طُرق عدَّة ضعيفة، لكن ضعْفها يسير، وبذلك يثبت الحديث بمجموع الطُّرق؛ كما ذعر شيخنا في «الإِرواء» (١٢٢).

-----------------------
(١) هذا في كل طريق على حدة، بيد أنَّ الحديث ثابت بمجموع الطُّرق كما سيأتي -إِن شاء الله تعالى-.
(٢) أخرجه البخاري: ٧، ومسلم: ١٧٧٣، وغيرهما.
(٣) الواقعة: ٧٩



بَيْد أنَّ الحديث جاء بلفظ: «وأنت طاهر»، من طريق عثمان بن أبي العاص؛ كما في «الكبير» للطبراني، وفيه من لا يُعْرَف، وابن أبي داود في «المصاحف»، وفيه انقطاع، بل في إِسنادهما كليهما إِسماعيل بن رافع، وهو ضعيف الحفظ؛ كما قال الحافظ -رحمه الله- وبيَّنه شيخنا -حفظه الله- في «الإِرواء».
أمَّا رواية عمرو بن حزم؛ فقد جاءت بلفظ: «ألاَّ تمسَّ القرآن إِلاَّ على طُهر»؛ كما في «سنن الدارقطنيّ» (١/ ١٢١) (رقم ١١٠) و(رقم ٤) أيضًا من طريق عبد الرزاق بيْدَ أنَّها وردت فْي «المصنَّف» بلفظ: «لا يمسّ»، فيخشى التصحيف بما جاء في الدَّارقطني والبيهقيّ برقم (١/ ٨٧).
قلتُ: فالمسألة تحتاج إِلى تتبُّع واستقصاء، فإِن ثبت لفظ: «وأنت طاهر ...» وما في معناه (١)؛ كان تحريم مسِّ القرآن واضحًا بيِّنًا للمحدث والجُنُب والحائض.
وجاء في «الإِرواء»: «قال إسحاق المروزي في»مسائل الإِمام أحمد«(ص٥): قلت (يعني: لأحمد): هل يقرأ الرجل على غير وضوء؟ قال: نعم، ولكن لا يقرأ في المُصحف ما لم يتوضّأ. قال إِسحاق: كما قال؛ لما صحَّ قول النّبيّ - ﷺ -:»لا يمسّ القرآن إلا طاهر«، وكذلك فعَل أصحاب النّبيّ - ﷺ - والتابعون».
ثمَّ قال -حفظه الله-: "وممَّا صحَّ في ذلك عن الصحابة ما رواه مصعب

-----------------
(١) ولم أتمكّن من المتابعة؛ لنقص عدد من المراجع، بها قد يتحقّق المطلوب، وأسأل الله أن ييسّر لي ذلك.


https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif


ابوالوليد المسلم 01-01-2026 02:51 AM

رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
 
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 116الى صــ 130
الحلقة (9)





ابن سعد بن أبي وقَّاص: أنَّه قال: كنتُ أمسِك المصحف على سعد بن أبي وقَّاص، فاحتَكَكْتُ، فقال سعدٌ: لعلَّك مسَسْتَ ذكَرَكَ؟ قال: فقلتُ: نعم. فقال: قم فتوضّأ. فقمتُ فتوضَّأتُ ثمَّ رجعتُ، رواه مالك (١/ ٤٢) (رقم ٥٩)، وعنه البيهقيّ، وسنده صحيح».
ولم يترجَّح لديَّ شيءٌ في هذا، وإِنَّما أنصحُ بالوضوء لمسِّ القرآن ما وجدَ المرء لذلك سبيلًا، وأسأل الله تعالى أن يلهمنا الحقَّ والصَّواب والرَّشاد، وأن يعافينا من الهوى والتعصُّب والضلال.
وأمّا القراءة بلا مسٍّ؛ فجوازه بيِّنٌ قويٌّ، ومن الأدلَّة على ذلك حديث عائشة -رضي الله عنها-: «كان النبيّ - ﷺ - يذكر الله على كلِّ أحيانه» (١).
قال شيخنا في «الصحيحة» (٤٠٦):«... نعم؛ الأفضل أن يقرأ على طهارة؛ لقوله - ﷺ - حين ردَّ السلام عَقِب التيمُّم:»إِنِّي كرهت أن أذكر الله إِلاَّ على طهارة«، أخرجه أبو داود وغيره، وهو مَخرَّج في»صحيح أبي داود«(٢٣)».

نواقض الوضوء
١ - ما خَرَج من السّبيلين (٢) (القُبُل والدُّبر) من بول أو مذي أو منيّ أو غائط أو ريح.
* أمَّا البول والغائط:

-----------------------
(١) أخرجه مسلم: ٣٧٣، وغيره، وجاء في البخاري معلَّقًا (١/ ٨٣ و١٦٣).
(٢) قال البخاري: «باب من لم ير الوضوء إلاَّ من المخرجين». =


فلقوله تعالى: ﴿... أو جاء أحدٌ مِنكُم من الغائط﴾ (١).
ولحديث صفوان بن عسّال -رضي الله عنه-: «كان يأمرنا إِذا كنّا سَفْرًا (٢) -أو مسافرين-: أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيّام ولياليهن، إلاَّ من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم ...» (٣).
* وأمَّا الريح:
فلقوله - ﷺ -: «لا يَقبَل الله صلاة أحدكم إِذا أحدث حتّى يتوضّأ» (٤).
ولحديث عبّاد بن تميم عن عمّه: أنَّه شكا إِلى رسول الله - ﷺ - الرجل الذي يُخيَّل (٥) إِليه أنَّه يجد الشيء في الصَّلاة، فقال: «لا ينفتل (أو لا

--------------------
= قال الحافظ:»والمعنى: من لم ير الوضوء واجبًا من الخروج من شيء من مخارج البدن إلاَّ من القُبل والدُّبر، وأشار بذلك إِلى خلاف من رأى الوضوء ممَّا يخرج من غيرهما من البدن؛ كالقيء والحجامة وغيرهما، ويمكن أن يقال: إِنَّ نواقض الوضوء المعتبرة ترجع إِلى المخرجَيْن، فالنوم مظنَّة خروج الريح، ولمس المرأة ومسّ الذكر مظنّة خروج المذي«.»الفتح«(كتاب الوضوء)، تحت باب رقم: (٣٤).
(١) المائدة: ٦، والغائط: هو المكان المطمئنّ من الأرض، يُقصَد لقضاء الحاجة.
(٢) السَّفْر: جمع سافِر، كصاحب وصحْب، والمسافرون: جمع مسافر، والسَّفْر والمسافرون بمعنى.»النهاية«.
(٣) أخرجه الترمذي وغيره وقال: حديث حسن صحيح،»صحيح سنن الترمذي«(٢٨٠١)، وانظر»المشكاة" (٥٢٠).
(٤) أخرجه البخاري: ٦٩٥٤، ومسلم: ٢٢٥
(٥) من الخيال، والمعنى: يظنّ.



ينصرف) حتى يسمعَ صوتًا (١) أو يجدَ ريحًا» (٢).
وفي الحديث: «لا وُضوء إلاَّ من صوت أو ريح» (٣).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «لا وُضوَء إلاَّ من حدَث» (٤).
* وأمَّا المذي:
فلحديث علي -رضي الله عنه- قال: كنت رجلًا مذّاءً، فأمرتُ رجلًا أن يسأل النّبيّ - ﷺلمكانة ابنتهِ- فسأل، فقال: «توضّأ، واغسل ذَكَرك» (٥).
وفي رواية: «إِذا وَجَد أحدكم ذلك؛ فلينضح فرجه، وليتوضّأ وضوءه للصّلاة» (٦).
وقوله - ﷺ -: «من المذي الوضوء، ومن المنيّ الغسل» (٧).
* وأما المنيّ:
فللحديث المتقدِّم:«... ومن المنيّ الغسل».

-------------------
(١) أي: من مخرجه.
(٢) أخرجه البخاري: ١٣٧، ومسلم: ٣٦١، وغيرهما.
(٣) أخرجه أحمد، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٦٤)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٤١٦) وغيرهم، وانظر «الإرواء» (١/ ١٤٥).
(٤) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم، ووصَله إِسماعيل القاضي في «الأحكام» بإِسناد صحيح من طريق مجاهد عنه موقوفًا، ورواه أحمد وأبو داود والترمذي من طريق شعبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عنه مرفوعًا، وزاد: «أو ريح». ذكَره الحافظ في «الفتح» (١/ ٢٨١).
(٥) تقدّم في (باب النّجاسات).
(٦) تقدّم في (باب النّجاسات).
(٧) تقدّم في (باب النّجاسات).



٢ - زوال العقل:
لجنون أو إِغماء أو نحوه؛ لأنَّه أبلغ من النّوم.

٣ - مسُّ الفرج بشهوة:
لحديث بُسرة بنت صفوان -رضي الله عنها- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِذا
مسَّ أحدُكم ذكَره؛ فليتوضّأ» (١).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِذا أفضى أحدُكم بيده إِلى فرجه وليس بينهما ستر ولا حجاب؛ فليتوضّأ» (٢).
وعن طلق بن عليّ؛ قال: سُئل رسول الله - ﷺ - عن مسِّ الرجل ذكره بعدما
يتوضّأ؟ قال: «وهل هو إلاَّ بَضْعة (٣) منه» (٤).
وجمَع شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى- بين حديث بُسرة وحديث وطلق -رضي الله عنهما- بحمل الأول على المسّ بشهوة والآخر على المسّ بلا شهوة، وقوله - ﷺ -: «هل هو إلاَّ بَضعة منك؟» يُشعر بهذا؛ فحين يكون مسّ

-----------------------
(١) أخرجه مالك، وأحمد، «صحيح سنن أبي داود» (١٦٦)، وغيرهم. وقال الترمذي: حسن صحيح، ووافقه شيخنا في «المشكاة» (٣١٩)، وانظر «الإرواء» (١١٦).
(٢) أخرجه ابن حبَّان، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، وِإسناد ابن حبّان جيد؛ وانظر «الصحيحة» (١٢٣٥).
(٣) أي: قطعة منه.
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٦٧)، وغيره. وقال الترمذي: «هو أحسن شيء في هذا الباب». وقال شيخنا في «المشكاة» (٣٢٠): وسنده صحيح.



الفرج كأيّ جزء آخر من البدن؛ فإِنَّه لا ينقض الوضوء.

٤ - أكْل لحم الإِبل.
عن جابر بن سمُرة:»أنَّ رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -: أأتوضّأ من لحوم الغنم؟ قال: «إِن شئت فتوضّأ، وأن شئت فلا توضّأ». قال: أتوضّأ من لحوم الإِبِل؟ قال: «نعم؟ فتوضّأ من لحوم الإِبِل».
قال: أصلّي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم». قال: أصلّي في مبارك الإِبل؟ قال: «لا» (١).
وعن جابر بن سمُرة -رضي الله عنه- قال: «كنا نتوضّأ من لحوم الإِبل ولا نتوضّأ من لحوم الغنم» (٢).
قال الشوكانى -رحمه الله- فى «الدّراري المضيّة» (ص ٦١): «وقد ذهبَ إِلى انتقاض الوضوء بأكْل لحْوم الإِبل: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن يحيى، وابن المنذر، وابن خزيمة، والبيهقيّ، وحُكي عن أصحاب الحديث، وحُكي عن جماعة من الصّحابة؛ كما قال النّوويّ.
قال البيهقيّ عن بعض أصحابنا عن الشّافعي؛ أنَّه قال: إنَّ صحّ الحديث في لحوم الإِبل؛ قُلْت به. قال البيهقيّ: قد صحّ فيه حديثان ...».

---------------------
(١) أخرجه مسلم: ٣٦٠، وتقدّم،
(٢) أخرجه أبن أبي شيبة في «المصنف» بسند صحيح؛ كما في «تمام المنَّة» (ص ١٠٦).



٥ - النوم.
اختلف أهل العلم في هذه المسألة:
* والذين رأَوا عدم نقْضِه استدلّوا بأدّلة؛ منها:
قول أنس -رضي الله عنه-:»كان أصحاب رسول الله - ﷺ - ينامون، ثمَّ يُصلّون ولا يتوضّؤون«(١).
وأيضًا ما ثبت عنه: أنَّه قال:»أُقيمت صلاة العشاء، فقال رجل: لي حاجة، فقام النّبيّ - ﷺ - يناجيه، حتى نام القوم (أو بعض القوم)، ثمَّ صَلَّوا«(٢).
جاء في»تمام المنّة«(١٠٠ - ١٠١) بعد حديث أنس:»قد ذكر الحافظ في «الفتح» (١/ ٢٥١) (٣) نحو كلام ابن المبارك هذا، ثمَّ ردّه بقوله: لكن في «مسند البزّار» بإِسناد صحيح في هذا الحديث: «فيضعون جنوبهم، فمنهم من ينام، ثمَّ يقومون إِلى الصَّلاة».
قلت (٤): وأخرجه أيضًا أبو داود في «مسائل الإِمام أحمد» (ص ٣١٨) بلفظ: «كان أصحاب النبيّ - ﷺ - يضعون جنوبهم فينامون، فمنهم من يتوضّأ، ومنهم من لا يتوضّأ»، وإِسناده صحيح على شرط الشيخين.

-----------------------
(١) أخرجه مسلم: ٣٧٦، وغيره.
(٢) أخرجه مسلم: ٣٧٦
(٣) انظر «كتاب الوضوء، باب الوضوء من النوم ومن لم يرَ من النَّعسة ...».
(٤) الكلام لشيخنا -حفظه الله تعالى-.



فهذا اللفظ خلاف اللفظ الأول: «تخفق رؤوسهم» (١)؛ فإِنَّ هذا إِنَّما يكون وهُم جلوس؛ كما قال ابن المبارك.
فإِمّا أن يُقال: إِنَّ الحديث مضطرب، فيسقط الاستدلال به.
وإِمَّا أن يُجمع بين اللفظين، فيُقال: كان بعضهم ينام جالسًا، وبعضهم مضطجعًا، فمنهم من يتوضّأ، ومنهم من لا يتوضّأ، وهذا هو الأقرب؛ فالحديث دليل لمن قال: إِنَّ النّوم لا ينقض الوضوء مُطلقًا، وقد صحّ عن أبي موسى الأشعري وابن عمر وابن المسيّب؛ كما في «الفتح».
وهو باللفظ الآخر؛ لا يمكن حمْله على النّوم مُمكِّنًا مقعدته من الأرض، وحينئذ؛ فهو مُعارض لحديث صفوان بن عسال المذكور في الكتاب بلفظ: «... لكن من غائط وبول ونوم» (٢)؛ فإِنَّه يدلُّ على أنَّ النّوم ناقض مُطلقًا؛ كالغائط والبول، ولا شك أنَّه أرجح من حديث أنس؛ لأنَّه مرفوع إِلى النّبيّ

--------------------
(١) أي: ينامون حتى تسقط أذقانهم على صدورهم وهم قعود، وقيل هو من الخُفوق: الاضطراب. «النهاية». والحديث في «صحيح مسلم» (٣٧٦).
(٢) ولفظه كما يأتي: عن زرّ بن حُبيش؛ قال: أتيتُ صفوان بن عسال المرادي أسأله عن المسح على الخُفَّين؟ فقال: ما جاء بك يا زرّ؟ فقلتُ: ابتغاء العلم. فقال: «إِنَّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضىً بما يطلب»، قلت: إِنَّه حكَّ في صدري المسح على الخُفَّين بعد الغائط والبول، وكنتَ امرأ من أصحاب النْبيّ - ﷺ -، فجئت أسألك: هل سمعته يذكر في ذلك شيئًا؟ قال: نعم؛ كان يأمرنا إذا كنّا سَفْرًا -أو مسافرين- أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهنَّ؛ إلاَّ من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم ...«. رواه الترمذي وقال:»حديث حسن صحيح«.»صحيح سنن الترمذي" (٢٨٠١)، وغيره، وتقدّم مختصرًا.



- ﷺ -، وليس كذلك حديث أنس، إِذ من الممكن أن يكون ذلك قبل إِيجاب الوضوء من النّوم.
فالحقُّ أنَّ النَّوم ناقضٌ مُطلقًا، ولا دليل يصلح لتقييد حديث صفوان، بل يؤيّده حديث عليّ مرفوعًا:«... وكاء السَّهِ (١) العينان؛ فمن نام فليتوضّأ»، وإسناده حسن؛ كما قال المنذري والنّووي وابن الصّلاح، وقد بيّنْتُه في «صحيح أبي داود» (١٩٨)؛ فقد أمَر - ﷺ - كلّ نائم أن يتوضّأ.
ولا يعكّر على عمومه -كما ظنَّ البعض- أنَّ الحديث أشار إِلى أنَّ النّوم ليس ناقضًا في نفسه، بل هو مَظِنّة خروج شيء من الإنسان في هذه الحالة؛ فإِنَّا نقول: لمّا كان الأمر كذلك؛ أمَر - ﷺ - كلّ نائم أن يتوضّأ، ولو كان متمكّنًا؛ لأنَّه -عليه السلام- أخبر أن العينين وكاء السَّهِ، فإِذا نامت العينان؛ انطلق الوكاء؛ كما في حديث آخر، والمتمكِّن نائم؛ فقد ينطلق وكاؤه، ولو في بعض الأحوال، كأن يميل يمينًا أو يسارًا، فاقتضت الحكمة أن يؤمر بوضوء كل نائم، والله أعلم.
وما اخترناه هو مذهب ابن حزم (٢).
وهو الذي مال إِليه أبو عبيد القاسم بن سلام في قصَّة طريفة حكاها عنه ابن

----------------------
(١) الوكاء: الخيط الذي تُشَدُّ به الصُّرَّة والكيس وغيرهما، جعل اليقظة للإست كالوكاء للقربة؛ كما أنَّ الوكاء يمنع ما في القربة أن يخرج، كذلك اليقظة تمنع الإِست أن تُحْدِث إلاَّ باختيار. و«السَّهِ»: حَلْقة الدُّبر، وكنّى بالعين عن اليقظة؛ لأنَّ النَّائم لا عين له تُبصر. «النهاية».
(٢) وسيأتي قوله في آخر المسألة إِن شاء الله تعالى.



عبد البرّ فى»شرح الموطّأ«(١/ ٥٧/‏٢)؛ قال: كنتُ أُفتي أنَّ من نام جالسًا لا وضوء عليه، حتى قَعَد إِلى جنبي رجل يوم الجمعة، فنام، فخرجَت منه ريح، فقُلت: قم فتوضّأ. فقال: لم أنَم. فقُلت: بلى، وقد خَرَجَت منك ريحٌ تنقض الوضوء، فجعلَ يحلف بالله ما كان ذلك منه، وقال لي: بل منك خَرَجت! فزايَلْت ما كنت أعتقد في نوم الجالس، وداعيْتُ غلبة النّوم ومخالطته القلب».
ثمَّ قال شيخنا -حفظه الله-: «(فائدة هامة): قال الخطابي في»غريب الحديث«(ق ٣٢/ ٢): وحقيقة النوم هو الغشية الثقيلة التي تهجم على القلب فتقطعه عن معرفة الأمور الظاهرة، والناعس هو الذي رهقه ثِقَل، فقطعه عن معرفة الأحوال الباطنة.
وبمعرفة هذه الحقيقة من الفرق بين النّوم والنّعاس؛ تزول إِشكالات كثيرة، ويتأكّد القول بأنَّ النّوم ناقض مطلقًا» اهـ.
قُلْت: وذكر الحافظ في «الفتح» (١/ ٣١٤) نقْل ابن المنذر وغيره عن بعض الصحابة والتّابعين المصير إِلى أنَّ النوم حَدَث ينقض قليله وكثيره، وهو قول أبي عبيد وِإسحاق بن راهويه، قال ابن المنذر: «وبه أقول؛ لعموم حديث صفوان بن عسال ...».
قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (مسألة ١٥٨): «والنّوم في ذاته حَدَث ينقض الوضوء، سواء قلّ أو كثُر، قاعدًا أو قائمًا، في صلاة أو غيرها، أو راكعًا كذلك، أو ساجدًا كذلك، أو متكئًا، أو مضطجعًا؛ أيقنَ من حواليه أنَّه لم يُحدث أو لم يوقنوا».


وقال -رحمه الله- عقب حديث صفوان بن عسّال -رضي الله عنه-: «... فعمّ عليه السلام كلّ نوم، ولم يخصّ قليله من كثيره، ولا حالًا من حال، وسوّى بينه وبين الغائط والبول.
وهذا قول أبي هريرة، وأبي رافع، وعروة بن الزبير، وعطاء، والحسن البصري، وسعيد بن المسيّب، وعكرمة، والزهري، والمزني، وغيرهم كثير».

باب أمورٌ تُظنّ أنَّها تنقضُ الوضوء وليست كذلك
١ - مسُّ الفرج بلا شهوة كما تقدَّم (١).
٢ - لمْس المرأةِ إِن لم ينزل منه شيء.
وفيه أحاديث؛ منها:
ما روته عائشة -رضي الله عنها-: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - قَبَّلها ولم يتوضّأ» (٢).
وعنها: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - قبّل امرأة من نسائه، ثمَّ خرج إِلى الصَّلاة ولم يتوضّأ» (٣).
قال عروة (٤): فقلتُ لها: من هي إلاَّ أنت؟ فضحِكَت.

---------------------
(١) انظر (باب نواقض الوضوء، (رقم ٧).
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٦٤)، وغيره.
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٦٥)، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٤٠٦)، وانظر «المشكاة» (٣٢٣).
(٤) هو عروة بن الزبير ابن أخت عائشة -رضي الله عنها-.



٣ - خروج الدّم لجرح أو حجامة أو نحو ذلك.
ومن الأدلّة على ما تقدَّم معنا ذِكره (١). في قصّة ذلك الأنصاري الذي رماه المشرك بثلاثة أسهم وهو قائم يصلّي، فاستمرَّ في صلاته والدّماء تسيل منه.
وتقدَّم أيضًا قول الحسن -رحمه الله-: «ما زال المسلمون يُصلون في جراحاتهم».
قال الحافظ: «وقد صحّ أنَّ عمر صلّى وجرحُه ينبع دمًا» (٢).
وقال طاوُس ومحمد بن عليّ وعطاء وأهل الحجاز: ليس في الدّم وضوء (٣).

---------------------
(١) في (كتاب الطهارة، باب ما يظنُّ أنَه نجس وليس كذلك).
(٢) انظر «الفتح» (١/ ٢٨٧).
(٣) أورده البخاري معلقًا بصيغة الجزم. وقال الحافظ في «الفتح» (كتاب الوضوء، باب ٣٤): «وأثره هذا وصَله ابن أبي شيبة بإِسناد صحيح، ولفظه: إنَّه كان لا يرى في الدم وضوءًا، يغسل عنه الدم، ثمَّ حسبه».
وقال الحافظ: «وعطاء هو ابن أبي رباح، وأثره هذا وصَله عبد الرزاق عن ابن جريج عنه». وذكره شيخنا -حفظه الله- في «مختصره» (١/ ٥٧)، فقال:«... وصَله عبد الرزاق بسند صحيح عنه». وأهل الحجاز: رواه عبد الرزاق من طريق أبي هريرة وسعيد ابن جبير وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق ابن عمر وسعيد بن المسيّب. وأخرجه إِسماعيل القاضي من طريق أبي الزِّناد عن الفقهاء السبعة من أهل المدينة، وهو قول مالك والشافعي. «الفتح». ولم أذكر أثر محمد بن علي، وهو أبو جعفر الباقر، فوصله سمويه في «الفوائد».



وعَصَر ابن عمر بَثْرَة (١)، فخرج منها الدَّم، ولم يتوضّأ (٢).
وبَزقَ ابنُ أبي أوفى (٣) دمًا، فمضى في صلاته (٤).
وقال ابن عمر والحسن فيمن يحتجم: ليس عليه إلاَّ غَسْل محاجمه (٥)،

٤ - القيء قلّ أو كَثُر.
وذلك لعدم ورود الدّليل الموجب له.
وروى مَعدان بن أبي طلحة عن أبي الدّرداء -رضي الله عنه-: «أن النّبيّ - ﷺ - قاء فتوضّأ، فلقيت (٦) ثوبان في مسجد دمشق، فذكرْت ذلك له فقال (٧):

---------------------
(١) البَثْرة: خُراج صغير.
(٢) أورده البخارى معلقًا بصيغة الجزم، ووصله ابن أبي شيبة بإِسناد صحيح، وزاد قبل قوله:»ولم يتوضّأ«:»ثمَّ صلى«؛ كما في»الفتح«.
(٣) هو عبد الله الصَّحابي ابن الصَّحابي. كذا في»الفتح«.
(٤) وصَله سفيان الثوري في»جامعه«عن عطاء ابن السائب: أنَّه رآه فعَل ذلك، وسفيان سمع من عطاء قبل اختلاطه، فالإِسناد صحيح. عن»الفتح«(أول كتاب الوضوء).
(٥) وصله ابن أبي شيبة عنهما، ووصله الشافعي والبيهقيّ (١/ ١٤٠) عن ابن عمر وحده، وسنده صحيح؛ كما في»مختصر البخاري" (١/ ٥٧).
والمحاجم: موضع الحجامة.
(٦) قائله معدان بن أبي طلحة.
(٧) أي: ثوبان.



صدق (١)، أنا صبَبْت له وَضوءه (٢)» (٣).
فالحديث لا يدلّ على النقض إِطلاقًا؛ لأنَّه مجرّد فعل منه - ﷺ -، والأصل أنّ الفعل لا يدلّ على الوجوب.
وغايته أن يدلّ على مشروعيّة التأسّي في ذلك، وأمّا الوجوب؛ فلا بُدّ له من دليل خاصٍّ، وهذا مما لا وجود له هنا (٤).

٥ - الشكّ في الحدث.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا وجَدَ أحدُكم في بطنه شيئًا، فأشكلَ عليه؛ أخَرَجَ منه شيء أم لا؟ فلا يخرجنّ من المسجد حتى يسمع صوتًا أو يجدَ ريحًا» (٥).
وعن عبّاد بن تميم عن عمّه: أنَّه شكا إِلى رسول الله - ﷺ - الرجلّ الذي يُخيّل إِليه أنَّه يجد الشيء (٦) في الصّلاة، فقال: «لا ينفتل (أو لا ينصرف)

-----------------
(١) أي: أبو الدرداء.
(٢) أي: ماء وُضوئه.
(٣) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٧٦) وغيره، وانظر»الإِرواء«(١١١)، و»حقيقة الصيام«(ص ١٥)، و»تمام المنَّة«(١١١)، وتقدّم.
(٤) كذا في»الإرواء«من قول شيخنا -حفظه الله تعالى-.
(٥) أخرجه مسلم: ٣٦٢، وأبو عوانة، والترمذي، وغيرهم.
(٦) أي: الحدث خارجًا منه، وفيه العدول عن ذكر الشيء المستقذر بخاصٍّ اسمه؛ إلاَّ للضرورة.»الفتح".



حتّى يسمع صوتًا (١) أو يجد ريحًا» (٢).
قال الحافظ -رحمه الله-: «هذا الحديث أصل في حُكم بقاء الأشياء على أُصولها حتى يتيقَّن خلاف ذلك، ولا يضّر الشكّ الطارئ عليها، وأخَذَ بهذا الحديث جمهور العلماء» (٣).

٦ - الإِحساس بالنّقطة.
وما قيل في الأمر السابق يُقال هنا.
وقد سُئل شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله- فيما إذا أحسَّ بالنّقطة في صلاته؛ فهل تبطل صلاته؟ فأجاب: «مجرّد الإِحساس لا ينقض الوضوء، ولا يجوز له الخروج من الصّلاة الواجبة بمجرّد الشكّ؛ فإِنَّه قد ثبت عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه سُئل عن الرّجل يجد الشيء في الصَّلاة، فقال:»لا ينصرفُ حتّى يسمعَ صوتًا أو يجدَ ريحًا«.
وأما إِذا تيقَّن خروج البول إِلى ظاهر الذّكر؛ فقد انتقض وضوؤه، وعليه الاستنجاء؛ إلاَّ أن يكون به سلس البول؛ فلا تبطل الصّلاة بمجرّد ذلك إِذا فعَل ما أُمِر به، والله أعلم» (٤).

-----------------------
(١) أي: من مخرجه.
(٢) أخرجه البخاري: ١٣٧، ومسلم ٣٦١، وغيرهما، وتقدّم في (باب نواقض الوضوء).
(٣) «الفتح» تحت حديث (١٣٧).
(٤) «الفتاوى» (٢١/ ٢٢٠).



٧ - الأخْذ من الشّعر أو الأظفار، وخلْع الخفّين.
ولا دليل على الوضوء من ذلك.
قال الحسن: «إِنْ أخذ من شعره أو أظفاره وخَلَع خُفّيه، فلا وضوء عليه» (١). ونقل ابن المنذر الإِجماع على ذلك (٢).

مسائل في الوضوء
١ - المضمضة باليمين.
لحديث حُمران مولى عثمان، وفيه:«... فأدخل يمينه في الإِناء، فمضمض واستنشق» (٣).

٢ - الاستنثار باليُسرى.
عن عليّ -رضي الله عنه-: «أنَّه دعا بوَضوء؛ فتمضمض واستنشق، ونثر بيده اليُسرى، ففعل هذا ثلاثًا، ثمَّ قال: هذا طهور نبيّ الله - ﷺ -» (٤).

٣ - المضمضة والاستنشاق من غَرفة واحدة.
عن عبد الله بن زيد -رضي الله عنه-: «أنَّه أفرَغَ من الإِناء على يديه،

-----------------
(١) أورده البخاري معلقًا بصيغة الجزم، ووصله سعيد بن منصور وابن المنذر بإِسناد صحيح. كما قال الحافظ في»الفتح«(كتاب الوضوء، تحت باب: ٣٤).
(٢)»الفتح«(كتاب الوضوء، تحت باب ٣٤).
(٣) أخرجه البخاري: ١٥٦، ومسلم: ٢٢٦، وغيرهما.
(٤) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٨٩) وغيرهم، وانظر»الإِرواء" (٩١).



https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif


ابوالوليد المسلم 01-01-2026 05:02 AM

رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
 
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 131الى صــ 145
الحلقة (10)



فغسَلهما، ثمَّ غَسَل أو مضمض واستنشق من كفّةٍ (١) واحدة، ففعل ذلك ثلاثًا، فغسل يديه إِلى المرفقين مرَّتين مرَّتين، ومسح برأسه ما أقبل وما أدبر، وغسل رجليه إِلى الكعبين، ثمَّ قال: هكذا وضوء رسول الله - ﷺ -«(٢).
وعن عبد خير؛ قال: رأيتُ عليًّا -رضي الله عنه- أُتي بكرسي، فقعد عليه، ثمَّ أُتي بكوز من ماء، فغسل يديه ثلاثًا، ثمَّ تمضمض مع الاستنشاق بماء واحدة» (٣).

٤ - المبالغة في المضمضة والاستنشاق إِلا من صيام.
عن لقيط بن صبرة: أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال له:«... وبالغْ في الاستنشاق إلاَّ أنْ تكون صائمًا» (٤).

٥ - تخليل اللحية.
عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أنَّ رسول الله - ﷺ - كان إِذا توضّأ؛ أخذ كفًّا من ماء، فأدخله تحت حنكه، فخلَّل به لحيته، وقال: «هكذا أمَرني ربي عز وجل» (٥).

------------------
(١) قال الحافظ في «الفتح»: «... وفي نسخة من غرفة واحدة» وللأكثر من «كفّ» بغير هاء«اهـ قال الأصيلي:»صوابه منَ كفٍّ واحد«.
(٢) أخرجه البخاري: ١٩١، ومسلم: ٢٣٥؛ نحوه.
(٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٠٤).
(٤) أخرجه أصحاب السنن الأربعة وغيرهم، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وغيره، وانظر»حقيقة الصيام«(ص ١٢).
(٥) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (١٣٢)، والبيهقيّ عنه وتقدّم، =


قال شَيخنا -حفظه الله تعالى- بعد أن ذكر قول الشوكاني في «السيل الجرّار» (١/ ٨١) حول وجوب المضمضة والاستنشاق والاستنثار: «ثمَّ ذكر مثل ذلك في تخليل اللحية (تحت رقم ٦)، وهو الصواب، وينبغي أن يُقال ذلك في تخليل الأصابع أيضًا؛ لثبوت الأمر به عنه - ﷺ -».

٦ - وجوب مسح جميع الرأس.
قال الله تعالى: ﴿وامْسَحُوا برؤوسِكُم﴾ (١).
وعن عمرو بن يحيى المازنيّ عن أبيه: أن رجلًا قال لعبد الله بن زيد -وهو جدُّ عمرو بن يحيى-: أتستطيع أن تُرِيَني كيف كان رسول الله - ﷺ - يتوضّأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم. فدعا بماء فأفرغ على يديه، فغسل مرتين، ثمَّ مضمض واستنثر ثلاثًا، ثمَّ غسل وجهه ثلاثًا، ثمَّ غسل يديه مرتين مرتين إِلى المرفقين، ثمَّ مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر؛ بدأ بمقدَّم رأسه حتى ذهب بهما إِلى قفاه، ثمَّ ردَّهما إِلى المكان الذي بدأ منه، ثمَّ غسل رجليه«(٢).
وسُئل مالك -رحمه الله-: أيجزئ أن يمسحَ بعض الرأس؟ فاحتجّ بحديث عبد الله بن زيد هذا (٣).

----------------------
= وللحديث طريق أخرى صحَّحها الحاكم، ووافقه ابن القَّطان والذّهبي، والحديث صحيح بشواهده. وانظر»الإِرواء«(٩٢).
(١) المائدة: ٦، والباء هنا زائدة لا تبعيضيَّة، فيراد مسح الكلّ. انظر»الفتح«(شرح حديث ٢٨٥). وذكر شيخ الإسلام -رحمه الله- أنها للإِلصاق»الفتاوى«(٢١/ ١٢٣).
(٢) أخرجه البخاري: ١٨٥، ومسلم: ٢٣٥، نحوه وتقدّم.
(٣) وصله ابن خزيمة في»صحيحه«(١٥٧)؛ كما ذكر الحافظ -رحمه الله- في»الفتح".



وإلى وجوب مسْح جميع الرأس هذا ذهب شيخ الإِسلام ابن تيميّة -رحمه الله تعالى- وذكر أنَّه المشهور من مذهب مالك وأحمد (١).
وقال ابن المسيّب: المرأة بمنزلة الرجل، تمسح على رأسها (٢).

٧ - كيف يُمسح الرأس؟
يُمسح باليدين إِقبالًا وإِدبارًا، بادئًا بمقدّم رأسه، حتى يبلغ قفاه:
لحديث عبد الله بن زيد:» ... ثمَّ مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر؛ بدأ بمقدّم رأسه، حتى ذهب بهما إِلى قفاه، ثمَّ ردّها إِلى المكان الذي بدأ منه ... «(٣).
وعن يزيد بن أبي مالك: أنَّ معاوية توضأ للنَّاس كما رأى رسول الله - ﷺ - يتوضّأ، فلمَّا بلغَ رأسه؛ غَرف غرفةً من ماء فتلقاها بشماله؛ حتى وضعها على وسط رأسه، حتى يقطر الماء أو كاد يقطر، ثمَّ مسح من مقدّمه إِلى مؤخّره، ومن مؤخره إِلى مقدّمه» (٤).

٨ - مسح الرأس مرة واحدة.
لحديث عبد الله بن زيد المتقدّم، وهو يتوضّأ وضوء النّبيّ - ﷺ -، وفيه:

------------------
(١) انظر «الفتاوى» (٢١/ ١٢٢ - وما بعدها).
(٢) أورده البخاري معلقًا بصيغة الجزم، ووصَله ابن أبي شيبة بلفظ: «الرجل والمرأة في المسح سواء». «الفتح».
(٣) أخرجه البخاري: ١٨٥، ومسلم: ٢٣٥، وغيرهما، وتقدّم.
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١١٥).



«... فمسح رأسه، فأقبَل بهما وأدبَر مرّة واحدة، ثمَّ غسل رجليه إِلى الكعبين».

٩ - مسح الرأس مرتين.
لحديث الرُّبَيِّع بنت مُعوّذ عن النّبيّ - ﷺ -، وفيه:«... ومسَح برأسه مرتين ...» (١).

١٠ - مسح الرأس ثلاثًا.
فقد صحّ من حديث عثمان -رضي الله عنه-: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - مسح برأسه ثلاثًا» (٢).
وقد قال الحافظ في «الفتح» (٣): «وقد روى أبو داود من وجهين صحّح أحدهما ابن خزيمة وغيره في حديث عثمان تثليث مسح الرأس، والزيادة من الثقة مقبولة».
وذكر في «التلخيص»: أنَّ ابن الجوزي مال في «كشف المشكل» إِلى تصحيح التكرير.
قال شيخنا -حفظه الله تعالى-: «وهو الحقّ؛ لأنَّ رواية المرة الواحدة - وإِن كَثرت- لا تُعارض رواية التثليث؛ إِذ الكلام في أنَّه سنَّة، ومن شأنها أن

------------------
(١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١١٧).
(٢) قال شيخنا في»تمام المنَّة«(ص٩١): أخرجه أبو داود بسندين حسَنين، وله إِسناد ثالث حسن أيضًا، وقد تكلّمت على هذه الأسانيد بشيء من التفصيل في»صحيح سنن أبي داود" (٩٥ و٩٨).
(٣) تعليقًا على حديث (١٥٩).



تُفعل أحيانًا وتُترك أحيانًا، وهو اختيار الصنعاني في»سبل السلام«؛ فراجعه إِن شِئت» (١).

١١ - المسح على العمامة.
عن بلال -رضي الله عنه-: «أنَّ رسول الله - ﷺ - مَسَح على الخفّين والخِمار (٢)» (٣).
وفي حديث المغيرة بن شُعبة -رضي الله عنه-: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - توضّأ، فمسح بناصيته على العمامة (٤) وعلى الخفيّن» (٥).
وعنه -رضي الله عنه- أيضًا: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - مسح على الخفّين ومُقدَّم رأسه وعلى عمامته» (٦).
وعن ثوبان -رضي الله عنه- قال: «بعثَ رسول الله - ﷺ - سريّة، فأصابهم البرد، فلمّا قدِموا على رسول الله - ﷺ -؛ أمرهم أن يمسحوا على العصائب (٧) والتساخين» (٨).

-------------------(١) «تمام المنَّة» (ص٩١).
(٢) أراد به العمامة؛ لأنَّ الرجل يغطي بها رأسه؛ كما أنَّ المرأة تغطّيه بخمارها. «النهاية».
(٣) أخرجه مسلم: ٢٧٥
(٤) العمامة: ما يُلفُّ على الرأس ويغطَّى به.
(٥) أخرجه مسلم ٢٧٤، وغيره.
(٦) أخرجه مسلم: ٢٧٤
(٧) كلّ ما عصَبْتَ به رأسك من عمامة أو منديل أو خرقة. «النهاية».
(٨) جاء في النهاية: الخفاف، ولا واحد لها من لفظها، وقيل: "واحدها تَسخان =



قال ابن حزم -رحمه الله- بعد أن ذكر بعض الأحاديث في المسْح على العمامة: «فهؤلاء ستة من الصحابة -رضي الله عنهم-: المغيرة بن شعبة، وبلال، وسلمان، وعمرو بن أميّة، وكعب بن عجرة، وأبو ذرّ، كلّهم يروي ذلك عن رسول الله - ﷺ - بأسانيد لا معارض لها ولا مطعن فيها، وبهذا القول يقول جمهور الصحابة والتابعين ...» (١).
وقال الصنعاني:«... كان يمسح على رأسه تارة، وعلى العمامة تارة، وعلى النّاصية والعمامة تارة».
ويرى شيخنا -حفظه الله- أنْ يفعل المرء ما يتيسّر له من هذه الحالات.
ولا يُشترط في المسح على العمامة لبْسها على طهارة، ولك أن تمسح بلا توقيت ولا تحديد؛ لعدم ورود النصِّ في ذلك.
قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (تحت المسألة: ٢٠٢): «وإنما نصَّ رسول الله - ﷺ - في اللباس على الطهارة- على الخفيّن، ولم ينصّ ذلك في العمامة والخمار.
قال الله تعالى: ﴿لِتُبيِّنَ للنَّاس ما نُزِّلَ إِليْهم﴾ (٢)، ﴿وما كان ربُّكَ

-------------------
= وتَسْخين وتَسْخن. انظر باب (التاء مع السين) و(السين مع الخاء)، وقيل: التساخين ما يُسخَّن به القدم من خُفٍّ وجورب ونحوهما». أخرجه أحمد، وهو في «صحيح سنن أبي داود» (١٣٣).
(١) أنظر «المحلّى» (المسألة: ٢٠١).
(٢) النحل: ٤٤



نَسِيًّا﴾ (١).
فلو وجب هذا في العمامة والخمار؛ لبيَّنه -عليه السلام- كما بيّن ذلك في الخفّين، ومدّعي المساواة في ذلك بيْن العمامة والخمار وبيْن الخفّين مُدَّعٍ بلا دليل، ويُكلَّف البرهان على صحة دعواه في ذلك.
فيُقال له: من أين وجب -إِذ نصَّ عليه السلام في المسح على الخفين أنَّه لَبِسهما على طهارة-: أنَّه يجب هذا الحكم في العمامة والخمار؟ ولا سبيل له إِليه أصلًا بأكثر من قضيّة من رأيه؛ وهذا لا معنى له! قال الله تعالى: ﴿قُل هَاتوا بُرْهانَكُم إِنْ كنْتُمْ صَادقينَ﴾ (٢).
وقال في الردّ على من يقول بتوقيت المسح على العمامة والخمار (٣): «يقال له: ما دليلك على صحّة ما تذكر من أن يحكم للمسح على العمامة بمثل الوقتين المنصوصَين (٤) في المسح على الخفّين؟ وهذا لا سبيل إِلى وجوده بأكثر من الدّعوى، وقد مسح رسول الله - ﷺ - على العمامة والخمار، ولم يوقِّت في ذلك وقتًا، ووقّت في المسح على الخفيّن؛ فيلزمنا أن نقول ما قاله عليه السلام، وأن لا نقول في الدين ما لم يَقُلْه عليه السلام، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدودُ اللهِ فلا تَعْتَدُوها﴾ (٥)».

---------------
(١) مريم: ٦٤
(٢) البقرة: ١١١، والنمل: ٦٤
(٣) انظر المسألة: ٢٠٣
(٤) أي: السّفر والحضر.
(٥) البقرة: ٢٢٩



١٢ - مسْح باطن وظاهر الأذنين.
عن عبد الله بن عمرو: أنَّ رجلًا أتى النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله! كيف الطّهور؟ فدعا بماء في إِناء، فغسل كفّيه ثلاثًا، ثمَّ غسل وجهه ثلاثًا، ثمَّ غسل ذراعيه ثلاثًا، ثمَّ مسَح برأسه، فأدخَل إِصْبعيه السبّاحتين (١) في أذنيه، ومسَح بإِبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسبّاحتين باطن أذنيه، ثمَّ غسل رجليه ثلاثًا، ثمَ قال: «هكذا الوُضوء؛ فمن زاد على هذا؛ فقد أساء وظلم»، أو: «ظلم وأساء» (٢).
وعن أبي مليكة؛ قال: «رأيت عثمان بن عفّان سُئل عن الوضوء، فدعا بماء، فأُتي بميضأة ... (وذكر الحديث إِلى أن بلغَ:) ثمَّ أدخل يده، فأخذ ماءً فمسح برأسه وأذنيه، فغسل بطونهما وظهورهما مرّة واحدة، ثمَّ غسل رجليه، ثمَّ قال: أين السائلون عن الوضوء؟ هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ» (٣).
وفي حديث المقدام بن معديكرب؟ قال: «... ومسَح بأذنيه ظاهرهما وباطنهما، -زاد هشام-: وأدخل أصابعه في صِماخ (٤) أذنيه» (٥).

-------------------
(١) السبَّاحة والمُسبِّحة: الإِصبع التي تلي الإِبهام، سُمِّيت بذلك لأنها يُشار بها عند التَّسبيح. «النهاية».
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٢٣) وغيره، وانظر «المشكاة» (٤١٧).
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٩٩).
(٤) ثقب الأذن، ويقال بالسين. «النهاية».
(٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١١٤).



وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما» (١).

١٣ - مسْح الأذنين بماء الرّأس وجواز أخْذ ماء جديد لهما عند الحاجة.
قال المُناوي في شرح حديث: «الأذُنان من الرأس» (٢): «الأذُنان من الرأس، لا من الوجه ولا مستقلّتان؛ يعني: فلا حاجة إِلى أخْذ ماء جديد منفرد لهما غير ماء الرأس في الوضوء، بل يجزئ مسْحهما ببلل ماء الرأس، وإلاَّ لكان بيانًا للخلقة فقط، والمصطفى - ﷺ - لم يُبعث لذلك، وبه قال الأئمة الثلاثة ...»، وذكر مخالفة الشّافعيِّة في ذلك.
واحتجّ النَّووي في «المجموع» (١/ ٤١٢) بحديث عبد الله بن زيد -رضي الله عنه-: «أنَّ رسول الله - ﷺ - أخَذ لأذنيه ماءً خلاف الذي أخذ لرأسه»، وقال: حديث حسن، رواه البيهقيّ وقال: إِسناده صحيح.
بيْد أنَّ شيخنا -حفظه الله- بيّن شذوذه في: «الضعيفة» (٩٩٥)، و«صحيح سنن أبي داود» (١١١).

--------------
(١) أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقيّ، وهو صحيح بالمتابعة؛ فقد أخرجه أبو داود والحاكم، وانظر «الإرواء» (٩٠).
(٢) حديث صحيح له طُرق كثيرة عن جماعة من الصحابة؛ منهم: أبو أمامة، وأبو هريرة، وابن عمرو، وابن عباس، وعائشة، وأبو موسى، وأنس، وسمرة بن جندب، وعبد الله ابن زيد. وانظر تفصيله في «الصحيحة» (٣٦).



وقال النّووي -رحمه الله- في موطن آخر (١):»وهو حديث صحيح كما سبق بيانه قريبًا؛ فهذا صريح في أنَّهما ليستا من الرّأس، إِذ لو كانتا منه؛ لما أخذ لهما ماءً جديدًا كسائر أجزاء الرّأس، وهو صريح في أخذ ماء جديد، فيحتجّ به أيضًا على من قال: يمسحمها بماء الرّأس ...«.
قال شيخنا -حفظه الله-:»ولا حُجّة فيه على ما قالوا؛ إِذ غاية ما فيه مشروعيّة أخذ الماء لهما، وهذا لا ينافي جواز الاكتفاء بماء الرّأس؛ كما دلَّ عليه الحديث، فاتّفقا ولم يتعارضا.
ويؤيد ما ذكرتُ: أنَّه صحّ عنه - ﷺ -: «أنَّه مسح برأسه من فضل ماءٍ كان في يده».
رواه أبو داود في «سننه» بسند حسن كما بيّنته في «صحيح سننه» (١٢١)، وله شاهد من حديث ابن عباس في «المُستدرك» (١/ ١٤٧) بسند حسن أيضًا، ورواه غيره؛ فانظر: «التلخيص الحبير» (ص ٣٣).
وهذا كلّه يُقال على فرض التّسليم بصحّة حديث عبد الله بن زيد، ولكنه غير ثابت، بل هو شاذٌّ كما ذكرت في «صحيح سنن أبي داود» (١١١)، وبيّنته في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (تحت ٩٩٥).
وجملة القول: فإِنَّه أسعد النَّاس بهذا الحديث من بين الأئمّة الأربعة أحمد ابن حنبل -رضي الله عنهم- أجمعين؛ فقد أخذ بما دلّ عليه الحديث في المسألتين، ولم يأخذ به في الواحدة دون الأخرى كما صنع غيره«(٢) أهـ.

----------------------
(١)»المجموع«(١/ ٤١٤).
(٢) انظر»الصحيحة" التعليق على حديث (٣٦).



وخلاصة القول التي بدت لي: «جواز مسح الأذنين بماء الرأس، مع جواز أخْذ ماء جديد لهما، إِذا دعت الحاجة لذلك، والله أعلم».

١٤ - عدم ورود المسْح على العُنق.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: «لم يصح عن النّبي - ﷺ - أنَّه مسح على عنقه في الوضوء، بل ولا رُوي عنه ذلك في حديث صحيح، بل الأحاديث الصحيحة التي فيها صفة وضوء النبيّ - ﷺ - لم يكن يمسح على عنقه؛ ولهذا لم يستحبّ ذلك جمهور العلماء؛ كمالك والشافعي وأحمد في ظاهر مذهبهم، ومن استحبّه؛ فاعتمد فيه على أثر يُروى عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أو حديث يضعُف نقْلُه:»أنَّه مسح رأسه حتى بلغ القذال (١) «(٢)، ومِثل ذلك لا يصح عمدة، ولا يُعارض ما دلّت عليه الأحاديث» (٣).
وأما حديث: «مسح الرقبة أمان من الغِلّ»؛ فموضوع (٤).

--------------------
(١) جِماع مؤخَّر الرأس.
(٢) أخرجه أبو داود وغيره، وفيه ثلاث علل: الضعف، والجهالة، والاختلاف في صحبة والد مصرف. وضعّفه النووي، وابن تيمية، والعسقلاني، وغيرهم. وانظر: «الضعيفة» (تحت رقم ٦٩)، و«ضعيف سنن أبي داود» (١٥).
(٣) «الفتاوى» (٢١/ ١٢٧ و١٢٨).
(٤) قاله النَّووي في «المجموع شرح المهذَّب» (١/ ٤٦٥)، ونقله السيوطي في «ذيل الأحاديث الموضوعة» عن النووي، وأقرّه، وللحافظ كلام فيه في «التلخيص الحبير»، وانظر تفصيل تخريجه في «السلسلة الضعيفة» (٦٩).



١٥ - غسل الرِّجلين إِلى الكعبين.
عن عمرو بن يحيى عن أبيه قال: «شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله ابن زيد عن وضوء النّبيّ - ﷺ -: فدعا بتور من ماء، فتوضأ لهم وضوء النّبيّ - ﷺ -: فأكفأ على يديه من التّور فغسل يديه ثلاثًا، ثمَّ أدخل يده في التّور فمضمض واستنشق واستنثر ثلاث غرفات، ثمَّ أدخل يده فغسل وجهه ثلاثًا، ثمَّ غسل يديه مرّتين إِلى المرفقين، ثمَّ أدخل يده فمسح رأسه فأقبَل بهما وأدبر مرّة واحدة، ثمَّ غسل رجليه إِلى الكعبين» (١).

١٦ - غَسل الرجلين بغير عدد.
لحديث يزيد بن أبي مالك، وفيه: «... فتوضّأ ثلاثًا ثلاثًا، وغسل رجليه بغير عدد» (٢).

١٧ - تخليل أصابع الرجلين.
عن المستورد بن شدَّاد -رضي الله عنه- قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - إِذا توضّأ يدلك أصابع رجليه بخِنصره» (٣).
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِذا توضّأْتَ، فخلِّل أصابع يديْك ورجليك» (٤).

-------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٨٦، ومسلم: ٢٣٥، وتقدّم.
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١١٦).
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح أبي داود» (١٣٤) وغيره، وانظر «المشكاة» (٤٠٧).
(٤) أخرجه أصحاب السنن الأربعة وغيرهم، وقال الحاكم: «صحيح الإِسناد»، ووافقه الذهبي وغيره. وانظر «الصحيحة» (١٣٠٦)، و«حقيقة الصيام» (١٢).



وعن لَقِيط بن صَبِرة: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «أسبغ الوضوء، وخلِّل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق؛ إلاَّ أن تكون صائمًا» (١).

١٨ - الترهيب من النقص في غسل الرجلين.
عن سالم مولى شدَّاد؛ قال: دخلَت عليَّ عائشة زوج النّبيّ - ﷺ - يوم تُوفّي سعدُ بن أبي وقاص، فدخل عبد الرحمن بنُ أبي بكر، فتوضّأ عندها، فقالت: يا عبد الرحمن! أسبغ الوضوء؛ فإِنّي سمعْت رسول الله - ﷺ - يقول: «ويْلٌ (٢) للأعقاب (٣) من النّار» (٤).
وعن جابر -رضي الله عنه- قال: «أخبرَني عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: أنَّ رجلًا توضّأ، فترك موضع ظُفُر على قدمه، فأبصره النّبيّ - ﷺ -، فقال: ارجعْ؛ فأحسِن وضوءك، فرجع ثمَّ صلَّى» (٥).

--------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٢٩)، والترمذي -وقال: «حديث حسن صحيح»- والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم، وهو في «المشكاة» (٤٠٥)، وتقدّم.
(٢) الويل: كلمة تُقال لمن وقع في هلكة ولا يُترّحم عليه؛ بخلاف ويح؛ كذا في «التنقيح». «فيض القدير». وهو الحزن والهلاك والمشقة من العذاب. «النهاية».
(٣) أي: التي لا ينالها ماء الطُّهر. «فيض». والعَقِب: مؤخَّر القدم.
وفي «النهاية»: أراد صاحب العقب، فحذف المضاف، وِإنّما قال ذلك لأنَّهم كانوا لا يستقصون غَسْل أرجلهم في الوضوء.
(٤) أخرجه البخاري: ٦٠ من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- ورواه البخارى: ١٦٥، ومسلم: ٢٤٠، وغيرهما؛ من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- بهذا السياق.
(٥) أخرجه مسلم: ٢٤٣، وغيره وتقدم. وفي رواية: «فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة». رواه أحمد، وانظر «صحيح سنن أبي داود» (١٦١)، و«الإرواء» (٨٦).



وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أنَّه رأى قومًا يتوضؤون من المطهرة، فقال: أسبغوا الوُضوء؛ فإِني سمعْت أبا القاسم - ﷺ - يقول: «ويل للعراقيب (١) من النار» (٢).

١٩ - النّضح بعد الوضوء.
عن الحكم بن سفيان الثقفي -رضي الله عنه-: «أنَّه رأى رسول الله - ﷺ - توضّأ، ثمَّ أخذ كفًّا من ماء فنضحَ به فرجه» (٣).

٢٠ - وجوب استيعاب جميع أجزاء محلّ الطهارة، ولا يصحّ الوضوء بترك مثل موضع الظُّفُر أو قدر الدّرهم.
عن جابر؛ قال: «أخبرني عمر بن الخطاب: أنَّ رجلًا توضّأ، فترك موضع ظُفُر على قدمه، فأبصره النّبيّ - ﷺ -، فقال:»ارجع فأحسن وُضوءك فرجع ثمَّ صلّى«(٤).

--------------------
(١) هو من الإنسان فويق العَقب.»النهاية«، وقال النووي: وهو العصبة التي فوق العَقب.
(٢) أخرجه مسلم: تحت حديث رقم (٢٤٢)، وغيره.
(٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٥٤) والنسائي، وهو صحيح لغيره فإِنّ له شاهدًا من رواية زيد بن حارثة -رضي الله عنه- رواه أحمد وغيره، وانظر»المشكاة" (٣٦٦).
(٤) أخرجه مسلم: ٢٤٣، وتقدم.



٢١ - ما يوجب إِعادة الوضوء.
للحديث السابق.

٢٢ - التيمّن في الوضوء.
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان النّبيّ - ﷺ - يُعجبه التّيمّن (١)؛ في تنعُّله (٢)، وترجُّله (٣)، وطُهُوره؛ في شأنه كلّه» (٤).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا لبستم وإِذا توضّأتم؛ فابدأوا بأيامنكم» (٥).
وعن أم عطيّة -رضي الله عنها- قالت: قال النّبيّ - ﷺ - لهنّ في غسل ابنته: «ابدأنَ بميامنها ومواضع الوضوء منها» (٦).

----------------------
(١) أي: الابتداء باليمين، وكان - ﷺ - يعجبه الفأل الحسن؛ كما في رواية ابن حبَّان عن أبي هريرة، وأحمد عن عائشة، وغيرهما، وهو في «الكلم» (٢٤٨).
وعند الشيخين: «قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الحسنة يسمعها الرجل».
قال في «الفتح»: «قيل: إِنه كان يحبُّ الفأل الحسن، إِذ أصحاب اليمين أهل الجنة».
(٢) أي: لُبس نعله.
(٣) أي: ترجيل شعره، وهو تسريحه ودهنه.
(٤) أخرجه البخاري: ١٦٨، ومسلم: ٢٦٨، وغيرهما. قيل: «هو عام مخصوص؛ لأنَّ دخول الخلاء والخروج من المسجد يبدأ فيهما باليسار».
(٥) تقدّم.
(٦) أخرجه البخاري: ١٦٧، ومسلم: ٩٣٩، وغيرهما، وتقدّم.



https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif


ابوالوليد المسلم 01-01-2026 05:08 AM

رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
 
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 146الى صــ 160
الحلقة (11)





٢٣ - إِسباغ الوضوء على المكاره.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «ألا أدلّكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟». قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «إِسباغ الوُضوء على المكاره (١)، وكثرة الخُطا إِلى المساجد، وانتظار الصّلاة بعد الصّلاة؛ فذلكم الرّباط (٢)» (٣).
وتقدَّم حديث لَقيط بن صَبِرة: «أسبِغ الوضوء، وخلِّل بين الأصابع، وبالِغ في الاستنشاق؛ إلاَّ أن تكون صائمًا».

٢٤ - عدم ترتيب الوضوء لا يفسده.
الأصل في الوضوء الترتيب، ولكن ليس هناك ما يدلّ على أنَّ عدم ترتيب الوضوء يفسده، فقد ثبت عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه توضّأ من غير ترتيب؛ كما في حديث المقدام بن معديكرب -رضي الله عنه- قال: «أُتي رسول الله - ﷺ - بوَضوء، فتوضّأ، فغسل كفّيه ثلاثًا، ثمَّ غسل وجهه ثلاثًا، ثمَّ غسل ذراعيه ثلاثًا، ثمَّ مضمض واستنشق ثلاثًا، ومسح برأسه وأُذنيه ظاهرهما وباطنهما، وغسل رجليه ثلاثًا» (٤).

--------------------
(١) جمع مَكْرَه، وهو ما يكرهه الإِنسان ويشقُّ عليه، والكُره: المشقَّة، والمعنى: أن يتوضّأ مع البرد الشديد والعِلل التي يتأذَّى معها بمسِّ الماء. «النهاية».
(٢) الرباط في الأصل: الإِقامة على جهاد العدو بالحرب؛ أي: أنَّ المواظبة على الطهارة والصلاة والعبادة كالجهاد في سبيل الله. «النهاية» بحذف.
(٣) أخرجه مسلم: ٢٥١، وغيره.
(٤) أخرجه أحمد، وأبو داود، وقال الشوكاني: «إِسناده صالح»، وحسّن إِسناده النووي والحافظ ابن حجر. وانظر «تمام المنّة» (ص٨٨).


٢٥ - النّهي عن الاعتداء في الوُضوء.
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه؛ قال: جاء أعرابيٌّ إِلى النّبيّ - ﷺ - يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثًا ثلاثًا، ثمَّ قال: «هكذا الوضوء؛ فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدّى وظلم» (١).
وفي الحديث: «إِنّه سيكون في هذه الأمَّة قومٌ يعتدون في الطُهور (٢) والدُّعاء» (٣).

٢٦ - الرجل يُوضِّئ صاحبه.
عن أسامة بن زيد: أنَّ رسول الله - ﷺ - لمّا أفاض من عرفة؛ عدل إِلى الشِّعْب، فقضى حاجته. قال أسامةُ بن زيد: فجعلْت أصُبُّ عليه ويتوضّأ، فقلت: يا رسول الله! أتصلّي؟ فقال: «المُصلَّى أمامك» (٤).
وعن المغيرة بن شعبة: «أنَّه كان مع رسول الله - ﷺ - في سفر، وأنَّه ذهب لحاجةٍ له، وأنَّ مغيرةَ جعل يصبُّ الماء عليه وهو يتوضّأ، فغسل وجهه ويديه ومسح على الخُفّين» (٥).

----------------------
(١) أخرجه النسائى «صحيح سنن النسائي» (١٣٦)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٣٣٩)، وانظر «المشكاة» (٤١٧).
(٢) الطهور: بالضم ويُفتح. «مرقاة» (٢/ ١٢٥).
(٣) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٨٧)، وابن ماجه، وانظر «المشكاة» (٤١٨).
(٤) أخرجه البخاري: ١٨١
(٥) أخرجه البخارى: ١٨٢، ومسلم: ٢٧٤، وغيرهما.



٢٧ - التخفيف في الوضوء.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «بتُّ عند خالتي ميمونة ليلة، فقام النّبيّ - ﷺ - من الليل، فلمّا كان في بعض الليل؛ قام النّبيّ - ﷺ -، فتوضّأ من شنٍّ (١) مُعلَّق وضوءًا خفيفًا -يخفّفه عمرو ويقلّله (٢) - وقام يُصلِّي ...» (٣).
وعن أنس -رضي الله عنه- قال: «كان النّبيّ - ﷺ - يغسل (٤) (أو كان يغتسل) (٥) بالصّاع (٦) إِلى خمسة أمداد (٧)، ويتوضّأ بالمُدّ» (٨).

--------------------
(١) الشَّنُّ: القربة العتيقة.
(٢) أي: يصِفه بالتخفيف والتقليل. وقال ابن المنيِّر: يخفِّفه؛ أى: لا يُكثر الدَّلك، ويقلِّله؛ أي: لا يزيد على مرة مرة. وقيل: الاقتصار على سيلان الماء على العضو أخفُّ من قليل الدَّلك، والله أعلم. عن «الفتح» بشيء من الاختصار.
(٣) أخرجه البخاري: ١٣٨
(٤) أي: جسده.
(٥) قال الحافظ: «الشَّكُّ فيه من البخاري أو من أبي نُعيم لما حدَّثه به».
(٦) الصَّاع: إناء يتسع خمسة أرطال وثُلُثًا بالبغدادي، وقال بعض الحنفيَّة: ثمانية.
«الفتح». وهو أربعة أمداد. «النهاية». و«الفتح». وقال أبو داود في «سننه»: «وسمعْتُ أحمد بن حنبل يقول: الصَّاع خمسة أرطال، وهو صاع ابن أبي ذئب، وهو صاع النّبيّ - ﷺ -».
(٧) جاء في «النهاية»: «المُدُّ في الأصل: رُبع الصاع، وِإنّما قُدِّر به لأنَّه أقل ما كانوا يتصدقون به في العادة». وفيه أيضًا: «وهو رطل وثُلُث بالعراقي، عند الشافعي وأهل الحجاز، وهو رطلان عند أبي حنيفة وأهل العراق».
(٨) أخرجه البخارى: ٢٠١، ومسلم: تحت ٣٢٥، وغيرهما.



وعن أنس -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يغتسل بخمس مكاكيك (١)، ويتوضّأ بمكّوك» (٢).
وعن عُمارة: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - توضّأ، فأُتي بإِناء فيه ماء؛ قدر ثُلُثي المدّ» (٣).
وعن عبد الله بن زيد: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - أُتيَ بثُلُثي مُدّ، فجعل يدلك ذراعه» (٤).

٢٨ - استعمال فضل وضوء النّاس.
عن أبي جُحيفَة -رضي الله عنه- قال: «خرج علينا رسول الله - ﷺ - بالهاجرة (٥)، فأُتي بوَضوء فتوضّأ، فجعل النّاسُ يأخذون من فضل وَضوئه فيتمسّحون به، فصلّى النّبيّ - ﷺ - الظهر ركعتين والعصر ركعتين وبين يديه

--------------------
(١) جاء في»النهاية«:»أراد بالمكُّوك: المُدّ، وقيل: الصَّاع، والأول أشبه؛ لأنّه جاء في حديث آخر مفسرًا بالمُدِّ، والمكوك: اسم للمكيال«.
وقوله:»والأول أشبه«؛ هو الصواب إِن شاء الله؛ فقد ورَدت فيه النصوص كما تقدّم، أمّا الصَّاع إِلى خمسة أمداد فهو مقدار ما كان يغتسل به عليه السلام.
(٢) أخرجه مسلم: ٣٢٥، وغيره.
(٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٨٥).
(٤) عن»صحيح سنن ابن خزيمة" (١١٨)، وعند الحاكم مِثله، وصحَّحه شيخنا -حفظه الله-.
(٥) نصف النهار، عند اشتداد الحرّ؛ لأنَّ الناس يستكنُّون في بيوتهم، كأنّهم قد تهاجروا.



عَنَزَة (١) «» (٢).

فوائد يحتاج المتوضِّىء إِليها (٣).
* الكلام المباح أثناء الوضوء مُباح، ولم يَرِدْ في السنّة ما يدلّ على منعه.
* الدّعاء عند غسل الأعضاء باطل لا أصل له.
* لو شكَّ المتوضئ في عدد الغسلات؛ يبني على اليقين، وهو الأقل.
* وجود الحائل -مثل الشَّمع (٤) - على أيّ عضو من أعضاء الوضوء يُبطله، أمّا اللون وحده -كالخضاب بالحنّاء مثلًا-، فإِنَّه لا يؤثر في صحة الوضوء؛ لأنَّه لا يَحُولُ بين البشرة وبين وصول الماء إِليها.
* المستحاضة ومن به سلس بول أو انفلات ريح أو غير ذلك من الأعذار يتوضؤون لكلّ صلاة إِذا كان العذر يستغرق جميع الوقت، أو كان لا يمكن ضبطه، وتعدّ صلاتهم صحيحة مع قيام العُذر.
* يجوز الاستعانة بالغير في الوضوء.
* يباح للمتوضّئ أن يُنشّف أعضاءه بمنديل أو نحوه؛ صيفًا وشتاءً.

------------------------
(١) العَنَزة: رُميْح بين العصا والرُّمح، فيه زُجٌّ. «المحيط». والزُّج: الحديدة في أسفل الرمح. «الوسيط».
(٢) أخرجه البخاري: ١٨٧
(٣) عن كتاب «فقه السنّة» للسيد سابق -حفظه الله تعالى- بحذف يسير.
(٤) [أو ما يُعْرَف بـ (المنيكير)].



خُلاصة مُيسَّرة لأعمال الوضوء (١).
- النيّة: لحديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: «إِنَّما الأعمال بالنّيات، وِإنَّما لكلّ امرئ ما نوى ...» (٢).
ومحل النيّة القلب، وأما التلفّظ بها؛ فبدعة.
- التسوّك (٣).
- غسل الكفّين، ويخلّل الأصابع فيها؛ إِن لم يُرِد تخليلهما عند غسل اليدين إِلى المرفقين.
- المضمضة والاستنشاق والاستنثار، والمبالغة في ذلك إلاَّ من صيام.
والأصل هو المضمضة والاستنشاق من ماء واحد، والفصل جائز، ويكون ذلك باليمين، وأمّا النّثر؛ فباليد اليُسرى.
- غَسل الوجه.
- تخليل اللحية.
- غَسل اليدين إِلى المرفقين، ويخلِّل أصابع اليدين إن لم يخلِّلْهما عند غَسل الكفّين.

----------------------
(١) ذَكرتُ هذه الأمور والمسائل من غير دليل؛ لتقدُّم ذلك في مواطن متفرقة؛ إلاَّ ما لزم.
(٢) أخرجه البخاري: ٥٤، ومسلم: ١٩٠٧، وغيرهما، وهو في البخاري أيضًا في مواطن متفرّقة، وتقدّم.
(٣) ولم يرِد نصٌّ في تحديد موضعه. وجاء في «تمام المنّة» (٨٩): «ويستحبُّ السِّواك للصّائم أوّل النهار وآخره؛ للبراءة الأصلية».



- مسح الرأس كلّه إِقبالًا وإِدبارًا.
- مسح الأذنين باطنهما وظاهرهما.
- غَسل الرجلين إِلى الكعبين، مع تخليل أصابع الرجلين.

الذكر المستحب عقب الوضوء
عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: كانت علينا رعايه الإِبل، فجاءت نوبتي، فروّحتُها بعَشِيّ (١)، فأدْركْت رسول الله - ﷺ - قائمًا يحدّث النّاس، فأدركت من قوله: «ما من مسلم يتوضّأ فيحسن وضوءَه، ثمَّ يقوم فيصلّي ركعتين، مُقبِلٌ عليهما بقلبه ووجهه؛ إلاَّ وَجَبَت له الجنَّة».
قال: فقلت: ما أجود هذه! فإِذا قائل بين يديَّ يقول: التي قبلها أجود، فنظرْتُ فإِذا عمر، قال: إِنّي قد رأيتُك جئتَ آنِفًا. قال: «ما منكم من أحدٍ يتوضّأ فيُبلغ (أو فيُسبغ) (٢) الوُضوء، ثمَّ يقول: أشهد أن لا إِله إِلا الله، وأن محمدًا عبد الله ورسوله؛ إلاَّ فُتحت له أبواب الجنَّة الثمانيةُ يدخُل من أيّها شاء» (٣).
وفي رواية أُخرى لعقبة -رضي الله عنه-: "من توضّأ فقال: أشهد أن لا

------------------
(١) أي: ردَدْتُها إِلى مراحها في آخر النهار، وتفرغت من أمرها، ثمَّ جئت إِلى مجلس رسول الله - ﷺ -.
(٢) فيبلِغ أو فيُسبغُ؛ بمعنى واحد، والإسباغ: الإِتمام والإِكمال.
(٣) أخرجه مسلم: ٢٣٤، وغيره، وتقدم مختصرًا (ص ١٢).



إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله» (١).
زاد الترمذي: «اللهم اجعلني من التَّوَّابين، واجعلني من المتطهِّرين» (٢).
وفي حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ -: «... ومن توضّأ فقال: سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إِله إلاَّ أنت، أستغفرك وأتوب إِليك؛ كُتب له في رَِقٍّ (٣)، ثمَّ جُعلَ في طابع، فلم يُكسر إِلى يوم القيامة» (٤).

----------------
(١) أخرجه مسلم: ٢٣٤، وفي الحديث زيادة: «وحده لا شريك له»؛ كما هو بيِّن، وقد خالف فيها زيد بن الحُباب عبد الرحمن بن مهدي.
بَيْد أنَّ ابن وهب تابع ابن الحُباب؛ كما في «سنن أبي داود» (١٦٩). فصحَّت هذه الزيادة، والحمد لله، وقد استفدت هذا من مراجعة شيخنا -حفظه الله-.
(٢) قال المنذري في «الترغيب والترهيب»: «وتُكُلِّم فيه».
وقال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «الإرواء» (٩٦): «وأعلّه الترمذي بالاضطراب، وليس بشيء؛ فإِنّه اضطراب مرجوح؛ كما بينَّته في»صحيح سنن أبي داود«(١٦٢).
ولهذه الزيادة شاهد من حديث ثوبان، رواه الطبراني في»الكبير«(١/ ٧٢/‏١)، وابن السنِّي في»اليوم والليلة«(رقم ٣٠)، وفيه أبو سعد البقَّال الأعور، وهو ضعيف».
(٣) بفتح الراء وكسْرها وهو جلد رقيق يكتب فيه، وانظر «المحيط».
(٤) أخرجه الطبراني في «الأوسط»، ورواته رواة «الصحيح»، واللفظ له.
ورواه النسائي، وقال في آخره: «خُتم عليها بخاتم، فوضعت تحت العرش، فلم تُكسر إِلى يوم القيامة»، وصوّب وقفه على أبي سعيد.
وقال شيخنا: «ولكنه في حُكم المرفوع؛ لأنَّه لا يُقال بمجرَّد الرأي كما لا يخفى». وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٢١٨).



المسح على الخفين
أولًا: المسح على الخفين.
وفيه أدلَّة عديدة؛ منها:
ما رواه عروة بن المغيرة عن أبيه؛ قال: كنتُ مع النّبيّ - ﷺ - في سفر، فأهويت لأنزع خفَّيه، فقال: «دعْهُما؛ فإِني أدخلتُهما طاهرتين»، فمسح عليهما (١).
وعن عبد الله بن عمر عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنهما- عن النّبيّ - ﷺ -: «أنَّه مسح على الخفَّين» (٢).
وعن همَّام بن الحارث؛ قال: «رأيت جرير بن عبد الله بال، ثمَّ توضّأ ومسح على خفَّيه، ثمَّ قام فصلَّى، فسُئل؟ فقال:»رأيتُ النّبيّ - ﷺ - صنَع مثل هذا«.
قال إِبراهيم: فكان يعْجِبُهم؛ لأنَّ جريرًا كان مِن آخر من أسلم (٣).
وعن ثوبان -رضي الله عنه- قال:»بعثَ رسول الله - ﷺ - سريَّة، فأصابهم

-------------------
(١) أخرجه البخاري: ٢٠٦، ومسلم: ٢٧٤، وتقدّم.
(٢) أخرجه البخاري: ٢٠٢
(٣) أخرجه البخاري: ٣٨٧، ومسلم: ٢٧٢، وغيرهما.
وفي «صحيح مسلم»: «قال الأعمش: قال إِبراهيم: كان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إِسلام جرير كان بعد نزول المائدة، وفيها آية الوضوء التي تفيد وجوب غسل الرجلين».
وفي «صحيح سنن النسائي» (١١٤): «وكان إِسلام جرير قبل موت النّبي - ﷺ - بيسير».



البرد، فلمَّا قَدمِوا على رسول الله - ﷺ -؛ أمرهم أن يمسحوا على العصائب (١) والتساخين (٢)» (٣).
وقال الحافظ في «الفتح» (٢٠٢) تعليقًا على حديث عبد الله بن عمر السابق: «نقَل ابن المنذر عن ابن المبارك؛ قال: ليس في المسح على الخُفَّين عن الصحابة اختلاف؛ لأنَّ كلَّ من رُوِيَ عنه منهم إِنكاره؛ فقد رُوِيَ عنه إِثباتُه.
وقال ابن عبد البرِّ: لا أعلم رُوي عن أحد من فقهاء السلف إِنكاره إِلا عن مالك، مع أن الروايات الصحيحة عنه مصرِّحة بإِثباته.
... وقال ابن المنذر: اختلف العلماء؛ أيّهما أفضل: المسح على الخفَّين أو نزْعهما وغسل القدمين؟ قال: والذي أختاره أنَّ المسح أفضل؛ لأجل من طعن فيه من أهل البدع من الخوارج والروافض. قال: وإحياء ما طعن فيه المخالفون من السُّنن أفضل من ترْكه» اهـ.

ثانيًا: المسح على الجوربين.
عن المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- قال: «توضّأ النّبي - ﷺ - ومسح

--------------------
(١) كل ما عَصَبْتَ به رأسك من عمامة أو منديل أو خرقة.»النهاية«، وتقدّم.
(٢) جاء في»النهاية«:»الخفاف، ولا واحد لها من لفظها، وقيل: واحدها: تسَخْان وتَسخين وتَسخن«. وانظر: (باب التاء مع السين) و(السين مع الخاء). وقيل: التساخين ما يُسخَّن به القدم من خُفٍّ وجورب ونحوهما. وتقدم.
(٣) أخرجه أحمد، وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٣٣)، وانظر»المسح على الجوربين" (ص ٢٣)، وتقدّم.



على الجوربين والنَّعلين» (١).
قال أبو داود: «ومسح على الجوربين: عليُّ بن أبي طالب، وأبو مسعود، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، وسهل بن سعد، وعمرو بن حريث، ورُوي ذلك عن عمر بن الخطَّاب، وابن عبّاس» (٢).
وذكر ابن حزم عددًا كبيرًا من السلف قالوا بالمسح على الجوربين؛ منهم: ابن عمر، وعطاء، وِإبراهيم النخعي، وغيرهم، وأورد عددًا من الآثار المتعلَّقة بذلك (٣).
وعن يحيى البكَّاء؛ قال: «سمعْت ابن عمر يقول: المسح على الجوربين كالمسح على الخفَّين، وتلقَّى نافع ذلك عنه، فقال: هما بمنزلة الخفَّين» (٤).

---------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٤٣)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٨٦)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (١٢١)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٤٥٣)، وانظر «الإِرواء» (١٠١).
(٢) انظر «المحلَّى» (٢/ ١١٥) (مسألة ٢١٢).
(٣) قال شيخنا -حفظه الله تعالى- تعليقًا على رسالة القاسمي -رحمه الله تعالى- حول هذا الموضوع (ص٥٤): «قلت: هذه الآثار أخرجها: عبد الرزاق في»المصنف«(٧٤٥ و٧٧٣ و٧٧٩ و٧٨١ و٧٨٢)، وابن أبي شيبة أيضًا في»المصنف«، والبيهقيّ: (١/ ٢٨٥)، وكثير من أسانيدها صحيح عنهم، وبعضهم له أكثر من طريق واحد، ومن ذلك طريق قتادة عن أنس أنه كان يمسح على الجوربين مثل الخفين، وسنده صحيح، رواه عبد الرزاق (٧٧٩)، وهو عند ابن أبي شيبة (١/ ١٨٨) مختصرًا».
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن عنه، وكذلك قال إِبراهيم النَّخعي، أخرجه بسند صحيح عنه. كذا في تحقيق «المسح على الجوربين» لشيخنا -حفظه الله تعالى-.



قال شيخنا الألبانيّ -حفظه الله تعالى-:»فبعْد ثبوت المسح على الجوربين عن الصحابة -رضي الله عنهم- أفلا يجوز لنا أن نقول فيمن رغبَ عنه ما قاله إِبراهيم هذا في مسحهم على الخفَّين: فمن ترك رغبةً عنه؛ فإِنَّما هو من الشيطان (١)؟!
قال أبو عيسى: «سمعتُ صالح بن محمد التِّرمذي؛ قال: سمعتُ أبا مقاتل السَّمرقندي يقول: دخَلْتُ على أبي حنيفة في مرضه الذي مات فيه، فدعا بماء فتوضّأ، وعليه جوربان، فمسح عليهما، ثمَّ قال: فعلتُ اليوم شيئًا لم أكنْ أفعله: مسحْتُ على الجوربين وهما غير منعَّلين».
وعن عطاء؛ قال: «المسح على الجوربين بمنزلة المسح على الخفَّين» (٢).

ثالثًا: المسح على النَّعلين.
عن أوس بن أبي أوس الثَّقفي: «أن رسول الله - ﷺ - توضّأ ومسح على نعليه وقدميه، وقال عبَّاد: رأيت رسول الله - ﷺ - أتى كِظامة قوم -يعني: الميضأة- (ولم يذكر مسدَّد الميضأة والكِظامة، ثمَّ اتفقا): فتوضّأ ومسح على نعليه وقدميه» (٣).

------------------
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٨٠) بإِسناد صحيح عنه؛ كما في تحقيق «المسح على الجوربين» (ص ٥٤).
(٢) صحَّح شيخنا إِسناده في تحقيق «المسح على الجوربين» (ص ٦٣).
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٤٥)، وانظر «المسح على الجوربين» (ص ٤٣).



وعن ابن عمر، قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - يلبسها (يعني: النِّعال السِّبتيَّة (١» ويتوضّأ فيها ويمسح عليها» (٢).
وثبت عن أبي ظبيان: «أنَّه رأى عليًّا -رضي الله عنه- بال قائمًا، ثمَّ دعا بماء، فتوضّأ، ومسح على نعليه، ثمَّ دخل المسجد فخلعَ نعليه (٣) ثمَّ صلَّى» (٤).

رابعًا: المسح على الخفِّ أو الجورَب المخرَّق.
قال شيخنا -حفظه الله تعالى-: «وأمَّا المسح على الخفِّ أو الجورب

------------------
(١) قال في»النهاية«: السِّبت بالكسر: جُلود البقر المدبوغة بالقَرَظ يُتخذ منها النّعال، سُمِّيت بذلك؛ لأنَّ شعرها قد سُبِتَ عنها أي: خُلق وأُزيل، وقيل: لأنها انسَبَتت بالدِّباع: أي لانت.
(٢) أخرجه البيهقي في»السنن الكبرى«من طريق ابن خزيمة، وسنده صحيح؛ وانظر كتاب»المسح على الجوربين«(ص ٤٥). وزاد على ذلك فقال:»له طريق أخرى عن ابن عمر نحو رواية البزَّار، أخرجه الطحاوي في «شرح المعاني» (١/ ٩٧)، ورجاله ثقات معروفون، غير أحمد بن الحسين اللهبي، وله شاهد من حديث ابن عبَّاس: «أنَّ رسول الله - ﷺ - توضّأ مرّة مرّة، ومسح على نعليه»، أخرجه عبد الرزاق في «المصنَّف» (٧٨٣)، والبيهقي (١/ ٢٨٦)؛ من طريقين عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عنه. وهذا إِسناد صحيح غاية، وهو على شرط الشيخين«.
(٣) يُستفاد من هذا أنَّ خلع النعال والجوارب ونحو ذلك بعد المسح لا ينقض الوضوء.
(٤) أخرجه الطحاوي في»شرح المعاني«بسند صحيح. وانظر تحقيق»المسح على الجوربين«(ص ٤٧) لشيخنا -حفضها الله تعالى-. وجاء في»تمام المنِّة«(١١٥):»زاد البيهقيّ: «فأمّ الناس»، وِإسناده صحيح على شرط الشيخين".



المخرَّق؛ فقد اختلفوا فيه اختلافًا كثيرًا؛ فأكثرهم يمنع منه، على خلاف طويل بينهم، تراه في مبسوطات الكتب الفقهيَّة و«المحلَّى»، وذهبَ غيرُهم إِلى الجواز، وهو الذي نختاره.
وحجَّتنا في ذلك أنَّ الأصل الإِباحة، فمن منع واشترط السَّلامة من الخرق أو وضع له حدًّا؛ فهو مردود؛ لقوله - ﷺ -: «كلُّ شرط ليس في كتاب الله؛ فهو باطل»، متفق عليه (١).
وأيضًا؛ فقد صحَّ عن الثَّوريِّ: أنَّه قال: امسحْ عليها ما تعلَّقت به رجلك، وهل كانت خفاف المهاجرين والأنصار إلاَّ مخرَّقة، مشقَّقة، مرقَّعة؟! أخرجه عبد الرزاق في «المصنَّف» (٧٥٣)، ومن طريقه البيهقيُّ (١/ ٢٨٣).
وقال ابن حزم (٢/ ١٠٠): فإِن كان في الخفَّين أو فيما لبس على الرجلين خرقٌ صغيرٌ أو كبيرٌ طولًا أو عرضًا، فظهر منه شيء من القدم -أقلّ القدم أو أكثرها أو كلاهما- فكل ذلك سواء، والمسح على كلِّ ذلك جائز، ما دام يتعلَّق بالرجلين منهما شيء، وهو قول سفيان الثوريِّ وداود وأبي ثور وإسحاق ابن راهويه ويزيد بن هارون.
ثمَّ حكى أقوال العلماء المانعين منه على ما بيّنها من اختلاف وتعارُض، ثمَّ ردَّ عليها، وبين أنَّها ممّا لا دليل عليها سوى الرأي، وختم ذلك بقوله:
لكنَّ الحقَّ في ذلك ما جاءت به السنَّة المبيِّنة للقرآن؛ من أنَّ حُكم القدمين اللَّتين ليس عليهما شيء ملبوسٌ يمسح عليه أن يُغسلا، وحُكمهما إِذا كان عليهما شيء ملبوس أن يُمسح على ذلك الشيء، بهذا جاءت السنَّة،

--------------------
(١) أخرجه البخاري: ٢٧٣٥، ومسلم: ١٥٠٤


﴿وما كان ربّكَ نَسِيًّا﴾ (١)، وقد عَلِم رسول الله - ﷺ - إِذ أمرَ بالمسح على الخفَّين وما يُلبس في الرجلين، ومُسِحَ على الجوربين: أنَّ من الخفاف والجوارب وغير ذلك ممَّا يُلبس على الرجلين المخرَّق خرقًا فاحشًا أو غير فاحش وغير المخرَّق، والأحمر والأسود والأبيض، والجديد والبالي، فما خصَّ -عليه السلام- بعض ذلك دون بعض، ولو كان حكمُ ذلك في الدين يختلف؛ لما أغفله الله تعالى أن يوحي به، ولا أهمَله رسول الله - ﷺ - المفترض عليه البيان، حاشا له من ذلك، فصحَّ أنَّ حُكم المسمح على كلِّ حال، والمسح لا يقتضي الاستيعاب في اللغة التي بها خوطِبْنا.
وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية في «اختياراته» (ص ١٣): ويجوز المسح على اللَّفائف في أحد الوجهين، حكاه ابن تميم وغيره، وعلى الخفِّ المخرَّق ما دام اسمه باقيًا والمشي فيه ممكنًا، وهو قديم قولَي الشافعي واختيار أبي البركات وغيره من العلماء.
قلت: ونسبه الرَّافعي في «شرح الوجيز» (٢/ ٣٧٠) للأكثريَّة، واحتجَّ له بأنَّ القول بامتناع المسح يُضيِّق باب الرخصة، فوجب أن يمسح، ولقد أصاب -رحمه الله-«(٢) اهـ.
وأخيرًا أقول: إِنَّ إِيراد هذه الاشتراطات التي ليست من الدين في شيء تجعلنا نردُّ رخصة الله علينا، وقد قال - ﷺ -:»إنَّ الله يحبُّ أن تؤتى رخصُه

--------------
(١) مريم: ٦٤
(٢) «إِتمام النصح في أحكام المسح» (٨٤ - ٨٦).



https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif


ابوالوليد المسلم 01-01-2026 05:14 AM

رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
 
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 161الى صــ 175
الحلقة (12)





كما يكره أن تُؤتى معصيتُه» (١)!
وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله-: «ومعلومٌ أنَّ الخفاف في العادة لا يخلو كثير منها عن فتقٍ أو خرقٍ، لا سيما مع تقادُم عهدها، وكان كثير من الصحابة فقراء، لم يكن يمكنهم تجديد ذلك.
ولما سُئِل النّبيُّ - ﷺ - عن الصَّلاة في الثَّوب الواحد، فقال:»أوَ لكلِّكم ثوبان«(٢)؟! وهذا كما أنَّ ثيابهم كان يكثر فيها الفتق والخرق حتى يحتاج لترقيع؛ فكذلك الخفاف» (٣).
وقال -رحمه الله-: «وكان مقتضى لفْظه أنَّ كلَّ خفٍّ يلبسه النَّاس ويمشون فيه؛ فلهم أن يمسحوا عليه، وإن كان مفتوحًا أو مخروقًا؛ من غير تحديد لمقدار ذلك؛ فإِنَّ التحديد لا بدَّ له من دليل» (٤).
وقال -رحمه الله- أيضًا: «وأيضًا؛ فأصحاب النّبيّ - ﷺ - الذين بلَّغوا سنَّته
وعملوا بها؛ لم يُنْقَل عن أحدٍ منهم تقييد الخفِّ بشيء من القيود، بل أطلقوا المسح على الخفّين، مع علمهم بالخفاف وأحوالها، فعُلم أنَّهم كانوا قد فهموا عن نبيِّهم جواز المسح على الخفّين مطلقًا.
وأيضًا؛ فكثير من خفاف النّاس لا يخلو من فتق أو خرق يظهر منه بعض القدم، فلو لم يجز المسح عليها؛ بطل مقصود الرخصة، لا سيِّما والذين

-----------------
(١) أخرجه أحمد وغيره، وسنده صحيح على شرط مسلم، وانظر»الإِرواء«(٥٦٤).
(٢) أخرجه البخاري: ٣٥٨، ومسلم: ٥١٥، وغيرهما.
(٣)»الفتاوى«(٢١/ ١٧٤).
(٤)»الفتاوى" (٢١/ ١٧٤).


يحتاجون إِلى لُبس ذلك هم المحتاجون» (١).
وقال (ص١٨٣) (٢): «وإنْ قالوا بأنَّ المسح إِنَّما يكون على مستور أو مغطَّى ونحو ذلك؛ كانت هذه كلّها عبارات عن معنى واحد، وهو دعوى رأس المسألة بلا حُجَّة أصلًا، والشارع أمرَنا بالمسح على الخفّين مطلقًا، ولم يقيِّدْه، والقياس يقتضي أنَّه لا يقيَّد».
وقال (ص٢١٢ و٢١٣) (٣): «... ولفظ الخفِّ يتناول ما فيه من الخرق وما لا خرق فيه، لا سيَّما والصحابة كان فيهم فقراء كثيرون، وكانوا يسافرون، وإذا كان كذلك؛ فلا بدَّ أن يكون في بعض خفافهم خروق، والمسافرون قد يتخرَّق خفُّ أحدهم، ولا يمكنه إِصلاحه في السَّفر، فإِن لم يجز المسح عليه؛ لم يحصل مقصود الرخصة» اهـ.
ولو كان هناك استثناء أو منع؛ -لبيَّنه الشرع؛ كما هو شأن الأضحية-، فلمَّا لم يبلُغْنا شيء من هذا؛ دلَّ على أنَّ المسح يظلُّ على إِطلاقه، والمخرَّق جزء من هذا المطلق.

خامسًا: المسح على اللفائف.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «... فإِنْ قيل: فيلزم من ذلك جواز المسح على اللفائف، وهو أن يلفَّ الرجل لفائف من البرد أو خوف الحفاء أو من جراح بهما ونحو ذلك.
قيل: في هذا وجهان، وذكَرهما الحلواني، والصواب أنَّه يمسح على

---------------------
(١)»الفتاوى«(٢١/ ١٧٥).
(٢)»الفتاوى«المجلد (٢١).
(٣)»الفتاوى" المجلد (٢١).



اللفائف، وهي بالمسح أولى من الخفّ والجورب؛ فإِنَّ تلك اللفائف تستعمل للحاجة في العادة، وفي نزْعها ضرر: إِمَّا إِصابة البرد، وإمّا التأذِّي بالحفاء، وإِمّا التأذي بالجراح، فإِذا جاز المسح على الخفّين والجوربين؛ فعلى اللفائف بطريق الأولى«(١).

سادسًا: أحكام تتعلَّق بالمسح على الخفَّين.
١ - خلْع الممسوح عليه هل ينقض الوضوء؛
قال شيخنا -حفظه الله تعالى-:»اختلف العلماء فيمن خلَع الخفَّ ونحوه بعد أن توضّأ ومسح عليه على ثلاث أقوال:
الأوَّل: أنَّ وضوءه صحيح ولا شيء عليه.
الثاني: أنَّ عليه غسل رجليه فقط.
الثالث: أنَّ عليه إِعادة الوضوء.
وبكلٍّ من هذه الأقوال قد قال به طائفة من السَّلف، وقد أخرج الآثار عنهم بذلك: عبد الرزاق في «المصنَّف» (١/ ٢١٠/‏٨٠٩ - ٨١٣)، وابن أبي شيبة (١/ ١٨٧ - ١٨٨)، والبيهقيّ (١/ ٢٨٩ - ٢٩٠).
ولا شكَّ أنَّ القول الأول هو الأرجح؛ لأنَّه المناسب لكون المسح رخصة وتيسيرًا من الله، والقول بغيره ينافي ذلك؛ كما قال الرافعي في المسألة التي قبلها؛ كما تقدّم، ويترجّح على القولين الآخرين بمرجِّح آخر، بل مرجِّحين:

------------------------
(١) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٨٤ - ١٨٥).


الأوَّل: أنَّه موافق لعمل الخليفة الراشد علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فقد قدَّمْنا بالسند الصحيح عنه: «أنَّه أحدث، ثمَّ توضّأ ومسَح على نعليه، ثمَّ خلعَهما، ثمَّ صلى».
والآخر: موافقته للنَّظر الصحيح؛ فإِنَّه لو مسَح على رأسه، ثمَّ حلق؛ لم يجب عليه أن يُعيد المسح بله الوضوء.
وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال في «اختياراته» (ص ١٥): «ولا ينتقض وضوء الماسح على الخفِّ والعمامة بنزعهما، ولا بانقضاء المدَّة، ولا يجب عليه مسح رأسه، ولا غسل قدميه، وهو مذهب الحسن البصريِّ؛ كإِزالة الشعر الممسوح على الصحيح من مذهب أحمد، وقول الجمهور».
وهو مذهب ابن حزم أيضًا، فراجِع كلامه في ذلك ومناقشته لمن خالف؛ فإِنَّه نفيس. «المحلّى» (٢/ ١٠٥ - ١٠٩) (١) «اهـ.
قال البخاري في»صحيحه«(٢):»وقال الحسن: إنْ أخذَ من شعره وأظفاره أو خلَعَ خفَّيه، فلا وضوء عليه«.

----------------------
(١)»إِتمام النصح في أحكام المسح«(٨٦ - ٨٨).
(٢) (كتاب الوضوء) (١/ ٥٥).
قال الحافظ في»الفتح«(١/ ٢٨١):»التعليق عنه -أي؛ الحسن- للمسألة الأولى: وصَله سعيد بن منصور وابن المنذر بإِسناد صحيح"، وتقدّم في (باب ما يظن أنَّه ينقض الوضوء).



ونقَل ابن المنذر الإِجماع على ذلك (١).

٢ - انتهاء مدَّة المسح هل ينقض الوضوء؟
قال شيخنا -حفظه الله تعالى-:»للعلماء في ذلك أقوال، أشهرها قولان في مذهب الشافعي:
الأوَّل: يجب استئناف الوضوء.
الثاني: يكفيه غَسل القدمين.
والثالث: لا شيء عليه، بل طهارته صحيحة، يصلّي بها ما لم يُحْدث. قاله النَّووي -رحمه الله-.
قلت: وهذا القول الثالث أقواها، وهو الذي اختاره النَّووىِ، خلافًا لمذهبه، فقال -رحمه الله- (١/ ٥٢٧): وهذا المذهب حكاه ابن المنذر عن الحسن البصريِّ وقَتادة وسليمان بن حرب، واختاره ابن المنذر، وهو المختار الأقوى، وحكاه أصحابنا عن داود.
قلت: وحكاه الشعراني في «الميزان» (١/ ١٥٠) عن الإِمام مالك، وحكى النَّووي عنه غيره؛ فليحقَّق، وهو الذي ذهب إِليه شيخ الإِسلام ابن تيمية كما تراه في كلامه السابق في المسألة الثالثة (ص٩٢) تبعًا لابن حزم، وذكر هذا في القائلين به إِبراهيم النخعي وابن أبي ليلى.
ثمَّ قال (٢/ ٩٤): وهذا هو القول الذي لا يجوز غيره؛ لأنَّه ليس في شيء

----------------
(١) انظر «الفتح» (كتاب الوضوء، تحت باب ٣٤)، وتقدّم أيضًا في نفس الباب السابق.


من كتب الأخبار أنَّ الطَّهارة تنتقض عن أعضاء الوضوء، ولا عن بعضها، بانقضاء وقت المسح، وإِنَّما نهى -عليه السلام- عن أن يمسح أحدٌ أكثر من ثلاث للمسافر أو يوم وليلة للمقيم، فمن قال غير هذا؛ فقد أقحم في الخبر ما ليس فيه، وقوَّل رسول الله - ﷺ - ما لم يقل، فمن فعل ذلك واهمًا؛ فلا شيء عليه، ومن فعَل ذلك عامدًا بعد قيام الحجة عليه؛ فقد أتى كبيرة من الكبائر، والطهارة لا ينقضها إلاَّ الحدث، وهذا قد صحّت طهارته ولم يُحْدِث، فهو طاهر، والطاهر يصلّي ما لم يُحْدِث أو ما لم يأت نصٌّ جليٌّ فيِ أنَّ طهارته انتقضت وإِنْ لم يُحدِث، وهذا الذي انقضى وقت مسْحه لم يُحْدِث ولا جاء نصٌّ في أنَّ طهارته انتقضت؛ لا عن بعض أعضائه، ولا عن جميعها؛ فهو طاهرٌ يصلِّي حتى يُحْدِث، فيخلع خفَّيه حينئذ، وما على قدميه، ويتوضّأ، ثمَّ يستأنف المسح توقيتًا آخر، وهكذا أبدًا. وبالله تعالى التوفيق» (١).

٣ - هل تنْزَع الخفاف من جنابة؛
نعم؛ تُنْزَع؛ لحديث صفوان بن عسَّال، قال: «كان رسول الله - ﷺ - يأمُرُنا إِذا كنَّا سَفْرًا أن لا ننزِعَ خفافنا ثلاثة أيام ولياليهنَّ؛ إلاَّ من جنابة، ولكنْ من غائط وبول ونوم» (٢).

٤ - اللبس على طهارة شرطٌ للمسح.
لحديث المغيرة -رضي الله عنه- قال: «كنتُ مع النّبيّ - ﷺ - في سفرٍ،

---------------------
(١)»تمام النصح في أحكام المسح" (ص٩٢ و٩٣).
(٢) أخرجه مسلم: ٢٧٦، وغيره، وتقدم.



فأهويْتُ لأنزعَ خفَّيه، فقال:»دعْهُما؛ فإِنِّي أدخلتُهما طاهرتين«، فمسح عليهما» (١).

٥ - محلُّ المسح.
يمسح على ظهر الخفَّين أو النعلين أو الجوربين، ويجوز مسح أيِّ جزء تُغْسَل فيه القدم خلا أسفلها (٢).
عن المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه-: «أنَّ رسول الله - ﷺ -: كان يمسح على الخُفَّين»، وقال: «على ظهر الخُفَّين» (٣).
وعن علي -رضي الله عنه- قال: «لو كان الدِّين بالرَّأي لكان أسفل الخُفِّ أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت النّبيّ - ﷺ - يمسح على ظاهر خُفَّيْه» (٤).

٦ - مدَّة المسح، ومتى تبدأ؟
مدّة المسح ثلاثة أيام ولياليهنَّ للمسافر، ويوم وليلة للمقيم.
عن شُريح بن هانئ؛ قال: أتيتُ عائشة أسألها عن المسح على الخفَّين؟
فقالت: عليك بابن أبي طالب؛ فسَلهُ؛ فإِنَّه كان يسافر مع رسول الله - ﷺ -.
فسألناه؛ فقال: «جَعَلَ رسول الله - ﷺ - ثلاثة أيَّام ولياليهنَّ للمسافر، ويومًا

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ٢٠٦، ومسلم: ٢٧٤ نحوه، وغيرهما، وتقدّم.
(٢) العبارة الأخيرة استفدتها من شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى-.
(٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٤٦) وغيره وانظر»الإرواء«(١٠١).
(٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٤٧)، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، وغيرهم. وصحّح الحافظ إِسناده في»التلخيص«. وانظر»الإِرواء" (١٠٣).



وليلةً للمقيم» (١).
وعن خُزيمة بن ثابت عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: «المسح على الخُفَّين للمسافر ثلاثة أيَّام، وللمقيم يوم وليلة» (٢).
وعن صفوان بن عسَّال؛ قال: «كان رسول الله - ﷺ - يأمرُنا إِذا كُنَّا سَفْرًا أن لا ننزعَ خفافنا ثلاثة أيَّام ولياليهنَّ؛ إلاَّ من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم» (٣).
قال أبو عيسى التِّرمذي: «وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النّبيّ - ﷺ - والتابعين ومَن بعدهم من الفقهاء؛ مثل: سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإِسحاق؛ قالوا: يمسح المقيم يومًا وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهنَّ».
ويبدأ التوقيت من المسح بعد الحدث على القول الراجح.
قال شيخنا -حفظه الله تعالى-: «... فالأحاديث الصحيحه التي رواها جمع من الصحابة في»صحيح مسلم«والسنن الأربعة والمسانيد وغيرها؛ ففيها أنَّ النّبيّ - ﷺ -: أمر بالمسح، وفي بعضها: رخَّص في المسح، وفي غيرها: جَعَل المسح للمقيم يومًا وليلة، وللمسافر ثلاثةٌ أيام ولياليهن، ومن

-------------------------
(١) أخرجه مسلم: ٢٧٦
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٤٢)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٨٣)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٤٤٨)، وانظر»المسح على الجوربين«(ص ٨٨).
(٣) أخرجه أحمد، وهو في»صحيح سنن الترمذي«(٨٤)، و»صحيح سنن النسائي«(١٢٢)، و»الإِرواء" (١٠٤)، وتقدم.



الواضح جدًّا أنَّ الحديث كالنَّصِّ على ابتداء مدة المسح من مباشرة المسح، وهو كالنصٍّ أيضًا على ردِّ القول الأوَّل؛ لأنَّ مقتضاه -كما نصُّوا عليه في الفروع- أنَّ من صلَّى الفجر قبيل طلوع الشمس، ثمَّ أحدث عند الفجر من اليوم الثاني، فتوضّأ ومسح لأوَّل مرة لصلاة الفجر؛ فليس له المسح بعدها! فهل يصدق على مثل هذا أنَّه مسح يومًا وليلة؟!
أمَّا على القول الثاني الرَّاجح؛ فله أن يمسح إِلى قبيل الفجر من اليوم الثالث، بل لقد قالوا أغرب ممَّا ذكرنا: فلو أحدث ولم يمسح حتى مضى من بعد الحدث يوم وليلة أو ثلاثة إِن كان مسافرًا؛ انقضت المدَّة، ولم يجُز المسح بعد ذلك حتّى يستأنف لبسًا على طهارة، فحرموه من الانتفاع بهذه الرخصة؛ بناء على هذا الرأي المخالف للسنَّة!
ولذلك لم يسَع الإِمام النَّوويّ إلاَّ أن يخالف مذهبه -وهو الحريص على أنْ لا يخالفه ما وجد إِلى ذلك سبيلًا- لقوَّة الدَّليل، فقال -رحمه الله تعالى- بعد أن حكى القول الأوَّل ومن قال به (١/ ٤٨٧)؛ قال: وقال الأوزاعي وأبو ثور: ابتداء المدَّة من حين يمسح بعد الحدث، وهو رواية عن أحمد وداود، وهو المختار الراجح دليلًا، واختاره ابن المنذر، وحكى نحوه عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وحكى الماورديُّ والشاشيُّ عن الحسن البصريِّ أنَّ ابتداءها من اللبس«(١).
وقال شيخنا -حفظه الله تعالى-:».. روى عبد الرزاق في «المصنَّف» (١/ ٢٠٩/‏٨٠٧) عن أبي عثمان النَّهدي؛ قال: «حضرتُ سعدًا وابن عمر يختصمان إِلى عمر في المسح على الخفَّين، فقال عمر: يمسح عليهما إِلى

------------------------
(١)»تمام النصح" (٨٩ و٩٠).


مِثل ساعته من يومه وليلته.
قلت: وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وهو صريح في أنَّ المسح يبتدئ من ساعة إِجرائه على الخفِّ إِلى مثلها من اليوم والليلة، وهو ظاهر كلِّ الآثار المرويَّة عن الصحابة في مدَّة المسح فيما عَلِمنا» (١).

هل يشرع المسْح على الجبيرة ونحوها؟
قال البيهقي: لا يثبت عن النّبيّ - ﷺ - في هذا الباب شيء يعني باب المسح على العصائب والجبائر.
قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلى» (٢/ ١٠٣) (مسألة ٢٠٩): «ومن كان على ذراعيه أو أصابعه أو رجليه جبائر أو دواء ملصق لضرورة؛ فليس عليه أن يمسح على شيء من ذلك؛ وقد سقط حُكم ذلك المكان؛ فإِن سقط شيء من ذلك بعد تمام الوضوء؛ فليس عليه إِمساس ذلك المكان بالماء؛ وهو على طهارته ما لم يحدث -: برهان ذلك-: قول الله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إِلاَّ وسعها﴾ (٢) وقول رسول الله - ﷺ -:»إِذا أمرتكم بأمر فأْتوا منه ما استطعتم؟ «(٣).
فسقط بالقرآن والسنّة كل ما عجز عنه المرء، وكان التعويض منه شرعًا، والشرع لا يلزم إلاَّ بقرآن أو سنّة، ولم يأت قرآن ولا سنّة بتعويض المسح على الجبائر والدواء من غسل ما لا يقدر على غسله، فسقط القول بذلك».

----------------------
(١) «تمام النصح» (٩١ و٩٢).
(٢) البقرة: ٢٨٦
(٣) أخرجه البخاري: ٧٢٨٨، ومسلم: ١٣٣٧



ثمَّ بيَّن ضعف بعض الأحاديث التي ذُكرت في الموضوع، وأجاب عن أثر ابن عمر المتقدّم بأنّه فِعْل منه لا إِيجابًا بالمسح، وقد صحّ عنه أنّه كان يُدخل الماء في باطن عينيه في الوضوء والغُسل ولا يشرع ذلك، فضلًا عن أن يكون فرضًا (١).
وسألتُ شيخنا -حفظه الله- عن هذا فقال: «نعم، ونزيد أنّه قد ثبت المسح على الجبيرة عن بعض الصحابة، وإنْ كنّا لا نتبنّى ذلك لِما سبق؛ فلا نحجّر على الناس أن يفعلوا ذلك».
قلت: «من باب احترام الرأي!، فقال -حفظه الله-: نعم».

--------------------
(١) انظر «تمام المنة» (ص١٣٤)، و«الإرواء» (١/ ١٤٢).


الغُسل
الغُسل -بضم الغين المعجمة-: اسم للاغتسال، وهو تعميم البدن بالماء.
وقال الحافظ في «الفتح»: «وحقيقة الاغتسال غَسْل جميع الأعضاء، مع تمييز ما للعبادة عمَّا للعادة بالنيَّة».
قال الله تعالى: ﴿وإِنْ كُنْتمْ جُنُبًا (١) فاطَهَّروا﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿يا أَيّها الذين آمنوا لا تقربوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكَارى حتَّى تَعْلَموا ما تقولونَ ولا جُنبًا إِلاَّ عابري سبيلٍ حتَّى تغْتَسلوا﴾ (٣).

------------------
(١) قال في «النهاية»: «الجُنُب: الذي يجب عليه الغُسل بالجماع وخروج المنيّ ...».
(٢) المائدة: بعض الآية: ٦

(٣) النساء: ٤٣، قال الحافظ في «الفتح»: «قال الكرماني: غرضُه [أي: البخارى -رحمه الله-] بيان أن وجوب الغسل على الجُنُب مستفاد من القرآن.
قلت: وقدَّم الآية [أي: ﴿وإِن كنتم جُنُبًا فاطهروا﴾] التي من سورة المائدة على الآية [أي: [يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة ...﴾ الآية] التي من سورة النساء لدقيقة، وهي أنَّ لفظ التي في المائدة: ﴿فاطَّهَّروا﴾؛ ففيها إِجمال، ولفظ التي فى النساء: ﴿حتى تغتسلوا﴾؛ ففيها تصريح بالاغتسال، وبيان للتّطهير المذكور، ودلَّ على أنَّ المراد بقوله تعالى: ﴿فاطهروا﴾: فاغتسلوا، قوله تعالى في الحائض: ﴿ولا تقربوهنّ حتى يَطْهُرْن فإِذا تَطَهَّرْن﴾؛ أي: اغتسلن اتفاقًا».



موجبات الغُسْل
أولًا: خروج المنيِّ بدفق -سواء كان في النَّوم أو اليقظة- من ذكر أو أنثى:
لِما ثَبَتَ عن أمِّ سلمة أمِّ المؤمنين -رضي الله عنها-: أنها قالت: جاءت أمّ سُليم امرأة أبي طلحة إِلى رسول الله - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله! إِنَّ الله لا يستحيي من الحقِّ (١)؛ هل على المرأة من غُسل إِذا هي احتلمتْ؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «نعم؛ إِذا رأت الماء» (٢).
ولحديث عليّ -رضي الله عنه-: «إِذا رأيتَ المذي؛ فاغسل ذكَرك وتوضأ وضوءك للصّلاة، فإِذا فَضَخْتَ (٣) الماء؛ فاغتسل» (٤).
قال ابن قُدامة -رحمه الله-: «فخروج المنيِّ الدافق بشهوة يوجب الغسل من الرجل والمرأة في يقظة أو في نوم، وهو قول عامَّة الفقهاء، قال التِّرمذي، ولا نعلم فيه خلافًا» (٥).
ومنيُّ الرجل غليظ أبيض، أمَّا منيُّ المرأة؛ فرقيق أصفر؛ لقوله - ﷺ -: «إِنَّ

--------------------
(١) قال في»الفتح«:»قدَّمت هذا القول، تمهيدًا لعُذرها في ذِكر ما يستحيى منه«.
(٢) أخرجه البخاري: ٢٨٢، ومسلم: ٣١٣، وغيرهما.
(٣) فضْخ الماء: دفْقه وخروجه على وجه الشدّة.
(٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٩٠)، وغيره، وانظر»الإِرواء«(١٢٥).
(٥)»المغني" (١/ ١٩٧/ باب ما يوجب الغُسل).



ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر ...» (١).
ويستفاد من الحديثين المتقدِّمين: عدم وجوب الغُسل على من احتلَمَ ولم يجد منيًّا؛ من ذكر أو أنثى.
فقد سألتْ زوجُ أبي طلحة رسولَ الله - ﷺ -: «هل على المرأة من غُسل إِذا هي احتلمتْ؟». فقال رسول الله - ﷺ -: «نعم؛ إِذا رأتِ الماء».
فقيَّد - ﷺ - الاغتسال برؤيتها الماء، فإِنْ لم ترَ؛ فلا اغتسال عليها.
وفي حديث عليّ -رضي الله عنه-: «إِذا فَضَخْتَ الماء؛ فاغْتَسلْ». فإِذا لم تفضخ الماء؛ فلا اغتسال إِذن.
كما يُستفاد من ذلك وجوب الاغتسال، ولو لم يذكر الاحتلام؛ لأنَّ تعليق الاغتسال في الحديثين السابقين كان برؤية الماء وفضْخه؛ كما هو بيِّن.
وقد جاء هذا صريحًا في حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: سُئل رسول الله - ﷺ - عن الرجل يجد البَلَل ولا يذكر احتلامًا؟ قال: «يغتسل».
وعن الرجل يرى أنَّه قد احتلم ولا يجد البلل؟ قال: «لا غُسل عليه».
فقالت أمُّ سُليم: المرأة ترى ذلك؛ أعليها غُسل؟ قال: «نعم: إِنَّما النِّساء شقائق الرِّجال» (٢).

------------------
(١) أخرجه مسلم: ٣١٢
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢١٦) التحقيق الثاني، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٤٩٦)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩٨)، وانظر «المشكاة» (٤٤١).



خُلاصة لما سبق:
١ - إِذا احتلم ولم يجد منيًّا؛ فلا غُسل عليه.
٢ - إِذا استيقظ من نومه، ووجد بللًا، ولم يذكر احتلامًا؛ فعليه، الغُسل.
٣ - إِذا جامع فعليه الاغتسال؛ أنزَل أو لم يُنْزِل.
٤ - الرجل والمرأة في كل ذلك سواء.

ثانيًا: التقاء الختانين:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِذا جلسَ بين شُعَبِها (١) الأربع، ثمَّ جَهَدَها (٢)؛ فقد وجب الغُسل» (٣).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا جَلَسَ بين

-----------------
(١) قاله في»النهاية«:»هي اليدان والرّجلان، وقيل: الرجلان والشُّفران، فكنى بذلك عن الإِيلاج«. والشُّفران: طرف الناحيتين.
وجاء في»الفتح«:»والشُّعَب: جمع شُعبة، وهي القطعة من الشيء. قيل: المراد هنا يداها ورجلاها، وقيل: رجلاها وفخذاها وقيل: ساقاها وفخذاها، وقيل: فخذاها واسكتاها، وقيل: فخذاها وشُفراها، وقيل: نواحي فرجها الأربع".
والاسكتان: ناحيتا الفرج.
(٢) أي: بلغ المشقَّة، قيل: معناها كدّها بحركته، أو بلَغ جهده في العمل بها.
(٣) أخرجه البخاري: ٢٩١، ومسلم: ٣٤٨



https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif


ابوالوليد المسلم 01-01-2026 05:20 AM

رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
 
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 176الى صــ 190
الحلقة (13)





شُعَبها الأربع، ومسَّ الخِتانُ الخِتان (١)؛ فقد وجب الغُسل» (٢).
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا التقى الختانان، وتوارت الحَشَفة (٣)؛ فقد وجب الغُسل» (٤)
وعن حبيب بن شهاب عن أبيه؛ قال: «سألتُ أبا هريرة: ما يوجب الغُسل؟ فقال: إِذا غابَتِ المُدَّورة» (٥).
قال النَّوويُّ في «المجموع» (٢/ ١٣٣): «وجوب الغُسل وجميع الأحكام المتعلِّقة بالجماع يُشتَرَط فيها تغييب الحشفة بكمالها في الفرج، ولا يُشترَط زيادة على الحشفة، ولا يتعلَّق ببعض الحشفة وحده شيء من الأحكام». انتهى.
وهذا لأنَّه بأقلَّ من الحشفة لا يمسُّ الخِتان الخِتان.

--------------------
(١) قال النووي: «وقال العلماء: معناه: غيَّبْتَ ذكَرك في فرجها ...». والختانان: هما موضع القطع من ذكَر الغلام وفرج الجارية. «النهاية».
وجاء في «شرح متنقى الأخبار» (١/ ٢٧٨): «الختان: المراد به هنا موضع الختن، والخَتْن في المرأة: قطع جلدة في أعلى الفرج، مجاورة لمخرج البول، كعُرف الدِّيك، ويسمّى الخفاض».
(٢) أخرجه مسلم: ٣٤٩، وفي بعض الروايات: «وألزق الخِتان بالخِتان»، و«صحيح سنن أبي داود» (٢٠٠).
(٣) أي: رأس الذكَر.
(٤) أخرجه أحمد وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٤٩٥)، وانظر «الصحيحة» تحت الحديث (١٢٦١).
(٥) وإسناده صحيح كما قال شيخنا في «الصحيحة» تحت الحديث (١٢٦١).


وجاء في «سبل السلام» (١/ ١٥١): «قال الشافعي: إِنَّ كلام العرب يقتضي أنَّ الجنابة تُطلق بالحقيقة على الجماع، وإِن لم يكن فيه إِنزال؛ فإِنَّ كلَّ من خوطب بأنَّ فلانًا أجنبَ عن فلانة؛ عَقَلَ أنَّه أصابها، وإِن لم يُنْزِل.
ولم يُخْتَلَف أنَّ الزِّنى الذي يجب به الجلد هو الجماع، ولو لم يكن منه إِنزال».
ثمَّ قال -رحمه الله- بعد ذلك: «فتعاضد الكتاب والسنَّة على إِيجاب الغسل من الإِيلاج».
وكان جماعة من الصحابة -رضي الله عنهم- يرون أنَّ الغُسل لا يجب إلاَّ من إِنزال؛ لحديث أبي سعيد الخُدري -رضي الله عنه- قال: خرجتُ مع رسول الله - ﷺ - يوم الاثنين إِلى قُباء، حتى إِذا كنَّا في بني سالم؛ وقف رسول الله - ﷺ - على باب عِتبان فصرخ به، فخرج يجرُّ إِزاره، فقال رسول الله - ﷺ -: «أعْجَلْنا (١) الرجل». فقال عِتبان: يا رسول الله! أرأيت الرَّجل يُعْجَل عن امرأته ولم يُمْنِ؛ ماذا عليه؟ قال رسول الله - ﷺ -: «إِنَّما الماء من الماء» (٢).
غير أنَّ هذا الحديث نُسخ؛ لما نصَّ عليه أهل العلم.
فعن أُبيّ بن كعب -رضي الله عنه- قال: «إِنَّ الفُتيا التي كانوا يُفتون أنَّ

------------------------
(١) أي: حمَلناه على أن يعَجل من فوق امرأته قبل فراغ حاجته من الجماع.
(٢) أخرجه مسلم: ٣٤٣، وأصله في البخاري: ١٨٠، ومعنى الماء من الماء:»أي: الاغتسال من الإِنزال، فالماء الأول معروف، والثاني المني، وفيه من البديع الجناسى التامّ«،»سبل السلام" (١/ ١٤٨).



الماء من الماء؛ كانت رخصة رخَّصها رسول الله - ﷺ - في بدء الإِسلام، ثمَّ أمر بالاغتسال بعد» (١).
قال النَّووي -رحمه الله- في «شرحه» (٤/ ٣٦): «اعلم أنَّ الأمَّة مجتمعة الآن على وجوب الغُسل بالجماع، وإِن لم يكن معه إِنزال، وعلى وجوبه بالإِنزال، وكان جماعة من الصحابة على أنَّه لا يجب إلاَّ بالإِنزال، ثمَّ رجعَ بعضهم، وانعقد الإِجماع بعدُ بآخرين».

ثالثًا: انقطاع الحيض والنِّفاس:
لقول الله تعالى: ﴿ويَسْألونَكَ عن المحيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فاعْتَزِلوا النِّساءَ في المحيضِ ولا تَقرَبوهُنَّ حتَّى يَطْهُرْنَ فإِذا تَطَهَّرْنَ فأتُوهُنَّ من حيثُ أَمَرَكُمُ الله إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابينَ ويُحبُّ المُتَطَهِّرينَ﴾ (٢).
ولحديث فاطمة بنت أبي حُبيش -رضي الله عنها-: كانت تُستحاض، فسأَلَت النبيّ - ﷺ -؛ فقال: «ذلك عِرق وليست بالحيضة، فإِذا أقبَلت الحيضةُ؛ فدعي الصَّلاة، وإِذا أدبرتْ؛ فاغتسلي وصلِّي» (٣).
وقد سمَّى رسول الله - ﷺ - الحيض نفاسًا؛ كما في حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - لا نذكرُ إلاَّ الحجَّ، حتى جِئْنا

--------------------
(١) أخرجه أحمد، وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٩٩)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩٦)، وهو في «صحيح ابن خزيمة» (٢٢٥)، وانظر «المشكاة» (٤٤٨).
(٢) البقرة: ٢٢٢
(٣) أخرجه البخاري: ٣٢٠، ومسلم: ٣٣٤، وغيرهما.



سَرِفَ (١)، فطَمِثْتُ (٢)، فدخل عليَّ رسول الله - ﷺ - وأنا أبكي، فقال: «ما يُبكيِكِ؟». فقلتُ: واللهِ؛ لودِدْتُ أنِّي لم أكن خرَجْتُ العام. قال: «ما لكِ؟ لعلَّكِ نَفسْتِ؟». قلتُ: نعم (٣) ..
وقالَ ابن حزم: «والنُّفساء والحائض شيء واحد»، وأشار إِلى الحديث السابق وغيره (٤).

رابعًا: الموت (٥):
لحديث ابن عبَّاس -رضي الله عنهما- قال: «بينما رجل واقف بعرفة، إِذ وقعَ عن راحلته، فوَقَصَتْهُ (٦)، أو قال: فأقعَصَتْهُ (٧)، فقال النّبيّ - ﷺ -: اغسلوه بماء وسدْر ...» (٨).
ولحديث أمِّ عطيَّة -رضي الله عنها- قالت: دَخَلَ علينا رسول الله - ﷺ - حين تُوُفِّيت ابنتُه، فقال: «اغْسِلْنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك -إِن

--------------------
(١) هو ما بين مكة والمدينة.
(٢) أي: حِضْتُ.
(٣) أخرجه مسلم: ١٢١١
(٤) انظر»المحلَّى«(المسألة ١٨٤).
(٥) قال في»الدراري المضيَّة«(١/ ٧٠):»يجب على الأحياء، إِذ لا وجوب بعد الموت من الواجبات المتعلقة بالبدن«.
(٦) الوقص: كسْر العنُق.
(٧) القعص: أن يُضرب الإنسان فيُقتل قتلًا سريعًا مكانه، وانظر»النهاية".
(٨) أخرجه البخاري: ١٢٦٦، ومسلم: ١٢٠٦، وغيرهما.



رأيتنَّ- بماءٍ وسِدْر ...» (١).
قال ابن المنذر: «وأجمعوا أنَّ الميِّت يُغسَّل غُسْل الجنابة» (٢).

خامسًا: الكافر إِذا أسلم:
لحديث قيس بن عاصم: «أنَّه أسلم، فأمره النّبيّ - ﷺ - أن يغتسلَ بماء وسدر» (٣).
وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في قصَّة ثمامة بن أُثال عندما أسلم: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - أمَره أن يغتسل» (٤).

سادسًا: غُسل الجُمُعة:
عن أبي سعيد الخُدري -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «غُسْل يوم الجُمُعة واجبٌ على كلِّ محتلم» (٥).
قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٣٥٧): «وهو بمعنى اللزوم قطعًا».

----------------------
(١) أخرجه البخارى: ١٢٥٣، ومسلم: ٩٣٩، وغيرهما، وتقدّم.
(٢) «الإِجماع» (ص ٤٢).
(٣) أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي وهو في «صحيح سنن النسائي» (١٨٢)، وغيرهم. وانظر «الإِرواء» (١٢٨).
(٤) أخرجه البيهقيّ. وقال شيخنا في «الإِرواء» (١٢٨): «وهذا سند صحيح على شرط الشيخين ...».
(٥) أخرجه البخاري: ٨٧٩، ومسلم: ٨٤٦، وغيرهما.



وفي رواية (١): «قال عمرو (٢): أما الغُسل؛ فأشهد أنَّه واجب، وأمَّا الاستنان والطيب؛ فالله أعلم ...».
وفي الحديث: «... إِذا جاء أحدُكم الجمعة؛ فليغتسل» (٣).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «لله تعالى على كلِّ مسللِ حقٌّ أن يغتسل في كلِّ سبعة أيام يومًا» (٤).
وعن سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أنَّ عمر ابن الخطاب بينما هو قائمٌ في الخطبة يوم الجمعة؛ إِذ دخل رجلٌ من المهاجرين الأوَّلين من أصحاب النّبيّ - ﷺ -، فناداه عمر: أيَّةُ ساعةٍ هذه؟! قال: إِنِّي شُغِلْتُ، فلم أنْقَلِبْ إِلى أهلي حتى سمِعْتُ التَّأذين، فلم أزِدْ أن توضّأت. فقال: والوضوء أيضًا! وقد عَلِمْتَ أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يأمُرُ بالغُسْل» (٥).
«وحكى ابن المنذر عن إِسحاق بن راهويه أنَّ قصَّة عمر وعثمان تدلُّ على وجوب الغسل، لا عدم وجوبه، من جهة تَرْك عمر الخطبة، واشتغاله بمعاتبة عثمان، وتوبيخ مِثله على رؤوس الناس، فلو كان ترْك الغسل مباحًا؛ لما فعل

---------------------
(١) البخاري: ٨٨٠
(٢) هو عمرو بن سليم الأنصاري الراوي عن أبي سعيد الخدري.
(٣) أخرجه البخاري: ٨٧٧، ومسلم: ٨٤٤
(٤) أخرجه البخاري: ٨٩٨، ومسلم: ٨٤٩، وغيرهما، قال ابن دقيق العيد في»إِحكام الأحكام" (١/ ٣٣١): الحديث صريح في الأمر بالغُسل للجمعة، وظاهر الأمر الوجوب، وقد جاء مُصرَّحًا به بلفظ الوجوب في حديث آخر ...
(٥) أخرجه البخاري: ٨٧٨، ومسلم: ٨٤٥



عمر ذلك، وإِنَّما لم يرجع عثمان للغسل لضيق الوقت، إِذ لو فعل؛ لفاتته الجمعة، أو لكونه كان اغتسل كما تقدَّم«(١).
قال في»نيل الأوطار«(١/ ٢٩٢):»ولعلَّ النَّووي ومن معه ظنّوا أنَّه لو كان الاغتسال واجبًا؛ لنزل عمر عن منبره، وأخذ بيد ذلك الصَّحابي، وذهب به إِلى المغتسل، أو لقال له: لا تقِفْ في هذا الجمع، أو: اذهب فاغتسل فإِننا سننظرك ...، أو ما أشبه ذلك، ومِثل هذا لا يجب على من رأى الإِخلال بواجب من واجبات الشريعة، وغاية ما كُلِّفنا به في الإِنكار على من ترك واجبًا هو ما فعَله عمر في هذه الواقعة، على أنَّه يُحتمل أن يكون قد اغتسل في أوَّل النَّهار، كما قال الحافظ في «الفتح»«.
ثمَّ ذكر ابن حزم -رحمه الله- في»المحلّى«(٢/ ٢١) حديث مسلم (٢٣١) عن حُمران بن أبان؛ قال:»كنت أضع لعثمان طهوره، فما آتي عليه يومٌ؛ إلاَّ وهو يُفيض، عليه نُطفة (٢)«.
ثمَّ قال:»فقد ثبت بأصحِّ إِسناد أنَّ عثمان كان يغتسل كلَّ يوم، فيوم الجمعة يوم من الأيَّام بلا شكٍّ ...«.
وجاء في»نيل الأوطار«(١/ ٢٩٠):»... قال النَّووي: فحُكي وجوبه عن طائفة من السلف، حكوه عن بعض الصحابة، وبه قال أهل الظاهر.
وحكاه ابن المنذر عن مالك، وحكاه الخطَّابي عن الحسن البصري

--------------
(١) «الفتح» (٢/ ٣٦٢)، وغيره.
(٢) قال النووي: «النُّطفة؛ بضم النون: وهي الماء القليل ومراده: لم يكن يمرُّ عليه يوم إلاَّ اغتسل»، وفي «النهاية»: سمّي المنيّ نُطفة لقلّته.



ومالك، وحكاه ابن المنذر أيضًا عن أبي هريرة وعمَّار وغيرهما.
وحكاه ابن حزم عن عمر وجمع من الصحابة ومن بعدهم، وحُكي عن ابن خزيمة، وحكاه شارح الغنية لابن سريج قَوْلًا للشافعي ...».
وقال: «وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف وفقهاء الأمصار إِلى أنَه مستحبٌّ» (١).
وعن عبد الله بن أبي قتادة؛ قال دخل عليَّ أبي وأنا أغتسل يوم الجمعة، فقال: غُسلك هذا من جنابة أو للجمعة؛ قلت: من جنابة. قال: أعِد غُسلًا آخر؛ إِنّي سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «من اغتسل يوم الجمعة؛ كان في طهارة إِلى الجمعة الأخرى» (٢).
واحتجَّ من رأى عدم وجوب الغسل بحديث مسلم (٨٥٧): «من توضّأ فأحسن الوضوء، ثمَّ أتى الجمعة، فاستمع، وأنصت؛ غُفِر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيَّام، ومن مسَّ الحصى؛ فقد لغا».
وعدُّوه من أقوى الأدلة على الاستحباب؛ كما في «التَّلخيص الحبير»

-----------------
(١) «نيل الأوطار» (١/ ٢٩٠). وانظر ما قاله في «المحلّى» (٢/ ٢٣ - ٢٥) حول قصة عمر وعثمان -رضي الله عنهما-.
وممّا قاله -رحمه الله-: «... فصحَّ ذلك الخبر حُجَّة لنا وإجماعًا من الصحابة -رضي الله عنهم- إِذ لم يكن فيهم آخر يقول لعمر: ليس ذلك عليه واجبًا».
(٢) أخرجه الطبراني في «الأوسط»، وإسناده قريب من الحسن؛ قاله شيخنا في «صحيح الترغيب والترهيب» (٧٠٣). وأخرجه ابن خزيمة في «صحيحه»، وانظر «الصحيحة» (٢٣٢١). وذكَر الحافظ في «الفتح» (٢/ ٣٦١) أنَّ الطحاوي أخرجه.



لابن حجر.
قال في «الفتح» (٢/ ٣٦٢): «ليس فيه نفي الغُسل، وقد ورد من وجه آخر في»الصحيحين«بلفظ:»من اغتسل«؛ فيحتمل أن يكون ذِكر الوضوء لمن تقدَّم غُسله على الذّهاب، فاحتاج إِلى إِعادة الوضوء».
قلت: وفي المعنى الذي أشار إِليه الحافظ أحاديث:
١ - ما رواه البخاري (٩١٠) من حديث سلمان الفارسي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من اغتسل يوم الجمعة، وتطهَّرَ بما استطاع من طُهرٍ، ثمَّ ادَّهن أو مسَّ من طيب، ثمَّ راح، فلم يفرِّق بين اثنين، فصلَّى ما كُتبَ له، ثمَّ إِذا خرج الإِمام أنصت؛ غُفِرَ له ما بينه وبين الجُمُعة الأخرى».
٢ - ما رواه مسلم في «صحيحه» (٨٥٧) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: «من اغتسل، ثمَّ أتى الجُمُعة، فصلَّى ما قُدِّر له، ثمَّ أنصتَ حتى يفرُغ من خُطبته، ثمَّ يصلِّي معه؛ غفِرَ له ما بينه وبين الجُمُعة الأخرى، وفَضْل ثلاثة أيام».
٣ - ما رواه ابن خزيمة في «صحيحه» (١٧٦٣) من حديث أبي ذرّ - رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «من اغتسل يوم الجمعة، فأحسن الغسل، ثمَّ لَبِس من صالح ثيابه، ثمَّ مسَّ من دهن بيته ما كتبَ الله له، أو من طيبه، ثمَّ لم يفرِّق بين اثنين؛ كفَّر الله عنه ما بينه وبين الجمعة قبلها».
قال سعيدٌ (١): "فذكرتُها لعمارة بن عمرو بن حزم؛ قال: صدق، وزيادة

--------------------
(١) هو سعيد المقبري؛ أحد رواة الحديث.


ثلاثة أيّام» (١).
٤ - ما رواه أبو داود (٢) وغيره، عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة -رضي الله عنهما- قالا: قال رسول الله - ﷺ -: «من اغتسل يوم الجمعة، ولَبِس من أحسن ثيابه، ومسَّ من طيب إِنْ كان عنده، ثمَّ أتى الجمعة، فلم يتخطَّ أعناق النَّاس، ثمَّ صلَّى ما كتَب الله له، ثمَّ أنصتَ إِذا خرج إِمامُه حتى يفرغَ من صلاته؛ كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها».
قال ويقول أبو هريرة: «وزيادة ثلاثة أيّام»، ويقول: «إِنَّ الحسنة بعشر أمثالها».
واحتجُّوا أيضًا باستحبابه بما ثبت عن عكرمة: أنَّ أُناسًا من أهل العراق جاؤوا فقالوا: يا ابن عبّاس! أترى الغُسل يوم الجمعة واجبًا؛ قال: لا، ولكنّه أطهر وخيرٌ لمن اغتسل، ومن لم يغتسل؛ فليس عليه بواجب، وسأخبركم كيف بدأ الغُسل:
كان الناس مجهودين، يلبسون الصوف، ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيِّقًا، مقاربَ السقف، وِإنما هو عريش، فخرج رسول الله - ﷺ - في يوم حارّ، وعَرَق الناس في ذلك الصوف، حتى ثارت منهم رياح آذى بذلك بعضهم بعضًا، فلما وجد رسول الله تلك الريح؛ قال: «أيّها الناس! إِذا كان هذا اليوم؛ فاغتسلوا، وليمسَّ أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبه».

------------------
(١) قال شيخنا: «إِسناده حسن». ورواه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٩٠٠)، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٧٠٤).
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٣١) وغيره، وانظر «المشكاة» (١٣٨٧).



قال ابن عباس: ثمَّ جاء الله بالخير، ولَبِسوا غير الصوف، وكُفُوا العمل، ووُسِّعَ مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضًا من العرق» (١).
قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٣٦٢): «وعلى تقدير الصحَّة؛ فالمرفوع منه وردَ بصيغة الأمر الدالَّة على الوجوب، وأمّا نفي الوجوب؛ فهو موقوف؛ لأنَّه من استنباط ابن عباس، وفيه نظر، إِذ لا يلزم من زوال السَّبب زوال المسبِّب».
وتُشعرنا الحال التي ذكرها ابن عباس -رضي الله عنهما- (٢)؛ أنَّ هذا كان قبل أحاديث الإِيجاب، والله أعلم، فتأمَّل قوله: «ثمَّ جاء الله بالخير، ولبسوا غير الصُّوف، وكُفوا العمل، ووُسّع مسجدهم ...».
فهذا يدلُّ على التَّقادم الزَّمني كما هو ظاهر.
«ويُجاب أيضًا عن ربط الغُسل بالعِلَّة بأنَّه يقتضي سقوط الغُسل أصلًا، فلا يعدُّ فرضًا ولا مندوبًا» (٣).
واحتجُّوا أيضًا بما ثبت عن عائشة -رضي الله عنها-: أنها قالت: كان النَّاس ينتابون (٤) يوم الجمعة من منازلهم، والعوالي (٥)، فيأتون في الغبار،

------------------
(١) حسّنه شيخنا كما في «صحيح سنن أبي داود» (٣٤٠). وقال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٣٦٢): «أخرجه: أبو داود، والطحاوي، وإسناده حسن».
(٢) وأيضًا عائشة -رضي الله عنها- في النقطة التالية.
(٣) انظر «الفتح» (٢/ ٣٦٣).
(٤) أي: يحضرونها نوبًا، والانتياب: افتعال من النوبة. «فتح».
(٥) هي القرى التي حول المدينة على أربع أميال فصاعدًا من المدينة.



ويصيبهم الغبار والعرق، فيخرج منهم العرق، فأتى رسولَ الله - ﷺ - إِنسانٌ منهم -وهو عندي- فقال النّبيّ - ﷺ -: «لو أنَّكم تطهَّرتم ليومكُم هذا» (١).
واحتجُّوا بقولها أيضًا: «كان الناس مَهَنَةَ أنفسهم، وكانوا إِذا راحوا إِلى الجمعة، راحوا في هيئتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم» (٢)
قال الحافظ: «وأجيب بأنَّه ليس فيه نفيُ الوجوب، وبأنَّه سابقٌ على الأمر به والإِعلام بوجوبه ...» (٣).
قلت: وهذا الحال الذي ذَكَرَته عائشة -رضي الله عنها- والأمر الذي وصفت يؤكِّد الوجوب؛ كما هو بيِّن؛ فليس هذان النصّان فقط ممّا يُقتصر على الاستدلال بهما على الوجوب؛ ليعلَّل بإِزالة الغبار والعرق.
وإِذا كانت كلمة (لو) هي الدالَّة على الاستحباب في نظر البعض في قوله - ﷺ -: «لو أنّكم تطهّرتم ليومكم هذا»، فهي كما في قوله - ﷺ -: «لو أنَّكم تتوكَّلون على الله حقَّ توكُّله؛ لرزَقَكُمْ كما يرزُقُ الطَّير؛ تغدو خماصًا، وتروح بطانًا» (٤).

-----------------
(١) أخرجه البخاري: ٩٠٢، ومسلم: ٨٤٧
(٢) أخرجه البخارى: ٩٠٣، ومسلم: ٨٤٧
(٣) «الفتح» (٢/ ٣٦٣).
(٤) أخرجه أحمد، والترمذي، وقال: «حديث حسن صحيح»، والحاكم، وقال: «صحيح الإسناد»، وأقره الذهبي.
وقال شيخنا: «بل هو صحيح على شرط مسلم؛ فإِنّ رجاله رجال الشيخين، غير ابن هبيرة وأبي تميم؛ فمن رجال مسلم وحده، وقد تابعه ابن لهيعة عن ابن هبيرة به». وانظر: «الصحيحة» (٣١٠).



واحتجُّوا أيضًا بحديث سمرة بن جندب؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من توضّأ يوم الجمعة؛ فبها ونعمت، ومن اغتسل؛ فالغُسْل أفضل» (١).
قال ابن حزم -رحمه الله تعالى- في «المحلَّى» (٢/ ٢٥): «... فسقَطَتْ هذه الآثار كلّها، ثمَّ لو صحَّت؛ لم يكن فيها نصٌّ ولا دليل على أنّ غسل الجمعة ليس بواجب، وإِنَّما فيها أنَّ الوضوء نعم العمل، وأنَّ الغُسل أفضلِ، وهذا لا شكَّ فيه، وقد قال الله تعالى: ﴿ولوْ آمنَ أَهْلُ الكتابِ لكانَ خَيراَ لَهمْ﴾ (٢)؛ فهل دلَّ هذا اللفظ على أنَّ الإِيمان والتقوى ليس فرضًا؟! حاشا لله من هذا».
وقال -رحمه الله تعالى (٣) -: «وكلُّ ما أخبرَ عليه السلام أنَّه واجب على كلِّ مسلم وحقُّ الله تعالى على كلِّ محتلم؛ فلا يحلُّ ترْكه، ولا القول بأنَّه منسوخ، أو أنَّه ندبٌ؛ إلاَّ بنصٍّ جليٍّ بذلك مقطوع؛ على أنَّه وارد بعده مبيِّن أنَّه ندْب، أو أنَّه قد نُسِخ؛ لا بالظُّنون الكاذبة المتروك لها اليقين».
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-: «وأقوى ما عارضوا به حديث:»من توضّأ يوم الجمعة؛ فبها ونِعْمَت، ومن اغتسل؛ فالغسل أفضل«، ولا يُقاوم

--------------------
(١) أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن، والنسائي، والدارمي، وانظر»المشكاة«(٥٤٠).
(٢) آل عمران: ١١٠
(٣)»المحلّى" (٢/ ٢١).



سنده سندَ هذا الحديث (١) ...» (٢).
وقوله - ﷺ -: «ومن اغتسل؛ فالغسل أفضل»: لا ينفي الوجوب، فالأفضليَّة تجامع الوجوب ولا شكَّ، وهي في القول بالوجوب آكد من القول بسنِّيَّتها (٣).
وقال الصنعاني -رحمه الله-: «وإِن كان حديث الإِيجاب أصحَّ؛ فإِنَّه أخرجه السبعة (٤)؛ بخلاف حديث سمُرة، فلم يُخْرِجه الشيخان، فالأحوط للمؤمن أن لا يترك غُسل الجمعة» (٥).
وذكر الصنعاني -رحمه الله- أيضًا في «سبل السلام» (١/ ١٥٦) أنَّ وجوب غسل يوم الجمعة أقوى من وجوب عدد من المسائل الفقهيَّة المختلف فيها.
وقال شيخنا -حفظه الله- في «تمام المنَّة» (١٢): «وجملة القول أنَّ الأحاديث المصرِّحة بوجوب غُسل الجمعة فيها حُكم زائد على الأحاديث المفيدة لاستحبابه، فلا تعارُض بينهما، والواجب الأخذ بما تضمَّن الزيادة فيها».

----------------------
(١) أي: حديث: «من جاء منكم الجمعة فليَغتَسِل». رواه البخاري: ٨٩٤ ومسلم: ٨٤٦، وتقدّم في أول (غُسل الجمعة) بلفظ مقارب.
(٢) «إِحكام الأحكام» (١/ ٣٣٢).
(٣) قاله شيخنا -حفظه الله- بمعناه.
(٤) وهم: أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
(٥) «سبل السلام» (١/ ١٥٦).



وقال في «نيل الأوطار» (١/ ٢٩٢): «... وبهذا يتبيَّن لك عدم انتهاض ما جاء به الجمهور من الأدلَّة على عدم الوجوب، وعدم إِمكان الجمع بينها وبين أحاديث الوجوب؛ لأنَّه وإِن أمكن بالنِّسبة إِلى الأوامر؛ لم يُمْكن بالنسبة إِلى لفظ (واجب) و(حقّ)؛ إلاَّ بتعسُّف لا يُلجئ طلبُ الجمع إِلى مِثله.
ولا يشكُّ من له أدنى إِلمام بهذا الشَّأن أنَّ أحاديث الوجوب أرجح من الأحاديث القاضية بعدمه ...».
قال الحازمي في «الاعتبار» (١): «الوجه الرابع والأربعون في ترجيح أحد الحديثين على الآخر: أن يكون في أحدهما احتياطٌ للفرض وبراءة الذمَّة بيقين، ولا يكون الآخر ذلك؛ فتقديم ما فيه الاحتياط للفرض وبراءة الذمَّة بيقين أولى».
وقال ابن دقيق العيد في «إِحكام الأحكام» (١/ ٣٣٢): «... وأمَّا غير هذا الحديث (٢) من المعارَضات المذكورة لما ذكرناه من دلائل الوجوب؛ فلا تقوى دلالته على عدم الوجوب؛ لقوَّة دلائل الوجوب عليه، وقد نصَّ مالك على الوجوب، فحمله المخالفون -ممَّن لم يمارس مذهبه- على ظاهره، وحُكي عنه أنَّه يروي الوجوب، ولم يرَ ذلك أصحابه على ظاهره».
قال الشيخ أحمد محمد شاكر: «الحقُّ الذي نذهب إِليه ونرضاه: أنَّ غُسل يوم الجمعة واجبٌ حتْم، وأنَّه واجب لليوم وللاجتماع، فمن تركه؛ فقد قصَّر فيما وجب عليه، ولكن صلاته صحيحة إِذا كان طاهرًا.

--------------------
(١) ص ٣٧
(٢) أي:»من توضّأ يوم الجمعة؛ فبها ونعْمَت ... ".



https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif


ابوالوليد المسلم 01-01-2026 05:26 AM

رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
 
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 191الى صــ 205
الحلقة (14)



وأيضًا؛ فإنَّ الأصل في الأمر أنَّه للوجوب، ولا يُصرف عنه إِلى النَّدب إلاَّ بدليل، وقد ورد الأمر بالغُسل صريحًا، ثمَّ تأيَّد في معنى الوجوب بورود النص الصريح الصحيح بأنَّ غُسل يوم الجمعة واجب، ومثل هذا الذي هو قطعيُّ الدّلالة، والذي لا يحتمل التَّأويل؛ لا يجوز أن يؤوَّل لأدلَّة أخرى، بل تؤوَّل الأدلَّة الأخرى إِنْ كان في ظاهرها المعارضة له، وهذا بيِّن لا يحتاج إِلى بيان» (١).
----------------------
(١) انظر التعليق على «الرسالة» للإِمام الشافعي -رحمه الله تعالى- (ص ٣٠٧) بشيء من الحذف.

الأغْسالُ المُسْتَحَبَّة
أولًا: غُسل العيدين:
ولم يرِد في هذا حديث صحيح.
قال شيخنا -حفظه الله تعالى-:»وأحسن ما يُستدلّ به على استحباب الاغتسال للعيدين ما رَوى البيهقيّ من طريق الشافعي عن زاذان؛ قال: سأل رجلٌ عليًّا -رضي الله عنه- عن الغسل؟ قال: «اغتسل كلّ يوم إِن شئت».
فقال: لا؛ الغسل الذي هو الغسل؟ قال: «يوم الجُمعة، ويوم عرفة (١)، ويوم النَّحر، ويوم الفطر» (٢).
وقال -حفظه الله تعالى-: «روى الفريابي (١٢٧/ ١ و٢) عن سعيد بن المسيّب أنَّه قال:»سنّة الفطر ثلاث: المشي إِلى المصلَّى، والأكل قبل الخروج، والاغتسال«، وإِسناده صحيح» (٣).

ثانيًا: غُسل يوم عرفة:
لأثر عليٍّ السابق.

ثالثًا: غُسل الإِحرام:
لحديث زيد بن ثابت -رضي الله عنه-: «أنَّه رأى النّبيّ - ﷺ - تجرَّد

-----------------
(١) وهذا خاصٌّ بالحاجِّ دون غيره، كما تدلُّ على ذلك النصوص.
(٢) أخرجه البيهقي، وسنده صحيح، وأنظر»الإِرواء«(١٤٦).
(٣) انظر»الإِرواء" تحت الحديث (٦٣٦).



لإِهلاله (١) واغتسل» (٢).
ومن شواهده أيضًا قول ابن عمر -رضي الله عنهما-: «إِنَّ من السُّنَّة أن يغتسل إِذا أراد أن يُحْرِم، وإذا أراد أن يدخُلَ مكَّة» (٣).
قال شيخنا -حفظه الله تعالى-: «وهذا وإِن كان موقوفًا؛ فإِنَّ قوله:»من السُّنَّة«؛ إِنَّما يعني سنَّته - ﷺ -؛ كما هو مقرَّر في علم أصول الفقه» (٤).

رابعًا: الاغتسال عند دخول مكَّة:
لِما ثبت عن نافع: أنَّه قال: «كان ابنُ عمر -رضي الله عنهما- إِذا دخل أدنى الحرم؛ أمسك عن التَّلبية، ثمَّ يبيت بذي طُوى (٥)، ثمَّ يُصلِّي به الصُّبح ويغتسل، ويحدِّث أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يفعل ذلك» (٦).

-----------------------
(١) الإِهلال: رفع الصوت بالتلبية، يُقال: أهل المُحرم بالحجِّ يُهلُّ إِهلالًا: إِذا لبَّى ورفع صوته. «النهاية».
(٢) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٦٦٤)، والدارمي، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، وغيرهم. وانظر «الإرواء» (١٤٩).
(٣) أخرجه الدارقطني، والحاكم، وقال: «صحيح على شرط الشيخين»، ووافقه الذهبي.
وقال شيخنا: «وإنما هو صحيح فقط؛ فإِن فيه سهل بن يوسف، ولم يرو له الشيخان».
وانظر «الإرواء» (١٤٩).
(٤) انظر «الإِرواء» (١٤٩).
(٥) وادٍ معروف بقرب مكة.
(٦) أخرجه البخاري: ١٥٧٣، ومسلم: ١٢٥٩



ولأثر ابن عمر السابق: «إِنَّ من السُّنَّة أن يغتسل إِذا أراد أن يُحرم، وإذا أراد أن يدخُلَ مكَّة».
قال الحافظ: «قال ابن المنذر: الاغتسال عند دخول مكَّة مستحبٌّ عند جميع العلماء، وليس في ترْكه عندهم فديةٌ، وقال أكثرهم: يجزئ عنه الوضوء» (١).

خامسًا: غُسل من غَسَّل ميِّتًا.
لقوله - ﷺ -: «من غَسَّل مَيِّتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضّأ» (٢).
قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «أحكام الجنائز» (ص ٥٣ و٥٤): «وظاهر الأمر يفيد الوجوب، وإِنَّما لم نَقُلْ به لحديثين:
الأوَّل: قوله - ﷺ -:»ليس عليكم في غسل مَيِّتكم غُسْل إِذا غَسَّلْتموه؛ فإِنَّ ميِّتكم ليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديَكم«(٣).
الثاني: قول ابن عمر -رضي الله عنهما-:»كنَّا نغسل الميِّت، فمنَّا من يغتسل، ومنَّا من لا يغتسل«(٤).
قال في»الدراري«(١/ ٧٧):»وذهب الجمهور إِلى أنَّه مستحبٌّ«...».

----------------------
(١) «الفتح» (٣/ ٤٣٥).
(٢) أخرجه أبو داود، والترمذي وحسنّه، وغيرهما، وصححه ابن القطَّان وغيره، وهو في «أحكام الجنائز» (ص ٥٣)، و«الإِرواء» (١٤٤)، وتقدّم.
(٣) أخرجه الحاكم، والبيهقيّ، وهو حسن الإِسناد؛ كما قال الحافظ في «التلخيص».
(٤) أخرجه الدارقطنيّ، والخطيب في «تاريخه» بإِسناد صحيح كما قال الحافظ.



سادسًا: الاغتسال عند كلِّ جماع:
لحديث أبي رافع أنَّ النّبيّ - ﷺ - طاف ذات يوم على نسائه، يغتسل عند هذه وعند هذه. قال: فقلتُ: يا رسول الله! ألا تجعله واحدًا؟ قال: «هذا أزكى وأطيب وأطهر» (١).

سابعًا: اغتسال المستحاضة لكلِّ صلاة، أو للظُّهر والعصر جميعًا غُسلًا، وللمغرب والعشاء جميعًا غُسلًا، وللفجر غُسلًا:
لحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «إنَّ أمَّ حبيبة استُحيضت في عهد رسول الله - ﷺ -، فأمَرها بالغسل لكلِّ صلاة ...» الحديث (٢).
وفي رواية عنها: «استُحيضت امرأة على عهد رسول الله - ﷺ -، فأُمِرَت أن تعجِّل العصر وتؤخِّر الظُّهر، وتغتسل لهما غُسلًا واحدًا، وتؤخِّر المغرب وتعجِّل العشاء وتغتسل لهما غُسلًا، وتغتسل لصلاة الصبح غُسلًا» (٣).

ثامنًا: الاغتسال من دفن المشرك:
عن علي -رضي الله عنه-: أنه أتى النّبيّ - ﷺ -، فقال: إنَّ أبا طالب مات. فقال: «اذهب فوارِه». قال: إِنَّه مات مشركًا. قال: «اذهب فوارِه». فلمّا

---------------------
(١) أخرجه أبو داود، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٤٨٠)، وغيرهما، وانظر «آداب الزفاف» (ص ١٠٧).
(٢) أخرجه أبو داود وغيره بإِسناد حسن، وقوَّاه الحافظ ابن حجر. استفدته والذي بعده من «تمام المنة» (١٢٢ - ١٢٣).
(٣) قال شيخنا في «تمام المنَّة» (١٢٢): «وإِسناد هذه الرواية صحيح على شرط الشيخين، والأولى صحيح فقط؛ كما بينتُه في»صحيح السنن«(٣٠٠ و٣٠٥)».



واريته؛ رجعْت إِليه، فقال لي:»اغتسل«(١).

تاسعًا: الاغتسال من الإِغماء:
عن عبد الله بن عُتبة؛ قال:»دخلتُ على عائشة، فقلتُ: ألا تحدِّثيني عن مرض رسول الله - ﷺ -؟ قالت: بلى؛ ثَقُل النّبيّ - ﷺ -، فقال: «أصلَّى الناس؟». قلنا: لا هم ينتظرونك. قال: «ضعوا لي ماءً في المِخْضَب (٢)». قالت: فَفَعلْنا، فاغتسل، فذهب لينوءَ (٣)، فأُغْمِيَ عليه، ثمَّ أفاقَ، فقال - ﷺ -: «أصلَّى الناس؟». قُلنا: لا؛ هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: «ضعوا لي ماءً في المِخْضَب». قالت: فقعد، فاغتسل (٤) ... «(٥).
قال الشوكاني بعد هذا الحديث:»وقد ساقه المصنِّف ها هنا للاستدلال به على استحباب الاغتسال للمُغمى عليه، وقد فعله النّبيّ -صلى الله عليه وآله وسلم- ثلاث مرَّات وهو مُثقلٌ بالمرض، فدلَّ ذلك على تأكُّد استحبابه«(٦).

----------------------
(١) أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(١٨٤)، وغيرهم. وانظر»أحكام الجنائز«(ص ١٣٤).
(٢) شبه المركن، وهي إِناء تُغسل فيه الثِّياب.
(٣) أي: لينهض بجهد.
(٤) وذُكر الاغتسال في الحديث أربع مرات.
(٥) أخرجه البخاري: ٦٨٧، ومسلم: ٤١٨
(٦)»نيل الأوطار" (١/ ٣٠٦).



أركان الغُسل وواجباته
١ - النيَّة وهي ركن أو شرط: ومحلُّها القلب، والتلفُّظ بها بدعة كما تقدَّم في الوضوء.
٢ - التَّسمية: وحُكمها حكم التسمية في الوضوء، وتقدَّم.
٣ - غَسل جميع الأعضاء وهو رُكن:
قال الله تعالى: ﴿وإِنْ كنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّروا﴾ (١)؛ أي: اغتسلوا (٢).
وقال تعالى: ﴿يا أيُّها الَذينَ آمنوا لا تقْرَبوا الصَّلاةَ وأَنْتُمْ سُكارى حتَّى تَعْلَموا ما تقولونَ ولا جُنبًا إِلاَّ عابري سبيلٍ حتَّى تَغْتَسِلوا﴾ (٣).
قال الحافظ: «... فيها تصريحٌ بالاغتسال، وبيانٌ للتَّطهير المذكور (٤)» (٥) اهـ.
وقال تعالى: ﴿ويَسْألونَكَ عن المَحيضِ قُلْ هوَ أذىً فاعْتَزِلوا النِّساءَ في المحيضِ ولا تقْرَبوهنَّ حتَّى يَطْهُرْنَ فإِذا تَطَهَّرْنَ فأتُوهُنَّ من حيثُ أَمَرَكم الله﴾ (٦).

------------
(١) المائدة: بعض الآية ٦
(٢) وانظر تفسير البغوي لسورة المائدة، وكلام الحافظ في «الفتح» (١/ ٣٥٩).
(٣) النساء: ٤٣
(٤) أي: في الآية التي قبلها.
(٥) «الفتح» (١/ ٣٥٩).
(٦) البقرة: ٢٢٢



قال الحافظ ابن حجر: «أي: اغتَسَلْن اتفاقًا» (١).
وقال البغوي في «تفسيره»: «فإِذا تطهَّرْنَ؛ يعني: اغتسلْنَ».
وجاء في «السيل الجرَّار» (١/ ١١٣): «أمَّا تعميم البدن؛ فلا يتمُّ مفهوم الغُسل إلاَّ به».

سُنَن الغُسْل
مُراعاة فِعل الرسول - صلى الله عليه وأله وسلَم- في البدء والترتيب والانتهاء وغير ذلك، وسيأتي تفصيله بإِذن الله في تضاعيف الكتاب.

ما يَحْرُم على الجُنُب
١ - الصلاة: سواء كانت فريضة أو نافلة.
لقوله - ﷺ -: «لا تُقبل صلاةٌ بغير طُهور» (٢).
٢ - الطَّواف: وتقدّمت الأدلَّة في بحث الوضوء.

مسائل في غُسل المرأة
لا فرقَ بين غُسل المرأة وغُسل الرجل؛ غير أنَّه:

------------------
(١) «الفتح» (١/ ٣٥٩).
(٢) تقدم.



١ - ليس على المرأة أن تنقض ضفيرتها (١) لغُسل الجنابة:
لحديث أمّ سلمة -رضي الله عنها- قالت: قُلتُ: يا رسول الله! إِنِّي امرأةٌ أشدُّ ضَفْرَ (٢) رأسي، أفأنقُضُه لغُسل الجنابة؟ قال: «لا؛ إِنَّما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حَثَيات (٣)، ثمَّ تُفيضين عليك الماء فتطهُرين» (٤). وفي رواية: «واغمِزي قُرونَك عند كلِّ حَفْنة» (٥).
وعن عُبيد بن عُمير؛ قال: بَلَغَ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النِّساء إذا اغتسلْنَ أن ينقُضْنَ رؤوسهنَّ، فقالت: يا عجبًا لابن عمرو هذا! يأمرُ النِّساء إِذا اغتسلْنَ أن ينقضْنَ رؤوسَهُنَّ؟! أفلا يأمُرُهنَّ أن يحلقنَ رؤوسهنَّ؟! لقد كنتُ أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إِناء واحد، ولا أزيد على أن أُفرغَ على رأسي ثلاث إِفراغات«(٦).
٢ - يجب عليها نقض ضفيرتها في غُسْل الحيض:
ومن الأدلَّة على ذلك حديث عائشة -رضي الله عنها- وفيه تقول:»... فأدركني يوم عرفة وأنا حائض، فشكوتُ إِلى النّبيّ - ﷺ -، فقال: «دَعي

-------------------
(١) هي لفيفة من الشعر المنسوج بعضه على بعض.
(٢) هي لفيفة من الشعر المنسوج بعضه على بعض.
(٣) أي: ثلاث غُرف بيديه، واحدها حَثية.»النهاية«.
(٤) أخرجه مسلم: ٣٣٠، وغيره.
(٥) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (٢٢٧). ومعنى اغمزي قرونك؛ أي: اكبسي ضفائر شعرك عند الغُسل، والغمز: العصر والكبس باليد.
(٦) أخرجه مسلم: ٣٣١، وغيره.



عُمْرَتَك، وانقضي رأسكِ، وامتشطي، واهلِّي بحجٍّ ...» (١).
قال الحافظ في «الفتح» (١/ ٤١٨): «وظاهر الحديث الوجوب، وبه قال الحسن وطاووس في الحائض دون الجُنُب، وبه قال أحمد، ورجَّح جماعة من أصحابه أنَّه للاستحباب فيهما ...».
قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «تمام المنَّة» (١٢٥): «وقد ذهب إِلى التفصيل المذكور: الإِمام أحمد، وصححه ابن القيِّم في»تهذيب السنن«فراجِعه (١/ ١٦٥ - ١٦٨)، وهو مذهب ابن حزم (٢/ ٣٧ - ٤٠)».
ومن الأدلَّة على ذلك حديث أسماء بنت شَكَل في النقطة الآتية.
٣ - استحباب استعمال المغتسلة من الحيض فِرصة من مسك في موضع الدَّم (٢):
عن عائشة -رضي الله عنها-: أنّ أسماء (٣) سألت النّبيّ - ﷺ - عن غُسل
المحيض؟ فقال: «تأخذ إِحداكنَّ ماءَها وسدْرتها (٤)، فتطهَّر، فتحسن الطُّهور، ثمَّ تصبُّ على رأسها، فتدلُكه دلكًا شديدًا (٥) حتى تبلُغ شؤون

--------------------
(١) أخرجه البخاري: ٣١٧
(٢) هذا العنوان من»صحيح مسلم«(كتاب الحيض).
(٣) هي بنت شَكَل؛ كما في رواية أخرى لمسلم: ٣٣٢
(٤) السِّدرة: شجرة النَّبِق، والمقصود هنا الورق؛ ليستعمل في الغسل، ويقوم مقامه الصابون ونحوه.
(٥) وهذا كما تقدّم دليل على التفريق بين غسل المرأة في الحيض وغسلها من الجنابة؛ فقد أكَّد - ﷺ - على الحائض أن تبالغ في التّدليك الشديد والتطهير ما لم يؤكّد في غُسلها من الجنابة. وانظر»تمام المنَّة" (١٢٥).



رأسها (١)، ثمَّ تصبُّ عليها الماء، ثمَّ تأخذ فِرصة (٢) ممسَّكة فتطهَّرُ بها».
فقالت أسماء: وكيف تطهَّرُ بها؟ فقال: «سبحانْ الله! تطهَّرينَ بها».
فقالت عائشة -كأنها تُخفي ذلك-: تتّبعين أثر الدَّم.
وسألته عن غُسل الجنابة؟ فقال: «تأخذُ ماءً، فتطهَّرُ، فتحْسن الطُّهور، أو تُبْلغُ الطُّهور، ثمَّ تصبُّ على رأسها، فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها، ثمَّ تفيض عليها الماء».
فقالت عائشة: نِعْم النِّساء نساء الأنصار، لم يكنْ يمنعُهُنَّ الحياءُ أن يتفقَّهْنَ في الدِّين (٣).
٤ - «لا يجب على المرأة إِذا اغتسلتْ من جنابة أو حيض غَسْل داخل الفَرْج في أصحِّ القولين، والله أعلم» (٤).

صِفةُ غُسل الجنابة
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - إِذا اغتسل من

--------------------
(١) أي: أصول شعر رأسها.
(٢) الفِرْصة: قطعة من صوف أو قطن أو خِرقة. والممسَّكة: المطيَّبة بالمسك، يُتتبّع بها أثر الدم، فيحصل منه الطيب والتنشيف.»النهاية«.
(٣) أخرجه مسلم: ٣٣٢، وغيره، وأصله في البخاري: ٣١٤ و٣١٥ و٧٣٥٧
(٤) قاله شيخ الإِسلام -رحمه الله- في»الفتاوى«(٢١/ ٢٩٧)، وقال في موطن آخر (٢١/ ٢٩٧):»وِإنْ فعلت جاز«. قال لي شيخنا -حفظه الله-:»جاز تنظُّفًا، لا تعبُّدًا".



الجنابة يبدأ، فيغسل يديه، ثمَّ يُفرغُ بيمينه على شماله، فيغسلُ فرجه، ثمَّ يتوضّأ وُضوءه للصَّلاة، ثمَّ يأخذ الماء، فيُدخل أصابعه في أصول الشَّعر، حتَّى إِذا رأى أن قد استبرأ (١)؛ حفَنَ على رأسه ثلاث حفَنات، ثمَّ أفاض على سائر جسده، ثمَّ غسَل رجليه» (٢).

مسح اليد بالتُّراب أو غسلها بالصابون ونحوه:
ومن الأدلَّة على ذلك حديث ميمونة: «... ثمَّ قال بيده الأرض (٣)، فمسَحها بالتُّراب، ثمَّ غسَلها» (٤).
وفي رواية مسلم (٥): «ثمَّ ضرب بشماله الأرض، فدلَكَها دَلْكًا شديدًا ...».

غسْل اليدين قبل إدخالهما في الإِناء:
لحديث عائشة -رضي الله عنها-: «بدأ فغسل يديه قبل أن يُدخل يده في الإِناء ...» (٦).

-----------------
(١) أي: أوصل البلل إِلى جميعه. «النووي».
(٢) أخرجه البخاري: ٢٤٨، ومسلم: ٣١٦، وهذا لفظه وغيرهما.
(٣) قال الحافظ في «الفتح» (١/ ٣٧٢): كذا في روايتنا، وللأكثر «بيده على الأرض وهو من إطلاق القول على الفعل ...».
(٤) أخرجه البخاري: ٢٥٩
(٥) برقم: ٣١٧
(٦) أخرجه مسلم: ٣١٦



الوضوء قبل الغُسل:
عن عائشة -رضي الله عنها-: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان إِذا اغتسل من الجنابة؛ بدأ فغسل يديه، ثمَّ يتوضّأ كما يتوضّأ للصَّلاة (١)، ثمَّ يُدخِل أصابعه في الماء، فيخلِّل بها أصول شعره (٢)، ثمَّ يصبُّ على رأسه ثلاث غرَف بيديه، ثمَّ يُفيضُ على جلده كلِّه» (٣).

المضمضة والاستنشاق:
قال ابن عبَّاس؛ قال: حدَّثتنا ميمونة؛ قالت: «صَبَبْتُ للنّبيّ - ﷺ - غُسلًا، فأفرغ بيمينه على يساره فغسلهما، ثمَّ غَسل فرجه، ثمَّ قال بيده الأرض، فمسحها بالتُّراب، ثمَّ غسلها، ثمَّ تمضمضَ واستنشق ...» (٤).

إِفاضة الماء على الرأس ثلاثًا وتخليل الشعر:
لحديث عائشة -رضي الله عنها-: «... ثمَّ يُدخلُ أصابعه في الماء، فيخلِّل بها أصول شعره، ثمَّ يصبُّ على رأسه ثلاث غُرف بيديه» (٥).
وعنها -رضي الله عنها- أيضًا: «... ثمَّ يخلِّل بيده شعره، حتى إذا ظنَّ

----------------------
(١) قال الحافظ في»الفتح«:»فيه احتراز عن الوضوء اللغوي«.
(٢) قال الحافظ:»وفائدة التخليل: إِيصال الماء إِلى الشّعر والبشرة، ومباشرة الشّعر باليد، ليحصل تعميمه بالماء ...".
(٣) أخرجه البخاري: ٢٤٨ وهذا لفظه، ومسلم: ٣١٦
(٤) أخرجه البخارى: ٢٥٩، ومسلم: ٣١٧ نحوه.
(٥) أخرجه البخاري: ٢٤٨، ومسلم: ٣١٦، وتقدّم.



أنَّه قد أروى (١) بشَرتهُ (٢)؛ أفاض عليه الماء ثلاث مرَّات، ثمَّ غسل سائر جسده» (٣).
وفي الحديث: «أمَّا أنا؛ فأفيض على رأسي ثلاثًا» (٤).
وأشار بيديه كلتيهما (٥).

البدء بشقِّ أيمن الرَّأس ثمَّ أيسره:
لحديث عائشة -رضي الله عنها-: «... فأخَذ بكَفِّهِ، فبدأ بشقِّ رأسه الأيمن، ثمَّ الأيسر، فقال بهما على رأسه» (٦).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كنَّا إِذا أصابت إِحدانا جنابة؛ أخذت بيديها ثلاثًا فوق رأسها، ثمَّ تأخذ بيدها على شقِّها الأيمن، وبيدها الأخرى على شقِّها الأيسر» (٧).

---------------------
(١) من الإِرواء؛ يقال: أرواه: إِذا جعَله ريّانًا.
(٢) المراد هنا: ما تحت الشعر.
(٣) أخرجه البخاري: ٢٧٢
(٤) قال الحافظ: «ويُحتمل أن تكون هذه الغرفات الثلاث للتكرار، ويحتمل أن يكون لكلّ جهة من الرأس غرفة ...». انظر شرح الحديث: ٢٥٦.
(٥) أخرجه البخاري: ٢٥٤، ومسلم: ٣٢٧، نحوه، وغيرهما.
(٦) أخرجه البخاري: ٢٥٨
(٧) أخرجه البخارى: ٢٧٧. قال الحافظ: وللحديث حُكم الرَّفع؛ لأن الظَّاهر اطِّلاع النّبيّ - ﷺ - على ذلك، وهو مصيّر من البخارى إلى القول بأن لقول الصّحابي: «كنّا نفعل كذا» حُكم الرفع، سواء صرّح بإِضافته إِلى زمنه - ﷺ - أم لا، وبه جزم الحاكم".



تأخير غَسل الرجلين:
عن ميمونة زوج النّبيّ - ﷺ -؛ قالت: «توضّأ رسول الله - ﷺ - للصَّلاة غير رجليه، وغسَل فرجه وما أصابه من الأذى، ثمَّ أفاض عليه الماء، ثمَّ نحَّى رجليه فغسلهما» (١).
قال الحافظ في «الفتح» (١/ ٣٦٢): «واختلف نظر العلماء، فذهب الجمهور إِلى استحباب تأخير غَسْل الرجلين في الغُسْل، وعن مالك: إنْ كان المكان غير نظيف؛ فالمستحبُّ تأخيرهما، وإِلاَّ؛ فالتقديم».
وقال شيخنا في «الإِرواء» (١/ ١٧٠) عقب حديث ميمونة -رضي الله عنها-: «وهذا نصٌّ على جواز تأخير غَسْل الرجلين في الغسل، بخلاف حديث عاثشة، ولعلَّه - ﷺ - كان يفعل الأمرين: تارة يغسل رجليه مع الوضوء فيه، وتارة يؤخِّر غسلهما إِلى آخر الغُسل، والله أعلم» اهـ.
وراجعتُ شيخنا -حفظه الله- في ذلك، ففهمتُ منه أنَّ الأمر يتبع الحال والوضع الذي فيه المغتسل؛ فيتصرّف حسبما يقتضيه حاله.

عدم الوضوء بعد الغُسل (٢):
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يغتسل ويصلِّي الركعتين وصلاة الغداة، ولا أراه يُحدث وضوءًا بعد الغُسل» (٣).

------------------
(١) أخرجه البخاري: ٢٤٩، وغيره.
(٢) لأنَّ السّنة الوضوء قبل الغُسل، كما تدلُّ على ذلك النصوص.
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٢٥)، والترمذي، وقال: «حديث حسن صحيح»، وصحَّحه الحاكم والذهبي وغيرهما. ورواه ابن ماجه عن عائشة بلفظ: =



https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif


ابوالوليد المسلم 01-01-2026 05:32 AM

رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
 
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 206الى صــ 220
الحلقة (15)



عدم استعمال المنديل:
ودليل ذلك حديث ميمونة بنت الحارث -رضي الله عنها- وفيه: «فناولْتُه خِرْقَةً، فقال بيده هكذا، ولم يُرِدْها» (١).
وفي رواية لها: «ثمَّ أتيتُه بالمنديل، فردَّه» (٢).

التيمُّن في الغُسل:
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يحبُّ التيمُّن (٣) في شأنه كلِّه: في نعليه، وترجُّله، وطَهوره» (٤).

إِفاضة الماء على الجلد كلِّه:
كما في حديث عائشة: «... ثمَّ غَسل سائر جسده» (٥).

---------------------
= «كان رسول الله - ﷺ - لا يتوضّأ بعد الغسل؛ من الجنابة». وانظر «صحيح سنن ابن ماجه» (٤٧٠)، و«المشكاة» (٤٤٥).
(١) أخرجه البخاري: ٢٦٦، قال الحافظ ابن حجر: «ولم يُرِدْها؛ بضم أوّله وِإسكان الدال: من الإِرادة، والأصل: يريدها، لكن جزم بـ (لم)، ومن قالها بفتح أوّله وتشديد الدَّال؛ فقد صحّف وأفسد المعنى». قلت: أمَا إِذا دعت الحاجة لاستعمال المنديل وما شابهه من برْد ونحوه، فلا حرج من ذلك«.
(٢) أخرجه مسلم: ٣١٧
(٣) هو الابتداء في الأفعال باليمين من اليد والرجل والجانب.
(٤) أخرجه البخاري: ٥٨٥٤، ومسلم: ٢٦٨، وغيرهما.
(٥) أخرجه البخاري: ٢٧٢، وفي لفظ»لمسلم«(٣١٦):»ثمَّ أفاض على سائر جسده".


وفي رواية لها: «... ثمَّ يفيض على جلده كلِّه» (١).

الغُسل بالصَّاع ونحوه:
عن أبي جعفر (٢): «أنَّه كان عند جابر بن عبد الله هو وأبوه وعنده قومٌ، فسألوه عن الغُسل؟ فقال: يكفيك صاعٌ. فقال رجلٌ: ما يكفيني. فقال جابر: كان يكفي من هو أوفى (٣) منك شعرًا وخيرٌ منك، ثمَّ أمَّنا في ثوبٍ» (٤).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يغتسل في القَدَح، وهو الفَرَق، وكنتُ أغتسل أنا وهو في الإِناء الواحد».
قال قتيبة: قال سفيان: «والفَرَق: ثلاثة آصُع» (٥).
وعن أنس -رضي الله عنه- قال: «كان النّبيّ - ﷺ - يغسل (٦) (أو كان

------------------
(١) أخرجه البخاري: ٢٤٨
(٢) قال الحافظ:»هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف بـ (الباقر)«.
(٣) أي: أطول وأكثر. وفي رواية»مسلم«(٣٢٩):»كان شعْر رسول الله - ﷺ - أكثر من شعرك وأطيب«.
قال الحافظ:»وفي هذا الحديث بيان ما كان عليه السلف من الاحتجاج بأفعال النّبيّ - ﷺ - والانقياد إلى ذلك، وفيه جواز الردّ بعنف على من يماري بغير عِلم؛ إِذا قصد الرادُّ إِيضاح الحق، وتحذير السامعين من مِثل ذلك، وفيه كراهية التنطُّع والإسراف فى الماء".
(٤) أخرجه البخاري: ٢٥٢
(٥) أخرجه مسلم: ٣١٩، وهو في البخاري: ٢٥٠ بلفظ مقارب.
(٦) أي: جسده.



يغتسل (١) بالصَّاع (٢) إِلى خمسة أمداد (٣)، ويتوضّأ بالمدِّ» (٤).
وعن عائشة -رضي الله عنها-: «أنَّها كانت تغتسل هي والنّبيّ - ﷺ - في إِناء واحد؛ يتَّسع ثلاثة أمداد أو قريبًا من ذلك» (٥).

هل الدَّلك واجب؟
قال الحافظ في «الفتح» (١/ ٣٥٩): «وحقيقة الغسل: جريان الماء على الأعضاء.
واختُلف في وجوب الدَّلك: فلم يوجبه الأكثر، ونُقل عن مالك والمزني وجوبه، واحتجَّ ابن بطَّال بالإِجماع على وجوب إِمرار اليد على أعضاء الوضوء عند غسْلها؛ قال: فيجب ذلك في الغسل قياسًا؛ لعدم الفرق بينهما. وتُعُقِّبَ

--------------------
(١) قال الحافظ:»الشكُّ من البخاري، أو من أبي نُعيم لما حدّثه به«.
(٢) الصّاع: إِناء يتسع خمسة أرطال وثُلُثًا بالبغدادي، وقال بعض الحنفية: ثمانية.»الفتح«. وهو أربعة أمداد.»النهاية«و»الفتح«. وقال أبو داود في»سننه«:»وسمعتُ أحمد بن حنبل يقول: الصاع خمسة أرطال، وهو صاع ابن أبي ذئب، وهو صاع النّبيّ - ﷺ -«، وتقدّم.
(٣) جاء في»النهاية«:»المدُّ في الأصل: رُبع الصاع، وإنَّما قُدِّر به لأنَّه أقل ما كانوا يتصدَّقون به في العادة«. وفيه أيضًا:»وهو رطل وثُلُث بالعراقي، عند الشافعي وأهل الحجاز، وهو رطلان عند أبي حنيفة وأهل العراق«. وفيه:»وقيل: ان أصل المدِّ مقدَّر بأن يمدَّ الرجل يديه، فيملأ كفَّيه طعامًا"، وتقدّم.
(٤) أخرجه البخارى: ٢٠١، ومسلم: ٣٢٥، وغيرهما، وتقدّم.
(٥) أخرجه مسلم: ٣٢١



بأنَّ جميع من لم يوجب الدَّلك أجازوا غَمْس اليد بالماء للمتوضئ من غير إِمرار، فبطلَ الإِجماع، وانتفت الملازمة».
قال الصنعاني (١) -رحمه الله تعالى-: «وقولها:»ثمَّ أفاض الماء«: الإِفاضة: الإِسالة. وقد استدلَّ به على عدم وجوب الدَّلك، وعلى أنَّ مُسمَّى (غُسل) لا يدخل فيه الدَّلك؛ لأنَّها عبَّرت ميمونة بالغسل، وعبَّرت عائشة بالإِفاضة، والمعنى واحد، والإِفاضة لا دلْك فيها، فكذلك الغَسل ...» (٢).
قال في «المغني» (٣): «ولا يجب عليه إِمرار يده على جسده في الغُسل والوضوء إِذا تيقَّن أو غلب على ظنِّه وصول الماء إِلى جميع جسده، وهذا قول الحسن والنَّخعي والشَّعبي وحمَّاد والثَّوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي ...» (٤).
ويرى شيخنا -حفظه الله تعالى- وجوب الدَّلك لمن كان ذا شعر كثير، ويسمَّى (الشَّعرانيّ) في اللغة كما تقدَّم.
وهذا كقول الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- في مباشرة الشعر باليد ليحصل تعميمه؛ فقد قال: «... ثمَّ هذا التَّخليل غير واجب اتِّفاقًا؛ إلاَّ إِنْ كان الشَّعر ملبَّدًا بشيء يحول بين الماء وبين الوصول إِلى أصوله، والله

---------------------
(١) عقب حديث عائشة -رضي الله عنها- في صفة الغُسل.
(٢)»سُبُل السلام" (ص ١٦١).
(٣) (باب الوضوء مع الغسل والدّلك، ١/ ٢١٨).
(٤) وذكَر الأقوال المخالفة لذلك.



أعلم» (١).

مُراعاة غَسل المرافغ (٢) عند الاغتسال:
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - إِذا أراد أن يغتسل من الجنابة؛ بدأ بكفَّيه، فغسلهما، ثمَّ غَسَل مرافِغَه، وأفاض عليه الماء، فإِذا أنقاهما؛ أهوى بهما إِلى حائط، ثمَّ يستقبل الوضوء، ويفيض الماء على رأسه» (٣).

-----------------
(١) «الفتح» (١/ ٣٦٠).
(٢) هي أصول المغابن؛ كالآباط والحوالب وغيرهما من مطاوى الأعضاء، وما يجتمع فيه من الوسخ والعرق. «النهاية». والمغابن: مفردها غَبَن، وهي: الإِبط.
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٢٣). قال في «بذْل المجهود» (٢/ ٢٤٣): «فإِذا أنقاهما: أي: الفَرج والمرافغ أو اليدين» (أهوى بهما): أي: أمالها إِلى حائط ليغسلهما بالتراب فيكون أنظف".



مسائل في الاغتسال
النَّهي عن البول في المستحمّ:
عن عبد الله بن مغفَّل -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يبولنَّ أحدُكم في مستحمِّه ثمَّ يغتسل فيه» (١).
«قال علي بن محمد: إِنَّما هذا في الحفيرة، فأمَّا اليوم؛ فلا، فمغتسلاتهم الجِصُّ (٢) والصَّاروج (٣) والقيرُ (٤)، فإِذا بال، فأرسَل عليه الماء؛ فلا بأس به» (٥).
وقال ابن المبارك: وقد وُسِّع في البول في المغتسل إِذا جرى فيه الماء«(٦).

جواز الاغتسال عُريانًا بحيث لا يُرى:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبي - ﷺ -؛ قال:»بينا (٧) أيوب

--------------------
(١) أخرجه أبو داود: ٢٧، و«صحيح سنن أبي داود» (٢٢)، وغيره. وانظر «المشكاة» (٣٥٣).
(٢) الجِص: ما يُبنى به. «معرَّب».
(٣) الصاروج: خليط يستعمل في طلاء الجدران والأحواض. «معرَّب» أيضًا.
(٤) القير والقار: شيء أسود يُطلى به السفن والإبل، أو هما الزِّفت. «المحيط».
(٥) انظر «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٤٦).
(٦) انظر «صحيح سنن الترمذي» (٢٠).
(٧) أصلها بين، وأشبِعت الفتحة.



يغتسل عُريانًا؛ خرَّ عليه رِجل جراد (١) من ذهب، فجعل يحثي في ثوبه، فنادى ربُّه: يا أيُّوب! ألم أكنْ أغنيتك عمَّا ترى؟ قال: بلى يا ربِّ، ولكنْ لا غِنى لي عن برَكَتِكَ» (٢).
وعنه أيضًا عن النّبيّ - ﷺ - قال: «كانت بنو إِسرائيل يغتسلون عُراة، ينظر بعضهم إِلى بعض، وكان موسى يغتسل وحده ...» (٣).

التَّستُّر في الغُسل:
عن أمّ هانئ -رضي الله عنها- قالت: «ذهبتُ إِلى رسول الله - ﷺ - عام الفتح، فوجدتُه يغتسل وفاطمة تسترُه، فقال: من هذه؟ فقلت: أنا أمُّ هانئ» (٤).
وعن ميمونة -رضي الله عنها- قالت: «ستَرْتُ النّبيّ - ﷺ - وهو يغتسل من الجنابة، فغسَل يديه ...» (٥).
وعن أبي السَّمح -رضي الله عنه- قال: «كنتُ أخدُم النّبيّ - ﷺ -، فكان إِذا أراد أن يغتسل؛ قال: وَلِّني! فأوَلِّيه قفايَ، وأنشرُ الثَّوب، فأسترهُ به» (٦).

-----------------
(١) أي: جماعة جراد.
(٢) أخرجه البخاري: ٣٣٩١، وغيره.
(٣) أخرجه البخاري: ٢٧٨، ومسلم: ٣٣٩
(٤) أخرجه البخاري: ٢٨٠، ومسلم: ٣٣٦، وغيرهما.
(٥) أخرجه البخاري: ٢٨١
(٦) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٢)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن
ماجه» (٤٩٧)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢١٨).



وعن يعلى بن أمية -رضي الله عنه-: أنَّ رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا يغتسل بالبَراز (١) بلا إِزار، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمَّ قال - ﷺ -: «إِنَّ الله -عز وجل- حييٌّ سِتير، يُحبُّ الحياء والسَّتر، فإِذا اغتسل أحدكم؛ فليستتر» (٢).

هل يجزئ غُسل عن غُسل إِذا كانا واجبين؟
قال شيخنا: «الذي يتبيَّن لي أنَّه لا يجزئ ذلك، بل لا بدّ من الغسل لكلّ ما يجب الغُسل له غُسلًا على حِدة، فيغُتسل للحيض غسلًا، وللجنابة غُسلًا آخر، أو للجنابة غسلًا، وللجمعة غُسلًا آخر.
لأنَّ هذه الأغسال قد قام الدليل على وجوب كل واحد منها على انفراده، فلا يجوز توحيدها في عمل واحد، ألا ترى أنَّه لوكان عليه قضاء شهر رمضان أنَّه لا يجوز له أن ينوي قضاءه مع صيامه لشهر رمضان أداءً! وهكذا يقال عن الصلاة ونحوها، والتفريق بين هذه العبادات وبين الغسل لا دليل عليه، ومن ادَّعاه؛ فليتفضَّل بالبيان» (٣).
وقال -حفظه الله تعالى (٤) -: «وقد عكس ابن حزم، فاستدلَّ بالحديث على ما ذهَبنا إِليه، فقال بعد أن ذكَر أنَّ من أجنب يوم الجمعة فلا يجزيه إلاَّ

-----------------------
(١) بالفتح الفضاء الواسع، وبالكسر: ثُفل الغذاء، وتقدّم.
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٣٨٧) وغيره، وانظر»المشكاة«(٤٤٧).
(٣)»تمام المنَّة«(١٢٦).
(٤)»تمام المنَّة" (١٢٧ و١٢٨).



غُسلان: غُسل ينوي به الجنابة، وغُسل آخر ينوي به الجمعة ... إِلخ.
قال (٢/ ٤٣): برهان ذلك قول الله تعالى: ﴿وما أُمِروا إِلاَّ ليَعْبُدوا الله مُخْلِصينَ له الدِّينَ﴾ (١)، وقول رسول الله - ﷺ -: «إِنَّما الأعمال بالنيات، ولكلّ امرئ ما نوى» وتقدّم، فصحّ يقينًا أنَّه مأمور بكل غُسل من هذه الأغسال، فإِذْ قد صحّ ذلك؛ فمن الباطل أن يجزئ عملٌ عن عملين أو أكثر، وصحّ يقينًا أنَّه إِنْ نوى أحدٌ ما عليه من ذلك؛ فإِنَّما له بشهادة رسول الله - ﷺ - الصادقة الذي نواه فقط؛ وليس له ما لم ينوه، فإِنْ نوى بعمله ذلك غُسلين فصاعدًا؛ فقد خالف ما أمر به؛ لأنَّه مأمور بغسل تام لكل وجه من الوجوه التي ذكَرنا، فلم يفعل ذلك، والغُسل لا ينقسم، فبطل عمله كلّه؛ لقول رسول الله - ﷺ -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ» (٢).
ثمَّ ذكَر أنَّه ذهب إِلى ما اختاره من عدم الإِجزاء جماعة من السّلف، منهم جابر بن زيد والحسن وقتادة وإِبراهيم النخعي والحكم وطاوس وعطاء وعمرو ابن شعيب والزهري وميمون بن مهران، قال: «وهو قول داود وأصحابنا».
وقد ساق الآثار بذلك عنهم فراجِعْها، ويحسُن أن يلحق بهم أبو قتادة الأنصاري -رضي الله عنه- فقد رَوى الحاكم (١/ ٢٨٢) من طريق يحيى ابن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة قال: دخل عليّ أبي وأنا أغتسل يوم الجمُعة، فقال: غُسلك من جنابة أو للجمعة؟ قال: قلت: من جنابة. قال: أعِد غُسلًا آخر، فإِنّي سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "من اغتسل يوم الجمعة

----------------------
(١) البيّنة: ٥
(٢) أخرجه البخاري: ٢٦٩٧، ومسلم: ١٧١٨



كان في طهارة إِلى الجمعة الأخرى» (١).

الطوف على جميع نسائه بغُسل واحد:
عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «كان النّبيّ - ﷺ - يدور على نسائه في السَّاعة الواحدة من الليل والنَّهار وهنَّ إِحدى عشْرة ...» (٢).
وفي «صحيح مسلم»: (٣٠٩)، عنه بلفظ: «كان يطوف (٣) على نسائه بغُسل واحد».

الاغتسال عند كلّ واحدة غُسلًا:
عن أبي رافع: أنَّ النّبيّ - ﷺ - طاف ذات يوم على نسائه، يغتسل عند هذه وعند هذه. قال: فقلتُ له: يا رسول الله! ألا تجعله غُسلًا واحدًا؟ قال: «هذا أزكى وأطيب وأطهر» (٤).

جواز نوم الجُنُب واستحباب الوضوء له:
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان النّبيُّ - ﷺ - إِذا أراد أن ينام وهو جُنب؛ غَسَل فرجه وتوضّأ للصّلاة» (٥).

--------------------
(١) أخرجه ابن خزيمة وابن حبَّان وغيرهما. وانظره في «الصحيحة» (٢٣٢١)، وتقدّم.
(٢) أخرجه البخاري: ٢٦٨
(٣) وهو كناية عن الجماع كما قال الحافظ وغيره.
(٤) أخرجه أبو داود، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٤٨٠)، وغيرهما.
وانظر «آداب الزفاف» (ص ١٠٧)، وتقدّم.
(٥) أخرجه البخاري: ٢٨٨، ومسلم: ٣٠٥



وعن عبد الله بن أبي قيس؛ قال: سألْتُ عائشة عن وتْرِ رسول الله - ﷺ -؟ (فذكَر الحديث، وفيه):
قلت: كيف كان يصنع في الجنابة؟ أكان يغتسل قبل أن ينام أم ينام قبل أن يغتسل؟
قالت: كلّ ذلك قد كان يفعل، ربَّما اغتسل فنام، وربَّما توضّأ فنام.
قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سَعَة (١).

اغتسال الرجل مع امرأته من إِناء واحد من الجنابة واشتراكهما في ذلك:
لحديث أمّ سلمة: «... وكنتُ أغتسل أنا والنّبيّ - ﷺ - من إِناء واحدٍ من الجنابة» (٢).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كنتُ أغتسل أنا والنّبيّ - ﷺ - من إِناء واحد، تختلف أيدينا فيه» (٣).
وعنها -رضي الله عنها- قالت: «كنتُ أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إِناء بيني وبينه واحد، فيبادرني حتى أقول: دَعْ لي، دَعْ لي. قالت: وهما جُنُبان» (٤).

----------------------
(١) أخرجه مسلم: ٣٠٧، وغيره.
(٢) أخرجه البخاري: ٣٢٢، ومسلم: ٢٩٦، وغيرهما.
(٣) أخرجه البخاري: ٢٦١، ومسلم: ٣٢١، وزاد في آخره: «من الجنابة».
(٤) أخرجه مسلم: ٣٢١



وفي الباب عدّة أحاديث، أكتفي بما ذكَرت.

الاغتسال بفضل المرأة وما جاء في النهي عن ذلك:
عن ابن عبَّاس -رضي الله عنهما-: «أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يغتسل بفضل ميمونة» (١).
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: اغتسل بعض أزواج النّبيّ - ﷺ - في جفنة، فجاء النّبيُّ - ﷺ - ليغتسل أو يتوضّأ، فقالت: يا رسول الله! إِنِّي كنتُ جُنُبًا. فقال: «الماء لا يُجنب» (٢).
وعن حُميد بن عبد الرحمن الحِمْيَري؛ قال: لقيتُ رجلًا صَحِب النّبيّ - ﷺ - كما صحِبه أبو هريرة -رضي الله عنه- أربع سنين؛ قال: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يمتشط أحدُنا كلَّ يوم، أو يبول في مغتسله، أو يغتسل الرَّجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرَّجل، وليغترفا جميعًا» (٣).

--------------------
(١) أخرجه مسلم: ٣٢٣، وهو في «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٩٨) بلفظ: «من الجنابة».
(٢) أخرجه الترمذي وقال: «حديث حسن صحيح»، وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٦١)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٩٦)، وغيرهم، وانظر «الإِرواء» (٢٧).
(٣) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٣٢)، وغيره، وبعضه في سنن أبي داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٣).
قال الحافظ في «الفتح» (١/ ٣٠٠): «رجاله ثقات، ولم أقف لمن أعلّه على حجّة قوية، ودعوى البيهقيّ أنَه في معنى المرسل مردودة؛ لأنَّ إِبهام الصحابي لا يضرّ، وقد صرّح التابعيّ بأنَّه لقيه ...».



وحمَل بعض أهل العلم هذا الحديث وما في معناه على التَّنزيه جمعًا بين الأدلَّة، وإِلى هذا أشار الحافظ في «الفتح» (١).
-----------------
(١) (١/ ٣٠٠)، تحت الحديث (١٩٣).


خُلاصة ميسَّرة لأعمال الغُسل
* غَسل اليدين.
* غَسل القُبُل والدُّبر.
* مَسْح اليدين بالتُّراب، أو غسلهما بالصابون ونحوه، وضرورة غَسل اليدين قبل إِدخالهما الإِناء.
- التوضُّؤ كوضوء الصلاة سوى الرِّجلين، أو غسلهما إِنْ شاء (١).
* تخليل الشعر، وصبّ ثلاث غرف بيديه، والبدء بشقِّ أيمن الرَّأس، ثمَّ الأيسر.
* البدء بالشقِّ الأيمن دائمًا من الجسد، ثمَّ الشقّ الأيسر.
* غَسل الرِّجلين إِن لم يفعل ذلك من قبل.
* تُراعى الأمور الآتية خلال الغسل:
١ - إِفاضة الماء على سائر الجسد والجلد كلِّه.
٢ - الإِقلال في استعمال الماء.
٣ - مراعاة غسل المرافغ (٢) ومطاوى الأعضاء.
٤ - ضرورة الدَّلك للشَّعراني.
٥ - عدم الوضوء بعد الغسل.

---------------------
(١) انظر -إِن شئت- (باب صفة غُسل الجنابة) «تأخير غَسل الرجلين».
(٢) تقدّم معنى المرافغ أنّها أصول المغابن كالآباط والحوالب وغيرها من مطاوى الأعضاء، وما يجتمع فيه من الوسخ والعرق.



التَّيمُّم
تعريفه:
التيمّم لغة: القَصْد، ومنه قوله تعالى: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيْثَ منهُ تُنْفِقُون﴾ (١)، وتقول العرب: تيمّمك الله بحفظه أي: قَصَدَكَ ...
أمّا التيمّم شرْعًا: فهو القصد إِلى الصعيد (٢)؛ بمسح الوجه واليدين بنيّة استباحة الصَّلاة ونحوها (٣).

ثبوت مشروعيته بالكتاب والسنَّة والإِجماع
أمّا في كتاب الله العظيم ففي قوله عز وجل: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (٤).

--------------------
(١) البقرة: ٢٦٧
(٢) قال ابن سفيان وأبو إِسحاق: «الصعيد: ما علا وجه الأرض، وقيل: الأرض، وقيل: الأرض الطيِّبة، وقيل: التراب الطيِّب، والعرب تقول لظاهر الأرض صعيد». وعن الخليل قال: «الصعيد: الأرض؛ قلَّ أو كثُر». انظر «لسان العرب»، و«حِلية الفقهاء» (ص ٥٩).
(٣) قاله في «الفتح» (١/ ٤٣٢) ونقَلَه عن عدد من العلماء.
(٤) النساء: ٤٣



https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif


ابوالوليد المسلم 01-01-2026 05:41 AM

رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
 
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 221الى صــ 235
الحلقة (16)





وأمَّا في السنَّة؛ ففيه أحاديث كثيرة، منها: ما رواه جابر بن عبد الله عن النّبيّ - ﷺ - قال: «أُعطيتُ خمسًا لم يُعطهنَّ أحدٌ قبلي: نُصرتُ بالرُّعب مسيرة شهر، وجُعِلت ليَ الأرض مسجدًا وطهورًا (١)؛ فأيُّما رجلٍ من أمَّتي أدركتْه الصَّلاة فليصلِّ، وأُحلَّت لي المغانم (٢) ولم تحلّ لأحدٍ قبلي، وأُعطيت الشفاعة وكان النّبيّ يُبعث إِلى قومه خاصَّة، وبُعِثْتُ إِلى النَّاسِ عامَّة» (٣).
أمّا الإِجماع، فقد ذكَره ابن قدامة -رحمه الله- في «المُغني» (١/ ٢٣٣) فقال: «وأمَّا الإِجماع؛ فأجمعت الأمَّة على جواز التيمُّم في الجملة».
قال البخاري: «باب التيمُّم في الحضر إِذا لم يجد الماء وخاف فوت الصّلاة، وبه قال عطاء» (٤).

اختصاص أمَّة محمّد - ﷺ - به
لحديث جابر السابق: «أُعطيتُ خمسًا لم يعطهنَّ أحد قبلي» منها:

----------------
(١) وجُعلت ليَ الأرضُ مسجدًا؛ أي: موضع السجود؛ لا يختص السجود منها بموضع دون غيره، ويمكن أن يكون مجازًا عن المكان المبنيّ للصلاة، وهو من مجاز التشبيه؛ لأنَّه لمّا جازت الصلاة في جميعها؛ كانت كالمسجد في ذلك. «فتح».
جاء في «الفتح»: «ويستفاد من قوله - ﷺ -:»وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا«؛ أنّ الأصل في الأرض الطهارة، وأنَّ صحة الصلاة لا تختصّ بالمسجد المبنيّ لذلك».
(٢) وفي بعض الروايات الغنائم، ومعناهما واحد.
(٣) أخرجه البخاري: ٣٣٥، ٤٣٨، ٣١٢٢، وهذا لفظه، ومسلم: ٥٢١، وغيرهما.
(٤) «الفتح» (١/ ٤٤١)، وقال الحافظ: «وقد وصله عبد الرزاق من وجه صحيح، وابن أبي شيبة من وجه آخر ...».


«وجُعلَت لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا».
قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (٢١/ ٣٤٧): «وهذا التيمُّم المأمور به في الآية؛ هو من خصائص المسلمين، وممَّا فضَّلهم الله به على غيرهم من الأمم، ففي»الصحيحين«؛ عن جابر بن عبد الله أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال:»أُعطيتُ خمسًا ... «وذكر الحديث.

سبب مشروعيَّته
عن عائشة -رضي الله عنها- أنَّها استعارت من أسماءَ قِلادةً فهلكت، فبعث رسول الله - ﷺ - رجلًا فوجدها، فأدركتهم الصّلاة وليس معهم ماء، فصلَّوا، فشكَوا ذلك إِلى رسول الله - ﷺ -، فأنزلَ الله آية التيمُّم، فقال أسيد بن حُضَير لعائشة جزاكِ الله خيرًا؛ فوالله ما نَزل بك أمر تكرهينه؛ إلاَّ جعل الله ذلك لكِ وللمسلمين فيه خيرًا» (١).

كيفيَّة التيمُّم
١ - النيَّة: ومحلّها القلب؛ كما تقدَّم في الوضوء والغُسل.
٢ - التسمية.
٣ - ضرب الكفَّين بالصعيد الطاهر، ثمَّ ينفخ فيهما، أو ينفضهما لتخفيف التُّراب -إِن وُجد- ثمَّ يمسح بهما الوجه والكفَّين؛ كما في حديث عمَّار بن ياسر -رضي الله عنه-: "... إِنَّما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض،

-------------------
(١) أخرجه البخاري: ٣٣٤ و٣٣٦ ومواضع أُخرى، ومسلم: ٣٦٧، وغيرهما.


ثمَّ تنفُخ (١)، ثمَّ تمسح بهما وجهك وكفَّيك» (٢).
وموضع المسح هو الموضع الذي يُقطع منه السارق.
قال ابن قدامة -رحمه الله- في «المغني» (١/ ٢٥٨): «ويجب مسْح اليدين إِلى الموضع الذي يُقطع منه السارق، أومأ أحمد إِلى هذا لما سُئل عن التيمُّم؛ فأومأ إِلى كفَّيه ولم يجاوز، وقال: قال الله تعالى: ﴿والسَّارقُ والسَّارِقةُ فَاقْطَعوا أَيْديَهُمَا﴾ (٣)، من أين تقطع يد السارق؟ أليس من هاهنا، وأشار إِلى الرسغ، وقد روينا عن ابن عبَّاس نحو هذا».
٤ - ملاحظة الاكتفاء بضربة واحدة لقوله - ﷺ -: «التيمُّم ضربة للوجه والكفَّين» (٤).

--------------------
(١) وفي بعض الروايات عند البخاري (٣٤٧) وغيره: «ثمَّ نفضهما».
وسألْت شيخنا -حفظه الله- إِن كان المراد من النفخ أو النفض الإقلال من التراب فيعمل بأيِّهما، فقال: «هو كذلك»، ثمَّ قال: «وقد لا يلزم أيٌّ منهما لعدم وجود التراب».
(٢) أخرجه البخاري: ٣٣٨، ومسلم: ٣٦٨، وغيرهما.
(٣) المائدة: ٣٨
(٤) أخرجه أحمد، وابن خزيمة في «صحيحه»، وأبو داود، والترمذي، وقال: «حديث حسن صحيح»، وغيرهم، ومعناه في «الصحيحين»؛ كما في حديث عمّار السابق. وانظر «الإِرواء» (١٦١)، و«الصحيحة» (٦٩٤).



نواقض التيمُّم
١ - ينقض التيمُّم كلَّ ما ينقض الوضوء، لأنَّه يقوم مقامه (١).
قال الحسن: «يُجزئه التيمُّم ما لم يُحدِث» (٢).
قال ابن حزم في «المحلّى» (مسألة ٣٣٣): «كلُّ حدث ينقض الوضوء؛ فإِنه ينقض التيمُّم، هذا ما لا خلاف فيه من أحد من أهل الإِسلام».
٢ - وجود الماء لقوله - ﷺ -: «إِنَّ الصعيد الطيِّب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإِذا وجد الماء فليمِسَّه بشرته؛ فإِنَّ ذلك هو خير» (٣).
(وفي رواية: طهور المسلم).
قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (مسألة ٢٣٤): «وينقض التيمّم أيضًا وجود الماء، سواء وَجَده في صلاة (٤) أو بعد أن صلّى، أو قبل أن

-------------------
(١) انظر (باب: هل التيمُّم يقوم مقام الماء؟)
(٢) ذكره البخاري معلَّقًا، وذكر الحافظ في»الفتح«(١/ ٤٤٦) وَصْل عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وحمّاد بن سلمة له، وصحّح شيخنا إِسناده في»مختصر البخارى«(١/ ٩٦).
(٣) أخرجه أحمد في»مسنده«، والترمذي وقال:»حديث حسن صحيح«، وهو في»صحيح سنن الترمذي«(١٠٧)، و»صحيح سنن أبي داود«(٣٢١)، وغيرهم، وصححه ابن حبان، والدارقطني، وأبو حاتم، والحاكم، والذهبي، والنووي، وشيخنا في»الإرواء«(١٥٣).
(٤) قال شيخنا -حفظه الله-:»فإِذا وجد الماء فليُمسَّه بشرته، تشمل من كان في الصلاة أيضًا".



يصلي ...».
قال في «المغني» (١/ ٢٧٠): وإِذا وجد المتيمّم الماء وهو في الصلاة؛ خرج فتوضّأ أو اغتسل إِن كانْ جُنُبًا واستقبل الصلاة.
قال: وبهذا قال الثوري وأبو حنيفة وقال مالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر ... وقال أيضًا: «ولنا قوله عليه السلام:»الصعيد الطيّب وضوء المسلم، وإنْ لم يجد الماء عشر سنين، فإِذا وجدت الماء فأمسَّه جلدك«. أخرجه أبو داود والنسائي؛ دلَّ بمفهومه على أنَّه لا يكون طهورًا عند وجود الماء، وبمنطوقه على وجوب إِمساسه جلده عند وجوده، لأنَّه قدِرَ على استعمال الماء؛ فبطل تيمُّمه كالخارج من الصلاة، ولأنَّ التيمُّم طهارة ضرورة، فبطلت بزوال الضرورة ...».

ما يُتيمَّم به وعدم اشتراط التراب:
قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (١).
قال شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى-: وقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، نكرة في سياق الإِثبات، كقوله: ﴿إِنَّ الله يأمُرُكمْ أن تذْبَحوا بقَرَةً﴾ (٢)، وقوله: ﴿فَتحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٣)، وقوله: ﴿فصِيَامُ ثلاثَة أيَّامٍ في

--------------------
(١) النساء: ٤٣
(٢) البقرة: ٦٧
(٣) النساء: ٩٢



الحَجِّ وسَبْعَةٍ إِذا رَجعْتُم﴾ (١)، وقوله: ﴿فَمَنْ لم يجِدْ فَصيامُ ثلاثَةِ أيامٍ﴾ (٢)، وهذه تسمّى مطلقة، وهي تفيد العموم على سبيل البدل لا على سبيل الجمع، فيدلّ ذلك على أنّه يتيمّم أيّ صعيد طيّب اتفق، والطيِّب هو الطاهر، والتُّراب الذي ينبعث مراد من النصّ بالإِجماع، وفيما سواه نزاع سنذكره إِن شاء الله تعالى (٣).
قال يحيى بن سعيد: «لا بأس بالصلاة على السَّبْخة (٤) والتيمّم بها» (٥).
وفي حديث عائشة الطويل: «... قد أُريت دار هجرتكم رأيت سَبْخةً ذات نخْل بين لابتين وهما الحرَّتان» (٦).
قال ابن خزيمة عقب الحديث السابق في «صحيحه» (١/ ١٣٤): «ففي قول النّبيّ - ﷺ - أُريت سبْخة ذات نخل بين لابتين؛ وإعلامه إِيَّاهم أنها دار هجرتهم -وجميع المدينة، كانت هجرتهم- دلالة على أنَّ جميع المدينة سبخة، ولو كان التيمُّم غير جائز بالسّبخة وكانت السَّبخة على ما توهَّم بعض أهل عصرنا، أنَّه من البلد الخبيث، بقوله: ﴿والذي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا﴾، لكان قول هذه المقالة أنَّ أرض المدينة خبيثة لا طيِّبة، وهذا قول بعض أهل العناد لمَّا ذمَّ أهل المدينة، فقال: إِنها خبيثة فاعلم أنَّ النّبيّ - ﷺ -

---------------
(١) البقرة: ١٩٦
(٢) المائدة: ٨٩
(٣)»الفتاوى" (٢١/ ٣٤٨).
(٤) بتسكين الباء، وفي بعض النسخ بفتحها. هي الأرض المالحة لا تكاد تُنبت.
(٥) أخرجه البخاري معلّقًا بصيغة الجزم ولم يخرجه الحافظ.
(٦) أخرجه البخاري: ٢٢٩٧، والحرّة: الأرض ذات الحجارة السُّود.



سمّاها طيبة -أو طابة- فالأرض: السبخة هي طيبة على ما أخبر النّبيّ - ﷺ - أن المدينة طيبة، وإِذا كانت طيبة وهي سبخة؛ فالله عز وجل قد أمر بالتيمّم بالصعيد الطيب في نصِّ كتابه، والنّبيّ - ﷺ - قد أعلم أن المدينة طيبة -أو طابة- مع إِعلامهم إِياهم أنها سبخة، وفي هذا ما بان وثبت أنَّ التيمُّم بالسباخ جائز».
أمَّا تسمية طابة؛ فقد وردت في البخاري (١٨٧٢) كما في حديث أبي حُميد -رضي الله عنه- قال: «أقبَلنْا مع النّبيّ - ﷺ - من تبوك؛ حتى أشرَفْنا على المدينة فقال: هذه طابة».
وروى مسلم (١٣٨٥) وغيره عن جابر بن سمرة وقد قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «إِنَّ الله تعالى سمّى المدينة طابة».
وأما تسمية طَيْبَة؛ فقد ثبتت في «صحيح مسلم» (١٣٨٤) أيضًا عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِنها طَيْبَة (يعني: المدينة) وإِنِّها تنفي الخبث كما تنفي النّار خَبث الفضة».
قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (٢١/ ٣٦٤): «وأمّا الصعيد ففيه أقوال؛ فقيل: يجوز التيمُّم بكلِّ ما كان من جنس الأرض، وإِن لم يعلَق بيده، كالزرنيخ (١)، والنُّورة (٢)، والجصّ (٣)، وكالصخرة الملساء، فأمّا ما لم يكن من جنسها كالمعادن فلا يجوز التيمُّم به، وهو قول أبي حنيفة،

----------------
(١) في»المحيط«: حَجَر معروف، منه أبيض وأحمر وأصفر.
(٢) في»الوسيط«: حجر الكلس.
(٣) الجَصّ: ما يُبنى به وهو معرّب.»مختار الصحاح".



ومحمّد يوافقه، لكن بشرط أن يكون مُغبرًا؛ لقوله: (منه) (١).
وقيل: يجوز بالأرض، وبما اتّصل بها حتى بالشَّجر، كما يجوز عنده وعند أبي حنيفة بالحجر والمدر (٢)، وهو قول مالك، ...
وقيل: لا يجوز إلاَّ بتراب طاهر، له غبار يعلق باليد، وهو قول أبي يوسف والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى.
واحتج هؤلاء بقوله: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيدِيكم منه﴾، وهذا لا يكون إلاَّ فيما يعلق بالوجه واليد، والصَّخر لا يعلق لا بالوجه ولا باليد، واحتجُّوا بقول النّبيّ - ﷺ -: «جُعلت لي الأرض مسجدًا، وجُعلت تربتها طَهورًا». قالوا: فعمَّ الأرض بحُكم المسجد، وخصّ تربتها -وهو ترابها- بحُكم الطهارة.
واحتجّ الأولون بقوله تعالى: ﴿صعيدًا﴾، قالوا: والصَّعيد هو الصَّاعد على وجه الأرضِ، وهذا يعمُّ كلَّ صاعد؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وإِنَّما لجاعِلُون ما عليها صعِيداَ جُرُزًا﴾ (٣)، وقوله: ﴿فَتُصبحَ صعيدًا زلقًا﴾ (٤).
واحتجّ من لم يخصّ الحكم بالتراب بأنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: «جُعلت لي

-------------------
(١) قال شيخنا -حفظه الله-:»... وهذه الآية ينبغي أن تُفهم من خلال السُّنَّة كما قال تعالى: ﴿وأَنْزَلْنا إِليك الذِّكرَ لِتُبيِّنَ للنَّاسِ ما نزَلَ إِليهم﴾ النحل: ٤٤، فالدّم حرام في كتاب الله وكذلك الميتة، وبيّن النّبيّ - ﷺ - ما لم يحرم من ذلك، فلا بدَّ من ضمّ السُّنّة للقرآن؛ لتكون النتيجة صحيحة وكاملة«.
(٢) أي: الطين المتماسك.»النهاية".
(٣) الكهف: ٨
(٤) الكهف: ٤٠



الأرض مسجدًا وطَهورًا؛ فأيّما رجل من أمّتي أدركتْهُ الصلاة فليصلِّ»، وفي رواية: «فعنده مسجده وطَهوره». فهذا يُبيِّن أنّ المسلم في أيّ موضع كان عنده مسجده وطهوره.
ومعلوم أنَّ كثيرًا من الأرض ليس فيها تراب حرث، فإِن لم يجُز التيمُّم بالرّمل؛ كان مخالفًا لهذا الحديث، وهذه حجة من جوَّز التيمُّم بالرمل دون غيره، أو قرن بذلك السّبخة؛ فإِنَّ من الأرض ما يكون سبخة، واختلاف التُّراب بذلك كاختلافه بالألوان؛ بدليل قول النّبيّ - ﷺ -:
«إِنَّ الله خلق آدم من قبضة قبَضَها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض؛ جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود، وبين ذلك، والسّهل والحزَن، والخبيث والطيب» (١).
وآدم إِنّما خُلق من تراب، والتُّراب الطيب والخبيث، الذي يخرج بإِذن ربّه، والذي خبُث لا يخرج إلاَّ نكدا، لا يجوز التيمُّم به فعُلم أنَّ المراد بالطيِّب الطاهر، وهذا بخلاف الأحجار والأشجار؛ فإِنها ليست من جنس التراب، ولا تعلق باليد، بخلاف الزرنيخ والنورة، فإِنها معادن في الأرض، لكنها لا تنطبع كما ينطبع الذهب والفضة والرصاص والنحاس«. اهـ.
قال ابن القيم -رحمه الله- في»زاد المعاد«(١/ ٢٠٠) في هديه في التيمُّم:»وكذلك كان يتيمّم بالأرض التي يصلَّي عليها؛ ترابًا كانت أو سبخة أو رملًا، وصحَّ عنه أنه قال: «حيثما أدْركَتْ رجلًا من أمتي الصلاة فعنده

-------------------
(١) أخرجه ابن سعد في»الطبقات«، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وغيرهم كما في»الصحيحة" (١٦٣٠) والنص الذي ذكره شيخ الاِسلام -رحمه الله- نحوه.


مسجدُه وطَهوره«(١).
وهذا نصٌّ صريح في أنّ من أدركته الصلاة في الرّمل؛ فالرمل لى طهور، ولمّا سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك، قطعوا تلك الرّمال في طريقهم وماؤهم في غاية القلَّة، ولم يُروَ عنه أنَّه حملَ معه التراب، ولا أمر به، ولا فعله أحد من أصحابه، مع القطع بأنَّ في المفاوز الرمال أكثر من التراب، وكذلك أرض الحجاز وغيره، ومن تدبَّر هذا؛ قطع بأنَّه يتيمّم بالرمل، والله أعلم، وهذا قول الجمهور».
قال في «نيل الأوطار» (١/ ٣٢٨): «ويؤيد حمْل الصعيد على العموم تيمّمه - ﷺ - من الحائط ...».
وقال أيضًا: «قال ابن دقيق العيد:»ومن خصّص التيمُّم بالتراب، يحتاج إِلى أن يقيم دليلًا يخص به هذا العموم (٢) ... «(٣).
وسألتُ شيخنا -حفظه الله- عن اشتراط بعض العلماء الغبار والتراب في التيمُّم فقال:
»إِنَّ الغبار ليس من شروط الصعيد، والصعيد هو وجه الأرض، فيشمل الصخرة والرمل والتراب.
والصخرة التي هطلت عليها الأمطار فلا غبار عليها، فهل حين التيمُّم بها

----------------------
(١) أخرجه أحمد وإسناده حسن، وله شواهد عديدة ذكرها شيخنا في «الإرواء» (٢٨٥).
(٢) أي: عموم حديث: «فأينما أدركَت رجلًا من أمّتي الصلاة ...»
(٣) «نيل الأوطار» (١/ ٣٢٩).



حقَّق قوله تعالى: ﴿فتيمَّموا صَعِيدًا طيِّبًا﴾ (١) أم لا؟
وكذلك الأرض الرملية سواء مُطرت أم لم تُمطر؛ عند الضرب فلا غبار عليها، فهذا تكليف بما لا يُطاق.
ثمَّ ذكر سفر النّبيّ - ﷺ - من المدينة إِلى تبوك وأكثرها رملية، ولم يصطحب عليه الصلاة السلام معه ترابًا عند سفره.
ومن اشترط التراب فقد أوجب على المسافرين الذين يجتازون تلك المناطق؛ أن يصطحبوا معهم التراب.
وهذا يتناسب مع قاعدة: «يسِّروا ولا تعسِّروا»؛ وهو المُطابق لمزيَّة ما خَصَّه الله تعالى للنّبيّ - ﷺ - في قوله: «أعطيت خمسًا لم يعطهنَّ أحد قبلي: نُصرت بالرُّعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجلٍ من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ ...» (٢). فإِذا أدركته في الرِّمال فهل يبحث عن الغُبار؟ واشتراط خروج شيء من الممسوح غير وارد" (٣). وخلاصة القول: يجوز التيمُّم بالصعيد الطيّب سواء كان له غبار أم لا، وسواء كان ترابًا أم لا، كما يجوز التيمُّم بالسبخة والرمال والجدار والصخرة الملساء ونحو ذلك، والله أعلم.

من يستباح له التيمُّم:
يُستباح التيمُّم لمن أحدث حدثًا أصغر أو أكبر، سواء كان في سفر أو

--------------------
(١) النساء: ٤٣
(٢) تقدّم.
(٣) كذا قاله شيخنا -حفظه الله تعالى- بمعناه.



حضر، للأسباب الآتية:
١ - إِذا لم يجد الماء، لقوله تعالى: ﴿... فَلَمْ تَجِدوا مَاءً فَتَيَمَّموا صَعِيدًا طيبًا﴾ (١).
ولحديث عمران بن حصين «أنَّ رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا معتزلًا لم يُصلِّ في القوم، فقال: يا فلان! ما منَعك أن تصلي في القوم، فقال: يا رسول الله! أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فإِنَّه يكفيك» (٢).
ولحديث أبي ذر -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِنَّ الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإِن لم يجد الماء عشر سنين، فإِذا وجد الماء فليُمسّه بشره (٣) فإِنَّ ذلك خير» (٤).
ويدخل في معنى عدم وجود الماء؛ بُعده أو وجوده في بئر عميقة، أو صعوبة استخراجه لفقد الحبل أو الدلو، أو وجود حيوان مفترس عنده أو عدوّ آدمي؛ بحيث يتعذَّر الانتفاع به أو إِذا احتاجه لشُرب (٥) أو لعجن، أو طبخ«أو

---------------------
(١) النساء: ٤٣
(٢) أخرجه البخاري: ٣٤٨، ومسلم: ٦٨٢ نحوه.
(٣) في بعض كتب الحديث بشرته، والمعنى واحد، قال في»مختار الصحاح«: البشرة، والبشر: ظاهر جلد الإنسان.
(٤) أخرجه أحمد، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١٠٧)، وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٢١)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٣١١)، وانظر»المشكاة«(٥٣٠)، و»الإِرواء«(١٥٣)، وتقدّم.
(٥) قال ابن حزم في»المحلى" (مسألة ٢٤٢): ومن كان معه ماءٌ يسير يكفيه =



إِزالة نجاسة.
قال الحسن في المريض عنده الماء ولا يجد من يُناوله: «يتيمّم» (١).
جاء في «المغني» (١/ ٢٣٨): «ومن حال بينه وبين الماء سبع أو عدو أو حريق أو لص فهو كالعادم، ولو كان الماء بمجمع الفساق، تخاف المرأة على نفسها منهم فهي عادمة ...».
وفيه أيضًا (١/ ٢٣٩): «ومن كان مريضًا لا يقدر على الحركة ولا يجد من يناوله الماء، فهو كالعادم ...».
قال في «الدراري» (١/ ٨٥): «فإِنَّ من تعذّر عليه استعمال الماء فهو عادم للماء، إِذ ليس المراد الوجود الذي لا ينفع؛ فمن كان يشاهد ماءً في قعر بئر يتعذّر عليه الوصول إِليه بوجه من الوجوه؛ فهو عادم.
٢ - إِذا خشي الضرر من استعمال الماء؛ لمرض أو جرح أو شدَّة برودة، وكان عاجزًا عن تسخينه؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللهَ كان بكم رحيمًا﴾ (٢).
وعن جابر قال:»خرجنا في سفر؛ فأصاب رجلًا منّا حجر، فشجّه في رأسه، ثمَّ احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمُّم؟

------------------
= لشربه فقط؛ ففرْضه التيمُّم، لقوله الله تعالى: ﴿ولا تقتُلُوا أَنْفسكُم﴾ [النساء: ٢٩]
(١) أورده البخاري معلّقًا بصيغة الجزم، ووصَله إِسماعيل القاضي في «الأحكام» من وجه صحيح كما ذكر الحافظ في «الفتح» (١/ ٤٤١).
(٢) النساء: ٢٩



فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلمّا قدِمنا على النّبيّ - ﷺ - أُخبر بذلك فقال: قتلوه قتَلهم الله، ألا سألوا إِذ لم يعلموا؛ فإِنّما شفاء العِيّ السؤال» (١).
وعن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- قال: احتلمتُ في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفَقتُ إِن اغتسلتُ أن أهلِك، فتيمَّمْتُ، ثمَّ صلّيت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنّبيّ - ﷺ - فقال: «يا عمرو! صلّيت بأصحابك وأنت جُنُب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إِني سمعت الله يقول: ﴿ولا تقتلوا أنْفُسَكم إِنَّ اللهَ كان بكم رحيمًا﴾.
فضحك رسول الله - ﷺ - ولم يقل شيئًا» (٢).
وفي رواية: «فغسَل مغابنه وتوضّأ وضوءه للصلاة، ثمَّ صلّى بهم، فذكر نحوه ...» (٣).

-------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٢٥)، وابن ماجه، والدارقطنيّ، وصححه ابن السكن كما في «الدراري المضية» (١/ ٨٢١)، و«المشكاة» (٥٣١).
وقال شيخنا في «تمام المنة» (١٣١): «هذا الحديث ضعَّفه البيهقي والعسقلاني وغيرهما، لكن له شاهد من حديث ابن عباس يرتقي به إِلى درجة الحسن ...».
(٢) أخرجه أحمد، وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٢٣)، والدارقطنيّ، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه النووي أيضًا وغيرهم، وعلّقه البخاري (١/ ٩٥)، وقواه الحافظ ابن حجر كما في «الفتح» (١/ ٤٥٤)، وصححه شيخنا وذكر أنه على شرط مسلم، وانظر «الإِرواء» (١٥٤).
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٢٤)، والدارقطني وغيرهما، وانظر «الإِرواء» (١٥٤).



وقال البخاري: (باب إِذا خاف الجُنُب على نفسه المرض أو الموت أو خاف العطش يتيمّم). وأورد حديث عمرو بن العاص مُعلّقًا بصيغة التمريض.

هل يتيمّم من خاف فوت الرفقة؟
أجاز ذلك ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (٢/ ١٦٥) (المسألة ٢٢٩) وغيره.
وسألت شيخنا -حفظه الله تعالى- عن ذلك فقال: «إِنَّ خوف فَوْت الرفقة مسألة مطاطة، فربما فوت الرفقة عرَّض للهلاك، فله أن يتيمّم، وربما لم يؤدِّ ذلك إِلى ضرر، وإِنّما هو مجرّد فقْد الصحبة، فقد يكون خوف فوت الصحبة عذرًا وقد لا يكون، والشخص نفسه هو الذي يقدّر ذلك لا المفتي».

التيمُّم لردِّ السلام في الحضر أو السفر بوجود الماء:
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: أقبلتُ أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النّبيّ - ﷺ - حتى دخَلنا على أبي جُهيم بن الحارث بن الصِّمّة الأنصاري، فقال أبو الجُهيم: «أقبَل النّبيّ - ﷺ - من نحو بئر جَمَل (١) فلقيه رجل فسلَّم عليه، فلم يردّ عليه النّبيّ - ﷺ - حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثمَّ ردَّ عليه السلام» (٢).
قال ابن خزيمة (١/ ١٣٩) في «صحيحه» -عقب الحديث السابق-:

-------------------
(١) موضع معروف في المدينة.
(٢) أخرجه البخاري: ٣٣٧، ومسلم: ٣٦٩، وغيرهما.



https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif


ابوالوليد المسلم 01-01-2026 05:46 AM

رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
 
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 236الى صــ 250
الحلقة (17)





(باب استحباب التيمُّم في الحضر لرد السلام وإِن كان الماء موجودًا).
تيمّم المريض:
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١).
ويتيمّم المريض إِذا وجدَ مشقَّة أو حرجًا في الوضوء بالماء أو الغسل به، أو خشي زيادة علة أو مرض.
وتقدّم قول الحسن في المريض عنده الماء ولا يجد من يُناوله: «يتيمّم» (٢).
قال ابن حزم في «المحلى» (٢/ ١٥٨) (مسألة ٢٢٤): «لا يتيمّم من المرضى إِلا من لا يجد الماء، أو من عليه مشقَّة وحرج في الوضوء بالماء، أو في الغسل به، أو المسافر الذي لا يجد الماء الذي يقدر على الوضوء به أو الغسل به». ثمَّ ذكر الآية السابقة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «الفتاوى» (٢١/ ٣٩٩): «والذي عليه الجمهور: أنَّه لا يُشترط فيه خوف الهلاك؛ بل من كان الوضوء يزيد مرضه، أو

-----------------
(١) المائدة: ٦
(٢) أورده البخاري معلقًا، ووصله إِسماعيل القاضي في»الأحكام«من وجه صحيح، وروى ابن أبي شيبة من وجه آخر عن الحسن وابن سيرين قالا:»لا يتيمّم ما رجا أن يقدر على الماء في الوقت، ومفهومه يوافق ما قبله«.»الفتح" (١/ ٤٤١)، وتقدّم.


يؤخر برْأه يتيمّم، وكذلك في الصيام والإِحرام، ومن يتضرَّر بالماء لبرد؛ فهو كالمريض عند الجمهور».

تيمُّم المسافر:
قال الله تعالى: ﴿وإِن كنتم مَرْضَى أو على سَفَرٍ أو جَاء أحَدٌ منْكُم مِنَ الغائِطِ أو لامَسْتُمِ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدوا مَاءً فَتَيَمَّموا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (١).
قال ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٢٨): «أجمع كلّ من أحفظ عنه من أهل العلم؛ على أن المسافر إِذا خشي على نفسه العطش ومعه مقدار ما يتطهَّر به من الماء؛ أنَّه يُبقي ماءَه للشرب ويتيمّم.
رويَ هذا القول عن علي وابن عباس والحسن ومجاهد وعطاء وطاوس وقتادة والضحاك».
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في «الفتاوى» (٢١/ ٣٥٠): «اتفق المسلمون على أنّه إِذا لم يجد الماء في السفر تيمّم وصلَّى إِلى أن يجد الماء، فإِذا وجد الماء فعليه استعماله.
وكذلك يتيمّم الجنب، ذهب الأئمة الأربعة وجماهير السلف والخلف؛ إِلى أنَّه يتيمّم إِذا عدم الماء في السفر إِلى أن يجد الماء، فإِذا وجده كان عليه استعماله».
وقال -رحمه الله-: «والمسافر إنّما يتيمّم إِذا لم يجد الماء» (٢).

--------------
(١) النساء: ٤٣
(٢) «الفتاوى» (٢١/ ٣٩٨).



وقال -رحمه الله- أيضًا: «كما أن المسافر قد لا يكون معه إِلا ما يكفيه لشربه وشرب دوابِّه، فهذا عند الجمهور عادم للماء فيتيمّم» (١).

تيمّم الجُنُب:
قال اللهعز وجل-: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٢).
وعن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال: «جاء رجل إِلى عمر بن الخطَّاب فقال: إِني أجنبتُ فلم أصب الماء، فقال عمّار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكرُ أنَّا كنّا في سفر أنا وأنت، فأمّا أنت فلم تُصلِّ، وأمَّا أنا فتمعَّكْتُ (٣) فصلّيتُ، فذكرتُ للنّبيّ - ﷺ - فقال النبيّ - ﷺ -:»كان يكفيك هذا«فضرب النّبيّ - ﷺ - بكفيه الأرض ونفخ (٤)، فيهما، ثمَّ مسح بهما وجهه وكفَّيه» (٥).

-----------------
(١) «الفتاوى» (٢١/ ٣٩٩).
(٢) النساء: ٤٣
(٣) أي: تمرَّغْت، وجاءت هذه في إِحدى روايات البخاري: ٣٤٧، ومسلم: ٣٦٨، وكأنَّ عمَّار استعمل القياس في هذه المسألة، لأنَّه لما رأى أن التيمُّم إِذا وقع بدل الوضوء على هيئة الوضوء؛ رأى أنَّ التيمُّم عن الغُسل يقع على هيئة الغُسل. «الفتح».
ويُستفاد من هذا الحديث: وقوع اجتهاد الصحابة في زمن النّبي - ﷺ -، وأن المجتهد لا لوم عليه إِذا بذل وُسعه وِإن لم يصب الحق، وأنَه إِذا عمل بالاجتهاد لا تجب عليه الإِعادة. «الفتح» أيضًا.
(٤) استدلَّ بالنفخ على استحباب تخفيف التراب. «فتح».
(٥) أخرجه البخاري: ٣٣٨، ومسلم: ٣٦٨



قال شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى-:»وقد ثبت تيمُّم الجنب في أحاديث صحاح وحِسَان كحديث عمَّار بن ياسر -رضي الله عنه- وهو في «الصحيحين»، وحديث عمران بن حصين -رضي الله عنه- وهو في البخاري، وحديث أبي ذر وعمرو بن العاص وصاحب الشجَّة -رضي الله عنهم- وهو في «السنن» ... «(١).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:»ويتيمّم الجُنُب والحائض، وكلّ من عليه غُسل واجب؛ كما يتيمّم المُحدِث ولا فرق«(٢).
وقال ابن قدامة -رحمه الله- عن تيمّم الجُنُب:»... وهو قول جمهور العلماء: منهم علي وابن عباس وعمرو بن العاص وأبو موسى وعمّار، وبه قال الثوري ومالك والشافعي وأبو ثور وإسحاق وابن المنذر وأصحاب الرأي ... «(٣).

هل التيمُّم إِلى المناكب والآباط صحيح؟
قال إِسحاق بن إِبراهيم بن مخلد الحنظليّ:»حديث عمّار في التيمُّم
للوجه والكفين: هو حديث حسن صحيح، وحديث عمّار: تيمّمنا مع النّبيّ - ﷺ - إِلى المناكب والآباط؛ ليس هو بمخالف لحديث الوجه والكفين، لأنَّ عمّارًا لم يذكر أنَّ النّبيّ - ﷺ - أمَرهم بذلك، وِإنّما قال: فعلْنا كذا وكذا. فلما سأل النّبيّ - ﷺ - أمَره بالوجه والكفين، فانتهى إِلى ما علّمه رسول الله - ﷺ -: «الوجه والكفين».

-------------------
(١) «الفتاوى» (٢١/ ٤٠٠).
(٢) «المحلى» (المسألة ٢٤٩).
(٣) «المغني» (١/ ٢٦١).



والدليل على ذلك: ما أفتى به عمّار بعد النّبيّ - ﷺ - في التيمُّم أنَّه قال: «الوجه والكفين» ففي هذا دلالة على أنَّه انتهى إِلى ما علمه النّبيّ - ﷺ - فعلَّمه إِلى «الوجه والكفين» (١).

التيمُّم ضربة أم ضربتان؟
قد تقدّم حديث عمّار -رضي الله عنه-: «التيمُّم ضربة للوجه والكفَّين» وما في معناه، وفيه إِفادة الاقتصار على الضربة الواحدة للوجه والكفين.
قال في «الدراري المضَيَّة» (١/ ٨٥): «وقد ذهب إِلى كون التيمُّم ضربة واحدة للوجه والكفين الجمهور ...».
قال شيخنا في «الإِرواء» (١/ ١٨٥): «واعلم أنّه قد روي هذا الحديث (٢) عن عمّار بلفظ ضربتين؛ كما وقع في بعض طُرقه، وكل ذلك معلول لا يصحّ.
قال الحافظ في»التلخيص«(ص٥٦): وقال ابن عبد البر: أكثر الآثار المرفوعة عن عمّار ضربة واحدة، وما روي عنه من ضربتين فكلها مضطربة، وقد جمع البيهقي طُرق حديث عمَّار فأبلغ».
ثمَّ قال شيخنا: «وفي الضربتين أحاديث أخرى، وهي معلولة أيضًا كما بيّنه الحافظ في»التلخيص«وحقَّقْتُ القول على بعضها في»ضعيف سنن أبي داود«(٥٨ و٥٩)» (٣).

------------------
(١) «سنن الترمذي» (باب التيمُّم).
(٢) أي حديث عمّار: «التيمّم ضربة للوجه والكفين».
(٣) «الإِرواء» (١/ ١٨٦).



هل التيمُّم يقوم مقام الماء؟
قال شيخ الإِسلام في «الفتاوى» (٢١/ ٣٥٢): «وتنازعوا هل يقوم (١) مقام الماء، فيتيمّم قبل الوقت، كما يتوضّأ قبل الوقت، ويصلّي به ما شاء من فروض ونوافل، كما يصلّي بالماء، ولا يبطل بخروج الوقت، كما لا يبطل الوضوء؟
على قولين مشهورين، وهو نزاع عمليّ ...».
وقال -رحمه الله تعالى-: «وهذا القول هو الصحيح (٢)، وعليه يدّل الكتابُ والسنّة والاعتبار؛ فإِن الله جعَل التيمُّم مُطهِّرًا؛ كما جعَل الماء مطهِّرًا، فقال تعالى: ﴿... فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ (٣) فأخبر تعالى أنَّه يريد أن يُطهِّرنا بالتراب؛ كما يطهِّرنا بالماء» (٤).
وقال -رحمه الله-: «ولنا أنّه قد ثبت بالكتاب والسنّة أنَّ التراب طهور، كما أنَّ الماء طهور، وقد قال النّبيّ - ﷺ -:»الصَّعيد الطيِّب طهور المسلم، ولو لم يجد الماء عشر سنين، فإِذا وجدت الماء فأمِسّه بشرتك، فإِن ذلك خير«(٥). فجعله مطهِّرًا عند عدم الماء مطلقًا، فدلَّ على أنَّه مطهّر للمتيمّم،

-------------------
(١) أي: التيمُّم.
(٢) أي: أنَّ التيمّم يقوم مقام الماء.
(٣) المائدة: ٦
(٤)»الفتاوى" (٢١/ ٤٣٦).
(٥) تقدّم.



وإِذا كان قد جعل المتيمّم مطهرًا؛ كما أن المتوضئ مطهر، ولم يقيّد ذلك بوقت، ولم يقُل إِنَّ خروج الوقت يبطله، كما ذكر أنّه يبطله القدرة على استعمال الماء، دلّ ذلك على أنّه بمنزلة الماء عند عدم الماء، وهو موجب الأصول، فإِنَّ التيمُّم بدل عن الماء، والبدل يقوم مقام المُبدل في أحكامه، وإن لم يكن مماثلًا له في صفته، كصيام الشهرين؛ فإِنّه بدل عن الإِعتاق، وصيام الثلاث والسبع؛ فإِنّه بدل عن الهَدي في التمتُّع، وكصيام الثلاثة الأيام في كفّارة اليمين؛ فإِنّه بدل عن التكفير بالمال، والبدل يقوم مقام المُبدل ...» (١).
وقال -رحمه الله- أيضًا: «والشارع حكيم إِنّما يُثبت الأحكام ويبطلها بأسباب تُناسبها، فكما لا يُبطل الطهارة بالأمكنة؛ لا يبطل بالأزمنة وغيرها؛ من الأوصاف التي لا تأثير لها في الشرع» (٢).
وقال -رحمه الله- أيضًا: «والتيمّم كالوضوء فلا يبطل تيمّمه إلاَّ ما يبطل الوضوء، ما لم يقدر على استعمال الماء، وهذا بناءً على قولنا، وقول من وافَقنا على التوقيت في مسح الخفّين، وعلى انتقاض الوضوء بطهارة المستحاضة، فإِنَّ هذا مذهب الثلاثة: أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد» (٣).
وقال -رحمه الله- كذلك: «وِإذا كان تطهّر قبل الوقت (٤)، كان قد

-------------------
(١)»الفتاوى«(٢١/ ٣٥٣، ٣٥٤).
(٢)»الفتاوى«(٢١/ ٣٦١).
(٣)»الفتاوى" (٢١/ ٣٦٢).
(٤) أي: بالتيمّم.



أحسن، وأتى بأفضل ممّا وجب عليه، وكان كالمتطهر للصلاة قبل وقتها، وكمن أدَّى أكثر من الواجب في الزّكاة وغيرها، وكمن زاد على الواجب في الركوع والسجود، وهذا كلّه حسَن إِذا لم يكن محظورًا؛ كزيادة ركعة خامسة في الصلاة.
والتيمّم مع عدم الماء حسَن ليس بمحرّم، ولهذا يجوز قبل الوقت للنافلة ولمسّ المصحف وقراءة القرآن» (١).
وذكر -رحمه الله- «أنَّ هذا هو مذهب أبي حنيفة، وهو قول سعيد بن المسيّب، والحسن البصري، والزهري، والثوري، وغيرهم، وهو إِحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل» (٢).
قال ابن حزم -رحمه الله-: «والمتيمّم يصلي بتيمّمه ما شاء من الصلوات: الفرض والنوافل ما لم ينتقض تيمّمه بحدَث أو بوجود الماء؛ وأمّا المريض؛ فلا ينتقض طهارته بالتيمّم إلاَّ ما ينقض الطهارة من الأحداث فقط؛ وبهذا يقول أبو حنيفة، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، وداود.
وروينا أيضًا: عن حمّاد بن سلمة عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: يصلي الصلوات كلها بتيمّم واحد مِثل الوضوء ما لم يُحدث.
وعن معمر قال: سمعتُ الزهري يقول: التيمُّم بمنزلة الماء، يقول: يصلّي به ما لم يُحدِث.
وعن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: صلّ بتيمّم واحد الصلوات كلها ما

------------------
(١)»الفتاوى«(٢١/ ٣٦٣).
(٢)»الفتاوى" (٢١/ ٣٥٢).



لم تُحدِث، هو بمنزلة الماء. وهو قول يزيد بن هارون، ومحمد بن علي بن الحسين وغيرهم» (١).
وقال -رحمه الله- أيضًا: «والتيمّم جائز قبل الوقت وفي الوقت، إِذا أراد أن يصلي به نافلة أو فرضًا كالوضوء ولا فرق؛ لأنَّ الله تعالى أمر بالوضوء والغسل والتيمّم عند القيام إِلى الصلاة، ولم يقُل تعالى: إِلى صلاة فرض دون النافلة؛ فكلّ مريد الصلاة: فالفرض عليه أن يتطهّر لها بالغسل إِن كان جنبًا، وبالوضوء أو التيمُّم إِن كان محدثًا؛ فإِذ ذلك كذلك، فلا بد لمريد الصلاة من أن يكون بين تطهره وبين صلاته مُهلة من الزمان؛ فإِذ لا يمكن غير ذلك فمن حدّ في قدْر تلك المهلة حدًّا فهو مبطل؛ لأنه يقول من ذلك ما لم يأت به قرآن ولا سنّة ولا إِجماع ولا قياس ولا قول صاحب؛ فإِذ هذا كما ذكَرنا؛ فلا ينقض الطهارة بالوضوء ولا بالتيمّم: طول تلك المهلة ولا قِصَرها وهذا في غاية البيان، والحمد لله رب العالمين» (٢).
وقال في موطن آخر (٢٢/ ٣٣): «وكلّ ما يباح بالماء يباح بالتيمّم».
وذكَر لي شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى- «أنَّ كلَّ أحكام التيمُّم تنسحب على أحكام الوضوء، إلاَّ أن وجود الماء يُبطله». اهـ.
والنّبيّ - ﷺ - أمَر المستحاضة أن تتوضّأ لكلّ صلاة؛ ولم يأمر مَن فقَد الماء أن يتيمّم لكلّ صلاة.
والخلاصة: إِن التيمُّم بدل من الماء عند عدمه؛ فيباح به الصلاة وغيرها،

---------------------
(١) «المحلّى» (٢/ ١٧٥).
(٢) «المحلى» (٢/ ١٨٠) (المسألة ٢٣٧).



ويصلّي بالتيمّم الواحد ما تيسَّر له من الفرائض والنوافل، كما لا يشترط دخول الوقت فيتيمّم قبل دخول الوقت، ولا يبطل بخروج الوقت.

اشتراط طهارة الصعيد للمتيمّم:
لا بُدَّ من طهارة الصعيد للمتيمّم وإِنْ ضرب بيده غير طاهر لم يجْزه، لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّموا صَعِيدًا طيبًا﴾. والنجس ليس بطيّب.
وفي الحديث: «جُعلت لي كلّ أرض طيبة مسجدًا وطهورًا» (١).
قال في «المغني» (١/ ٢٦٠) (٢): «وإن كان ما ضرب بيده غير طاهر لم يجزه.
لا نعلم في هذا خلافًا، وبه قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي.
ولنا قول الله تعالى: ﴿فَتَيَمَّموا صَعِيدًا طيِّبًا﴾ والنجس ليس بطيِّب، ولأن التيمُّم طهارة، فلم يَجُز بغير طاهر كالوضوء ...».

جواز تيمّم جماعة من موضع واحد:
يجوز تيمّم جماعة من موضع واحد؛ لأنَّ القول بطهورية الصعيد المستعمل؛ كالقول بطهورية الماء المستعمل (٣).

--------------------
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» والضياء، ورواه ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ١٢)، وابن الجارود بإِسناد صحيح عن أنس كما ذكر الحافظ في «الفتح» (١/ ٤٣٨) (كتاب: التيمُّم)، وقال شيخنا: إِسناده صحيح على شرط مسلم، وهو في «الإرواء» (١٥٢) التحقيق الثاني.
(٢) بحذف يسير.
(٣) تقدّم.



قال في «المغني» (١/ ٢٦٠): «ويجوز أن يتيمّم جماعة من موضع واحد بغير خلاف؛ كما يجوز أن يتوضّأ جماعة من حوض واحد ...».
إِذا كان التراب على بساط أو ثوب؛ فلا مانع من التيمُّم به، وذكر ذلك ابن خزيمة في «صحيحه» (١/ ١٣٢).

صحَّة اقتداء المتوضّئ بالمتيمّم:
لحديث عمرو بن العاص -رضي الله عنه- فقد أمَّ قومه بعد أن تيمّم من الجنابة كما تقدّم (١). وبه استدلَّ الشوكاني في «نيل الأوطار» (١/ ٣٢٥).
وأيضًا لأنَّ التيمُّم يقوم مقام الماء مطلقًا كما تقدّم.
وجاء في البخاري: «وأَمَّ ابن عباس وهو متيمّم» (٢).
قال مالك في «الموطأ»: «من قام إِلى الصلاة فلم يجد ماءً فعمل بما أمره الله به من التيمُّم، فقد أطاع الله عز وجل، وليس الذي وجد الماء بأطهر منه ولا أتمّ صلاة؛ لأنهما أُمِرا جميعًا؛ فكلُّ عمل بما أمره الله عز وجل به؛ وإِنّما العمل بما أمر الله تعالى به من الوضوء؛ لمن وجد الماء والتيمّم لمن لم يجد الماء قبل أن يدخل في الصلاة».

عدم الإِعادة لمن صلّى بالتيمّم وإِن لم يفت الوقت:
عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: خرج رجلان في سفر،

-------------------
(١) ذكره البخاري معلّقًا بصيغة الجزم، وقال الحافظ في «الفتح» (١/ ٤٤٦): «وصله ابن أبي شيبة والبيهقي وغيرهما، وإسناده صحيح».
(٢) انظر الحاشية السابقة.



فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمّما صعيدًا طيبًا فصلَّيا، ثمَّ وجد الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يُعِد الآخر، ثمَّ أتيا رسول الله - ﷺ -، فذكرا ذلك له فقال للذي لم يُعد: «أصبْت السنّة وأجزأَتْك صلاتك»، وقال للذي توضّأ وأعاد: «لك الأجر مرتين» (١).
وهذا يُرجِّح عدم الإِعادة لقوله - ﷺ - لمن لم يُعِد، «أصبْتَ السنّة وأجزأتك صلاتك»، وهذا يُفهم أن الثاني قد أخطأ السنّة، وأما أجر المرتين؛ فعلى الصلاة وإِعادتها بالاجتهاد، والله أعلم.
وبعد أن عرفْنا السُّنّة الصحيحة في هذا الأمر؛ فلا يجوز لنا أن نُخالف عنها. وفي الحديث: «لا تُصلّوا صلاة في يوم مرتين» (٢).
قال في «نيل الأوطار» (١/ ٣٢٥) -تعليقًا على حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه-: استدل بهذا الحديث الثوري ومالك وأبو حنيفة وابن المنذر، على أنَّ مَن تيمّم لشدة البرد وصلّى لا تجب عليه الإِعادة، لأنَّ النّبيّ - ﷺ - لم يأمره بالإِعادة، ولو كانت واجبة لأمره بها، ولأنَّه أتى بما أُمر به وقدر عليه، فأشبه سائر من يصلّي بالتيمّم ...«.
وعن عمران قال:»كنّا في سفَر مع النّبيّ - ﷺ - وإِنَّا أسرينا حتى كُنّا في آخر الليل؛ وقعنا وقعة ولا وقعةَ أحلى عند المسافر منها، فما أيقَظَنا إلاَّ حرّ الشمس، فذكر بعض الحديث وقال: ونودي بالصلاة فصلّى بالناس، فلما

--------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٢٧)، وابن السكن وغيرهما، وانظر «المشكاة» (٥٣٣).
(٢) أخرجه أحمد، وغيره وإسناده حسن كما قال شيخنا في «المشكاة» (١١٥٧)، وصححه النووي وابن السكن، وهو في «صحيح سنن أبي داود» (٥٤٠).



انفتل من صلاته؛ إِذا هو برجل معتزلٍ، لم يصلِّ مع القوم قال: ما منعك يا فلان أن تصلّي مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد، فإِنَّه يكفيك.
ثمَّ سار النّبيّ - ﷺ - فاشتكى إِليه الناس من العطش، فنزل فدعا فلانًا كان يُسمِّيه أبو رجاء -نسيهُ عَوْفٌ- ودعا عليًّا فقال: اذهبا فابتغيا الماء بين مزادتين (١) أو سطيحتين من ماء على بعير لها، فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة ونفرْنا خُلُوفًا (٢)، قالا لها: انطلقي إِذًا، قالت: إِلى أين؟ قالا: إِلى رسول الله - ﷺ -. قالت: الذي يُقال له الصَّابيُّ.
قالا: هو الذي تعنين، فانطلقي فجاءا بها إِلى النّبيّ - ﷺ - وحدَّثاه الحديث قال: فاستنزلوها عن بعيرها ودعا النّبيّ - ﷺ - بإِناء ففُرّغ فيه من أفواه المزادتين أو سطيحتين، وأوكأ أفواههما، وأطلق العزاليَ (٣)، ونودي في الناس اسقوا واستقوا، فسقى مَن شاء واستقى مَن شاء، وكان آخر ذاك أن أعطي الذي أصابته الجنابة إِناء من ماء، قال: اذهب فأفرِغه عليك» (٤).

----------------
(١) المزادة: بفتح الميم: قربة كبيرة يزاد فيها جلد من غيرها، وتسمّى أيضًا السطيحة، وجاء في «النهاية»: السطيحة من المزاد: ما كان من جلدين قوبل أحدهما بالآخر، فسُطح عليه وتكون صغيرة وكبيرة، وهي من أواني المياه.
(٢) «... أي أنَّ رجالها تخلفوا لطلب الماء ... قال ابن فارس: الخالف: المستقي، ويقال أيضًا لمن أناب، ولعلّه المراد هنا، أي أنَّ رجالهما غابوا عن الحيّ». «فتح».
(٣) جمع العزلاء، وهو فم المزادة الأسفل. «النهاية».
(٤) أخرجه البخاري مطولًا: ٣٤٤، وابن خزيمة مختصرًا: ٢٧١



قال ابن خزيمة -بعد أن ذكَر هذا الحديث-: «ففي هذا الخبر أيضًا دلالة على أنَّ المتيمّم إِذا صلّى بالتيمّم، ثمَّ وجد الماء فاغتسَل إِنْ كان جُنبًا أو توضّأ إِن كان مُحدِثًا -لم يجب عليه إِعادة ما صلّى بالتيمّم. إِذ النّبيّ - ﷺ - لم يأمر المصلي بالتيمّم؛ لمّا أمره بالاغتسال بإِعادة ما صلّى بالتيمّم» (١).
جاء في «المحلّى» (٢/ ١٦٥): «وعن مالك عن نافع أنَّه أقبل مع ابن عمر من الجرف، فلما أتى المربد لم يجد ماء، فنزل فتيمّم بالصعيد، وصلّى ثمَّ لم يُعِد تلك الصلاة (٢)، وهو قول داود وأصحابنا».
قال ابن قدامة في «المغني» (١/ ٢٤٣): «إِنْ تيمّم في أول الوقت وصلّى أجزأه؛ وإِنْ أصاب الماء في الوقت». وأورد حديث: «لك الأجر مرتين» (٣).

شراء الماء للوضوء وعدم التيمُّم:
اختلف أهل العلم في هذه المسألة، فمنهم من رأى جواز شراء الماء للوضوء، ومنهم من لم ير للنصوص المانعة من بيع الماء (٤).
والراجح الجواز؛ لقول الله تعالى: ﴿... فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٥).
«وهذا واجبٌ فإِنَّ القدرة على ثمن العين؛ كالقدرة على العين» (٦).

-------------------
(١) «صحيح ابن خزيمة» (١/ ١٣٧).
(٢) انظر «الموطأ» (٤٨) رواية محمد بن الحسن الشيباني.
(٣) تقدّم.
(٤) منهم ابن حزم في «المحلى» (٢/ ١٨٢) (مسألة ٢٤١).
(٥) النساء: ٤٣
(٦) قاله ابن قدامة في «المغني» (١/ ٢٤٠).



قال في «المغني» (١/ ٢٤٠): «وإِنْ وجَده يباع بثمن مِثْله في موضعه أو زيادة يسيرة يقدر على ذلك؛ مع استغنائه عنه لقوَّته ومؤنة سفره لزِمَه شراؤه، وإِنْ كانت الزّيادة كثيرة تجحف بماله؛ لم يلزم شراؤه لأنَّ عليه ضررًا ...».
وقال لي شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى-: «من شأن الشخص أن يبذُل المال في الأمور الدنيوية؛ فهذا أولى».

هل هناك مسافة معيَّنة في البحث عن الماء؟
لم يرِدْ في هذا نصٌّ معين، وسأَلتُ شيخنا -حفظه الله تعالى- عن ذلك فأجاب: «إِنَّ ضابط الأمر هو الاستطاعة والقدرة وعدم خروج الوقت في البحث».

مَن وجد ما يكفي بعض طهارته يستعمله ويتيمّم للباقي:
قال الله تعالى: ﴿فاتَّقُوا الله ما اسْتَطَعْتُم﴾ (١).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِذا أمرْتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٢).
قال الإِمام الشوكاني -رحمه الله- عقب هذا الحديث في «نيل الأوطار» (١/ ٣٢٩): "هذا الحديت أصْلٌ من الأصول العظيمة، وقاعدة من قواعد الدين النّافعة، وقد شهد له صريح القرآن، قال الله تعالى:

-------------------
(١) التغابن: ١٦
(٢) أخرجه البخاري: ٧٢٨٨، ومسلم: ١٣٣٧، وغيرهما.



https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif


ابوالوليد المسلم 01-01-2026 06:06 AM

رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
 
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 251الى صــ 265
الحلقة (18)





﴿فاتَّقُوا الله ما اسْتَطَعْتُم﴾ فلك الاستدلال بالحديث على العفو عن كلّ ما خرج عن الطاقة، وعلى وجوب الإِتيان لما دَخل تحت الاستطاعة من المأمور به، وأنَّه ليس مجرَّد خروج بعضه عن الاستطاعة موجب للعفو عن جميعه.
وقد استدلّ به المصنف على وجوب استعمال الماء الذي يكفي لبعض الطهارة وهو كذلك».
وفي بعض ألفاظ روايات حديث عمرو بن العاص المعروف: «فَغَسل مغابنه وتوضّأ وضوءه للصلاة، ثمَّ صلّى بهم، فذكر نحوه، ولم يذكر التيمُّم» (١).
قال أبو داود: وروى هذه القصة عن الأوزاعي، عن حسّان بن عطية، قال فيه: «فتيمّم».
قال في «المغني» (١/ ٢٦١): «إِذا كان به قرْح أو مرض مخوف وأجنب فخشي على نفسه إِن أصاب الماء غسَلَ الصحيح من جسده، وتيمّم لما لم يُصبه الماء».

الصلاة بدون وضوء أو تيمّم:
من كان محبوسًا أو مصلوبًا وحِيل بينه وبين التراب والماء؛ فليصلِّ كما هو.
عن عائشة -رضي الله عنها-: «أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت،

------------------
(١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٢٤)، والدارقطني وغيرهما وانظر»الإِرواء" (١٥٤)، وتقدم.

فبعث رسول الله - ﷺ - رجلًا فوجدها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلَّوا، فشكَوا ذلك إِلى رسول الله - ﷺ -، فأنزل الله آية التيمُّم ...» (١).
قال البخاري -رحمه الله- (باب إِذا لم يجد ماءً ولا تُرابًا) (٢)، وأورد حديث عائشة -رضي الله عنها-.
قال ابن رشيد تعليقًا على تبويب البخاري السابق: «كأنّ المصنف نزَّل فقْد شرعيَّة التيمُّم منزلة فقد التراب بعد شرعيَّة التيمُّم، فكانَّه يقول: حُكْمهم في عدم المطهّر -الذي هو الماء خاصّة- كحكمنا في عدم المطهّرَيْن: الماء والتراب، وبهذا تظهر مناسبة الحديث للترجمة؛ لأنَّ الحديث ليس فيه أنّهم فقدوا التراب، وإِنّما فيه أنّهم فقدوا الماء فقط؛ ففيه دليل على وجوب الصلاة لفاقد الطهورَين، ووجهُهُ أنّهم صلَّوا معتقدين وجوب ذلك، ولو كانت الصلاة حينئذ ممنوعة لأنكر عليهم النّبيّ - ﷺ -، وبهذا قال الشافعي وأحمد وجمهور المحدِّثين وأكثر أصحاب مالك ...» (٣).
قال ابن حزم في «المحلّى» (٢/ ١٨٨): «ومن كان محبوسًا في حضر أو سفر بحيث لا يجد ترابًا ولا ماء، أو كان مصلوبًا وجاءت الصلاة -فليصلِّ كما هو، وصلاته تامّة ولا يعيدها- سواءٌ وُجد الماء في الوقت أو لم يجده إلاَّ

--------------------
(١) أخرجه البخاري: ٣٣٦، ومسلم: ٣٦٧، وغيرهما، وتقدّم.
(٢) انظر»صحيح البخارى«(١/ ٩٢).
(٣) انظر»الفتح" (١/ ٤٤٠).



بعد الوقت».
برهان ذلك قول الله تعالى: ﴿فاتَّقُوا الله ما اسْتَطَعْتُم﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وسْعَها﴾ (٢)، وقول رسول الله - ﷺ -: «إذا أمرتكم بأمر فأْتوا منه ما استطعتم» (٣)، وقوله تعالى: ﴿وقد فَصَّل لكم ما حرَّم عليكُم إِلاَّ ما اضطررتم إِليه﴾ (٤).
فصحّ بهذه النصوص أنَّه لا يلزمنا من الشرائع إِلا ما استطعنا، وأنَّ ما لم نستطعه فساقطٌ عنّا. وصحّ أنَّ الله تعالى حرّم علينا ترك الوضوء أو التيمُّم للصلاة؛ إلاَّ أن نضطرَّ إِليه، والممنوع من الماء والتراب مضطرٌّ إِلى ما حُرّم عليه من ترْك التطهُّر بالماء أو التراب، فسقط عنّا تحريم ذلك عليه، وهو قادر على الصلاة بتوفيتها أحكامها وبالإِيمان، فبقي عليه ما قَدِر عليه، فإِذا صلّى كما ذكَرنا، فقد صلّى كما أمَره الله تعالى، ومن صلّى كما أمره الله تعالى؛ فلا شيء عليه ...«.
وجاء في»المنتقى" (١/ ٢٣٧): (باب الصلاة بغير ماء ولا تراب عند الضرورة) وأورد الحديث نفسه.

------------------
(١) التغابن: ١٦
(٢) البقرة: ٢٨٦
(٣) أخرجه البخاري: ٧٢٨٨، ومسلم: ١٣٣٧، وغيرهما، وتقدّم.
(٤) الأنعام: ١١٩



هل يتيمّم إِذا كان قادرًا على استعمال الماء، وخشي خروج الوقت باستعماله؟
قال شيخنا في الردِّ على الشيخ السيد سابق -حفظهما الله تعالى-:»والذي يتبيَّن لي خلافه (١)، وذلك لأنَّه من الثابت في الشريعة أنَّ التيمُّم إِنّما يشرع عند عدم وجود الماء بنصِّ القرآن الكريم، وتوسَّعت في ذلك السنّة المطهرة فأجازَتْه لمرض أو برد شديد كما ذكَره المؤلّف، فأين الدليل على جوازه مع قدرته على استعمال الماء؟
فإِن قيل: هو خشية خروج الوقت، قلتُ: هذا وحده لا يصلُح دليلًا، لأنَّ هذا الذي خشي خروج الوقت له حالتان لا ثالث لهما: إِمّا أن يكون ضاق عليه الوقت بكسبه وتكاسُله، أو بسببٍ لا يملكه مِثل النَّوم والنسيان، ففي هذه الحالة الثانية؛ فالوقت يبتدئ من حين الاستيقاظ أو التذكُّر بقدر ما يتمكن من أداء الصلاة فيه كما أُمِر، بدليل قوله - ﷺ - «من نسي صلاة أو نام عنها فكفَّارتها أن يصلِّيها إِذا ذكرها». أخرجه الشيخان وغيرهما واللفظ لمسلم، فقد جعل الشارع الحكيم لهذا المعذور وقتًا خاصًّا به، فهو إِذا صلّى كما أمر، يستعمل الماء لغسله أو وضوئه، فليس يخشى عليه خروج الوقت، فثبَت أنّه لا يجوز له أن يتيمّم، وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية كما في «الاختيارات» (ص١٢)، وذكَر في «المسائل الماردينية» (ص ٦٥) أنَّه مذهب الجمهور.
وأمّا في الحالة الأولى؛ فمن المسلَّم أنَّه في الأصل مأمور باستعمال الماء

-----------------
(١) أي: أنَه لا يجوز التيمّم؛ لأن الشيخ السيد سابق -حفظه الله- يرى جواز ذلك، كما في «فقه السنّة» (١/ ٧٩).


وأنه لا يتيمّم، فكذلك يجب عليه في هذه الحالة أن يستعمل الماء، فإِنْ أدرك الصلاة فبها، وإِنْ فاتته فلا يلومنّ إلاَّ نفسه، لأنَّه هو الذي سعى إِلى هذه النتيجة.
هذا هو الذي اطمأنّت إِليه نفسي، وانشرح له صدري، وإِنْ كان شيخ الإِسلام وغيره قالوا: إِنّه يتيمّم ويصلِّي (١)، والله أعلم.
ثمَّ رأيت الشوكاني كأنّه مال إِلى هذا الذي ذكَرته فراجع»السيل الجرّار«(١/ ١٢٦ - ١٢٧)» (٢) انتهى.
قلت: قال الشوكاني -رحمه الله- في «الدراري المضيّة» (١/ ٨٦):
«وأمّا ما قيل من أنّ فوات الصلاة باستعمال الماء وإِدراكها بالتيمّم سبب من أسباب التيمُّم؛ فليس على ذلك دليل؛ بل الواجب استعمال الماء، وهو إِن كان تراخيه عن تأدية الصلاة إِلى ذلك الوقت لعذر مسوغ للتأخير كالنوم والسهو ونحوهما؛ فلم يوجب الله تعالى عليه إِلا تأدية الصلاة في ذلك الوقت بالطهور الذي أوجبه الله تعالى عليه، وإِن كان التراخي لا لعذر إِلى وقت لو استعمل الوضوء فيه؛ لخرج الوقت فعليه الوضوء، وقد باء بإِثم المعصية».

هل يُكره لعادم الماء جماع زوجته؟
لا يُكره ذلك لقول أبي ذرّ للنّبيّ - ﷺ -: «كنت أعزُب (٣) عن الماء، ومعي

-----------------
(١) قد سبق قوله -رحمه الله- في»الاختيارات«، ولكنّه في عدة مواطن من»الفتاوى«رجَّح الرأي الآخر.
(٢) انظر»تمام المنَّة«(١٣٢، ١٣٣).
(٣) أي: أُبعِد.»النهاية".



أهلي؛ فتصيبني الجنابة، فأصلّي بغير طهور، فأتيت رسول الله - ﷺ - بنصف النهار وهو في رهطٍ من أصحابه، وهو في ظلِّ المسجد، فقال: أبو ذرّ؟ فقلت: نعم، هلكْتُ يا رسول الله، قال: وما أهلكك؟ قلت: إِنّي كنتُ أعزب عن الماء، ومعي أهلي فتصيبني جنابة، فأصلّي بغير طهور.
فأمر لي رسول الله - ﷺ - بماء، فجاءت به جارية سوداء بعُس (١) يتخضخض ما هو بملآن، فتستَّرْتُ إِلى بعيري فاغتسلْت، ثمَّ جئتُ، فقال رسول الله - ﷺ -: يا أبا ذر إِنَّ الصعيد الطيّب طَهور، وإِن لم تجد الماء إِلى عشر سنين، فإذا وجدْتَ الماء فأمسَّه جِلدك» (٢).
وروي عن ابن عبّاس في الرجل يكون مع أهله في السفر وليس معهم ماء؛ فلم ير بأسًا أن يغشى أهله ويتيمّم (٣).
قال ابن المنذر -رحمه الله-: «وبهذا القول نقول؛ لأنَّ الله تعالى أباح وطي الزوجة وملك اليمين، فما أباح فهو على الإِباحة، لا يجوز حظْر ذلك ولا المنع منه إلاَّ بسنّةٍ أو إِجماع، والممنوع منه: حال الحيض والإِحرام والصيام،

----------------
(١) العُسّ: القدح الكبير وجمعه عِساس وأعساس.»النهاية«.
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٢٢) وأحمد والترمذي، وانظر»المشكاة«(٥٣٠)، والشطر الأخير منه تقدم تخريجه.
قال في»نيل الأوطار«(١/ ٣٢٦):»وذِكْر العشر سنين لا يدّل على عدم جواز الاكتفاء بالماء بعدها؛ لأنَّ ذِكرها لم يُرَد به التقييد، بل المبالغة؛ لأن الغالب عدم فُقدان الماء وكثرة وجدانه لشدة الحاجة إِليه، فعدَمُ وجدانه إنِّما يكون يومًا أو لبعض يوم.
(٣) «الأوسط» (٢/ ١٧).



وحال المظاهر قبل أن يكفّر، وما وقع بتحريم الوطي منه بحجَّة، فأمّا كل مختلف فيه في ذلك، فمردود إِلى أصل إِباحة الكتاب الوطي، قال الله تعالى: ﴿فإِذا تَطَهَّرنَ فَأْتُوهنَّ من حَيْثُ أَمَرَكم الله﴾ (١).
وقد جعل التيمُّم طهارة لمن لم يجد الماء، ولا فرق بين من صلّى بوضوء عند وجود الماء، وبين من صلّى بتيمّم حيث لا يجد الماء؛ إِذ كلٌّ مؤدِ ممَّا فُرضَ عليه» (٢).
قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (٢/ ١٩٢) (مسألة ٢٤٧): «ومن كان في سفر ولا ماء معه، وكان مريضًا يشقّ عليه استعمال الماء؛ فله أن يُقبِّل زوجته ويطأها، وهو قول ابن عباس وجابر بن زيد والحسن البصري وسعيد بن المسيب، وقتادة وسفيان الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وإِسحاق وداود وجمهور أصحاب الحديث». وذكَر أقوالًا وتفصيلات أخرى لبعض السلف.
وبوَّب لذلك أبو البركات -رحمه الله- في «منتقى الأخبار» (١/ ٣٢٥): (باب الرُّخصة في الجماع لعادم الماء) وذكر حديث أبي ذر -رضي الله عنه-.
قال لي شيخنا -حفظه الله تعالى- بعد إِيراد حديث أبي ذر -رضي الله عنه- فقوله - ﷺ -: «وإِن لم تجد الماء إِلى عشر سنين»؛ يُفهِم أنَّه لا يمكن

------------------
(١) البقرة: ٢٢٢.
(٢) «الأوسط» (٢/ ١٧).



أن يترك جِماعها في هذه المدّة؛ فلمن لم يجد الماء في غير سفر أن يجامع أهله فيتيمّم».

الحيض والنِّفاس
الحيض
تعريفه: الحيض: «دم يرخيه الرّحم، إِذا بَلَغت المرأة، ثمَّ يعتادها في أوقاتٍ معلومة» (١).
جاء في «حلية الفقهاء» (ص٦٣): «الحيض: نزول دم المرأة لوقتها المعتاد، ومن العرب من تُسمِّي الحائض النّفساءَ، وإِنَّما سُمِّيت بذلك لسيلان (٢) النَّفْس، والدَّم يُسمَّى نَفْسًا».
قال الشاعر:
تسيلُ على حدِّ الظبات (٣) نفوسُنا ... وليست على غير السيوف تَسيلُ.
وقته:
«ليس في السنَّة تحديد لسنِّ البنت التي تحيض، وينبغي أن يُنظر إِلى

----------------
(١)»المغني«(١/ ٣١٣)، وانظر ما جاء في»الفتح«، و»المحلى«(٢/ ٢٢٠) و»المجموع«(٣/ ٣٤٢).
(٢) والحيض أصْله السَّيلان، قال في»القاموس«:»حاضت المرأة تحيض حيضًا ومحيضًا ومحاضًا؛ فهي حائض، وحائضة: سال دمها، والمحيض: اسم ومصدر، ومنه الحوض؛ لأنَّ الماء يسيل إليه«.
(٣) مفرد الظُّبّة: وهو حدُّ السيف والسنان والخنجر وما أشبههما. وانظر»الوسيط".



صفة دم الحيض الطارئ، لا سيَّما أنَّ ربط حُكم شرعيّ بسنَة مُعيَّنة؛ قد لا يكون ربطًا بمعروف محدود.
وهناك عائلات كثيرة لا تُسجِّل في الذِّهن أو الورق سَنَة الولادة أو الوفاة، فقد لا تعلم البنت أو الأمّ كم مضى من عمُرها، فليس من المعقول أن يأتي الشرع بشيء لا يُمكن، وقد قال عليه الصلاة السلام: «إذا كان دم الحيض فإِنَّه أسود يُعرَِف (١)» (٢).
وإِلى هذا ذهب الدارمي وغيره، فقد قال بعد ذكر الاختلافات: «كل هذا عندي خطأ؛ لأن المرجع في جميع ذلك إِلى الوجود (٣)، فأيّ قَدْر وُجد في أيّ حال وسنّ، كان وجب جعله حيضًا، والله أعلم» (٤).

لونه:
أ- السواد: لحديث فاطمة بنت حبيش -رضي الله عنها- أنَّها كانت تُستحاض، فقال لها رسول الله - ﷺ -: «إِذا كان دم الحيض؛ فإِنَّه أسود يُعرَف؛ فأمسِكي عن الصَّلاة، فإِذا كان الآخر؛ فتوضّئي إِنما هو عرْق» (٥).

----------------
(١) سيأتي تخريجه بعد سطور -إِن شاء الله-.
(٢) قاله لي شيخنا -حفظه الله تعالى-.
(٣) أي: وجود الدم.
(٤) «المجموع شرح المهذّب» (٢/ ٢٧٤). ونقله عنه الشيخ ابن عثيمين -حفظه الله- في كتابه «الدماء الطبيعية للنساء» (ص ٦).
(٥) أخرجه أبو داود: ٢٨٦، «صحيح سنن أبي داود» (٢٦٣)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣٥٠) والطحاوي في «مشكل الآثار» والدارقطني والحاكم =



قال في «نيل الأوطار» (١/ ٣٤٢): «والحديث فيه دلالة على أنَّه يعتبر التمييز بصفة الدَّم، فإِذا كان متصفًا بصفة السواد فهو حيض، وإلاَّ فهو استحاضة». وبه يقول الشافعي -رحمه الله- وغيره في حقِّ المبتدئة.
ب- الحُمرة.
بر- الصُّفرة: «وهو الماء الذي تراه المرأة كالصديد يعلوه اصفرار» (١).
د- الكُدرة: «وهو ما كان لونه ينحو نحو السَّواد» (٢)، لحديث علقمة بن أبي علقمة عن أمِّه (٣) مولاة عائشة -رضي الله عنها- أنَّها قالت: كان النِّساء يبعَثن إِلى عائشة أمّ المؤمنين بالدِّرَجَة (٤) فيها الكُرسف (٥)، فيه الصُّفرة من دم الحيض، يسألنها عن الصَّلاة، فتقول لهنَّ: لا تعجَلْن حتى ترَيْن القصَّة (٦) البيضاء -تريد بذلك الطُّهر من الحيضة-«(٧).

--------------------
= والبيهقي، وحسّنه شيخنا في»الإِرواء«(٢٠٤).
(١) قاله الحافظ في»الفتح«(١/ ٤٢٦).
(٢)»المعجم الوسيط«.
(٣) انظر ما ذكَره شيخنا في»الإرواء«(١/ ٢١٩): حول أمّ علقمة.
(٤) الدِّرَجَة؛ بكسر الدال وفتح الراء، جمع دُرْج: وهو السَّفط الصغير تضع فيه المرأة خِفَّ متاعها وطيبها، وقيل: إِنّما هو الدُّرَجَة تأنيث دُرْج ...»النهاية«.
(٥) القطن.
(٦) هو أن تخرج القطنة أو الخرقة التي تحشي بها الحائض، كأنَّها قصَّة بيضاء لا يخالطها صُفرة. وقيل: القصة شيء كالخيط الأبيض، يخرج بعد انقطاع الدّم كله.»النهاية«.
(٧) أخرجه مالك وعلّقه البخاري، وصححه شيخنا -حفظه الله- في»الإرواء" (١٩٨).



ومن طريق أخرى عن مولاة عائشة -رضي الله عنها- أيضًا بلفظ: «قالت: إِذا رأتِ الدَّم فلتُمسكْ عن الصَّلاة حتى تَرى الطُّهر أبيض كالفضَّة، ثمَّ تَسُلّ وتُصلّي» (١).
والكدرة والصفرة لا تكون حيضًا إلاَّ في أيام الحيض، وفي غير ذلك لا تُعدّ حيضًا؛ لحديث أمّ عطيّة «كنَّا لا نعُد الصُّفرة والكُدرة بعد الطُّهر شيئًا» (٢). فإِنَّه يدلّ بطريق المفهوم أنَّهنَّ كنَّ يعدُدْن ذلك قبل الطهر حيضًا.
قال شيخنا في «تمام المنَّة في التعليق على فقه السنَّة» (ص ١٣٦): «والحديث (٣) وإِن كان موقوفًا؛ فله حُكم المرفوع (٤) لوجوه، أقواها أنَّه يشهد له مفهوم حديث أمّ عطيَّة المذكور في الكتاب (٥) عقب هذا بلفظ:»كنَّا لا نعدُّ الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئًا«، فإنَّه يدلّ بطريق المفهوم أنَّهنَّ كنَّ يعتبرن ذلك قبل الطهر حيضًا، وهو مذهب الجمهور؛ كما قال الشوكاني.

--------------------
(١) أخرجه الدارمي: (١/ ٢١٤) وإسناده حسن، وانظر»الإِرواء«(١/ ٢١٩).
(٢) أخرجه أبو داود: (٣٠٧)،»صحيح سنن أبي داود«(٣٠٠) والدارمي، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٥٢٩)، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وشيخنا في»الإرواء«(١٩٩)، ورواه غيرهم أيضًا، وأخرجه البخاري: ٣٢٦، ولم يذكر»بعد الطهر«.
(٣) أي: حديث:»كانت النساء يبعَثن إِلى عائشة بالدِّرجة فيها الكُرسف ...«.
(٤) قال في»سبُل السلام«(١/ ١٨٦):»(كُنَّا) له حُكم الرفع إِلى النّبيّ - ﷺ -؛ لأن المراد: كنا في زمانه - ﷺ - مع عِلمه؛ فيكون تقريرًا منه، وهذا رأْي البخاري وغيره من علماء الحديث؛ فيكون حُجَّة«.
(٥) أي:»فقه السنة".



وكنتُ قديمًا أرى أنَّ الحيض هو الدَّم الأسود فقط، لظاهر حديث فاطمة بنت حبيش -رضي الله عنها- المذكور في الكتاب، ثمَّ بدا لي وأنا أكتب هذه التعليقات؛ أنَّ الحقَّ ما ذكَره السيد سابق: أنَّه الحُمرة والصُّفرة والكُدرة أيضًا قبل الطهر؛ لهذا الحديث وشاهده، وبدا لي أيضًا أنَّه لا يعارضهما حديث فاطمة؛ لأنه وارد في دم الاستحاضة التي اختلط عليها دم الحيض بدم الاستحاضة، فهي تُميِّز بين دم الاستحاضة ودم الحيض بالسَّواد، فإِذا رأته تركَت الصَّلاة، وإِذا رأت غيره صلَّت، ولا يَحتَمل الحديث غير هذا، والله أعلم».
وجاء في «المحلّى»، (٢/ ٢٢٩): «وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإِسحاق وعبد الرحمن بن مهدي: الصّفرة والكُدرة في أيّام الحيض حيض، وليست في غير أيّام الحيض حيضًا.
وقال اللَّيث بن سعد: الدَّم والصُّفرة والكُدرة في غير أيام الحيض ليس شيء من ذلك حيضًا، وكلّ ذلك في أيام الحيض حيض».
جاء في «المغني» (١/ ٣٤٩): «والصُّفرة والكُدرة في أيَّام الحيض من الحيض؛ يعني إِذا رأت في أيام عادتها صُفرة أو كُدرة فهو حيض، وإنْ رأته بعد أيام حيضها لم يُعتدَّ به؛ نصَّ عليه أحمد وبه قال يحيى الأنصاري وربيعة ومالك والثوري والأوزاعي وعبد الرحمن بن مهدي والشافعي وإسحاق».

مدَّته:
اختلف العلماء في أقلِّه وأكثره، فمِن قائل: أقلّ الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يومًا، وقد رُوي هذا عن عطاء بن أبي رباح وأبي ثور، وروي عن


أحمد أنَّ أقلَّه يوم، وأنَّ أكثره سبعة عشر (١).
قال الحافظ في «الفتح» (١/ ٤٢٥): «اختلف العلماء في أقلّ الحيض وأقلّ الطهر، ونقل الداودي أنَّهم اتفقوا على أنَّ أكثره خمسة عشر يومًا، وقال أبو حنيفة: لا يجتمع أقل الطُّهر وأقلّ الحيض معًا، فأقل ما تنقضي به العدَّة عنده ستون يومًا، وقال صاحباه: تنقضي في تسعة وثلاثين يومًا؛ بناءً على أنَّ أقلَّ الحيض ثلاثة أيام، وأنَّ أقل الطّهر خمسة عشر يومًا، وأنَّ المراد بالقُرء الحيض، وهو قول الثوري، وقال الشافعي: القُرء: الطُّهر، وأقله خمسة عشر يومًا، وأقل الحيض يوم وليلة ...».
«ويُذكر عن عليّ وشُريح (٢) إِن امرأة جاءت ببيّنة من بطانة أهلها، ممّن
يُرضى دينُه أنَّها حاضت ثلاثًا في شهر صُدِّقت.
وقال عطاء (٣): الحيض يومٌ إِلى خمسَ عشرة».

------------------
(١) انظر «الشرح الكبير» (١/ ٣٢٠).
(٢) قال شيخنا في «المختصر» (١/ ٩١): «وصله الدارمي (١/ ٢١٢ - ٢١٣) بسندٍ صحيح عنهما به نحوه، وفيه قصَّة». وسياق هذه القصّة ما رواه الشعبي أنَّه «جاءت امرأة إِلى عليّ تُخاصِم زوجها طلقها، فقالت: حِضت في شهر ثلاث حِيَض، تطهر عند كلِّ قرء، وتصلّي جاز لها، وإلاَّ فلا، قال علي: قالون».
قال الحافظ (١/ ٤٢٥): قال «وقالون بلسان الروم: أحسنت، فهذا ظاهر في أنَّ المراد أن يشهد له بأنَّ ذلك وقع منها».
(٣) قال الحافظ (١/ ٤٢٥): وصله الدارمي بإِسناد صحيح، قال: أقصى الحيض خمس عشرة، وأدنى الحيض يوم«.
وقال شيخنا في»المختصر" (١/ ٩١): وصله الدارمي (١/ ٢١٠ - ٢١١) مفرّقًا =



والحقّ أنَّه لم يأتِ في تحديد مدّة الحيض ما ينهض للاحتجاج، وتحديد ذلك يعود للمرأة، ويكون على حالات، كما سيأتي قريبًا -إِن شاء الله تعالى-.
قال في «المغني» (١/ ٣٢١): «ولنا أنَّه ورد في الشرع مطلقًا من غير تحديد، ولا حدَّ له في اللغة ولا في الشريعة؛ فيجب الرّجوع فيه إِلى العُرف والعادة ...».
ثمَّ ذكر حالات نادرة عن علماء السلف في الحيض والطهر.
ثمَّ قال: «... وقولهنَّ يجب الرجوع إِليه لقوله تعالى: ﴿ولا يحلّ لهنَّ أن يكتُمن ما خَلَقَ الله في أرحامهنَّ﴾ (١) فلولا أنَّ قولهنَّ مقبول ما حرَّم عليهنَّ الكِتمَان، وجرى ذلك مجرى قوله: ﴿ولا تكتموا الشَّهادة﴾ (٢) ...».
قال الحافظ في «الفتح» (١/ ٤٢٥) بعد إِيراد قوله تعالى: ﴿ولا يحلّ لهنَّ أن يكتُمن ما خَلَقَ اللهُ في أرحامهنَّ﴾: «وقد روى الطبري بإِسناد صحيح عن الزُّهري قال: بلغنا أنَّ المراد بما خلق الله في أرحامهن: الحمل والحيض؛ فلا يحلّ لهنَّ أن يكتمن ذلك لتنقضي العدَّة، ولا يملك الزوج الرجعة إِذا كانت له.
وروى أيضًا بإِسناد حسن عن ابن عمر قال:»لا يحلّ لها إِنْ كانت حائضًا أن تكتم حَيْضتها، ولا إِن كانت حاملًا أن تكتم حَمْلَها«.

--------------
= نحوه، وسند»اليوم" حسن، وسند الباقي صحيح.
(١) البقرة: ٢٢٨
(٢) البقرة: ٢٨٣



https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif



الساعة الآن : 04:12 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 408.50 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 407.70 كيلو بايت... تم توفير 0.81 كيلو بايت...بمعدل (0.20%)]