الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://www.daribnhazm.com/Storage/L...01%20-%207.png ـ[الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة]ـ المؤلف: حسين بن عودة العوايشة الناشر: المكتبة الإسلامية (عمان - الأردن)، دار ابن حزم (بيروت - لبنان) الطبعة: الأولى، من ١٤٢٣ - ١٤٢٩ هـ (ينظر التفصيل بأول كل جزء) عدد الأجزاء: ٧ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي](تنبيه):الأجزاء الـ ٣ الأولى مطبوعة بنفس الترقيم (تصوير)، دار الصديق - مؤسسة الريان الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة الجزء الأول كتاب الطهارة - كتاب الصلاة بقلم حسين بن عودة العوايشة المكتبة الإسلامية دار ابن حزم بسم الله الرحمن الرحيم الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة جميع الحقوق محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م المكتبة الإسلامية ص ب: (١١٣) الجبيهة - هاتف ٥٣٤٢٨٨٧ عمَّان - الأردن دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤ - تليفون: ٧٠١٩٧٤ مقدّمة المؤلف إِنّ الحمد لله، نحمَدُه ونستعينهُ ونستغفِرُه، ونعوذُ بالله من شرور أَنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، من يَهدِه الله فَلا مُضِلَّ لهُ، ومَن يُضْلل فلا هاديَ لهُ. وأَشهَد أنْ لا إله إِلاَّ الله، وحدَه لا شريكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ محمدًا عَبدهُ ورَسولهُ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣). أمَّا بعد: فإِنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدْي محمّد، وشرّ الأمور مُحدثاتها، وكلَّ مُحدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النَّار،(١) آل عمران: ١٠٢ (٢) النساء: ١ (٣) الأحزاب: ٧٠، ٧١ فإِنَّني رأيتُ حاجة الأمَّة مُلحَّةً لكتاب فقهيٍّ: شامل، ميسَّر، مُدعَّم بالأدلَّة الثابتة، بعيدٍ عن الغُموض والتَّعقيد والخلافات الفقهيَّة، يفيد من أقوال أهل العلم؛ من غير تعصُّب لمذهب من المذاهب أو عالم من العلماء. وتأمَّلت الكتبَ الموجودة؛ قديمها وحديثها، فرأيتُ الحاجة المُبتغاة مُتناثرة هنا وهناك، ورأيت أقربها إِلى هذا المطلب كتاب «فقه السنَّة» للسَّيد سابق -حفظه الله- تبويبًا وترتيبًا وتيسيرًا وعرضًا وتناولًا؛ فقد أدَّى كتابُه نفعًا عظيمًا وجُهدًا مباركًا، وقد استفدْتُ منه في كتابي هذا، ولا سيّما في كثيرٍ من العناوين والأدلّة، وكذلك من بعض عناوين المعلِّق على «الروضة الندية» للشيخ محمد الحلاق -حفظه الله- أسأل الله تعالى أن يتقبَّل منِّي ومنه. بَيْد أنَّ الحاجة -فيما أرى- ما تزال مُلحَّة لوجود الكتاب الذي ذكرْتُ سماته في بداية حديثي، لأمور حديثيَّة وفقهيَّة وغير ذلك. لذلك؛ شمَّرتُ عن ساعد الجدِّ، وأنا أعلمُ أنَّ الطريق طويلٌ، والجهد عظيمٌ؛ لأقوم بهذا العمل النافع المبارَك بإِذن الله. وأرجو أن أنتفع من إِخواني بنصيحة أو توجيه أو اقتراح أو تصويب؛ فالمؤمن مرآة المؤمن؛ ليكون الكتاب على خير وجه -بإِذن الله تعالى-. هذا، وقد رجعْتُ لشيخنا الألباني -شفاه الله تعالى وعافاه- في كثير من المسائل، فاستفدْتُ منه، وأنِسْتُ برأيه، فجزاه الله عنِّي وعن المسلمين خيرًا. ولعلك سترى بعد ذكر كلمة (شيخنا) (١) مرّة -حفظه الله تعالى- ومرّة -شفاه الله وعافاه- وقد ترى كلمة -شفاه الله وعافاه- قبل أو بعد(١) شفاه الله وعافاه. -حفظه الله تعالى- ذلكم أنه قد اشتدّ بشيخنا المرض في فترةٍ من الفترات، ثمَّ تحسَّن حاله، ثمَّ عاوده المرض. كما أننّي كتبتُ بعض العبارات وهو يستمتع بالصحة والعافية، وعند تصحيح التجارب كان في مرضه، وهأنذا الآن على وشك الانتهاء من الكتاب، وقد اشتدّ به المرض، وهو على حالٍ لا أستطيع وصْفها تُذكِّرنا بمقولة قتيبة ابن سعيد -في حياة أحمد بن حنبل رحمه الله- قال: «مات الثوري ومات الورع، ومات الشافعي وماتت السنن، ويموت أحمد بن حنبل وتظهر البدع». أخرجه ابن الأعرابي في «معجمه» (١٢٥٤) والبيهقي في «مناقب الشافعي» (٢/ ٢٥٠) (١). ولا أدري ما أقول! هل فقْدنا شيخنا الوالد عبد العزيز بن باز -رحمه الله- هيّأنا للمصاب الجلل الذي سيحلّ بالأمّة، أم أنّ ما نترقبّه من عظيم المصاب يهيّج أحزاننا على فراقه، وهذا كما قال الشاعر: فقُلت له إِنّ الشجى يبعث الشجى ... فدعني فهذا كلّه قبر مالك أسأل الله العظيم، ربَّ العرش العظيم أن يتقبَّلَ منِّي عملي، وأن ينفَعني به وإِخواني المسلمين، وأن لا يجعل لأحدٍ منه شيئًا؛ إِنَّه سبحانه على كلِّ شيء قدير. ثمَّ وقعت مصيبة الموت وكان ذلك قبل مغرب يوم السبت بساعة ونصف تقريبًا لثمانية أيّام بقين من شهر جمادى الآخر سنة ١٤٢٠ هـ الموافق(١) وهذا من إِتحافات أخي الشيخ مشهور -حفظه الله ورعاه- في بعض دروسه النافعة في المساجد. ٢/ ١٠/١٩٩٩م فإِنّا لله وإِنّا إِليه راجعون، ونقول: «إِنَّ العين لتدمع، وإِنَّ القلب ليحزن، وإِنّا بفراقك يا شيخنا الألباني لمحزونون». ورحم الله فقيه المحدثين ومحدّث الفقهاء وشيخ الإِسلام في هذا الزمان، وأجزل له المثوبة والأجر، وجمَعنا به مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا. وقد قلت أيام حياته -رحمه الله تعالى-: لولا تفضُّلُ ربِّنا الرحمنِ ... بلقائكم يا شيخنا الألباني ما كنتُ أشعر بالحياة وطعمها ... ولَما استطَبْتُ العيش في عمّانِ علّمتنا كيف النّجاة ننالُها ... فالحمد للغفّار للمنّانِ إِني سألْتُ الله أن ألقاكمُ ... في جنّة الفردوس خير جنانِ ومع الأحبّة والأعزّة كلُّهم ... يا حبّذا عيشي مع الإِخوانِ لا تحسبنّ القول نفثة شاعر ... أو أنّني قد هِمْت في الودْيانِ فالكذْب ليس بجائز في ديننا ... لكنّها مِن غربة الإِيمانِ وأقول الآن بعد مماته -رحمه الله-: ودّعتنا يا شيخنا الألباني ... وادَمعَتَا للعالِم الرباني فارقْتنا والحزن ليس مفارقي ... والدمع يعشق بعدكم أجفاني أسفي على الدنيا بفقد إِمامنا ... والحزن بعدك شيخنا يهواني يا شيخنا إِنّ القلوب تفطرت ... هذا عزائي أيها الثقلان سأظل أذكركم ويذكرني الشجى ... حتى يوافيَ قبريَ الملكان قلبي يتاجر بالهموم فمن أتى ... سيرى به سوقًا من الأحزانِ أنظل نفرح بالربيع وزهره ... وكذا بماءٍ صبَّ في الوديانِ أم سوف يبهجنا هديل حمائمٍ ... لما تبدّى الحزن من عمّانِ أم سوف يُمتعنا السكون بليله ... حين اختفى عن أمّتي القمرانِ لمّا قضى عبد العزيز إِمامنا ... ثمّ افتقَدنا بعده الألباني ماذا يعيد إِلى القلوب سرورَها ... ماذا يبدّد مبعثَ الأشجان كيف السبيل إِلى ابتسام شفاهنا ... تالله ليس لنا سوى الرحمنِ ذاك الثرى قد ضمّ أغلى عالمٍ ... فلتهنئي يا تربة (الهملان) (١) ورجاؤنا استغفار نملٍ شيخنا ... لكمُ ونرجو ذاك في الحيتان منهاجَ خير الناس قد بصّرتنا ... أرشدتنا نحيا مع البرهانِ عرَّفتنا هدي النبي وصحبه ... تالله هذا منهج القرآن علّمتنا حبّ النبي وآله ... حفّزتنا نسعى إِلى الغفرانِ في دقّة الأقوال قد مرّستنا ... درّبتنا نمضي إِلى الإِحسان تالله شمس علومكم ما كُوّرت ... تكوير شمسٍ جاء في القرآنِ وبحار فهمك شيخنا ما سُجّرت ... ستظل مغدقةً مع الأزمانِ لكن بحار الكون يأتيها الفنا ... تسجيرها آتٍ بغير توانِ أمّا انكدار النجم فهو محقّقٌ ... هذي عقيدتنا بلا نكرانِ حين انكدار النجم يلمع علمكم ... وبه المفازة بالمنى وجنان من للحديث مصححًا ومضعّفًا ... إِني شكوت البثّ للرحمن(١) هي المقبرة التي دُفن فيها شيخنا -رحمه الله تعالى-. من للفتاوى حين يعضل أمرها ... مِن بعد فقدِك رائد الفرسان من ذا يصدُّ المُحدِثين وكيدَهم ... ويردُّ ما قالوا من الطغيان من ذا سيُفحم كل صاحب بدعةٍ ... من ذا سيلجم هجمة الفتانِ إِنً الذي قد قال إِنك مرجئٌ ... لا يعرف التأصيل في الإيمان كبُر الكلام خروجه وقبوله ... من فيه شخصٍ خاض في البهتان من قال ذا الإِيمانُ ليس بثابتٍ ... هو في ازديادٍ بل وفي نقصانِ أو قال إنَّ الضُّر قد مس الفتى ... حين اقتراف الذنب والعصيانِ أو قال سبُّ المسلمين مُفسِّقٌ ... وقتالهم يهدي إِلى الكفرانِ كان المصيبَ وليس ذاك بمرجئ ... هذا -وربي- الحقُّ يا إِخواني فاترك هواك فإِنه لك قاتلٌ ... وحذارِ أن تبقى على الهذيانِ إِنَّ الهوى في قتلكم متجاهلٌ ... دِيَةً ولم يورِث سوى الخسران أو قائل ما أنت غيرَ محدّث ... في الفقه ما عرفوا لكم من شانِ ذاك امرؤٌ في جهله متخبّطٌ ... إِنّ الجحود طبيعة الإِنسان روّى الورى من فقهه فتأمّلن ... «صفةَ الصلاة» مصنفَ الألباني «أدب الزفاف» دقائقٌ ولطائفٌ ... «إِرواؤُه» كالماء للعطشانِ وكفى بـ «حكام الجنائز» درّةً ... بيّنتَها للناس خير بيان إنّ «الصحيحة» قد تعاظم نفْعها ... منها عبيق المسك والريحان و«مناسك الحج» التي صنّفتها ... كانت وربّي تحفة الخلاّنِ إِغفالكم إِغفال سنّة أحمدٍ ... نسيانكم ضربٌ من العصيان مهما حييتُ فلست أنسى فضلكم ... إِني أخاف الله أن ينساني لو كان ذلك جائزًا لوجدتني ... والله في عجزٍ عن النسيانِ أنا في قيامي للصلاة لخالقي ... لا بد من ذكري إِمامي الحاني لا بُدّ من ذكر الذي قد قاله ... في ذي الصلاة وسائر الأركانِ في الحجّ ماذا قال أو أفتى به ... في الصوم في الصدقات في الإِحسانِ لمّا يسبّح بعضهم في سبحةٍ ... قد كان يذكر أحمد العدناني فيقول هذا لم يَرِدْ في ديننا ... ولذا تمثّل في جميع بناني فإِذا السنون فنت سيبقى علمكم ... تالله ما قدّمتَ ليس بفانِ كم من فتاوى كنت تُفتينا بها ... ستظل تذكركم بكل أمان رباه ما أبغي الغلوّ فإِنّه ... يدعو إِلى النيران والشيطان لكن أردت أداء حقِّ إِمامنا ... يا رب باعِدني عن الكفرانِ رحم الإِله الشيخ أوسع رحمةٍ ... وحباه ما يرجو من الرضوان وكتب: حسين بن عودة العوايشة ثمَّ بلَغَنا وفاة الشيخ السيد سابق -رحمه الله- فكان عامنا هذا حافلًا بالأحزان لفَقْد جَمْعٍ من العلماء، وأقول ما قاله الإِمام البخاري حين بلغه نبأ وفاة الإِمام الدارمي -رحمهما الله تعالى-: إِنْ تبْقَ تُفَجعْ بالأحبّة كلهم ... وفناء نفسك -لا أبالك أفجع-. |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 10الى صــ 25 الحلقة (2) الطهارة المياه وأقسامها القسم الأول: الماء الطَّهور: وهو الماء الطَّاهر في نفسه، المُطهِّر لغيره، تُرفع به الأحداث والنجاسات. ويشمل الأنواع الآتية: ١ - ماء المطر: قال الله سبحانه: ﴿وأَنْزَلْنَا مِنَ السَّماء ماءً طَهُورًا (١)﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ مَاءً ليُطَهّرَكمْ به (٣)﴾ (٤). ٢ - ما كان أصله الماء؛ كالثلج والبَرَد: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يسكُتُ بين التكبير وبين القراءة إِسكاتة -قال: أحسِبُه قال: هُنَيَّةً- فقلت: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله! إِسكاتُك بين التَّكبير والقراءة؛ ما تقول؟ قال:»أقول: اللهم باعد بيني وبين خطايايَ كما باعَدتَ بين المشرق والمغرب، اللهمَّ نقِّني من ------------------------------ (١) قال ابن كثير: «أي: آلة يُتطهَّر بها؛ كالسَّحور والوجور وما جرى مجراهما». والوَجور: الدواء يوجَر في وسط الفم؛ أي: يُصبُّ. «مختار الصحاح». (٢) الفرقان: ٤٨ (٣) قال ابن كثير في «تفسيره»: «﴿لِيُطهِّرَكم به﴾؛ أي: مِن حدَث أصغر أو أكبر، وهو تطهير الظاهر». (٤) الأنفال: ١١ الخطايا كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنس، اللهمَّ اغْسِلْ خطاياي بالماء والثلج والبرد» (١). ٣ - مياه العيون والينابيع (٢): قال الله تعالى: ﴿أَلمْ تَرَ أَنَّ الله أَنْزَلَ منَ السَّماء مَاءً فَسَلَكهُ يَنابيعَ في الأرْضِ﴾ (٣). ٤ - ماء البحر: لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سأل رجل النّبيَّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله! إِنَّا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإِنْ توضأنا به عطِشْنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «هو الطَّهورُ ماؤه، الحِلُّ مَيتته» (٤). ٥ - ماء زمزم: لِما ثَبَتَ من رواية عليّ -رضي الله عنه-: «أنَّ رسول الله - ﷺ - دعا ------------------------------ (١) أخرجه البخاري: ٧٤٤، ومسلم: ٥٩٨، وغيرهما. (٢) اليَنبوع: عين الماء، وجمعها: ينابيع.»مختار الصحاح«. (٣) الزمر: بعض الآية ٢١، وفي»تفسير ابن كثير«عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في هذه الآية:»... ليس في الأرض ماءٌ إِلا نزل من السماء، ولكن عروق في الأرض تغيِّره، فذلك قوله تعالى: ﴿فَسَلَكَهُ ينابيعَ في الأرضِ﴾، فمن سرّه أن يعود الملح عذبًا؛ فليصعدْه«. (٤) أخرجه مالك وأصحاب السنن وغيرهم، وانظر»الصحيحة«(٤٨٠)، و»صحيح سنن أبي داود" (رقم ٧٦). بسَجْل (١) من ماء زمزم، فشَرِب منه وتوضَّأ» (٢). ٦ - الماء الآجن (٣) المتغير بطول المكث (٤) أو بمخالطة طاهر لا يمكن صونُه عنه؛ كالطحلب، وورق الشجر، والصابون، والدقيق. «وكذلك ما يتغيَّر في آنية الأدم (الجلد) والنحاس ونحوه؛ يُعْفَى عن ذلك كلِّه، ولا يخرج به الماء عن إِطلاقه». «وأيضًا؛ ما تغيَّر بالسمك ونحوه من دوابِّ البحر، لأنه لا يمكن التحرُّز منه» (٥). ويظلُّ كلُّ ذاك طَهورًا ما دام اسم الماء المطلق يتناوله. ومن الأدلَّة على ذلك: ما روته أمُّ عطيَّة -رضي الله عنها- قالت: دخل علينا رسول الله - ﷺ - حين تُوفِّيت ابنته، فقال: «اغْسِلْنَها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك -إِنْ -------------------------------- (١) بمعنى الذَّنوب: الدلو الملأى ماء.»النهاية«. وفي»فقه اللغة«للثعالبي:»لا يُقال للدلو: سَجْل؛ إِلا ما دام فيها ماء قلَّ أو كثر، ولا يُقال لها: ذَنوب؛ إِلا إِذا كانت ملأى«. (٢) أخرجه عبد الله ابن الإِمام أحمد في»زوائد المسند«(١/ ٧٦)؛ كما في»الإِرواء«(١٣)، وانظر»تمام المنة«(ص ٤٦). (٣) أي: المتغيِّر الطَّعم واللون. (٤) ونقل شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله- اتفاق العلماء على ذلك في»الفتاوى«(٢١/ ٣٦). (٥) انظر كتاب»المغني" (أحكام الماء المطلق والمتغيِّر). رأيتنَّ- بماءٍ وسِدْر (١)، واجعَلْنَ في الآخرةِ كافورًا (٢)، فإذا فرغْتُنَّ؛ فآذِنَّني»، فلما فرغْنا؛ آذنَّاه، فأعطانا حَِقْوه (٣)، فقال: «أشعِرْنها (٤) إِيَّاه»؛ تعني: إِزاره (٥). وفي حديث أمِّ هانئ: «أنَّ النّبيَّ - ﷺ - اغتسل وميمونة من إناء واحد؛ في قصعة فيها أثر العجين» (٦). قال ابن حزم -رحمه الله تعالى- (مسألة ١٤٧) من «المحلى»: «وكلُّ ماءٍ خالَطه شيء طاهر مباح، فظهر فيه لونه وريحُه وطعمُه؛ إِلاَّ أنه لم يُزِلْ عنه اسم الماء؛ فالوضوء به جائز، والغُسل به للجنابة جائز. برهان ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ (٧)، وهذا ماء، سواء كان الواقع فيه مِسكًا أو عسلًا أو زعفرانًا أو غير ذلك». وأما دليل الوضوء في آنية النحاس والجلد ونحوها: فلحديث عبد الله بن زيد -رضي الله عنه- قال: «أتى رسول الله -ﷺ-، ---------------------------- (١) السِّدر: شجر النَّبِق. (٢) الكافور: من أخلاط الطيب، وفي»الصحاح«: من الطيب.»لسان العرب«. (٣) بفتح المهملة -ويجوز كسرها، وهي لغة هذيل- بعدها قاف ساكنة، والمراد به هنا الإِزار.»فتح«-بحذف يسير-. (٤) أي: اجْعلْنه شعارها؛ أي: الثوب الذي يلي جسدها. (٥) أخرجه البخاري: ١٢٥٣، ومسلم: ٩٣٩، وغيرهما. (٦) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(٢٣٤)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٣٠٣)، وغيرهما، وانظر»المشكاة«(٤٨٥)، و»الإِرواء" (٢٧١). (٧) النساء: ٤٣، والمائدة: ٦ فأخرَجْنا له ماءً في تَوْرٍ مِن صُفر (١)، فتوضَّأ، فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه مرَّتين مرَّتين، ومسحَ برأسه، فأقبَلَ به وأدْبَرَ، وغَسل رِجليه» (٢). وحديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «بِتُّ ذات ليلة عند خالتي ميمونة، فقام النّبيُّ - ﷺ - يصلِّي متطوِّعًا من الليل، فقام النّبيُّ - ﷺ - إِلى القربة فتوضأ، فقام فصلَّى، فقُمْتُ لمَّا رأيتُه صنَعَ ذلك، فتوضَّأتُ من القِربة، ثمَّ قُمتُ إِلى شقِّه الأيسر، فأخَذ بيدي من وراء ظهره إِلى الشقِّ الأيمن» (٣). وكذلك حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «كان النّبي - ﷺ - إِذا خَرَجَ لحاجته؛ أجيء أنا وغلام معنا إِداوَة (٤) من ماء؛ يعني: يستنجي به» (٥). ٧ - الماء الذي خالَطَتْه النجاسةُ، ولم يتغيَّر طعمه أو لونُه أو ريحهُ: عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - وهو يُقال له: إِنَّه يُستقى لك مِن بئر بُضاعة -وهي بئر يُلقى فيها لحوم الكلاب والمحايض (٦) وعُذَر النَّاس- فقال رسول الله - ﷺ -: «إِنَّ الماء طهور، --------------------------------- (١) التور: شبه الطَّسْت، وقيل: هو الطَّسْت. والصُّفْر: النحاس الجيِّد.»الفتح«. (٢) أخرجه البخاري: (رقم ١٩٧)، وروى النسائي نحوه. (٣) أخرجه البخاري: ٦٣١٦، ومسلم: ٧٦٣، وغيرهما. (٤) هي إِناء صغير من جلد. (٥) أخرجه البخاري: ١٥٠ (٦) قال في»النهاية": قيل: المحايض جمْع المحيض، وهو مصدر حاض، فلما سُمّي به جَمَعَه، ويقع المحيض على المصدر والزمان والمكان والدّم. لا ينجِّسه شيء» (١). وفي الحديث: «إِذا بَلَغَ الماء قُلَّتين (٢)؛ لم يَحملِ الخَبَث» (٣). قال الشوكاني: «وأمَّا حديث القُلَّتين؛ فغايةُ ما فيه أنَّ ما بلَغَ مقدار القلَّتين؛ لا يحمل الخَبَث، فكان هذا المقدار؛ لا يؤثِّرُ فيه الخبث في غالب الحالات، فإِنْ تغيَّر بعض أوصافه؛ كان نَجِسًا بالإِجماع الثابت من طُرُق متعدِّدة. وأمّا ما كان دون القلَّتين؛ فلم يَقُل الشارع: إِنه يحمل الخَبَث قطعًا وبتًّا، ----------------------------- (١) أخرجه أبو داود وغيره، وانظر»صحيح سنن أبي داود«(٦٠)، و»الإرواء«(١٤)، قال أبو داود:»وسمعت قتيبة بن سعيد؛ قال: سألت قيِّم بئر بُضاعة عن عمقها. قال: أكثر ما يكون إلى العانة. قلت: فإِذا نقص؟ قال: دون العورة«. قال أبو داود:»وقدرْتُ أنا بئر بُضاعة بردائي مَدَدْتُه عليها، ثمَّ ذرَعْتُه، فإِذا عرضها ستة أذرع، وسألتُ الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إِليه: هل غُيِّر بناؤها عمَّا كانت عليه؟ قال: لا. ورأيت فيها ماءً متغيِّر اللون«. (٢) في»سنن الترمذي«:»قال عبدة: قال محمد بن إِسحاق: القُلة هي الجرار، والقُلَّة التي يُستقى فيها«. وقال الشافعي وأحمد وِإسحاق -كما في الترمذي أيضًا-:»يكون نحوًا من خمس قِرب«. والمراد من ذِكْر القلَّتين كثرة الماء، والله أعلم. وسمِّيت قُلَّة؛ لأنَّها تُقَلُّ؛ أي: ترفع وتحْمل. (٣) أخرجه أبو داود وغيره، وانظر»صحيح سنن أبي داود«(٥٦)، و»صحيح سنن النسائي«(٥١)، و»صحيح سنن الترمذى«(٥٧)، و»الإِرواء" (٢٣). بل مفهوم حديث القلَّتين يدلُّ على أنَّ ما دونهما قد يحمل الخَبَث وقد لا يحمله، فإِذا حَمَلَهُ؛ فلا يكون ذلك إِلا بتغيُّر بعض أوصافه ...» (١). وقال الزهري: «لا بأس بالماء؛ ما لم يغيِّره طعمٌ أو ريحٌ أو لون» (٢). ٨ - الماء المستعمَل: سواء تُوضِّىءَ به أو اغتُسِل ... ونحو ذلك؛ ما لم يُستعمل في إِزالة نجاسة. وفي ذلك أدلَّة كثيرة؛ منها: ما قاله عروة عن المِسْوَر وغيره -يصدِّق كل واحد منهما صاحبه-: «وإِذا توضَّأ النّبيّ - ﷺ -، كادوا يقتتلون على وَضوئه» (٣). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: اغتسل بعض أزواج النّبيّ - ﷺ - في جفنة (٤)، فجاء النّبيّ - ﷺ - ليتوضَّأ منها -أو يغتسل- فقالت له: يا رسول الله! إِنِّي كنتُ جُنُبًا. فقال رسول الله - ﷺ -: «إِنَّ الماء لا ----------------------------- (١)»السيل الجرّار«(باب المياه)، بحذف يسير، ونحوه في»الدراري المضية«. (٢) أخرجه البخاري في»صحيحه«معلَّقًا مجزومًا به. وقال شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى- في»مختصر البخاري«(باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء، رقم: ٥٩):»وصَلَه ابن وهب في«جامعه» بسند صحيح عنه، والبيهقي نحوه«. وانظر»الفتح«(١/ ٣٤٢). (٣) أخرجه البخاري: ١٨٩ (٤) الجفنة: هي القصعة، وفي»الصحاح«:»كالقصعة". يُجْنِب» (١). وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - وهو يُقال له: إِنَّه يُستقى لك مِن بئر بُضاعة -وهي بئر يُلقى فيها لحوم الكلاب والمحايض (٢) وعُذَر النَّاس- فقال رسول الله - ﷺ -: «إِنَّ الماء طهور، لا ينجِّسه شيء» (٣). وعن الرّبَيِّع بنت مُعَوِّذ -رضي الله عنها- في وصف وضوء رسول الله - ﷺ -: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - مسحَ برأسه مِن فضْل ماءٍ كان في يده» (٤). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: لقيني رسول الله - ﷺ - وأنا جُنُب، فأخذ بيدي، فمشيتُ معه حتى قعد، فانْسَلَلْتُ فأتيتُ الرحل (٥)، فاغتسلتُ، ثمَّ جئت وهو قاعد، فقال: «أين كنتَ يا أبا هرّ؟». فقلتُ له (٦)، فقال: «سبحان الله يا أبا هرّ! إِنَّ المؤمن لا ينجُس» (٧). ------------------------- (١) أخرجه الترمذي، وقال: «حديث حسن صحيح». وانظر «صحيح سنن أبي داود» «صحيح سنن الترمذي» (٥٥)، و«المشكاة» (٤٥٧). (٢) قال في «النهاية»: قيل: المحايض جمْع المحيض، وهو مصدر حاض، وتقدّم. (٣) أخرجه أبو داود وغيره، وانظر «صحيح سنن أبي داود» (٦٠)، و«الإرواء» (١٤)، تقدّم. (٤) عن «صحيح سنن أبي داود» (١٢٠). (٥) أى: المكان الذي يأوى فيه. «فتح». (٦) في رواية أخرى: «كنت جنبًا، فكرهتُ أن أجالسك وأنا على غير طهارة». البخاري: ٢٨٣. (٧) أخرجه البخاري: ٢٨٥، ومسلم: ٣٧١ قال ابن قدامة: «... ولأنَّه ماء طاهر لاقى محلًاّ طاهرًا؛ كالذي غسل به الثوب الطاهر» (١). وقال أيضًا: «ولأنَّه لو غمس يده في الماء؛ لم ينجِّسْه، ولو مسَّ شيئًا رطبًا؛ لم يُنجِّسْهُ» (٢). وعن عمرو بن يحيى عن أبيه؛ قال: «كان عمِّي يكثر من الوضوء. قال لعبد الله بن زيد: أخبِرني كيف رأيتَ النّبيّ - ﷺ - يتوضَّأ؟ فدعا بتورٍ (٣) مِن ماء، فكفأ على يديه، فغسَلهما ثلاث مرار، ثم أدخَل يده في التَّور، فمضمض واستنثَر ثلاث مرَّات من غَرفة واحدة، ثمَّ أدخَل يده فاغترف بها، فغسَل وجهه ثلاث مرات، ثمَّ غسَل يديه إِلى المرفقين مرتين مرتين، ثمَّ أخذ بيده ماءً، فمسح رأسه، فأدبرَ به وأقبل، ثمَّ غسل رجليه، فقال: هكذا رأيت النّبيّ - ﷺ - يتوضأ» (٤). وفي «صحيح البخاري»: «وأمرَ جريرُ بنُ عبد الله أهلَه أن يتوضَّؤوا بفضل سواكِه» (٥). قال الحافظ في «الفتح»: «وقد صحَّحه الدارقطني بلفظ: كان يقول ------------------------------ (١)»المغني«(الماء المضاف إِلى مقرِّه والمخالطة لما يلازمه). (٢)»المغني«(الماء المضاف إِلى مقرِّه والمخالطة لما يلازمه). (٣) شبه الطَّسْت، وقيل: هو الطَّسْت، وتقدَّم. (٤) أخرجه البخاري: ١٩٩، ومسلم: ٢٣٥، وفيه الدلالة الصريحة على جواز إدخال اليد في الإِناء إلاَّ ما استُثني؛ خلافًا لمن يتحرَّج من ذلك، أو ينهى عنه. (٥) كذا أورده معلَّقًا بصيغة الجزم. وقال الحافظ في»الفتح«:»هذا الأثر وصله ابن أبي شيبة والدراقطني وغيرهما من طريق قيس بن أبي حازم عنه«. وذكر شيخنا في»مختصر البخاري«تصحيح الدارقطني إِسناده. قال الحافظ:»وفي بعض طرقه: كان = لأهله: توضَّؤوا من هذا الذي أدخل فيه سواكي» (١). وعن أبي جحيفة -رضي الله عنه- قال: «خرج علينا رسول الله - ﷺ - بالهاجرة، فأُتي بوَضوء، فتوضَّأ، فجعَل النَّاس يأخذون من فضل وَضوئهِ فيتمسَّحون به ...» (٢). قال الحافظ: «وفيه دلالةٌ بيِّنة على طهارة الماء المستعمل». وعن أنس -رضي الله عنه-: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - دعا بإِناء من ماء، فأُتي بقدح رَحْراح (٣) فيه شيء من ماء، فوضع أصابعَه فيه»، قال أنس: «فجعلت أنظر إلى الماء ينبُع من بين أصابعه». قال أنس: «فحزَرْتُ (٤) مَن توضَّأ ما بين السبعين إلى الثمانين» (٥). وفي «الفتاوى» (٢١/ ٤٦) لشيخ الإِسلام: «وسُئِل ... -رحمه الله- عن الماء إِذا غَمَس الرجل يده فيه؛ هل يجوز استعماله أم لا؟ فأجاب: لا ------------------------------- = جرير يستاك ويغمس رأس سواكه في الماء، ثمَّ يقول لأهله: توضؤوا بفضله، لا يرى به بأسًا». (١) انظر (كتاب الوضوء) «باب استعمال فضل وضوء الناس» (رقم ١٨٧). (٢) أخرجه البخاري: ١٨٧ (٣) رَحْراح: أي: متَّسع الفم. وقال الخطَّابي: «الرَّحْراح: الإِناء الواسع الصَّحن القريب القعر، ومثله لا يَسَع الماء الكثير؛ فهو أدلّ على عِظَم المعجزة». قال الحافظ: «وهذه الصفة شبيهة بالطَّست». (٤) أي: قدَّرْتُ. (٥) أخرجه البخاري: ٢٠٠ ينجس بذلك، بل يجوز استعماله عند جمهور العلماء؛ كمالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وعنه رواية أخرى أنَّه يصير مستعملًا، والله سبحانه وتعالى أعلم». وقال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلَّى» (مسألة ١٤١): «والوضوء بالماء المستعمل جائز، وكذلك الغسل به للجنابة، وسواءٌ وُجد ماءٌ آخر غيره أو لم يوجد، وهو الماء الذي توضَّأ به بعينه لفريضة أو نافلة، أو اغتسل به بعينه لجنابة أو غيرها، وسواء كان المتوضِّىء رجلًا أو امرأة. برهان ذلك: قول الله تعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضَىِ أو عَلى سَفَرٍ أو جَاءَ أحدٌ مِنْكُم مِنَ الغَائِطِ أو لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدوا مَاءَ فَتَيَمَّموا﴾ (١). فعمَّ -تعالى- كل ماء، ولم يخصَّه، فلا يحِلُّ لأحد أن يترك الماء في وضوئه وغسله الواجب وهو يجده؛ إِلا ما منعه منه نصٌّ ثابت أو إِجماع متيقَّن مقطوع بصحّته». ٩ - الماء المسخَّن: فقد ثبت عن عمر -رضي الله عنه-: «أنَّه كان يسخَّن له الماء في قمقم (٢)، فيغتسل به» (٣). وثبت عنه أيضًا: «أنَّه كان يغتسل بالحميم» (٤). ------------------------ (١) النساء: ٤٣، والمائدة: ٦ (٢) القُمقم: ما يسخّن فيه الماء من نحاس وغيره ويكون ضيّق الرأس. «النهاية». (٣) أخرجه الدارقطني وغيره، وصحّحه شيخنا في «الإِرواء» (١٦). (٤) أخرجه ابن أبي شيبة وغيره، وصحّحه شيخنا في «الإِرواء» (١٧). والحميم: هو الماء الحارُّ. وأمّا حديث: «لا تغتسلوا بالماء المشمَّس؛ فإِنَّه يورث البَرَص»؛ فإِنَّه لم يثبت (١). القسم الثاني: الماء الطاهر غير المطهِّر: وهو ما خالَطَه طاهر، فغيَّر اسمه، حتى صار صبغًا أو خَلًا أو ماء وَرْد، أو غَلَب على أجزائه فصيَّره حِبرًا، أو طُبِخ فيه فصار مَرَقًا (٢)، وهذا الصِّنْف لا يجوز الغسل به ولا الوضوء؛ لأنَّ الطَهارة إِنَّما تجوز بالماء؛ لقوله تعالى: ﴿... فلم تجدوا ماءً فتيمَّموا﴾ (٣). وهذا لا يقع عليه اسم الماء. وعن عطاء: «أنَّه كره الوضوء باللبن والنّبيذ، وقال: إِنَّ التيمُّم أعجب إِليَّ منه» (٤). وعن أبي خَلْدة؛ قال: «سألت أبا العالية عن رجل أصابته جنابة، وليس عنده ماء، وعنده نبيذ؛ أيغتسل به؟ قال: لا» (٥). قال البخاري -رحمه الله- في «صحيحه»: «باب: لا يجوز الوضوء ------------------------------ (١) ضعيف موقوفًا على عمر -رضي الله عنه- ورُوِي مرفوعًا من طُرق واهية جدًّا. وانظر»المشكاة«(٤٨٩). (٢)»الشرح الكبير«(ص ١١). (٣) النساء: ٤٣، والمائدة: ٦ (٤) أخرجه البخاري معلَّقًا، وهو في»سنن أبي داود«(٨٦) موصولًا، وانظر»صحيح سنن أبي داود«(٧٨). (٥) أخرجه أبو داود: ٨٧، وقال شيخنا -حفظه الله-:»إِسناده صحيح على شرط البخاري«. وهو في»صحيح سنن أبي داود" (٧٩). بالنّبيذ ولا المسكر، وكرِهه الحسن وأبو العالية» (١). قال أبو عيسى الترمذي -رحمه الله تعالى (٢) -: «وقول من يقول: لا يُتَوَضَّأ بالنَّبيذ: أقرب إلى الكتاب وأشبه؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعيدًا طَيِّبًا﴾ (٣)». القسم الثالث: الماء النَّجس: وهو ما تغيَّر بمخالطة نَجِس، أو أنْ تُغيِّر النجاسة طعمَه أو لونه أو ريحه. وهذا لا يجوز التطهّر به. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٣٠): «الماء إِذا تغيَّر بالنَّجاسات؛ فإِنَّه ينجس بالاتفاق». وجاء في «سُبُل السلام» (ص ٢١): «قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنَّ الماء القليل والكثير إِذا وقَعَت فيه نجاسة، فغيَّرت له طعْمًا أو لونًا أو ريحًا؛ فهو نجِس». النجاسات أولًا: غائط الآدمي، وبوله: وفي ذلك أدلَّة عديدة؛ منها: ------------------------ (١) قال شيخنا في «مختصر البخاري»: «أمّا أثر الحسن؛ فوصَله ابن أبي شيبة وعبد الرزاق من طريقين عنه نحوه، وأما أثر أبي العالية؛ فوصله أبو داود وأبو عبيد بسند صحيح عنه نحوه». وهو في «صحيح أبي داود» (٨٧)«. وانظر»الفتح" (١/ ٣٥٤). (٢) بعد أن نقل أقوال أهل العلم في المسألة. (٣) النساء: ٤٣، والمائدة: ٦ قوله - ﷺ -: «بول الغلام يُنضح، وبول الجارية يُغسل» (١). ولم أستدلَّ به على تخفيف طهارة بول الغلام -مع إِفادته ذلك- بل على نجاسة البول بعامَّة، والشاهد: «وبول الجارية يُغسل». وقوله - ﷺ - في بول الأعرابي: «دعوه، وأهريقوا على بوله ذَنوبًا من ماء -أو سَجْلًا من ماء-» (٢). وقوله - ﷺ - في المُعذَّبَيْن في قبرَيهما: «كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة» (٣). وقوله - ﷺ -: «إِذا وطئ أحدُكم بنعليه الأذى؛ فإِنَّ التراب له طَهور» (٤). وفي رواية: «إِذا وَطِئ الأذى بخُفَّيْه؛ فطَهورهما التراب» (٥). وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- في خلْع النّبيّ - ﷺ - نعليه في الصلاة-: قال: بينما رسول الله - ﷺ - يصلِّي بأصحابه؛ إِذ خَلَعَ نعليه، فوضَعَهُما عن يساره، فلمَّا رأى ذلك القوم؛ ألقَوا نعالَهم، فلمَّا قضى رسول الله - ﷺ - صلاتَه؛ قال: «ما حَمَلَكُم على إِلقائكم نعالكم؟». قالوا: رأيناك ألقيْتَ ------------------------ (١) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم. وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في «الإرواء» (١٦٦). (٢) أخرجه البخاري: ٦١٢٨، ومسلم: ٢٨٤، وغيرهما. (٣) أخرجه البخاري: ١٣٦١، ومسلم: ٢٩٢، وغيرهما. ومعنى: «لا يستتر»: لا يستبرئ، ولا يتطهَّر، ولا يستبعد منه. (٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧١)، وانظر «المشكاة» (٥٠٣). (٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٢) وغيره. نعليك، فألقينا نعالنا. فقال رسول الله - ﷺ -: «إِنَّ جبريل - ﷺ - أتاني فأخبرني أنَّ فيهما قذرًا». وقال: «إِذا جاء أحدكم إِلى المسجد، فلينْظرْ، فإِنْ رأى في نعليه قذرًا أو أذى؛ فليَمْسَحْهُ، ولْيُصَلِّ فيهما» (١). وممَّا ورد في بول الصغير الذي لم يطعم: ما روته أم قيس بنت مِحْصَن -رضي الله عنها-: «أنَّها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إِلى رسول الله - ﷺ -، فأجلسه رسول الله - ﷺ - في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماءٍ، فنَضَحَهُ، ولم يغسله» (٢). قال الحافظ في «الفتح» في تفسير: «لم يأكل الطعام»: «المراد بالطعام ما عدا اللبن الذي يرتضعه والتمر الذي يحنَّك به والعسل الذي يلعقه للمُداواة وغيره، فكأنَّ المراد أنَّه لم يحصل له الاغتذاء بغير اللبن على الاستقلال، هذا مقتضى كلام النووي في»شرح مسلم«و»شرح المهذَّب«. وقال ابن التين -كما في»الفتح«-:»يُحتمل أنَّها أرادت أنَّه لم يتقوَّت بالطَّعام، ولم يستغنِ به عن الرَّضاع«. وعن لُبابة بنت الحارث -رضي الله عنها- قالت: كان الحسين بن علي -رضي الله عنهما- في حجر رسول الله - ﷺ -، فبال عليه، فقلتُ: اِلبَسْ ثوبًا ---------------------------- (١) أخرجه أبو داود وغيره، انظر»صحيح سنن أبي داود«(٦٠٥)، و»الإِرواء" (٢٨٤). (٢) أخرجه البخاري: ٢٢٣، ومسلم: ٢٨٧ https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 26الى صــ 40 الحلقة (2) وأعطني إِزاركَ حتى أغسله. قال:»إِنَّما يُغسل من بول الأنثى، وينُضَحُ من بول الذَّكر«(١). عن أبي السَّمح؛ قال:»كنت أخدم النّبيّ - ﷺ -، فكان إِذا أراد أن يغتسل؛ قال: «ولِّني قفاك»، فأولِّيه قفاي، فأسترُه به، فأُتي بحَسَن -أو حُسين- فبال على صدره، فجئتُ أغسله، فقال: «يُغسل من بول الجارية، ويُرشُّ من بول الغلام» (٢). وعن عليٍّ -رضي الله عنه- قال: «يُغسل بول الجارية، ويُنضح بول الغلام؛ ما لم يطعم» (٣). وفي رواية: «قال قتادة: هذا ما لم يطعما الطعام، فإِذا طعما؛ غُسلا جميعًا» (٤). قال أبو عيسى الترمذي: «وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النّبيّ - ﷺ - والتابعين من بعدهم -مِثل أحمد وإِسحاق-؛ قالوا: يُنضح بول الغلام، ويُغسل بول الجارية، وهذا ما لم يطعما، فإِذا طعما؛ غُسلا جميعًا». ثانيًا: دم الحيض: وفيه أدلَّة عديدة؛ منها: ----------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦١)، وابن ماجه، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وانظر «المشكاة» (٥٠١). (٢) أخرجه أبو داود «صحيح أبي داود» (٣٦٢) وغيره، وانظر «المشكاة» (٥٠٢). (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٣). (٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٤). عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حُبَيْش إِلى النّبيّ - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله! إِني امرأة أُسْتحاض فلا أطهُر، أفأدَعُ الصلاة؟ فقال: «لا؛ إِنَّما ذلك عِرْق، وليس بالحيضة، فإِذا أقبلتِ الحيضة؛ فدَعي الصلاة، وِإذا أدبرَت؛ فاغْسِلي عنك الدم وصلِّي» (١). وعن أم قيس بنت مِحْصَن -رضي الله عنها- قالت: سألتُ النّبيّ - ﷺ - عن دم الحيض يكون في الثوب؟ قال: «حُكِّيه بضِلْع (٢)، واغسليه بماء وسِدْر» (٣). وقد نقل النووي في «شرحه» (٣/ ٢٠٠) الإجماع على نجاسته. ثالثًا: الودي: وهو: «البَلَل اللَّزِج الذي يخرج من الذكر بعد البول» (٤) مباشرة، وهو لا يوجب الغُسل. رابعًا: المَذي: وهو ماءٌ أبيض لَزج رقيق، يخرج بلا دَفْق عند الملاعبة أو تذكُّر الجماع أو إِرادته، وقد لا يحسُّ الإِنسان بخروجه، وهي من النجاسات التي يشقُّ الاحتراز -------------------- (١) أخرجه البخاري: ٢٢٨، ومسلم: ٣٣٣، وهذا لفظه. (٢) الضِّلع: هو العود، والأصل فيه ضِلع الحيوان، فسمِّي به العود الذى يشبهه. «النهاية»، وقيل: العود الذى فيه اعوجاج. (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٤٩)، والنسائي وغيرهما، وصحّحه شيخنا في «الصحيحة» (٣٠٠). (٤) كذا في «النهاية»، وقال: "هو بسكون الدال وبكسرها وتشديد الياء، وقيل: = عنها، فخُفِّف تطهيرُه، ولا غُسل على من يصيبه ذلك؛ بل عليه الوضوء، ويغسل ذكَره وخصيتيه قبل ذلك، ويأخذ كفًّا من ماء، وينضح بها ثوبه. والأدلة على ذلك ما يأتي: عن عليٍّ -رضي الله عنه- قال: كنت رجلًا مذَّاء، فأمرْت رجلًا أن يسأل النّبيّ - ﷺلمكان ابنته- فسأل، فقال: «توضأ، واغسل ذَكَرَك» (١). وفي رواية: «إِذا وَجَدَ أحدُكم ذلك؟ فليَنْضَحْ (٢) فرْجَه، وليتوضَّأ وضوءه للصلاة» (٣). وفي رواية: «ليغسل ذكَرَهُ وأنثييه» (٤). وفي رواية: «من المَذْي الوضوء، ومن المَنِيِّ الغُسْل» (٥). قال أبو عيسى الترمذي: «وهو قول عامَّة أهل العلم من أصحاب النّبيّ - ﷺ - --------------------- = التشديد أصحّ وأفصح من السكون». (١) أخرجه البخاري: ٢٦٩، ومسلم: ٣٠٦، وغيرهما. (٢) ورد النضح على معنيين: الغسل والرش. ولما جاء في بعض الروايات بمعنى الغسل؛ تعيَّن حمل النضح عليه، وهذا ما ذهَب إليه النووي -رحمه الله-. قلت: «وهذا بخلاف الثوب؛ فإِنَّه لم يقل بغسله للتخفيف بخلاف الفرج». (٣) انظر «صحيح سنن أبي داود» (١٩١). (٤) انظر «صحيح سنن أبي داود» (١٩٢)، وأنثييه؛ أي: خصيتيه. (٥) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩٩) وغيره، وانظر «المشكاة» (٣١١). والتابعين ومن بعدهم، وبه يقول سفيان والشافعي وأحمد وإسحاق«. وعن سهل بن حُنيف -رضي الله عنه- قال:»كنتُ ألقَى من المذي شدَّة وعناء، فكنتُ أُكثر منه الغسل، فذكرْتُ ذلك لرسول الله - ﷺ -، وسألته عنه فقال: «إِنَّما يُجزئك من ذلك الوضوء». فقلت: يا رسول الله! كيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: «يكفيك أن تأخذ كفًّا من ماء، فتنضح به ثوبك، حيث ترى أنَّه أصاب منه» (١). قال الشوكاني -رحمه الله-: «فدلَّ هذا الحديث على أن مجرَّد النَّضح يكفي في رفع نجاسة المذْي، ولا يصحُّ أن يُقال هنا ما قيل في المنِيّ، إِنَّ سبب غسله كونه مستقذرًا، لأنَّ مجرَّد النضح لا يزيل عين المذي كما يزيله الغسل، فظهر بهذا أنَّ نضحه واجب، وأنَّه نَجِس خُفِّف تطهيره» (٢). خامسًا: الميتة: وهي ما مات من غير تذكية أو ذبح شرعي. ودليل نجاستها قوله - ﷺ -: «إِذا دُبِغَ الإِهاب، فقد طَهُرَ» (٣). قال الصنعاني -رحمه الله- في «سبل السلام» (١/ ٥٢): «وأمّا الميتة؛ ---------------------- (١) أخرجه أبو داود وغيره، وانظر»صحيح سنن أبي داود«(١٩٥)، و»صحيح سنن ابن ماجه«(٤٠٩)، و»صحيح سنن الترمذي«(١٠٠). (٢)»السيل الجرّار" (٧/ ٣٥). (٣) أخرجه مسلم: ٣٦٦ والإِهاب: هو الجلد قبل أن يُدبَغ؛ فأمّا بعده؛ فلا يسمى إِهابًا. فلولا أنَّه وَرَدَ»دباغ الأديم طَهوره«(١) و»أيّما إِهاب دُبغ؛ فقد طهُر«(٢)؛ لقُلْنا بطهارتها إِذ الوارد في القرآن تحريم أكْلها لكن حكَمْنا بالنَّجاسة لمَّا قام عليها دليلٌ غير دليل تحريمها». ويندرج تحتها ما قُطع من البهيمة وهي حيَّة؛ لحديث أبي واقد الليثي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما قُطِعَ من البهيمة وهي حيَّةٌ؛ فهو ميتة» (٣). ويستثنى من ذلك ميتة السمك والجراد؛ فإِنَّها طاهرة حلال أكلها؛ لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أُحِلَّتْ لنا ميتتان ودمان فأمّا الميتتان: فالحوت والجراد وأمّا الدَّمان: فالكبد والطحال» (٤). ولقوله - ﷺ - في البحر: «هو الطَّهور ماؤه، الحلُّ مَيتتُه» (٥). وجلد الميتة نجس كذلك -كما لا يخفى-؛ للحديث المتقدّم: «إِذا -------------------- (١) أخرجه مسلم: ٣٦٦ (٢) أخرجه أحمد في»مسنده«والترمذي والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٣٩٥٥) وانظر»غاية المرام«(٢٨). (٣) أخرجه أحمد في»مسنده«وأبو داود والترمذي والحاكم في»مستدركه«وحسّنه شيخنا في»غاية المرام«(٤١). (٤) أخرجه أحمد وابن ماجه وغيرهما، وصحّحه شيخنا في»الصحيحة" (١١١٨). (٥) تقدّم في (باب المياه). دُبِغَ الإِهاب؛ فقد طَهُر». وتقدّم في هذا المعنى بعض النصوص غير بعيد. وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «تُصدِّق على مولاة لميمونة بشاة، فماتت، فمرَّ بها رسول الله - ﷺ -، فقال:»هلاَّ أخذْتم إِهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟. فقالوا: إِنَّها مَيتة. فقال: «إِنَّما حَرُم أكلُها» (١). فقوله - ﷺ -: «طَهُر»؛ يدلُّ على نجاسته قبل الدِّباغة؛ كما هو بيِّن. سادسًا: لحم الخنزير: قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). وقال رسول الله - ﷺ -: «من لَعِبَ بالنَّرْدَشير (٣)؛ فكأنَّما صَبَغَ يده في لحم خنزير ودمه» (٤). سابعًا: الكلب: ومن الأدلة على نجاسته: -------------------------- (١) أخرجه البخاري: ١٤٩٢، ٢٢٢١، ٥٥٣١، ومسلم: ٣٦٣، وهذا لفظه. (٢) الأنعام: ١٤٥ (٣) النَّرد: اسم أعجمي معرَّب. وشير: بمعنى: حلو. «النهاية». وتعرف في بلاد الشام بـ (لعبة الطاولة). (٤) أخرجه مسلم: ٢٢٦٠، والبخاري في «الأدب المفرد» وأبو داود، وغيرهم. قوله - ﷺ -: «إِذا شَرِبَ الكلب في إِناء أحدكم؛ فليَغْسِلْهُ سبعًا» (١). وقوله - ﷺ -: «طَهور (٢) إِناء أحدكم إِذا وَلَغَ فيه الكلب: أن يغسله سبع مرات، أولاهنَّ بالتراب» (٣). ثامنًا: لحم السباع (٤): ومن أدلة نجاستها ما يرويه عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: «سُئل رسول الله - ﷺ - عن الماء وما ينوبه من الدوابِّ والسباع فقال - ﷺ -:»إذا كان الماء قُلَّتين؛ لم يحمل الخَبَث«(٥) وفي لفظ:»لم ينجِّسْه شيء«(٦). تاسعًا: لحم الحمار: عن أنس -رضي الله عنه- قال:»إِنَّ رسول الله - ﷺ - جاءه جاءٍ، فقال: أُكِلَتِ الحُمُر ثم جاءه جاءٍ فقال: أُكِلَت الحُمر ثم جاءه جاءٍ، فقال: أُفْنِيَتِ الحُمُر فأمَر مناديًا فنادى في النَّاس: «إِنَّ الله ورسوله ينهيانكم عن ----------------------------- (١) أخرجه البخاري: ١٧٢ ومسلم: ٢٧٩ وغيرهما. (٢) قال في»سُبُل السلام«:»قال في «الشرح الأظهر»: فيها ضمّ الطاء ويقال بفتحها؛ لغتان«. (٣) أخرجه مسلم: ٢٧٩ وأبو داود: ٧١ وغيرهما. (٤) انظر للمزيد -إِن شئت- (سؤر السباع). (٥) أخرجه جمع من الأئمة وانظر»صحيح سنن أبي داود«(٥٦) و»المشكاة«(٤٧٧) وصحّحه شيخنا في»الإِرواء«(٢٣) وتقدم. (٦) وهو عند ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٤١٨) وأحمد وصحّحه شيخنا في»الإِرواء" (٢٣) وتقدّم. لحوم الحُمُر الأهليَّة؛ فإِنَّها رجس«. فأُكْفِئت القُدور وإِنَّها لتفور باللحم» (١) عاشرًا: الجَلاَّلة (٢): فقد ثبت في حديث ابن عمر: أنه قال: «نهى رسول الله - ﷺ - عن أكل الجلاَّلة وألبانها» (٣). وقال عبد الله بن أبي أوفى: «... تحدَّثنا أنّما حرَّمها رسول الله - ﷺ - ألبته من أجل أنها تأكل العَذِرة» (٤). وثبت عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أنَّه كان إِذا أراد أكل الجلاَّلة حبَسها ثلاثًا (٥). قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلَّى» (٦): «وألبان الجلاَّلة حرام، وهي الإِبل التي تأكل الجلَّة -وهي العَذِرة- والبقر والغنم كذلك، فإِن مُنعت من أكلها حتى سقط عنها اسم الجلاَّلة؛ فألبانها حلال طاهرة». ------------------------ (١) أخرجه البخاري: ٥٥٢٨، ومسلم: ١٩٤٠، وغيرهما. (٢) جاء في «النهاية» ونحوه في «اللسان»: «الجَلاَّلة من الحيوان: التي تأكل العَذِرة، والجِلَّة: البعر، فوضَع موضع العَذِرة، يقال: جلَّت الدابَّة الجِلَّة واجْتَلَتْها، فهي جالَّة وجلاَّلة، إِذا التقطتْها». وفي «مختار الصحاح»: «جلَّ البعر: التقطه، ومنه سمِّيت الدابَّة التي تأكل العَذِرة: الجَلاَّلة». (٣) أخرجه أبو داود، وغيره، وصححه شيخنا في «الإِرواء» (٢٥٠٣). (٤) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٥٨٥). (٥) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عنه، وانظر «الإِرواء» (٢٥٠٥). (٦) انظر «المحلَّى» (مسألة ١٤٠). وأمّا الدَّجاج؛ فلا حرج في أكله، ولو أكَل الأقذار (١)، وقد ثبت أنَّ رسول الله - ﷺ - أكلهُ؛ كما في حديث زَهْدَم؛ قال: «كنَّا عند أبي موسى الأشعري -وكان بيننا وبين هذا الحيِّ من جَرْم إِخاء - فأُتِي بطعام فيه لحم دجاج، وفي القوم رجُل جالس أحمر، فلم يدْنُ من طعامه، فقال: ادْنُ؛ فقد رأيت رسول الله - ﷺ - يأكل منه. قال: إِنّي رأيته يأكل شيئًا فقذِرته، فحَلَفْتُ أن لا آكله ... (وذكر الحديث)» (٢). والبيض أيضًا يحمل نفس الحكم (٣). حادي عشر: عظام وشَعْر وقَرْن ما يُحكم بنجاسته: لأنها تتغذَّى بالنجاسة؛ إِلا إِذا قَبِلت الدِّباغ (٤). الأسْآر (٥) وتُقسَم إِلى قسمين: القسم الأول: الأسآر الطاهرة: وتندرج تحتها الأنواع الآتية: ------------------------ (١) انظر «الفتح» (٩/ ٦٤٦) للمزيد من الفائدة. (٢) أخرجه البخاري: ٥٥١٨، ومسلم: ١٦٤٩، وغيرهما. (٣) استفدته من شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى-. (٤) أفادنيه شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى-. (٥) جمع سؤر، وهو فضلة الشرب وبقيَّته. ١ - سؤر الآدمي: قال ابن قدامة في «المغني» (١) -في معرض كلامه عن سؤر الآدمي-: «... فهو طاهر، وسؤره طاهر سواء كان مسلمًا أو كافرًا، عند عامّة أهل العلم ...». وفي ذلك أدلَّة؛ منها: قوله - ﷺ -: «... إنَّ المؤمن لا ينجس» (٢). وفي رواية: «إنَّ المسلم لا ينجس» (٣). وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «بينما رسول الله - ﷺ - في المسجد، فقال: يا عائشة! ناوليني الثوب». فقالت: إني حائض. فقال: «إنَّ حيضتك ليست بيدك»، فناولَتْهُ (٤). وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «كنتُ أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النّبي - ﷺ -، فيضع فاه على موضع فيَّ، فيشرب، وأتعرَّق العَرْقَ (٥) وأنا ----------------------------- (١) انظر (سؤر الآدمي وعرَقه). (٢) تقدم تخريجه في (الماء المستعمل). (٣) أخرجه البخاري: ٢٨٣، ومسلم: ٣٧٢ (٤) أخرجه مسلم: ٢٩٩ (٥) جاء في»الفتح«(٢/ ١٢٩):»عَرْقًا -بفتح العين المهملة وسكون الراء بعدها قاف-. قال الخليل: العُراق: العظم بلا لحم، وإن كان عليه لحم؛ فهو عرق. = حائض، ثمَّ أناولُه النّبيّ - ﷺ -، فيضع فاه على موضع فيَّ» (١). وهذا صريح في طهارة فم وسؤر الحائض. وعن عبد الله بن سعد -رضي الله عنه- قال: سألتُ النّبيّ - ﷺ - عن مواكلة الحائض؟ فقال: «واكِلْها» (٢). وقد أورده الترمذي -رحمه الله- في (باب: مواكلة الحائض وسؤرها). وأما القول بطهارة سؤر الكافر؛ فللأسباب الآتية: أولًا: التمشي مع القاعدة المعروفة: «الأصل في الأعيان الطهارة». ثانيًا: مخالطة المسلمين للمشركين وإباحة ذبائحهم والزواج منهم، ولا نعلم أنَّهم كانوا يغسلون شيئًا ممّا أصابته أبدانهم أو ثيابهم (٣). وأما قول الله تعالى: ﴿إِنَّما المُشْرِكون نَجَس﴾ (٤)؛ فلا يُراد منها نجاسة الأبدان. ---------------------- = وفي المحكم عن الأصمعي: العَرْق -بسكون الراء-: قطعة لحم. وقال الأزهري: العَرق واحد العراق، وهي العظام التي يؤخذ منها هبر اللحم، ويبقى عليها لحم رقيق، فيُكسر ويُطبخ ويؤكل ما على العظام من لحم دقيق، ويتشمس العظام، يقال: عرَقت اللحم واعترقْتُه وتعرَّقته: إِذا أخذت اللحم منه نهشًا«. ومما قال ابن الأثير في»النهاية«:»العَرْق: العظم الذي أخذ عنه معظم اللحم«. (١) أخرجه مسلم: ٣٠٠ (٢) انظر»صحيح سنن ابن ماجه«(٥٣١) و»صحيح سنن الترمذي«(١١٤). (٣) قاله السيد سابق -حفظه الله تعالى- بمعناه في»فقه السنَّة" (سؤر الآدمي). (٤) التوبة: ٢٨ قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره»: وأما نجاسة بدنه؛ فالجمهور على أنَّه ليس البدن والذات؛ لأنَّ الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب ...«. وقال ابن الجوزي في كتابه»زاد المسير في علم التفسير«(١): والثالث: أنَّه لمّا كان علينا اجتنابهم كما تُجتَنَب الأنجاس؛ صاروا بحُكم الاجتناب كالأنجاس، وهذا قول الأكثرين، وهو صحيح». ٢ - سؤر ما يؤكل لحمه: عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: إِنِّي لَتَحْت ناقة رسول الله - ﷺ - يسيل عليَّ لعابُها، فسمعته يقول: «إِنَّ الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه؛ ألا لا وصيَّة لوارث» (٢). جاء في «سُبل السلام» (١/ ٥٣): «والحديث دليل على أنَّ لعاب ما يؤكل لحمه طاهر. قيل: وهو إِجماع. وهو أيضًا الأصل، فذِكْر الحديث بيانٌ للأصل، ثمَّ هذا مبنيٌّ على أنَّه - ﷺ - علِم سيلان اللُّعاب عليه؛ ليكون تقريرًا». قال أبو بكر بن المنذر: «أجمع أهلُ العلم -لا اختلاف بينهم- أنَّ سُؤر ما يؤكل لحمُه طاهر؛ يجوزُ شربُه والتطهر به» (٣). ويرى أهل العلم طهارة روث ما يؤكل لحمه؛ فالقول بطهارة سؤره أولى. -------------------- (١) وقد نَقَلَ ثلاثة أقوال في الآية. (٢) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢١٩٤)، والترمذي والدارقطني وغيرهم، وانظر «الإرواء» (٦/ ٨٩). (٣) الأوسط (١/ ٢٩٩) (المسألة ٧٦). ٣ - سؤر الهرة: عن كبشة بنت كعب بن مالك -وكانت تحت ابن أبي قتادة- أنَّ أبا قتادة دخل فسكبت له وَضوءًا، فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى (١) لها الإِناء حتى شربت. قالت كبشة: فرآني أنظرُ إِليه. فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلتُ: نعم. فقال: إِنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِنَّها ليست بنَجَس، إِنَّها من الطَوَّافين عليكم والطَوَّافات» (٢). وعن داود بن صالح بن دينار التمَّار عن أمه: أنَّ مولاتها أرسلَتها بهريسة (٣) إِلى عائشة، فوجدَتها تصلِّي، فأشارت إِليَّ أن ضعيها، فجاءت هرَّة، فأكَلت منها، فلمَّا انصرفتْ، أكَلت من حيث أكَلت الهرة. فقالت: إِنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِنَّها ليست بنَجَس، إِنَّما هي من الطوَّافين عليكم»، وقد رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضَّأ بفضلها (٤). وفي طهارة سؤر الهرة قال الترمذي -رحمه الله-: «وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النّبيّ - ﷺ - والتابعين ومَن بعدهم؛ مِثل: الشافعي وأحمد ------------------------ (١) أي: أمال. (٢) أخرجه أبو داود، والترمذي، وغيرهما. وانظر»صحيح سنن أبي داود«(٦٨). وقال شيخنا -حفظه الله تعالى- في»الإِرواء«تحت (١٧٣):»... وكذا صحَّحه البخاري والعقيلي والداراقطني؛ كما في تلخيص الحافظ ...«. (٣) في»لسان العرب«:»الهرْس: الدق، ومنه الهريسة، وقيل: الهريس: الحب المهروس قبل أن يُطبخ، فهو الهريسة ...«. (٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (٦٩). وإسحاق؛ لم يَروْا بسؤر الهرَّة بأسًا». القسم الثاني: الأسآر النَّجسة: ويدخل في ذلك: ١ - سؤر الكلب: ومن الأدلَّة على ذلك: قوله - ﷺ -: «إِذا شَرِب الكلب في إِناء أحدكم؛ فليغسله سبعًا» (١). وفي رواية: «إِذا ولَغَ الكلب في إِناء أحدكم؛ فليُرِقْه، ثمَّ ليغسله سبع مرار» (٢). قال بعض أهل العلم: «ولو كان سؤره طاهرًا؛ لم تَجُزْ إِراقته، ولا وَجَب غسْله». وجاء في «سُبل السلام»: «والإِراقة إِضاعة مال، فلو كان الماء طاهرًا؛ لَما أمر بإِضاعته، إِذ قد نهى عن إِضاعة المال، وهو ظاهر في نجاسة فمه» (٣). وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: «طَهور إِناء أحدكم إِذا ولَغ فيه الكلب: أن يغسله سبع مرات، أولاهنَّ بالتراب» (٤). وقوله - ﷺ -: «طَهور»؛ تدلُّ على نجاسة سؤر الكلب؛ كما قال بعض أهل --------------------------(١) أخرجه البخاري: ١٧٢، ومسلم: ٢٧٩ وغيرهما، وتقدَّم. (٢) أخرجه مسلم: ٢٧٩ (٣) (كتاب الطهارة، طهور إِناء أحدكم ...). (٤) أخرجه مسلم: ٢٧٩، وغيره وتقدَّم. العلم. ٢ - سؤر الحمار: ودليل ذلك قوله - ﷺ - عن أنس -رضي الله عنه- قال:»أنَّ رسول الله - ﷺ - جاءه جاءٍ، فقال: أُكِلَتِ الحُمُر، ثم جاءه جاءٍ، فقال: أُكلَت الحُمر، ثم جاءه جاءٍ، فقال: أُفْنِيَت الحُمُر، فأمَر مناديًا، فنادى في النَّاس: «إِنَّ الله ورسوله ينهيانكم عن لحم الحُمُر الأهليَّة؛ فإِنَّها رجس». فأُكْفِئت القُدور وِإنَّها لتفور باللحم«(١). وفي رواية (٢): فأمَر رسول الله - ﷺ - أبا طلحة، فنادى: إِنَّ الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحُمُر؛ فإِنَّها رِجْس أو نَجَس». وقال الترمذي -رحمه الله- في «سننه»: «باب: سؤر الحمار (وأورد الحديث السابق)». ٣ - سؤر الخنزير: قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٣). واستدلَّ من استدل من العلماء على نجاسة لحم الحمار بقوله - ﷺ -: =================== (١) أخرجه البخاري: ٥٥٢٨، ومسلم: ١٩٤٠، وغيرهما، وتقدّم. (٢) أخرجه مسلم: ١٩٤٠ (٣) الأًنعام: ١٤٥ https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 41الى صــ 55 الحلقة (4) »فإِنها رجس«(١)؛ فالخنزير بهذا الوصف أولى. وكلُّ شيء ثبتت نجاسة لحمه؛ يُحْكَم بنجاسة سؤره. وكلّ شيء لا يؤكل لحمه -سوى الهِرّ-؛ يُحْكم بنجاسة سؤره» (٢). ٤ - سؤر السباع (٣): ومن أدلَّة ذلك ما يرويه عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: سُئل رسول الله - ﷺ - عن الماء وما ينوبه من الدوابِّ والسباع؟ فقال - ﷺ -: «إِذا كان الماء قُلَّتين؛ لم يَحْمِل الخَبَث» (٤). وفي لفظ: «لم يُنَجِّسْهُ شيء» (٥). قال شيخنا الألباني -حفظه الله- في «تمام المنَّة» (٦): «... قال ابن التُّركماني في»الجوهر النقي«(١/ ٢٥٠): وظاهر هذا يدلُّ على نجاسة سؤر السباع، إذ لولا ذلك؛ لم يكن لهذا الشرط فائدة، ولكان التقييد به ضائعًا. وذكَر النووي نحوه في»المجموع«(١/ ١٧٣)» ... اهـ ---------------------- (١) تقدَّم تخريجه. (٢) انظر «نيل الأوطار» (باب نجاسة لحم الحيوان الذي لا يُؤكل إِذا ذبح). (٣) في «اللسان»: «السَّبُع: يقع على ما له ناب من السباع ويعدو على الناس والدواب فيفترسها؛ مثل: الأسد والذئب والنمر والفهد وما أشبهها ...». وقيل: «السَّبُع من البهائم العادية: ما كان ذات مخلب». (٤) تقدم. (٥) تقدم. (٦) (ص ٤٧) (... ومن السؤر). قلتُ: والذي جاء في «المجموع»: «واحتجَّ مَن منَع الطهارة بسؤر السباع بحديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: أنَّ النّبيَّ سئل عن الماء يكون بالفلاة وما ينوبه من السباع والدوابِّ؟ فقال:»إِذا كان الماء قُلَّتين؛ لم ينجس«. قالوا: فدلَّ على أنَّ لورود السباع تأثيرًا في تنجيس الماء ...». ما يُظنّ أنَّه نجس وليس كذلك أولًا: المَنِيّ (١): ومن الأدلَّة على طهارته ما يأتي: ما يرويه علقمة والأسود؛ أنَّ رجلًا نزل بعائشة -رضي الله عنها- فأصبح يغسل ثوبه، فقالت عائشة: «إِنَّما كان يجزئك إِنْ رأيته أن تغسل مكانه، فإِن لم ترَ؛ نضَحْتَ حوله، ولقد رأيتُني أفركه من ثوب رسول الله - ﷺ - فرْكًا فيصلي فيه» (٢). وفي رواية: «لقد رأيتُني وإِنِّي لأحكُّه من ثوب رسول الله - ﷺ - يابسًا بظُفُري» (٣). ولو كان المنيُّ نجسًا؛ لما صلَّى النّبيُّ - ﷺ - في ثوبه ذلك. قال أبو عيسى الترمذي -رحمه الله- عن الفرك: «وهو قول غير واحد من --------------------- (١) وقد قال بعض أهل العلم بنجاسته، ولكن المتأمّل في النصوص وفقهها وأقوال أهل العلم يطمئنّ -إِن شاء الله تعالى- لطهارته. (٢) أخرجه مسلم: ٢٨٨، وغيره. (٣) عن»صحيح مسلم": ٢٩٠ أصحاب رسول الله - ﷺ - والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء؛ مِثل: سفيان، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإِسحاق؛ قالوا في المنِيِّ يصيب الثوب: يجزئه الفَرْك، وإِن لم يُغْسَل». جاء في «السيل الجرَّار»: «وقد ثبت من حديث عائشة -رضي الله عنها- عند مسلم وغيره أنها كانت تفرك المنيَّ من ثوب رسول الله - ﷺ - وهو يصلي (١)، ولو كان نجسًا؛ لنزَلَ عليه الوحي بذلك؛ كما نزل عليه الوحي بنجاسة النعال الذي صلَّى فيه» (٢). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كنت أفرك المنيَّ من ثوب رسول الله - ﷺ - إِذا كان يابسا، ً وأمسحه أو أغسله -شكَّ الحُميدي- إذا كان رطبًا» (٣). وتردُّد الحميدي بين المسح والغسل لا يضرُّ؛ فإِنَّ كلَّ واحد منهما --------------------- (١) ليس في «صحيح مسلم» كما نبَّه أحد الأخوة، وِإنما هو في: «صحيح ابن خزيمة» (٢٩٠)، وصحّحه شيخنا. (٢) يشير بذلك اٍلى حديث أبي سعيد -رحمه الله- قال: «بينما رسول الله - ﷺ - يصلّي بأصحابه؛ إِذ خلَع نعليه، فوضعَهما عن يساره، فخَلَعَ الناس نعالَهم، فلمّا قضى رسول الله - ﷺ - صلاته؛ قال: ما حمَلكم على إِلقائكم نعالكم؟». قالوا: رأيناك ألقيت نعلك فألقينا نعالنا. قال: «إِنَّ جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا». أخرجه أبو داود وغيره، وانظر «الإرواء» (٢٨٤)، وتقدّم. (٣) أخرجه أبو عوانة، والطحاوي، والدارقطني؛ كما في «الإِرواء» (١٨٠)، وقال شيخنا -حفظه الله-: «وإسناده صحيح على شرط الشيخين». ثابتٌ (١). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله - ﷺ - يسلت (٢) المنيَّ من ثوبه بعِرْق الإِذخِر (٣)، ثم يصلِّي فيه، ويحتُّه من ثوبه يابسًا، ثم يصلِّي فيه» (٤). وعن عطاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أنَّه قال في المنيِّ يصيب الثوب: «أمِطْه عنك -قال أحدهم- بعودٍ أو إِذخِرة؛ فإِنَّما هو بمنزلة البصاق والمخاط» (٥). قال ابن حزم في «المحلَّى» المسألة (١٣١): «والمنيُّ طاهر في الماء كان أو في الجسد أو في الثوب، ولا تجب إِزالته، والبصاق مثله، لا فرق». وجاء في «سبل السلام» (١/ ٥٥): «وقالت الشافعيَّة: المنيُّ طاهر، واستدلُوا على طهارته بهذه الأحاديث (٦). ------------------- (١) من قول شيخنا -حفظه الله- في»الإِرواء«(١٨٠). (٢) أي: يميطه. وفي»المحيط«:»أخرجه بيده«. والسلت: يأتي بمعنى المسح أيضًا. (٣) هو حشيش طيب الريح. (٤) أخرجه أحمد وغيره، وإسناده حسن؛ كما في»الإِرواء«(١٨٠). ورواه ابن خزيمة في»صحيحه«. (٥) سنده صحيح على شرط الشيخين، وهو منكر مرفوعًا؛ كما في»الضعيفة" (٩٤٨). (٦) يريد أحاديث الفرك والحتّ ونحوها. قالوا: وأحاديث غَسله محمولة على النَّدب وليس الغَسْل دليل النجاسة؛ فقد يكون لأجل النظافة وإِزالة الدَّرن ونحوه، قالوا: وتشبيهه بالبُزاق والمخاط دليل على طهارته أيضًا، والأمر بمسحه بخرقة أو إِذخِرة لأجل إِزالة الدَّرن المستكره بقاؤه في ثوب المصلي، ولوكان نجسًا؛ لما أجزأ مسْحه». وقد ورد غَسْل المنيّ؛ كما في بعض النصوص: كما في حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كنت أغسل الجنابة من ثوب النّبيّ - ﷺ -، فيخرُجُ إِلى الصلاة، وإِنَّ بُقَعَ الماء في ثوبه» (١). وعنها -رضي الله عنها- أيضًا: أنَّ رسول الله - ﷺ -: «كان يغسل المنيَّ ثمَّ يخرج إِلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغَسْل فيه» (٢). وقال أبو عيسى -رحمه الله-: «وحديث عائشة -رضي الله عنها- أنَّها غسلت منيًَّا من ثوب رسول الله - ﷺ -؛ ليس بمخالف لحديث الفَرْك؛ لأنَّه وإن كان الفرك يجزئ؛ فقد يستحبُّ للرَّجل أن لا يرى على ثوبه أثره». وقال ابن حزم في «المحلَّى» (مسألة ١٣١): «وأمّا حديث سليمان بن يسار (٣)؛ فليس فيه أمْر من رسول الله - ﷺ - بغَسْله، ولا بإِزالته، ولا بأنَّه نجس، ----------------- (١) أخرجه البخاري: ٢٢٩ (٢) أخرجه مسلم: ٢٨٩ (٣) وقد تقدَّم بلفظ:»كان يغسل المنيَّ ثمَّ يخرج إِلى الصلاة في ذلك الثوب ... ". وإِنَّما فيه أنَّه - ﷺ - كان يغسله، وأنَّ عائشة -رضي الله عنها- كانت تغسله وأفعاله - ﷺ - ليست على الوجوب». ثمَّ ذكر -رحمه الله- حديث أنس بن مالك -رحمه الله- في حكِّ البزاق باليد من المسجد. ولفْظه -كما في البخاري (٤٠٥) -: عن أنس: «أنَّ النّبيَّ - ﷺ - رأى نخامة في القِبْلة، فشقَّ ذلك عليه، حتى رُئي في وجهه، فقام، فحكَّه بيده ..». قال ابن حزم -رحمه الله-: «فلم يكن هذا دليلًا عند خصومنا على نجاسة النخامة، وقد يغسل المرء ثوبه ممّا ليس نجسًا». وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (٢١/ ٦٠٥): «وبالجملة؛ فخروج اللبن من بين الفرث والدم: أشبه شيء بخروج المنيِّ من مخرج البول» (١). وقال -رحمه الله-: ومن المعلوم أنَّه لم ينقُل أحد أنَّ النّبيّ - ﷺ - أمر أحدًا من الصحابة بغَسْل المنيّ من بدنه وثوبه، فعُلم يقينًا أنَّ هذا لم يكن واجبًا عليهم، وهذا قاطع لمن تدبَّره«(٢). وقال الحافظ في»الفتح«:»... لا معارضة بين حديثي الغَسْل والفَرْك؛ ------------------- (١) «الفتاوى» (٢١/ ٦٠٣)، وله بحث نفيس في طهارة المني والردّ على من يقول بنجاسته (ص ٥٨٩ وما بعدها) من مجلد (٢١). (٢) «الفتاوى» (٢١/ ٦٠٥). لأنَّ الجمع بينهما واضح على القول بطهارة المنيِّ؛ بأن يُحْمل الغَسل على الاستحباب للتنظيف لا على الوجوب». قال: «وهذه طريقة الشافعيِّ وأحمد وأصحاب الحديث» (١). ثانيًا: الخمر: وذلك لأنَّ الأصل في الأعيان الطهارة، وليس هناك من دليل على نجاستها. أمَّا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢). فإِن كلمة «رجْس» تعني النجاسة الحُكمية لا الحسِّيَّة، وإلاَّ لَزمنا من ذلك أن نحكم بنجاسة الأنصاب والأزلام. وكذلك التحريم لا يقتضي النجاسة، وإلا لزِمنا الحكم بنجاسة الأمهات والبنات والأخوات والعمَّات ... لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ ...﴾ (٣) الآية. والطعام المسروق يحرُم أكْله، ولا يُقال بنجاسته. جاء في «سُبُل السلام» (١/ ٥٢): «والحقّ أنَّ الأصل في الأعيان الطهارة، وأنَّ التحريم لا يلازم النجاسة؛ فإِنَّ الحشيشة محرَّمة طاهرة، وكذا المخدِّرات والسموم القاتلة لا دليل على نجاستها، وأمَّا النجاسة؛ فيلازمها --------------------- (١) انظر»الفتح«(١/ ٣٣٢). وذكره الشوكاني في»نيل الأوطار" (١/ ٦٧). (٢) المائدة: ٩٠ (٣) النساء: بعض الآية ٢٣ التحريم، فكلُّ نجس محرَّم، ولا عَكْس، وذلك لأنَّ الحكم في النجاسة هو المنع عن ملابستها على كل حال، فالحكم بنجاسة العين حكمٌ بتحريمها؛ بخلاف الحكم بالتحريم؛ فإِنَّه يحرُم لُبْس الحرير والذهب، وهما طاهران ضرورة شرعية وِإجماعًا». وجاء في «الدراري المضيَّة» (١) (١/ ٢٨): «ولو كان مجرَّد تحريم الشيء مستلزمًا لنجاسته لكان مِثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمتْ عَليكُمْ أمَّهاتُكُم ...﴾ إِلى آخره دليلًا على نجاسة النساء المذكورات في الآية، وهكذا يلزم نجاسة أعيان وقع التصريح بتحريمها، وهي طاهرة بالاتِّفاق كالأنصاب (٢) والأزلام (٣) وما يُسكر من النباتات والثمرات بأصل الخِلقة. فإِن قلتَ: إِذا كان التصريح بنجاسة شيء أو رجسيَّته يدلُّ على أنَّه نجس كما قلتَ في نجاسة الروثة ولحم الخنزير؛ فكيف لم تحكم بنجاسة الخمر لقوله تعالى: ﴿إِنَّما الخَمْرُ والميْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ﴾ (٤)؟! قلتُ: لمَّا وقع الخمر هنا مقترنًا بالأنصاب والأزلام؛ كان ذلك قرينة صارفة لمعنى الرجسية إِلى غير النجاسة الشرعية. وهكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّما المُشْركونَ نَجَسٌ﴾ (٥)؛ لمّا جاءت الأدلَّة -------------------- (١) باختصار يسير. (٢) هي حجارة كانوا يذبحون قرابينهم عندها.»تفسير ابن كثير«. (٣) هي قداح كانوا يستقسمون بها.»تفسير ابن كثير". (٤) المائدة: ٩٠ (٥) التوبة: ٢٨ الصحيحة المقتضية لعدم نجاسة ذوات المشركين؛ كما ورد في أكل ذبائحهم وأطعمتهم والتوضُّؤ في آنيتهم والأكل فيها؛ كان ذلك دليلًا على أنَّ المراد بالنجاسة المذكورة في الآية غير النجاسة الشرعية». وجاء في «السيل الجرَّار» (١/ ٣٥): «وليس في نجاسة المسكر دليل يصلح للتمسُّك به ...». ثمَّ ذكر أن الرِّجْس في آية المائدة إِنَّما هو الحرام وليس النجس؛ بدلالة السياق. ثالثًا: روث وبول ما يؤكل لحمه: عن أنس -رحمه الله- قال: «قدِم أناس من عُكْل أو عُرَيْنة، فاجْتَوَوا (١) المدينة، فأمرهم النّبيُّ - ﷺ - بلقاح (٢)، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا، فلمَّا صحُّوا، قَتَلوا راعيَ النبي - ﷺ - واستاقوا النَّعم، فجاء الخبر في أوَّل النهار، فبعَثَ في آثارهم، فلما ارتفع النهار؛ جيء بهم، فأَمَر، فقَطَع أيدِيَهم وأرجُلَهم، وسُمِّرت (٣) أعينُهم، وأُلقوا في الحَرَّة (٤) يَستسْقون فلا ----------------------- (١) أي: كرهوا المقام فيها لتضرّرهم بالإِقامة. قال ابن العربي: الجوى: داء يأخذ من الوباء، وهي بمعنى: استوخموا، وقد جاءت في رواية أخرى للبخاري: ٤١٩٢، بهذا اللفظ. (٢) أى: فأمرهم أن يلحقوا بها. واللِّقاح: النُّوق ذوات الألبان، واحدها لِقْحة بكسر اللام وِإسكان القاف، وقال أبو عمرو: يقال لها ذلك إِلى ثلاثة أشهر، ثمَّ هي لَبون.»فتح«. (٣) سُمّرت: لغة في السَّمل، وهو فقء العين بأي شيء كان، وقد يكون من المسمار، يريد أنَّهم كُحلوا بأميال قد أُحميت.»فتح". (٤) الحرَّة: أرض ذات حجارة سود معروفة بالمدينة. يُسقون». قال أبو قِلابة: «فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد أيمانِهم وحاربوا الله ورسولَه» (١). قال الإِمام أبو البركات ابن تيمية -رحمه الله-: «... فإِذا أُطْلِق الإِذن في ذلك (٢)، ولم يشترط حائلًا يقي من الأبوال، وأُطلق الإِذن في الشرب لقوم حديثي العهد بالإِسلام، جاهلين بأحكامه، ولم يأمر بغَسْل أفواههم وما يصيبهم منها؛ لأجل صلاة ولا غيرها، مع اعتيادهم شربها؛ دلَّ ذلك على مذهب القائلين بالطهارة» (٣). وقال -رحمه الله-: «فتحليل التداوي بها دليل على طهارتها، فأبوال الإِبل وما يلحق بها طاهرة» (٤). وقال: «والظاهر طهارة الأبوال والأزبال من كل حيوان يؤكل لحمه؛ تمسُّكًا بالأصل، واستصحابًا للبراءة الأصلية، والنجاسة حُكم شرعيٌّ ناقل عن الحُكم الذي يقتضيه الأصل والبراءة، فلا يُقبل قول مدَّعيها إلا بدليل يصلُح للنقل عنهما، ولم نجد للقائلين بالنجاسة دليلًا كذلك ...» (٥). -------------------- (١) أخرجه البخاري: ٢٣٣، ومسلم: ١٦٧١ (٢) أي: الشرب من هذه الأبوال. (٣) «نيل الأوطار» (١/ ٦٢). (٤) «نيل الأوطار» (١/ ٦٠). (٥) «نيل الأوطار» (١/ ٦١). واستدلَّ بهذا الحديث من قال بطهارة بول ما يُؤكل لحمه (١). واستدلوا معه أيضًا بقول ابن مسعود -رحمه الله-: «إِنَّ الله لم يجعل شفاءكم فيما حرَّم عليكم» (٢)، وذلك أنَّ التحليل يستلزم الطهارة (٣). وفي الحديث: «صلّوا في مرابض الغنم (٤)، ولا تصلُّوا في أعطان الإِبل (٥)» (٦). وفي بعض الروايات: «فإِنَّها خُلقت من الشياطين» (٧). وعن جابر بن سَمُرة -رضي الله عنهما-: أنَّ رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -: أأتوضَّأ من لحوم الغنم؟ قال: «إِن شئت؛ فتوضأ، وإن شئت؛ فلا توضَّأ». ----------------------- (١) انظر «نيل الأوطار» (١/ ٦٠). (٢) إِسناده صحيح موقوفًا على ابن مسعود -رضي الله عنه- وعلَّقه البخاري بصيغة الجزم (كتاب الأشربة، باب شراب الحلواء والعسل، «الفتح» (٧٨)، وقال شيخنا الألباني في «الصحيحة» تحت رقم (١٦٣٣): «إِسناده صحيح». (٣) ولكنَّ التحريم لا يستلزم النجاسة؛ كما تقدَّم. (٤) جمع مَربِض -بفتح الميم وكسر الباء- وهو المأوى والمقرّ. (٥) جمع عَطن؛ قيل: موضع إِقامتها عند الماء خاصّة، وقيل: هو مأواها المطلق، وسواء كان هذا أو ذاك؛ فالأبوال والأرواث حاصلة. (٦) أخرجه الترمذي، وقال «حديث حسن صحيح» وانظر «الإرواء» (١٧٦). و«المشكاة» (٧٣٩)، والنهي عن الصلاة في أعطان الإبِل لا يقتَضي القولَ بنجاستِها؛ كما لا يخفى. (٧) أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٦٢٣)، وانظر «الإِرواء» (١٧٦). قال: أتوضَّأ من لحوم الإِبل؟ قال: «نعم؛ فتوضَّأ من لحوم الإِبل». قال: أصلِّي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم». قال: أصلِّي في مبارك الإِبل؟ قال: «لا» (١). جاء في «الفتاوى»: «وسُئل عن بول ما يؤكل لحمه؛ هل هو نجس؟ فأجاب: أمّا بول ما يؤكل لحمه وروث ذلك، فإِنَّ أكثر السلف على أنَّ ذلك ليس بنجس وهو مذهب مالك وأحمد وغيرهما، ويُقال: إِنَّه لم يذهب أحد من الصحابة إِلى تنجيس ذلك، بل القول بنجاسة ذلك قول مُحْدَث، لا سَلَف له من الصحابة، وقد بَسَطنا القول في هذه المسألة في كتاب مفرد، وبيَّنَّا فيه بضعة عشر دليلًا شرعيًّا، وأنَّ ذلك ليس بنجس، والقائل بتنجيس ذلك ليس معه دليل شرعيٌّ على نجاسته أصلًا» (٢). وجاء فيه أيضًا: «... أنَّ هذه الأعيان لو كانت نجسة؛ لبيَّنه النّبيّ - ﷺ -، ولم يبيِّنْه؛ فليست نجسة، وذلك لأنَّ هذه الأعيان تكثر ملابسة الناس لها، ومباشرتهم لكثير منها، خصوصًا الأمَّة التي بُعِث فيها رسول الله - ﷺ -؛ فإِنَّ الإِبِل والغنم غالب أموالهم، ولا يزالون يُباشرونها ويباشرون أماكنها في مقامهم وسفرهم، مع كثرة الاحتفاء فيهم. فلو كانت نجسة يجب غسل الثياب والأبدان والأواني منها، وعدم مخالطته، ويمنع من الصلاة مع ذلك، ويجب تطهير الأرض ممَّا فيه ذلك إِذا صُلّي فيها، ويحرُم شرب اللبن الذي يقع فيه بعْرها، وتُغسل اليد إِذا أصابها البول أو رطوبة البعر، إِلى غير ذلك من أحكام النجاسة؛ لوجب أن يبيِّن النّبيّ ------------------------- (١) أخرجه مسلم: ٣٦٠ (٢) انظر»الفتاوى" (٢١/ ٦١٣) وما بعدها. - ﷺ - بيانًا تحصل به معرفة الحكم، ولو بيَّن ذلك؛ لنُقِل جميعه أو بعضه؛ فإِنَّ الشريعة وعادة القوم توجب مِثل ذلك، فلمَّا لم ينقل ذلك؛ عُلِم أنَّه لم يبيِّن لهم نجاستها. وعدم ذِكْر نجاستها دليل على طهارتها من جهة تقريره لهم على مباشرتها وعدم النَّهي عنه، والتقرير دليل الإِباحة، ومِن وجْه أنّ مِثل هذا يجب بيانه بالخطاب، ولا تُحال الأمّة فيه على الرَّأي؛ لأنَّه من الأصول، لا من الفروع ...» (١). وجاء فيه أيضًا: «ومتى قام المقتضي للتحريم أو الوجوب ولم يذكُروا وجوبًا ولا تحريمًا؛ كان إِجماعًا منهم على عدم اعتقاد الوجوب والتحريم، وهو المطلوب، وهذه الطريقة معتمدة في كثير من الأحكام» (٢). وفيه أيضًا: «... وهو إِجماع الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم في كل عصر ومصر على دياس الحبوب من الحنطة وغيرها بالبقر ونحوها، مع القطع ببولها وروثها على الحنطة، ولم ينكر ذلك منكر، ولم يغسل الحنطة لأجل هذا أحدٌ، ولا احترز عن شيء ممَّا في البيادر؛ لوصول البول إِليه، ولا أعلم لمن يخالف هذا شبهة» (٣). وفيه أيضًا: «ما ثبت واستفاض من أنّ رسول الله - ﷺ - طاف على راحلته، وأدخَلها المسجد الحرام الذي فضَّله الله على جميع بقاع الأرض، ومعلوم أنَّه ----------------------- (١) انظر»الفتاوى«(٢١/ ٥٧٨ وما بعدها) بحذف يسير. (٢) انظر»الفتاوى«(٢١/ ٥٨١). (٣)»الفتاوى" (٢١/ ٥٨٣ و٥٨٤)؛ بحذف يسير. ليس على الدواب من العقل ما تمنع به من تلويث المسجد المأمور بتطهيره؛ للطائفين والعاكفين والرُّكَّع السجود، فلو كانت أبوالها نجسة؛ لكان فيه تعريض المسجد الحرام للتنجيس ...» (١). قال ابن عباس: «طاف النّبيّ - ﷺ - على بعيره» (٢). وعن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: «شكوت إِلى رسول الله - ﷺ - أني أشتكي، فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة، فطفتُ، ورسول الله - ﷺ - حينئذ يصلّي إِلى جنب البيت، وهو يقرأ: ﴿والطُّور وكِتابٍ مَسْطورٍ﴾ (٣)» (٤). قال ابن بطال: «في هذا الحديث جواز دخول الدواب التي يؤكل لحْمها المسجد إِذا احتيج إِلى ذلك؛ لأنَّ بولها لا ينجسه؛ بخلاف غيرها من الدواب» (٥). قال البخاري -رحمه الله-: «وصلّى أبو موسى في دار البريد والسِّرْقين ----------------------- (١)»الفتاوى«(٢١/ ٥٧٣ و٥٧٤)؛ بحذف يسير. (٢) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم في»كتاب الصلاة«ووصله في»كتاب الحج«برقم (١٦٠٧) من حديث ابن عبّاس -رضي الله عنهما- قال:»طاف النّبيّ - ﷺ - في حجّة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن«ورواه مسلم: ١٢٧٢ والمحجن: عصا محنيَّة الرأس، والحجن: الاعوجاج. (٣) الطور: ١ - ٢ (٤) أخرجه البخاري: ١٦١٩ (٥)»الفتح" تحت الحديث (٤٦٤). والبَرِّيَّة إِلى جنبه، فقال: ها هنا وثمَّ سواء» (١). رابعًا: الدماء سوى دم الحيض والنفاس: كنت قد تكلّمتُ في (باب النجاسات) عن نجاسة دم الحيض، وأما سائر الدِّماء؛ فطاهرة، سواء كان دم إِنسان أو دم مأكول اللحم من الحيوان؛ لأنَّ الأصل في الأعيان الطهارة، والبراءة الأصلية مستصحبة، فلا يُترك هذا الأصل إلا بنصٍّ صحيح. ومن الأدلة على ذلك: قصّة ذلك الصحابي الأنصاري الذي رماه المشرك بثلاثة أسهم وهو قائم يصلّي، فاستمرَّ في صلاته والدماء تسيل منه، وذلك في غزوة ذات الرقاع (٢). ------------------------- (١) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم (كتاب الوضوء، باب أبوال الإِبِل والدواب والغنم ومرابضها). قال الحافظ: «وهذا الأثر وصله أبو نعيم شيخ البخاري في كتاب الصلاة له». والسِّرقين: هو الزّبل، ويُقال له: السِّرجين بالجيم. والبرية: الصحراء، منسوبة إِلى البر. ودار البريد المذكورة: موضع بالكوفة، كانت الرسل تنزل فيه إِذا حضرت من الخلفاء إِلى الأمراء، وكان أبو موسى أميرًا على الكوفة في زمن عمر وفي زمن عثمان، وكانت الدار في طرف البلد، ولهذا كانت البرِّيَّة إِلى جنبها. وقال المطرزي: البريد في الأصل: الدابَّة المرتبة في الرباط، ثمَّ سمّي به الرسول المحمول عليها، ثمَّ سُمّيت به المسافة المشهورة. «الفتح». ومعنى سواء: يريد أنَّهما متساويان في صحة الصلاة. «الفتح» أيضًا. (٢) أخرجه أبو داود وغيره من حديث جابر بسند حسن؛ كما في «الصحيحة» (٣٠٠). https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 56الى صــ 70 الحلقة (5) قال شيخنا -حفظه الله تعالى-: «ومن الظاهر أنَّ النّبيّ - ﷺ - عَلِم بها؛ لأنَّه يبعُد أن لا يطَّلع على مِثل هذه الواقعة العظيمة، ولم يُنْقَل أنَّه أخبره بأنّ صلاته بطلت؛ كما قال الشوكاني (١/ ١٦٥)» (١). وكذلك قول الحسن -رحمه الله تعالى-: «ما زال المسلمون يصلُّون في جراحاتهم» (٢). وعن محمد بن سيرين عن يحيى الجزَّار؛ قال: «صلى ابن مسعود -رضي الله عنه- وعلى بطنه فرث ودم جزور نحرها، ولم يتوضَّأ» (٣). وصحَّ عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أيضًا: «أنَّه نحر جزورًا، فتلطَّخ بدمها وفرْثها، ثمَّ أقيمت الصلاة، فصلى ولم يتوضَّأ» (٤). فائدة: إِنَّ القائلين بنجاسة الدماء ليس عندهم حُجَّة؛ إِلا أنَّه محرَّم بنصّ القرآن، فاستلزموا من التحريم التنجيس؛ كما فعلوا تمامًا في الخمر، ولا يخفى أنَّه لا يلزم من التحريم التنجيس؛ بخلاف العكس؛ كما بيّنه الصنعاني في «سبل ----------------------- (١) انظر»الصحيحة«تحت رقم (٣٠٠). (٢) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم (كتاب الوضوء، باب من لم يرَ الوضوء إلاَّ من المخرَجيْن). (٣) أخرجه عبد الرزاق في»الأمالي«(٢/ ٥١/١) وغيره، وِإسناده صحيح؛ كذا في»الصحيحة«(تحت رقم ٣٠٠). (٤) أخرجه عبد الرزاق في»المصنف«(١/ ١٢٥)، وغيره؛ كما في»تمام المنّة" (ص ٥٢). السلام«ثمَّ الشوكاني وغيرهما ...» (١). قال شيخنا -حفظه الله تعالى- «وجملة القول: أنَّه لم يَرِد دليل فيما نعلم على نجاسة الدم على اختلاف أنواعه؛ إلا دم الحيض، ودعوى الاتفاق على نجاسته منقوضة بما سبق من النقول، والأصل الطهارة، فلا يُتْرَك إلاَّ بنص صحيح يجوز به ترْك الأصل، وإِذ لم يَرِدْ شيء من ذلك؛ فالبقاء على الأصل هو الواجب، والله أعلم» (٢). وذكر نحوه الشوكاني -رحمه الله- في «السيل الجرَّار» (٣) و«الدَّراري المضيَّة» (٤). خامسًا: رطوبات فرج المرأة: وذلك لاستصحاب البراءة الأصلية؛ كما تقدَّم مرارًا ذِكر هذه القاعدة، ولا أعلم أحدًا من أهل العلم ذكَرها في النجاسات. واحتجَّ الشَّيخُ الموفَّقُ وغيره على طهارة رطوبة فرجِ المرأة: بأنَّ منيَّ الرَّجل عند الجماع يخالطُ منيَّ المرأة، ولو كان منيُّها نجسًا؛ لما اكتفى منه الرسول - ﷺ - بالفرك. «الفتح» (شرح الحديث ٢٣٠). ------------------------- (١) انظر فقه حديث (٣٠٠) من «الصحيحة». (٢) انظر «الصحيحة» تحت رقم (٣٠١). (٣) (١/ ٤٤). (٤) (١/ ٢٥ - ٢٦). سادسًا: قيء الآدمي: إِذِ الأصل الطهارة، فلا يُنقل عنها إلا بدليل. قال الشوكاني في «السيل الجرَّار» (١/ ٤٣): «قد عرَّفناك في أول كتاب الطهارة أنَّ الأصل في جميع الأشياء الطهارة، وأنَّه لا يَنْقُل عن ذلك إلاَّ ناقلٌ صحيح صالح للاحتجاج به غيرَ معارض بما يرجُح عليه أو يساويه، فإِنْ وجدنا ذلك؛ فبها ونعمت، وإِنْ لم نجدْ ذلك كذلك؛ وَجَب علينا الوقوف في موقف المنع، ونقول لمدَّعي النجاسة: هذه الدعوى تتضمَّن أنَّ الله سبحانه أوجب على عباده واجبًا هو غسل هذه العين التي تزعم أنَّها نجسة، وأنَّه يمنع وجودها صحة الصلاة بها؛ فهات الدليل على ذلك». ولم يذكره -رحمه الله- في النجاسات في «الدرر البهية» (١). وإلى طهارة قيء الآدمي ذهب شيخنا الألباني في «تمام المنة» (٢). سابعًا: عرق الجنب والحائض: عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أنَّ النّبيّ - ﷺ - لقِيَه في بعض طريق المدينة وهو جُنُب، فانخَنَسْتُ منه، فذهب فاغتسل ثمَّ جاء، فقال: «أين كنت يا أبا هريرة؟». قال: كنتُ جُنُبًا، فكرهتُ أن أجالسك وأنا على غير طهارة. فقال: «سبحان الله! إِنَّ المسلم لا ينجس» (٣). ------------------- (١) وانظر «تمام المنَّة» (٥٣). (٢) (ص ٥٣). (٣) أخرجه البخاري: ٢٨٣، ومسلم: ٣٧١ نحوه، وتقدّم. وبوَّب البخاري في «صحيحه» بابًا في ذلك، فقال: «باب عرق الجُنُب، وأن المسلم لا ينجُسُ». ثامنًا: ميتة ما لا نفس له سائلة: كالذُّباب والنَّمل والعنكبوت ونحو ذلك ... وذلك لأنَّ الأصل في الأعيان الطهارة والبراءة الأصلية مستصحبة. وفي الحديث: «إِذا وقع الذُّباب في إِناء أحدكم؛ فلَيغْمِسْه كلَّه، ثمَّ ليطْرَحْه؛ فإِنَّ في إِحدى جناحيه داء وفي الآخر شفاء» (١). وإِنَّما أمر بغمس الذباب كلّه حفاظًا على الطعام أو الشراب، وفيه دليل الطهارة. وممَّن قال بطهارة ما لا نفس له سائلة: أبو البركات مجد الدين ابن تيمية في «منتقى الأخبار»، والشوكاني في شرحه «نيل الأوطار» (١/ ٦٨). والصنعاني في «سبل السلام» (١/ ٣٦). إِزالة النجاسات أولًا: حكم إِزالة النجاسة: وحكم إِزالة النجاسات فرض. قال ابن حزم -رحمه الله-: «وإِزالة النجاسة وكل ما أمَر الله تعالى بإِزالته فرض». ------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥٧٨٢ وقال: «وهذه المسألة تنقسم أقسامًا كثيرة، يجمعها أنَّ كلَّ شيء أمَر الله تعالى على لسان رسوله - ﷺ - باجتنابه أو جاء نصٌّ بتحريمه أو أمَر كذلك بغسله أو مسْحه؛ فكلُّ ذلك فرض يعصي مَن خالفه؛ لما ذكرنا قَبْل مِنْ أَنَّ طاعته تعالى وطاعة رسوله - ﷺ - فرض» (١). ثانيًا: قاعدة جليلة جامعة في تطهير النجاسات: جاء في «السيل الجرَّار» (١/ ٤٢): «والواجب اتِّباع الدليل في إِزالة عين النجاسة، فما ورد فيه الغَسْل حتى لا يبقى منه لون ولا ريح ولا طعم؛ كان ذلك هو تطهيره. وما ورَد فيه الصبُّ أو الرشُّ أو الحتُّ أو المسح على الأرض أو مجرَّد المشي في أرض طاهرة؛ كان ذلك هو تطهيره. وقد ثبت في السنَّة أنً النعل الذي يصيبه القذر يطهَّر بالمسح، وهو من المغلَّظة اصطلاحًا، وكذلك ورد في الثوب إِذا أصابه القذر عند المشي على أرض قذرة أنَّه يطهِّره المرور على أرض طاهرة» (٢). ثالثًا: تطهير النجاسات: ١ - العَذِرة (الغائط): وتُزال عند الاستنجاء بالماء أو الحجارة ونحوه: أمّا الماء: فلقوله تعالى: ﴿فيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ (٣). ----------------- (١) «المحلَّى» (مسألة ١٢٠). (٢) هناك تفصيلات طيبة (ص ٤٦ وما بعدها)، فارجع إِليها -إِن شئت-. (٣) التوبة: ١٠٨ وقد نزلت هذه الآية في أهل قِباء؛ لأنهم كانوا يستنجون بالماء؛ كما في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال:»نزلت هذه الآية في أهل قِباء: ﴿فيهِ رِجالٌ يُحِبّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾«. قال: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم هذه الآية» (١). وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «كان النّبيُّ - ﷺ - إِذا خرج لحاجته؛ أجيء أنا وغلام معنا إِداوة (٢) من ماء؛ يعني: يستنجي به» (٣). وأمّا الحجارة: فلقوله - ﷺ -: «لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار» (٤). وعن عائشة -رضي الله عنها-: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِذا ذهب أحدُكم إِلى الغائط؛ فليستطب بثلاثة أحجار؛ فإِنَّها تجزئ عنه» (٥). وأمّا ما يسدُّ عن الحجارة؛ كالورق ونحوه؛ فإِنَّه مستنبَط من عدَّة نصوص؛ منها: ما يرويه أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: اتَّبعتُ النّبيّ - ﷺ - وخرج -------------------- (١) أخرجه أبو داود، والترمذي، وغيرهما، وهو في «صحيح سنن أبي داود» (٣٤)، وصححه شيخنا في «الإِرواء» (٤٥). (٢) إناء صغير من جلد؛ كما تقدَّم. (٣) أخرجه البخاري: ١٥٠، وتقدَّم. (٤) أخرجه مسلم: ٢٦٢ (٥) أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم، وصحّحه شيخنا -حفظه الله- في «الإرواء» (٤٤). لحاجته. فكان لا يلتفت، فدنوتُ منه، فقال: «ابغني أحجارًا أستنفض بها - أو نحوه-، ولا تأتني بعظم ولا روث» (١). فنهيُ النّبيّ - ﷺ - عن العظم والرَّوث دالٌّ على جواز ما سواهما ممّا تزال به النجاسة، ولو لم يَجُزْ هذا؛ لقال له - ﷺ -: «ابغني أحجارًا أستنفض بها» وسكت، أو قال: ولا تأتني بغيرها؛ بيدَ أنَّه - ﷺ - قال: «ولا تأتني بعظم ولا روث». ومن المعلوم أنَّ النجاسات محصورة؛ بخلاف الأعيان الطاهرة؛ فإِنَّها غير ْمحصورة، فحصْر النهي عن العظم والروث يدلُّ على جواز استعمال غيرهما. وقد علَّل النّبيّ - ﷺ - سبب هذا النهي، فقال: «لا تستنجوا بالرَّوث ولا بالعظام؛ فإِنَّه زاد إِخوانكم من الجنِّ» (٢). قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «... وهذا كما أنَّه لمَّا أمر بالاستنجاء بالأحجار؛ لم يختصَّ الحجر؛ إِلا لأنَّه كان الموجود غالبًا، لا لأنَّ الاستجمار بغيره لا يجوز، بل الصواب قول الجمهور في جواز الاستجمار بغيره؛ كما هو أظهر الروايتين عن أحمد؛ لنهيه عن الاستجمار بالروث --------------------- (١) أخرجه البخاري: ١٥٥ قال الحافظ في»الفتح -بحذف يسير-: «ابغِني؛ بالوصل من الثلاثي؛ أي: اطلب لي، وفي رواية بالقطع؛ أي: أعنِّي على الطَّلب، يُقال: أبغيتك الشيء؛ أي: أعَنْتُك على طلبه، والوصل أليق بالسياق». ومعنى أستنفض: «أستخرج بها وأستنجي، والنفض: هزّ الشيء ليطير غباره». (٢) أخرجه الترمذي وغيره، وروى مسلم نحوه، وانظر «الإِرواء» (٤٦). والرِّمَّةَ (١) وقال:»إِنهما طعام إِخوانكم من الجنِّ«فلمّا نهى عن هذين تعليلًا بهذه العلَّة؛ عُلم أنَّ الحكم ليس مختصًا بالحجر، وإلاَّ لم يحتج إِلى ذلك» (٢). وذكر نحوه الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (١/ ٢٥٦). وقال الشوكاني -رحمه الله- في «الدراري المضية»: «وإِذا لم توجد الأحجار؛ فغيرها يقوم مقامها للضرورة؛ ما لم يكن ذلك الغير ممَّا ورد النهي عنه؛ كالروثة والرجيع (٣) والعظم ...» (٤). وتُطهّر العَذِرة من النِّعال بالتُّراب: لقوله - ﷺ -: «إِذا وطئ أحدُكم بنعليه أذى؛ فإِنَّ التراب له طَهور» (٥). وفي رواية: «إِذا وطئ الأذى بخُفَّيه؛ فطَهورهما التراب» (٦). ٢ - دم الحيض: وتطهير دم الحيض من الثوب بحكِّه بضِلع وغَسْله بماء وسِدْر أو صابون ونحوه، ثم ينضح الماء في سائر الثوب: -------------------- (١) أي: العظم البالي. (٢) «الفتاوى» (٢١/ ٢٠٥). (٣) أي: الرَّوث. (٤) (١/ ٤٠ - ٤١). (٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧١) وغيره، وانظر «المشكاة» (٥٠٣). وتقدَّم. (٦) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٢)، والحاكم في «المستدرك». وتقدم. لقوله - ﷺ -: «حُكِّيه بضِلْع، واغسليه بماء وسِدْر» (١). وعن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- قالت: «سمعت امرأة تسأل رسول الله - ﷺ - عن ثوبها؛ إِذا طَهُرت من حيضها؛ كيف تصنع به؟ قال: إِن رأيتِ فيه دمًا؛ فحُكِّيه، ثم اقرصيه بماء، ثم انضحي في سائره، فصلِّي فيه» (٢). قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «الصحيحة» (٢٩٩): «في هذه الرواية زيادة:»ثم انضحي في سائره«، وهي زيادة هامَّة؛ لأنَّها تبيِّن أنَّ قوله في رواية هشام:»ثم لتنضحه«؛ ليس المراد نضح مكان الدم، بل الثوب كله. ويشهد له حديث عائشة قالت:»كانت إِحدانا تحيض، ثمَّ تقرص الدَّم من ثوبها عند طهرها، فتغسله، وتنضح على سائره، ثمَّ تصلِّي فيه«(٣). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-:»أنَّ خولة بنت يَسار -رضي الله عنها- أتت النّبيّ - ﷺ - فقالت: يا رسول الله! إِنَّه ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه، فكيف أصنع؟ قال: «إِذا طَهُرْتِ؛ فاغسليه، ثمَّ صلِّي فيه». ---------------------- (١) الضِّلع: العود الذي فيه اعوجاج، وتقدَّم معناه وتخريج الحديث في (باب النجاسات). (٢) أخرجه أبو داود، والدارمي -والسياق له- والبيهقي وسنده حسن؛ كما في «الصحيحة» (١/ ٥٣٩) تحت رقم (٢٩٩). وهو في «صحيح البخاري» (٣٠٧) بلفظ: «إِذا أصاب ثوب إحداكنَّ الدم من الحيضهّ؛ فلتَقْرصه، ثمَّ لتنضَحْه بماء، ثمَّ لتصلِّي فيه». (٣) أخرجه البخاري: ٣٠٨ وابن ماجه، والبيهقي: (٢/ ٤٠٦ - ٤٠٧). فقالت: فإِنْ لم يخرج الدَّم؟ قال: «يكفيك غسل الدم، ولا يضرُّك أثره» (١). قال الشوكاني -رحمه الله-: «ويستفاد من قوله:»لا يضرُّك أثره«: أنَّ بقاء أثر النجاسة الذي عسُرت إِزالته: لا يضرُّ، لكن بعد التغيير بزعفران أو صفرة أو غيرهما، حتى يذهب لون الدم؛ لأنَّه مستقذر، وربَّما نسَبها من رآه إِلى التقصير في إِزالته» (٢). ٣ - الإِناء الذي ولغ فيه الكلب: ويكون ذلك بغسله سبع مرات أولاهنَّ بالتراب. لقوله - ﷺ -: «طَهور إِناء أحدكم إِذا ولَغَ فيه الكلب: أن يغسله سبع مرات أولاهنَّ بالتراب» (٣). ٤ - البول: ويُطهَّرُ البول عمومًا بالغَسْل: ومن الأدلة على ذلك قوله - ﷺ -: «... وبول الجارية يُغسل» (٤). ------------------ (١) عن «صحيح سنن أبي داود» (٣٥١). (٢) «نيل الأوطار» (١/ ٥٠). (٣) أخرجه مسلم: ٢٧٩، وتقدَّم. وورد في «صحيح البخاري» بلفظ: «إِذا شرب الكلب في إِناء أحدكم؛ فليغسله سبعًا»، وتقدَّم. وقد وردت في بعض الروايات: «السابعة بالتراب»،وهذا القول شاذٌّ، والأرجح: «الأولى بالتراب». وانظر «صحيح سنن أبي داود» (٦٦). (٤) تقدَّم. وأمّا إِذا كان بول ذَكَر رضيع لم يَطْعَم؛ فيخفَّف فيه بالنَّضح كما تقدَّم، لقوله - ﷺ - في الحديث السابق: «بَوْل الغلام يُنْضَح». وكما في حديث أمِّ قيس بنت مِحْصَن -رضي الله عنها-: «أنَّها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إِلى رسول الله - ﷺ -، فأجْلَسَه رسول الله - ﷺ - في حِجْره، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فنضحه ولم يغْسِلْه» (١). وكذلك حديث أبي السَّمح -رضي الله عنه- قال: كنتُ أخدم النّبيّ - ﷺ -، فكان إِذا أراد أن يغتسل؛ قال: «ولِّني قفاك»، فأوليّه قفاي، فأستره به، فأُتي بحسن -أو حسين-، فبال على صدره، فجئت أغسله، فقال: «يُغْسَل من بول الجارية، ويُرشُّ من بول الغلام» (٢). وأمّا الأرض التي يصيبها البول: فيَتِمُّ تطهيرها بأخذ ما بيل عليه من التراب وإلقائه، ثمَّ يُصبُّ على مكانه الماء. فعن أبي هريرة: «أنَّ أعرابيًا دخل المسجد ورسول الله - ﷺ - جالس، فصلَّى ركعتين، ثمَّ قال: اللهمَّ ارحَمْني ومحمَّدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فقال النّبيّ - ﷺ -:»لقد تحجَّرتَ واسعًا«(٣)، ثمَّ لم يلبث أن بال في ناحية المسجد، فأسرع الناس إِليه، فنهاهم النّبيُّ - ﷺ -، وقال:»إِنَّما بُعِثْتم ميسِّرين، ولم تُبْعَثوا معسِّرين، صبُّوا عليه سَجْلًا من ماء أو قال: ذَنوبًا من ماء) «(٤). ------------------- (١) تقدَّم. (٢) تقدَّم. (٣) أي: ضيَّقْتَ ما وسَّعه الله، وخصَّصْتَ به نفسك دون غيرك.»النهاية". (٤) أخرجه البخاري: ٢٢٠، ومسلم: ٢٨٤ وأبو داود -وهذا لفظه- وغيرهم. وفي رواية عبد الله بن معقل بن مقرِّن؛ قال: «صلَّى أعرابي مع النّبيّ - ﷺ - (بهذه القصة، وقال فيه): قال -يعني: النّبيّ - ﷺ --:»خذوا ما بال عليه من التراب، فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء«(١). ٥ - إِزالة الأذى من الذيل (٢) والثَّوب: عن أمِّ ولد لإِبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف:»أنَّها سألت أم سلمة زوج النّبيّ - ﷺ -، فقالت: إِنِّي إِمرأة أطيل ذيلي، وأمشي في المكان القذِر، فقالت أمّ سلمة: قال رسول الله - ﷺ -: «يُطهِّره ما بعده» (٣). وعن امرأة من بني عبد الأشهل -رضي الله عنها- قالت: «قلتُ: يا رسول --------------------- (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٦٧). وقال أبو داود: وهو مرسَل؛ ابن معقِل لم يدرك النبي - ﷺ -». قال شيخنا -حفظه الله-: «قلتُ: وهو مرسل صحيح الإِسناد، ورجاله كلهم ثقات، رجال الشيخين، وقد جاء مرسلًا وموصولًا من طرق أخرى، فالحديث بهما صحيح». ومن الطرق الموصولة التي ذكَرها شيخنا طريق أنس: أنَّ أعرابيًا بال في المسجد، فقال النبي - ﷺ -: «احفِروا مكانه، ثمَّ صبُّوا عليه ذَنوبًا من ماء». وهذا إِسنادٌ رجالُه ثقات؛ كما قال الحافظ في «تلخيص الحبير» (١/ ٣٧). عن «صحيح سنن أبي داود» الأصل من نسخة شيخنا -حفظه الله تعالى-. قلتُ: وذكر الحافظ في «الإِصابة» (٣/ ١٤٢) رقم (٦٦٤٣) أنَّه عبد الله بن مُغفَّل. (٢) الذيل: آخر كل شيء، وذيل الإِزار والثوب: ما جُرَّ. «القاموس المحيط». (٣) صحيح بما بعده، وانظر «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٩)، و«المشكاة» (٥٠٤). الله! إِنَّ لنا طريقًا إِلى المسجد مُنْتِنة، فكيف نفعل إِذا مُطرنا؟ قال: «أليس بعدها طريق هى أطيب منها؟». قالت: قلتُ: بلى. قال: «فهذه بهذه» (١). ٦ - الوَدْي: ويُطهَّر بالغَسْل. ٧ - المَذْي: يُطهَّر ما لامس الفرج منه والأنثيين بالغَسْل، لقوله - ﷺ -: «ليغسل ذكره وأنثييه» (٢). ويُطهره من الثياب بالنضح والرش: كما في حديث سهل بن حُنيف -رضي الله عنه-: ... فقلت: يا رسول الله! كيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: «يكفيك أن تأخذ كفًّا من ماء، فتنضح به ثوبك، حيث ترى أنه أصاب منه» (٣). ٨ - جلد الميتة: ويكون ذلك بدبغها: لقوله - ﷺ -: «إِذا دُبِغ الإِهاب؛ فقد طهُر» (٤). ولقوله - ﷺ -: «أيّما إِهاب دُبِغ فقد طَهُر» (٥). ------------------ (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٠). وانظر «المشكاة» (٥١٢). (٢) تقدَّم. (٣) تقدَّم. (٤) أخرجه مسلم: ٣٦٦، وتقدَّم. (٥) تقدَّم في (باب النجاسات). ٩ - إِذا وقع الفأر في السمن ونحوه: يُلقي الفأر وما حوله، ويؤكَل السمن وما شابهه، هذا إِذا لم يكن في السمن المتبقِّي أثر لنجاسة في طعمٍ أو لونٍ أو رائحة، وإلاَّ؛ ألْقى ما تبقَّى. وحُكم السَّمْن أو الزَّيْت؛ كحُكم الماء ولا فرق، وضابط الأمر يرتبط ببقاء أثرٍ للنَّجاسة أم لا. ولا فرق بين القول في الجامد والمائع؛ إِلا من هذا الباب، وهو بقاء الأثر أو عدمه والله أعلم. قال الزُّهري: «لا بأس بالماء ما لم يغيِّره طعمٌ أو ريحٌ أو لونٌ» (١). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن ميمونة: أنَّ رسول الله - ﷺ - سُئل عن فأرة سقطت فىِ سمن؟ فقال: «ألقوها وما حولها فاطرحوه، وكلوا سمنكم» (٢). وسئل شيخ الإِسلام -رحمه الله- عن الزيت إِذا كان في بئر، ووقع فيه نجاسة، فما الحكم إِذا كان دون القُلَّتين؟ فأجاب -رحمه الله-: «إِذا كان أكثر مِن القُلَّتين؛ فهو طاهر عند جمهور العلماء؛ كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم ... --------------------- (١) أورده البخاري في»صحيحه«(كتاب الوضوء باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء) معلَّقًا بصيغة الجزم، ووصَله ابن وهب في»جامعه«عن يونس عنه. وروى البيهقي معناه من طريق أبي عمرو -وهو الأوزاعي- عن الزهري. كذا في»الفتح". (٢) أخرجه البخاري: ٢٣٥، وغيره. والأظهر أنَّه إِذا لم يكن للنجاسة فيه أثر، بل استهلكت فيه، ولم تغيِّر له لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا؛ فإِنَّه لا ينجُس، والله أعلم» (١). ١٠ - إِذا كان الماء كثيرًا ووقعت فيه نجاسة: إِن كان الماء لم يتغيَّر بالنجاسة؛ فهو طاهر، وِإنْ كانت عين النجاسة باقية؛ أُخِذَتْ منه ونُزِحَتْ وأُلقِيَت، وبهذا يكون سائر الماء طاهرًا. جاء في «الفتاوى»: «وسُئل -رحمه الله- عن بئر وقع فيه كلب أو خنزير أو جمل أو بقرة أو شاة، ثمَّ مات فيها، وذهَب شعره وجلده ولحْمه، وهو فوق القُلَّتين؛ فكيف يُصنع به؟ فأجاب: الحمد لله، أي بئر وقع فيه شيء ممَّا ذكر أو غيره: إِنْ كان الماء لم يتغيَّر بالنجاسة؛ فهو طاهر، فإِن كانت عين النجاسة باقية؛ نُزِحَتْ منه وأُلقِيَتْ، وسائر الماء طاهر ... وأمّا إِنْ كان الماء قد تغيَّر بالنجاسة؛ فإِنَّه يُنْزَحُ منه حتى يطيب، وإن لم يتغيَّر الماء؛ لم يُنْزَحْ منه شيء ... (وذكر حديث بئر بُضاعة)» (٢). ١١ - الماء القليل إِذا تنجَّس يطهُر بالمكاثرة: وذلك حتى لا يبقى أثرُ ريحٍ أو طعمٍ أو لونٍ لنجاسة، وهذا إِذا تعذَّر التخلُّص من النجاسة؛ لظرف المكان ونحوه، إِذ الأصل إِزالة هذه النجاسة ونضْحها. --------------- (١) «الفتاوى» (٢١/ ٥٢٩). (٢) «الفتاوى» (٢١/ ٣٨ - ٣٩). https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 71الى صــ 85 الحلقة (6) ١٢ - حبل الغسيل: أما حبْل الغسيل؛ فيطهر إِذا صَعُبَ غسْله بالشمس والريح. «وإن كان سِلكًا يمكنه مسْحه؛ فليَفْعَل» (١). ١٣ - إِذا استحالت النجاسة في الماء ولم يبق لها أثر؛ فإِنَّ الماء طهور: قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله- (٢): والصواب هو القول الأول (٣)، وأنه متى عُلم أنَّ النجاسة قد استحالت؛ فالماء طاهر، سواء كان قليلًا أو كثيرًا، وكذلك في المائعات كلِّها، وذلك لأنَّ الله تعالى أباح الطيِّبات وحرَّم الخبائث، والخبيث متميِّز عن الطيِّب بصفاته، فإِذا كانت صفات الماء وغيره صفات الطيِّب دون الخبيث؛ وجَبَ دخولُه في الحلال دون الحرام. وأيضًا؛ فقد ثبَت من حديث أبي سعيد -رضي الله عنه-: أنَّ النّبيّ - ﷺ - قيل له: أتتوضأ من بئر بُضاعة (وهي بئر يلقى فيها الحِيَض (٤) ولحوم الكلاب والنتن)؟ فقال: «الماء طهور لا ينجِّسه شيء» (٥). --------------------- (١) هذا مما استفدته من شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى-. (٢) «الفتاوى» (٢١/ ٣٢ - ٣٣). (٣) وقد ذكر خمسة أقوال في المسألة، وقال في الأول: «لا ينجس». (٤) الحِيَض: بكسر الحاء وفتح الياء جمع حيضة -بكسر الحاء وسكون الياء: هي الخرقة التي تستعمل في دم الحيض، وانظر «تحفة الأحوذي» (١/ ٢٠٤). (٥) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٦٠) وغيرهما، وتقدَّم. وانظر «الإرواء» (١٤). وهذا اللفظ عامٌّ في القليل والكثير، وهو عامٌّ في جميع النجاسات. وأمَّا إِذا تغيَّر بالنجاسة؛ فإِنما حرُم استعماله؛ لأنَّ جرْم النجاسة باقٍ، ففي استعماله استعمالها؛ بخلاف ما إِذا استحالت النجاسة؛ فإِنَّ الماء طَهور، وليس هناك نجاسةٌ قائمة. ومما يبيِّن ذلك؛ أنَّه لو وقع خمر في ماء، واستحالت، ثمَّ شربها شارب؛ لم يكن شاربًا للخمر، ولم يجب عليه حدُّ الخمر، إِذ لم يبقَ شيء من طعْمها ولونها وريحها، ولو صُبَّ لبن امرأة في ماء، واستحال، حتى لم يبقَ له أثر، وشرب طفلٌ ذلك الماء؛ لم يَصِرْ ابنها من الرضاعة بذلك. وأيضًا؛ فإِنَّ هذا باق على أوصاف خلقته، فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿... فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾؛ فإِنَّ الكلام إِنَّما هو فيما لم يتغيَّر بالنجاسة؛ لا طعمه، ولا لونه، ولا ريحه». وبه قال الشوكاني -رحمه الله- في «السيل الجرَّار». وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (٢١/ ٦١١): «... وعلى هذا؛ فدخان النار الموقدة بالنجاسة طاهر، وبخار الماء النَّجس الذي يجتمع في السقف طاهر». "وسئل -رحمه الله- عن استحالة النجاسة؛ كرماد السِّرجين (١) والزّبل النَّجس تصيبه الريح والشمس فيستحيل ترابًا؛ فهل تجوز الصلاة عليه أم لا؟ فذَكَر أنَّ فيها قولين في مذهب مالك وأحمد، أحدهما أنَّ ذلك طاهر، وهو قول أبي حنيفة وأهل الظاهر وغيرهم، وهذا القول هو الراجح. -------------------- (١) أى: الزّبل. وقال -رحمه الله-: فأمَّا الأرض إذا أصابها نجاسة؛ فمن أصحاب الشافعي وأحمد من يقول: أنَّها تطهُر، وإن لم يقل بالاستحالة؛ ففي هذه المسألة مع مسألة الاستحالة ثلاثة أقوال، والصواب الطهارة في الجميع» (١). رابعًا: هل الماء متعيّن في إِزالة النجاسة: الماء متعيّن لإِزالة النجاسة؛ إلاَّ ما ورد فيه النصُّ؛ كالثوب يطهِّره المرور على أرض طاهرة، والنِّعال بالتراب ... ونحو ذلك. قال شيخنا الألباني -حفطه الله-؛ -بعد حديث «حُكِّيه بضِلْع، واغسليه بماء وسِدْر» (٢) -: يُستفاد من هذه الأحاديث أحكام كثيرة، أذكر أهمَّها: .... أنَّ النجاسات إِنَّما تُزال بالماء دون غيره من المائعات؛ لأنَّ جميع النجاسات بمثابة دم الحيض، ولا فرق بينه وبينها اتِّفاقًا، وهو مذهب الجمهور، ومذهب أبو حنيفة إِلى أنَّه يجوز تطهير النجاسة بكل مائع طاهر. قال الشوكاني: والحقُّ أنَّ الماء أصْلٌ في التطهير؛ لوصفه بذلك كتابًا وسُنَّةً مطلقًا غير مقيَّد، لكن القول بتعيُّنه وعدم إِجزاء غيره يردُّه (٣). مسْح النعل، وفرْك المنيِّ (٤) وإماطته بإِذخِرة ... ------------------- (١) انظر «الفتاوى» (٢١/ ٤٧٨ و٤٧٩). (٢) تقدَّم في (باب إِزالة النجاسة). (٣) «نيل الأوطار» (ص ٤٨ و٤٩). (٤) ومضى الكلام حول طهارة المنيّ. وأمثال ذلك كثير، فالإِنصاف أن يُقال: إِنَّه يطهَّر كلُّ فرد من أفراد النجاسات المنصوص على تطهيرها بما اشتمل عليه النصُّ، لكنَّه إِنْ كان ذلك الفرد المحال عليه هو الماء؛ فلا يجوز العدول إِلى غيره؛ للمزيَّة التي اخُتصَّ بها، وعدم مساواة غيره له فيها، وإنْ كان ذلك الفرد غير الماء؛ جاز العدول عنه إِلى الماء لذلك، وإنْ وجد فرد من أفراد النجاسة لم يقع من الشارع الإِحالة في تطهيره على فرد من أفراد المطهِّرات، بل مجرد الأمر بمطلق التطهير، فالاقتصار على الماء هو اللاَّزم؛ لحصول الامتثال به؛ للقَطع، وغيره مشكوك فيه، وهذه طريقة متوسِّطة بين القولين، لا محيص من سلوكها». قال شيخنا: «وهذا هو التحقيق، فشُدَّ عليه بالنَّواجذ. وممَّا يدلُّ على أنَّ غير الماء لا يجزئ في دم الحيض: قوله - ﷺ - في الحديث الثاني:»يكفيك الماء«؛ فإِنَّ مفهومه أنَّ غير الماء لا يكفي، فتأمَّل» (١). قال الحافظ تعليقًا على حديث عليٍّ -رحمه الله-: «كنتُ رجلًا مذَّاء»: «واستدلَّ به ابن دقيق العيد على تعيُّن الماء فيه دون الأحجار ونحوها؛ لأنَّ ظاهره يعيِّن الغسل، والمعيَّن لا يقع الامتثال إلا به، وهذا ما صحَّحه النوويُّ في»شرح مسلم«» (٢). وقال الشوكاني -رحمه الله- في «الدَّراري المضيَّة» (١/ ٣٠): ------------------ (١) «الصحيحة» فقه الحديث رقم (٣٠٠). (٢) «الفتح» (١/ ٣٧٩). «ويطهُرُ ما تنجَّس بغسله حتى لا يبقى عينٌ ولا لونٌ ولا ريحٌ ولا طعمٌ، والنَّعل بالمسح، والاستحالة مطهِّرة؛ لعدم وجود الوصف المحكوم عليه، وما لا يمكن غسله؛ فبالصبِّ عليه أو النَّزح منه حتى لا يبقى للنجاسة أثر، والماء هو الأصل في التطهير، فلا يقوم غيره مقامه؛ إلا بإِذن من الشارع». آداب التخلِّي وقضاء الحاجة ١ - أن يبتعد عن الناس ويستتر منهم: عن المغيرة بن شعبه -رضي الله عنه-: أنَّ النّبيّ - ﷺ -: «كان إذا ذَهَب المذهب أبْعَدَ» (١). وعن جابر بن عبد الله: أنَّ النّبيّ - ﷺ -: كان إذا أراد البَراز (٢)؛ انطلق حتى لا يراه أحد«(٣). وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال:»كان يذهب لحاجته إلى -------------------- (١) أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم، وصححه شيخنا في «الصحيحة» (١١٥٩). (٢) البَراز بالفتح: الفضاء الواسع، فكنّوا به عن قضاء الغائط كما كنّوا عنه بالخلاء، لأنهم كانوا يتبرَّزون في الأمكنة الخالية من الناس، قال الخطابي: المحدّثون يَروونه بالكسر وهو خطأ، لأنّه بالكسر مصدر من المبارزة في الحرب، وقال الجوهري بخلافه، وهذا لفظه: البِرَازُ المبارزة في الحرب، والبِرَاز أيضًا كناية عن ثفل الغذاء وهو الغائط، ثمَّ قال: والبَراز بالفتح: الفضاء الواسع، وتبرَّز الرجل أي: خرج إِلى البَراز للحاجة وانظر «النهاية». (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢) وغيره، وانظر «الصحيحة» (١١٥٩). المُغمَّس«. قال نافع: المغمَّس: ميلين أو ثلاثة من مكة (١). وعن يعلى بن مُرَّة عن أبيه -رضي الله عنه- قال:»كنتُ مع النّبيّ - ﷺ - في سفر، فأراد أن يقضي حاجته، فقال لي: «ائت تلك الأشاءتين (قال وكيع: يعني: النخل الصِّغار)، فقل لهما: إِنَّ رسول الله - ﷺ - يأمركما أن تجتمعا»، فاجتمعتا، فاستتر بهما، فقضى حاجته، ثم قال لي: «ائتهما، فقل لهما: لترجعْ كلُّ واحدة منكما إِلى مكانها»، فقلتُ لهما، فرجعتا (٢). ٢ - أن لا يتخلَّى في الطُّرق والظِّلال والموارد: عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «اتَّقوا اللَّعَّانَيْن» (٣). قالوا: وما اللَّعَّانان يا رسول الله؟ قال: «الذي يتخلَّى (٤) في طريق الناس أو في ظلِّهم (٥)» (٦). -------------------- (١) أخرجه السراج في «مسنده» بإسناد صحيح على شرط مسلم وغيره، وانظر «الصحيحة» (١٠٧٢). وقيل بأنَّ المغمس مكان مستورة؛ إِما بهضاب، وإِما بعضاه، والعضاه: كل شجر له شوك؛ صغُر أو كبُر، والميل: قيل: ثلث الفرسخ، وقيل: هو مدّ البصر وقيل غير ذلك. (٢) عن «صحيح ابن ماجه» (٢٧١). (٣) قال الإِمام الخطابي -رحمه الله-: «المراد باللَّعَّانين: الأمرين الجالِبَيْن للَّعن، الحاملَين الناس عليه، والداعِيَين إليه، وذلك أنَّ مَن فعَلهما شُتِم ولُعِن؛ يعني: عادة الناس لعْنه، َ فلما صارا سببًا لذلك؛ أضيف اللعن إِليهما». (٤) أي: يتغوّط. (٥) قال الخطابي وغيره: هو مُستَظلّ الناس الذي اتَّخذوه مقيلًا ومناخًا ينزلونه ويقعدون فيه. (٦) أخرجه مسلم: ٢٦٩ وعن معاذ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اتَّقوا الملاعن الثلاث: البِراز (١) في الموارد، وقارعة الطريق (٢)، والظلّ» (٣). ٣ - أن لا يبول في الماء الراكد أو المستحم: عن جابر -رضي الله عنه- عن رسول الله - ﷺ -: «أنَّه نهى أن يُبال في الماء الرَّاكد» (٤). وعن عبد الله بن مُغفَّل -رضي الله عنه-: قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يبولنَّ أحدُكم في مستحمِّه، ثم يغتسل فيه» (٥). ٤ - جواز البول في الإِناء أو الطَّست لمرض أو برد أو نحو ذلك: عن أميمة بنت رقيقة -رضي الله عنها- قالت: «كان للنبي - ﷺ - قَدَح من عيدان؛ يبول فيه، ويضعه تحت السرير» (٦). --------------------- (١) هو ثُفل الغذاء هنا، وتقدّم. (٢) قارعة الطريق: أعلاه، أو جادَّته، أو وسطه، أو صدره، أو ما برز منه، فكلّها متقاربة مشتقة من القرع؛ أي: الضرب، فهي مقروعة بالقدم والحافر، وذلك من تسمية المفعول بالفاعل «فيض القدير». (٣) أخرجه أبو داود، وابن ماجه، وغيرهما، وحسنه شيخنا -حفظه الله تعالى- في «الإرواء» (٦٢). (٤) أخرجه مسلم: ٢٨١، وهو في «صحيح ابن ماجه» (٢٧٣)، و«صحيح سنن النسائي» (٣٤)، وله لفظ مقارب عند البخاري: ٢٣٩ (٥) أخرجه أبو داود «صحيح أبي داود» (٢٢) وغيره، وانظر «المشكاة» (٣٥٣). (٦) أخرجه أبو داود والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣٢) وانظر «المشكاة» (٣٦٢). وعن إِبراهيم عن الأسود؛ قال: ذكروا عند عائشة أنَّ عليًّا -رضي الله عنهما- كان وصيًّا، فقالت: «متى أوصى إِليه، وقد كنتُ مسنِدَتَه إِلى صدري -أو قالت: حَجري-، فدعا بالطَّسْت (١)، فلقد انخنث (٢) في حَجري، فما شعرتُ أنَّه قد مات، فمتى أوصى إِليه؟!» (٣). ٥ - ألا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض حتى لا تنكشف عورته: لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان إِذا أراد حاجة؛ لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض» (٤). ٦ - أن يقول عند دخول الخلاء: «بسم اِلله، اللهمَّ إني أعوذ بك من الخبُث والخبائث»: لقوله - ﷺ -: «سَتْر ما بين الجنِّ وعورات بني آدم إِذا دَخَلَ الخلاء أن يقول: بسم الله» (٥). ولحديث عبد العزيز بن صهيب؛ قال: سمعتُ أنسًا يقول: «كان النّبيّ - ﷺ - إِذا دخل الخلاء؛ قال:»اللهمَّ إِني أعوذ بك من الخُبُث«(٦) ------------------ (١) الإِناء. (٢) أي: انثنى ومال لاسترخاء أعضائه عند الموت. (٣) أخرجه البخاري: ٢٧٤١ و٤٤٥٩ وغيره، وانظر»صحيح سنن النسائي«(٣٣). (٤) عن»صحيح سنن أبي داود«(١١)، وانظر»الصحيحة«(١٠٧١). (٥) أخرجه أبو داود، وابن ماجه، وغيرهما، وصحّحه شيخنا في»الإرواء«(٥٠). (٦) ويجوز إسكان الباء، وانظر»الفتح" (١/ ٢٤٣). والخبائث (١)» (٢). ٧ - عدم استقبال القبلة: عن أبي أيُّوب الأنصاري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا أتى أحدُكم الغائط؛ فلا يستقبل القبلة، ولا يولِّها ظهرَه، شرِّقوا أو غرِّبوا (٣)» (٤). وعن سلمان -رضي الله عنه- قيل له: قد علَّمكم نبيُّكم كلَّ شيء، حتى الخِراءة (٥). قال: فقال: «أجل؛ لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو نستنجيَ باليمين، أو أن نستنجيَ بأقلَّ من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجيَ برجيع (٦) أو بعظم» (٧). ----------------------- (١) الخُبْث: جمع خبيث، والخبائث: جمع خبيثة؛ يريد: ذُكران الشياطين وإناثهم. قاله الخطابي وابن حبان وغيرهما. «فتح». وأصل الخبائث: المعاصي، أو مطلق الأفعال المذمومة. (٢) أخرجه البخاري: ١٤٢، ومسلم: ٣٧٥ (٣) وليس التشريق أو التغريب عامًّا لكل البلاد، فمن الناس من يشرِّق أو يغرِّب فيستقبل القبلة أو يستدبرها، والمراد عدم استقبال القبلة أو استدبارها؛ كما هى الإشارة في أوَّل الحديث. (٤) أخرجه البخاري: ١٤٤ (٥) التخلِّي والقعود للحاجة؛ قال الخطابي: «وأكثر الرواة يفتحون الخاء». «النهاية». (٦) الرَّجيع: العَذرة والرَّوث، سُمي رجيعًا؛ لأنَّه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان طعامًا أو علفًا. «النهاية». (٧) أخرجه مسلم: ٢٦٢ قال ابن حزم -رحمه الله تعالى-: «ولا يجوز استقبال القبلة واستدبارها للغائط والبول؛ لا في بنيان، ولا في صحراء، ولا يجوز استقبال القبلة فقط كذلك في حال الاستنجاء. (ثمَّ ذكر حديث أبي أيوب -رضي الله عنه- وغيره، وذكر أيضًا من قال بذلك من السَّلَف)» (١). وعن يحيى بن يحيى؛ قال: قلتُ لسفيان بن عيينة: سمعتَ الزُّهريَّ يذكر عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب: أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: «إِذا أتيتُم الغائط؛ فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببولٍ ولا غائط، ولكنْ شرِّقوا وغرِّبوا». قال أبو أيوب: «فقَدمْنا الشام؛ فوَجَدْنا مراحيضَ قد بُنِيَت قِبَل القِبلةِ، فننحرف عنها ونستغفر اللَّه؟ قال: نعم (٢)» (٣). وربَّما يُشْكِل على البعض حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «ارتقَيْتُ فوق بيت حفصةَ لبعض حاجتي، فرأيتُ رسولَ الله - ﷺ - يقضي حاجَتَه مُسْتَدْبِرَ القِبلة مستقبِلَ الشام» (٤). وقول مروان الأصفر: «أناخَ ابنُ عُمر بعيرَه مستقبلَ القِبلة، ثمَّ جَلَس يبولُ ----------------------- (١) انظر»المحلّى«(مسألة ١٤٦). (٢) جواب لقوله في البداية:»سمعتَ الزُّهري ... " إِلخ. (٣) أخرجه البخاري: ٣٩٤، ومسلم: ٢٦٤ (٤) أخرجه البخاري: ١٤٨، ومسلم: ٢٦٦ إِليها، فقلتُ (١): يا أبا عبد الرحمن! أليس قد نُهِيَ عن هذا؟ قال: بلى؛ إِنَّما نُهِيَ عن هذا في الفضاء، أمَّا إِذا كان بينك وبينَ القِبلة شيءٌ يستُرُك؛ فلا بأسَ» (٢). فالجواب عن ذلك: «١ - إِنَّ كل النصوص المتعلِّقة بالموضوع لا تعدو أن تكون قوليَّة أو فعليَّة، سوى أثر ابن عمر، وهو موقوف، ولا يُعارَض المرفوع بالموقوف؛ كما هو معلوم. ٢ - إِذا تعارضَ قولٌ وفِعلٌ؛ قُدِّم القول على الفعل؛ كما هو مقرَّر في علم الأصول، والقول يأمر بعدم استقبال القِبّلة أو استدبارها ببولٍ أو غائط. ٣ - إِذا تعارَضَ حاظِرٌ ومُبيحٌ؛ قدِّمَ الحاظر على المُبيح. ٤ - لقد ثبتَ النَّهي عن البصقِ تجاه القبلة؛ كما في الحديث:»من تَفَلَ تجاه القِبلة؛ جاء يومَ القيامة وتفلتُه بينَ عينيه«(٣). ومن هذا الحديث يُستَنْبَط أنَّ النَّهي عن استقبال القبلة ببول أو غائطٍ؛ إِنَّما هو مطلقٌ يشمل الصحراء والبُنيان؛ لأنَّه إِذا أفاد الحديث أنَّ البصقَ تجاه القِبلة لا يجوز مُطلقًا؛ فالبول والغائط مستقبلًا لها لا يجوز بالأولى» (٤). ---------------------- (١) أي: مروان الأصفر. (٢) أخرجه أبو داود: ١١، «صحيح سنن أبي داود» (٨)، وغيره، وانظر «الإِرواء» (٦١). (٣) أخرجه أبو داود، وغيره، وِإسناده صحيح؛ وانظر «الصحيحة» (٢٢٢). (٤) كذا قاله لي بمعناه شيخُنا الألباني -حفظه الله-. ٨ - التحفُّظ من البول كي لا يصيبَ البدن والثياب، والتَّغليظ في ترك غسْله إِذا أصاب البدن والثياب (١): عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال:»مرَّ النّبيّ - ﷺ - بحائط (٢) من حيطان المدينة -أو مكة-، فَسَمع صوت إِنسانين يعذَّبان في قبورهما، فقال النّبيّ - ﷺ -: «يُعذَّبان، وما يُعَذَّبان في كبير»، ثمَّ قال: «بلى، كان أحدهما لا يستتر (٣) من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة» (٤). ٩ - عدم الاستنجاء باليمين: وذلك لما سبق في حديث سلمان: «... نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجيَ بأقلّ من ثلاثة أحجار» (٥). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كانت يد رسول الله - ﷺ - اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وكانت اليُمنى لوضوئه ولمَطعمه» (٦). وعن أبي قتادة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا شرب أحدُكم؛ فلا يتنفَّس في الإِناء، وإذا أتى الخلاء؛ فلا يمسّ ذكره بيمينه، ولا -------------------- (١) هذا العنوان من»صحيح ابن خزيمة«. (٢) أي: بستان. (٣) أي: لا يستبرئ ولا يتطهَّر كما تقدَّم. (٤) أخرجه البخاري: ٢١٦، ومسلم: ٢٦٢، وغيرهما، وتقدم مختصرًا. (٥) تقدَّم تحت رقم (٧). (٦) أخرجه أبو داود، وأحمد، وسنده صحيح كما قال النَّووي والعراقي، وانظر تفصيله في»الإرواء" تحت رقم (٩٣). يتمسَّح بيمينه (١)» (٢). وعنه أيضًا؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا دخل أحدُكم الخلاء؛ فلا يمسَّ ذَكَرَة بيمينه» (٣). ١٠ - الاستنجاء بالماء: عن أنس بن مالك قال: «كان النّبيّ - ﷺ - إِذا خرجَ لحاجته؛ أجيء أنا وغلام معنا إِداوة (٤) من ماء؛ يعني: يستنجي به» (٥) .... وعنه -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يتبرَّز لحاجته، فآتيهِ بالماء، فيَتَغَسَّلُ به» (٦). ١١ - إِذا استجمر بالحجارة؛ فلا يجْعَلْها أقلَّ من ثلاثة: لحديث سلمان المتقدِّم: «نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول ... أو أن نستنجيَ بأقل من ثلاثة أحجار». وأيضًا؛ لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «... وكان يأمر بثلاثة --------------------- (١) أى: لا يستنج. (٢) أخرجه البخاري: ١٥٣، ومسلم: ٢٦٧ (٣) أخرجه مسلم: ٢٦٧ (٤) هي إِناء صغيرمن جلد؛ كما تقدَّم في أول الكتاب. (٥) أخرجه البخاري: ١٥٠، وهو في»صحيح مسلم" (٢٧١) نحوه، وتقدّم قريبًا. (٦) أخرجه مسلم: ٢٧١ أحجار، وينهى عن الرَّوث والرِّمَّة» (١). ولقوله - ﷺ -: «إِذا ذهب أحدكم إِلى الغائط؛ فليستطب بثلاثة أحجار؛ فإِنَّها تجزئ عنه» (٢). ١٢ - عدم الاستنجاء بالرَّوث أو العظم: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: اتَّبعتُ النّبيّ - ﷺ - وخرج لحاجته، فكان لا يلتفت، فدنوتُ منه، فقال: «ابغني أحجارًا أستنفضُ بها -أو نحوه-، ولا تأتني بعظم ولا روث»، فأتيتُه بأحجارٍ بطرف ثيابي، فوضعتُها إِلى جنبه، وأعرَضْتُ عنه، فلما قضى؛ أتْبَعَه بهنَّ«(٣). وعن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه: أنَّه سمع عبد الله يقول: أتى النّبيُّ - ﷺ - الغائطَ، فأمَرَني أن آتيَه بثلاثة أحجار، فوجدتُ حجرين، والتمست الثالث؛ فلم أجده، فأخذتُ روثةً، فأتيتُه بها، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال:»هذا رِكْس (٤) «(٥). ------------------------ (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٦)، وبعضه في مسلم: ٢٦٢، وتقدّم قريبًا والمراد بالرِّمة: العظم البالي. (٢) أخرجه أحمد وأبو داود، وغيرهما، وانظر»الإِرواء«(٤٤)، وتقدّم، ويُفهم من الحديث أنَّ أقلَّ من ثلاث لا تجزئ. (٣) أخرجه البخاري: ١٥٥، وتقدَّم في (باب إِزالة النجاسات). (٤) جاء في»الفتح" (١/ ٢٥٨): الرِّكس: لغة في رجس؛ بالجيم، وقيل: الرِّكس الرَّجيع، رُدَّ من حالة الطهارة إِلى حالة النجاسة. قاله الخطابي وغيره. والأولى أن يقال: رُدَّ من حالة الطعام إِلى حالة الروث. (٥) أخرجه البخاري: ١٥٦ وعن جابر -رضي الله عنه- قال: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يُتمسَّح بعظْم أو ببعْر» (١). وعلَّل رسول الله - ﷺ - سبب نهيه عن الاستنجاء بالرَّوث والعظام، لأنَّه زاد إِخواننا من الجنِّ، كما في حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: «لا تستنجوا بالرَّوث ولا بالعظام؛ فإِنَّه زاد إِخوانكم من الجنِّ» (٢). ١٣ - عدم ردِّ السلام عند قضاء الحاجة: عن ابن عمررضي الله عنهما-: «أنَّ رجلًا مرَّ ورسول الله - ﷺ - يبول، فسلَّم، فلم يردَّ عليه» (٣). وعن المهاجر بن قنفذ -رضي الله عنه-: أنَّه أتى النّبىّ - ﷺ - وهو يبول، فسلَّم عليه، فلم يردَّ عليه حتى توضَّأ، ثمَّ اعتذر إِليه، فقال: «إِنِّي كرهتُ أن أذكر الله -عز وجل- إِلا على طهر (أو قال: على طهارة)» (٤). ١٤ - أن يقول عند الخروج من الخلاء: غفرانك: كما في حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان النّبيّ - ﷺ - إِذا ------------------------ (١) أخرجه مسلم: ٢٦٣ (٢) أخرجه أحمد، والترمذي، وغيرهما، وصححه شيخنا فى»الإِرواء«(٤٦)، وتقدّم. (٣) أخرجه مسلم: ٣٧٠، وغيره. (٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٣)، والنسائي والدارمي، وانظر»الصحيحة" (٨٣٤). https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 86الى صــ 100 الحلقة (7) خرج من الخلاء، قال: غُفرانك» (١). ١٥ - دلْك اليد بالأرض بعد الاستنجاء: عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - قضى حاجته، ثمَّ استنجى من تور، ثمَّ دَلَكَ يده بالأرض» (٢). واستعمال الصابون ونحوه يجزئ عن ذلك. هل يجوز التبوُّل قائمًا؟ لقد وَرَدَ عن عائشة -رضي الله عنها- قولُها: «من حدَّثكم أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يبولُ قائمًا، فلا تصدِّقوه، ما كان يبولُ إلا قاعدًا» (٣). وما بَدَر عن عائشة -رضي الله عنها- نفيٌ، وقد حدَّثَتْ بما عَلِمَتْ. وقد ورَدَ الإِثبات من حُذيفة -رضي الله عنه- وحدَّث بما عَلِمَ، فنُقدِّمه على النفي، وذلك بقوله: «أتى النّبيّ - ﷺ - سُباطَةَ (٤) قومٍ، فبال قائمًا» (٥). ومن علم حجَّة على من لم يعلم. ------------------------ (١) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد»، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم، وهو في «الإِرواء» (٥٢)، و«صحيح سنن أبي داود» (٢٤٤). (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٥) وغيره، وانظر «المشكاة» (٣٦٠). (٣) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٩) وغيره، وانظر «الصحيحة» (٢٠١). (٤) المزبلة والكناسة: تكون بفناء الدور مرفقًا لأهلها. «الفتح». (٥) أخرجه البخاري: ٢٢٦، ومسلم؛ ٢٧٣، وغيرهما. قال الحافظ في «الفتح» (١/ ٣٣٠): «وقد ثَبَتَ عن عُمر وعليٍّ وزيد بن ثابت وغيرهم: أنَّهم بالوا قيامًا، وهو دالٌّ على الجواز من غير كراهة إِذا أمِنَ الرَّشاش، والله أعلم، ولم يثبُتْ عن النّبيّ - ﷺ - في النَّهي عنه شيءٌ (١)؛ كما بيَّنتُه في أوائل شرح التِّرمذي، والله أعلم». أمَّا قولُ عمر -رضي الله عنه-: «ما بُلْتُ قائمًا منذُ أسلمتُ» (٢)؛ فَيُقابل بقول زيد -رضي الله عنه-: «رأيتُ عُمر بال قائمًا» (٣). قال شيخنا- حفظه الله-: «ولعلَّ هذا وقع من عمر -رضي الله عنه- بعد قوله المتقدِّم، وبعدما تبيَّن له أنَّه لا شيء في البول قائمًا» اهـ. فخُلاصة القول كما قال الحافظ -رضي الله عنه-: «جواز البول قائمًا من غير كراهة إِذا أمِنَ الرَّشاش». -------------------------- (١) أما حديث: «يا عُمر! لا تَبُل قائمًا»؛ فإِنَّه ضعيف، وقد رواه ابن حبان في «صحيحه». قال شيخنا في «الضعيفة» (٩٣٤): «وهذا سند ظاهره الصحَّة؛ فإِنَّ رجاله ثقات، لكنه معلول بعنعنة ابن جرير؛ فإِنَّه كان مدلِّسًا، وقال أبو عيسى في»سننه«(باب ما جاء في النهي عن البول قائمًا، تحت الحديث رقم ١٢): وِإنَّما رفعَ هذا الحديث عبد الكريم بن المُخارق، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعَّفه أيوب السختياني، وتكلَّم فيه». (٢) أخرجهما ابن أبي شيبة في «المصنَّف»، وِإسنادهما صحيح؛ كما ذكر شيخنا في التعليق على حديث (٩٣٤) من «الضعيفة». (٣) أخرجهما ابن أبي شيبة في «المصنَّف»، وِإسنادهما صحيح؛ كما ذكر شيخنا في التعليق على حديث (٩٣٤) من «الضعيفة». الوضوء الوُضوء (بالضمّ): الفِعْل، وبالفتح (الوَضوء): ماؤه، ومصدر أيضًا، أو لُغتان قد يُعني بهما المصدر وقد يُعني بهما الماء (١). قال الحافظ (٢): «وهو مشتقٌّ من الوَضاءَة، وسُمّي بذلك لأنَّ المصلّي يتنظّف به فيصير وضيئًا». فضل الوُضوء عن نعيم المُجمِر؛ قال: رَقِيتُ (٣) مع أبي هريرة -رضي الله عنه- على ظهْر المسجد فتوضّأ فقال: إِنّي سمعْت النّبيّ - ﷺ - يقول: «إِنَّ أمَّتي (٤) يُدعوَن يوم القيامة غُرًّا (٥) مُحَجَّلينَ (٦) من آثار الوُضوء» (٧). --------------------- (١) عن «القاموس المحيط»، وذكر نحوه الحافظ في «الفتح». (٢) وذكر نحوه الشوكاني في «نيل الأوطار» (أبواب صفة الوضوء ...). (٣) بكسر القاف؛ أي: صعدتُ. (٤) أمَّة الإجابة، وهم المسلمون، لا أمَّة الدَّعوة. انظر «الفتح». (٥) جمع أغرّ؛ أي: ذو غُرَّة، وأصل الغُرّة: لمعة بيضاء تكون في جبهة الفرس، ثمَّ استعملت في الجمال والشهرة وطيب الذِّكْر، والمراد بها هنا: النّور الكائن في وجوه أمَّة محمّد - ﷺ -، وغُرًّا: منصوب على المفعوليَّة ليُدعَوْن، أو على الحال؛ أي: أنهم إِذا دُعوا على رؤوس الأشهاد؛ نودوا بهذا الوصف، وكانوا على هذه الصفة. (٦) من التَّحجيل، وهو بياض يكون في ثلاث قوائم الفرس، وأصْله من الحِجل، وهو الخَلخال، والمراد به هنا أيضًا النور. «الفتح». (٧) أخرجه البخاري: ١٣٦، ومسلم: ٢٤٦، وحذفت الشطر الآخر من الحديث = وعن أبي مالك الأشعريّ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الطُّهورُ (١) شَطر الإِيمان» (٢). وعن حُمران مولى عثمان عن عثمان -رضي الله عنه- قال: رأيتُ رسول الله - ﷺ - توضّأ مثل وُضوئي هذا، ثمَّ قال: «من توضّأ هكذا؛ غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إِلى المسجد نافلة» (٣). وعنه أيضًا؛ قال: سمِعْتُ عثمان وهو بفناء (٤) المسجد، فجاءه المؤذّن عند العصر، فدعا بوَضوء فتوضّأ، ثمَّ قال: والله لأحدّثنّكم حديثًا (٥)؛ لولا آية ---------------------- = لأنَّه مدْرج، ولفظه: «فمن استطاع منكم أن يُطيل غُرَّته؛ فليفعل». قال الحافظ في «الفتح»: «... ثمَّ إِنَّ ظاهره بقيَّة حديث، لكن رواه أحمد من طريق فليح عن نعيم: لا أدري قوله:»من استطاع ... «إِلخ من قول النّبيّ - ﷺ - أو قول أبي هريرة، ولم أر هذه الجملة في رواية أحد؛ ممَّن روى الحديث من الصحابة، وهم عشرة، ولا ممَّن رواه عن أبي هريرة غير رواية نعيم هذه، والله أعلم». وقد فصَّل القول في ذلك شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى- في «السلسلة الضعيفة» (١٠٣٠)، فارجع إِليها -إِن شئت- وِإلى هذا ذهب شيخ الإِسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم -رحمهما الله تعالى- وغيرهما. (١) الطُّهور: بضم أوله: إِذا أريد به الفعل الذي هو المصدر، والطَّهور بالفتح: الماء لذي يُتطَّهر به. (٢) أخرجه مسلم: ٢٢٣ (٣) أخرجه مسلم: ٢٢٩ (٤) بين يدي المسجد أو في جواره. (٥) قال النووي: فيه جواز الحلف من غير ضرورة الاستحلاف. في كتاب الله ما حدَّثْتُكُم: إِنّي سمِعْت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يتوضّأ رَجُلٌ مسلم فيُحسنُ الوُضوء، فيصلّي صلاةً، إلاَّ غَفَرَ الله له ما بينه وبين الصلاة التي تليها». «قال عُروة: الآية: ﴿إِنَّ الذين يكْتُمونَ ما أنْزَلْنا من البيِّنات والهدى﴾ إِلى قوله: ﴿اللاّعِنونَ﴾ (١)» (٢). وعن عثمان بن عفّان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أتمَّ الوُضوءَ كما أمَره الله تعالى؛ فالصّلوات المكتوبات كفّارات لما بينهنَّ» (٣). وعن حُمران مولى عثمان قال: توضّأ عثمانُ بنُ عفّانَ وُضوءًا حسنًا، ثمَّ قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضّأ فأحسن الوُضوء، ثمَّ قال: «من توضّأ هكذا، ثمَّ خرج إِلى المسجد لا ينهزُه (٤) إلا الصّلاة، غُفر له ما خلا من ذنبه» (٥). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: "إِذا توضأ العبد المسلم (أو المؤمن)، فغَسل وجهه؛ فخرج من وجهه كلُّ خطيئة نظر -------------------- (١) البقرة: ١٥٩ (٢) أخرجه البخاري: ١٦٠، ومسلم: ٢٢٧ (٣) أخرجه مسلم: ٢٣١ (٤) أي: لا يدفعه أو يحرِّكُه. (٥) أخرجه مسلم: ٢٣٢ إِليها بعينيه مع الماء (أو آخر قَطرْ الماء)، فإِذا غسل يديه؛ خرج من يديه كلُّ خطيئة كان بطَشَتها (١) يداه مع الماء (أو آخر قطر الماء)، فإِذا غسل رجليه؛ خرجت كلُّ خطيئة مشتها رجلاه مع الماء (أو آخر قطر الماء)، حتى يخرُج نقيًّا من الذّنوب» (٢). وعن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من توضّأ فأحسن الوُضوء؛ خَرجت خطاياه من جسده، حتى تخرج من تحت أظفاره» (٣). الوضوء شرط من شروط الصلاة قال تعالى: ﴿يا أيّها الذين آمنوا إِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاة فاغْسلُوا وُجوهَكُم وأيْديَكُم إِلى المرافقِ وامْسَحُوا برؤوسكُم وأرجُلَكُمَ إِلى الكعْبَيْن﴾ (٤). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تُقبل (٥) صلاةُ من أحدثَ حتى يتوضّأ». ----------------- (١) أي: اكتسبتها. (٢) أخرجه مسلم: ٢٤٤، وغيره. (٣) أخرجه مسلم: ٢٤٥، وغيره. (٤) المائدة: ٦ (٥) جاء في «الفتح» تحت حديث (رقم ١٣٥): "المراد بالقَبول: هنا ما يُرادف الصحّة، وهو الإِجزاء، وحقيقة القبول ثمرة وقوع الطاعة مجزئة رافعة لما في الذِّمَّة، = قال رجلٌ من حضرَمَوت: ما الحدث (١) يا أبا هريرة؛ قال: فُساء أو ضُراط. وعن مصعب بن سعد -رضي الله عنه- قال: «دَخَل عبد الله بن عمر على ابن عامر يعودُه وهو مريض، فقال: ألا تدعو الله لي يا ابن عمر؟ قال: إِنّي سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول:»لا تُقبل صلاة بغير طُهور، ولا صدقةٌ من غُلُول (٢) «وكنتَ على البصرة» (٣) (٤). ---------------------- = ولمَّا كان الإِتيان بشروطها مظنَّة الإِجزاء الذي القَبول ثمرتُه، عبَّر عنه بالقبول مجازًا، وأمَّا القبول المنفي في مثل قوله - ﷺ -: لا من أتى عرَّافًا؛ لم تُقبل له صلاة«؛ فهو الحقيقي؛ لأنَّه قد يصح العمل وَيتخلَّف القَبول لمانع، ولهذا كان بعض السّلف يقول: لأن تُقبل لي صلاة واحدة أحبُّ إِليَّ من جميع الدنيا، قاله ابن عمر. قال: لأنَّ الله تعالى قال: ﴿إِنَّما يتقبل الله من المتقين﴾ (المائدة: ٢٧)» انتهى كلامه -رضي الله عنه- والحديث بلفظ: «من أتى عرَّافًا، فسأله عن شيء؛ لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة»، أخرجه مسلم: ٢٢٣٠، وغيره. (١) الحدث: الخارج من أحد السَّبيلين، وتفسير أبي هريرة الأخصّ من ذلك تنبيهًا بالأخفّ على الأغلظ. (الفتح) رواه البخاري: ١٣٥، ومسلم: ٢٢٥ دون قوله: «قال رجل». (٢) الغُلول: الخيانة، وأصله السَّرقة من مال الغنيمة قبل القِسمة. (٣) أخرجه مسلم: ٢٢٤ (٤) قال النووي في «شرح مسلم»: "فمعناه: أنَّك لست بسالمٍ من الغلول، فقد كنت واليًا على البصرة، وتعلَّقت بك تَبعات من حقوق الله تعالى وحقوق العباد، ولا يقبل الدُّعاء لمن هذه صفته؛ كما لا تقبل الصلاة والصدقة إلاَّ من مُتصوَن، والظاهر -والله أعلم- أنَّ ابن عمر قصدَ زجر ابن عامر وحثَّه على التوبة وتحريضه على الإقلاع عن المخالفات = وعن عليّ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مِفتاحُ الصلاة الطَّهور، وتحريمها التّكبير، وتحليلها التّسليم» (١). فرائض الوضوء ١ - النِّيَّة لحديتَ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: سمعْت رسول الله - ﷺ - يقول: «إِنَّما الأعمال بالنِّيَّات، وإِنَّما لكلّ امرئ ما نوى» (٢). والنّيّة: القصد والعزم، ومحلّها القلب، والتلفّظ بها بدعة. ٢ - التَّسمية لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه» (٣). قال الحافظ المنذري -رضي الله عنه- في «الترغيب»: «... وقد ذهب الحسن وإِسحاق بن راهويه وأهل الظَّاهر؛ إِلى وجوب التَّسمية في الوضوء؛ ----------------- = ولم يُرِد القطع حقيقة بأنَّ الدعاء للفسّاق لا ينفع، فلم يزل النبيّ - ﷺ - والسّلف والخلف يدْعون للكفار وأصحاب المعاصي بالهداية والتوبة، والله أعلم. (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٥٥)، والترمذي، وغيرهما وانظر»الإِرواء«(٣٠١). (٢) أخرجه البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧، وغيرهما. (٣) أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٩٢)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٣٢٠)، وغيرهم، وانظر»الإِرواء" (٨١). حتى إِنَّه إِذا تعمَّد ترْكها؛ أعاد الوضوء، وهو رواية الإِمام أحمد ...». وهو من اختيار صدّيق خان، والشوكاني كما في «السيل الجرّار» (١/ ٧٦ - ٧٧)، و«الدّراري المضيّة» (١/ ٤٥)، وبه يقول شيخنا الألباني -حفظه الله- في «تمام المنّة» (ص٨٩). ٣ - المضمضة والاستنشاق والاستنثار مّرة واحدة. عن لقيط بن صَبِرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا توضّأتَ؛ فمضمِض» (١). و(مضمِض) فِعل أمر، والأمر يفيد الوجوب؛ إلا لقرينة تصرفه -كما هو معروف-. وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من توضّأ؛ فلْيستنثر (٢)، ومن استجمر؛ فليوتر» (٣). قال الشوكاني -رحمه الله-: «القول بالوجوب هو الحقّ؛ لأنَّ الله سبحانه قد أمرَ في كتابه العزيز بغسل الوجه، ومحلّ المضمضة والاستنشاق من جملة الوجه، وقد ثبت مداومة النّبيّ - ﷺ - على ذلك في كلِّ وضوء، ورواه جميع من روى وضوءَه - ﷺ - وبيَّن صِفته، فأفاد ذلك أنَّ غسل الوجه المأمور به في القرآن ----------------------- (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (١٣١)، وصححه الترمذي والنووي. وانظر كلام الشوكاني في تخريجه بعد سطور. (٢) من النَّثر: وهو طرح الماء الذي يستنشقه المتوضئ؛ أي: يجذبه بريح أنفه لتنظيف ما في داخله، فيخرُج بريح أنفه. (٣) أخرجه البخاري: ١٦١، ومسلم: ٢٣٧ هو المضمضة والاستنشاق. وأيضًا قد ورد الأمر بالاستنشاق والاستنثار في أحاديث صحيحة. وأخرج أبو داود والترمذي من حديث لَقيط بن صَبِرة بلفظ:»إِذا توضأتَ؛ فمَضمِض«، وإسناده صحيح، وقد صحّحه الترمذي والنَّووي وغيرهما، ولم يأتِ من أعلَّه بما يقدح فيه» (١). ٤ - غَسْل الوجه مرّة واحدة. قال ابن كثير في «تفسيره»: «وحدُّ الوجه عند الفقهاء ما بين منابت شعر الرأس -ولا اعتبار بالصّلع ولا بالغَمَم (٢) - إِلى منتهى اللحيَيْن والذّقن طولًا، ومن الأذن إِلى الأذن عَرضًا» (٣). ٥ - تخليل اللحية. لحديث أنس -رضي الله عنه-: أنَّ رسول الله - ﷺ - كان إذا توضّأ؛ أخذ كفًّا من ماء، فأدخله تحت حَنَكه؛ فخلّل به لحيته، وقال: «هكذا أمرني ربي عز وجل» (٤). -------------------- (١) «السيل الجرَّار» (٨١ و٨٢). (٢) الغَمَم: هو سيلان الشعر حتى تضيق الجبهة والقفا. (المحيط). (٣) انظره في تفسير الآية (٦) من سورة المائدة. (٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٣٢)، وغيره، وهو صحيح بطرقه وشواهده، وانظر «المشكاة» (٤٠٨). ٦ - غَسل اليدين إِلى المرفقين (١) مرة واحدة. ٧ - مسح الرأس مرّة واحدة (٢). ٨ - مسح الأذنين مرّة واحدة. لقوله - ﷺ -: «الأذنان من الرأس» (٣). وبه يقول الإِمام أحمد بن حنبل -رضي الله عنه-. ٩ - غَسل الرّجلين إِلى الكعبين مرّة واحدة. ودليل وجوب غسل هذه الأعضاء: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٤). ١٠ - تخليل أصابع اليدين والرجلين. لقوله - ﷺ -: «إِذا توضّأْتَ؛ فخلِّلْ أصابعَ يديْك ورِجليْك» (٥). وعن لَقيط بن صَبِرة عن النبيّ - ﷺ - قال: «إِذا توضّأْتَ؛ فخلِّل ------------------------- (١) المرفق: موصل الذراع في العضُد. (٢) سيأتي التّفصيل المتعلِّق بهذا المسح إِن شاء الله. (٣) ثبت من عدّة طُرق، بعضها صحيح لذاته، وبعضها صحيح لغيره، وانظر تفصيله فى»الصحيحة«(٣٦). (٤) المائدة: ٦ (٥) أخرجه الترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وأحمد، وهو في»الصحيحة" (١٣٠٦). الأصابع» (١). ١١ - الموالاة في الوضوء. واختُلف فيها على أقوال، والراجح فيها الوجوب؛ إِلا إِذا تُركت لعُذر، والله أعلم. قال شيخ الإِسلام -رحمه الله-: «الموالاة في الوضوء، فيها ثلاثة أقوال: أحدها: الوجوب مُطلقًا؛ كما يذكره، أصحاب الإِمام أحمد ظاهر مذهبه، وهو القول القديم للشافعي. والثاني: عدم الوجوب مطلقًا؛ كما هو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، والقول الجديد للشافعي. والثالث: الوجوب؛ إلاَّ إِذا تركها لعُذر؛ مثل عدم تمام الماء؛ كما هو المشهور في مذهب مالك». قلت [أي: شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى-]: وهذا القول الثالث؛ هو الأظهر والأشبه بأصول الشريعة وبأصول مذهب أحمد وغيره. وذلك أنَّ أدلة الوجوب لا تتناول إِلا المفرِّط، لا تتناول العاجز عن الموالاة، فالحديث الذي هو عُمدة المسألة الذي رواه أبو داود (٢) وغيره عن خالد بن معدان عن بعض أصحاب النّبيّ - ﷺ -: «أنَّه رأى رجلًا يصلّي وفي ظهر -------------------- (١) صححه ابن حبان والحاكم وغيرهما، وهو في»سنن أبي داود«(١٤٢) نحوه، وانظر»صحيح سنن أبي داود«(١٢٩)، و»الصحيحة«تحت رقم (١٣٠٦). (٢) برقم: ١٧٥، وهو في»صحيح سنن أبي داود" (١٦١). قدمه لمعة قدْر الدِّرهم لم يُصِبها الماء، فأمره النّبيّ - ﷺ - أن يُعيد الوضوء والصلاة» (١) فهذه قضيّة عين، والمأمور بالإِعادة مفرّط؛ لأنَّه كان قادرًا على غسل تلك اللمعة كما هو قادر على غسل غيرها، وإِنَّما بإِهمالها وعدم تعاهده لجميع الوضوء بقيت اللمعة، نظير الذين كانوا يتوضّؤون وأعقابهم تلوح، فناداهم بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النَّار» (٢). وكذلك الحديث الذي في «صحيح مسلم» (٣) عن عمر -رضي الله عنه-: «أنَّ رجلًا توضّأ، فترك موضع ظُفُر على قدمه، فأبصَره النّبيّ - ﷺ -، فقال:»ارجِع فأحسِن وضوءك«، فرجع ثمَّ صلّى (٤)» (٥). ١٢ - التيامن. وهو البدء بغسل اليمين من اليدين والرّجلين، وذلك لعموم ما ورد في التّيامن. ثمَّ لقوله - ﷺ -: «إِذا لَبِستُم وإذا توضّأتم؛ فابدؤوا بأيامِنكم» (٦). ------------------ (١) أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما، وصحّحه شيخنا -حفظه الله- في «الإِرواء» (٨٦). (٢) أخرجه البخاري: ٦٠، ٩٦، ١٦٣، ١٦٥، ومسلم: ٢٤٠، وغيرهما. (٣) برقم: ٢٤٣ (٤) وفي رواية: «فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة»؛ كما تقدّم، رواه أحمد، وأبو داود وانظر «صحيح سنن أبي داود» (١٦١)، و«الإرواء» (٨٦). (٥) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٣٥). (٦) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٤٨٨)، وانظر «المشكاة» (٤٠١)، وهو في «صحيح سنن ابن ماجه» (٣٢٣)؛ بلفظ: «بميامنكم». ١٣ - «الدلك لمن كان ذا شعرٍ كثير (١) كثيف» (٢). لأنَّ هذا الشعر قد يحول دون بلوغ الماء موضعه، وما لا يتمّ الواجب إلاَّ به؛ فهو واجب. سُنَن الوضوء ١ - السِّواك: لقوله - ﷺ -: «لولا أن أشقّ على أُمّتي؛ لأمَرْتُهم بالسواك مع كلّ وضوء» (٣). ويستحبّ السّواك للصائم أوّل النَّهار وآخره؛ للبراءة الأصليّة (٤). ٢ - غَسل الكفّين في أوّل الوضوء. ومن الأدلّة على ذلك: حديث عبد الله بن زيد، وفيه:«... فأكفأ (٥) على يده من التَّور، فغسل يديه ثلاثًا ...» (٦). ---------------------- (١) ويسمى الشعراني في اللغة، وانظر «المحيط»، و«الوسيط». (٢) قاله لي بمعناه شيخنا الألباني -حفظه الله-. (٣) أخرجه أحمد ومالك والنسائي وغيرهم، وذكره البخاري معلقًا، وصحّحه شيخنا -حفظه الله- في «الإرواء» (٧٠). (٤) انظر «تمام المنّة» (ص ٨٩). (٥) أي: أمال وصبَّ. (٦) أخرجه البخاري: ١٨٦، ومسلم: ٢٣٥، وتقدّم. وكذلك حديث حُمران الآتي في النقطة الرابعة: «فأفْرَغ (١) على كفّيه ثلاث مرار، فغسلهما ...». ٣ - الدَّلك لمن لم يكن ذا شعر طويل كثيف. عن عبد الله بن زيد: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - أُتيَ بثُلُثي مُدّ؛ فجعلَ يدْلُك ذراعه» (٢). ٤ - تثليث الغَسل. وفيه عدة أحاديث؛ منها: ما رواه حُمران مولى عثمان: «أنَّه رأى عثمان بن عفان دعا بإِناءٍ، فأفرغ على كفّيه ثلاث مِرار، فغسلَهما، ثمَّ أدخل يمينه في الإِناء فمضمضَ واستنشقَ، ثمَّ غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إِلى المرفقين ثلاث مرار، ثمَّ مسح برأسه، ثمَّ غسل رجليه ثلاث مرار إِلى الكعبين، ثمَّ قال: قال رسول الله - ﷺ -:»من توضّأ نحو وُضوئي هذا، ثمَّ صلّى ركعتين لا يُحدِّث فيهما نفسه؛ غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه«(٣). وعن المطلب بن عبد الله بن حنطب:»أنَّ عبد الله بن عمر- رضي الله ------------------- (١) أي: صبَّ. (٢) أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» (٩٢)، والحاكم مثله، وصحّحه شيخنا الألباني -حفظه الله-. (٣) أخرجه البخاري: ١٥٩، ومسلم: ٢٢٦ نحوه، وفيه: «قال ابن شهاب: وكان علماؤنا يقولون: هذا الوضوء أسبَغ ما يتوضّأ به أحدٌ للصلاة». وتقدّم. https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 101الى صــ 115 الحلقة (8) عنهما -توضّأ ثلاثًا ثلاثًا؛ يُسنِد ذلك إِلى النّبيّ - ﷺ -«(١). وقد ثبتَ عن رسول الله - ﷺ -:»أنَّه توضّأ مرّتين مرّتين: لحديث عبد الله بن زيد -رضي الله عنه-: «»أنَّ النّبيّ - ﷺ - توضّأ مرّتين مرتين (٢) «(٣). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-:»أنَّ النّبيّ - ﷺ - توضّأ مرّتين مرتين«(٤). وثبت عنه - ﷺ - الوضوء مرّة مرّة: كما في حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال:»توضّأ النّبيّ - ﷺ - مرة مرة«(٥). كما صحّ عنه - ﷺ - غَسل بعض أعضائه مرتين وبعضهما ثلاثًا: كما في حديث عمرو بن يحيى المازنيّ عن أبيه:»أنَّ رجلًا قال لعبد الله ابن زيد -وهو جدُّ عمرو بن يحيى-: أتستطيع أن تُريني كيف كان رسول الله - ﷺ - يتوضّأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء، فأفرغَ على يديه، فغسل مرّتين، ثمَّ مضمضَ واستنثر ثلاثًا، ثمَّ غسل وجهه ثلاثًا، ثمَّ ---------------- (١) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٧٩)، وابن ماجه «سنن ابن ماجه» (٣٣٤)، وتقدّم. (٢) لكلّ عضو. (٣) أخرجه البخاري: ١٥٨ (٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٢٤)، والترمذي وصححه ابن حبان. (٥) أخرجه البخاري: ١٥٧ غسل يديه مرّتين مرّتين إِلى المرفقين، ثمَّ مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر؛ بدأ بمقدَّم رأسه حتى ذهب بهما إِلى قفاه، ثمَّ ردَّهما إِلى المكان الذي بدأ منه، ثمَّ غسل رجليه» (١). ٤ - الدّعاء بعده. وفي ذلك أحاديث، منها: «ما منكم من أحد يتوضّأ فيُبلغ (أو فيُسبغ) الوضوء، ثمَّ يقول:»أشهد أنَّ لا إِله إلا الله وأنَّ محمّدًا عبده ورسوله؛ إلاَّ فُتحت له أبواب الجنَّة الثمانية، يدخل من أيِّها شاء«(٢). ٥ - صلاة ركعتين بعده. لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه-:»أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال لبلال عند صلاة الفجر: «يا بلال! حدّثني بأرجى (٣) عملٍ عملتَه في الإِسلام؛ فإِنّي سمْعت دَفَّ (٤) نعليك بين يديَّ في الجنَّة». قال: "ما عمِلْتُ عملًا أرجى عندي أنِّي لم أتطهَّر طُهورًا في ساعةِ ليلٍ أو نهارٍ؛ إلا صلّيت بذلك الطُّهور ما كُتب لي أن ------------------- (١) أخرجه البخاري: ١٨٥، ومسلم: ٢٣٥، وتقدّم. (٢) أخرجه مسلم: ٢٣٤، وغيره، وسأذكره بتمامه إِنْ شاء الله في موضعه. (٣) بلفظ أفعل التفضيل المبني من المفعول، وِإضافة العمل إِلى الرّجاء؛ لأنَه السبب الداعي إِليه. (فتح). (٤) قال الخليل: دفَّ الطائر: إِذا حرّك جناحيه وهو قائم على رجليه. = أصلّي» (١). ما يجب له الوضوء ١ - الصلاة، سواء كانت فرضًا أو نافلة. لقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٢). ولقوله - ﷺ -: «لا تُقبل صلاة من أحدث حتى يتوضّأ» (٣). ٢ - الطّواف بالبيت. لقوله - ﷺ -: «الطّواف بالبيت صلاة؛ إلا أنَّ الله أباح فيه الكلام» (٤). ------------------ = وقال الحميدي: الدّف: الحركة الخفيفة والسّير اللين. ووقع في رواية مسلم: «خَشْف»؛ قال أبو عبيد وغيره: الخَشف: الحركة الخفيفة. ووقع في حديث بريدة عند أحمد والترمذي وغيرهما: «خشخشة»، وهو بمعنى الحركة أيضًا. كذا في «الفتح» بحذف يسير. (١) أخرجه البخاري: ١١٤٩، ومسلم: ٢٤٥٨، وغيرهما. (٢) المائدة: ٦ (٣) تقدّم في (باب الوضوء شرط من شروط الصلاة). (٤) أخرجه الترمذي، والدارمي، وابن خزيمة، وغيرهم، وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في «الإِرواء» (١٢١). الأمور التي يستحبُّ لها الوضوء ١ - عند ذكر الله عز وجل. عن المهاجر بن قنفذ -رضي الله عنه-: أنَّه أتى النّبيّ - ﷺ - وهو يبول، فسلَّم عليه، فلم يردَّ عليه حتى توضّأ، ثمَّ اعتذرَ إِليه فقال: «إِنِّي كرهْتُ أن أذكر الله إلا على طُهر (أو قال: على طهارة)» (١). وعن أبي الجهيْم -رضي الله عنه- قال: «أقبل النّبيّ - ﷺ - من نحو بئر جمل، فلقيه رجل، فسلَّم عليه، فلم يردَّ عليه النّبيّ - ﷺ - حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثمَّ ردَّ عليه السلام» (٢). ويندرج الدعاء تحت الذِّكْر، لا سيّما وقد ورد فيه نصٌّ خاصٌّ: ففي حديث أبي موسى -رضي الله عنه- قال: «لمّا فرغ النّبيّ - ﷺ - من حنين؛ بعث أبا عامرٍ على جيش إِلى أوطاس، فلقي دريد بن الصِّمَّة، فقُتل دريد، وهزم الله أصحابه. قال أبو موسى: وبعثَني مع أبي عامر، فرُميَ أبو عامر في ركبته، رماه جُشَميٌّ بسهم فأثبته في ركبته، فانتهيت إِليه، فقلت: يا عمِّ! من رماك؟ فأشار إِلى أبي موسى فقال: ذاك قاتلي الذي رماني، فقصدت له، فلحقْتُهُ، فلمَّا رآني؛ ولّى، فاتَّبعْتُه وجعلْت أقول له: ألا تستحي؟! ألا تثبت؟! فكفَّ، فاختلفنا ضربتين بالسيف، فقتلتُه، ثمَّ قلت لأبي عامر: قتَل الله صاحبك. -------------------- (١) أخرجه أبو داود وغيره، وهو في»الصحيحة" (٨٣٤) وتقدم. (٢) أخرجه البخاري: ٣٣٧، ومسلم: ٣٦٩، وغيرهما. قال: فانزع هذا السهم. فنزعته، فنزا منه الماء (١). قال: يا ابن أخي! أقرِئ النّبيّ - ﷺ - السلام، وقل له: استغفِر لي. واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيرًا ثمَّ مات. فرجعتُ، فدخلتُ على النّبيّ - ﷺ - في بيته على سرير مُرمَل (٢)، وعليه فراش قد أثّر رِمال السرير بظهره وجَنْبَيْه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر، وقال: قل له: استغفِر لي. فدعا بماء فتوضّأ، ثمَّ رفع يديه فقال: «اللهمّ اغفر لعبيدٍ أبي عامر». ورأيت بياض إِبطيه، ثمَّ قال: «اللهمّ اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس». فقلت: ولي فاستغفر. فقال: «اللهمّ اغفر لعبد الله بن قيس ذنبَه، وأدخلْه يوم القيامة مُدْخَلًا كريمًا». قال أبو بردة: إِحداهما لأبي عامر، والأخرى لأبي موسى«(٣). قال الحافظ:»يُستفاد منه استحباب التّطهير لإِرادة الدعاء، ورفْع اليدين في الدعاء؛ خلافًا لمن خصَّ ذلك بالاستسقاء«. ٢ - عند كلِّ صلاة. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -:»لولا أن أشقّ ------------------ (١) أي: انصبَّ من موضع السَّهم. (٢) أي: معمول بالرِّمال، وهي حبال الحصر التي تضفر بها الأسرة «فتح». (٣) أخرجه البخاري: ٤٣٢٣ واللفظ له، ومسلم: ٢٤٩٨. وأبو بردة هو ابن موسى راوي الحديث عنه. على أمّتي؛ لأمَرْتهم عند كلِّ صلاة بوُضوء، ومع كلِّ وُضوء بسواك» (١). وعن عبد الله بن عبد الله بن عمر؛ قال: «قلت: أرأيت توضؤ ابن عمر لكلّ صلاة طاهرًا وغير طاهر؟ عمَّ ذاك؟ فقال: حدَّثَتنيه أسماء بنت زيد بن الخطَّاب: أنَّ عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر حدّثها: أنَّ رسول الله - ﷺ - أمر بالوضوء لكلّ صلاة طاهرًا وغير طاهر، فلمّا شقَّ ذلك عليه؛ أمَر بالسواك لكل صلاة، فكان ابن عمر يرى أنَّ به قوَّة، فكان لا يدَع الوضوء لكلّ صلاة» (٢). ٣ - الوضوء عند كلّ حدث. لحديث بريدة بن الحصيب؛ قال: «أصبح رسول الله - ﷺ - يومًا، فدعا بلالًا، فقال:»يا بلال! بما سبقْتني إِلى الجنّة؟! إِنِّي دخلْتُ البارحة الجنّة، فسمعت خشخشتك أمامي«. فقال بلال: يا رسول الله! ما أذّنْتُ قطّ إلاّ صلّيت ركعتين، ولا أصابني حدث قطّ إلا توضّأت عنده، فقال رسول الله - ﷺ -:»لهذا«(٣). ٤ - الوضوء (٤) مِن حَمْل الميت: -------------------- (١) أخرجه أحمد بإِسناد حسن؛ وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(١٩٣). (٢) أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٨)، وحسّن شيخنا إِسناده في»المشكاة«(٤٢٦). (٣) أخرجه الترمذي، والحاكم، وابن خزيمة في»صحيحه«، وِإسناده على شرط مسلم؛ كما ذكر شيخنا في»تمام المنة«(ص١١١)، وتقدّم في (باب سنن الوضوء) بغير هذا اللفظ. (٤) استفدته من»تمام المنة" هو والذى قبله. لقوله - ﷺ -: «من غسَّلَ ميتًا؛ فليغتسل، ومن حمله؛ فليتوضّأ» (١). ٥ - الوضوء للجُنب إِذا نام دون اغتسال (٢): وفيه أحاديث منها: عن أبي سلمة؛ قال: سألْتُ عائشة: أكان النّبيّ - ﷺ - يرقد وهو جُنب؟ قالت: «نعم، ويتوضّأ» (٣). وعن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أنَّ عمر سألَ رسول الله - ﷺ -: أيرقد أحدُنا وهو جُنُب؟ قال: «نعم؛ إِذا توضّأ أحدُكم؛ فليرقد وهو جُنُب» (٤). ٦ - الوضوء للجُنب إِذا أراد الأكل. عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - إِذا كان جُنُبًا، فأراد أن يأكل أو ينام؛ توضّأ وضوءه للصّلاة» (٥). ---------------- (١) أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم، وانظر «تمام المنة» (ص ١١٢)، و«الإِرواء» (١٤٤). (٢) وكان من هدي النَبي - ﷺ - الاغتسال قبل النوم والنوم قبل الاغتسال؛ كما في حديث عبد الله بن أبي قيس؛ قال: «سألت عائشة عن وتر رسول الله - ﷺ -؟ (فذكر الحديث) وفيه: قلت: كيف كان يصنع في الجنابة؟ أكان يغتسل قبل أن ينام أم ينام قبل أن يغتسل؟ قالت:»كلّ ذلك قد كان يفعل، ربما اغتسل فنام، وربما توضّأ فنام«. قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سَِعة». [بفتح السين وكسرها، وانظر «الوسيط»]. أخرجه مسلم: ٣٠٧ (٣) أخرجه البخاري: ٢٨٦، ومسلم: ٣٠٥ (٤) أخرجه البخاري: ٢٨٧، ومسلم: ٣٠٦ نحوه، وغيرهما. (٥) أخرجه مسلم: ٣٠٥ ٧ - المعاودة للجماع. عن أبي سعيد الخدريّ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أتى أحدُكم أهله، ثمَّ أراد أن يعود؛ فليتوضّأ» (١). ٨ - الوضوء من القيء. لحديث مَعدان بن أبي طلحة عن أبي الدّرداء: «أنَّ رسول الله - ﷺ - قاء، فأفطر، فتوضّأ»، فلقيتُ (٢) ثوبان في مسجد دمشق، فذكرْتُ له، فقال (٣): صدق (٤)، أنا صببتُ له وضوءه (٥). ٩ - الوضوء من أكل ما مسّته النار. وقد دلَّ على وجوب الوضوء: ما روته عائشة -رضي الله عنها- عن رسول الله - ﷺ -: «توضؤوا ممّا مسّت النَّار» (٦). وأيضًا حديث عبد الله بن إِبراهيم بن قارظ: «أنَّه وجد أبا هريرة يتوضّأ على المسجد، فقال: إِنَّما أتوضّأ من أثوار أقط أكلتها؛ لأنّي سمعتُ رسول الله ----------------- (١) أخرجه مسلم: ٣٠٨، وأبو داود نحوه»صحيح سنن أبي داود«(٢٠٤). (٢) قائله معدان بن أبي طلحة. (٣) أي: ثوبان. (٤) أى: أبو الدرداء. (٥) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي" (٧٦) وغيره، وسيأتي في (أمور تُظنُّ أنها تنقض الوضوء). (٦) أخرجه مسلم: ٣٥٣ - ﷺ - يقول: «توضّؤوا ممّا مسَّت النَّار» (١). ثمَّ أورد أهل العلم ما ينسخ هذا (٢)؛ كما فى حديث عمر بن أميّة: أنَّ أباه عمرو بن أميّة أخبره: «أنَّه رأى النّبيّ - ﷺ - يحتزُّ (٣) من كتف شاة في يده، فدُعي إِلى الصلاة، فألقاها والسكّين التي يحتزّ بها، ثمَّ قام فصلّى ولم يتوضّأ» (٤). وعن جابر قال: «كان آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ -: ترْك الوضوء ممّا غيّرت النّار» (٥). ١٠ - عند النوم. لحديث البراء بن عازب -رحمه الله- قال: قال النّبيّ - ﷺ -: «إِذا أتيت مضجعك؛ فتوضّأ وضُوءك للصّلاة، ثمَّ اضطجعْ على شقِّكَ الأيمن، ثمَّ قُلْ: اللهمَّ أسلمتُ وجهي إِليك، وفوَّضْت أمري إِليك، وألجأتُ ظهري إِليك؛ رغبةً ورهبةً إِليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إِليك، اللهمّ آمنت بكتابك الذي أنزَلْتَ، وبنبيِّك الذي أرسلتَ، فإِنْ مُتَّ من ليلتك؛ فأنت على الفطرة، واجعلهُنّ آخر ما تتكلّمُ به» قال: فردَّدْتها على النّبيّ - ﷺ -، فلمَّا بَلَغْتُ: «اللهمَّ آمنتُ بكتابك الذي أنزلْتَ»، قلتُ: «ورسولك» قال: «لا؛ ونبيِّكَ --------------------- (١) أخرجه مسلم: ٣٥٢، وغيره، وهناك من حمله على غسل اليد والفم. انظر»الروضة الندية«(١/ ١٥٥). (٢) فقد بوّب النووي لهذا بقوله:»باب نسْخ الوضوء مّما مسّت النار«، وأبو داود بقوله:»في ترْك الوضوء مما مسّت النار«. (٣) أي: يقطع. (٤) أخرجه البخاري: ٥٤٠٨، ومسلم: ٣٥٥ (٥) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (١٧٧). الذي أرسلتَ» (١)، وقال النووي في «شرحه» (١٧/ ٣٢) باستحبابه. مسألة في الوضوء لمسِّ المصحف: اختلف العلماء في مسِّ المصحف من قِبل المحْدث والجُنُب، وذهبَ الجمهور إِلى منْع ذلك (٢)، واستدلُّوا بحديث: «لا يمسُّ القرآن إلا طاهر» (٣). جاء في «نيل الأوطار» (١/ ٢٥٩): «والحديث يدلُّ على أنَّه لا يجوز مسُّ المصحف إلا لمن كان طاهرًا، ولكنَّ الطَّاهر يُطلق بالاشتراك على المؤمن والطاهر من الحدث الأكبر والأصغر ومن ليس على بدنه نجاسة. ويدلُّ لإِطلاقه على الأوَّل: قول الله تعالى: ﴿إِنَّما المُشْرِكونَ نَجَسٌ﴾ (٤). وقوله - ﷺ - لأبي هريرة -رحمه الله-:»المؤمن لا ينجُس«(٥). وعلى الثاني: ﴿وإِنْ كنْتمْ جُنُبًا فاطهَّروا﴾ (٦). --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٢٤٧، ومسلم: ٢٧١٠، وغيرهما. قال الحافظ:»النُّكتة في ختم البخاريِّ كتاب الوضوء بهذا الحديث من جهة: أنَّه آخر وضوء أُمِرَ به المكلَّف في اليقَظة، ولقوله في نفس الحديث: «واجعلهنَّ آخر ما تقول»، فأشعر ذلك بختم الكتاب، والله الهادي للصواب«. (٢) وقال الشوكاني في»نيل الأوطار«(١/ ٢٦٠):»وقد وقع الإِجماع على أنّه لا يجوز للمحدث حدثًا أكبر أن يمسَّ المصحف، وخالف في ذلك داود" انتهى، وسيأتي هذا القول إِن شاء الله تعالى. (٣) سيأتي الكلام حول هذا الحديث إِن شاء الله. (٤) التوبة: ٢٨ (٥) تقدّم تخريجه. (٦) المائدة: ٦ وعلى الثالث: قوله - ﷺ - في المسح على الخفَّين: «دعْهما؛ فإِنّي أدخلتُهما طاهرتين». وعلى الرابع: الإجماع على الشيء الذى ليس عليه نجاسة حسِّيَّة ولا حُكميَّة يسمى طاهرًا، وقد ورَد إِطلاق ذلك في كثير. فمن أجاز حَمْل المشرك على جميع معانيه؛ حمَله عليه هنا، والمسألة مدونة في الأصول، وفيها مذاهب. والذي يترجَّح أن المشترك مُجملٌ فيها، فلا يُعْمَل به حتى يُبيَّن ... وقال: «استدلَّ المانعون للجُنُب بقوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُون﴾ (١)، وهو لا يتمُّ إلا بعْد جعْل الضمير راجعًا إِلى القرآن، والظاهر رجوعُه إِلى الكتاب، وهو اللوح المحفوظ؛ لأنَّه الأقرب، والمطهَّرون الملائكة، ولو سَلِمَ عدم الظُّهور؛ فلا أقلَّ من الاحتمال، فيمتنع العمل بأحد الأمرين، ويتوجَّه الرجوع إِلى البراءة الأصليَّة، ولو سَلِم رجوعه إِلى القرآن على التَّعيين؛ لكانت دلالته على المطلوب -وهو منع الجُنُب من مسِّه- غير مسلَّمة؛ لأنَّ الطاهر من ليس بنجس، والمؤمن ليس بنجس دائمًا؛ لحديث»المؤمن لا ينجس"، وهو متَّفق عليه (٢)؛ فلا يصحُّ حمل المطهَّر على من ليس بجُنب أو حائض أو محدَث أو متنجِّس بنجاسة عينيَّة، بل حمْلُه على من ليس بمشرك؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّما المُشْرِكونَ نَجَسٌ﴾ (٣)، لهذا الحديث، والحديث للنهي عن السفر بالقرآن إِلى أرض العدو، ولو سلِم --------------------- (١) الواقعة: ٧٩ (٢) تقدم تخريجه. (٣) التوبة: ٢٨ صِدْق اسم الطَّاهر على من ليس بمحدث حدثًا أكبر أو أصغر؛ فقد عَرَفْتَ أنَّ الراجح كون المشترك مجملًا في معانيه، فلا يعيَّن حتى يبيَّن، وقد دلَّ الدليل ها هنا أنَّ المراد به غيره لحديث: «المؤمن لا ينجس»، ولو سَلِم عدم وجود دليل يمنع من إِرادته؛ لكان تعيينه لمحلِّ النِّزاع ترجيحًا بلا مرجِّح، وتعيينه لجميعها استعمالًا للمشترك في جميع معانيه، وفيه الخلاف، ولو سَلِم رجحان القول بجواز الاستعمال للمشترك في جميع معانيه؛ لما صحَّ؛ لوجود المانع، وهو حديث: «المؤمن لا ينجس». واستدلُّوا بحديث الباب (١)، وأُجيب بأنَّه غير صالح للاحتجاج؛ لأنَّه من صحيفة غير مسموعة، وفي رجال إِسناده خلاف شديد، ولو سَلِم صلاحيته للاحتجاج لعاد البحث السابق في لفظ طاهر، وقد عرفْتَه. قال السيد العلامة محمد بن إِبراهيم الوزير: إِنَّ إِطلاق اسم النجس على المؤمن الذي ليس بطاهر من الجنابة أو الحيض أو الحدث الأصغر؛ لا يصحُّ لا حقيقةً ولا مجازًا ولا لغةً، صرَّح بذلك في جواب سؤال، وردَّ عليه، فإِن ثبت هذا؛ فالمؤمن طاهر دائمًا؛ فلا يتناوله الحديث، سواء كان جُنُبًا أو حائضًا أو محدثًا أو على بدنه نجاسة. فإِن قلت: إِذا تمَّ ما تريد من حمْل الطاهر على من ليس بمشرك؛ فما جوابك فيما ثبت في المتَّفق عليه من حديث ابن عباس أنَّه - صلى الله عليه وآله وسلم - كتب الى هرقل عظيم الروم: أسلِم تسلم، وأسلِم يؤتك الله ---------------------- (١) أي: حديث: «لا يمس القرآن إلاَّ طاهر». أجرك مرَّتين، فإِنْ تولَّيت فإِنَّ عليك إِثم الأريسيين، و﴿يا أَهْلَ الكتابِ تعالوْا إِلى كَلِمَةٍ﴾ إِلى قوله: ﴿مُسْلِمونَ﴾، مع كونهم جامعين بين نجاستي الشرك والاجتناب، ووقوع اللمس منهم له معلوم. قلت: اجعله خاصًّا بمثل الآية والآيتين؛ فإِنَّه يجوز تمكين المشرك من مسِّ المقدار لمصلحة؛ كدعائه إِلى الإِسلام، ويمكن أن يُجاب عن ذلك بأنَّه قد صدر باختلاطه بغيره لا يحرم لمسه؛ ككُتُب التفسير؛ فلا تخصَّص به الآية والحديث. إِذا تقرَّر لك هذا؛ عرفتَ انتهاض الدَّليل على منع من عدا المشرك. وقد عرفت الخلاف في الجُنُب. وأما المحدث حدثًا أصغر؛ فذهب ابن عباس والشعبي والضَّحَّاك؛ وزيد ابن علي والمؤيَّد بالله والهادوية وقاضي القضاة وداود إِلى أنَّه يجوز له مسُّ المصحف، وقال القاسم وأكثر الفقهاء والإِمام يحيى: لا يجوز، واستدلُّوا بما سَلَف، وقد سَلَف ما فيه» اهـ. وأمَّا القراءة له بدون مسٍّ؛ فهي جائزة اتِّفاقًا، وقد ذَكر ابن أبي شيبة -رحمه الله- في «مصنّفه» آثارًا كثيرة في ذلك (١). قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلَّى» (١/ ١٠٧): «وأمَّا مسُّ المصحف؛ فإِنَّ الآثار التي احتج بها من لم يُجزْ للجنب مسَّه، فإِنَّه لا يصحُّ -------------------- (١) انظر (١/ ٩٨) (في الرجل الذى يقرأ القرآن وهو غير طاهر) وكذا عبد الرزاق في»مصنفه" (١/ ٣٤٠). منها شيء (١)؛ لأنَّها مُرسلة، وإمَّا صحيفة لا تُسْنَد، وإِمَّا عن مجهول، وإمَّا عن ضعيف، وقد تقصَّيناها في غير هذا المكان». ثمَّ ذكر رسالة النّبيّ - ﷺ - إِلى هِرَقل عظيم الروم (٢) وما حَوَتْه من الذِّكر ولفظ الجلالة، وتضمُّنها لآية من القرآن الكريم. ثمَّ قال: «فإِن قالوا: إِنِّما بعَث رسول الله - ﷺ - إِلى هِرَقل آية واحدة! قيل لهم: ولم يمنع رسول الله - ﷺ - من غيرها، وأنتم أهل قياس، فإِن لم تقيسوا على الآية ما هو أكثر منها؛ فلا تقيسوا على هذه الآية غيرها». ثمَّ ذكر ردّه على من يحتجُّ بقوله تعالى: ﴿لا يَمَسّه إِلاَّ المُطَهَّرونَ﴾ (٣)؛ بأنَّه خبر وليس أمرًا، وأنَّنا رأينا المصحف يمسُّه الطَّاهر وغير الطَّاهر، فنعلم أنَّ الله -عز وجل- لم يعْنِ المصحف، وإنما عنى كتابًا آخر، وأورد بعض أقوال السَّلف أنَّهم الملائكة الذين في السَّماء. قلت: ومحور الخلاف وأقواه -فيما رأيت- منصبٌّ على فهم حديث: «لا يمسّ القرآن إِلاَّ طاهر»، وقد جاء من طُرق عدَّة ضعيفة، لكن ضعْفها يسير، وبذلك يثبت الحديث بمجموع الطُّرق؛ كما ذعر شيخنا في «الإِرواء» (١٢٢). ----------------------- (١) هذا في كل طريق على حدة، بيد أنَّ الحديث ثابت بمجموع الطُّرق كما سيأتي -إِن شاء الله تعالى-. (٢) أخرجه البخاري: ٧، ومسلم: ١٧٧٣، وغيرهما. (٣) الواقعة: ٧٩ بَيْد أنَّ الحديث جاء بلفظ: «وأنت طاهر»، من طريق عثمان بن أبي العاص؛ كما في «الكبير» للطبراني، وفيه من لا يُعْرَف، وابن أبي داود في «المصاحف»، وفيه انقطاع، بل في إِسنادهما كليهما إِسماعيل بن رافع، وهو ضعيف الحفظ؛ كما قال الحافظ -رحمه الله- وبيَّنه شيخنا -حفظه الله- في «الإِرواء». أمَّا رواية عمرو بن حزم؛ فقد جاءت بلفظ: «ألاَّ تمسَّ القرآن إِلاَّ على طُهر»؛ كما في «سنن الدارقطنيّ» (١/ ١٢١) (رقم ١١٠) و(رقم ٤) أيضًا من طريق عبد الرزاق بيْدَ أنَّها وردت فْي «المصنَّف» بلفظ: «لا يمسّ»، فيخشى التصحيف بما جاء في الدَّارقطني والبيهقيّ برقم (١/ ٨٧). قلتُ: فالمسألة تحتاج إِلى تتبُّع واستقصاء، فإِن ثبت لفظ: «وأنت طاهر ...» وما في معناه (١)؛ كان تحريم مسِّ القرآن واضحًا بيِّنًا للمحدث والجُنُب والحائض. وجاء في «الإِرواء»: «قال إسحاق المروزي في»مسائل الإِمام أحمد«(ص٥): قلت (يعني: لأحمد): هل يقرأ الرجل على غير وضوء؟ قال: نعم، ولكن لا يقرأ في المُصحف ما لم يتوضّأ. قال إِسحاق: كما قال؛ لما صحَّ قول النّبيّ - ﷺ -:»لا يمسّ القرآن إلا طاهر«، وكذلك فعَل أصحاب النّبيّ - ﷺ - والتابعون». ثمَّ قال -حفظه الله-: "وممَّا صحَّ في ذلك عن الصحابة ما رواه مصعب ----------------- (١) ولم أتمكّن من المتابعة؛ لنقص عدد من المراجع، بها قد يتحقّق المطلوب، وأسأل الله أن ييسّر لي ذلك. https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 116الى صــ 130 الحلقة (9) ابن سعد بن أبي وقَّاص: أنَّه قال: كنتُ أمسِك المصحف على سعد بن أبي وقَّاص، فاحتَكَكْتُ، فقال سعدٌ: لعلَّك مسَسْتَ ذكَرَكَ؟ قال: فقلتُ: نعم. فقال: قم فتوضّأ. فقمتُ فتوضَّأتُ ثمَّ رجعتُ، رواه مالك (١/ ٤٢) (رقم ٥٩)، وعنه البيهقيّ، وسنده صحيح». ولم يترجَّح لديَّ شيءٌ في هذا، وإِنَّما أنصحُ بالوضوء لمسِّ القرآن ما وجدَ المرء لذلك سبيلًا، وأسأل الله تعالى أن يلهمنا الحقَّ والصَّواب والرَّشاد، وأن يعافينا من الهوى والتعصُّب والضلال. وأمّا القراءة بلا مسٍّ؛ فجوازه بيِّنٌ قويٌّ، ومن الأدلَّة على ذلك حديث عائشة -رضي الله عنها-: «كان النبيّ - ﷺ - يذكر الله على كلِّ أحيانه» (١). قال شيخنا في «الصحيحة» (٤٠٦):«... نعم؛ الأفضل أن يقرأ على طهارة؛ لقوله - ﷺ - حين ردَّ السلام عَقِب التيمُّم:»إِنِّي كرهت أن أذكر الله إِلاَّ على طهارة«، أخرجه أبو داود وغيره، وهو مَخرَّج في»صحيح أبي داود«(٢٣)». نواقض الوضوء ١ - ما خَرَج من السّبيلين (٢) (القُبُل والدُّبر) من بول أو مذي أو منيّ أو غائط أو ريح. * أمَّا البول والغائط: ----------------------- (١) أخرجه مسلم: ٣٧٣، وغيره، وجاء في البخاري معلَّقًا (١/ ٨٣ و١٦٣). (٢) قال البخاري: «باب من لم ير الوضوء إلاَّ من المخرجين». = فلقوله تعالى: ﴿... أو جاء أحدٌ مِنكُم من الغائط﴾ (١). ولحديث صفوان بن عسّال -رضي الله عنه-: «كان يأمرنا إِذا كنّا سَفْرًا (٢) -أو مسافرين-: أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيّام ولياليهن، إلاَّ من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم ...» (٣). * وأمَّا الريح: فلقوله - ﷺ -: «لا يَقبَل الله صلاة أحدكم إِذا أحدث حتّى يتوضّأ» (٤). ولحديث عبّاد بن تميم عن عمّه: أنَّه شكا إِلى رسول الله - ﷺ - الرجل الذي يُخيَّل (٥) إِليه أنَّه يجد الشيء في الصَّلاة، فقال: «لا ينفتل (أو لا -------------------- = قال الحافظ:»والمعنى: من لم ير الوضوء واجبًا من الخروج من شيء من مخارج البدن إلاَّ من القُبل والدُّبر، وأشار بذلك إِلى خلاف من رأى الوضوء ممَّا يخرج من غيرهما من البدن؛ كالقيء والحجامة وغيرهما، ويمكن أن يقال: إِنَّ نواقض الوضوء المعتبرة ترجع إِلى المخرجَيْن، فالنوم مظنَّة خروج الريح، ولمس المرأة ومسّ الذكر مظنّة خروج المذي«.»الفتح«(كتاب الوضوء)، تحت باب رقم: (٣٤). (١) المائدة: ٦، والغائط: هو المكان المطمئنّ من الأرض، يُقصَد لقضاء الحاجة. (٢) السَّفْر: جمع سافِر، كصاحب وصحْب، والمسافرون: جمع مسافر، والسَّفْر والمسافرون بمعنى.»النهاية«. (٣) أخرجه الترمذي وغيره وقال: حديث حسن صحيح،»صحيح سنن الترمذي«(٢٨٠١)، وانظر»المشكاة" (٥٢٠). (٤) أخرجه البخاري: ٦٩٥٤، ومسلم: ٢٢٥ (٥) من الخيال، والمعنى: يظنّ. ينصرف) حتى يسمعَ صوتًا (١) أو يجدَ ريحًا» (٢). وفي الحديث: «لا وُضوء إلاَّ من صوت أو ريح» (٣). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «لا وُضوَء إلاَّ من حدَث» (٤). * وأمَّا المذي: فلحديث علي -رضي الله عنه- قال: كنت رجلًا مذّاءً، فأمرتُ رجلًا أن يسأل النّبيّ - ﷺلمكانة ابنتهِ- فسأل، فقال: «توضّأ، واغسل ذَكَرك» (٥). وفي رواية: «إِذا وَجَد أحدكم ذلك؛ فلينضح فرجه، وليتوضّأ وضوءه للصّلاة» (٦). وقوله - ﷺ -: «من المذي الوضوء، ومن المنيّ الغسل» (٧). * وأما المنيّ: فللحديث المتقدِّم:«... ومن المنيّ الغسل». ------------------- (١) أي: من مخرجه. (٢) أخرجه البخاري: ١٣٧، ومسلم: ٣٦١، وغيرهما. (٣) أخرجه أحمد، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٦٤)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٤١٦) وغيرهم، وانظر «الإرواء» (١/ ١٤٥). (٤) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم، ووصَله إِسماعيل القاضي في «الأحكام» بإِسناد صحيح من طريق مجاهد عنه موقوفًا، ورواه أحمد وأبو داود والترمذي من طريق شعبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عنه مرفوعًا، وزاد: «أو ريح». ذكَره الحافظ في «الفتح» (١/ ٢٨١). (٥) تقدّم في (باب النّجاسات). (٦) تقدّم في (باب النّجاسات). (٧) تقدّم في (باب النّجاسات). ٢ - زوال العقل: لجنون أو إِغماء أو نحوه؛ لأنَّه أبلغ من النّوم. ٣ - مسُّ الفرج بشهوة: لحديث بُسرة بنت صفوان -رضي الله عنها- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِذا مسَّ أحدُكم ذكَره؛ فليتوضّأ» (١). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِذا أفضى أحدُكم بيده إِلى فرجه وليس بينهما ستر ولا حجاب؛ فليتوضّأ» (٢). وعن طلق بن عليّ؛ قال: سُئل رسول الله - ﷺ - عن مسِّ الرجل ذكره بعدما يتوضّأ؟ قال: «وهل هو إلاَّ بَضْعة (٣) منه» (٤). وجمَع شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى- بين حديث بُسرة وحديث وطلق -رضي الله عنهما- بحمل الأول على المسّ بشهوة والآخر على المسّ بلا شهوة، وقوله - ﷺ -: «هل هو إلاَّ بَضعة منك؟» يُشعر بهذا؛ فحين يكون مسّ ----------------------- (١) أخرجه مالك، وأحمد، «صحيح سنن أبي داود» (١٦٦)، وغيرهم. وقال الترمذي: حسن صحيح، ووافقه شيخنا في «المشكاة» (٣١٩)، وانظر «الإرواء» (١١٦). (٢) أخرجه ابن حبَّان، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، وِإسناد ابن حبّان جيد؛ وانظر «الصحيحة» (١٢٣٥). (٣) أي: قطعة منه. (٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٦٧)، وغيره. وقال الترمذي: «هو أحسن شيء في هذا الباب». وقال شيخنا في «المشكاة» (٣٢٠): وسنده صحيح. الفرج كأيّ جزء آخر من البدن؛ فإِنَّه لا ينقض الوضوء. ٤ - أكْل لحم الإِبل. عن جابر بن سمُرة:»أنَّ رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -: أأتوضّأ من لحوم الغنم؟ قال: «إِن شئت فتوضّأ، وأن شئت فلا توضّأ». قال: أتوضّأ من لحوم الإِبِل؟ قال: «نعم؟ فتوضّأ من لحوم الإِبِل». قال: أصلّي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم». قال: أصلّي في مبارك الإِبل؟ قال: «لا» (١). وعن جابر بن سمُرة -رضي الله عنه- قال: «كنا نتوضّأ من لحوم الإِبل ولا نتوضّأ من لحوم الغنم» (٢). قال الشوكانى -رحمه الله- فى «الدّراري المضيّة» (ص ٦١): «وقد ذهبَ إِلى انتقاض الوضوء بأكْل لحْوم الإِبل: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن يحيى، وابن المنذر، وابن خزيمة، والبيهقيّ، وحُكي عن أصحاب الحديث، وحُكي عن جماعة من الصّحابة؛ كما قال النّوويّ. قال البيهقيّ عن بعض أصحابنا عن الشّافعي؛ أنَّه قال: إنَّ صحّ الحديث في لحوم الإِبل؛ قُلْت به. قال البيهقيّ: قد صحّ فيه حديثان ...». --------------------- (١) أخرجه مسلم: ٣٦٠، وتقدّم، (٢) أخرجه أبن أبي شيبة في «المصنف» بسند صحيح؛ كما في «تمام المنَّة» (ص ١٠٦). ٥ - النوم. اختلف أهل العلم في هذه المسألة: * والذين رأَوا عدم نقْضِه استدلّوا بأدّلة؛ منها: قول أنس -رضي الله عنه-:»كان أصحاب رسول الله - ﷺ - ينامون، ثمَّ يُصلّون ولا يتوضّؤون«(١). وأيضًا ما ثبت عنه: أنَّه قال:»أُقيمت صلاة العشاء، فقال رجل: لي حاجة، فقام النّبيّ - ﷺ - يناجيه، حتى نام القوم (أو بعض القوم)، ثمَّ صَلَّوا«(٢). جاء في»تمام المنّة«(١٠٠ - ١٠١) بعد حديث أنس:»قد ذكر الحافظ في «الفتح» (١/ ٢٥١) (٣) نحو كلام ابن المبارك هذا، ثمَّ ردّه بقوله: لكن في «مسند البزّار» بإِسناد صحيح في هذا الحديث: «فيضعون جنوبهم، فمنهم من ينام، ثمَّ يقومون إِلى الصَّلاة». قلت (٤): وأخرجه أيضًا أبو داود في «مسائل الإِمام أحمد» (ص ٣١٨) بلفظ: «كان أصحاب النبيّ - ﷺ - يضعون جنوبهم فينامون، فمنهم من يتوضّأ، ومنهم من لا يتوضّأ»، وإِسناده صحيح على شرط الشيخين. ----------------------- (١) أخرجه مسلم: ٣٧٦، وغيره. (٢) أخرجه مسلم: ٣٧٦ (٣) انظر «كتاب الوضوء، باب الوضوء من النوم ومن لم يرَ من النَّعسة ...». (٤) الكلام لشيخنا -حفظه الله تعالى-. فهذا اللفظ خلاف اللفظ الأول: «تخفق رؤوسهم» (١)؛ فإِنَّ هذا إِنَّما يكون وهُم جلوس؛ كما قال ابن المبارك. فإِمّا أن يُقال: إِنَّ الحديث مضطرب، فيسقط الاستدلال به. وإِمَّا أن يُجمع بين اللفظين، فيُقال: كان بعضهم ينام جالسًا، وبعضهم مضطجعًا، فمنهم من يتوضّأ، ومنهم من لا يتوضّأ، وهذا هو الأقرب؛ فالحديث دليل لمن قال: إِنَّ النّوم لا ينقض الوضوء مُطلقًا، وقد صحّ عن أبي موسى الأشعري وابن عمر وابن المسيّب؛ كما في «الفتح». وهو باللفظ الآخر؛ لا يمكن حمْله على النّوم مُمكِّنًا مقعدته من الأرض، وحينئذ؛ فهو مُعارض لحديث صفوان بن عسال المذكور في الكتاب بلفظ: «... لكن من غائط وبول ونوم» (٢)؛ فإِنَّه يدلُّ على أنَّ النّوم ناقض مُطلقًا؛ كالغائط والبول، ولا شك أنَّه أرجح من حديث أنس؛ لأنَّه مرفوع إِلى النّبيّ -------------------- (١) أي: ينامون حتى تسقط أذقانهم على صدورهم وهم قعود، وقيل هو من الخُفوق: الاضطراب. «النهاية». والحديث في «صحيح مسلم» (٣٧٦). (٢) ولفظه كما يأتي: عن زرّ بن حُبيش؛ قال: أتيتُ صفوان بن عسال المرادي أسأله عن المسح على الخُفَّين؟ فقال: ما جاء بك يا زرّ؟ فقلتُ: ابتغاء العلم. فقال: «إِنَّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضىً بما يطلب»، قلت: إِنَّه حكَّ في صدري المسح على الخُفَّين بعد الغائط والبول، وكنتَ امرأ من أصحاب النْبيّ - ﷺ -، فجئت أسألك: هل سمعته يذكر في ذلك شيئًا؟ قال: نعم؛ كان يأمرنا إذا كنّا سَفْرًا -أو مسافرين- أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهنَّ؛ إلاَّ من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم ...«. رواه الترمذي وقال:»حديث حسن صحيح«.»صحيح سنن الترمذي" (٢٨٠١)، وغيره، وتقدّم مختصرًا. - ﷺ -، وليس كذلك حديث أنس، إِذ من الممكن أن يكون ذلك قبل إِيجاب الوضوء من النّوم. فالحقُّ أنَّ النَّوم ناقضٌ مُطلقًا، ولا دليل يصلح لتقييد حديث صفوان، بل يؤيّده حديث عليّ مرفوعًا:«... وكاء السَّهِ (١) العينان؛ فمن نام فليتوضّأ»، وإسناده حسن؛ كما قال المنذري والنّووي وابن الصّلاح، وقد بيّنْتُه في «صحيح أبي داود» (١٩٨)؛ فقد أمَر - ﷺ - كلّ نائم أن يتوضّأ. ولا يعكّر على عمومه -كما ظنَّ البعض- أنَّ الحديث أشار إِلى أنَّ النّوم ليس ناقضًا في نفسه، بل هو مَظِنّة خروج شيء من الإنسان في هذه الحالة؛ فإِنَّا نقول: لمّا كان الأمر كذلك؛ أمَر - ﷺ - كلّ نائم أن يتوضّأ، ولو كان متمكّنًا؛ لأنَّه -عليه السلام- أخبر أن العينين وكاء السَّهِ، فإِذا نامت العينان؛ انطلق الوكاء؛ كما في حديث آخر، والمتمكِّن نائم؛ فقد ينطلق وكاؤه، ولو في بعض الأحوال، كأن يميل يمينًا أو يسارًا، فاقتضت الحكمة أن يؤمر بوضوء كل نائم، والله أعلم. وما اخترناه هو مذهب ابن حزم (٢). وهو الذي مال إِليه أبو عبيد القاسم بن سلام في قصَّة طريفة حكاها عنه ابن ---------------------- (١) الوكاء: الخيط الذي تُشَدُّ به الصُّرَّة والكيس وغيرهما، جعل اليقظة للإست كالوكاء للقربة؛ كما أنَّ الوكاء يمنع ما في القربة أن يخرج، كذلك اليقظة تمنع الإِست أن تُحْدِث إلاَّ باختيار. و«السَّهِ»: حَلْقة الدُّبر، وكنّى بالعين عن اليقظة؛ لأنَّ النَّائم لا عين له تُبصر. «النهاية». (٢) وسيأتي قوله في آخر المسألة إِن شاء الله تعالى. عبد البرّ فى»شرح الموطّأ«(١/ ٥٧/٢)؛ قال: كنتُ أُفتي أنَّ من نام جالسًا لا وضوء عليه، حتى قَعَد إِلى جنبي رجل يوم الجمعة، فنام، فخرجَت منه ريح، فقُلت: قم فتوضّأ. فقال: لم أنَم. فقُلت: بلى، وقد خَرَجَت منك ريحٌ تنقض الوضوء، فجعلَ يحلف بالله ما كان ذلك منه، وقال لي: بل منك خَرَجت! فزايَلْت ما كنت أعتقد في نوم الجالس، وداعيْتُ غلبة النّوم ومخالطته القلب». ثمَّ قال شيخنا -حفظه الله-: «(فائدة هامة): قال الخطابي في»غريب الحديث«(ق ٣٢/ ٢): وحقيقة النوم هو الغشية الثقيلة التي تهجم على القلب فتقطعه عن معرفة الأمور الظاهرة، والناعس هو الذي رهقه ثِقَل، فقطعه عن معرفة الأحوال الباطنة. وبمعرفة هذه الحقيقة من الفرق بين النّوم والنّعاس؛ تزول إِشكالات كثيرة، ويتأكّد القول بأنَّ النّوم ناقض مطلقًا» اهـ. قُلْت: وذكر الحافظ في «الفتح» (١/ ٣١٤) نقْل ابن المنذر وغيره عن بعض الصحابة والتّابعين المصير إِلى أنَّ النوم حَدَث ينقض قليله وكثيره، وهو قول أبي عبيد وِإسحاق بن راهويه، قال ابن المنذر: «وبه أقول؛ لعموم حديث صفوان بن عسال ...». قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (مسألة ١٥٨): «والنّوم في ذاته حَدَث ينقض الوضوء، سواء قلّ أو كثُر، قاعدًا أو قائمًا، في صلاة أو غيرها، أو راكعًا كذلك، أو ساجدًا كذلك، أو متكئًا، أو مضطجعًا؛ أيقنَ من حواليه أنَّه لم يُحدث أو لم يوقنوا». وقال -رحمه الله- عقب حديث صفوان بن عسّال -رضي الله عنه-: «... فعمّ عليه السلام كلّ نوم، ولم يخصّ قليله من كثيره، ولا حالًا من حال، وسوّى بينه وبين الغائط والبول. وهذا قول أبي هريرة، وأبي رافع، وعروة بن الزبير، وعطاء، والحسن البصري، وسعيد بن المسيّب، وعكرمة، والزهري، والمزني، وغيرهم كثير». باب أمورٌ تُظنّ أنَّها تنقضُ الوضوء وليست كذلك ١ - مسُّ الفرج بلا شهوة كما تقدَّم (١). ٢ - لمْس المرأةِ إِن لم ينزل منه شيء. وفيه أحاديث؛ منها: ما روته عائشة -رضي الله عنها-: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - قَبَّلها ولم يتوضّأ» (٢). وعنها: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - قبّل امرأة من نسائه، ثمَّ خرج إِلى الصَّلاة ولم يتوضّأ» (٣). قال عروة (٤): فقلتُ لها: من هي إلاَّ أنت؟ فضحِكَت. --------------------- (١) انظر (باب نواقض الوضوء، (رقم ٧). (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٦٤)، وغيره. (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٦٥)، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٤٠٦)، وانظر «المشكاة» (٣٢٣). (٤) هو عروة بن الزبير ابن أخت عائشة -رضي الله عنها-. ٣ - خروج الدّم لجرح أو حجامة أو نحو ذلك. ومن الأدلّة على ما تقدَّم معنا ذِكره (١). في قصّة ذلك الأنصاري الذي رماه المشرك بثلاثة أسهم وهو قائم يصلّي، فاستمرَّ في صلاته والدّماء تسيل منه. وتقدَّم أيضًا قول الحسن -رحمه الله-: «ما زال المسلمون يُصلون في جراحاتهم». قال الحافظ: «وقد صحّ أنَّ عمر صلّى وجرحُه ينبع دمًا» (٢). وقال طاوُس ومحمد بن عليّ وعطاء وأهل الحجاز: ليس في الدّم وضوء (٣). --------------------- (١) في (كتاب الطهارة، باب ما يظنُّ أنَه نجس وليس كذلك). (٢) انظر «الفتح» (١/ ٢٨٧). (٣) أورده البخاري معلقًا بصيغة الجزم. وقال الحافظ في «الفتح» (كتاب الوضوء، باب ٣٤): «وأثره هذا وصَله ابن أبي شيبة بإِسناد صحيح، ولفظه: إنَّه كان لا يرى في الدم وضوءًا، يغسل عنه الدم، ثمَّ حسبه». وقال الحافظ: «وعطاء هو ابن أبي رباح، وأثره هذا وصَله عبد الرزاق عن ابن جريج عنه». وذكره شيخنا -حفظه الله- في «مختصره» (١/ ٥٧)، فقال:«... وصَله عبد الرزاق بسند صحيح عنه». وأهل الحجاز: رواه عبد الرزاق من طريق أبي هريرة وسعيد ابن جبير وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق ابن عمر وسعيد بن المسيّب. وأخرجه إِسماعيل القاضي من طريق أبي الزِّناد عن الفقهاء السبعة من أهل المدينة، وهو قول مالك والشافعي. «الفتح». ولم أذكر أثر محمد بن علي، وهو أبو جعفر الباقر، فوصله سمويه في «الفوائد». وعَصَر ابن عمر بَثْرَة (١)، فخرج منها الدَّم، ولم يتوضّأ (٢). وبَزقَ ابنُ أبي أوفى (٣) دمًا، فمضى في صلاته (٤). وقال ابن عمر والحسن فيمن يحتجم: ليس عليه إلاَّ غَسْل محاجمه (٥)، ٤ - القيء قلّ أو كَثُر. وذلك لعدم ورود الدّليل الموجب له. وروى مَعدان بن أبي طلحة عن أبي الدّرداء -رضي الله عنه-: «أن النّبيّ - ﷺ - قاء فتوضّأ، فلقيت (٦) ثوبان في مسجد دمشق، فذكرْت ذلك له فقال (٧): --------------------- (١) البَثْرة: خُراج صغير. (٢) أورده البخارى معلقًا بصيغة الجزم، ووصله ابن أبي شيبة بإِسناد صحيح، وزاد قبل قوله:»ولم يتوضّأ«:»ثمَّ صلى«؛ كما في»الفتح«. (٣) هو عبد الله الصَّحابي ابن الصَّحابي. كذا في»الفتح«. (٤) وصَله سفيان الثوري في»جامعه«عن عطاء ابن السائب: أنَّه رآه فعَل ذلك، وسفيان سمع من عطاء قبل اختلاطه، فالإِسناد صحيح. عن»الفتح«(أول كتاب الوضوء). (٥) وصله ابن أبي شيبة عنهما، ووصله الشافعي والبيهقيّ (١/ ١٤٠) عن ابن عمر وحده، وسنده صحيح؛ كما في»مختصر البخاري" (١/ ٥٧). والمحاجم: موضع الحجامة. (٦) قائله معدان بن أبي طلحة. (٧) أي: ثوبان. صدق (١)، أنا صبَبْت له وَضوءه (٢)» (٣). فالحديث لا يدلّ على النقض إِطلاقًا؛ لأنَّه مجرّد فعل منه - ﷺ -، والأصل أنّ الفعل لا يدلّ على الوجوب. وغايته أن يدلّ على مشروعيّة التأسّي في ذلك، وأمّا الوجوب؛ فلا بُدّ له من دليل خاصٍّ، وهذا مما لا وجود له هنا (٤). ٥ - الشكّ في الحدث. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا وجَدَ أحدُكم في بطنه شيئًا، فأشكلَ عليه؛ أخَرَجَ منه شيء أم لا؟ فلا يخرجنّ من المسجد حتى يسمع صوتًا أو يجدَ ريحًا» (٥). وعن عبّاد بن تميم عن عمّه: أنَّه شكا إِلى رسول الله - ﷺ - الرجلّ الذي يُخيّل إِليه أنَّه يجد الشيء (٦) في الصّلاة، فقال: «لا ينفتل (أو لا ينصرف) ----------------- (١) أي: أبو الدرداء. (٢) أي: ماء وُضوئه. (٣) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٧٦) وغيره، وانظر»الإِرواء«(١١١)، و»حقيقة الصيام«(ص ١٥)، و»تمام المنَّة«(١١١)، وتقدّم. (٤) كذا في»الإرواء«من قول شيخنا -حفظه الله تعالى-. (٥) أخرجه مسلم: ٣٦٢، وأبو عوانة، والترمذي، وغيرهم. (٦) أي: الحدث خارجًا منه، وفيه العدول عن ذكر الشيء المستقذر بخاصٍّ اسمه؛ إلاَّ للضرورة.»الفتح". حتّى يسمع صوتًا (١) أو يجد ريحًا» (٢). قال الحافظ -رحمه الله-: «هذا الحديث أصل في حُكم بقاء الأشياء على أُصولها حتى يتيقَّن خلاف ذلك، ولا يضّر الشكّ الطارئ عليها، وأخَذَ بهذا الحديث جمهور العلماء» (٣). ٦ - الإِحساس بالنّقطة. وما قيل في الأمر السابق يُقال هنا. وقد سُئل شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله- فيما إذا أحسَّ بالنّقطة في صلاته؛ فهل تبطل صلاته؟ فأجاب: «مجرّد الإِحساس لا ينقض الوضوء، ولا يجوز له الخروج من الصّلاة الواجبة بمجرّد الشكّ؛ فإِنَّه قد ثبت عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه سُئل عن الرّجل يجد الشيء في الصَّلاة، فقال:»لا ينصرفُ حتّى يسمعَ صوتًا أو يجدَ ريحًا«. وأما إِذا تيقَّن خروج البول إِلى ظاهر الذّكر؛ فقد انتقض وضوؤه، وعليه الاستنجاء؛ إلاَّ أن يكون به سلس البول؛ فلا تبطل الصّلاة بمجرّد ذلك إِذا فعَل ما أُمِر به، والله أعلم» (٤). ----------------------- (١) أي: من مخرجه. (٢) أخرجه البخاري: ١٣٧، ومسلم ٣٦١، وغيرهما، وتقدّم في (باب نواقض الوضوء). (٣) «الفتح» تحت حديث (١٣٧). (٤) «الفتاوى» (٢١/ ٢٢٠). ٧ - الأخْذ من الشّعر أو الأظفار، وخلْع الخفّين. ولا دليل على الوضوء من ذلك. قال الحسن: «إِنْ أخذ من شعره أو أظفاره وخَلَع خُفّيه، فلا وضوء عليه» (١). ونقل ابن المنذر الإِجماع على ذلك (٢). مسائل في الوضوء ١ - المضمضة باليمين. لحديث حُمران مولى عثمان، وفيه:«... فأدخل يمينه في الإِناء، فمضمض واستنشق» (٣). ٢ - الاستنثار باليُسرى. عن عليّ -رضي الله عنه-: «أنَّه دعا بوَضوء؛ فتمضمض واستنشق، ونثر بيده اليُسرى، ففعل هذا ثلاثًا، ثمَّ قال: هذا طهور نبيّ الله - ﷺ -» (٤). ٣ - المضمضة والاستنشاق من غَرفة واحدة. عن عبد الله بن زيد -رضي الله عنه-: «أنَّه أفرَغَ من الإِناء على يديه، ----------------- (١) أورده البخاري معلقًا بصيغة الجزم، ووصله سعيد بن منصور وابن المنذر بإِسناد صحيح. كما قال الحافظ في»الفتح«(كتاب الوضوء، تحت باب: ٣٤). (٢)»الفتح«(كتاب الوضوء، تحت باب ٣٤). (٣) أخرجه البخاري: ١٥٦، ومسلم: ٢٢٦، وغيرهما. (٤) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٨٩) وغيرهم، وانظر»الإِرواء" (٩١). https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 131الى صــ 145 الحلقة (10) فغسَلهما، ثمَّ غَسَل أو مضمض واستنشق من كفّةٍ (١) واحدة، ففعل ذلك ثلاثًا، فغسل يديه إِلى المرفقين مرَّتين مرَّتين، ومسح برأسه ما أقبل وما أدبر، وغسل رجليه إِلى الكعبين، ثمَّ قال: هكذا وضوء رسول الله - ﷺ -«(٢). وعن عبد خير؛ قال: رأيتُ عليًّا -رضي الله عنه- أُتي بكرسي، فقعد عليه، ثمَّ أُتي بكوز من ماء، فغسل يديه ثلاثًا، ثمَّ تمضمض مع الاستنشاق بماء واحدة» (٣). ٤ - المبالغة في المضمضة والاستنشاق إِلا من صيام. عن لقيط بن صبرة: أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال له:«... وبالغْ في الاستنشاق إلاَّ أنْ تكون صائمًا» (٤). ٥ - تخليل اللحية. عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أنَّ رسول الله - ﷺ - كان إِذا توضّأ؛ أخذ كفًّا من ماء، فأدخله تحت حنكه، فخلَّل به لحيته، وقال: «هكذا أمَرني ربي عز وجل» (٥). ------------------ (١) قال الحافظ في «الفتح»: «... وفي نسخة من غرفة واحدة» وللأكثر من «كفّ» بغير هاء«اهـ قال الأصيلي:»صوابه منَ كفٍّ واحد«. (٢) أخرجه البخاري: ١٩١، ومسلم: ٢٣٥؛ نحوه. (٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٠٤). (٤) أخرجه أصحاب السنن الأربعة وغيرهم، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وغيره، وانظر»حقيقة الصيام«(ص ١٢). (٥) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (١٣٢)، والبيهقيّ عنه وتقدّم، = قال شَيخنا -حفظه الله تعالى- بعد أن ذكر قول الشوكاني في «السيل الجرّار» (١/ ٨١) حول وجوب المضمضة والاستنشاق والاستنثار: «ثمَّ ذكر مثل ذلك في تخليل اللحية (تحت رقم ٦)، وهو الصواب، وينبغي أن يُقال ذلك في تخليل الأصابع أيضًا؛ لثبوت الأمر به عنه - ﷺ -». ٦ - وجوب مسح جميع الرأس. قال الله تعالى: ﴿وامْسَحُوا برؤوسِكُم﴾ (١). وعن عمرو بن يحيى المازنيّ عن أبيه: أن رجلًا قال لعبد الله بن زيد -وهو جدُّ عمرو بن يحيى-: أتستطيع أن تُرِيَني كيف كان رسول الله - ﷺ - يتوضّأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم. فدعا بماء فأفرغ على يديه، فغسل مرتين، ثمَّ مضمض واستنثر ثلاثًا، ثمَّ غسل وجهه ثلاثًا، ثمَّ غسل يديه مرتين مرتين إِلى المرفقين، ثمَّ مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر؛ بدأ بمقدَّم رأسه حتى ذهب بهما إِلى قفاه، ثمَّ ردَّهما إِلى المكان الذي بدأ منه، ثمَّ غسل رجليه«(٢). وسُئل مالك -رحمه الله-: أيجزئ أن يمسحَ بعض الرأس؟ فاحتجّ بحديث عبد الله بن زيد هذا (٣). ---------------------- = وللحديث طريق أخرى صحَّحها الحاكم، ووافقه ابن القَّطان والذّهبي، والحديث صحيح بشواهده. وانظر»الإِرواء«(٩٢). (١) المائدة: ٦، والباء هنا زائدة لا تبعيضيَّة، فيراد مسح الكلّ. انظر»الفتح«(شرح حديث ٢٨٥). وذكر شيخ الإسلام -رحمه الله- أنها للإِلصاق»الفتاوى«(٢١/ ١٢٣). (٢) أخرجه البخاري: ١٨٥، ومسلم: ٢٣٥، نحوه وتقدّم. (٣) وصله ابن خزيمة في»صحيحه«(١٥٧)؛ كما ذكر الحافظ -رحمه الله- في»الفتح". وإلى وجوب مسْح جميع الرأس هذا ذهب شيخ الإِسلام ابن تيميّة -رحمه الله تعالى- وذكر أنَّه المشهور من مذهب مالك وأحمد (١). وقال ابن المسيّب: المرأة بمنزلة الرجل، تمسح على رأسها (٢). ٧ - كيف يُمسح الرأس؟ يُمسح باليدين إِقبالًا وإِدبارًا، بادئًا بمقدّم رأسه، حتى يبلغ قفاه: لحديث عبد الله بن زيد:» ... ثمَّ مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر؛ بدأ بمقدّم رأسه، حتى ذهب بهما إِلى قفاه، ثمَّ ردّها إِلى المكان الذي بدأ منه ... «(٣). وعن يزيد بن أبي مالك: أنَّ معاوية توضأ للنَّاس كما رأى رسول الله - ﷺ - يتوضّأ، فلمَّا بلغَ رأسه؛ غَرف غرفةً من ماء فتلقاها بشماله؛ حتى وضعها على وسط رأسه، حتى يقطر الماء أو كاد يقطر، ثمَّ مسح من مقدّمه إِلى مؤخّره، ومن مؤخره إِلى مقدّمه» (٤). ٨ - مسح الرأس مرة واحدة. لحديث عبد الله بن زيد المتقدّم، وهو يتوضّأ وضوء النّبيّ - ﷺ -، وفيه: ------------------ (١) انظر «الفتاوى» (٢١/ ١٢٢ - وما بعدها). (٢) أورده البخاري معلقًا بصيغة الجزم، ووصَله ابن أبي شيبة بلفظ: «الرجل والمرأة في المسح سواء». «الفتح». (٣) أخرجه البخاري: ١٨٥، ومسلم: ٢٣٥، وغيرهما، وتقدّم. (٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١١٥). «... فمسح رأسه، فأقبَل بهما وأدبَر مرّة واحدة، ثمَّ غسل رجليه إِلى الكعبين». ٩ - مسح الرأس مرتين. لحديث الرُّبَيِّع بنت مُعوّذ عن النّبيّ - ﷺ -، وفيه:«... ومسَح برأسه مرتين ...» (١). ١٠ - مسح الرأس ثلاثًا. فقد صحّ من حديث عثمان -رضي الله عنه-: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - مسح برأسه ثلاثًا» (٢). وقد قال الحافظ في «الفتح» (٣): «وقد روى أبو داود من وجهين صحّح أحدهما ابن خزيمة وغيره في حديث عثمان تثليث مسح الرأس، والزيادة من الثقة مقبولة». وذكر في «التلخيص»: أنَّ ابن الجوزي مال في «كشف المشكل» إِلى تصحيح التكرير. قال شيخنا -حفظه الله تعالى-: «وهو الحقّ؛ لأنَّ رواية المرة الواحدة - وإِن كَثرت- لا تُعارض رواية التثليث؛ إِذ الكلام في أنَّه سنَّة، ومن شأنها أن ------------------ (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١١٧). (٢) قال شيخنا في»تمام المنَّة«(ص٩١): أخرجه أبو داود بسندين حسَنين، وله إِسناد ثالث حسن أيضًا، وقد تكلّمت على هذه الأسانيد بشيء من التفصيل في»صحيح سنن أبي داود" (٩٥ و٩٨). (٣) تعليقًا على حديث (١٥٩). تُفعل أحيانًا وتُترك أحيانًا، وهو اختيار الصنعاني في»سبل السلام«؛ فراجعه إِن شِئت» (١). ١١ - المسح على العمامة. عن بلال -رضي الله عنه-: «أنَّ رسول الله - ﷺ - مَسَح على الخفّين والخِمار (٢)» (٣). وفي حديث المغيرة بن شُعبة -رضي الله عنه-: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - توضّأ، فمسح بناصيته على العمامة (٤) وعلى الخفيّن» (٥). وعنه -رضي الله عنه- أيضًا: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - مسح على الخفّين ومُقدَّم رأسه وعلى عمامته» (٦). وعن ثوبان -رضي الله عنه- قال: «بعثَ رسول الله - ﷺ - سريّة، فأصابهم البرد، فلمّا قدِموا على رسول الله - ﷺ -؛ أمرهم أن يمسحوا على العصائب (٧) والتساخين» (٨). -------------------(١) «تمام المنَّة» (ص٩١). (٢) أراد به العمامة؛ لأنَّ الرجل يغطي بها رأسه؛ كما أنَّ المرأة تغطّيه بخمارها. «النهاية». (٣) أخرجه مسلم: ٢٧٥ (٤) العمامة: ما يُلفُّ على الرأس ويغطَّى به. (٥) أخرجه مسلم ٢٧٤، وغيره. (٦) أخرجه مسلم: ٢٧٤ (٧) كلّ ما عصَبْتَ به رأسك من عمامة أو منديل أو خرقة. «النهاية». (٨) جاء في النهاية: الخفاف، ولا واحد لها من لفظها، وقيل: "واحدها تَسخان = قال ابن حزم -رحمه الله- بعد أن ذكر بعض الأحاديث في المسْح على العمامة: «فهؤلاء ستة من الصحابة -رضي الله عنهم-: المغيرة بن شعبة، وبلال، وسلمان، وعمرو بن أميّة، وكعب بن عجرة، وأبو ذرّ، كلّهم يروي ذلك عن رسول الله - ﷺ - بأسانيد لا معارض لها ولا مطعن فيها، وبهذا القول يقول جمهور الصحابة والتابعين ...» (١). وقال الصنعاني:«... كان يمسح على رأسه تارة، وعلى العمامة تارة، وعلى النّاصية والعمامة تارة». ويرى شيخنا -حفظه الله- أنْ يفعل المرء ما يتيسّر له من هذه الحالات. ولا يُشترط في المسح على العمامة لبْسها على طهارة، ولك أن تمسح بلا توقيت ولا تحديد؛ لعدم ورود النصِّ في ذلك. قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (تحت المسألة: ٢٠٢): «وإنما نصَّ رسول الله - ﷺ - في اللباس على الطهارة- على الخفيّن، ولم ينصّ ذلك في العمامة والخمار. قال الله تعالى: ﴿لِتُبيِّنَ للنَّاس ما نُزِّلَ إِليْهم﴾ (٢)، ﴿وما كان ربُّكَ ------------------- = وتَسْخين وتَسْخن. انظر باب (التاء مع السين) و(السين مع الخاء)، وقيل: التساخين ما يُسخَّن به القدم من خُفٍّ وجورب ونحوهما». أخرجه أحمد، وهو في «صحيح سنن أبي داود» (١٣٣). (١) أنظر «المحلّى» (المسألة: ٢٠١). (٢) النحل: ٤٤ نَسِيًّا﴾ (١). فلو وجب هذا في العمامة والخمار؛ لبيَّنه -عليه السلام- كما بيّن ذلك في الخفّين، ومدّعي المساواة في ذلك بيْن العمامة والخمار وبيْن الخفّين مُدَّعٍ بلا دليل، ويُكلَّف البرهان على صحة دعواه في ذلك. فيُقال له: من أين وجب -إِذ نصَّ عليه السلام في المسح على الخفين أنَّه لَبِسهما على طهارة-: أنَّه يجب هذا الحكم في العمامة والخمار؟ ولا سبيل له إِليه أصلًا بأكثر من قضيّة من رأيه؛ وهذا لا معنى له! قال الله تعالى: ﴿قُل هَاتوا بُرْهانَكُم إِنْ كنْتُمْ صَادقينَ﴾ (٢). وقال في الردّ على من يقول بتوقيت المسح على العمامة والخمار (٣): «يقال له: ما دليلك على صحّة ما تذكر من أن يحكم للمسح على العمامة بمثل الوقتين المنصوصَين (٤) في المسح على الخفّين؟ وهذا لا سبيل إِلى وجوده بأكثر من الدّعوى، وقد مسح رسول الله - ﷺ - على العمامة والخمار، ولم يوقِّت في ذلك وقتًا، ووقّت في المسح على الخفيّن؛ فيلزمنا أن نقول ما قاله عليه السلام، وأن لا نقول في الدين ما لم يَقُلْه عليه السلام، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدودُ اللهِ فلا تَعْتَدُوها﴾ (٥)». --------------- (١) مريم: ٦٤ (٢) البقرة: ١١١، والنمل: ٦٤ (٣) انظر المسألة: ٢٠٣ (٤) أي: السّفر والحضر. (٥) البقرة: ٢٢٩ ١٢ - مسْح باطن وظاهر الأذنين. عن عبد الله بن عمرو: أنَّ رجلًا أتى النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله! كيف الطّهور؟ فدعا بماء في إِناء، فغسل كفّيه ثلاثًا، ثمَّ غسل وجهه ثلاثًا، ثمَّ غسل ذراعيه ثلاثًا، ثمَّ مسَح برأسه، فأدخَل إِصْبعيه السبّاحتين (١) في أذنيه، ومسَح بإِبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسبّاحتين باطن أذنيه، ثمَّ غسل رجليه ثلاثًا، ثمَ قال: «هكذا الوُضوء؛ فمن زاد على هذا؛ فقد أساء وظلم»، أو: «ظلم وأساء» (٢). وعن أبي مليكة؛ قال: «رأيت عثمان بن عفّان سُئل عن الوضوء، فدعا بماء، فأُتي بميضأة ... (وذكر الحديث إِلى أن بلغَ:) ثمَّ أدخل يده، فأخذ ماءً فمسح برأسه وأذنيه، فغسل بطونهما وظهورهما مرّة واحدة، ثمَّ غسل رجليه، ثمَّ قال: أين السائلون عن الوضوء؟ هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ» (٣). وفي حديث المقدام بن معديكرب؟ قال: «... ومسَح بأذنيه ظاهرهما وباطنهما، -زاد هشام-: وأدخل أصابعه في صِماخ (٤) أذنيه» (٥). ------------------- (١) السبَّاحة والمُسبِّحة: الإِصبع التي تلي الإِبهام، سُمِّيت بذلك لأنها يُشار بها عند التَّسبيح. «النهاية». (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٢٣) وغيره، وانظر «المشكاة» (٤١٧). (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٩٩). (٤) ثقب الأذن، ويقال بالسين. «النهاية». (٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١١٤). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما» (١). ١٣ - مسْح الأذنين بماء الرّأس وجواز أخْذ ماء جديد لهما عند الحاجة. قال المُناوي في شرح حديث: «الأذُنان من الرأس» (٢): «الأذُنان من الرأس، لا من الوجه ولا مستقلّتان؛ يعني: فلا حاجة إِلى أخْذ ماء جديد منفرد لهما غير ماء الرأس في الوضوء، بل يجزئ مسْحهما ببلل ماء الرأس، وإلاَّ لكان بيانًا للخلقة فقط، والمصطفى - ﷺ - لم يُبعث لذلك، وبه قال الأئمة الثلاثة ...»، وذكر مخالفة الشّافعيِّة في ذلك. واحتجّ النَّووي في «المجموع» (١/ ٤١٢) بحديث عبد الله بن زيد -رضي الله عنه-: «أنَّ رسول الله - ﷺ - أخَذ لأذنيه ماءً خلاف الذي أخذ لرأسه»، وقال: حديث حسن، رواه البيهقيّ وقال: إِسناده صحيح. بيْد أنَّ شيخنا -حفظه الله- بيّن شذوذه في: «الضعيفة» (٩٩٥)، و«صحيح سنن أبي داود» (١١١). -------------- (١) أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقيّ، وهو صحيح بالمتابعة؛ فقد أخرجه أبو داود والحاكم، وانظر «الإرواء» (٩٠). (٢) حديث صحيح له طُرق كثيرة عن جماعة من الصحابة؛ منهم: أبو أمامة، وأبو هريرة، وابن عمرو، وابن عباس، وعائشة، وأبو موسى، وأنس، وسمرة بن جندب، وعبد الله ابن زيد. وانظر تفصيله في «الصحيحة» (٣٦). وقال النّووي -رحمه الله- في موطن آخر (١):»وهو حديث صحيح كما سبق بيانه قريبًا؛ فهذا صريح في أنَّهما ليستا من الرّأس، إِذ لو كانتا منه؛ لما أخذ لهما ماءً جديدًا كسائر أجزاء الرّأس، وهو صريح في أخذ ماء جديد، فيحتجّ به أيضًا على من قال: يمسحمها بماء الرّأس ...«. قال شيخنا -حفظه الله-:»ولا حُجّة فيه على ما قالوا؛ إِذ غاية ما فيه مشروعيّة أخذ الماء لهما، وهذا لا ينافي جواز الاكتفاء بماء الرّأس؛ كما دلَّ عليه الحديث، فاتّفقا ولم يتعارضا. ويؤيد ما ذكرتُ: أنَّه صحّ عنه - ﷺ -: «أنَّه مسح برأسه من فضل ماءٍ كان في يده». رواه أبو داود في «سننه» بسند حسن كما بيّنته في «صحيح سننه» (١٢١)، وله شاهد من حديث ابن عباس في «المُستدرك» (١/ ١٤٧) بسند حسن أيضًا، ورواه غيره؛ فانظر: «التلخيص الحبير» (ص ٣٣). وهذا كلّه يُقال على فرض التّسليم بصحّة حديث عبد الله بن زيد، ولكنه غير ثابت، بل هو شاذٌّ كما ذكرت في «صحيح سنن أبي داود» (١١١)، وبيّنته في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (تحت ٩٩٥). وجملة القول: فإِنَّه أسعد النَّاس بهذا الحديث من بين الأئمّة الأربعة أحمد ابن حنبل -رضي الله عنهم- أجمعين؛ فقد أخذ بما دلّ عليه الحديث في المسألتين، ولم يأخذ به في الواحدة دون الأخرى كما صنع غيره«(٢) أهـ. ---------------------- (١)»المجموع«(١/ ٤١٤). (٢) انظر»الصحيحة" التعليق على حديث (٣٦). وخلاصة القول التي بدت لي: «جواز مسح الأذنين بماء الرأس، مع جواز أخْذ ماء جديد لهما، إِذا دعت الحاجة لذلك، والله أعلم». ١٤ - عدم ورود المسْح على العُنق. قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: «لم يصح عن النّبي - ﷺ - أنَّه مسح على عنقه في الوضوء، بل ولا رُوي عنه ذلك في حديث صحيح، بل الأحاديث الصحيحة التي فيها صفة وضوء النبيّ - ﷺ - لم يكن يمسح على عنقه؛ ولهذا لم يستحبّ ذلك جمهور العلماء؛ كمالك والشافعي وأحمد في ظاهر مذهبهم، ومن استحبّه؛ فاعتمد فيه على أثر يُروى عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أو حديث يضعُف نقْلُه:»أنَّه مسح رأسه حتى بلغ القذال (١) «(٢)، ومِثل ذلك لا يصح عمدة، ولا يُعارض ما دلّت عليه الأحاديث» (٣). وأما حديث: «مسح الرقبة أمان من الغِلّ»؛ فموضوع (٤). -------------------- (١) جِماع مؤخَّر الرأس. (٢) أخرجه أبو داود وغيره، وفيه ثلاث علل: الضعف، والجهالة، والاختلاف في صحبة والد مصرف. وضعّفه النووي، وابن تيمية، والعسقلاني، وغيرهم. وانظر: «الضعيفة» (تحت رقم ٦٩)، و«ضعيف سنن أبي داود» (١٥). (٣) «الفتاوى» (٢١/ ١٢٧ و١٢٨). (٤) قاله النَّووي في «المجموع شرح المهذَّب» (١/ ٤٦٥)، ونقله السيوطي في «ذيل الأحاديث الموضوعة» عن النووي، وأقرّه، وللحافظ كلام فيه في «التلخيص الحبير»، وانظر تفصيل تخريجه في «السلسلة الضعيفة» (٦٩). ١٥ - غسل الرِّجلين إِلى الكعبين. عن عمرو بن يحيى عن أبيه قال: «شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله ابن زيد عن وضوء النّبيّ - ﷺ -: فدعا بتور من ماء، فتوضأ لهم وضوء النّبيّ - ﷺ -: فأكفأ على يديه من التّور فغسل يديه ثلاثًا، ثمَّ أدخل يده في التّور فمضمض واستنشق واستنثر ثلاث غرفات، ثمَّ أدخل يده فغسل وجهه ثلاثًا، ثمَّ غسل يديه مرّتين إِلى المرفقين، ثمَّ أدخل يده فمسح رأسه فأقبَل بهما وأدبر مرّة واحدة، ثمَّ غسل رجليه إِلى الكعبين» (١). ١٦ - غَسل الرجلين بغير عدد. لحديث يزيد بن أبي مالك، وفيه: «... فتوضّأ ثلاثًا ثلاثًا، وغسل رجليه بغير عدد» (٢). ١٧ - تخليل أصابع الرجلين. عن المستورد بن شدَّاد -رضي الله عنه- قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - إِذا توضّأ يدلك أصابع رجليه بخِنصره» (٣). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِذا توضّأْتَ، فخلِّل أصابع يديْك ورجليك» (٤). ------------------- (١) أخرجه البخاري: ١٨٦، ومسلم: ٢٣٥، وتقدّم. (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١١٦). (٣) أخرجه أبو داود «صحيح أبي داود» (١٣٤) وغيره، وانظر «المشكاة» (٤٠٧). (٤) أخرجه أصحاب السنن الأربعة وغيرهم، وقال الحاكم: «صحيح الإِسناد»، ووافقه الذهبي وغيره. وانظر «الصحيحة» (١٣٠٦)، و«حقيقة الصيام» (١٢). وعن لَقِيط بن صَبِرة: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «أسبغ الوضوء، وخلِّل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق؛ إلاَّ أن تكون صائمًا» (١). ١٨ - الترهيب من النقص في غسل الرجلين. عن سالم مولى شدَّاد؛ قال: دخلَت عليَّ عائشة زوج النّبيّ - ﷺ - يوم تُوفّي سعدُ بن أبي وقاص، فدخل عبد الرحمن بنُ أبي بكر، فتوضّأ عندها، فقالت: يا عبد الرحمن! أسبغ الوضوء؛ فإِنّي سمعْت رسول الله - ﷺ - يقول: «ويْلٌ (٢) للأعقاب (٣) من النّار» (٤). وعن جابر -رضي الله عنه- قال: «أخبرَني عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: أنَّ رجلًا توضّأ، فترك موضع ظُفُر على قدمه، فأبصره النّبيّ - ﷺ -، فقال: ارجعْ؛ فأحسِن وضوءك، فرجع ثمَّ صلَّى» (٥). -------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٢٩)، والترمذي -وقال: «حديث حسن صحيح»- والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم، وهو في «المشكاة» (٤٠٥)، وتقدّم. (٢) الويل: كلمة تُقال لمن وقع في هلكة ولا يُترّحم عليه؛ بخلاف ويح؛ كذا في «التنقيح». «فيض القدير». وهو الحزن والهلاك والمشقة من العذاب. «النهاية». (٣) أي: التي لا ينالها ماء الطُّهر. «فيض». والعَقِب: مؤخَّر القدم. وفي «النهاية»: أراد صاحب العقب، فحذف المضاف، وِإنّما قال ذلك لأنَّهم كانوا لا يستقصون غَسْل أرجلهم في الوضوء. (٤) أخرجه البخاري: ٦٠ من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- ورواه البخارى: ١٦٥، ومسلم: ٢٤٠، وغيرهما؛ من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- بهذا السياق. (٥) أخرجه مسلم: ٢٤٣، وغيره وتقدم. وفي رواية: «فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة». رواه أحمد، وانظر «صحيح سنن أبي داود» (١٦١)، و«الإرواء» (٨٦). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أنَّه رأى قومًا يتوضؤون من المطهرة، فقال: أسبغوا الوُضوء؛ فإِني سمعْت أبا القاسم - ﷺ - يقول: «ويل للعراقيب (١) من النار» (٢). ١٩ - النّضح بعد الوضوء. عن الحكم بن سفيان الثقفي -رضي الله عنه-: «أنَّه رأى رسول الله - ﷺ - توضّأ، ثمَّ أخذ كفًّا من ماء فنضحَ به فرجه» (٣). ٢٠ - وجوب استيعاب جميع أجزاء محلّ الطهارة، ولا يصحّ الوضوء بترك مثل موضع الظُّفُر أو قدر الدّرهم. عن جابر؛ قال: «أخبرني عمر بن الخطاب: أنَّ رجلًا توضّأ، فترك موضع ظُفُر على قدمه، فأبصره النّبيّ - ﷺ -، فقال:»ارجع فأحسن وُضوءك فرجع ثمَّ صلّى«(٤). -------------------- (١) هو من الإنسان فويق العَقب.»النهاية«، وقال النووي: وهو العصبة التي فوق العَقب. (٢) أخرجه مسلم: تحت حديث رقم (٢٤٢)، وغيره. (٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٥٤) والنسائي، وهو صحيح لغيره فإِنّ له شاهدًا من رواية زيد بن حارثة -رضي الله عنه- رواه أحمد وغيره، وانظر»المشكاة" (٣٦٦). (٤) أخرجه مسلم: ٢٤٣، وتقدم. ٢١ - ما يوجب إِعادة الوضوء. للحديث السابق. ٢٢ - التيمّن في الوضوء. عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان النّبيّ - ﷺ - يُعجبه التّيمّن (١)؛ في تنعُّله (٢)، وترجُّله (٣)، وطُهُوره؛ في شأنه كلّه» (٤). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا لبستم وإِذا توضّأتم؛ فابدأوا بأيامنكم» (٥). وعن أم عطيّة -رضي الله عنها- قالت: قال النّبيّ - ﷺ - لهنّ في غسل ابنته: «ابدأنَ بميامنها ومواضع الوضوء منها» (٦). ---------------------- (١) أي: الابتداء باليمين، وكان - ﷺ - يعجبه الفأل الحسن؛ كما في رواية ابن حبَّان عن أبي هريرة، وأحمد عن عائشة، وغيرهما، وهو في «الكلم» (٢٤٨). وعند الشيخين: «قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الحسنة يسمعها الرجل». قال في «الفتح»: «قيل: إِنه كان يحبُّ الفأل الحسن، إِذ أصحاب اليمين أهل الجنة». (٢) أي: لُبس نعله. (٣) أي: ترجيل شعره، وهو تسريحه ودهنه. (٤) أخرجه البخاري: ١٦٨، ومسلم: ٢٦٨، وغيرهما. قيل: «هو عام مخصوص؛ لأنَّ دخول الخلاء والخروج من المسجد يبدأ فيهما باليسار». (٥) تقدّم. (٦) أخرجه البخاري: ١٦٧، ومسلم: ٩٣٩، وغيرهما، وتقدّم. https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 146الى صــ 160 الحلقة (11) ٢٣ - إِسباغ الوضوء على المكاره. عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «ألا أدلّكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟». قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «إِسباغ الوُضوء على المكاره (١)، وكثرة الخُطا إِلى المساجد، وانتظار الصّلاة بعد الصّلاة؛ فذلكم الرّباط (٢)» (٣). وتقدَّم حديث لَقيط بن صَبِرة: «أسبِغ الوضوء، وخلِّل بين الأصابع، وبالِغ في الاستنشاق؛ إلاَّ أن تكون صائمًا». ٢٤ - عدم ترتيب الوضوء لا يفسده. الأصل في الوضوء الترتيب، ولكن ليس هناك ما يدلّ على أنَّ عدم ترتيب الوضوء يفسده، فقد ثبت عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه توضّأ من غير ترتيب؛ كما في حديث المقدام بن معديكرب -رضي الله عنه- قال: «أُتي رسول الله - ﷺ - بوَضوء، فتوضّأ، فغسل كفّيه ثلاثًا، ثمَّ غسل وجهه ثلاثًا، ثمَّ غسل ذراعيه ثلاثًا، ثمَّ مضمض واستنشق ثلاثًا، ومسح برأسه وأُذنيه ظاهرهما وباطنهما، وغسل رجليه ثلاثًا» (٤). -------------------- (١) جمع مَكْرَه، وهو ما يكرهه الإِنسان ويشقُّ عليه، والكُره: المشقَّة، والمعنى: أن يتوضّأ مع البرد الشديد والعِلل التي يتأذَّى معها بمسِّ الماء. «النهاية». (٢) الرباط في الأصل: الإِقامة على جهاد العدو بالحرب؛ أي: أنَّ المواظبة على الطهارة والصلاة والعبادة كالجهاد في سبيل الله. «النهاية» بحذف. (٣) أخرجه مسلم: ٢٥١، وغيره. (٤) أخرجه أحمد، وأبو داود، وقال الشوكاني: «إِسناده صالح»، وحسّن إِسناده النووي والحافظ ابن حجر. وانظر «تمام المنّة» (ص٨٨). ٢٥ - النّهي عن الاعتداء في الوُضوء. عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه؛ قال: جاء أعرابيٌّ إِلى النّبيّ - ﷺ - يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثًا ثلاثًا، ثمَّ قال: «هكذا الوضوء؛ فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدّى وظلم» (١). وفي الحديث: «إِنّه سيكون في هذه الأمَّة قومٌ يعتدون في الطُهور (٢) والدُّعاء» (٣). ٢٦ - الرجل يُوضِّئ صاحبه. عن أسامة بن زيد: أنَّ رسول الله - ﷺ - لمّا أفاض من عرفة؛ عدل إِلى الشِّعْب، فقضى حاجته. قال أسامةُ بن زيد: فجعلْت أصُبُّ عليه ويتوضّأ، فقلت: يا رسول الله! أتصلّي؟ فقال: «المُصلَّى أمامك» (٤). وعن المغيرة بن شعبة: «أنَّه كان مع رسول الله - ﷺ - في سفر، وأنَّه ذهب لحاجةٍ له، وأنَّ مغيرةَ جعل يصبُّ الماء عليه وهو يتوضّأ، فغسل وجهه ويديه ومسح على الخُفّين» (٥). ---------------------- (١) أخرجه النسائى «صحيح سنن النسائي» (١٣٦)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٣٣٩)، وانظر «المشكاة» (٤١٧). (٢) الطهور: بالضم ويُفتح. «مرقاة» (٢/ ١٢٥). (٣) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٨٧)، وابن ماجه، وانظر «المشكاة» (٤١٨). (٤) أخرجه البخاري: ١٨١ (٥) أخرجه البخارى: ١٨٢، ومسلم: ٢٧٤، وغيرهما. ٢٧ - التخفيف في الوضوء. عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «بتُّ عند خالتي ميمونة ليلة، فقام النّبيّ - ﷺ - من الليل، فلمّا كان في بعض الليل؛ قام النّبيّ - ﷺ -، فتوضّأ من شنٍّ (١) مُعلَّق وضوءًا خفيفًا -يخفّفه عمرو ويقلّله (٢) - وقام يُصلِّي ...» (٣). وعن أنس -رضي الله عنه- قال: «كان النّبيّ - ﷺ - يغسل (٤) (أو كان يغتسل) (٥) بالصّاع (٦) إِلى خمسة أمداد (٧)، ويتوضّأ بالمُدّ» (٨). -------------------- (١) الشَّنُّ: القربة العتيقة. (٢) أي: يصِفه بالتخفيف والتقليل. وقال ابن المنيِّر: يخفِّفه؛ أى: لا يُكثر الدَّلك، ويقلِّله؛ أي: لا يزيد على مرة مرة. وقيل: الاقتصار على سيلان الماء على العضو أخفُّ من قليل الدَّلك، والله أعلم. عن «الفتح» بشيء من الاختصار. (٣) أخرجه البخاري: ١٣٨ (٤) أي: جسده. (٥) قال الحافظ: «الشَّكُّ فيه من البخاري أو من أبي نُعيم لما حدَّثه به». (٦) الصَّاع: إناء يتسع خمسة أرطال وثُلُثًا بالبغدادي، وقال بعض الحنفيَّة: ثمانية. «الفتح». وهو أربعة أمداد. «النهاية». و«الفتح». وقال أبو داود في «سننه»: «وسمعْتُ أحمد بن حنبل يقول: الصَّاع خمسة أرطال، وهو صاع ابن أبي ذئب، وهو صاع النّبيّ - ﷺ -». (٧) جاء في «النهاية»: «المُدُّ في الأصل: رُبع الصاع، وِإنّما قُدِّر به لأنَّه أقل ما كانوا يتصدقون به في العادة». وفيه أيضًا: «وهو رطل وثُلُث بالعراقي، عند الشافعي وأهل الحجاز، وهو رطلان عند أبي حنيفة وأهل العراق». (٨) أخرجه البخارى: ٢٠١، ومسلم: تحت ٣٢٥، وغيرهما. وعن أنس -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يغتسل بخمس مكاكيك (١)، ويتوضّأ بمكّوك» (٢). وعن عُمارة: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - توضّأ، فأُتي بإِناء فيه ماء؛ قدر ثُلُثي المدّ» (٣). وعن عبد الله بن زيد: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - أُتيَ بثُلُثي مُدّ، فجعل يدلك ذراعه» (٤). ٢٨ - استعمال فضل وضوء النّاس. عن أبي جُحيفَة -رضي الله عنه- قال: «خرج علينا رسول الله - ﷺ - بالهاجرة (٥)، فأُتي بوَضوء فتوضّأ، فجعل النّاسُ يأخذون من فضل وَضوئه فيتمسّحون به، فصلّى النّبيّ - ﷺ - الظهر ركعتين والعصر ركعتين وبين يديه -------------------- (١) جاء في»النهاية«:»أراد بالمكُّوك: المُدّ، وقيل: الصَّاع، والأول أشبه؛ لأنّه جاء في حديث آخر مفسرًا بالمُدِّ، والمكوك: اسم للمكيال«. وقوله:»والأول أشبه«؛ هو الصواب إِن شاء الله؛ فقد ورَدت فيه النصوص كما تقدّم، أمّا الصَّاع إِلى خمسة أمداد فهو مقدار ما كان يغتسل به عليه السلام. (٢) أخرجه مسلم: ٣٢٥، وغيره. (٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٨٥). (٤) عن»صحيح سنن ابن خزيمة" (١١٨)، وعند الحاكم مِثله، وصحَّحه شيخنا -حفظه الله-. (٥) نصف النهار، عند اشتداد الحرّ؛ لأنَّ الناس يستكنُّون في بيوتهم، كأنّهم قد تهاجروا. عَنَزَة (١) «» (٢). فوائد يحتاج المتوضِّىء إِليها (٣). * الكلام المباح أثناء الوضوء مُباح، ولم يَرِدْ في السنّة ما يدلّ على منعه. * الدّعاء عند غسل الأعضاء باطل لا أصل له. * لو شكَّ المتوضئ في عدد الغسلات؛ يبني على اليقين، وهو الأقل. * وجود الحائل -مثل الشَّمع (٤) - على أيّ عضو من أعضاء الوضوء يُبطله، أمّا اللون وحده -كالخضاب بالحنّاء مثلًا-، فإِنَّه لا يؤثر في صحة الوضوء؛ لأنَّه لا يَحُولُ بين البشرة وبين وصول الماء إِليها. * المستحاضة ومن به سلس بول أو انفلات ريح أو غير ذلك من الأعذار يتوضؤون لكلّ صلاة إِذا كان العذر يستغرق جميع الوقت، أو كان لا يمكن ضبطه، وتعدّ صلاتهم صحيحة مع قيام العُذر. * يجوز الاستعانة بالغير في الوضوء. * يباح للمتوضّئ أن يُنشّف أعضاءه بمنديل أو نحوه؛ صيفًا وشتاءً. ------------------------ (١) العَنَزة: رُميْح بين العصا والرُّمح، فيه زُجٌّ. «المحيط». والزُّج: الحديدة في أسفل الرمح. «الوسيط». (٢) أخرجه البخاري: ١٨٧ (٣) عن كتاب «فقه السنّة» للسيد سابق -حفظه الله تعالى- بحذف يسير. (٤) [أو ما يُعْرَف بـ (المنيكير)]. خُلاصة مُيسَّرة لأعمال الوضوء (١). - النيّة: لحديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: «إِنَّما الأعمال بالنّيات، وِإنَّما لكلّ امرئ ما نوى ...» (٢). ومحل النيّة القلب، وأما التلفّظ بها؛ فبدعة. - التسوّك (٣). - غسل الكفّين، ويخلّل الأصابع فيها؛ إِن لم يُرِد تخليلهما عند غسل اليدين إِلى المرفقين. - المضمضة والاستنشاق والاستنثار، والمبالغة في ذلك إلاَّ من صيام. والأصل هو المضمضة والاستنشاق من ماء واحد، والفصل جائز، ويكون ذلك باليمين، وأمّا النّثر؛ فباليد اليُسرى. - غَسل الوجه. - تخليل اللحية. - غَسل اليدين إِلى المرفقين، ويخلِّل أصابع اليدين إن لم يخلِّلْهما عند غَسل الكفّين. ---------------------- (١) ذَكرتُ هذه الأمور والمسائل من غير دليل؛ لتقدُّم ذلك في مواطن متفرقة؛ إلاَّ ما لزم. (٢) أخرجه البخاري: ٥٤، ومسلم: ١٩٠٧، وغيرهما، وهو في البخاري أيضًا في مواطن متفرّقة، وتقدّم. (٣) ولم يرِد نصٌّ في تحديد موضعه. وجاء في «تمام المنّة» (٨٩): «ويستحبُّ السِّواك للصّائم أوّل النهار وآخره؛ للبراءة الأصلية». - مسح الرأس كلّه إِقبالًا وإِدبارًا. - مسح الأذنين باطنهما وظاهرهما. - غَسل الرجلين إِلى الكعبين، مع تخليل أصابع الرجلين. الذكر المستحب عقب الوضوء عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: كانت علينا رعايه الإِبل، فجاءت نوبتي، فروّحتُها بعَشِيّ (١)، فأدْركْت رسول الله - ﷺ - قائمًا يحدّث النّاس، فأدركت من قوله: «ما من مسلم يتوضّأ فيحسن وضوءَه، ثمَّ يقوم فيصلّي ركعتين، مُقبِلٌ عليهما بقلبه ووجهه؛ إلاَّ وَجَبَت له الجنَّة». قال: فقلت: ما أجود هذه! فإِذا قائل بين يديَّ يقول: التي قبلها أجود، فنظرْتُ فإِذا عمر، قال: إِنّي قد رأيتُك جئتَ آنِفًا. قال: «ما منكم من أحدٍ يتوضّأ فيُبلغ (أو فيُسبغ) (٢) الوُضوء، ثمَّ يقول: أشهد أن لا إِله إِلا الله، وأن محمدًا عبد الله ورسوله؛ إلاَّ فُتحت له أبواب الجنَّة الثمانيةُ يدخُل من أيّها شاء» (٣). وفي رواية أُخرى لعقبة -رضي الله عنه-: "من توضّأ فقال: أشهد أن لا ------------------ (١) أي: ردَدْتُها إِلى مراحها في آخر النهار، وتفرغت من أمرها، ثمَّ جئت إِلى مجلس رسول الله - ﷺ -. (٢) فيبلِغ أو فيُسبغُ؛ بمعنى واحد، والإسباغ: الإِتمام والإِكمال. (٣) أخرجه مسلم: ٢٣٤، وغيره، وتقدم مختصرًا (ص ١٢). إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله» (١). زاد الترمذي: «اللهم اجعلني من التَّوَّابين، واجعلني من المتطهِّرين» (٢). وفي حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ -: «... ومن توضّأ فقال: سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إِله إلاَّ أنت، أستغفرك وأتوب إِليك؛ كُتب له في رَِقٍّ (٣)، ثمَّ جُعلَ في طابع، فلم يُكسر إِلى يوم القيامة» (٤). ---------------- (١) أخرجه مسلم: ٢٣٤، وفي الحديث زيادة: «وحده لا شريك له»؛ كما هو بيِّن، وقد خالف فيها زيد بن الحُباب عبد الرحمن بن مهدي. بَيْد أنَّ ابن وهب تابع ابن الحُباب؛ كما في «سنن أبي داود» (١٦٩). فصحَّت هذه الزيادة، والحمد لله، وقد استفدت هذا من مراجعة شيخنا -حفظه الله-. (٢) قال المنذري في «الترغيب والترهيب»: «وتُكُلِّم فيه». وقال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «الإرواء» (٩٦): «وأعلّه الترمذي بالاضطراب، وليس بشيء؛ فإِنّه اضطراب مرجوح؛ كما بينَّته في»صحيح سنن أبي داود«(١٦٢). ولهذه الزيادة شاهد من حديث ثوبان، رواه الطبراني في»الكبير«(١/ ٧٢/١)، وابن السنِّي في»اليوم والليلة«(رقم ٣٠)، وفيه أبو سعد البقَّال الأعور، وهو ضعيف». (٣) بفتح الراء وكسْرها وهو جلد رقيق يكتب فيه، وانظر «المحيط». (٤) أخرجه الطبراني في «الأوسط»، ورواته رواة «الصحيح»، واللفظ له. ورواه النسائي، وقال في آخره: «خُتم عليها بخاتم، فوضعت تحت العرش، فلم تُكسر إِلى يوم القيامة»، وصوّب وقفه على أبي سعيد. وقال شيخنا: «ولكنه في حُكم المرفوع؛ لأنَّه لا يُقال بمجرَّد الرأي كما لا يخفى». وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٢١٨). المسح على الخفين أولًا: المسح على الخفين. وفيه أدلَّة عديدة؛ منها: ما رواه عروة بن المغيرة عن أبيه؛ قال: كنتُ مع النّبيّ - ﷺ - في سفر، فأهويت لأنزع خفَّيه، فقال: «دعْهُما؛ فإِني أدخلتُهما طاهرتين»، فمسح عليهما (١). وعن عبد الله بن عمر عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنهما- عن النّبيّ - ﷺ -: «أنَّه مسح على الخفَّين» (٢). وعن همَّام بن الحارث؛ قال: «رأيت جرير بن عبد الله بال، ثمَّ توضّأ ومسح على خفَّيه، ثمَّ قام فصلَّى، فسُئل؟ فقال:»رأيتُ النّبيّ - ﷺ - صنَع مثل هذا«. قال إِبراهيم: فكان يعْجِبُهم؛ لأنَّ جريرًا كان مِن آخر من أسلم (٣). وعن ثوبان -رضي الله عنه- قال:»بعثَ رسول الله - ﷺ - سريَّة، فأصابهم ------------------- (١) أخرجه البخاري: ٢٠٦، ومسلم: ٢٧٤، وتقدّم. (٢) أخرجه البخاري: ٢٠٢ (٣) أخرجه البخاري: ٣٨٧، ومسلم: ٢٧٢، وغيرهما. وفي «صحيح مسلم»: «قال الأعمش: قال إِبراهيم: كان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إِسلام جرير كان بعد نزول المائدة، وفيها آية الوضوء التي تفيد وجوب غسل الرجلين». وفي «صحيح سنن النسائي» (١١٤): «وكان إِسلام جرير قبل موت النّبي - ﷺ - بيسير». البرد، فلمَّا قَدمِوا على رسول الله - ﷺ -؛ أمرهم أن يمسحوا على العصائب (١) والتساخين (٢)» (٣). وقال الحافظ في «الفتح» (٢٠٢) تعليقًا على حديث عبد الله بن عمر السابق: «نقَل ابن المنذر عن ابن المبارك؛ قال: ليس في المسح على الخُفَّين عن الصحابة اختلاف؛ لأنَّ كلَّ من رُوِيَ عنه منهم إِنكاره؛ فقد رُوِيَ عنه إِثباتُه. وقال ابن عبد البرِّ: لا أعلم رُوي عن أحد من فقهاء السلف إِنكاره إِلا عن مالك، مع أن الروايات الصحيحة عنه مصرِّحة بإِثباته. ... وقال ابن المنذر: اختلف العلماء؛ أيّهما أفضل: المسح على الخفَّين أو نزْعهما وغسل القدمين؟ قال: والذي أختاره أنَّ المسح أفضل؛ لأجل من طعن فيه من أهل البدع من الخوارج والروافض. قال: وإحياء ما طعن فيه المخالفون من السُّنن أفضل من ترْكه» اهـ. ثانيًا: المسح على الجوربين. عن المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- قال: «توضّأ النّبي - ﷺ - ومسح -------------------- (١) كل ما عَصَبْتَ به رأسك من عمامة أو منديل أو خرقة.»النهاية«، وتقدّم. (٢) جاء في»النهاية«:»الخفاف، ولا واحد لها من لفظها، وقيل: واحدها: تسَخْان وتَسخين وتَسخن«. وانظر: (باب التاء مع السين) و(السين مع الخاء). وقيل: التساخين ما يُسخَّن به القدم من خُفٍّ وجورب ونحوهما. وتقدم. (٣) أخرجه أحمد، وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٣٣)، وانظر»المسح على الجوربين" (ص ٢٣)، وتقدّم. على الجوربين والنَّعلين» (١). قال أبو داود: «ومسح على الجوربين: عليُّ بن أبي طالب، وأبو مسعود، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، وسهل بن سعد، وعمرو بن حريث، ورُوي ذلك عن عمر بن الخطَّاب، وابن عبّاس» (٢). وذكر ابن حزم عددًا كبيرًا من السلف قالوا بالمسح على الجوربين؛ منهم: ابن عمر، وعطاء، وِإبراهيم النخعي، وغيرهم، وأورد عددًا من الآثار المتعلَّقة بذلك (٣). وعن يحيى البكَّاء؛ قال: «سمعْت ابن عمر يقول: المسح على الجوربين كالمسح على الخفَّين، وتلقَّى نافع ذلك عنه، فقال: هما بمنزلة الخفَّين» (٤). --------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٤٣)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٨٦)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (١٢١)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٤٥٣)، وانظر «الإِرواء» (١٠١). (٢) انظر «المحلَّى» (٢/ ١١٥) (مسألة ٢١٢). (٣) قال شيخنا -حفظه الله تعالى- تعليقًا على رسالة القاسمي -رحمه الله تعالى- حول هذا الموضوع (ص٥٤): «قلت: هذه الآثار أخرجها: عبد الرزاق في»المصنف«(٧٤٥ و٧٧٣ و٧٧٩ و٧٨١ و٧٨٢)، وابن أبي شيبة أيضًا في»المصنف«، والبيهقيّ: (١/ ٢٨٥)، وكثير من أسانيدها صحيح عنهم، وبعضهم له أكثر من طريق واحد، ومن ذلك طريق قتادة عن أنس أنه كان يمسح على الجوربين مثل الخفين، وسنده صحيح، رواه عبد الرزاق (٧٧٩)، وهو عند ابن أبي شيبة (١/ ١٨٨) مختصرًا». (٤) أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن عنه، وكذلك قال إِبراهيم النَّخعي، أخرجه بسند صحيح عنه. كذا في تحقيق «المسح على الجوربين» لشيخنا -حفظه الله تعالى-. قال شيخنا الألبانيّ -حفظه الله تعالى-:»فبعْد ثبوت المسح على الجوربين عن الصحابة -رضي الله عنهم- أفلا يجوز لنا أن نقول فيمن رغبَ عنه ما قاله إِبراهيم هذا في مسحهم على الخفَّين: فمن ترك رغبةً عنه؛ فإِنَّما هو من الشيطان (١)؟! قال أبو عيسى: «سمعتُ صالح بن محمد التِّرمذي؛ قال: سمعتُ أبا مقاتل السَّمرقندي يقول: دخَلْتُ على أبي حنيفة في مرضه الذي مات فيه، فدعا بماء فتوضّأ، وعليه جوربان، فمسح عليهما، ثمَّ قال: فعلتُ اليوم شيئًا لم أكنْ أفعله: مسحْتُ على الجوربين وهما غير منعَّلين». وعن عطاء؛ قال: «المسح على الجوربين بمنزلة المسح على الخفَّين» (٢). ثالثًا: المسح على النَّعلين. عن أوس بن أبي أوس الثَّقفي: «أن رسول الله - ﷺ - توضّأ ومسح على نعليه وقدميه، وقال عبَّاد: رأيت رسول الله - ﷺ - أتى كِظامة قوم -يعني: الميضأة- (ولم يذكر مسدَّد الميضأة والكِظامة، ثمَّ اتفقا): فتوضّأ ومسح على نعليه وقدميه» (٣). ------------------ (١) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٨٠) بإِسناد صحيح عنه؛ كما في تحقيق «المسح على الجوربين» (ص ٥٤). (٢) صحَّح شيخنا إِسناده في تحقيق «المسح على الجوربين» (ص ٦٣). (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٤٥)، وانظر «المسح على الجوربين» (ص ٤٣). وعن ابن عمر، قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - يلبسها (يعني: النِّعال السِّبتيَّة (١» ويتوضّأ فيها ويمسح عليها» (٢). وثبت عن أبي ظبيان: «أنَّه رأى عليًّا -رضي الله عنه- بال قائمًا، ثمَّ دعا بماء، فتوضّأ، ومسح على نعليه، ثمَّ دخل المسجد فخلعَ نعليه (٣) ثمَّ صلَّى» (٤). رابعًا: المسح على الخفِّ أو الجورَب المخرَّق. قال شيخنا -حفظه الله تعالى-: «وأمَّا المسح على الخفِّ أو الجورب ------------------ (١) قال في»النهاية«: السِّبت بالكسر: جُلود البقر المدبوغة بالقَرَظ يُتخذ منها النّعال، سُمِّيت بذلك؛ لأنَّ شعرها قد سُبِتَ عنها أي: خُلق وأُزيل، وقيل: لأنها انسَبَتت بالدِّباع: أي لانت. (٢) أخرجه البيهقي في»السنن الكبرى«من طريق ابن خزيمة، وسنده صحيح؛ وانظر كتاب»المسح على الجوربين«(ص ٤٥). وزاد على ذلك فقال:»له طريق أخرى عن ابن عمر نحو رواية البزَّار، أخرجه الطحاوي في «شرح المعاني» (١/ ٩٧)، ورجاله ثقات معروفون، غير أحمد بن الحسين اللهبي، وله شاهد من حديث ابن عبَّاس: «أنَّ رسول الله - ﷺ - توضّأ مرّة مرّة، ومسح على نعليه»، أخرجه عبد الرزاق في «المصنَّف» (٧٨٣)، والبيهقي (١/ ٢٨٦)؛ من طريقين عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عنه. وهذا إِسناد صحيح غاية، وهو على شرط الشيخين«. (٣) يُستفاد من هذا أنَّ خلع النعال والجوارب ونحو ذلك بعد المسح لا ينقض الوضوء. (٤) أخرجه الطحاوي في»شرح المعاني«بسند صحيح. وانظر تحقيق»المسح على الجوربين«(ص ٤٧) لشيخنا -حفضها الله تعالى-. وجاء في»تمام المنِّة«(١١٥):»زاد البيهقيّ: «فأمّ الناس»، وِإسناده صحيح على شرط الشيخين". المخرَّق؛ فقد اختلفوا فيه اختلافًا كثيرًا؛ فأكثرهم يمنع منه، على خلاف طويل بينهم، تراه في مبسوطات الكتب الفقهيَّة و«المحلَّى»، وذهبَ غيرُهم إِلى الجواز، وهو الذي نختاره. وحجَّتنا في ذلك أنَّ الأصل الإِباحة، فمن منع واشترط السَّلامة من الخرق أو وضع له حدًّا؛ فهو مردود؛ لقوله - ﷺ -: «كلُّ شرط ليس في كتاب الله؛ فهو باطل»، متفق عليه (١). وأيضًا؛ فقد صحَّ عن الثَّوريِّ: أنَّه قال: امسحْ عليها ما تعلَّقت به رجلك، وهل كانت خفاف المهاجرين والأنصار إلاَّ مخرَّقة، مشقَّقة، مرقَّعة؟! أخرجه عبد الرزاق في «المصنَّف» (٧٥٣)، ومن طريقه البيهقيُّ (١/ ٢٨٣). وقال ابن حزم (٢/ ١٠٠): فإِن كان في الخفَّين أو فيما لبس على الرجلين خرقٌ صغيرٌ أو كبيرٌ طولًا أو عرضًا، فظهر منه شيء من القدم -أقلّ القدم أو أكثرها أو كلاهما- فكل ذلك سواء، والمسح على كلِّ ذلك جائز، ما دام يتعلَّق بالرجلين منهما شيء، وهو قول سفيان الثوريِّ وداود وأبي ثور وإسحاق ابن راهويه ويزيد بن هارون. ثمَّ حكى أقوال العلماء المانعين منه على ما بيّنها من اختلاف وتعارُض، ثمَّ ردَّ عليها، وبين أنَّها ممّا لا دليل عليها سوى الرأي، وختم ذلك بقوله: لكنَّ الحقَّ في ذلك ما جاءت به السنَّة المبيِّنة للقرآن؛ من أنَّ حُكم القدمين اللَّتين ليس عليهما شيء ملبوسٌ يمسح عليه أن يُغسلا، وحُكمهما إِذا كان عليهما شيء ملبوس أن يُمسح على ذلك الشيء، بهذا جاءت السنَّة، -------------------- (١) أخرجه البخاري: ٢٧٣٥، ومسلم: ١٥٠٤ ﴿وما كان ربّكَ نَسِيًّا﴾ (١)، وقد عَلِم رسول الله - ﷺ - إِذ أمرَ بالمسح على الخفَّين وما يُلبس في الرجلين، ومُسِحَ على الجوربين: أنَّ من الخفاف والجوارب وغير ذلك ممَّا يُلبس على الرجلين المخرَّق خرقًا فاحشًا أو غير فاحش وغير المخرَّق، والأحمر والأسود والأبيض، والجديد والبالي، فما خصَّ -عليه السلام- بعض ذلك دون بعض، ولو كان حكمُ ذلك في الدين يختلف؛ لما أغفله الله تعالى أن يوحي به، ولا أهمَله رسول الله - ﷺ - المفترض عليه البيان، حاشا له من ذلك، فصحَّ أنَّ حُكم المسمح على كلِّ حال، والمسح لا يقتضي الاستيعاب في اللغة التي بها خوطِبْنا. وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية في «اختياراته» (ص ١٣): ويجوز المسح على اللَّفائف في أحد الوجهين، حكاه ابن تميم وغيره، وعلى الخفِّ المخرَّق ما دام اسمه باقيًا والمشي فيه ممكنًا، وهو قديم قولَي الشافعي واختيار أبي البركات وغيره من العلماء. قلت: ونسبه الرَّافعي في «شرح الوجيز» (٢/ ٣٧٠) للأكثريَّة، واحتجَّ له بأنَّ القول بامتناع المسح يُضيِّق باب الرخصة، فوجب أن يمسح، ولقد أصاب -رحمه الله-«(٢) اهـ. وأخيرًا أقول: إِنَّ إِيراد هذه الاشتراطات التي ليست من الدين في شيء تجعلنا نردُّ رخصة الله علينا، وقد قال - ﷺ -:»إنَّ الله يحبُّ أن تؤتى رخصُه -------------- (١) مريم: ٦٤ (٢) «إِتمام النصح في أحكام المسح» (٨٤ - ٨٦). https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 161الى صــ 175 الحلقة (12) كما يكره أن تُؤتى معصيتُه» (١)! وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله-: «ومعلومٌ أنَّ الخفاف في العادة لا يخلو كثير منها عن فتقٍ أو خرقٍ، لا سيما مع تقادُم عهدها، وكان كثير من الصحابة فقراء، لم يكن يمكنهم تجديد ذلك. ولما سُئِل النّبيُّ - ﷺ - عن الصَّلاة في الثَّوب الواحد، فقال:»أوَ لكلِّكم ثوبان«(٢)؟! وهذا كما أنَّ ثيابهم كان يكثر فيها الفتق والخرق حتى يحتاج لترقيع؛ فكذلك الخفاف» (٣). وقال -رحمه الله-: «وكان مقتضى لفْظه أنَّ كلَّ خفٍّ يلبسه النَّاس ويمشون فيه؛ فلهم أن يمسحوا عليه، وإن كان مفتوحًا أو مخروقًا؛ من غير تحديد لمقدار ذلك؛ فإِنَّ التحديد لا بدَّ له من دليل» (٤). وقال -رحمه الله- أيضًا: «وأيضًا؛ فأصحاب النّبيّ - ﷺ - الذين بلَّغوا سنَّته وعملوا بها؛ لم يُنْقَل عن أحدٍ منهم تقييد الخفِّ بشيء من القيود، بل أطلقوا المسح على الخفّين، مع علمهم بالخفاف وأحوالها، فعُلم أنَّهم كانوا قد فهموا عن نبيِّهم جواز المسح على الخفّين مطلقًا. وأيضًا؛ فكثير من خفاف النّاس لا يخلو من فتق أو خرق يظهر منه بعض القدم، فلو لم يجز المسح عليها؛ بطل مقصود الرخصة، لا سيِّما والذين ----------------- (١) أخرجه أحمد وغيره، وسنده صحيح على شرط مسلم، وانظر»الإِرواء«(٥٦٤). (٢) أخرجه البخاري: ٣٥٨، ومسلم: ٥١٥، وغيرهما. (٣)»الفتاوى«(٢١/ ١٧٤). (٤)»الفتاوى" (٢١/ ١٧٤). يحتاجون إِلى لُبس ذلك هم المحتاجون» (١). وقال (ص١٨٣) (٢): «وإنْ قالوا بأنَّ المسح إِنَّما يكون على مستور أو مغطَّى ونحو ذلك؛ كانت هذه كلّها عبارات عن معنى واحد، وهو دعوى رأس المسألة بلا حُجَّة أصلًا، والشارع أمرَنا بالمسح على الخفّين مطلقًا، ولم يقيِّدْه، والقياس يقتضي أنَّه لا يقيَّد». وقال (ص٢١٢ و٢١٣) (٣): «... ولفظ الخفِّ يتناول ما فيه من الخرق وما لا خرق فيه، لا سيَّما والصحابة كان فيهم فقراء كثيرون، وكانوا يسافرون، وإذا كان كذلك؛ فلا بدَّ أن يكون في بعض خفافهم خروق، والمسافرون قد يتخرَّق خفُّ أحدهم، ولا يمكنه إِصلاحه في السَّفر، فإِن لم يجز المسح عليه؛ لم يحصل مقصود الرخصة» اهـ. ولو كان هناك استثناء أو منع؛ -لبيَّنه الشرع؛ كما هو شأن الأضحية-، فلمَّا لم يبلُغْنا شيء من هذا؛ دلَّ على أنَّ المسح يظلُّ على إِطلاقه، والمخرَّق جزء من هذا المطلق. خامسًا: المسح على اللفائف. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «... فإِنْ قيل: فيلزم من ذلك جواز المسح على اللفائف، وهو أن يلفَّ الرجل لفائف من البرد أو خوف الحفاء أو من جراح بهما ونحو ذلك. قيل: في هذا وجهان، وذكَرهما الحلواني، والصواب أنَّه يمسح على --------------------- (١)»الفتاوى«(٢١/ ١٧٥). (٢)»الفتاوى«المجلد (٢١). (٣)»الفتاوى" المجلد (٢١). اللفائف، وهي بالمسح أولى من الخفّ والجورب؛ فإِنَّ تلك اللفائف تستعمل للحاجة في العادة، وفي نزْعها ضرر: إِمَّا إِصابة البرد، وإمّا التأذِّي بالحفاء، وإِمّا التأذي بالجراح، فإِذا جاز المسح على الخفّين والجوربين؛ فعلى اللفائف بطريق الأولى«(١). سادسًا: أحكام تتعلَّق بالمسح على الخفَّين. ١ - خلْع الممسوح عليه هل ينقض الوضوء؛ قال شيخنا -حفظه الله تعالى-:»اختلف العلماء فيمن خلَع الخفَّ ونحوه بعد أن توضّأ ومسح عليه على ثلاث أقوال: الأوَّل: أنَّ وضوءه صحيح ولا شيء عليه. الثاني: أنَّ عليه غسل رجليه فقط. الثالث: أنَّ عليه إِعادة الوضوء. وبكلٍّ من هذه الأقوال قد قال به طائفة من السَّلف، وقد أخرج الآثار عنهم بذلك: عبد الرزاق في «المصنَّف» (١/ ٢١٠/٨٠٩ - ٨١٣)، وابن أبي شيبة (١/ ١٨٧ - ١٨٨)، والبيهقيّ (١/ ٢٨٩ - ٢٩٠). ولا شكَّ أنَّ القول الأول هو الأرجح؛ لأنَّه المناسب لكون المسح رخصة وتيسيرًا من الله، والقول بغيره ينافي ذلك؛ كما قال الرافعي في المسألة التي قبلها؛ كما تقدّم، ويترجّح على القولين الآخرين بمرجِّح آخر، بل مرجِّحين: ------------------------ (١) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٨٤ - ١٨٥). الأوَّل: أنَّه موافق لعمل الخليفة الراشد علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فقد قدَّمْنا بالسند الصحيح عنه: «أنَّه أحدث، ثمَّ توضّأ ومسَح على نعليه، ثمَّ خلعَهما، ثمَّ صلى». والآخر: موافقته للنَّظر الصحيح؛ فإِنَّه لو مسَح على رأسه، ثمَّ حلق؛ لم يجب عليه أن يُعيد المسح بله الوضوء. وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال في «اختياراته» (ص ١٥): «ولا ينتقض وضوء الماسح على الخفِّ والعمامة بنزعهما، ولا بانقضاء المدَّة، ولا يجب عليه مسح رأسه، ولا غسل قدميه، وهو مذهب الحسن البصريِّ؛ كإِزالة الشعر الممسوح على الصحيح من مذهب أحمد، وقول الجمهور». وهو مذهب ابن حزم أيضًا، فراجِع كلامه في ذلك ومناقشته لمن خالف؛ فإِنَّه نفيس. «المحلّى» (٢/ ١٠٥ - ١٠٩) (١) «اهـ. قال البخاري في»صحيحه«(٢):»وقال الحسن: إنْ أخذَ من شعره وأظفاره أو خلَعَ خفَّيه، فلا وضوء عليه«. ---------------------- (١)»إِتمام النصح في أحكام المسح«(٨٦ - ٨٨). (٢) (كتاب الوضوء) (١/ ٥٥). قال الحافظ في»الفتح«(١/ ٢٨١):»التعليق عنه -أي؛ الحسن- للمسألة الأولى: وصَله سعيد بن منصور وابن المنذر بإِسناد صحيح"، وتقدّم في (باب ما يظن أنَّه ينقض الوضوء). ونقَل ابن المنذر الإِجماع على ذلك (١). ٢ - انتهاء مدَّة المسح هل ينقض الوضوء؟ قال شيخنا -حفظه الله تعالى-:»للعلماء في ذلك أقوال، أشهرها قولان في مذهب الشافعي: الأوَّل: يجب استئناف الوضوء. الثاني: يكفيه غَسل القدمين. والثالث: لا شيء عليه، بل طهارته صحيحة، يصلّي بها ما لم يُحْدث. قاله النَّووي -رحمه الله-. قلت: وهذا القول الثالث أقواها، وهو الذي اختاره النَّووىِ، خلافًا لمذهبه، فقال -رحمه الله- (١/ ٥٢٧): وهذا المذهب حكاه ابن المنذر عن الحسن البصريِّ وقَتادة وسليمان بن حرب، واختاره ابن المنذر، وهو المختار الأقوى، وحكاه أصحابنا عن داود. قلت: وحكاه الشعراني في «الميزان» (١/ ١٥٠) عن الإِمام مالك، وحكى النَّووي عنه غيره؛ فليحقَّق، وهو الذي ذهب إِليه شيخ الإِسلام ابن تيمية كما تراه في كلامه السابق في المسألة الثالثة (ص٩٢) تبعًا لابن حزم، وذكر هذا في القائلين به إِبراهيم النخعي وابن أبي ليلى. ثمَّ قال (٢/ ٩٤): وهذا هو القول الذي لا يجوز غيره؛ لأنَّه ليس في شيء ---------------- (١) انظر «الفتح» (كتاب الوضوء، تحت باب ٣٤)، وتقدّم أيضًا في نفس الباب السابق. من كتب الأخبار أنَّ الطَّهارة تنتقض عن أعضاء الوضوء، ولا عن بعضها، بانقضاء وقت المسح، وإِنَّما نهى -عليه السلام- عن أن يمسح أحدٌ أكثر من ثلاث للمسافر أو يوم وليلة للمقيم، فمن قال غير هذا؛ فقد أقحم في الخبر ما ليس فيه، وقوَّل رسول الله - ﷺ - ما لم يقل، فمن فعل ذلك واهمًا؛ فلا شيء عليه، ومن فعَل ذلك عامدًا بعد قيام الحجة عليه؛ فقد أتى كبيرة من الكبائر، والطهارة لا ينقضها إلاَّ الحدث، وهذا قد صحّت طهارته ولم يُحْدِث، فهو طاهر، والطاهر يصلّي ما لم يُحْدِث أو ما لم يأت نصٌّ جليٌّ فيِ أنَّ طهارته انتقضت وإِنْ لم يُحدِث، وهذا الذي انقضى وقت مسْحه لم يُحْدِث ولا جاء نصٌّ في أنَّ طهارته انتقضت؛ لا عن بعض أعضائه، ولا عن جميعها؛ فهو طاهرٌ يصلِّي حتى يُحْدِث، فيخلع خفَّيه حينئذ، وما على قدميه، ويتوضّأ، ثمَّ يستأنف المسح توقيتًا آخر، وهكذا أبدًا. وبالله تعالى التوفيق» (١). ٣ - هل تنْزَع الخفاف من جنابة؛ نعم؛ تُنْزَع؛ لحديث صفوان بن عسَّال، قال: «كان رسول الله - ﷺ - يأمُرُنا إِذا كنَّا سَفْرًا أن لا ننزِعَ خفافنا ثلاثة أيام ولياليهنَّ؛ إلاَّ من جنابة، ولكنْ من غائط وبول ونوم» (٢). ٤ - اللبس على طهارة شرطٌ للمسح. لحديث المغيرة -رضي الله عنه- قال: «كنتُ مع النّبيّ - ﷺ - في سفرٍ، --------------------- (١)»تمام النصح في أحكام المسح" (ص٩٢ و٩٣). (٢) أخرجه مسلم: ٢٧٦، وغيره، وتقدم. فأهويْتُ لأنزعَ خفَّيه، فقال:»دعْهُما؛ فإِنِّي أدخلتُهما طاهرتين«، فمسح عليهما» (١). ٥ - محلُّ المسح. يمسح على ظهر الخفَّين أو النعلين أو الجوربين، ويجوز مسح أيِّ جزء تُغْسَل فيه القدم خلا أسفلها (٢). عن المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه-: «أنَّ رسول الله - ﷺ -: كان يمسح على الخُفَّين»، وقال: «على ظهر الخُفَّين» (٣). وعن علي -رضي الله عنه- قال: «لو كان الدِّين بالرَّأي لكان أسفل الخُفِّ أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت النّبيّ - ﷺ - يمسح على ظاهر خُفَّيْه» (٤). ٦ - مدَّة المسح، ومتى تبدأ؟ مدّة المسح ثلاثة أيام ولياليهنَّ للمسافر، ويوم وليلة للمقيم. عن شُريح بن هانئ؛ قال: أتيتُ عائشة أسألها عن المسح على الخفَّين؟ فقالت: عليك بابن أبي طالب؛ فسَلهُ؛ فإِنَّه كان يسافر مع رسول الله - ﷺ -. فسألناه؛ فقال: «جَعَلَ رسول الله - ﷺ - ثلاثة أيَّام ولياليهنَّ للمسافر، ويومًا --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٢٠٦، ومسلم: ٢٧٤ نحوه، وغيرهما، وتقدّم. (٢) العبارة الأخيرة استفدتها من شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى-. (٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٤٦) وغيره وانظر»الإرواء«(١٠١). (٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٤٧)، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، وغيرهم. وصحّح الحافظ إِسناده في»التلخيص«. وانظر»الإِرواء" (١٠٣). وليلةً للمقيم» (١). وعن خُزيمة بن ثابت عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: «المسح على الخُفَّين للمسافر ثلاثة أيَّام، وللمقيم يوم وليلة» (٢). وعن صفوان بن عسَّال؛ قال: «كان رسول الله - ﷺ - يأمرُنا إِذا كُنَّا سَفْرًا أن لا ننزعَ خفافنا ثلاثة أيَّام ولياليهنَّ؛ إلاَّ من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم» (٣). قال أبو عيسى التِّرمذي: «وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النّبيّ - ﷺ - والتابعين ومَن بعدهم من الفقهاء؛ مثل: سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإِسحاق؛ قالوا: يمسح المقيم يومًا وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهنَّ». ويبدأ التوقيت من المسح بعد الحدث على القول الراجح. قال شيخنا -حفظه الله تعالى-: «... فالأحاديث الصحيحه التي رواها جمع من الصحابة في»صحيح مسلم«والسنن الأربعة والمسانيد وغيرها؛ ففيها أنَّ النّبيّ - ﷺ -: أمر بالمسح، وفي بعضها: رخَّص في المسح، وفي غيرها: جَعَل المسح للمقيم يومًا وليلة، وللمسافر ثلاثةٌ أيام ولياليهن، ومن ------------------------- (١) أخرجه مسلم: ٢٧٦ (٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٤٢)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٨٣)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٤٤٨)، وانظر»المسح على الجوربين«(ص ٨٨). (٣) أخرجه أحمد، وهو في»صحيح سنن الترمذي«(٨٤)، و»صحيح سنن النسائي«(١٢٢)، و»الإِرواء" (١٠٤)، وتقدم. الواضح جدًّا أنَّ الحديث كالنَّصِّ على ابتداء مدة المسح من مباشرة المسح، وهو كالنصٍّ أيضًا على ردِّ القول الأوَّل؛ لأنَّ مقتضاه -كما نصُّوا عليه في الفروع- أنَّ من صلَّى الفجر قبيل طلوع الشمس، ثمَّ أحدث عند الفجر من اليوم الثاني، فتوضّأ ومسح لأوَّل مرة لصلاة الفجر؛ فليس له المسح بعدها! فهل يصدق على مثل هذا أنَّه مسح يومًا وليلة؟! أمَّا على القول الثاني الرَّاجح؛ فله أن يمسح إِلى قبيل الفجر من اليوم الثالث، بل لقد قالوا أغرب ممَّا ذكرنا: فلو أحدث ولم يمسح حتى مضى من بعد الحدث يوم وليلة أو ثلاثة إِن كان مسافرًا؛ انقضت المدَّة، ولم يجُز المسح بعد ذلك حتّى يستأنف لبسًا على طهارة، فحرموه من الانتفاع بهذه الرخصة؛ بناء على هذا الرأي المخالف للسنَّة! ولذلك لم يسَع الإِمام النَّوويّ إلاَّ أن يخالف مذهبه -وهو الحريص على أنْ لا يخالفه ما وجد إِلى ذلك سبيلًا- لقوَّة الدَّليل، فقال -رحمه الله تعالى- بعد أن حكى القول الأوَّل ومن قال به (١/ ٤٨٧)؛ قال: وقال الأوزاعي وأبو ثور: ابتداء المدَّة من حين يمسح بعد الحدث، وهو رواية عن أحمد وداود، وهو المختار الراجح دليلًا، واختاره ابن المنذر، وحكى نحوه عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وحكى الماورديُّ والشاشيُّ عن الحسن البصريِّ أنَّ ابتداءها من اللبس«(١). وقال شيخنا -حفظه الله تعالى-:».. روى عبد الرزاق في «المصنَّف» (١/ ٢٠٩/٨٠٧) عن أبي عثمان النَّهدي؛ قال: «حضرتُ سعدًا وابن عمر يختصمان إِلى عمر في المسح على الخفَّين، فقال عمر: يمسح عليهما إِلى ------------------------ (١)»تمام النصح" (٨٩ و٩٠). مِثل ساعته من يومه وليلته. قلت: وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وهو صريح في أنَّ المسح يبتدئ من ساعة إِجرائه على الخفِّ إِلى مثلها من اليوم والليلة، وهو ظاهر كلِّ الآثار المرويَّة عن الصحابة في مدَّة المسح فيما عَلِمنا» (١). هل يشرع المسْح على الجبيرة ونحوها؟ قال البيهقي: لا يثبت عن النّبيّ - ﷺ - في هذا الباب شيء يعني باب المسح على العصائب والجبائر. قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلى» (٢/ ١٠٣) (مسألة ٢٠٩): «ومن كان على ذراعيه أو أصابعه أو رجليه جبائر أو دواء ملصق لضرورة؛ فليس عليه أن يمسح على شيء من ذلك؛ وقد سقط حُكم ذلك المكان؛ فإِن سقط شيء من ذلك بعد تمام الوضوء؛ فليس عليه إِمساس ذلك المكان بالماء؛ وهو على طهارته ما لم يحدث -: برهان ذلك-: قول الله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إِلاَّ وسعها﴾ (٢) وقول رسول الله - ﷺ -:»إِذا أمرتكم بأمر فأْتوا منه ما استطعتم؟ «(٣). فسقط بالقرآن والسنّة كل ما عجز عنه المرء، وكان التعويض منه شرعًا، والشرع لا يلزم إلاَّ بقرآن أو سنّة، ولم يأت قرآن ولا سنّة بتعويض المسح على الجبائر والدواء من غسل ما لا يقدر على غسله، فسقط القول بذلك». ---------------------- (١) «تمام النصح» (٩١ و٩٢). (٢) البقرة: ٢٨٦ (٣) أخرجه البخاري: ٧٢٨٨، ومسلم: ١٣٣٧ ثمَّ بيَّن ضعف بعض الأحاديث التي ذُكرت في الموضوع، وأجاب عن أثر ابن عمر المتقدّم بأنّه فِعْل منه لا إِيجابًا بالمسح، وقد صحّ عنه أنّه كان يُدخل الماء في باطن عينيه في الوضوء والغُسل ولا يشرع ذلك، فضلًا عن أن يكون فرضًا (١). وسألتُ شيخنا -حفظه الله- عن هذا فقال: «نعم، ونزيد أنّه قد ثبت المسح على الجبيرة عن بعض الصحابة، وإنْ كنّا لا نتبنّى ذلك لِما سبق؛ فلا نحجّر على الناس أن يفعلوا ذلك». قلت: «من باب احترام الرأي!، فقال -حفظه الله-: نعم». -------------------- (١) انظر «تمام المنة» (ص١٣٤)، و«الإرواء» (١/ ١٤٢). الغُسل الغُسل -بضم الغين المعجمة-: اسم للاغتسال، وهو تعميم البدن بالماء. وقال الحافظ في «الفتح»: «وحقيقة الاغتسال غَسْل جميع الأعضاء، مع تمييز ما للعبادة عمَّا للعادة بالنيَّة». قال الله تعالى: ﴿وإِنْ كُنْتمْ جُنُبًا (١) فاطَهَّروا﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿يا أَيّها الذين آمنوا لا تقربوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكَارى حتَّى تَعْلَموا ما تقولونَ ولا جُنبًا إِلاَّ عابري سبيلٍ حتَّى تغْتَسلوا﴾ (٣). ------------------ (١) قال في «النهاية»: «الجُنُب: الذي يجب عليه الغُسل بالجماع وخروج المنيّ ...». (٢) المائدة: بعض الآية: ٦ (٣) النساء: ٤٣، قال الحافظ في «الفتح»: «قال الكرماني: غرضُه [أي: البخارى -رحمه الله-] بيان أن وجوب الغسل على الجُنُب مستفاد من القرآن. قلت: وقدَّم الآية [أي: ﴿وإِن كنتم جُنُبًا فاطهروا﴾] التي من سورة المائدة على الآية [أي: [يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة ...﴾ الآية] التي من سورة النساء لدقيقة، وهي أنَّ لفظ التي في المائدة: ﴿فاطَّهَّروا﴾؛ ففيها إِجمال، ولفظ التي فى النساء: ﴿حتى تغتسلوا﴾؛ ففيها تصريح بالاغتسال، وبيان للتّطهير المذكور، ودلَّ على أنَّ المراد بقوله تعالى: ﴿فاطهروا﴾: فاغتسلوا، قوله تعالى في الحائض: ﴿ولا تقربوهنّ حتى يَطْهُرْن فإِذا تَطَهَّرْن﴾؛ أي: اغتسلن اتفاقًا». موجبات الغُسْل أولًا: خروج المنيِّ بدفق -سواء كان في النَّوم أو اليقظة- من ذكر أو أنثى: لِما ثَبَتَ عن أمِّ سلمة أمِّ المؤمنين -رضي الله عنها-: أنها قالت: جاءت أمّ سُليم امرأة أبي طلحة إِلى رسول الله - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله! إِنَّ الله لا يستحيي من الحقِّ (١)؛ هل على المرأة من غُسل إِذا هي احتلمتْ؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «نعم؛ إِذا رأت الماء» (٢). ولحديث عليّ -رضي الله عنه-: «إِذا رأيتَ المذي؛ فاغسل ذكَرك وتوضأ وضوءك للصّلاة، فإِذا فَضَخْتَ (٣) الماء؛ فاغتسل» (٤). قال ابن قُدامة -رحمه الله-: «فخروج المنيِّ الدافق بشهوة يوجب الغسل من الرجل والمرأة في يقظة أو في نوم، وهو قول عامَّة الفقهاء، قال التِّرمذي، ولا نعلم فيه خلافًا» (٥). ومنيُّ الرجل غليظ أبيض، أمَّا منيُّ المرأة؛ فرقيق أصفر؛ لقوله - ﷺ -: «إِنَّ -------------------- (١) قال في»الفتح«:»قدَّمت هذا القول، تمهيدًا لعُذرها في ذِكر ما يستحيى منه«. (٢) أخرجه البخاري: ٢٨٢، ومسلم: ٣١٣، وغيرهما. (٣) فضْخ الماء: دفْقه وخروجه على وجه الشدّة. (٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٩٠)، وغيره، وانظر»الإِرواء«(١٢٥). (٥)»المغني" (١/ ١٩٧/ باب ما يوجب الغُسل). ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر ...» (١). ويستفاد من الحديثين المتقدِّمين: عدم وجوب الغُسل على من احتلَمَ ولم يجد منيًّا؛ من ذكر أو أنثى. فقد سألتْ زوجُ أبي طلحة رسولَ الله - ﷺ -: «هل على المرأة من غُسل إِذا هي احتلمتْ؟». فقال رسول الله - ﷺ -: «نعم؛ إِذا رأتِ الماء». فقيَّد - ﷺ - الاغتسال برؤيتها الماء، فإِنْ لم ترَ؛ فلا اغتسال عليها. وفي حديث عليّ -رضي الله عنه-: «إِذا فَضَخْتَ الماء؛ فاغْتَسلْ». فإِذا لم تفضخ الماء؛ فلا اغتسال إِذن. كما يُستفاد من ذلك وجوب الاغتسال، ولو لم يذكر الاحتلام؛ لأنَّ تعليق الاغتسال في الحديثين السابقين كان برؤية الماء وفضْخه؛ كما هو بيِّن. وقد جاء هذا صريحًا في حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: سُئل رسول الله - ﷺ - عن الرجل يجد البَلَل ولا يذكر احتلامًا؟ قال: «يغتسل». وعن الرجل يرى أنَّه قد احتلم ولا يجد البلل؟ قال: «لا غُسل عليه». فقالت أمُّ سُليم: المرأة ترى ذلك؛ أعليها غُسل؟ قال: «نعم: إِنَّما النِّساء شقائق الرِّجال» (٢). ------------------ (١) أخرجه مسلم: ٣١٢ (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢١٦) التحقيق الثاني، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٤٩٦)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩٨)، وانظر «المشكاة» (٤٤١). خُلاصة لما سبق: ١ - إِذا احتلم ولم يجد منيًّا؛ فلا غُسل عليه. ٢ - إِذا استيقظ من نومه، ووجد بللًا، ولم يذكر احتلامًا؛ فعليه، الغُسل. ٣ - إِذا جامع فعليه الاغتسال؛ أنزَل أو لم يُنْزِل. ٤ - الرجل والمرأة في كل ذلك سواء. ثانيًا: التقاء الختانين: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِذا جلسَ بين شُعَبِها (١) الأربع، ثمَّ جَهَدَها (٢)؛ فقد وجب الغُسل» (٣). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا جَلَسَ بين ----------------- (١) قاله في»النهاية«:»هي اليدان والرّجلان، وقيل: الرجلان والشُّفران، فكنى بذلك عن الإِيلاج«. والشُّفران: طرف الناحيتين. وجاء في»الفتح«:»والشُّعَب: جمع شُعبة، وهي القطعة من الشيء. قيل: المراد هنا يداها ورجلاها، وقيل: رجلاها وفخذاها وقيل: ساقاها وفخذاها، وقيل: فخذاها واسكتاها، وقيل: فخذاها وشُفراها، وقيل: نواحي فرجها الأربع". والاسكتان: ناحيتا الفرج. (٢) أي: بلغ المشقَّة، قيل: معناها كدّها بحركته، أو بلَغ جهده في العمل بها. (٣) أخرجه البخاري: ٢٩١، ومسلم: ٣٤٨ https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 176الى صــ 190 الحلقة (13) شُعَبها الأربع، ومسَّ الخِتانُ الخِتان (١)؛ فقد وجب الغُسل» (٢). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا التقى الختانان، وتوارت الحَشَفة (٣)؛ فقد وجب الغُسل» (٤) وعن حبيب بن شهاب عن أبيه؛ قال: «سألتُ أبا هريرة: ما يوجب الغُسل؟ فقال: إِذا غابَتِ المُدَّورة» (٥). قال النَّوويُّ في «المجموع» (٢/ ١٣٣): «وجوب الغُسل وجميع الأحكام المتعلِّقة بالجماع يُشتَرَط فيها تغييب الحشفة بكمالها في الفرج، ولا يُشترَط زيادة على الحشفة، ولا يتعلَّق ببعض الحشفة وحده شيء من الأحكام». انتهى. وهذا لأنَّه بأقلَّ من الحشفة لا يمسُّ الخِتان الخِتان. -------------------- (١) قال النووي: «وقال العلماء: معناه: غيَّبْتَ ذكَرك في فرجها ...». والختانان: هما موضع القطع من ذكَر الغلام وفرج الجارية. «النهاية». وجاء في «شرح متنقى الأخبار» (١/ ٢٧٨): «الختان: المراد به هنا موضع الختن، والخَتْن في المرأة: قطع جلدة في أعلى الفرج، مجاورة لمخرج البول، كعُرف الدِّيك، ويسمّى الخفاض». (٢) أخرجه مسلم: ٣٤٩، وفي بعض الروايات: «وألزق الخِتان بالخِتان»، و«صحيح سنن أبي داود» (٢٠٠). (٣) أي: رأس الذكَر. (٤) أخرجه أحمد وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٤٩٥)، وانظر «الصحيحة» تحت الحديث (١٢٦١). (٥) وإسناده صحيح كما قال شيخنا في «الصحيحة» تحت الحديث (١٢٦١). وجاء في «سبل السلام» (١/ ١٥١): «قال الشافعي: إِنَّ كلام العرب يقتضي أنَّ الجنابة تُطلق بالحقيقة على الجماع، وإِن لم يكن فيه إِنزال؛ فإِنَّ كلَّ من خوطب بأنَّ فلانًا أجنبَ عن فلانة؛ عَقَلَ أنَّه أصابها، وإِن لم يُنْزِل. ولم يُخْتَلَف أنَّ الزِّنى الذي يجب به الجلد هو الجماع، ولو لم يكن منه إِنزال». ثمَّ قال -رحمه الله- بعد ذلك: «فتعاضد الكتاب والسنَّة على إِيجاب الغسل من الإِيلاج». وكان جماعة من الصحابة -رضي الله عنهم- يرون أنَّ الغُسل لا يجب إلاَّ من إِنزال؛ لحديث أبي سعيد الخُدري -رضي الله عنه- قال: خرجتُ مع رسول الله - ﷺ - يوم الاثنين إِلى قُباء، حتى إِذا كنَّا في بني سالم؛ وقف رسول الله - ﷺ - على باب عِتبان فصرخ به، فخرج يجرُّ إِزاره، فقال رسول الله - ﷺ -: «أعْجَلْنا (١) الرجل». فقال عِتبان: يا رسول الله! أرأيت الرَّجل يُعْجَل عن امرأته ولم يُمْنِ؛ ماذا عليه؟ قال رسول الله - ﷺ -: «إِنَّما الماء من الماء» (٢). غير أنَّ هذا الحديث نُسخ؛ لما نصَّ عليه أهل العلم. فعن أُبيّ بن كعب -رضي الله عنه- قال: «إِنَّ الفُتيا التي كانوا يُفتون أنَّ ------------------------ (١) أي: حمَلناه على أن يعَجل من فوق امرأته قبل فراغ حاجته من الجماع. (٢) أخرجه مسلم: ٣٤٣، وأصله في البخاري: ١٨٠، ومعنى الماء من الماء:»أي: الاغتسال من الإِنزال، فالماء الأول معروف، والثاني المني، وفيه من البديع الجناسى التامّ«،»سبل السلام" (١/ ١٤٨). الماء من الماء؛ كانت رخصة رخَّصها رسول الله - ﷺ - في بدء الإِسلام، ثمَّ أمر بالاغتسال بعد» (١). قال النَّووي -رحمه الله- في «شرحه» (٤/ ٣٦): «اعلم أنَّ الأمَّة مجتمعة الآن على وجوب الغُسل بالجماع، وإِن لم يكن معه إِنزال، وعلى وجوبه بالإِنزال، وكان جماعة من الصحابة على أنَّه لا يجب إلاَّ بالإِنزال، ثمَّ رجعَ بعضهم، وانعقد الإِجماع بعدُ بآخرين». ثالثًا: انقطاع الحيض والنِّفاس: لقول الله تعالى: ﴿ويَسْألونَكَ عن المحيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فاعْتَزِلوا النِّساءَ في المحيضِ ولا تَقرَبوهُنَّ حتَّى يَطْهُرْنَ فإِذا تَطَهَّرْنَ فأتُوهُنَّ من حيثُ أَمَرَكُمُ الله إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابينَ ويُحبُّ المُتَطَهِّرينَ﴾ (٢). ولحديث فاطمة بنت أبي حُبيش -رضي الله عنها-: كانت تُستحاض، فسأَلَت النبيّ - ﷺ -؛ فقال: «ذلك عِرق وليست بالحيضة، فإِذا أقبَلت الحيضةُ؛ فدعي الصَّلاة، وإِذا أدبرتْ؛ فاغتسلي وصلِّي» (٣). وقد سمَّى رسول الله - ﷺ - الحيض نفاسًا؛ كما في حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - لا نذكرُ إلاَّ الحجَّ، حتى جِئْنا -------------------- (١) أخرجه أحمد، وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٩٩)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩٦)، وهو في «صحيح ابن خزيمة» (٢٢٥)، وانظر «المشكاة» (٤٤٨). (٢) البقرة: ٢٢٢ (٣) أخرجه البخاري: ٣٢٠، ومسلم: ٣٣٤، وغيرهما. سَرِفَ (١)، فطَمِثْتُ (٢)، فدخل عليَّ رسول الله - ﷺ - وأنا أبكي، فقال: «ما يُبكيِكِ؟». فقلتُ: واللهِ؛ لودِدْتُ أنِّي لم أكن خرَجْتُ العام. قال: «ما لكِ؟ لعلَّكِ نَفسْتِ؟». قلتُ: نعم (٣) .. وقالَ ابن حزم: «والنُّفساء والحائض شيء واحد»، وأشار إِلى الحديث السابق وغيره (٤). رابعًا: الموت (٥): لحديث ابن عبَّاس -رضي الله عنهما- قال: «بينما رجل واقف بعرفة، إِذ وقعَ عن راحلته، فوَقَصَتْهُ (٦)، أو قال: فأقعَصَتْهُ (٧)، فقال النّبيّ - ﷺ -: اغسلوه بماء وسدْر ...» (٨). ولحديث أمِّ عطيَّة -رضي الله عنها- قالت: دَخَلَ علينا رسول الله - ﷺ - حين تُوُفِّيت ابنتُه، فقال: «اغْسِلْنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك -إِن -------------------- (١) هو ما بين مكة والمدينة. (٢) أي: حِضْتُ. (٣) أخرجه مسلم: ١٢١١ (٤) انظر»المحلَّى«(المسألة ١٨٤). (٥) قال في»الدراري المضيَّة«(١/ ٧٠):»يجب على الأحياء، إِذ لا وجوب بعد الموت من الواجبات المتعلقة بالبدن«. (٦) الوقص: كسْر العنُق. (٧) القعص: أن يُضرب الإنسان فيُقتل قتلًا سريعًا مكانه، وانظر»النهاية". (٨) أخرجه البخاري: ١٢٦٦، ومسلم: ١٢٠٦، وغيرهما. رأيتنَّ- بماءٍ وسِدْر ...» (١). قال ابن المنذر: «وأجمعوا أنَّ الميِّت يُغسَّل غُسْل الجنابة» (٢). خامسًا: الكافر إِذا أسلم: لحديث قيس بن عاصم: «أنَّه أسلم، فأمره النّبيّ - ﷺ - أن يغتسلَ بماء وسدر» (٣). وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في قصَّة ثمامة بن أُثال عندما أسلم: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - أمَره أن يغتسل» (٤). سادسًا: غُسل الجُمُعة: عن أبي سعيد الخُدري -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «غُسْل يوم الجُمُعة واجبٌ على كلِّ محتلم» (٥). قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٣٥٧): «وهو بمعنى اللزوم قطعًا». ---------------------- (١) أخرجه البخارى: ١٢٥٣، ومسلم: ٩٣٩، وغيرهما، وتقدّم. (٢) «الإِجماع» (ص ٤٢). (٣) أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي وهو في «صحيح سنن النسائي» (١٨٢)، وغيرهم. وانظر «الإِرواء» (١٢٨). (٤) أخرجه البيهقيّ. وقال شيخنا في «الإِرواء» (١٢٨): «وهذا سند صحيح على شرط الشيخين ...». (٥) أخرجه البخاري: ٨٧٩، ومسلم: ٨٤٦، وغيرهما. وفي رواية (١): «قال عمرو (٢): أما الغُسل؛ فأشهد أنَّه واجب، وأمَّا الاستنان والطيب؛ فالله أعلم ...». وفي الحديث: «... إِذا جاء أحدُكم الجمعة؛ فليغتسل» (٣). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «لله تعالى على كلِّ مسللِ حقٌّ أن يغتسل في كلِّ سبعة أيام يومًا» (٤). وعن سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أنَّ عمر ابن الخطاب بينما هو قائمٌ في الخطبة يوم الجمعة؛ إِذ دخل رجلٌ من المهاجرين الأوَّلين من أصحاب النّبيّ - ﷺ -، فناداه عمر: أيَّةُ ساعةٍ هذه؟! قال: إِنِّي شُغِلْتُ، فلم أنْقَلِبْ إِلى أهلي حتى سمِعْتُ التَّأذين، فلم أزِدْ أن توضّأت. فقال: والوضوء أيضًا! وقد عَلِمْتَ أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يأمُرُ بالغُسْل» (٥). «وحكى ابن المنذر عن إِسحاق بن راهويه أنَّ قصَّة عمر وعثمان تدلُّ على وجوب الغسل، لا عدم وجوبه، من جهة تَرْك عمر الخطبة، واشتغاله بمعاتبة عثمان، وتوبيخ مِثله على رؤوس الناس، فلو كان ترْك الغسل مباحًا؛ لما فعل --------------------- (١) البخاري: ٨٨٠ (٢) هو عمرو بن سليم الأنصاري الراوي عن أبي سعيد الخدري. (٣) أخرجه البخاري: ٨٧٧، ومسلم: ٨٤٤ (٤) أخرجه البخاري: ٨٩٨، ومسلم: ٨٤٩، وغيرهما، قال ابن دقيق العيد في»إِحكام الأحكام" (١/ ٣٣١): الحديث صريح في الأمر بالغُسل للجمعة، وظاهر الأمر الوجوب، وقد جاء مُصرَّحًا به بلفظ الوجوب في حديث آخر ... (٥) أخرجه البخاري: ٨٧٨، ومسلم: ٨٤٥ عمر ذلك، وإِنَّما لم يرجع عثمان للغسل لضيق الوقت، إِذ لو فعل؛ لفاتته الجمعة، أو لكونه كان اغتسل كما تقدَّم«(١). قال في»نيل الأوطار«(١/ ٢٩٢):»ولعلَّ النَّووي ومن معه ظنّوا أنَّه لو كان الاغتسال واجبًا؛ لنزل عمر عن منبره، وأخذ بيد ذلك الصَّحابي، وذهب به إِلى المغتسل، أو لقال له: لا تقِفْ في هذا الجمع، أو: اذهب فاغتسل فإِننا سننظرك ...، أو ما أشبه ذلك، ومِثل هذا لا يجب على من رأى الإِخلال بواجب من واجبات الشريعة، وغاية ما كُلِّفنا به في الإِنكار على من ترك واجبًا هو ما فعَله عمر في هذه الواقعة، على أنَّه يُحتمل أن يكون قد اغتسل في أوَّل النَّهار، كما قال الحافظ في «الفتح»«. ثمَّ ذكر ابن حزم -رحمه الله- في»المحلّى«(٢/ ٢١) حديث مسلم (٢٣١) عن حُمران بن أبان؛ قال:»كنت أضع لعثمان طهوره، فما آتي عليه يومٌ؛ إلاَّ وهو يُفيض، عليه نُطفة (٢)«. ثمَّ قال:»فقد ثبت بأصحِّ إِسناد أنَّ عثمان كان يغتسل كلَّ يوم، فيوم الجمعة يوم من الأيَّام بلا شكٍّ ...«. وجاء في»نيل الأوطار«(١/ ٢٩٠):»... قال النَّووي: فحُكي وجوبه عن طائفة من السلف، حكوه عن بعض الصحابة، وبه قال أهل الظاهر. وحكاه ابن المنذر عن مالك، وحكاه الخطَّابي عن الحسن البصري -------------- (١) «الفتح» (٢/ ٣٦٢)، وغيره. (٢) قال النووي: «النُّطفة؛ بضم النون: وهي الماء القليل ومراده: لم يكن يمرُّ عليه يوم إلاَّ اغتسل»، وفي «النهاية»: سمّي المنيّ نُطفة لقلّته. ومالك، وحكاه ابن المنذر أيضًا عن أبي هريرة وعمَّار وغيرهما. وحكاه ابن حزم عن عمر وجمع من الصحابة ومن بعدهم، وحُكي عن ابن خزيمة، وحكاه شارح الغنية لابن سريج قَوْلًا للشافعي ...». وقال: «وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف وفقهاء الأمصار إِلى أنَه مستحبٌّ» (١). وعن عبد الله بن أبي قتادة؛ قال دخل عليَّ أبي وأنا أغتسل يوم الجمعة، فقال: غُسلك هذا من جنابة أو للجمعة؛ قلت: من جنابة. قال: أعِد غُسلًا آخر؛ إِنّي سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «من اغتسل يوم الجمعة؛ كان في طهارة إِلى الجمعة الأخرى» (٢). واحتجَّ من رأى عدم وجوب الغسل بحديث مسلم (٨٥٧): «من توضّأ فأحسن الوضوء، ثمَّ أتى الجمعة، فاستمع، وأنصت؛ غُفِر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيَّام، ومن مسَّ الحصى؛ فقد لغا». وعدُّوه من أقوى الأدلة على الاستحباب؛ كما في «التَّلخيص الحبير» ----------------- (١) «نيل الأوطار» (١/ ٢٩٠). وانظر ما قاله في «المحلّى» (٢/ ٢٣ - ٢٥) حول قصة عمر وعثمان -رضي الله عنهما-. وممّا قاله -رحمه الله-: «... فصحَّ ذلك الخبر حُجَّة لنا وإجماعًا من الصحابة -رضي الله عنهم- إِذ لم يكن فيهم آخر يقول لعمر: ليس ذلك عليه واجبًا». (٢) أخرجه الطبراني في «الأوسط»، وإسناده قريب من الحسن؛ قاله شيخنا في «صحيح الترغيب والترهيب» (٧٠٣). وأخرجه ابن خزيمة في «صحيحه»، وانظر «الصحيحة» (٢٣٢١). وذكَر الحافظ في «الفتح» (٢/ ٣٦١) أنَّ الطحاوي أخرجه. لابن حجر. قال في «الفتح» (٢/ ٣٦٢): «ليس فيه نفي الغُسل، وقد ورد من وجه آخر في»الصحيحين«بلفظ:»من اغتسل«؛ فيحتمل أن يكون ذِكر الوضوء لمن تقدَّم غُسله على الذّهاب، فاحتاج إِلى إِعادة الوضوء». قلت: وفي المعنى الذي أشار إِليه الحافظ أحاديث: ١ - ما رواه البخاري (٩١٠) من حديث سلمان الفارسي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من اغتسل يوم الجمعة، وتطهَّرَ بما استطاع من طُهرٍ، ثمَّ ادَّهن أو مسَّ من طيب، ثمَّ راح، فلم يفرِّق بين اثنين، فصلَّى ما كُتبَ له، ثمَّ إِذا خرج الإِمام أنصت؛ غُفِرَ له ما بينه وبين الجُمُعة الأخرى». ٢ - ما رواه مسلم في «صحيحه» (٨٥٧) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: «من اغتسل، ثمَّ أتى الجُمُعة، فصلَّى ما قُدِّر له، ثمَّ أنصتَ حتى يفرُغ من خُطبته، ثمَّ يصلِّي معه؛ غفِرَ له ما بينه وبين الجُمُعة الأخرى، وفَضْل ثلاثة أيام». ٣ - ما رواه ابن خزيمة في «صحيحه» (١٧٦٣) من حديث أبي ذرّ - رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «من اغتسل يوم الجمعة، فأحسن الغسل، ثمَّ لَبِس من صالح ثيابه، ثمَّ مسَّ من دهن بيته ما كتبَ الله له، أو من طيبه، ثمَّ لم يفرِّق بين اثنين؛ كفَّر الله عنه ما بينه وبين الجمعة قبلها». قال سعيدٌ (١): "فذكرتُها لعمارة بن عمرو بن حزم؛ قال: صدق، وزيادة -------------------- (١) هو سعيد المقبري؛ أحد رواة الحديث. ثلاثة أيّام» (١). ٤ - ما رواه أبو داود (٢) وغيره، عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة -رضي الله عنهما- قالا: قال رسول الله - ﷺ -: «من اغتسل يوم الجمعة، ولَبِس من أحسن ثيابه، ومسَّ من طيب إِنْ كان عنده، ثمَّ أتى الجمعة، فلم يتخطَّ أعناق النَّاس، ثمَّ صلَّى ما كتَب الله له، ثمَّ أنصتَ إِذا خرج إِمامُه حتى يفرغَ من صلاته؛ كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها». قال ويقول أبو هريرة: «وزيادة ثلاثة أيّام»، ويقول: «إِنَّ الحسنة بعشر أمثالها». واحتجُّوا أيضًا باستحبابه بما ثبت عن عكرمة: أنَّ أُناسًا من أهل العراق جاؤوا فقالوا: يا ابن عبّاس! أترى الغُسل يوم الجمعة واجبًا؛ قال: لا، ولكنّه أطهر وخيرٌ لمن اغتسل، ومن لم يغتسل؛ فليس عليه بواجب، وسأخبركم كيف بدأ الغُسل: كان الناس مجهودين، يلبسون الصوف، ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيِّقًا، مقاربَ السقف، وِإنما هو عريش، فخرج رسول الله - ﷺ - في يوم حارّ، وعَرَق الناس في ذلك الصوف، حتى ثارت منهم رياح آذى بذلك بعضهم بعضًا، فلما وجد رسول الله تلك الريح؛ قال: «أيّها الناس! إِذا كان هذا اليوم؛ فاغتسلوا، وليمسَّ أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبه». ------------------ (١) قال شيخنا: «إِسناده حسن». ورواه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٩٠٠)، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٧٠٤). (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٣١) وغيره، وانظر «المشكاة» (١٣٨٧). قال ابن عباس: ثمَّ جاء الله بالخير، ولَبِسوا غير الصوف، وكُفُوا العمل، ووُسِّعَ مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضًا من العرق» (١). قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٣٦٢): «وعلى تقدير الصحَّة؛ فالمرفوع منه وردَ بصيغة الأمر الدالَّة على الوجوب، وأمّا نفي الوجوب؛ فهو موقوف؛ لأنَّه من استنباط ابن عباس، وفيه نظر، إِذ لا يلزم من زوال السَّبب زوال المسبِّب». وتُشعرنا الحال التي ذكرها ابن عباس -رضي الله عنهما- (٢)؛ أنَّ هذا كان قبل أحاديث الإِيجاب، والله أعلم، فتأمَّل قوله: «ثمَّ جاء الله بالخير، ولبسوا غير الصُّوف، وكُفوا العمل، ووُسّع مسجدهم ...». فهذا يدلُّ على التَّقادم الزَّمني كما هو ظاهر. «ويُجاب أيضًا عن ربط الغُسل بالعِلَّة بأنَّه يقتضي سقوط الغُسل أصلًا، فلا يعدُّ فرضًا ولا مندوبًا» (٣). واحتجُّوا أيضًا بما ثبت عن عائشة -رضي الله عنها-: أنها قالت: كان النَّاس ينتابون (٤) يوم الجمعة من منازلهم، والعوالي (٥)، فيأتون في الغبار، ------------------ (١) حسّنه شيخنا كما في «صحيح سنن أبي داود» (٣٤٠). وقال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٣٦٢): «أخرجه: أبو داود، والطحاوي، وإسناده حسن». (٢) وأيضًا عائشة -رضي الله عنها- في النقطة التالية. (٣) انظر «الفتح» (٢/ ٣٦٣). (٤) أي: يحضرونها نوبًا، والانتياب: افتعال من النوبة. «فتح». (٥) هي القرى التي حول المدينة على أربع أميال فصاعدًا من المدينة. ويصيبهم الغبار والعرق، فيخرج منهم العرق، فأتى رسولَ الله - ﷺ - إِنسانٌ منهم -وهو عندي- فقال النّبيّ - ﷺ -: «لو أنَّكم تطهَّرتم ليومكُم هذا» (١). واحتجُّوا بقولها أيضًا: «كان الناس مَهَنَةَ أنفسهم، وكانوا إِذا راحوا إِلى الجمعة، راحوا في هيئتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم» (٢) قال الحافظ: «وأجيب بأنَّه ليس فيه نفيُ الوجوب، وبأنَّه سابقٌ على الأمر به والإِعلام بوجوبه ...» (٣). قلت: وهذا الحال الذي ذَكَرَته عائشة -رضي الله عنها- والأمر الذي وصفت يؤكِّد الوجوب؛ كما هو بيِّن؛ فليس هذان النصّان فقط ممّا يُقتصر على الاستدلال بهما على الوجوب؛ ليعلَّل بإِزالة الغبار والعرق. وإِذا كانت كلمة (لو) هي الدالَّة على الاستحباب في نظر البعض في قوله - ﷺ -: «لو أنّكم تطهّرتم ليومكم هذا»، فهي كما في قوله - ﷺ -: «لو أنَّكم تتوكَّلون على الله حقَّ توكُّله؛ لرزَقَكُمْ كما يرزُقُ الطَّير؛ تغدو خماصًا، وتروح بطانًا» (٤). ----------------- (١) أخرجه البخاري: ٩٠٢، ومسلم: ٨٤٧ (٢) أخرجه البخارى: ٩٠٣، ومسلم: ٨٤٧ (٣) «الفتح» (٢/ ٣٦٣). (٤) أخرجه أحمد، والترمذي، وقال: «حديث حسن صحيح»، والحاكم، وقال: «صحيح الإسناد»، وأقره الذهبي. وقال شيخنا: «بل هو صحيح على شرط مسلم؛ فإِنّ رجاله رجال الشيخين، غير ابن هبيرة وأبي تميم؛ فمن رجال مسلم وحده، وقد تابعه ابن لهيعة عن ابن هبيرة به». وانظر: «الصحيحة» (٣١٠). واحتجُّوا أيضًا بحديث سمرة بن جندب؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من توضّأ يوم الجمعة؛ فبها ونعمت، ومن اغتسل؛ فالغُسْل أفضل» (١). قال ابن حزم -رحمه الله تعالى- في «المحلَّى» (٢/ ٢٥): «... فسقَطَتْ هذه الآثار كلّها، ثمَّ لو صحَّت؛ لم يكن فيها نصٌّ ولا دليل على أنّ غسل الجمعة ليس بواجب، وإِنَّما فيها أنَّ الوضوء نعم العمل، وأنَّ الغُسل أفضلِ، وهذا لا شكَّ فيه، وقد قال الله تعالى: ﴿ولوْ آمنَ أَهْلُ الكتابِ لكانَ خَيراَ لَهمْ﴾ (٢)؛ فهل دلَّ هذا اللفظ على أنَّ الإِيمان والتقوى ليس فرضًا؟! حاشا لله من هذا». وقال -رحمه الله تعالى (٣) -: «وكلُّ ما أخبرَ عليه السلام أنَّه واجب على كلِّ مسلم وحقُّ الله تعالى على كلِّ محتلم؛ فلا يحلُّ ترْكه، ولا القول بأنَّه منسوخ، أو أنَّه ندبٌ؛ إلاَّ بنصٍّ جليٍّ بذلك مقطوع؛ على أنَّه وارد بعده مبيِّن أنَّه ندْب، أو أنَّه قد نُسِخ؛ لا بالظُّنون الكاذبة المتروك لها اليقين». وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-: «وأقوى ما عارضوا به حديث:»من توضّأ يوم الجمعة؛ فبها ونِعْمَت، ومن اغتسل؛ فالغسل أفضل«، ولا يُقاوم -------------------- (١) أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن، والنسائي، والدارمي، وانظر»المشكاة«(٥٤٠). (٢) آل عمران: ١١٠ (٣)»المحلّى" (٢/ ٢١). سنده سندَ هذا الحديث (١) ...» (٢). وقوله - ﷺ -: «ومن اغتسل؛ فالغسل أفضل»: لا ينفي الوجوب، فالأفضليَّة تجامع الوجوب ولا شكَّ، وهي في القول بالوجوب آكد من القول بسنِّيَّتها (٣). وقال الصنعاني -رحمه الله-: «وإِن كان حديث الإِيجاب أصحَّ؛ فإِنَّه أخرجه السبعة (٤)؛ بخلاف حديث سمُرة، فلم يُخْرِجه الشيخان، فالأحوط للمؤمن أن لا يترك غُسل الجمعة» (٥). وذكر الصنعاني -رحمه الله- أيضًا في «سبل السلام» (١/ ١٥٦) أنَّ وجوب غسل يوم الجمعة أقوى من وجوب عدد من المسائل الفقهيَّة المختلف فيها. وقال شيخنا -حفظه الله- في «تمام المنَّة» (١٢): «وجملة القول أنَّ الأحاديث المصرِّحة بوجوب غُسل الجمعة فيها حُكم زائد على الأحاديث المفيدة لاستحبابه، فلا تعارُض بينهما، والواجب الأخذ بما تضمَّن الزيادة فيها». ---------------------- (١) أي: حديث: «من جاء منكم الجمعة فليَغتَسِل». رواه البخاري: ٨٩٤ ومسلم: ٨٤٦، وتقدّم في أول (غُسل الجمعة) بلفظ مقارب. (٢) «إِحكام الأحكام» (١/ ٣٣٢). (٣) قاله شيخنا -حفظه الله- بمعناه. (٤) وهم: أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. (٥) «سبل السلام» (١/ ١٥٦). وقال في «نيل الأوطار» (١/ ٢٩٢): «... وبهذا يتبيَّن لك عدم انتهاض ما جاء به الجمهور من الأدلَّة على عدم الوجوب، وعدم إِمكان الجمع بينها وبين أحاديث الوجوب؛ لأنَّه وإِن أمكن بالنِّسبة إِلى الأوامر؛ لم يُمْكن بالنسبة إِلى لفظ (واجب) و(حقّ)؛ إلاَّ بتعسُّف لا يُلجئ طلبُ الجمع إِلى مِثله. ولا يشكُّ من له أدنى إِلمام بهذا الشَّأن أنَّ أحاديث الوجوب أرجح من الأحاديث القاضية بعدمه ...». قال الحازمي في «الاعتبار» (١): «الوجه الرابع والأربعون في ترجيح أحد الحديثين على الآخر: أن يكون في أحدهما احتياطٌ للفرض وبراءة الذمَّة بيقين، ولا يكون الآخر ذلك؛ فتقديم ما فيه الاحتياط للفرض وبراءة الذمَّة بيقين أولى». وقال ابن دقيق العيد في «إِحكام الأحكام» (١/ ٣٣٢): «... وأمَّا غير هذا الحديث (٢) من المعارَضات المذكورة لما ذكرناه من دلائل الوجوب؛ فلا تقوى دلالته على عدم الوجوب؛ لقوَّة دلائل الوجوب عليه، وقد نصَّ مالك على الوجوب، فحمله المخالفون -ممَّن لم يمارس مذهبه- على ظاهره، وحُكي عنه أنَّه يروي الوجوب، ولم يرَ ذلك أصحابه على ظاهره». قال الشيخ أحمد محمد شاكر: «الحقُّ الذي نذهب إِليه ونرضاه: أنَّ غُسل يوم الجمعة واجبٌ حتْم، وأنَّه واجب لليوم وللاجتماع، فمن تركه؛ فقد قصَّر فيما وجب عليه، ولكن صلاته صحيحة إِذا كان طاهرًا. -------------------- (١) ص ٣٧ (٢) أي:»من توضّأ يوم الجمعة؛ فبها ونعْمَت ... ". https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 191الى صــ 205 الحلقة (14) وأيضًا؛ فإنَّ الأصل في الأمر أنَّه للوجوب، ولا يُصرف عنه إِلى النَّدب إلاَّ بدليل، وقد ورد الأمر بالغُسل صريحًا، ثمَّ تأيَّد في معنى الوجوب بورود النص الصريح الصحيح بأنَّ غُسل يوم الجمعة واجب، ومثل هذا الذي هو قطعيُّ الدّلالة، والذي لا يحتمل التَّأويل؛ لا يجوز أن يؤوَّل لأدلَّة أخرى، بل تؤوَّل الأدلَّة الأخرى إِنْ كان في ظاهرها المعارضة له، وهذا بيِّن لا يحتاج إِلى بيان» (١). ---------------------- (١) انظر التعليق على «الرسالة» للإِمام الشافعي -رحمه الله تعالى- (ص ٣٠٧) بشيء من الحذف. الأغْسالُ المُسْتَحَبَّة أولًا: غُسل العيدين: ولم يرِد في هذا حديث صحيح. قال شيخنا -حفظه الله تعالى-:»وأحسن ما يُستدلّ به على استحباب الاغتسال للعيدين ما رَوى البيهقيّ من طريق الشافعي عن زاذان؛ قال: سأل رجلٌ عليًّا -رضي الله عنه- عن الغسل؟ قال: «اغتسل كلّ يوم إِن شئت». فقال: لا؛ الغسل الذي هو الغسل؟ قال: «يوم الجُمعة، ويوم عرفة (١)، ويوم النَّحر، ويوم الفطر» (٢). وقال -حفظه الله تعالى-: «روى الفريابي (١٢٧/ ١ و٢) عن سعيد بن المسيّب أنَّه قال:»سنّة الفطر ثلاث: المشي إِلى المصلَّى، والأكل قبل الخروج، والاغتسال«، وإِسناده صحيح» (٣). ثانيًا: غُسل يوم عرفة: لأثر عليٍّ السابق. ثالثًا: غُسل الإِحرام: لحديث زيد بن ثابت -رضي الله عنه-: «أنَّه رأى النّبيّ - ﷺ - تجرَّد ----------------- (١) وهذا خاصٌّ بالحاجِّ دون غيره، كما تدلُّ على ذلك النصوص. (٢) أخرجه البيهقي، وسنده صحيح، وأنظر»الإِرواء«(١٤٦). (٣) انظر»الإِرواء" تحت الحديث (٦٣٦). لإِهلاله (١) واغتسل» (٢). ومن شواهده أيضًا قول ابن عمر -رضي الله عنهما-: «إِنَّ من السُّنَّة أن يغتسل إِذا أراد أن يُحْرِم، وإذا أراد أن يدخُلَ مكَّة» (٣). قال شيخنا -حفظه الله تعالى-: «وهذا وإِن كان موقوفًا؛ فإِنَّ قوله:»من السُّنَّة«؛ إِنَّما يعني سنَّته - ﷺ -؛ كما هو مقرَّر في علم أصول الفقه» (٤). رابعًا: الاغتسال عند دخول مكَّة: لِما ثبت عن نافع: أنَّه قال: «كان ابنُ عمر -رضي الله عنهما- إِذا دخل أدنى الحرم؛ أمسك عن التَّلبية، ثمَّ يبيت بذي طُوى (٥)، ثمَّ يُصلِّي به الصُّبح ويغتسل، ويحدِّث أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يفعل ذلك» (٦). ----------------------- (١) الإِهلال: رفع الصوت بالتلبية، يُقال: أهل المُحرم بالحجِّ يُهلُّ إِهلالًا: إِذا لبَّى ورفع صوته. «النهاية». (٢) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٦٦٤)، والدارمي، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، وغيرهم. وانظر «الإرواء» (١٤٩). (٣) أخرجه الدارقطني، والحاكم، وقال: «صحيح على شرط الشيخين»، ووافقه الذهبي. وقال شيخنا: «وإنما هو صحيح فقط؛ فإِن فيه سهل بن يوسف، ولم يرو له الشيخان». وانظر «الإرواء» (١٤٩). (٤) انظر «الإِرواء» (١٤٩). (٥) وادٍ معروف بقرب مكة. (٦) أخرجه البخاري: ١٥٧٣، ومسلم: ١٢٥٩ ولأثر ابن عمر السابق: «إِنَّ من السُّنَّة أن يغتسل إِذا أراد أن يُحرم، وإذا أراد أن يدخُلَ مكَّة». قال الحافظ: «قال ابن المنذر: الاغتسال عند دخول مكَّة مستحبٌّ عند جميع العلماء، وليس في ترْكه عندهم فديةٌ، وقال أكثرهم: يجزئ عنه الوضوء» (١). خامسًا: غُسل من غَسَّل ميِّتًا. لقوله - ﷺ -: «من غَسَّل مَيِّتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضّأ» (٢). قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «أحكام الجنائز» (ص ٥٣ و٥٤): «وظاهر الأمر يفيد الوجوب، وإِنَّما لم نَقُلْ به لحديثين: الأوَّل: قوله - ﷺ -:»ليس عليكم في غسل مَيِّتكم غُسْل إِذا غَسَّلْتموه؛ فإِنَّ ميِّتكم ليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديَكم«(٣). الثاني: قول ابن عمر -رضي الله عنهما-:»كنَّا نغسل الميِّت، فمنَّا من يغتسل، ومنَّا من لا يغتسل«(٤). قال في»الدراري«(١/ ٧٧):»وذهب الجمهور إِلى أنَّه مستحبٌّ«...». ---------------------- (١) «الفتح» (٣/ ٤٣٥). (٢) أخرجه أبو داود، والترمذي وحسنّه، وغيرهما، وصححه ابن القطَّان وغيره، وهو في «أحكام الجنائز» (ص ٥٣)، و«الإِرواء» (١٤٤)، وتقدّم. (٣) أخرجه الحاكم، والبيهقيّ، وهو حسن الإِسناد؛ كما قال الحافظ في «التلخيص». (٤) أخرجه الدارقطنيّ، والخطيب في «تاريخه» بإِسناد صحيح كما قال الحافظ. سادسًا: الاغتسال عند كلِّ جماع: لحديث أبي رافع أنَّ النّبيّ - ﷺ - طاف ذات يوم على نسائه، يغتسل عند هذه وعند هذه. قال: فقلتُ: يا رسول الله! ألا تجعله واحدًا؟ قال: «هذا أزكى وأطيب وأطهر» (١). سابعًا: اغتسال المستحاضة لكلِّ صلاة، أو للظُّهر والعصر جميعًا غُسلًا، وللمغرب والعشاء جميعًا غُسلًا، وللفجر غُسلًا: لحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «إنَّ أمَّ حبيبة استُحيضت في عهد رسول الله - ﷺ -، فأمَرها بالغسل لكلِّ صلاة ...» الحديث (٢). وفي رواية عنها: «استُحيضت امرأة على عهد رسول الله - ﷺ -، فأُمِرَت أن تعجِّل العصر وتؤخِّر الظُّهر، وتغتسل لهما غُسلًا واحدًا، وتؤخِّر المغرب وتعجِّل العشاء وتغتسل لهما غُسلًا، وتغتسل لصلاة الصبح غُسلًا» (٣). ثامنًا: الاغتسال من دفن المشرك: عن علي -رضي الله عنه-: أنه أتى النّبيّ - ﷺ -، فقال: إنَّ أبا طالب مات. فقال: «اذهب فوارِه». قال: إِنَّه مات مشركًا. قال: «اذهب فوارِه». فلمّا --------------------- (١) أخرجه أبو داود، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٤٨٠)، وغيرهما، وانظر «آداب الزفاف» (ص ١٠٧). (٢) أخرجه أبو داود وغيره بإِسناد حسن، وقوَّاه الحافظ ابن حجر. استفدته والذي بعده من «تمام المنة» (١٢٢ - ١٢٣). (٣) قال شيخنا في «تمام المنَّة» (١٢٢): «وإِسناد هذه الرواية صحيح على شرط الشيخين، والأولى صحيح فقط؛ كما بينتُه في»صحيح السنن«(٣٠٠ و٣٠٥)». واريته؛ رجعْت إِليه، فقال لي:»اغتسل«(١). تاسعًا: الاغتسال من الإِغماء: عن عبد الله بن عُتبة؛ قال:»دخلتُ على عائشة، فقلتُ: ألا تحدِّثيني عن مرض رسول الله - ﷺ -؟ قالت: بلى؛ ثَقُل النّبيّ - ﷺ -، فقال: «أصلَّى الناس؟». قلنا: لا هم ينتظرونك. قال: «ضعوا لي ماءً في المِخْضَب (٢)». قالت: فَفَعلْنا، فاغتسل، فذهب لينوءَ (٣)، فأُغْمِيَ عليه، ثمَّ أفاقَ، فقال - ﷺ -: «أصلَّى الناس؟». قُلنا: لا؛ هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: «ضعوا لي ماءً في المِخْضَب». قالت: فقعد، فاغتسل (٤) ... «(٥). قال الشوكاني بعد هذا الحديث:»وقد ساقه المصنِّف ها هنا للاستدلال به على استحباب الاغتسال للمُغمى عليه، وقد فعله النّبيّ -صلى الله عليه وآله وسلم- ثلاث مرَّات وهو مُثقلٌ بالمرض، فدلَّ ذلك على تأكُّد استحبابه«(٦). ---------------------- (١) أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(١٨٤)، وغيرهم. وانظر»أحكام الجنائز«(ص ١٣٤). (٢) شبه المركن، وهي إِناء تُغسل فيه الثِّياب. (٣) أي: لينهض بجهد. (٤) وذُكر الاغتسال في الحديث أربع مرات. (٥) أخرجه البخاري: ٦٨٧، ومسلم: ٤١٨ (٦)»نيل الأوطار" (١/ ٣٠٦). أركان الغُسل وواجباته ١ - النيَّة وهي ركن أو شرط: ومحلُّها القلب، والتلفُّظ بها بدعة كما تقدَّم في الوضوء. ٢ - التَّسمية: وحُكمها حكم التسمية في الوضوء، وتقدَّم. ٣ - غَسل جميع الأعضاء وهو رُكن: قال الله تعالى: ﴿وإِنْ كنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّروا﴾ (١)؛ أي: اغتسلوا (٢). وقال تعالى: ﴿يا أيُّها الَذينَ آمنوا لا تقْرَبوا الصَّلاةَ وأَنْتُمْ سُكارى حتَّى تَعْلَموا ما تقولونَ ولا جُنبًا إِلاَّ عابري سبيلٍ حتَّى تَغْتَسِلوا﴾ (٣). قال الحافظ: «... فيها تصريحٌ بالاغتسال، وبيانٌ للتَّطهير المذكور (٤)» (٥) اهـ. وقال تعالى: ﴿ويَسْألونَكَ عن المَحيضِ قُلْ هوَ أذىً فاعْتَزِلوا النِّساءَ في المحيضِ ولا تقْرَبوهنَّ حتَّى يَطْهُرْنَ فإِذا تَطَهَّرْنَ فأتُوهُنَّ من حيثُ أَمَرَكم الله﴾ (٦). ------------ (١) المائدة: بعض الآية ٦ (٢) وانظر تفسير البغوي لسورة المائدة، وكلام الحافظ في «الفتح» (١/ ٣٥٩). (٣) النساء: ٤٣ (٤) أي: في الآية التي قبلها. (٥) «الفتح» (١/ ٣٥٩). (٦) البقرة: ٢٢٢ قال الحافظ ابن حجر: «أي: اغتَسَلْن اتفاقًا» (١). وقال البغوي في «تفسيره»: «فإِذا تطهَّرْنَ؛ يعني: اغتسلْنَ». وجاء في «السيل الجرَّار» (١/ ١١٣): «أمَّا تعميم البدن؛ فلا يتمُّ مفهوم الغُسل إلاَّ به». سُنَن الغُسْل مُراعاة فِعل الرسول - صلى الله عليه وأله وسلَم- في البدء والترتيب والانتهاء وغير ذلك، وسيأتي تفصيله بإِذن الله في تضاعيف الكتاب. ما يَحْرُم على الجُنُب ١ - الصلاة: سواء كانت فريضة أو نافلة. لقوله - ﷺ -: «لا تُقبل صلاةٌ بغير طُهور» (٢). ٢ - الطَّواف: وتقدّمت الأدلَّة في بحث الوضوء. مسائل في غُسل المرأة لا فرقَ بين غُسل المرأة وغُسل الرجل؛ غير أنَّه: ------------------ (١) «الفتح» (١/ ٣٥٩). (٢) تقدم. ١ - ليس على المرأة أن تنقض ضفيرتها (١) لغُسل الجنابة: لحديث أمّ سلمة -رضي الله عنها- قالت: قُلتُ: يا رسول الله! إِنِّي امرأةٌ أشدُّ ضَفْرَ (٢) رأسي، أفأنقُضُه لغُسل الجنابة؟ قال: «لا؛ إِنَّما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حَثَيات (٣)، ثمَّ تُفيضين عليك الماء فتطهُرين» (٤). وفي رواية: «واغمِزي قُرونَك عند كلِّ حَفْنة» (٥). وعن عُبيد بن عُمير؛ قال: بَلَغَ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النِّساء إذا اغتسلْنَ أن ينقُضْنَ رؤوسهنَّ، فقالت: يا عجبًا لابن عمرو هذا! يأمرُ النِّساء إِذا اغتسلْنَ أن ينقضْنَ رؤوسَهُنَّ؟! أفلا يأمُرُهنَّ أن يحلقنَ رؤوسهنَّ؟! لقد كنتُ أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إِناء واحد، ولا أزيد على أن أُفرغَ على رأسي ثلاث إِفراغات«(٦). ٢ - يجب عليها نقض ضفيرتها في غُسْل الحيض: ومن الأدلَّة على ذلك حديث عائشة -رضي الله عنها- وفيه تقول:»... فأدركني يوم عرفة وأنا حائض، فشكوتُ إِلى النّبيّ - ﷺ -، فقال: «دَعي ------------------- (١) هي لفيفة من الشعر المنسوج بعضه على بعض. (٢) هي لفيفة من الشعر المنسوج بعضه على بعض. (٣) أي: ثلاث غُرف بيديه، واحدها حَثية.»النهاية«. (٤) أخرجه مسلم: ٣٣٠، وغيره. (٥) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (٢٢٧). ومعنى اغمزي قرونك؛ أي: اكبسي ضفائر شعرك عند الغُسل، والغمز: العصر والكبس باليد. (٦) أخرجه مسلم: ٣٣١، وغيره. عُمْرَتَك، وانقضي رأسكِ، وامتشطي، واهلِّي بحجٍّ ...» (١). قال الحافظ في «الفتح» (١/ ٤١٨): «وظاهر الحديث الوجوب، وبه قال الحسن وطاووس في الحائض دون الجُنُب، وبه قال أحمد، ورجَّح جماعة من أصحابه أنَّه للاستحباب فيهما ...». قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «تمام المنَّة» (١٢٥): «وقد ذهب إِلى التفصيل المذكور: الإِمام أحمد، وصححه ابن القيِّم في»تهذيب السنن«فراجِعه (١/ ١٦٥ - ١٦٨)، وهو مذهب ابن حزم (٢/ ٣٧ - ٤٠)». ومن الأدلَّة على ذلك حديث أسماء بنت شَكَل في النقطة الآتية. ٣ - استحباب استعمال المغتسلة من الحيض فِرصة من مسك في موضع الدَّم (٢): عن عائشة -رضي الله عنها-: أنّ أسماء (٣) سألت النّبيّ - ﷺ - عن غُسل المحيض؟ فقال: «تأخذ إِحداكنَّ ماءَها وسدْرتها (٤)، فتطهَّر، فتحسن الطُّهور، ثمَّ تصبُّ على رأسها، فتدلُكه دلكًا شديدًا (٥) حتى تبلُغ شؤون -------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣١٧ (٢) هذا العنوان من»صحيح مسلم«(كتاب الحيض). (٣) هي بنت شَكَل؛ كما في رواية أخرى لمسلم: ٣٣٢ (٤) السِّدرة: شجرة النَّبِق، والمقصود هنا الورق؛ ليستعمل في الغسل، ويقوم مقامه الصابون ونحوه. (٥) وهذا كما تقدّم دليل على التفريق بين غسل المرأة في الحيض وغسلها من الجنابة؛ فقد أكَّد - ﷺ - على الحائض أن تبالغ في التّدليك الشديد والتطهير ما لم يؤكّد في غُسلها من الجنابة. وانظر»تمام المنَّة" (١٢٥). رأسها (١)، ثمَّ تصبُّ عليها الماء، ثمَّ تأخذ فِرصة (٢) ممسَّكة فتطهَّرُ بها». فقالت أسماء: وكيف تطهَّرُ بها؟ فقال: «سبحانْ الله! تطهَّرينَ بها». فقالت عائشة -كأنها تُخفي ذلك-: تتّبعين أثر الدَّم. وسألته عن غُسل الجنابة؟ فقال: «تأخذُ ماءً، فتطهَّرُ، فتحْسن الطُّهور، أو تُبْلغُ الطُّهور، ثمَّ تصبُّ على رأسها، فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها، ثمَّ تفيض عليها الماء». فقالت عائشة: نِعْم النِّساء نساء الأنصار، لم يكنْ يمنعُهُنَّ الحياءُ أن يتفقَّهْنَ في الدِّين (٣). ٤ - «لا يجب على المرأة إِذا اغتسلتْ من جنابة أو حيض غَسْل داخل الفَرْج في أصحِّ القولين، والله أعلم» (٤). صِفةُ غُسل الجنابة عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - إِذا اغتسل من -------------------- (١) أي: أصول شعر رأسها. (٢) الفِرْصة: قطعة من صوف أو قطن أو خِرقة. والممسَّكة: المطيَّبة بالمسك، يُتتبّع بها أثر الدم، فيحصل منه الطيب والتنشيف.»النهاية«. (٣) أخرجه مسلم: ٣٣٢، وغيره، وأصله في البخاري: ٣١٤ و٣١٥ و٧٣٥٧ (٤) قاله شيخ الإِسلام -رحمه الله- في»الفتاوى«(٢١/ ٢٩٧)، وقال في موطن آخر (٢١/ ٢٩٧):»وِإنْ فعلت جاز«. قال لي شيخنا -حفظه الله-:»جاز تنظُّفًا، لا تعبُّدًا". الجنابة يبدأ، فيغسل يديه، ثمَّ يُفرغُ بيمينه على شماله، فيغسلُ فرجه، ثمَّ يتوضّأ وُضوءه للصَّلاة، ثمَّ يأخذ الماء، فيُدخل أصابعه في أصول الشَّعر، حتَّى إِذا رأى أن قد استبرأ (١)؛ حفَنَ على رأسه ثلاث حفَنات، ثمَّ أفاض على سائر جسده، ثمَّ غسَل رجليه» (٢). مسح اليد بالتُّراب أو غسلها بالصابون ونحوه: ومن الأدلَّة على ذلك حديث ميمونة: «... ثمَّ قال بيده الأرض (٣)، فمسَحها بالتُّراب، ثمَّ غسَلها» (٤). وفي رواية مسلم (٥): «ثمَّ ضرب بشماله الأرض، فدلَكَها دَلْكًا شديدًا ...». غسْل اليدين قبل إدخالهما في الإِناء: لحديث عائشة -رضي الله عنها-: «بدأ فغسل يديه قبل أن يُدخل يده في الإِناء ...» (٦). ----------------- (١) أي: أوصل البلل إِلى جميعه. «النووي». (٢) أخرجه البخاري: ٢٤٨، ومسلم: ٣١٦، وهذا لفظه وغيرهما. (٣) قال الحافظ في «الفتح» (١/ ٣٧٢): كذا في روايتنا، وللأكثر «بيده على الأرض وهو من إطلاق القول على الفعل ...». (٤) أخرجه البخاري: ٢٥٩ (٥) برقم: ٣١٧ (٦) أخرجه مسلم: ٣١٦ الوضوء قبل الغُسل: عن عائشة -رضي الله عنها-: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان إِذا اغتسل من الجنابة؛ بدأ فغسل يديه، ثمَّ يتوضّأ كما يتوضّأ للصَّلاة (١)، ثمَّ يُدخِل أصابعه في الماء، فيخلِّل بها أصول شعره (٢)، ثمَّ يصبُّ على رأسه ثلاث غرَف بيديه، ثمَّ يُفيضُ على جلده كلِّه» (٣). المضمضة والاستنشاق: قال ابن عبَّاس؛ قال: حدَّثتنا ميمونة؛ قالت: «صَبَبْتُ للنّبيّ - ﷺ - غُسلًا، فأفرغ بيمينه على يساره فغسلهما، ثمَّ غَسل فرجه، ثمَّ قال بيده الأرض، فمسحها بالتُّراب، ثمَّ غسلها، ثمَّ تمضمضَ واستنشق ...» (٤). إِفاضة الماء على الرأس ثلاثًا وتخليل الشعر: لحديث عائشة -رضي الله عنها-: «... ثمَّ يُدخلُ أصابعه في الماء، فيخلِّل بها أصول شعره، ثمَّ يصبُّ على رأسه ثلاث غُرف بيديه» (٥). وعنها -رضي الله عنها- أيضًا: «... ثمَّ يخلِّل بيده شعره، حتى إذا ظنَّ ---------------------- (١) قال الحافظ في»الفتح«:»فيه احتراز عن الوضوء اللغوي«. (٢) قال الحافظ:»وفائدة التخليل: إِيصال الماء إِلى الشّعر والبشرة، ومباشرة الشّعر باليد، ليحصل تعميمه بالماء ...". (٣) أخرجه البخاري: ٢٤٨ وهذا لفظه، ومسلم: ٣١٦ (٤) أخرجه البخارى: ٢٥٩، ومسلم: ٣١٧ نحوه. (٥) أخرجه البخاري: ٢٤٨، ومسلم: ٣١٦، وتقدّم. أنَّه قد أروى (١) بشَرتهُ (٢)؛ أفاض عليه الماء ثلاث مرَّات، ثمَّ غسل سائر جسده» (٣). وفي الحديث: «أمَّا أنا؛ فأفيض على رأسي ثلاثًا» (٤). وأشار بيديه كلتيهما (٥). البدء بشقِّ أيمن الرَّأس ثمَّ أيسره: لحديث عائشة -رضي الله عنها-: «... فأخَذ بكَفِّهِ، فبدأ بشقِّ رأسه الأيمن، ثمَّ الأيسر، فقال بهما على رأسه» (٦). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كنَّا إِذا أصابت إِحدانا جنابة؛ أخذت بيديها ثلاثًا فوق رأسها، ثمَّ تأخذ بيدها على شقِّها الأيمن، وبيدها الأخرى على شقِّها الأيسر» (٧). --------------------- (١) من الإِرواء؛ يقال: أرواه: إِذا جعَله ريّانًا. (٢) المراد هنا: ما تحت الشعر. (٣) أخرجه البخاري: ٢٧٢ (٤) قال الحافظ: «ويُحتمل أن تكون هذه الغرفات الثلاث للتكرار، ويحتمل أن يكون لكلّ جهة من الرأس غرفة ...». انظر شرح الحديث: ٢٥٦. (٥) أخرجه البخاري: ٢٥٤، ومسلم: ٣٢٧، نحوه، وغيرهما. (٦) أخرجه البخاري: ٢٥٨ (٧) أخرجه البخارى: ٢٧٧. قال الحافظ: وللحديث حُكم الرَّفع؛ لأن الظَّاهر اطِّلاع النّبيّ - ﷺ - على ذلك، وهو مصيّر من البخارى إلى القول بأن لقول الصّحابي: «كنّا نفعل كذا» حُكم الرفع، سواء صرّح بإِضافته إِلى زمنه - ﷺ - أم لا، وبه جزم الحاكم". تأخير غَسل الرجلين: عن ميمونة زوج النّبيّ - ﷺ -؛ قالت: «توضّأ رسول الله - ﷺ - للصَّلاة غير رجليه، وغسَل فرجه وما أصابه من الأذى، ثمَّ أفاض عليه الماء، ثمَّ نحَّى رجليه فغسلهما» (١). قال الحافظ في «الفتح» (١/ ٣٦٢): «واختلف نظر العلماء، فذهب الجمهور إِلى استحباب تأخير غَسْل الرجلين في الغُسْل، وعن مالك: إنْ كان المكان غير نظيف؛ فالمستحبُّ تأخيرهما، وإِلاَّ؛ فالتقديم». وقال شيخنا في «الإِرواء» (١/ ١٧٠) عقب حديث ميمونة -رضي الله عنها-: «وهذا نصٌّ على جواز تأخير غَسْل الرجلين في الغسل، بخلاف حديث عاثشة، ولعلَّه - ﷺ - كان يفعل الأمرين: تارة يغسل رجليه مع الوضوء فيه، وتارة يؤخِّر غسلهما إِلى آخر الغُسل، والله أعلم» اهـ. وراجعتُ شيخنا -حفظه الله- في ذلك، ففهمتُ منه أنَّ الأمر يتبع الحال والوضع الذي فيه المغتسل؛ فيتصرّف حسبما يقتضيه حاله. عدم الوضوء بعد الغُسل (٢): عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يغتسل ويصلِّي الركعتين وصلاة الغداة، ولا أراه يُحدث وضوءًا بعد الغُسل» (٣). ------------------ (١) أخرجه البخاري: ٢٤٩، وغيره. (٢) لأنَّ السّنة الوضوء قبل الغُسل، كما تدلُّ على ذلك النصوص. (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٢٥)، والترمذي، وقال: «حديث حسن صحيح»، وصحَّحه الحاكم والذهبي وغيرهما. ورواه ابن ماجه عن عائشة بلفظ: = https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 206الى صــ 220 الحلقة (15) عدم استعمال المنديل: ودليل ذلك حديث ميمونة بنت الحارث -رضي الله عنها- وفيه: «فناولْتُه خِرْقَةً، فقال بيده هكذا، ولم يُرِدْها» (١). وفي رواية لها: «ثمَّ أتيتُه بالمنديل، فردَّه» (٢). التيمُّن في الغُسل: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يحبُّ التيمُّن (٣) في شأنه كلِّه: في نعليه، وترجُّله، وطَهوره» (٤). إِفاضة الماء على الجلد كلِّه: كما في حديث عائشة: «... ثمَّ غَسل سائر جسده» (٥). --------------------- = «كان رسول الله - ﷺ - لا يتوضّأ بعد الغسل؛ من الجنابة». وانظر «صحيح سنن ابن ماجه» (٤٧٠)، و«المشكاة» (٤٤٥). (١) أخرجه البخاري: ٢٦٦، قال الحافظ ابن حجر: «ولم يُرِدْها؛ بضم أوّله وِإسكان الدال: من الإِرادة، والأصل: يريدها، لكن جزم بـ (لم)، ومن قالها بفتح أوّله وتشديد الدَّال؛ فقد صحّف وأفسد المعنى». قلت: أمَا إِذا دعت الحاجة لاستعمال المنديل وما شابهه من برْد ونحوه، فلا حرج من ذلك«. (٢) أخرجه مسلم: ٣١٧ (٣) هو الابتداء في الأفعال باليمين من اليد والرجل والجانب. (٤) أخرجه البخاري: ٥٨٥٤، ومسلم: ٢٦٨، وغيرهما. (٥) أخرجه البخاري: ٢٧٢، وفي لفظ»لمسلم«(٣١٦):»ثمَّ أفاض على سائر جسده". وفي رواية لها: «... ثمَّ يفيض على جلده كلِّه» (١). الغُسل بالصَّاع ونحوه: عن أبي جعفر (٢): «أنَّه كان عند جابر بن عبد الله هو وأبوه وعنده قومٌ، فسألوه عن الغُسل؟ فقال: يكفيك صاعٌ. فقال رجلٌ: ما يكفيني. فقال جابر: كان يكفي من هو أوفى (٣) منك شعرًا وخيرٌ منك، ثمَّ أمَّنا في ثوبٍ» (٤). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يغتسل في القَدَح، وهو الفَرَق، وكنتُ أغتسل أنا وهو في الإِناء الواحد». قال قتيبة: قال سفيان: «والفَرَق: ثلاثة آصُع» (٥). وعن أنس -رضي الله عنه- قال: «كان النّبيّ - ﷺ - يغسل (٦) (أو كان ------------------ (١) أخرجه البخاري: ٢٤٨ (٢) قال الحافظ:»هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف بـ (الباقر)«. (٣) أي: أطول وأكثر. وفي رواية»مسلم«(٣٢٩):»كان شعْر رسول الله - ﷺ - أكثر من شعرك وأطيب«. قال الحافظ:»وفي هذا الحديث بيان ما كان عليه السلف من الاحتجاج بأفعال النّبيّ - ﷺ - والانقياد إلى ذلك، وفيه جواز الردّ بعنف على من يماري بغير عِلم؛ إِذا قصد الرادُّ إِيضاح الحق، وتحذير السامعين من مِثل ذلك، وفيه كراهية التنطُّع والإسراف فى الماء". (٤) أخرجه البخاري: ٢٥٢ (٥) أخرجه مسلم: ٣١٩، وهو في البخاري: ٢٥٠ بلفظ مقارب. (٦) أي: جسده. يغتسل (١) بالصَّاع (٢) إِلى خمسة أمداد (٣)، ويتوضّأ بالمدِّ» (٤). وعن عائشة -رضي الله عنها-: «أنَّها كانت تغتسل هي والنّبيّ - ﷺ - في إِناء واحد؛ يتَّسع ثلاثة أمداد أو قريبًا من ذلك» (٥). هل الدَّلك واجب؟ قال الحافظ في «الفتح» (١/ ٣٥٩): «وحقيقة الغسل: جريان الماء على الأعضاء. واختُلف في وجوب الدَّلك: فلم يوجبه الأكثر، ونُقل عن مالك والمزني وجوبه، واحتجَّ ابن بطَّال بالإِجماع على وجوب إِمرار اليد على أعضاء الوضوء عند غسْلها؛ قال: فيجب ذلك في الغسل قياسًا؛ لعدم الفرق بينهما. وتُعُقِّبَ -------------------- (١) قال الحافظ:»الشكُّ من البخاري، أو من أبي نُعيم لما حدّثه به«. (٢) الصّاع: إِناء يتسع خمسة أرطال وثُلُثًا بالبغدادي، وقال بعض الحنفية: ثمانية.»الفتح«. وهو أربعة أمداد.»النهاية«و»الفتح«. وقال أبو داود في»سننه«:»وسمعتُ أحمد بن حنبل يقول: الصاع خمسة أرطال، وهو صاع ابن أبي ذئب، وهو صاع النّبيّ - ﷺ -«، وتقدّم. (٣) جاء في»النهاية«:»المدُّ في الأصل: رُبع الصاع، وإنَّما قُدِّر به لأنَّه أقل ما كانوا يتصدَّقون به في العادة«. وفيه أيضًا:»وهو رطل وثُلُث بالعراقي، عند الشافعي وأهل الحجاز، وهو رطلان عند أبي حنيفة وأهل العراق«. وفيه:»وقيل: ان أصل المدِّ مقدَّر بأن يمدَّ الرجل يديه، فيملأ كفَّيه طعامًا"، وتقدّم. (٤) أخرجه البخارى: ٢٠١، ومسلم: ٣٢٥، وغيرهما، وتقدّم. (٥) أخرجه مسلم: ٣٢١ بأنَّ جميع من لم يوجب الدَّلك أجازوا غَمْس اليد بالماء للمتوضئ من غير إِمرار، فبطلَ الإِجماع، وانتفت الملازمة». قال الصنعاني (١) -رحمه الله تعالى-: «وقولها:»ثمَّ أفاض الماء«: الإِفاضة: الإِسالة. وقد استدلَّ به على عدم وجوب الدَّلك، وعلى أنَّ مُسمَّى (غُسل) لا يدخل فيه الدَّلك؛ لأنَّها عبَّرت ميمونة بالغسل، وعبَّرت عائشة بالإِفاضة، والمعنى واحد، والإِفاضة لا دلْك فيها، فكذلك الغَسل ...» (٢). قال في «المغني» (٣): «ولا يجب عليه إِمرار يده على جسده في الغُسل والوضوء إِذا تيقَّن أو غلب على ظنِّه وصول الماء إِلى جميع جسده، وهذا قول الحسن والنَّخعي والشَّعبي وحمَّاد والثَّوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي ...» (٤). ويرى شيخنا -حفظه الله تعالى- وجوب الدَّلك لمن كان ذا شعر كثير، ويسمَّى (الشَّعرانيّ) في اللغة كما تقدَّم. وهذا كقول الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- في مباشرة الشعر باليد ليحصل تعميمه؛ فقد قال: «... ثمَّ هذا التَّخليل غير واجب اتِّفاقًا؛ إلاَّ إِنْ كان الشَّعر ملبَّدًا بشيء يحول بين الماء وبين الوصول إِلى أصوله، والله --------------------- (١) عقب حديث عائشة -رضي الله عنها- في صفة الغُسل. (٢)»سُبُل السلام" (ص ١٦١). (٣) (باب الوضوء مع الغسل والدّلك، ١/ ٢١٨). (٤) وذكَر الأقوال المخالفة لذلك. أعلم» (١). مُراعاة غَسل المرافغ (٢) عند الاغتسال: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - إِذا أراد أن يغتسل من الجنابة؛ بدأ بكفَّيه، فغسلهما، ثمَّ غَسَل مرافِغَه، وأفاض عليه الماء، فإِذا أنقاهما؛ أهوى بهما إِلى حائط، ثمَّ يستقبل الوضوء، ويفيض الماء على رأسه» (٣). ----------------- (١) «الفتح» (١/ ٣٦٠). (٢) هي أصول المغابن؛ كالآباط والحوالب وغيرهما من مطاوى الأعضاء، وما يجتمع فيه من الوسخ والعرق. «النهاية». والمغابن: مفردها غَبَن، وهي: الإِبط. (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٢٣). قال في «بذْل المجهود» (٢/ ٢٤٣): «فإِذا أنقاهما: أي: الفَرج والمرافغ أو اليدين» (أهوى بهما): أي: أمالها إِلى حائط ليغسلهما بالتراب فيكون أنظف". مسائل في الاغتسال النَّهي عن البول في المستحمّ: عن عبد الله بن مغفَّل -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يبولنَّ أحدُكم في مستحمِّه ثمَّ يغتسل فيه» (١). «قال علي بن محمد: إِنَّما هذا في الحفيرة، فأمَّا اليوم؛ فلا، فمغتسلاتهم الجِصُّ (٢) والصَّاروج (٣) والقيرُ (٤)، فإِذا بال، فأرسَل عليه الماء؛ فلا بأس به» (٥). وقال ابن المبارك: وقد وُسِّع في البول في المغتسل إِذا جرى فيه الماء«(٦). جواز الاغتسال عُريانًا بحيث لا يُرى: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبي - ﷺ -؛ قال:»بينا (٧) أيوب -------------------- (١) أخرجه أبو داود: ٢٧، و«صحيح سنن أبي داود» (٢٢)، وغيره. وانظر «المشكاة» (٣٥٣). (٢) الجِص: ما يُبنى به. «معرَّب». (٣) الصاروج: خليط يستعمل في طلاء الجدران والأحواض. «معرَّب» أيضًا. (٤) القير والقار: شيء أسود يُطلى به السفن والإبل، أو هما الزِّفت. «المحيط». (٥) انظر «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٤٦). (٦) انظر «صحيح سنن الترمذي» (٢٠). (٧) أصلها بين، وأشبِعت الفتحة. يغتسل عُريانًا؛ خرَّ عليه رِجل جراد (١) من ذهب، فجعل يحثي في ثوبه، فنادى ربُّه: يا أيُّوب! ألم أكنْ أغنيتك عمَّا ترى؟ قال: بلى يا ربِّ، ولكنْ لا غِنى لي عن برَكَتِكَ» (٢). وعنه أيضًا عن النّبيّ - ﷺ - قال: «كانت بنو إِسرائيل يغتسلون عُراة، ينظر بعضهم إِلى بعض، وكان موسى يغتسل وحده ...» (٣). التَّستُّر في الغُسل: عن أمّ هانئ -رضي الله عنها- قالت: «ذهبتُ إِلى رسول الله - ﷺ - عام الفتح، فوجدتُه يغتسل وفاطمة تسترُه، فقال: من هذه؟ فقلت: أنا أمُّ هانئ» (٤). وعن ميمونة -رضي الله عنها- قالت: «ستَرْتُ النّبيّ - ﷺ - وهو يغتسل من الجنابة، فغسَل يديه ...» (٥). وعن أبي السَّمح -رضي الله عنه- قال: «كنتُ أخدُم النّبيّ - ﷺ -، فكان إِذا أراد أن يغتسل؛ قال: وَلِّني! فأوَلِّيه قفايَ، وأنشرُ الثَّوب، فأسترهُ به» (٦). ----------------- (١) أي: جماعة جراد. (٢) أخرجه البخاري: ٣٣٩١، وغيره. (٣) أخرجه البخاري: ٢٧٨، ومسلم: ٣٣٩ (٤) أخرجه البخاري: ٢٨٠، ومسلم: ٣٣٦، وغيرهما. (٥) أخرجه البخاري: ٢٨١ (٦) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٢)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٤٩٧)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢١٨). وعن يعلى بن أمية -رضي الله عنه-: أنَّ رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا يغتسل بالبَراز (١) بلا إِزار، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمَّ قال - ﷺ -: «إِنَّ الله -عز وجل- حييٌّ سِتير، يُحبُّ الحياء والسَّتر، فإِذا اغتسل أحدكم؛ فليستتر» (٢). هل يجزئ غُسل عن غُسل إِذا كانا واجبين؟ قال شيخنا: «الذي يتبيَّن لي أنَّه لا يجزئ ذلك، بل لا بدّ من الغسل لكلّ ما يجب الغُسل له غُسلًا على حِدة، فيغُتسل للحيض غسلًا، وللجنابة غُسلًا آخر، أو للجنابة غسلًا، وللجمعة غُسلًا آخر. لأنَّ هذه الأغسال قد قام الدليل على وجوب كل واحد منها على انفراده، فلا يجوز توحيدها في عمل واحد، ألا ترى أنَّه لوكان عليه قضاء شهر رمضان أنَّه لا يجوز له أن ينوي قضاءه مع صيامه لشهر رمضان أداءً! وهكذا يقال عن الصلاة ونحوها، والتفريق بين هذه العبادات وبين الغسل لا دليل عليه، ومن ادَّعاه؛ فليتفضَّل بالبيان» (٣). وقال -حفظه الله تعالى (٤) -: «وقد عكس ابن حزم، فاستدلَّ بالحديث على ما ذهَبنا إِليه، فقال بعد أن ذكَر أنَّ من أجنب يوم الجمعة فلا يجزيه إلاَّ ----------------------- (١) بالفتح الفضاء الواسع، وبالكسر: ثُفل الغذاء، وتقدّم. (٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٣٨٧) وغيره، وانظر»المشكاة«(٤٤٧). (٣)»تمام المنَّة«(١٢٦). (٤)»تمام المنَّة" (١٢٧ و١٢٨). غُسلان: غُسل ينوي به الجنابة، وغُسل آخر ينوي به الجمعة ... إِلخ. قال (٢/ ٤٣): برهان ذلك قول الله تعالى: ﴿وما أُمِروا إِلاَّ ليَعْبُدوا الله مُخْلِصينَ له الدِّينَ﴾ (١)، وقول رسول الله - ﷺ -: «إِنَّما الأعمال بالنيات، ولكلّ امرئ ما نوى» وتقدّم، فصحّ يقينًا أنَّه مأمور بكل غُسل من هذه الأغسال، فإِذْ قد صحّ ذلك؛ فمن الباطل أن يجزئ عملٌ عن عملين أو أكثر، وصحّ يقينًا أنَّه إِنْ نوى أحدٌ ما عليه من ذلك؛ فإِنَّما له بشهادة رسول الله - ﷺ - الصادقة الذي نواه فقط؛ وليس له ما لم ينوه، فإِنْ نوى بعمله ذلك غُسلين فصاعدًا؛ فقد خالف ما أمر به؛ لأنَّه مأمور بغسل تام لكل وجه من الوجوه التي ذكَرنا، فلم يفعل ذلك، والغُسل لا ينقسم، فبطل عمله كلّه؛ لقول رسول الله - ﷺ -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ» (٢). ثمَّ ذكَر أنَّه ذهب إِلى ما اختاره من عدم الإِجزاء جماعة من السّلف، منهم جابر بن زيد والحسن وقتادة وإِبراهيم النخعي والحكم وطاوس وعطاء وعمرو ابن شعيب والزهري وميمون بن مهران، قال: «وهو قول داود وأصحابنا». وقد ساق الآثار بذلك عنهم فراجِعْها، ويحسُن أن يلحق بهم أبو قتادة الأنصاري -رضي الله عنه- فقد رَوى الحاكم (١/ ٢٨٢) من طريق يحيى ابن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة قال: دخل عليّ أبي وأنا أغتسل يوم الجمُعة، فقال: غُسلك من جنابة أو للجمعة؟ قال: قلت: من جنابة. قال: أعِد غُسلًا آخر، فإِنّي سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "من اغتسل يوم الجمعة ---------------------- (١) البيّنة: ٥ (٢) أخرجه البخاري: ٢٦٩٧، ومسلم: ١٧١٨ كان في طهارة إِلى الجمعة الأخرى» (١). الطوف على جميع نسائه بغُسل واحد: عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «كان النّبيّ - ﷺ - يدور على نسائه في السَّاعة الواحدة من الليل والنَّهار وهنَّ إِحدى عشْرة ...» (٢). وفي «صحيح مسلم»: (٣٠٩)، عنه بلفظ: «كان يطوف (٣) على نسائه بغُسل واحد». الاغتسال عند كلّ واحدة غُسلًا: عن أبي رافع: أنَّ النّبيّ - ﷺ - طاف ذات يوم على نسائه، يغتسل عند هذه وعند هذه. قال: فقلتُ له: يا رسول الله! ألا تجعله غُسلًا واحدًا؟ قال: «هذا أزكى وأطيب وأطهر» (٤). جواز نوم الجُنُب واستحباب الوضوء له: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان النّبيُّ - ﷺ - إِذا أراد أن ينام وهو جُنب؛ غَسَل فرجه وتوضّأ للصّلاة» (٥). -------------------- (١) أخرجه ابن خزيمة وابن حبَّان وغيرهما. وانظره في «الصحيحة» (٢٣٢١)، وتقدّم. (٢) أخرجه البخاري: ٢٦٨ (٣) وهو كناية عن الجماع كما قال الحافظ وغيره. (٤) أخرجه أبو داود، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٤٨٠)، وغيرهما. وانظر «آداب الزفاف» (ص ١٠٧)، وتقدّم. (٥) أخرجه البخاري: ٢٨٨، ومسلم: ٣٠٥ وعن عبد الله بن أبي قيس؛ قال: سألْتُ عائشة عن وتْرِ رسول الله - ﷺ -؟ (فذكَر الحديث، وفيه): قلت: كيف كان يصنع في الجنابة؟ أكان يغتسل قبل أن ينام أم ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: كلّ ذلك قد كان يفعل، ربَّما اغتسل فنام، وربَّما توضّأ فنام. قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سَعَة (١). اغتسال الرجل مع امرأته من إِناء واحد من الجنابة واشتراكهما في ذلك: لحديث أمّ سلمة: «... وكنتُ أغتسل أنا والنّبيّ - ﷺ - من إِناء واحدٍ من الجنابة» (٢). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كنتُ أغتسل أنا والنّبيّ - ﷺ - من إِناء واحد، تختلف أيدينا فيه» (٣). وعنها -رضي الله عنها- قالت: «كنتُ أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إِناء بيني وبينه واحد، فيبادرني حتى أقول: دَعْ لي، دَعْ لي. قالت: وهما جُنُبان» (٤). ---------------------- (١) أخرجه مسلم: ٣٠٧، وغيره. (٢) أخرجه البخاري: ٣٢٢، ومسلم: ٢٩٦، وغيرهما. (٣) أخرجه البخاري: ٢٦١، ومسلم: ٣٢١، وزاد في آخره: «من الجنابة». (٤) أخرجه مسلم: ٣٢١ وفي الباب عدّة أحاديث، أكتفي بما ذكَرت. الاغتسال بفضل المرأة وما جاء في النهي عن ذلك: عن ابن عبَّاس -رضي الله عنهما-: «أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يغتسل بفضل ميمونة» (١). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: اغتسل بعض أزواج النّبيّ - ﷺ - في جفنة، فجاء النّبيُّ - ﷺ - ليغتسل أو يتوضّأ، فقالت: يا رسول الله! إِنِّي كنتُ جُنُبًا. فقال: «الماء لا يُجنب» (٢). وعن حُميد بن عبد الرحمن الحِمْيَري؛ قال: لقيتُ رجلًا صَحِب النّبيّ - ﷺ - كما صحِبه أبو هريرة -رضي الله عنه- أربع سنين؛ قال: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يمتشط أحدُنا كلَّ يوم، أو يبول في مغتسله، أو يغتسل الرَّجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرَّجل، وليغترفا جميعًا» (٣). -------------------- (١) أخرجه مسلم: ٣٢٣، وهو في «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٩٨) بلفظ: «من الجنابة». (٢) أخرجه الترمذي وقال: «حديث حسن صحيح»، وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٦١)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٩٦)، وغيرهم، وانظر «الإِرواء» (٢٧). (٣) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٣٢)، وغيره، وبعضه في سنن أبي داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٣). قال الحافظ في «الفتح» (١/ ٣٠٠): «رجاله ثقات، ولم أقف لمن أعلّه على حجّة قوية، ودعوى البيهقيّ أنَه في معنى المرسل مردودة؛ لأنَّ إِبهام الصحابي لا يضرّ، وقد صرّح التابعيّ بأنَّه لقيه ...». وحمَل بعض أهل العلم هذا الحديث وما في معناه على التَّنزيه جمعًا بين الأدلَّة، وإِلى هذا أشار الحافظ في «الفتح» (١). ----------------- (١) (١/ ٣٠٠)، تحت الحديث (١٩٣). خُلاصة ميسَّرة لأعمال الغُسل * غَسل اليدين. * غَسل القُبُل والدُّبر. * مَسْح اليدين بالتُّراب، أو غسلهما بالصابون ونحوه، وضرورة غَسل اليدين قبل إِدخالهما الإِناء. - التوضُّؤ كوضوء الصلاة سوى الرِّجلين، أو غسلهما إِنْ شاء (١). * تخليل الشعر، وصبّ ثلاث غرف بيديه، والبدء بشقِّ أيمن الرَّأس، ثمَّ الأيسر. * البدء بالشقِّ الأيمن دائمًا من الجسد، ثمَّ الشقّ الأيسر. * غَسل الرِّجلين إِن لم يفعل ذلك من قبل. * تُراعى الأمور الآتية خلال الغسل: ١ - إِفاضة الماء على سائر الجسد والجلد كلِّه. ٢ - الإِقلال في استعمال الماء. ٣ - مراعاة غسل المرافغ (٢) ومطاوى الأعضاء. ٤ - ضرورة الدَّلك للشَّعراني. ٥ - عدم الوضوء بعد الغسل. --------------------- (١) انظر -إِن شئت- (باب صفة غُسل الجنابة) «تأخير غَسل الرجلين». (٢) تقدّم معنى المرافغ أنّها أصول المغابن كالآباط والحوالب وغيرها من مطاوى الأعضاء، وما يجتمع فيه من الوسخ والعرق. التَّيمُّم تعريفه: التيمّم لغة: القَصْد، ومنه قوله تعالى: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيْثَ منهُ تُنْفِقُون﴾ (١)، وتقول العرب: تيمّمك الله بحفظه أي: قَصَدَكَ ... أمّا التيمّم شرْعًا: فهو القصد إِلى الصعيد (٢)؛ بمسح الوجه واليدين بنيّة استباحة الصَّلاة ونحوها (٣). ثبوت مشروعيته بالكتاب والسنَّة والإِجماع أمّا في كتاب الله العظيم ففي قوله عز وجل: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (٤). -------------------- (١) البقرة: ٢٦٧ (٢) قال ابن سفيان وأبو إِسحاق: «الصعيد: ما علا وجه الأرض، وقيل: الأرض، وقيل: الأرض الطيِّبة، وقيل: التراب الطيِّب، والعرب تقول لظاهر الأرض صعيد». وعن الخليل قال: «الصعيد: الأرض؛ قلَّ أو كثُر». انظر «لسان العرب»، و«حِلية الفقهاء» (ص ٥٩). (٣) قاله في «الفتح» (١/ ٤٣٢) ونقَلَه عن عدد من العلماء. (٤) النساء: ٤٣ https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 221الى صــ 235 الحلقة (16) وأمَّا في السنَّة؛ ففيه أحاديث كثيرة، منها: ما رواه جابر بن عبد الله عن النّبيّ - ﷺ - قال: «أُعطيتُ خمسًا لم يُعطهنَّ أحدٌ قبلي: نُصرتُ بالرُّعب مسيرة شهر، وجُعِلت ليَ الأرض مسجدًا وطهورًا (١)؛ فأيُّما رجلٍ من أمَّتي أدركتْه الصَّلاة فليصلِّ، وأُحلَّت لي المغانم (٢) ولم تحلّ لأحدٍ قبلي، وأُعطيت الشفاعة وكان النّبيّ يُبعث إِلى قومه خاصَّة، وبُعِثْتُ إِلى النَّاسِ عامَّة» (٣). أمّا الإِجماع، فقد ذكَره ابن قدامة -رحمه الله- في «المُغني» (١/ ٢٣٣) فقال: «وأمَّا الإِجماع؛ فأجمعت الأمَّة على جواز التيمُّم في الجملة». قال البخاري: «باب التيمُّم في الحضر إِذا لم يجد الماء وخاف فوت الصّلاة، وبه قال عطاء» (٤). اختصاص أمَّة محمّد - ﷺ - به لحديث جابر السابق: «أُعطيتُ خمسًا لم يعطهنَّ أحد قبلي» منها: ---------------- (١) وجُعلت ليَ الأرضُ مسجدًا؛ أي: موضع السجود؛ لا يختص السجود منها بموضع دون غيره، ويمكن أن يكون مجازًا عن المكان المبنيّ للصلاة، وهو من مجاز التشبيه؛ لأنَّه لمّا جازت الصلاة في جميعها؛ كانت كالمسجد في ذلك. «فتح». جاء في «الفتح»: «ويستفاد من قوله - ﷺ -:»وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا«؛ أنّ الأصل في الأرض الطهارة، وأنَّ صحة الصلاة لا تختصّ بالمسجد المبنيّ لذلك». (٢) وفي بعض الروايات الغنائم، ومعناهما واحد. (٣) أخرجه البخاري: ٣٣٥، ٤٣٨، ٣١٢٢، وهذا لفظه، ومسلم: ٥٢١، وغيرهما. (٤) «الفتح» (١/ ٤٤١)، وقال الحافظ: «وقد وصله عبد الرزاق من وجه صحيح، وابن أبي شيبة من وجه آخر ...». «وجُعلَت لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا». قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (٢١/ ٣٤٧): «وهذا التيمُّم المأمور به في الآية؛ هو من خصائص المسلمين، وممَّا فضَّلهم الله به على غيرهم من الأمم، ففي»الصحيحين«؛ عن جابر بن عبد الله أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال:»أُعطيتُ خمسًا ... «وذكر الحديث. سبب مشروعيَّته عن عائشة -رضي الله عنها- أنَّها استعارت من أسماءَ قِلادةً فهلكت، فبعث رسول الله - ﷺ - رجلًا فوجدها، فأدركتهم الصّلاة وليس معهم ماء، فصلَّوا، فشكَوا ذلك إِلى رسول الله - ﷺ -، فأنزلَ الله آية التيمُّم، فقال أسيد بن حُضَير لعائشة جزاكِ الله خيرًا؛ فوالله ما نَزل بك أمر تكرهينه؛ إلاَّ جعل الله ذلك لكِ وللمسلمين فيه خيرًا» (١). كيفيَّة التيمُّم ١ - النيَّة: ومحلّها القلب؛ كما تقدَّم في الوضوء والغُسل. ٢ - التسمية. ٣ - ضرب الكفَّين بالصعيد الطاهر، ثمَّ ينفخ فيهما، أو ينفضهما لتخفيف التُّراب -إِن وُجد- ثمَّ يمسح بهما الوجه والكفَّين؛ كما في حديث عمَّار بن ياسر -رضي الله عنه-: "... إِنَّما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣٣٤ و٣٣٦ ومواضع أُخرى، ومسلم: ٣٦٧، وغيرهما. ثمَّ تنفُخ (١)، ثمَّ تمسح بهما وجهك وكفَّيك» (٢). وموضع المسح هو الموضع الذي يُقطع منه السارق. قال ابن قدامة -رحمه الله- في «المغني» (١/ ٢٥٨): «ويجب مسْح اليدين إِلى الموضع الذي يُقطع منه السارق، أومأ أحمد إِلى هذا لما سُئل عن التيمُّم؛ فأومأ إِلى كفَّيه ولم يجاوز، وقال: قال الله تعالى: ﴿والسَّارقُ والسَّارِقةُ فَاقْطَعوا أَيْديَهُمَا﴾ (٣)، من أين تقطع يد السارق؟ أليس من هاهنا، وأشار إِلى الرسغ، وقد روينا عن ابن عبَّاس نحو هذا». ٤ - ملاحظة الاكتفاء بضربة واحدة لقوله - ﷺ -: «التيمُّم ضربة للوجه والكفَّين» (٤). -------------------- (١) وفي بعض الروايات عند البخاري (٣٤٧) وغيره: «ثمَّ نفضهما». وسألْت شيخنا -حفظه الله- إِن كان المراد من النفخ أو النفض الإقلال من التراب فيعمل بأيِّهما، فقال: «هو كذلك»، ثمَّ قال: «وقد لا يلزم أيٌّ منهما لعدم وجود التراب». (٢) أخرجه البخاري: ٣٣٨، ومسلم: ٣٦٨، وغيرهما. (٣) المائدة: ٣٨ (٤) أخرجه أحمد، وابن خزيمة في «صحيحه»، وأبو داود، والترمذي، وقال: «حديث حسن صحيح»، وغيرهم، ومعناه في «الصحيحين»؛ كما في حديث عمّار السابق. وانظر «الإِرواء» (١٦١)، و«الصحيحة» (٦٩٤). نواقض التيمُّم ١ - ينقض التيمُّم كلَّ ما ينقض الوضوء، لأنَّه يقوم مقامه (١). قال الحسن: «يُجزئه التيمُّم ما لم يُحدِث» (٢). قال ابن حزم في «المحلّى» (مسألة ٣٣٣): «كلُّ حدث ينقض الوضوء؛ فإِنه ينقض التيمُّم، هذا ما لا خلاف فيه من أحد من أهل الإِسلام». ٢ - وجود الماء لقوله - ﷺ -: «إِنَّ الصعيد الطيِّب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإِذا وجد الماء فليمِسَّه بشرته؛ فإِنَّ ذلك هو خير» (٣). (وفي رواية: طهور المسلم). قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (مسألة ٢٣٤): «وينقض التيمّم أيضًا وجود الماء، سواء وَجَده في صلاة (٤) أو بعد أن صلّى، أو قبل أن ------------------- (١) انظر (باب: هل التيمُّم يقوم مقام الماء؟) (٢) ذكره البخاري معلَّقًا، وذكر الحافظ في»الفتح«(١/ ٤٤٦) وَصْل عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وحمّاد بن سلمة له، وصحّح شيخنا إِسناده في»مختصر البخارى«(١/ ٩٦). (٣) أخرجه أحمد في»مسنده«، والترمذي وقال:»حديث حسن صحيح«، وهو في»صحيح سنن الترمذي«(١٠٧)، و»صحيح سنن أبي داود«(٣٢١)، وغيرهم، وصححه ابن حبان، والدارقطني، وأبو حاتم، والحاكم، والذهبي، والنووي، وشيخنا في»الإرواء«(١٥٣). (٤) قال شيخنا -حفظه الله-:»فإِذا وجد الماء فليُمسَّه بشرته، تشمل من كان في الصلاة أيضًا". يصلي ...». قال في «المغني» (١/ ٢٧٠): وإِذا وجد المتيمّم الماء وهو في الصلاة؛ خرج فتوضّأ أو اغتسل إِن كانْ جُنُبًا واستقبل الصلاة. قال: وبهذا قال الثوري وأبو حنيفة وقال مالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر ... وقال أيضًا: «ولنا قوله عليه السلام:»الصعيد الطيّب وضوء المسلم، وإنْ لم يجد الماء عشر سنين، فإِذا وجدت الماء فأمسَّه جلدك«. أخرجه أبو داود والنسائي؛ دلَّ بمفهومه على أنَّه لا يكون طهورًا عند وجود الماء، وبمنطوقه على وجوب إِمساسه جلده عند وجوده، لأنَّه قدِرَ على استعمال الماء؛ فبطل تيمُّمه كالخارج من الصلاة، ولأنَّ التيمُّم طهارة ضرورة، فبطلت بزوال الضرورة ...». ما يُتيمَّم به وعدم اشتراط التراب: قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (١). قال شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى-: وقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، نكرة في سياق الإِثبات، كقوله: ﴿إِنَّ الله يأمُرُكمْ أن تذْبَحوا بقَرَةً﴾ (٢)، وقوله: ﴿فَتحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٣)، وقوله: ﴿فصِيَامُ ثلاثَة أيَّامٍ في -------------------- (١) النساء: ٤٣ (٢) البقرة: ٦٧ (٣) النساء: ٩٢ الحَجِّ وسَبْعَةٍ إِذا رَجعْتُم﴾ (١)، وقوله: ﴿فَمَنْ لم يجِدْ فَصيامُ ثلاثَةِ أيامٍ﴾ (٢)، وهذه تسمّى مطلقة، وهي تفيد العموم على سبيل البدل لا على سبيل الجمع، فيدلّ ذلك على أنّه يتيمّم أيّ صعيد طيّب اتفق، والطيِّب هو الطاهر، والتُّراب الذي ينبعث مراد من النصّ بالإِجماع، وفيما سواه نزاع سنذكره إِن شاء الله تعالى (٣). قال يحيى بن سعيد: «لا بأس بالصلاة على السَّبْخة (٤) والتيمّم بها» (٥). وفي حديث عائشة الطويل: «... قد أُريت دار هجرتكم رأيت سَبْخةً ذات نخْل بين لابتين وهما الحرَّتان» (٦). قال ابن خزيمة عقب الحديث السابق في «صحيحه» (١/ ١٣٤): «ففي قول النّبيّ - ﷺ - أُريت سبْخة ذات نخل بين لابتين؛ وإعلامه إِيَّاهم أنها دار هجرتهم -وجميع المدينة، كانت هجرتهم- دلالة على أنَّ جميع المدينة سبخة، ولو كان التيمُّم غير جائز بالسّبخة وكانت السَّبخة على ما توهَّم بعض أهل عصرنا، أنَّه من البلد الخبيث، بقوله: ﴿والذي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا﴾، لكان قول هذه المقالة أنَّ أرض المدينة خبيثة لا طيِّبة، وهذا قول بعض أهل العناد لمَّا ذمَّ أهل المدينة، فقال: إِنها خبيثة فاعلم أنَّ النّبيّ - ﷺ - --------------- (١) البقرة: ١٩٦ (٢) المائدة: ٨٩ (٣)»الفتاوى" (٢١/ ٣٤٨). (٤) بتسكين الباء، وفي بعض النسخ بفتحها. هي الأرض المالحة لا تكاد تُنبت. (٥) أخرجه البخاري معلّقًا بصيغة الجزم ولم يخرجه الحافظ. (٦) أخرجه البخاري: ٢٢٩٧، والحرّة: الأرض ذات الحجارة السُّود. سمّاها طيبة -أو طابة- فالأرض: السبخة هي طيبة على ما أخبر النّبيّ - ﷺ - أن المدينة طيبة، وإِذا كانت طيبة وهي سبخة؛ فالله عز وجل قد أمر بالتيمّم بالصعيد الطيب في نصِّ كتابه، والنّبيّ - ﷺ - قد أعلم أن المدينة طيبة -أو طابة- مع إِعلامهم إِياهم أنها سبخة، وفي هذا ما بان وثبت أنَّ التيمُّم بالسباخ جائز». أمَّا تسمية طابة؛ فقد وردت في البخاري (١٨٧٢) كما في حديث أبي حُميد -رضي الله عنه- قال: «أقبَلنْا مع النّبيّ - ﷺ - من تبوك؛ حتى أشرَفْنا على المدينة فقال: هذه طابة». وروى مسلم (١٣٨٥) وغيره عن جابر بن سمرة وقد قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «إِنَّ الله تعالى سمّى المدينة طابة». وأما تسمية طَيْبَة؛ فقد ثبتت في «صحيح مسلم» (١٣٨٤) أيضًا عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِنها طَيْبَة (يعني: المدينة) وإِنِّها تنفي الخبث كما تنفي النّار خَبث الفضة». قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (٢١/ ٣٦٤): «وأمّا الصعيد ففيه أقوال؛ فقيل: يجوز التيمُّم بكلِّ ما كان من جنس الأرض، وإِن لم يعلَق بيده، كالزرنيخ (١)، والنُّورة (٢)، والجصّ (٣)، وكالصخرة الملساء، فأمّا ما لم يكن من جنسها كالمعادن فلا يجوز التيمُّم به، وهو قول أبي حنيفة، ---------------- (١) في»المحيط«: حَجَر معروف، منه أبيض وأحمر وأصفر. (٢) في»الوسيط«: حجر الكلس. (٣) الجَصّ: ما يُبنى به وهو معرّب.»مختار الصحاح". ومحمّد يوافقه، لكن بشرط أن يكون مُغبرًا؛ لقوله: (منه) (١). وقيل: يجوز بالأرض، وبما اتّصل بها حتى بالشَّجر، كما يجوز عنده وعند أبي حنيفة بالحجر والمدر (٢)، وهو قول مالك، ... وقيل: لا يجوز إلاَّ بتراب طاهر، له غبار يعلق باليد، وهو قول أبي يوسف والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى. واحتج هؤلاء بقوله: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيدِيكم منه﴾، وهذا لا يكون إلاَّ فيما يعلق بالوجه واليد، والصَّخر لا يعلق لا بالوجه ولا باليد، واحتجُّوا بقول النّبيّ - ﷺ -: «جُعلت لي الأرض مسجدًا، وجُعلت تربتها طَهورًا». قالوا: فعمَّ الأرض بحُكم المسجد، وخصّ تربتها -وهو ترابها- بحُكم الطهارة. واحتجّ الأولون بقوله تعالى: ﴿صعيدًا﴾، قالوا: والصَّعيد هو الصَّاعد على وجه الأرضِ، وهذا يعمُّ كلَّ صاعد؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وإِنَّما لجاعِلُون ما عليها صعِيداَ جُرُزًا﴾ (٣)، وقوله: ﴿فَتُصبحَ صعيدًا زلقًا﴾ (٤). واحتجّ من لم يخصّ الحكم بالتراب بأنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: «جُعلت لي ------------------- (١) قال شيخنا -حفظه الله-:»... وهذه الآية ينبغي أن تُفهم من خلال السُّنَّة كما قال تعالى: ﴿وأَنْزَلْنا إِليك الذِّكرَ لِتُبيِّنَ للنَّاسِ ما نزَلَ إِليهم﴾ النحل: ٤٤، فالدّم حرام في كتاب الله وكذلك الميتة، وبيّن النّبيّ - ﷺ - ما لم يحرم من ذلك، فلا بدَّ من ضمّ السُّنّة للقرآن؛ لتكون النتيجة صحيحة وكاملة«. (٢) أي: الطين المتماسك.»النهاية". (٣) الكهف: ٨ (٤) الكهف: ٤٠ الأرض مسجدًا وطَهورًا؛ فأيّما رجل من أمّتي أدركتْهُ الصلاة فليصلِّ»، وفي رواية: «فعنده مسجده وطَهوره». فهذا يُبيِّن أنّ المسلم في أيّ موضع كان عنده مسجده وطهوره. ومعلوم أنَّ كثيرًا من الأرض ليس فيها تراب حرث، فإِن لم يجُز التيمُّم بالرّمل؛ كان مخالفًا لهذا الحديث، وهذه حجة من جوَّز التيمُّم بالرمل دون غيره، أو قرن بذلك السّبخة؛ فإِنَّ من الأرض ما يكون سبخة، واختلاف التُّراب بذلك كاختلافه بالألوان؛ بدليل قول النّبيّ - ﷺ -: «إِنَّ الله خلق آدم من قبضة قبَضَها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض؛ جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود، وبين ذلك، والسّهل والحزَن، والخبيث والطيب» (١). وآدم إِنّما خُلق من تراب، والتُّراب الطيب والخبيث، الذي يخرج بإِذن ربّه، والذي خبُث لا يخرج إلاَّ نكدا، لا يجوز التيمُّم به فعُلم أنَّ المراد بالطيِّب الطاهر، وهذا بخلاف الأحجار والأشجار؛ فإِنها ليست من جنس التراب، ولا تعلق باليد، بخلاف الزرنيخ والنورة، فإِنها معادن في الأرض، لكنها لا تنطبع كما ينطبع الذهب والفضة والرصاص والنحاس«. اهـ. قال ابن القيم -رحمه الله- في»زاد المعاد«(١/ ٢٠٠) في هديه في التيمُّم:»وكذلك كان يتيمّم بالأرض التي يصلَّي عليها؛ ترابًا كانت أو سبخة أو رملًا، وصحَّ عنه أنه قال: «حيثما أدْركَتْ رجلًا من أمتي الصلاة فعنده ------------------- (١) أخرجه ابن سعد في»الطبقات«، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وغيرهم كما في»الصحيحة" (١٦٣٠) والنص الذي ذكره شيخ الاِسلام -رحمه الله- نحوه. مسجدُه وطَهوره«(١). وهذا نصٌّ صريح في أنّ من أدركته الصلاة في الرّمل؛ فالرمل لى طهور، ولمّا سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك، قطعوا تلك الرّمال في طريقهم وماؤهم في غاية القلَّة، ولم يُروَ عنه أنَّه حملَ معه التراب، ولا أمر به، ولا فعله أحد من أصحابه، مع القطع بأنَّ في المفاوز الرمال أكثر من التراب، وكذلك أرض الحجاز وغيره، ومن تدبَّر هذا؛ قطع بأنَّه يتيمّم بالرمل، والله أعلم، وهذا قول الجمهور». قال في «نيل الأوطار» (١/ ٣٢٨): «ويؤيد حمْل الصعيد على العموم تيمّمه - ﷺ - من الحائط ...». وقال أيضًا: «قال ابن دقيق العيد:»ومن خصّص التيمُّم بالتراب، يحتاج إِلى أن يقيم دليلًا يخص به هذا العموم (٢) ... «(٣). وسألتُ شيخنا -حفظه الله- عن اشتراط بعض العلماء الغبار والتراب في التيمُّم فقال: »إِنَّ الغبار ليس من شروط الصعيد، والصعيد هو وجه الأرض، فيشمل الصخرة والرمل والتراب. والصخرة التي هطلت عليها الأمطار فلا غبار عليها، فهل حين التيمُّم بها ---------------------- (١) أخرجه أحمد وإسناده حسن، وله شواهد عديدة ذكرها شيخنا في «الإرواء» (٢٨٥). (٢) أي: عموم حديث: «فأينما أدركَت رجلًا من أمّتي الصلاة ...» (٣) «نيل الأوطار» (١/ ٣٢٩). حقَّق قوله تعالى: ﴿فتيمَّموا صَعِيدًا طيِّبًا﴾ (١) أم لا؟ وكذلك الأرض الرملية سواء مُطرت أم لم تُمطر؛ عند الضرب فلا غبار عليها، فهذا تكليف بما لا يُطاق. ثمَّ ذكر سفر النّبيّ - ﷺ - من المدينة إِلى تبوك وأكثرها رملية، ولم يصطحب عليه الصلاة السلام معه ترابًا عند سفره. ومن اشترط التراب فقد أوجب على المسافرين الذين يجتازون تلك المناطق؛ أن يصطحبوا معهم التراب. وهذا يتناسب مع قاعدة: «يسِّروا ولا تعسِّروا»؛ وهو المُطابق لمزيَّة ما خَصَّه الله تعالى للنّبيّ - ﷺ - في قوله: «أعطيت خمسًا لم يعطهنَّ أحد قبلي: نُصرت بالرُّعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجلٍ من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ ...» (٢). فإِذا أدركته في الرِّمال فهل يبحث عن الغُبار؟ واشتراط خروج شيء من الممسوح غير وارد" (٣). وخلاصة القول: يجوز التيمُّم بالصعيد الطيّب سواء كان له غبار أم لا، وسواء كان ترابًا أم لا، كما يجوز التيمُّم بالسبخة والرمال والجدار والصخرة الملساء ونحو ذلك، والله أعلم. من يستباح له التيمُّم: يُستباح التيمُّم لمن أحدث حدثًا أصغر أو أكبر، سواء كان في سفر أو -------------------- (١) النساء: ٤٣ (٢) تقدّم. (٣) كذا قاله شيخنا -حفظه الله تعالى- بمعناه. حضر، للأسباب الآتية: ١ - إِذا لم يجد الماء، لقوله تعالى: ﴿... فَلَمْ تَجِدوا مَاءً فَتَيَمَّموا صَعِيدًا طيبًا﴾ (١). ولحديث عمران بن حصين «أنَّ رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا معتزلًا لم يُصلِّ في القوم، فقال: يا فلان! ما منَعك أن تصلي في القوم، فقال: يا رسول الله! أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فإِنَّه يكفيك» (٢). ولحديث أبي ذر -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِنَّ الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإِن لم يجد الماء عشر سنين، فإِذا وجد الماء فليُمسّه بشره (٣) فإِنَّ ذلك خير» (٤). ويدخل في معنى عدم وجود الماء؛ بُعده أو وجوده في بئر عميقة، أو صعوبة استخراجه لفقد الحبل أو الدلو، أو وجود حيوان مفترس عنده أو عدوّ آدمي؛ بحيث يتعذَّر الانتفاع به أو إِذا احتاجه لشُرب (٥) أو لعجن، أو طبخ«أو --------------------- (١) النساء: ٤٣ (٢) أخرجه البخاري: ٣٤٨، ومسلم: ٦٨٢ نحوه. (٣) في بعض كتب الحديث بشرته، والمعنى واحد، قال في»مختار الصحاح«: البشرة، والبشر: ظاهر جلد الإنسان. (٤) أخرجه أحمد، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١٠٧)، وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٢١)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٣١١)، وانظر»المشكاة«(٥٣٠)، و»الإِرواء«(١٥٣)، وتقدّم. (٥) قال ابن حزم في»المحلى" (مسألة ٢٤٢): ومن كان معه ماءٌ يسير يكفيه = إِزالة نجاسة. قال الحسن في المريض عنده الماء ولا يجد من يُناوله: «يتيمّم» (١). جاء في «المغني» (١/ ٢٣٨): «ومن حال بينه وبين الماء سبع أو عدو أو حريق أو لص فهو كالعادم، ولو كان الماء بمجمع الفساق، تخاف المرأة على نفسها منهم فهي عادمة ...». وفيه أيضًا (١/ ٢٣٩): «ومن كان مريضًا لا يقدر على الحركة ولا يجد من يناوله الماء، فهو كالعادم ...». قال في «الدراري» (١/ ٨٥): «فإِنَّ من تعذّر عليه استعمال الماء فهو عادم للماء، إِذ ليس المراد الوجود الذي لا ينفع؛ فمن كان يشاهد ماءً في قعر بئر يتعذّر عليه الوصول إِليه بوجه من الوجوه؛ فهو عادم. ٢ - إِذا خشي الضرر من استعمال الماء؛ لمرض أو جرح أو شدَّة برودة، وكان عاجزًا عن تسخينه؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللهَ كان بكم رحيمًا﴾ (٢). وعن جابر قال:»خرجنا في سفر؛ فأصاب رجلًا منّا حجر، فشجّه في رأسه، ثمَّ احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمُّم؟ ------------------ = لشربه فقط؛ ففرْضه التيمُّم، لقوله الله تعالى: ﴿ولا تقتُلُوا أَنْفسكُم﴾ [النساء: ٢٩] (١) أورده البخاري معلّقًا بصيغة الجزم، ووصَله إِسماعيل القاضي في «الأحكام» من وجه صحيح كما ذكر الحافظ في «الفتح» (١/ ٤٤١). (٢) النساء: ٢٩ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلمّا قدِمنا على النّبيّ - ﷺ - أُخبر بذلك فقال: قتلوه قتَلهم الله، ألا سألوا إِذ لم يعلموا؛ فإِنّما شفاء العِيّ السؤال» (١). وعن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- قال: احتلمتُ في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفَقتُ إِن اغتسلتُ أن أهلِك، فتيمَّمْتُ، ثمَّ صلّيت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنّبيّ - ﷺ - فقال: «يا عمرو! صلّيت بأصحابك وأنت جُنُب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إِني سمعت الله يقول: ﴿ولا تقتلوا أنْفُسَكم إِنَّ اللهَ كان بكم رحيمًا﴾. فضحك رسول الله - ﷺ - ولم يقل شيئًا» (٢). وفي رواية: «فغسَل مغابنه وتوضّأ وضوءه للصلاة، ثمَّ صلّى بهم، فذكر نحوه ...» (٣). ------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٢٥)، وابن ماجه، والدارقطنيّ، وصححه ابن السكن كما في «الدراري المضية» (١/ ٨٢١)، و«المشكاة» (٥٣١). وقال شيخنا في «تمام المنة» (١٣١): «هذا الحديث ضعَّفه البيهقي والعسقلاني وغيرهما، لكن له شاهد من حديث ابن عباس يرتقي به إِلى درجة الحسن ...». (٢) أخرجه أحمد، وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٢٣)، والدارقطنيّ، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه النووي أيضًا وغيرهم، وعلّقه البخاري (١/ ٩٥)، وقواه الحافظ ابن حجر كما في «الفتح» (١/ ٤٥٤)، وصححه شيخنا وذكر أنه على شرط مسلم، وانظر «الإِرواء» (١٥٤). (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٢٤)، والدارقطني وغيرهما، وانظر «الإِرواء» (١٥٤). وقال البخاري: (باب إِذا خاف الجُنُب على نفسه المرض أو الموت أو خاف العطش يتيمّم). وأورد حديث عمرو بن العاص مُعلّقًا بصيغة التمريض. هل يتيمّم من خاف فوت الرفقة؟ أجاز ذلك ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (٢/ ١٦٥) (المسألة ٢٢٩) وغيره. وسألت شيخنا -حفظه الله تعالى- عن ذلك فقال: «إِنَّ خوف فَوْت الرفقة مسألة مطاطة، فربما فوت الرفقة عرَّض للهلاك، فله أن يتيمّم، وربما لم يؤدِّ ذلك إِلى ضرر، وإِنّما هو مجرّد فقْد الصحبة، فقد يكون خوف فوت الصحبة عذرًا وقد لا يكون، والشخص نفسه هو الذي يقدّر ذلك لا المفتي». التيمُّم لردِّ السلام في الحضر أو السفر بوجود الماء: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: أقبلتُ أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النّبيّ - ﷺ - حتى دخَلنا على أبي جُهيم بن الحارث بن الصِّمّة الأنصاري، فقال أبو الجُهيم: «أقبَل النّبيّ - ﷺ - من نحو بئر جَمَل (١) فلقيه رجل فسلَّم عليه، فلم يردّ عليه النّبيّ - ﷺ - حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثمَّ ردَّ عليه السلام» (٢). قال ابن خزيمة (١/ ١٣٩) في «صحيحه» -عقب الحديث السابق-: ------------------- (١) موضع معروف في المدينة. (٢) أخرجه البخاري: ٣٣٧، ومسلم: ٣٦٩، وغيرهما. https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 236الى صــ 250 الحلقة (17) (باب استحباب التيمُّم في الحضر لرد السلام وإِن كان الماء موجودًا). تيمّم المريض: قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١). ويتيمّم المريض إِذا وجدَ مشقَّة أو حرجًا في الوضوء بالماء أو الغسل به، أو خشي زيادة علة أو مرض. وتقدّم قول الحسن في المريض عنده الماء ولا يجد من يُناوله: «يتيمّم» (٢). قال ابن حزم في «المحلى» (٢/ ١٥٨) (مسألة ٢٢٤): «لا يتيمّم من المرضى إِلا من لا يجد الماء، أو من عليه مشقَّة وحرج في الوضوء بالماء، أو في الغسل به، أو المسافر الذي لا يجد الماء الذي يقدر على الوضوء به أو الغسل به». ثمَّ ذكر الآية السابقة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «الفتاوى» (٢١/ ٣٩٩): «والذي عليه الجمهور: أنَّه لا يُشترط فيه خوف الهلاك؛ بل من كان الوضوء يزيد مرضه، أو ----------------- (١) المائدة: ٦ (٢) أورده البخاري معلقًا، ووصله إِسماعيل القاضي في»الأحكام«من وجه صحيح، وروى ابن أبي شيبة من وجه آخر عن الحسن وابن سيرين قالا:»لا يتيمّم ما رجا أن يقدر على الماء في الوقت، ومفهومه يوافق ما قبله«.»الفتح" (١/ ٤٤١)، وتقدّم. يؤخر برْأه يتيمّم، وكذلك في الصيام والإِحرام، ومن يتضرَّر بالماء لبرد؛ فهو كالمريض عند الجمهور». تيمُّم المسافر: قال الله تعالى: ﴿وإِن كنتم مَرْضَى أو على سَفَرٍ أو جَاء أحَدٌ منْكُم مِنَ الغائِطِ أو لامَسْتُمِ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدوا مَاءً فَتَيَمَّموا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (١). قال ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٢٨): «أجمع كلّ من أحفظ عنه من أهل العلم؛ على أن المسافر إِذا خشي على نفسه العطش ومعه مقدار ما يتطهَّر به من الماء؛ أنَّه يُبقي ماءَه للشرب ويتيمّم. رويَ هذا القول عن علي وابن عباس والحسن ومجاهد وعطاء وطاوس وقتادة والضحاك». قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في «الفتاوى» (٢١/ ٣٥٠): «اتفق المسلمون على أنّه إِذا لم يجد الماء في السفر تيمّم وصلَّى إِلى أن يجد الماء، فإِذا وجد الماء فعليه استعماله. وكذلك يتيمّم الجنب، ذهب الأئمة الأربعة وجماهير السلف والخلف؛ إِلى أنَّه يتيمّم إِذا عدم الماء في السفر إِلى أن يجد الماء، فإِذا وجده كان عليه استعماله». وقال -رحمه الله-: «والمسافر إنّما يتيمّم إِذا لم يجد الماء» (٢). -------------- (١) النساء: ٤٣ (٢) «الفتاوى» (٢١/ ٣٩٨). وقال -رحمه الله- أيضًا: «كما أن المسافر قد لا يكون معه إِلا ما يكفيه لشربه وشرب دوابِّه، فهذا عند الجمهور عادم للماء فيتيمّم» (١). تيمّم الجُنُب: قال اللهعز وجل-: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٢). وعن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال: «جاء رجل إِلى عمر بن الخطَّاب فقال: إِني أجنبتُ فلم أصب الماء، فقال عمّار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكرُ أنَّا كنّا في سفر أنا وأنت، فأمّا أنت فلم تُصلِّ، وأمَّا أنا فتمعَّكْتُ (٣) فصلّيتُ، فذكرتُ للنّبيّ - ﷺ - فقال النبيّ - ﷺ -:»كان يكفيك هذا«فضرب النّبيّ - ﷺ - بكفيه الأرض ونفخ (٤)، فيهما، ثمَّ مسح بهما وجهه وكفَّيه» (٥). ----------------- (١) «الفتاوى» (٢١/ ٣٩٩). (٢) النساء: ٤٣ (٣) أي: تمرَّغْت، وجاءت هذه في إِحدى روايات البخاري: ٣٤٧، ومسلم: ٣٦٨، وكأنَّ عمَّار استعمل القياس في هذه المسألة، لأنَّه لما رأى أن التيمُّم إِذا وقع بدل الوضوء على هيئة الوضوء؛ رأى أنَّ التيمُّم عن الغُسل يقع على هيئة الغُسل. «الفتح». ويُستفاد من هذا الحديث: وقوع اجتهاد الصحابة في زمن النّبي - ﷺ -، وأن المجتهد لا لوم عليه إِذا بذل وُسعه وِإن لم يصب الحق، وأنَه إِذا عمل بالاجتهاد لا تجب عليه الإِعادة. «الفتح» أيضًا. (٤) استدلَّ بالنفخ على استحباب تخفيف التراب. «فتح». (٥) أخرجه البخاري: ٣٣٨، ومسلم: ٣٦٨ قال شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى-:»وقد ثبت تيمُّم الجنب في أحاديث صحاح وحِسَان كحديث عمَّار بن ياسر -رضي الله عنه- وهو في «الصحيحين»، وحديث عمران بن حصين -رضي الله عنه- وهو في البخاري، وحديث أبي ذر وعمرو بن العاص وصاحب الشجَّة -رضي الله عنهم- وهو في «السنن» ... «(١). وقال ابن حزم -رحمه الله-:»ويتيمّم الجُنُب والحائض، وكلّ من عليه غُسل واجب؛ كما يتيمّم المُحدِث ولا فرق«(٢). وقال ابن قدامة -رحمه الله- عن تيمّم الجُنُب:»... وهو قول جمهور العلماء: منهم علي وابن عباس وعمرو بن العاص وأبو موسى وعمّار، وبه قال الثوري ومالك والشافعي وأبو ثور وإسحاق وابن المنذر وأصحاب الرأي ... «(٣). هل التيمُّم إِلى المناكب والآباط صحيح؟ قال إِسحاق بن إِبراهيم بن مخلد الحنظليّ:»حديث عمّار في التيمُّم للوجه والكفين: هو حديث حسن صحيح، وحديث عمّار: تيمّمنا مع النّبيّ - ﷺ - إِلى المناكب والآباط؛ ليس هو بمخالف لحديث الوجه والكفين، لأنَّ عمّارًا لم يذكر أنَّ النّبيّ - ﷺ - أمَرهم بذلك، وِإنّما قال: فعلْنا كذا وكذا. فلما سأل النّبيّ - ﷺ - أمَره بالوجه والكفين، فانتهى إِلى ما علّمه رسول الله - ﷺ -: «الوجه والكفين». ------------------- (١) «الفتاوى» (٢١/ ٤٠٠). (٢) «المحلى» (المسألة ٢٤٩). (٣) «المغني» (١/ ٢٦١). والدليل على ذلك: ما أفتى به عمّار بعد النّبيّ - ﷺ - في التيمُّم أنَّه قال: «الوجه والكفين» ففي هذا دلالة على أنَّه انتهى إِلى ما علمه النّبيّ - ﷺ - فعلَّمه إِلى «الوجه والكفين» (١). التيمُّم ضربة أم ضربتان؟ قد تقدّم حديث عمّار -رضي الله عنه-: «التيمُّم ضربة للوجه والكفَّين» وما في معناه، وفيه إِفادة الاقتصار على الضربة الواحدة للوجه والكفين. قال في «الدراري المضَيَّة» (١/ ٨٥): «وقد ذهب إِلى كون التيمُّم ضربة واحدة للوجه والكفين الجمهور ...». قال شيخنا في «الإِرواء» (١/ ١٨٥): «واعلم أنّه قد روي هذا الحديث (٢) عن عمّار بلفظ ضربتين؛ كما وقع في بعض طُرقه، وكل ذلك معلول لا يصحّ. قال الحافظ في»التلخيص«(ص٥٦): وقال ابن عبد البر: أكثر الآثار المرفوعة عن عمّار ضربة واحدة، وما روي عنه من ضربتين فكلها مضطربة، وقد جمع البيهقي طُرق حديث عمَّار فأبلغ». ثمَّ قال شيخنا: «وفي الضربتين أحاديث أخرى، وهي معلولة أيضًا كما بيّنه الحافظ في»التلخيص«وحقَّقْتُ القول على بعضها في»ضعيف سنن أبي داود«(٥٨ و٥٩)» (٣). ------------------ (١) «سنن الترمذي» (باب التيمُّم). (٢) أي حديث عمّار: «التيمّم ضربة للوجه والكفين». (٣) «الإِرواء» (١/ ١٨٦). هل التيمُّم يقوم مقام الماء؟ قال شيخ الإِسلام في «الفتاوى» (٢١/ ٣٥٢): «وتنازعوا هل يقوم (١) مقام الماء، فيتيمّم قبل الوقت، كما يتوضّأ قبل الوقت، ويصلّي به ما شاء من فروض ونوافل، كما يصلّي بالماء، ولا يبطل بخروج الوقت، كما لا يبطل الوضوء؟ على قولين مشهورين، وهو نزاع عمليّ ...». وقال -رحمه الله تعالى-: «وهذا القول هو الصحيح (٢)، وعليه يدّل الكتابُ والسنّة والاعتبار؛ فإِن الله جعَل التيمُّم مُطهِّرًا؛ كما جعَل الماء مطهِّرًا، فقال تعالى: ﴿... فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ (٣) فأخبر تعالى أنَّه يريد أن يُطهِّرنا بالتراب؛ كما يطهِّرنا بالماء» (٤). وقال -رحمه الله-: «ولنا أنّه قد ثبت بالكتاب والسنّة أنَّ التراب طهور، كما أنَّ الماء طهور، وقد قال النّبيّ - ﷺ -:»الصَّعيد الطيِّب طهور المسلم، ولو لم يجد الماء عشر سنين، فإِذا وجدت الماء فأمِسّه بشرتك، فإِن ذلك خير«(٥). فجعله مطهِّرًا عند عدم الماء مطلقًا، فدلَّ على أنَّه مطهّر للمتيمّم، ------------------- (١) أي: التيمُّم. (٢) أي: أنَّ التيمّم يقوم مقام الماء. (٣) المائدة: ٦ (٤)»الفتاوى" (٢١/ ٤٣٦). (٥) تقدّم. وإِذا كان قد جعل المتيمّم مطهرًا؛ كما أن المتوضئ مطهر، ولم يقيّد ذلك بوقت، ولم يقُل إِنَّ خروج الوقت يبطله، كما ذكر أنّه يبطله القدرة على استعمال الماء، دلّ ذلك على أنّه بمنزلة الماء عند عدم الماء، وهو موجب الأصول، فإِنَّ التيمُّم بدل عن الماء، والبدل يقوم مقام المُبدل في أحكامه، وإن لم يكن مماثلًا له في صفته، كصيام الشهرين؛ فإِنّه بدل عن الإِعتاق، وصيام الثلاث والسبع؛ فإِنّه بدل عن الهَدي في التمتُّع، وكصيام الثلاثة الأيام في كفّارة اليمين؛ فإِنّه بدل عن التكفير بالمال، والبدل يقوم مقام المُبدل ...» (١). وقال -رحمه الله- أيضًا: «والشارع حكيم إِنّما يُثبت الأحكام ويبطلها بأسباب تُناسبها، فكما لا يُبطل الطهارة بالأمكنة؛ لا يبطل بالأزمنة وغيرها؛ من الأوصاف التي لا تأثير لها في الشرع» (٢). وقال -رحمه الله- أيضًا: «والتيمّم كالوضوء فلا يبطل تيمّمه إلاَّ ما يبطل الوضوء، ما لم يقدر على استعمال الماء، وهذا بناءً على قولنا، وقول من وافَقنا على التوقيت في مسح الخفّين، وعلى انتقاض الوضوء بطهارة المستحاضة، فإِنَّ هذا مذهب الثلاثة: أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد» (٣). وقال -رحمه الله- كذلك: «وِإذا كان تطهّر قبل الوقت (٤)، كان قد ------------------- (١)»الفتاوى«(٢١/ ٣٥٣، ٣٥٤). (٢)»الفتاوى«(٢١/ ٣٦١). (٣)»الفتاوى" (٢١/ ٣٦٢). (٤) أي: بالتيمّم. أحسن، وأتى بأفضل ممّا وجب عليه، وكان كالمتطهر للصلاة قبل وقتها، وكمن أدَّى أكثر من الواجب في الزّكاة وغيرها، وكمن زاد على الواجب في الركوع والسجود، وهذا كلّه حسَن إِذا لم يكن محظورًا؛ كزيادة ركعة خامسة في الصلاة. والتيمّم مع عدم الماء حسَن ليس بمحرّم، ولهذا يجوز قبل الوقت للنافلة ولمسّ المصحف وقراءة القرآن» (١). وذكر -رحمه الله- «أنَّ هذا هو مذهب أبي حنيفة، وهو قول سعيد بن المسيّب، والحسن البصري، والزهري، والثوري، وغيرهم، وهو إِحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل» (٢). قال ابن حزم -رحمه الله-: «والمتيمّم يصلي بتيمّمه ما شاء من الصلوات: الفرض والنوافل ما لم ينتقض تيمّمه بحدَث أو بوجود الماء؛ وأمّا المريض؛ فلا ينتقض طهارته بالتيمّم إلاَّ ما ينقض الطهارة من الأحداث فقط؛ وبهذا يقول أبو حنيفة، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، وداود. وروينا أيضًا: عن حمّاد بن سلمة عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: يصلي الصلوات كلها بتيمّم واحد مِثل الوضوء ما لم يُحدث. وعن معمر قال: سمعتُ الزهري يقول: التيمُّم بمنزلة الماء، يقول: يصلّي به ما لم يُحدِث. وعن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: صلّ بتيمّم واحد الصلوات كلها ما ------------------ (١)»الفتاوى«(٢١/ ٣٦٣). (٢)»الفتاوى" (٢١/ ٣٥٢). لم تُحدِث، هو بمنزلة الماء. وهو قول يزيد بن هارون، ومحمد بن علي بن الحسين وغيرهم» (١). وقال -رحمه الله- أيضًا: «والتيمّم جائز قبل الوقت وفي الوقت، إِذا أراد أن يصلي به نافلة أو فرضًا كالوضوء ولا فرق؛ لأنَّ الله تعالى أمر بالوضوء والغسل والتيمّم عند القيام إِلى الصلاة، ولم يقُل تعالى: إِلى صلاة فرض دون النافلة؛ فكلّ مريد الصلاة: فالفرض عليه أن يتطهّر لها بالغسل إِن كان جنبًا، وبالوضوء أو التيمُّم إِن كان محدثًا؛ فإِذ ذلك كذلك، فلا بد لمريد الصلاة من أن يكون بين تطهره وبين صلاته مُهلة من الزمان؛ فإِذ لا يمكن غير ذلك فمن حدّ في قدْر تلك المهلة حدًّا فهو مبطل؛ لأنه يقول من ذلك ما لم يأت به قرآن ولا سنّة ولا إِجماع ولا قياس ولا قول صاحب؛ فإِذ هذا كما ذكَرنا؛ فلا ينقض الطهارة بالوضوء ولا بالتيمّم: طول تلك المهلة ولا قِصَرها وهذا في غاية البيان، والحمد لله رب العالمين» (٢). وقال في موطن آخر (٢٢/ ٣٣): «وكلّ ما يباح بالماء يباح بالتيمّم». وذكَر لي شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى- «أنَّ كلَّ أحكام التيمُّم تنسحب على أحكام الوضوء، إلاَّ أن وجود الماء يُبطله». اهـ. والنّبيّ - ﷺ - أمَر المستحاضة أن تتوضّأ لكلّ صلاة؛ ولم يأمر مَن فقَد الماء أن يتيمّم لكلّ صلاة. والخلاصة: إِن التيمُّم بدل من الماء عند عدمه؛ فيباح به الصلاة وغيرها، --------------------- (١) «المحلّى» (٢/ ١٧٥). (٢) «المحلى» (٢/ ١٨٠) (المسألة ٢٣٧). ويصلّي بالتيمّم الواحد ما تيسَّر له من الفرائض والنوافل، كما لا يشترط دخول الوقت فيتيمّم قبل دخول الوقت، ولا يبطل بخروج الوقت. اشتراط طهارة الصعيد للمتيمّم: لا بُدَّ من طهارة الصعيد للمتيمّم وإِنْ ضرب بيده غير طاهر لم يجْزه، لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّموا صَعِيدًا طيبًا﴾. والنجس ليس بطيّب. وفي الحديث: «جُعلت لي كلّ أرض طيبة مسجدًا وطهورًا» (١). قال في «المغني» (١/ ٢٦٠) (٢): «وإن كان ما ضرب بيده غير طاهر لم يجزه. لا نعلم في هذا خلافًا، وبه قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي. ولنا قول الله تعالى: ﴿فَتَيَمَّموا صَعِيدًا طيِّبًا﴾ والنجس ليس بطيِّب، ولأن التيمُّم طهارة، فلم يَجُز بغير طاهر كالوضوء ...». جواز تيمّم جماعة من موضع واحد: يجوز تيمّم جماعة من موضع واحد؛ لأنَّ القول بطهورية الصعيد المستعمل؛ كالقول بطهورية الماء المستعمل (٣). -------------------- (١) أخرجه أحمد في «مسنده» والضياء، ورواه ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ١٢)، وابن الجارود بإِسناد صحيح عن أنس كما ذكر الحافظ في «الفتح» (١/ ٤٣٨) (كتاب: التيمُّم)، وقال شيخنا: إِسناده صحيح على شرط مسلم، وهو في «الإرواء» (١٥٢) التحقيق الثاني. (٢) بحذف يسير. (٣) تقدّم. قال في «المغني» (١/ ٢٦٠): «ويجوز أن يتيمّم جماعة من موضع واحد بغير خلاف؛ كما يجوز أن يتوضّأ جماعة من حوض واحد ...». إِذا كان التراب على بساط أو ثوب؛ فلا مانع من التيمُّم به، وذكر ذلك ابن خزيمة في «صحيحه» (١/ ١٣٢). صحَّة اقتداء المتوضّئ بالمتيمّم: لحديث عمرو بن العاص -رضي الله عنه- فقد أمَّ قومه بعد أن تيمّم من الجنابة كما تقدّم (١). وبه استدلَّ الشوكاني في «نيل الأوطار» (١/ ٣٢٥). وأيضًا لأنَّ التيمُّم يقوم مقام الماء مطلقًا كما تقدّم. وجاء في البخاري: «وأَمَّ ابن عباس وهو متيمّم» (٢). قال مالك في «الموطأ»: «من قام إِلى الصلاة فلم يجد ماءً فعمل بما أمره الله به من التيمُّم، فقد أطاع الله عز وجل، وليس الذي وجد الماء بأطهر منه ولا أتمّ صلاة؛ لأنهما أُمِرا جميعًا؛ فكلُّ عمل بما أمره الله عز وجل به؛ وإِنّما العمل بما أمر الله تعالى به من الوضوء؛ لمن وجد الماء والتيمّم لمن لم يجد الماء قبل أن يدخل في الصلاة». عدم الإِعادة لمن صلّى بالتيمّم وإِن لم يفت الوقت: عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: خرج رجلان في سفر، ------------------- (١) ذكره البخاري معلّقًا بصيغة الجزم، وقال الحافظ في «الفتح» (١/ ٤٤٦): «وصله ابن أبي شيبة والبيهقي وغيرهما، وإسناده صحيح». (٢) انظر الحاشية السابقة. فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمّما صعيدًا طيبًا فصلَّيا، ثمَّ وجد الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يُعِد الآخر، ثمَّ أتيا رسول الله - ﷺ -، فذكرا ذلك له فقال للذي لم يُعد: «أصبْت السنّة وأجزأَتْك صلاتك»، وقال للذي توضّأ وأعاد: «لك الأجر مرتين» (١). وهذا يُرجِّح عدم الإِعادة لقوله - ﷺ - لمن لم يُعِد، «أصبْتَ السنّة وأجزأتك صلاتك»، وهذا يُفهم أن الثاني قد أخطأ السنّة، وأما أجر المرتين؛ فعلى الصلاة وإِعادتها بالاجتهاد، والله أعلم. وبعد أن عرفْنا السُّنّة الصحيحة في هذا الأمر؛ فلا يجوز لنا أن نُخالف عنها. وفي الحديث: «لا تُصلّوا صلاة في يوم مرتين» (٢). قال في «نيل الأوطار» (١/ ٣٢٥) -تعليقًا على حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه-: استدل بهذا الحديث الثوري ومالك وأبو حنيفة وابن المنذر، على أنَّ مَن تيمّم لشدة البرد وصلّى لا تجب عليه الإِعادة، لأنَّ النّبيّ - ﷺ - لم يأمره بالإِعادة، ولو كانت واجبة لأمره بها، ولأنَّه أتى بما أُمر به وقدر عليه، فأشبه سائر من يصلّي بالتيمّم ...«. وعن عمران قال:»كنّا في سفَر مع النّبيّ - ﷺ - وإِنَّا أسرينا حتى كُنّا في آخر الليل؛ وقعنا وقعة ولا وقعةَ أحلى عند المسافر منها، فما أيقَظَنا إلاَّ حرّ الشمس، فذكر بعض الحديث وقال: ونودي بالصلاة فصلّى بالناس، فلما -------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٢٧)، وابن السكن وغيرهما، وانظر «المشكاة» (٥٣٣). (٢) أخرجه أحمد، وغيره وإسناده حسن كما قال شيخنا في «المشكاة» (١١٥٧)، وصححه النووي وابن السكن، وهو في «صحيح سنن أبي داود» (٥٤٠). انفتل من صلاته؛ إِذا هو برجل معتزلٍ، لم يصلِّ مع القوم قال: ما منعك يا فلان أن تصلّي مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد، فإِنَّه يكفيك. ثمَّ سار النّبيّ - ﷺ - فاشتكى إِليه الناس من العطش، فنزل فدعا فلانًا كان يُسمِّيه أبو رجاء -نسيهُ عَوْفٌ- ودعا عليًّا فقال: اذهبا فابتغيا الماء بين مزادتين (١) أو سطيحتين من ماء على بعير لها، فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة ونفرْنا خُلُوفًا (٢)، قالا لها: انطلقي إِذًا، قالت: إِلى أين؟ قالا: إِلى رسول الله - ﷺ -. قالت: الذي يُقال له الصَّابيُّ. قالا: هو الذي تعنين، فانطلقي فجاءا بها إِلى النّبيّ - ﷺ - وحدَّثاه الحديث قال: فاستنزلوها عن بعيرها ودعا النّبيّ - ﷺ - بإِناء ففُرّغ فيه من أفواه المزادتين أو سطيحتين، وأوكأ أفواههما، وأطلق العزاليَ (٣)، ونودي في الناس اسقوا واستقوا، فسقى مَن شاء واستقى مَن شاء، وكان آخر ذاك أن أعطي الذي أصابته الجنابة إِناء من ماء، قال: اذهب فأفرِغه عليك» (٤). ---------------- (١) المزادة: بفتح الميم: قربة كبيرة يزاد فيها جلد من غيرها، وتسمّى أيضًا السطيحة، وجاء في «النهاية»: السطيحة من المزاد: ما كان من جلدين قوبل أحدهما بالآخر، فسُطح عليه وتكون صغيرة وكبيرة، وهي من أواني المياه. (٢) «... أي أنَّ رجالها تخلفوا لطلب الماء ... قال ابن فارس: الخالف: المستقي، ويقال أيضًا لمن أناب، ولعلّه المراد هنا، أي أنَّ رجالهما غابوا عن الحيّ». «فتح». (٣) جمع العزلاء، وهو فم المزادة الأسفل. «النهاية». (٤) أخرجه البخاري مطولًا: ٣٤٤، وابن خزيمة مختصرًا: ٢٧١ قال ابن خزيمة -بعد أن ذكَر هذا الحديث-: «ففي هذا الخبر أيضًا دلالة على أنَّ المتيمّم إِذا صلّى بالتيمّم، ثمَّ وجد الماء فاغتسَل إِنْ كان جُنبًا أو توضّأ إِن كان مُحدِثًا -لم يجب عليه إِعادة ما صلّى بالتيمّم. إِذ النّبيّ - ﷺ - لم يأمر المصلي بالتيمّم؛ لمّا أمره بالاغتسال بإِعادة ما صلّى بالتيمّم» (١). جاء في «المحلّى» (٢/ ١٦٥): «وعن مالك عن نافع أنَّه أقبل مع ابن عمر من الجرف، فلما أتى المربد لم يجد ماء، فنزل فتيمّم بالصعيد، وصلّى ثمَّ لم يُعِد تلك الصلاة (٢)، وهو قول داود وأصحابنا». قال ابن قدامة في «المغني» (١/ ٢٤٣): «إِنْ تيمّم في أول الوقت وصلّى أجزأه؛ وإِنْ أصاب الماء في الوقت». وأورد حديث: «لك الأجر مرتين» (٣). شراء الماء للوضوء وعدم التيمُّم: اختلف أهل العلم في هذه المسألة، فمنهم من رأى جواز شراء الماء للوضوء، ومنهم من لم ير للنصوص المانعة من بيع الماء (٤). والراجح الجواز؛ لقول الله تعالى: ﴿... فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٥). «وهذا واجبٌ فإِنَّ القدرة على ثمن العين؛ كالقدرة على العين» (٦). ------------------- (١) «صحيح ابن خزيمة» (١/ ١٣٧). (٢) انظر «الموطأ» (٤٨) رواية محمد بن الحسن الشيباني. (٣) تقدّم. (٤) منهم ابن حزم في «المحلى» (٢/ ١٨٢) (مسألة ٢٤١). (٥) النساء: ٤٣ (٦) قاله ابن قدامة في «المغني» (١/ ٢٤٠). قال في «المغني» (١/ ٢٤٠): «وإِنْ وجَده يباع بثمن مِثْله في موضعه أو زيادة يسيرة يقدر على ذلك؛ مع استغنائه عنه لقوَّته ومؤنة سفره لزِمَه شراؤه، وإِنْ كانت الزّيادة كثيرة تجحف بماله؛ لم يلزم شراؤه لأنَّ عليه ضررًا ...». وقال لي شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى-: «من شأن الشخص أن يبذُل المال في الأمور الدنيوية؛ فهذا أولى». هل هناك مسافة معيَّنة في البحث عن الماء؟ لم يرِدْ في هذا نصٌّ معين، وسأَلتُ شيخنا -حفظه الله تعالى- عن ذلك فأجاب: «إِنَّ ضابط الأمر هو الاستطاعة والقدرة وعدم خروج الوقت في البحث». مَن وجد ما يكفي بعض طهارته يستعمله ويتيمّم للباقي: قال الله تعالى: ﴿فاتَّقُوا الله ما اسْتَطَعْتُم﴾ (١). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِذا أمرْتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٢). قال الإِمام الشوكاني -رحمه الله- عقب هذا الحديث في «نيل الأوطار» (١/ ٣٢٩): "هذا الحديت أصْلٌ من الأصول العظيمة، وقاعدة من قواعد الدين النّافعة، وقد شهد له صريح القرآن، قال الله تعالى: ------------------- (١) التغابن: ١٦ (٢) أخرجه البخاري: ٧٢٨٨، ومسلم: ١٣٣٧، وغيرهما. https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 251الى صــ 265 الحلقة (18) ﴿فاتَّقُوا الله ما اسْتَطَعْتُم﴾ فلك الاستدلال بالحديث على العفو عن كلّ ما خرج عن الطاقة، وعلى وجوب الإِتيان لما دَخل تحت الاستطاعة من المأمور به، وأنَّه ليس مجرَّد خروج بعضه عن الاستطاعة موجب للعفو عن جميعه. وقد استدلّ به المصنف على وجوب استعمال الماء الذي يكفي لبعض الطهارة وهو كذلك». وفي بعض ألفاظ روايات حديث عمرو بن العاص المعروف: «فَغَسل مغابنه وتوضّأ وضوءه للصلاة، ثمَّ صلّى بهم، فذكر نحوه، ولم يذكر التيمُّم» (١). قال أبو داود: وروى هذه القصة عن الأوزاعي، عن حسّان بن عطية، قال فيه: «فتيمّم». قال في «المغني» (١/ ٢٦١): «إِذا كان به قرْح أو مرض مخوف وأجنب فخشي على نفسه إِن أصاب الماء غسَلَ الصحيح من جسده، وتيمّم لما لم يُصبه الماء». الصلاة بدون وضوء أو تيمّم: من كان محبوسًا أو مصلوبًا وحِيل بينه وبين التراب والماء؛ فليصلِّ كما هو. عن عائشة -رضي الله عنها-: «أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت، ------------------ (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٢٤)، والدارقطني وغيرهما وانظر»الإِرواء" (١٥٤)، وتقدم. فبعث رسول الله - ﷺ - رجلًا فوجدها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلَّوا، فشكَوا ذلك إِلى رسول الله - ﷺ -، فأنزل الله آية التيمُّم ...» (١). قال البخاري -رحمه الله- (باب إِذا لم يجد ماءً ولا تُرابًا) (٢)، وأورد حديث عائشة -رضي الله عنها-. قال ابن رشيد تعليقًا على تبويب البخاري السابق: «كأنّ المصنف نزَّل فقْد شرعيَّة التيمُّم منزلة فقد التراب بعد شرعيَّة التيمُّم، فكانَّه يقول: حُكْمهم في عدم المطهّر -الذي هو الماء خاصّة- كحكمنا في عدم المطهّرَيْن: الماء والتراب، وبهذا تظهر مناسبة الحديث للترجمة؛ لأنَّ الحديث ليس فيه أنّهم فقدوا التراب، وإِنّما فيه أنّهم فقدوا الماء فقط؛ ففيه دليل على وجوب الصلاة لفاقد الطهورَين، ووجهُهُ أنّهم صلَّوا معتقدين وجوب ذلك، ولو كانت الصلاة حينئذ ممنوعة لأنكر عليهم النّبيّ - ﷺ -، وبهذا قال الشافعي وأحمد وجمهور المحدِّثين وأكثر أصحاب مالك ...» (٣). قال ابن حزم في «المحلّى» (٢/ ١٨٨): «ومن كان محبوسًا في حضر أو سفر بحيث لا يجد ترابًا ولا ماء، أو كان مصلوبًا وجاءت الصلاة -فليصلِّ كما هو، وصلاته تامّة ولا يعيدها- سواءٌ وُجد الماء في الوقت أو لم يجده إلاَّ -------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣٣٦، ومسلم: ٣٦٧، وغيرهما، وتقدّم. (٢) انظر»صحيح البخارى«(١/ ٩٢). (٣) انظر»الفتح" (١/ ٤٤٠). بعد الوقت». برهان ذلك قول الله تعالى: ﴿فاتَّقُوا الله ما اسْتَطَعْتُم﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وسْعَها﴾ (٢)، وقول رسول الله - ﷺ -: «إذا أمرتكم بأمر فأْتوا منه ما استطعتم» (٣)، وقوله تعالى: ﴿وقد فَصَّل لكم ما حرَّم عليكُم إِلاَّ ما اضطررتم إِليه﴾ (٤). فصحّ بهذه النصوص أنَّه لا يلزمنا من الشرائع إِلا ما استطعنا، وأنَّ ما لم نستطعه فساقطٌ عنّا. وصحّ أنَّ الله تعالى حرّم علينا ترك الوضوء أو التيمُّم للصلاة؛ إلاَّ أن نضطرَّ إِليه، والممنوع من الماء والتراب مضطرٌّ إِلى ما حُرّم عليه من ترْك التطهُّر بالماء أو التراب، فسقط عنّا تحريم ذلك عليه، وهو قادر على الصلاة بتوفيتها أحكامها وبالإِيمان، فبقي عليه ما قَدِر عليه، فإِذا صلّى كما ذكَرنا، فقد صلّى كما أمَره الله تعالى، ومن صلّى كما أمره الله تعالى؛ فلا شيء عليه ...«. وجاء في»المنتقى" (١/ ٢٣٧): (باب الصلاة بغير ماء ولا تراب عند الضرورة) وأورد الحديث نفسه. ------------------ (١) التغابن: ١٦ (٢) البقرة: ٢٨٦ (٣) أخرجه البخاري: ٧٢٨٨، ومسلم: ١٣٣٧، وغيرهما، وتقدّم. (٤) الأنعام: ١١٩ هل يتيمّم إِذا كان قادرًا على استعمال الماء، وخشي خروج الوقت باستعماله؟ قال شيخنا في الردِّ على الشيخ السيد سابق -حفظهما الله تعالى-:»والذي يتبيَّن لي خلافه (١)، وذلك لأنَّه من الثابت في الشريعة أنَّ التيمُّم إِنّما يشرع عند عدم وجود الماء بنصِّ القرآن الكريم، وتوسَّعت في ذلك السنّة المطهرة فأجازَتْه لمرض أو برد شديد كما ذكَره المؤلّف، فأين الدليل على جوازه مع قدرته على استعمال الماء؟ فإِن قيل: هو خشية خروج الوقت، قلتُ: هذا وحده لا يصلُح دليلًا، لأنَّ هذا الذي خشي خروج الوقت له حالتان لا ثالث لهما: إِمّا أن يكون ضاق عليه الوقت بكسبه وتكاسُله، أو بسببٍ لا يملكه مِثل النَّوم والنسيان، ففي هذه الحالة الثانية؛ فالوقت يبتدئ من حين الاستيقاظ أو التذكُّر بقدر ما يتمكن من أداء الصلاة فيه كما أُمِر، بدليل قوله - ﷺ - «من نسي صلاة أو نام عنها فكفَّارتها أن يصلِّيها إِذا ذكرها». أخرجه الشيخان وغيرهما واللفظ لمسلم، فقد جعل الشارع الحكيم لهذا المعذور وقتًا خاصًّا به، فهو إِذا صلّى كما أمر، يستعمل الماء لغسله أو وضوئه، فليس يخشى عليه خروج الوقت، فثبَت أنّه لا يجوز له أن يتيمّم، وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية كما في «الاختيارات» (ص١٢)، وذكَر في «المسائل الماردينية» (ص ٦٥) أنَّه مذهب الجمهور. وأمّا في الحالة الأولى؛ فمن المسلَّم أنَّه في الأصل مأمور باستعمال الماء ----------------- (١) أي: أنَه لا يجوز التيمّم؛ لأن الشيخ السيد سابق -حفظه الله- يرى جواز ذلك، كما في «فقه السنّة» (١/ ٧٩). وأنه لا يتيمّم، فكذلك يجب عليه في هذه الحالة أن يستعمل الماء، فإِنْ أدرك الصلاة فبها، وإِنْ فاتته فلا يلومنّ إلاَّ نفسه، لأنَّه هو الذي سعى إِلى هذه النتيجة. هذا هو الذي اطمأنّت إِليه نفسي، وانشرح له صدري، وإِنْ كان شيخ الإِسلام وغيره قالوا: إِنّه يتيمّم ويصلِّي (١)، والله أعلم. ثمَّ رأيت الشوكاني كأنّه مال إِلى هذا الذي ذكَرته فراجع»السيل الجرّار«(١/ ١٢٦ - ١٢٧)» (٢) انتهى. قلت: قال الشوكاني -رحمه الله- في «الدراري المضيّة» (١/ ٨٦): «وأمّا ما قيل من أنّ فوات الصلاة باستعمال الماء وإِدراكها بالتيمّم سبب من أسباب التيمُّم؛ فليس على ذلك دليل؛ بل الواجب استعمال الماء، وهو إِن كان تراخيه عن تأدية الصلاة إِلى ذلك الوقت لعذر مسوغ للتأخير كالنوم والسهو ونحوهما؛ فلم يوجب الله تعالى عليه إِلا تأدية الصلاة في ذلك الوقت بالطهور الذي أوجبه الله تعالى عليه، وإِن كان التراخي لا لعذر إِلى وقت لو استعمل الوضوء فيه؛ لخرج الوقت فعليه الوضوء، وقد باء بإِثم المعصية». هل يُكره لعادم الماء جماع زوجته؟ لا يُكره ذلك لقول أبي ذرّ للنّبيّ - ﷺ -: «كنت أعزُب (٣) عن الماء، ومعي ----------------- (١) قد سبق قوله -رحمه الله- في»الاختيارات«، ولكنّه في عدة مواطن من»الفتاوى«رجَّح الرأي الآخر. (٢) انظر»تمام المنَّة«(١٣٢، ١٣٣). (٣) أي: أُبعِد.»النهاية". أهلي؛ فتصيبني الجنابة، فأصلّي بغير طهور، فأتيت رسول الله - ﷺ - بنصف النهار وهو في رهطٍ من أصحابه، وهو في ظلِّ المسجد، فقال: أبو ذرّ؟ فقلت: نعم، هلكْتُ يا رسول الله، قال: وما أهلكك؟ قلت: إِنّي كنتُ أعزب عن الماء، ومعي أهلي فتصيبني جنابة، فأصلّي بغير طهور. فأمر لي رسول الله - ﷺ - بماء، فجاءت به جارية سوداء بعُس (١) يتخضخض ما هو بملآن، فتستَّرْتُ إِلى بعيري فاغتسلْت، ثمَّ جئتُ، فقال رسول الله - ﷺ -: يا أبا ذر إِنَّ الصعيد الطيّب طَهور، وإِن لم تجد الماء إِلى عشر سنين، فإذا وجدْتَ الماء فأمسَّه جِلدك» (٢). وروي عن ابن عبّاس في الرجل يكون مع أهله في السفر وليس معهم ماء؛ فلم ير بأسًا أن يغشى أهله ويتيمّم (٣). قال ابن المنذر -رحمه الله-: «وبهذا القول نقول؛ لأنَّ الله تعالى أباح وطي الزوجة وملك اليمين، فما أباح فهو على الإِباحة، لا يجوز حظْر ذلك ولا المنع منه إلاَّ بسنّةٍ أو إِجماع، والممنوع منه: حال الحيض والإِحرام والصيام، ---------------- (١) العُسّ: القدح الكبير وجمعه عِساس وأعساس.»النهاية«. (٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٢٢) وأحمد والترمذي، وانظر»المشكاة«(٥٣٠)، والشطر الأخير منه تقدم تخريجه. قال في»نيل الأوطار«(١/ ٣٢٦):»وذِكْر العشر سنين لا يدّل على عدم جواز الاكتفاء بالماء بعدها؛ لأنَّ ذِكرها لم يُرَد به التقييد، بل المبالغة؛ لأن الغالب عدم فُقدان الماء وكثرة وجدانه لشدة الحاجة إِليه، فعدَمُ وجدانه إنِّما يكون يومًا أو لبعض يوم. (٣) «الأوسط» (٢/ ١٧). وحال المظاهر قبل أن يكفّر، وما وقع بتحريم الوطي منه بحجَّة، فأمّا كل مختلف فيه في ذلك، فمردود إِلى أصل إِباحة الكتاب الوطي، قال الله تعالى: ﴿فإِذا تَطَهَّرنَ فَأْتُوهنَّ من حَيْثُ أَمَرَكم الله﴾ (١). وقد جعل التيمُّم طهارة لمن لم يجد الماء، ولا فرق بين من صلّى بوضوء عند وجود الماء، وبين من صلّى بتيمّم حيث لا يجد الماء؛ إِذ كلٌّ مؤدِ ممَّا فُرضَ عليه» (٢). قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (٢/ ١٩٢) (مسألة ٢٤٧): «ومن كان في سفر ولا ماء معه، وكان مريضًا يشقّ عليه استعمال الماء؛ فله أن يُقبِّل زوجته ويطأها، وهو قول ابن عباس وجابر بن زيد والحسن البصري وسعيد بن المسيب، وقتادة وسفيان الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وإِسحاق وداود وجمهور أصحاب الحديث». وذكَر أقوالًا وتفصيلات أخرى لبعض السلف. وبوَّب لذلك أبو البركات -رحمه الله- في «منتقى الأخبار» (١/ ٣٢٥): (باب الرُّخصة في الجماع لعادم الماء) وذكر حديث أبي ذر -رضي الله عنه-. قال لي شيخنا -حفظه الله تعالى- بعد إِيراد حديث أبي ذر -رضي الله عنه- فقوله - ﷺ -: «وإِن لم تجد الماء إِلى عشر سنين»؛ يُفهِم أنَّه لا يمكن ------------------ (١) البقرة: ٢٢٢. (٢) «الأوسط» (٢/ ١٧). أن يترك جِماعها في هذه المدّة؛ فلمن لم يجد الماء في غير سفر أن يجامع أهله فيتيمّم». الحيض والنِّفاس الحيض تعريفه: الحيض: «دم يرخيه الرّحم، إِذا بَلَغت المرأة، ثمَّ يعتادها في أوقاتٍ معلومة» (١). جاء في «حلية الفقهاء» (ص٦٣): «الحيض: نزول دم المرأة لوقتها المعتاد، ومن العرب من تُسمِّي الحائض النّفساءَ، وإِنَّما سُمِّيت بذلك لسيلان (٢) النَّفْس، والدَّم يُسمَّى نَفْسًا». قال الشاعر: تسيلُ على حدِّ الظبات (٣) نفوسُنا ... وليست على غير السيوف تَسيلُ. وقته: «ليس في السنَّة تحديد لسنِّ البنت التي تحيض، وينبغي أن يُنظر إِلى ---------------- (١)»المغني«(١/ ٣١٣)، وانظر ما جاء في»الفتح«، و»المحلى«(٢/ ٢٢٠) و»المجموع«(٣/ ٣٤٢). (٢) والحيض أصْله السَّيلان، قال في»القاموس«:»حاضت المرأة تحيض حيضًا ومحيضًا ومحاضًا؛ فهي حائض، وحائضة: سال دمها، والمحيض: اسم ومصدر، ومنه الحوض؛ لأنَّ الماء يسيل إليه«. (٣) مفرد الظُّبّة: وهو حدُّ السيف والسنان والخنجر وما أشبههما. وانظر»الوسيط". صفة دم الحيض الطارئ، لا سيَّما أنَّ ربط حُكم شرعيّ بسنَة مُعيَّنة؛ قد لا يكون ربطًا بمعروف محدود. وهناك عائلات كثيرة لا تُسجِّل في الذِّهن أو الورق سَنَة الولادة أو الوفاة، فقد لا تعلم البنت أو الأمّ كم مضى من عمُرها، فليس من المعقول أن يأتي الشرع بشيء لا يُمكن، وقد قال عليه الصلاة السلام: «إذا كان دم الحيض فإِنَّه أسود يُعرَِف (١)» (٢). وإِلى هذا ذهب الدارمي وغيره، فقد قال بعد ذكر الاختلافات: «كل هذا عندي خطأ؛ لأن المرجع في جميع ذلك إِلى الوجود (٣)، فأيّ قَدْر وُجد في أيّ حال وسنّ، كان وجب جعله حيضًا، والله أعلم» (٤). لونه: أ- السواد: لحديث فاطمة بنت حبيش -رضي الله عنها- أنَّها كانت تُستحاض، فقال لها رسول الله - ﷺ -: «إِذا كان دم الحيض؛ فإِنَّه أسود يُعرَف؛ فأمسِكي عن الصَّلاة، فإِذا كان الآخر؛ فتوضّئي إِنما هو عرْق» (٥). ---------------- (١) سيأتي تخريجه بعد سطور -إِن شاء الله-. (٢) قاله لي شيخنا -حفظه الله تعالى-. (٣) أي: وجود الدم. (٤) «المجموع شرح المهذّب» (٢/ ٢٧٤). ونقله عنه الشيخ ابن عثيمين -حفظه الله- في كتابه «الدماء الطبيعية للنساء» (ص ٦). (٥) أخرجه أبو داود: ٢٨٦، «صحيح سنن أبي داود» (٢٦٣)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣٥٠) والطحاوي في «مشكل الآثار» والدارقطني والحاكم = قال في «نيل الأوطار» (١/ ٣٤٢): «والحديث فيه دلالة على أنَّه يعتبر التمييز بصفة الدَّم، فإِذا كان متصفًا بصفة السواد فهو حيض، وإلاَّ فهو استحاضة». وبه يقول الشافعي -رحمه الله- وغيره في حقِّ المبتدئة. ب- الحُمرة. بر- الصُّفرة: «وهو الماء الذي تراه المرأة كالصديد يعلوه اصفرار» (١). د- الكُدرة: «وهو ما كان لونه ينحو نحو السَّواد» (٢)، لحديث علقمة بن أبي علقمة عن أمِّه (٣) مولاة عائشة -رضي الله عنها- أنَّها قالت: كان النِّساء يبعَثن إِلى عائشة أمّ المؤمنين بالدِّرَجَة (٤) فيها الكُرسف (٥)، فيه الصُّفرة من دم الحيض، يسألنها عن الصَّلاة، فتقول لهنَّ: لا تعجَلْن حتى ترَيْن القصَّة (٦) البيضاء -تريد بذلك الطُّهر من الحيضة-«(٧). -------------------- = والبيهقي، وحسّنه شيخنا في»الإِرواء«(٢٠٤). (١) قاله الحافظ في»الفتح«(١/ ٤٢٦). (٢)»المعجم الوسيط«. (٣) انظر ما ذكَره شيخنا في»الإرواء«(١/ ٢١٩): حول أمّ علقمة. (٤) الدِّرَجَة؛ بكسر الدال وفتح الراء، جمع دُرْج: وهو السَّفط الصغير تضع فيه المرأة خِفَّ متاعها وطيبها، وقيل: إِنّما هو الدُّرَجَة تأنيث دُرْج ...»النهاية«. (٥) القطن. (٦) هو أن تخرج القطنة أو الخرقة التي تحشي بها الحائض، كأنَّها قصَّة بيضاء لا يخالطها صُفرة. وقيل: القصة شيء كالخيط الأبيض، يخرج بعد انقطاع الدّم كله.»النهاية«. (٧) أخرجه مالك وعلّقه البخاري، وصححه شيخنا -حفظه الله- في»الإرواء" (١٩٨). ومن طريق أخرى عن مولاة عائشة -رضي الله عنها- أيضًا بلفظ: «قالت: إِذا رأتِ الدَّم فلتُمسكْ عن الصَّلاة حتى تَرى الطُّهر أبيض كالفضَّة، ثمَّ تَسُلّ وتُصلّي» (١). والكدرة والصفرة لا تكون حيضًا إلاَّ في أيام الحيض، وفي غير ذلك لا تُعدّ حيضًا؛ لحديث أمّ عطيّة «كنَّا لا نعُد الصُّفرة والكُدرة بعد الطُّهر شيئًا» (٢). فإِنَّه يدلّ بطريق المفهوم أنَّهنَّ كنَّ يعدُدْن ذلك قبل الطهر حيضًا. قال شيخنا في «تمام المنَّة في التعليق على فقه السنَّة» (ص ١٣٦): «والحديث (٣) وإِن كان موقوفًا؛ فله حُكم المرفوع (٤) لوجوه، أقواها أنَّه يشهد له مفهوم حديث أمّ عطيَّة المذكور في الكتاب (٥) عقب هذا بلفظ:»كنَّا لا نعدُّ الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئًا«، فإنَّه يدلّ بطريق المفهوم أنَّهنَّ كنَّ يعتبرن ذلك قبل الطهر حيضًا، وهو مذهب الجمهور؛ كما قال الشوكاني. -------------------- (١) أخرجه الدارمي: (١/ ٢١٤) وإسناده حسن، وانظر»الإِرواء«(١/ ٢١٩). (٢) أخرجه أبو داود: (٣٠٧)،»صحيح سنن أبي داود«(٣٠٠) والدارمي، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٥٢٩)، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وشيخنا في»الإرواء«(١٩٩)، ورواه غيرهم أيضًا، وأخرجه البخاري: ٣٢٦، ولم يذكر»بعد الطهر«. (٣) أي: حديث:»كانت النساء يبعَثن إِلى عائشة بالدِّرجة فيها الكُرسف ...«. (٤) قال في»سبُل السلام«(١/ ١٨٦):»(كُنَّا) له حُكم الرفع إِلى النّبيّ - ﷺ -؛ لأن المراد: كنا في زمانه - ﷺ - مع عِلمه؛ فيكون تقريرًا منه، وهذا رأْي البخاري وغيره من علماء الحديث؛ فيكون حُجَّة«. (٥) أي:»فقه السنة". وكنتُ قديمًا أرى أنَّ الحيض هو الدَّم الأسود فقط، لظاهر حديث فاطمة بنت حبيش -رضي الله عنها- المذكور في الكتاب، ثمَّ بدا لي وأنا أكتب هذه التعليقات؛ أنَّ الحقَّ ما ذكَره السيد سابق: أنَّه الحُمرة والصُّفرة والكُدرة أيضًا قبل الطهر؛ لهذا الحديث وشاهده، وبدا لي أيضًا أنَّه لا يعارضهما حديث فاطمة؛ لأنه وارد في دم الاستحاضة التي اختلط عليها دم الحيض بدم الاستحاضة، فهي تُميِّز بين دم الاستحاضة ودم الحيض بالسَّواد، فإِذا رأته تركَت الصَّلاة، وإِذا رأت غيره صلَّت، ولا يَحتَمل الحديث غير هذا، والله أعلم». وجاء في «المحلّى»، (٢/ ٢٢٩): «وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإِسحاق وعبد الرحمن بن مهدي: الصّفرة والكُدرة في أيّام الحيض حيض، وليست في غير أيّام الحيض حيضًا. وقال اللَّيث بن سعد: الدَّم والصُّفرة والكُدرة في غير أيام الحيض ليس شيء من ذلك حيضًا، وكلّ ذلك في أيام الحيض حيض». جاء في «المغني» (١/ ٣٤٩): «والصُّفرة والكُدرة في أيَّام الحيض من الحيض؛ يعني إِذا رأت في أيام عادتها صُفرة أو كُدرة فهو حيض، وإنْ رأته بعد أيام حيضها لم يُعتدَّ به؛ نصَّ عليه أحمد وبه قال يحيى الأنصاري وربيعة ومالك والثوري والأوزاعي وعبد الرحمن بن مهدي والشافعي وإسحاق». مدَّته: اختلف العلماء في أقلِّه وأكثره، فمِن قائل: أقلّ الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يومًا، وقد رُوي هذا عن عطاء بن أبي رباح وأبي ثور، وروي عن أحمد أنَّ أقلَّه يوم، وأنَّ أكثره سبعة عشر (١). قال الحافظ في «الفتح» (١/ ٤٢٥): «اختلف العلماء في أقلّ الحيض وأقلّ الطهر، ونقل الداودي أنَّهم اتفقوا على أنَّ أكثره خمسة عشر يومًا، وقال أبو حنيفة: لا يجتمع أقل الطُّهر وأقلّ الحيض معًا، فأقل ما تنقضي به العدَّة عنده ستون يومًا، وقال صاحباه: تنقضي في تسعة وثلاثين يومًا؛ بناءً على أنَّ أقلَّ الحيض ثلاثة أيام، وأنَّ أقل الطّهر خمسة عشر يومًا، وأنَّ المراد بالقُرء الحيض، وهو قول الثوري، وقال الشافعي: القُرء: الطُّهر، وأقله خمسة عشر يومًا، وأقل الحيض يوم وليلة ...». «ويُذكر عن عليّ وشُريح (٢) إِن امرأة جاءت ببيّنة من بطانة أهلها، ممّن يُرضى دينُه أنَّها حاضت ثلاثًا في شهر صُدِّقت. وقال عطاء (٣): الحيض يومٌ إِلى خمسَ عشرة». ------------------ (١) انظر «الشرح الكبير» (١/ ٣٢٠). (٢) قال شيخنا في «المختصر» (١/ ٩١): «وصله الدارمي (١/ ٢١٢ - ٢١٣) بسندٍ صحيح عنهما به نحوه، وفيه قصَّة». وسياق هذه القصّة ما رواه الشعبي أنَّه «جاءت امرأة إِلى عليّ تُخاصِم زوجها طلقها، فقالت: حِضت في شهر ثلاث حِيَض، تطهر عند كلِّ قرء، وتصلّي جاز لها، وإلاَّ فلا، قال علي: قالون». قال الحافظ (١/ ٤٢٥): قال «وقالون بلسان الروم: أحسنت، فهذا ظاهر في أنَّ المراد أن يشهد له بأنَّ ذلك وقع منها». (٣) قال الحافظ (١/ ٤٢٥): وصله الدارمي بإِسناد صحيح، قال: أقصى الحيض خمس عشرة، وأدنى الحيض يوم«. وقال شيخنا في»المختصر" (١/ ٩١): وصله الدارمي (١/ ٢١٠ - ٢١١) مفرّقًا = والحقّ أنَّه لم يأتِ في تحديد مدّة الحيض ما ينهض للاحتجاج، وتحديد ذلك يعود للمرأة، ويكون على حالات، كما سيأتي قريبًا -إِن شاء الله تعالى-. قال في «المغني» (١/ ٣٢١): «ولنا أنَّه ورد في الشرع مطلقًا من غير تحديد، ولا حدَّ له في اللغة ولا في الشريعة؛ فيجب الرّجوع فيه إِلى العُرف والعادة ...». ثمَّ ذكر حالات نادرة عن علماء السلف في الحيض والطهر. ثمَّ قال: «... وقولهنَّ يجب الرجوع إِليه لقوله تعالى: ﴿ولا يحلّ لهنَّ أن يكتُمن ما خَلَقَ الله في أرحامهنَّ﴾ (١) فلولا أنَّ قولهنَّ مقبول ما حرَّم عليهنَّ الكِتمَان، وجرى ذلك مجرى قوله: ﴿ولا تكتموا الشَّهادة﴾ (٢) ...». قال الحافظ في «الفتح» (١/ ٤٢٥) بعد إِيراد قوله تعالى: ﴿ولا يحلّ لهنَّ أن يكتُمن ما خَلَقَ اللهُ في أرحامهنَّ﴾: «وقد روى الطبري بإِسناد صحيح عن الزُّهري قال: بلغنا أنَّ المراد بما خلق الله في أرحامهن: الحمل والحيض؛ فلا يحلّ لهنَّ أن يكتمن ذلك لتنقضي العدَّة، ولا يملك الزوج الرجعة إِذا كانت له. وروى أيضًا بإِسناد حسن عن ابن عمر قال:»لا يحلّ لها إِنْ كانت حائضًا أن تكتم حَيْضتها، ولا إِن كانت حاملًا أن تكتم حَمْلَها«. -------------- = نحوه، وسند»اليوم" حسن، وسند الباقي صحيح. (١) البقرة: ٢٢٨ (٢) البقرة: ٢٨٣ https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 266الى صــ 280 الحلقة (19) ومطابقة الترجمة للآية؛ من جهة أنَّ الآية دالَّة على أنَّها يجب عليها الإِظهار، فلو لم تُصدَّقْ فيه لم يكن فيه فائدة. قال معتمر عن أبيه: سألتُ ابنَ سيرين عن المرأة ترى الدَّم بعد قُرئها بخمسة أيّام؟ قال: النِّساء أعلم بذلك» (١). ------------------ (١) ذكر الحافظ في «الفتح» (١/ ٤٢٥) وَصْل الدارمي له وصحح شيخنا إِسناده في «المختصر» (١/ ٩١). النِّفاس تعريفه: هو سيلان الدَّم من رَحِم المرأة بسبب الولادة (١). مدَّته: أكثره أربعون يومًا لحديث أمّ سلمة -رضي الله عنها- قالت: «كانت المرأة من نساء النّبيّ - ﷺ - تقعد في النِّفاس أربعين ليلة؛ لا يأمرها النّبيّ - ﷺ - بقضاء صلاة النِّفاس» (٢). وعنها بلفظ: «كانت النفساء على عهد رسول الله - ﷺ - تقعد بعد نفاسها أربعين يومًا، أو أربعين ليلة ...» (٣). قال أبو عيسى الترمذي: «أجمع أهل العلم من أصحاب النّبيّ - ﷺ - والتابعين ومن بعدهم، على أنَّ النُّفساء تَدَعُ الصَّلاة أربعين يومًا؛ إِلا أن ترى ----------------------- (١) مضى في (باب الحيض)،» ... سُمِّيت بذلك لسيلان النّفس، والدم يُسمى نفْسًا«. جاء فى»كفاية الأخيار«(١/ ٧٥): وفي اصطلاح الفقهاء ... ويسمّى هذا الدّم نفاسًا؛ لأنَّه يخرج عَقِب نفَس. (٢) أخرجه أبو داود والحاكم، وصحح النووي إِسناده في»المجموع«، ووافقه الذهبي، وحسَّن شيخنا إِسناده في»الإرواء«(٢٠١). (٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٠٤)، والترمذي والدارمي وابن ماجه والدارقطني والحاكم والبيهقي وأحمد، وهو في»الإرواء" (٢٠١). الطُّهر قبل ذلك؛ فإِنَّها تغتسل وتصلّي، فإِذا رأت الدَّم بعد الأربعين؛ فإِنَّ أكثر أهل العلم قالوا لا تدَع الصَّلاة بعد الأربعين، وهو قول أكثر الفقهاء، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإِسحاق». وقال أبو عبيد: «وعلى هذا جماعة النَّاس، وروي هذا عن عمرو بن عباس وعثمان بن أبي العاص وعائذ بن عمرو وأنس وأمّ سلمة -رضي الله عنهم- وبه قال الثوري وإسحاق وأصحاب الرأي ...» (١). وليس لأقلّه حدٌّ؛ أي وقت رأت الطُّهر اغتسلت وهي طاهر. وبهذا قال الثوري والشافعي. وقال مالك والأوزاعي وأبو عبيد: «إِذا لم ترَ دمًا تغتسل وتصلّي». قال في «المغني» (١/ ٣٥٩): «ولنا أنَّه لم يَرِد في الشرع تحديده؛ فيرجع فيه إِلى الوجود، وقد وُجد قليلًا وكثيرًا ...». قال لي شيخنا -حفظه الله تعالى-: «تمكُث المرأة أربعين يومًا نفساء، وإذا استمرَّ الدَّم بعد ذلك تُعدّ مستحاضة، وإذا طهُرت قبل الأربعين؛ فقد طهُرت إِذا رأت القصَّة البيضاء؛ كما هو معروف بالحيض». حُكم النفاس حُكم الحيض في كلّ شيء قال في «المحلّى» (مسألة ٢٦١): «ودم النفاس يمنع ما يمنع منه دم الحيض؛ هذا لا خلاف فيه عن أحد ... وحكمه حُكم الحيض في كلّ شيء، لقولِ رسول الله - ﷺ - لعائشة: ------------------------ (١)»المغني" (١/ ٣٥٨). »أنَفِسْتِ؟ قالت: نعم«، فسمَّى الحيض نفاسًا؛ وكذلك الغُسل منه واجب بإِجماع». ما يحرُم على الحائض والنّفساء ١ - الصّلاة (١): وتقدَّم حديث أمّ سلمة -رضي الله عنها- في ذلك، وفي حديث فاطمة بنت حبيش: «... فإِذا أقبلَت الحيضة فاتركي الصَّلاة». ٢ - الطَّواف: لقوله - ﷺ - لعائشة -رضي الله عنها- حين حاضت: «هذا شيء كَتَبَه الله على بنات آدم، افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» (٢). قال في «سبل السلام» (١/ ١٩٠): «وفيه دليل على أنَّ الحائض يصحّ منها جميع أفعال الحج غير الطواف بالبيت، وهو مُجمَع عليه». ٣ - الصَّوم (٣): لحديث أبي سعيد الخُدريّ -رضي الله عنه- قال: «خرج رسول الله - ﷺ - في أضحى -أو في فطرٍ - إِلى المصلّى، فمرّ على النساء فقال: يا معشر النَّساء تصدَّقن، فإِني أُريتكنَّ أكثر أهل النَّار، ------------------------ (١) انظر»المنتقى«(باب الحائض لا تصوم ولا تصلي وتقضي الصوم دون الصلاة)،»نيل الأوطار«(١/ ٣٥٣) وأيضًا (باب سقوط الصلاة عن النفساء) (١/ ٣٥٩). وقال في»سبل السلام«(١/ ١٨٩) بعد حديث أبي سعيد:»وهو إِخبار يفيد تقريرها على ترك الصوم والصلاة، وكونهما لا يجِبان عليها، وهو إِجماع في أنهما لا يجِبان حال الحيض، ويجب قضاء الصوم لأدلة أُخر«. (٢) أخرجه البخاري: ٣٠٥، ومسلم: ١٢١١ (٣) انظر الحاشية المتقدمة في التعليق على الأمر الأول»الصلاة". فقلن: وبمَ يا رسول الله؟ قال: تُكثرن اللّعنَ وتكفُرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقْل ودين أذهب لِلُبّ الرجل الحازم من إِحداكنّ، قُلن: وما نقصان ديننا وعقْلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مِثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان عَقْلها، أليس إِذا حاضت لم تصلِّ ولم تصُم؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان دينها» (١). قال في «نيل الأوطار» (١/ ٣٥٤): «نقلَ ابن المنذر والنووي وغيرهما إِجماع المسلمين؛ على أنَّه لا يجب على الحائض قضاء الصَّلاة، ويجب عليها قضاء الصيام ...». وقال النووي -رحمه الله تعالى- في «المجموع» (٢/ ٣٥١): «ونقل الترمذي وابن المنذر وابن جرير وآخرون الإِجماع؛ أنَّها لا تقضي الصَّلاة وتقضي الصوم ...». وقال -رحمه الله- أيضًا في «المجموع» (٢/ ٣٥١): «قال أبو جعفر في كتابه»اختلاف الفقهاء«: أجمعوا على أنَّ عليها اجتناب كلّ الصلوات فرْضها ونفلها، واجتناب جميع الصيام فرضه ونفله، واجتناب الطواف فرضه ونفله، وإنها إِن صلَّت أو صامت أو طافت؛ لم يجزها ذلك عن فرضٍ كان عليها». ٤ - الوطء: قال الله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذىً ----------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣٠٤، ومسلم: ٧٩ فاعتزلوا النِّساء في المحيض ولا تقربوهنَّ حتى يطُهُرن فإِذا تطهَّرن فأتوهنَّ من حيث أمَركُم الله إِنَّ الله يُحبّ التَّوابين ويحبّ المتطهرين﴾ (١). عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «من أتى حائضًا أو امرأة في دُبُرها، أو كاهنًا فصدَّقه بما يقول؛ فقد كفَر بما أُنزل على محمَّد» (٢). وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: «أنَّ اليهود كانوا إِذا حاضت المرأة فيهم؛ لم يُؤاكلوها ولم يجامعوهنّ (٣) في البيوت، فسأل أصحاب النّبيّ - ﷺ -؟ فأنزل الله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذىً فاعتزلوا النِّساء في المحيض ...﴾ إِلى آخر الآية». فقال رسول الله - ﷺ -: «اصنعوا كلّ شيء إلاَّ النّكاح». فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدَع من أمرنا شيئًا إلاَّ خالفَنا فيه«(٤). قال في»المحلّى«(٢/ ٢٢٠):»أمَّا امتناع الصَّلاة، والصوم، والطواف، والوطء في الفرج في حال الحيض؛ فإِجماع متيقّن مقطوع به، لا خلاف بين --------------------- (١) البقرة: ٢٢٢ (٢) انظر «صحيح سنن أبي داود» (٣٣٠٤)، و«صحيح سنن ابن ماجه» (٥٢٢)، و«صحيح سنن الترمذي» (١١٦) وانظر «آداب الزفاف» (١٠٥). (٣) أي: لم يخالطوهنّ ولم يساكنوهنّ في بيت واحد. «النووي». (٤) أخرجه مسلم: ٣٠٢، وغيره. أحدٍ من أهل الإِسلام فيه». وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (٢١/ ٦٢٤): «وطء الحائض لا يجوز باتّفاق الأئمّة ...». ما يحلُّ للرجل من الحائض «يجوز التمتع بما دون الفرج من الحائض، وفيه أحاديث: الأول: قوله - ﷺ -:»... واصنعوا كلّ شيء إلاَّ النكاح (١) «(٢). الثاني: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت:»كان رسول الله - ﷺ - يأمر إِحدانا إِذا كانت حائضًا أن تتَّزر، ثمَّ يُضاجعها زوجها، وقالت مرَّة: يباشرها (٣) «(٤). الثالث: عن بعض أزواج النّبيّ - ﷺ - قالت: إِنَّ النّبيّ - ﷺ -:»كان إِذا أراد من الحائض شيئًا ألقى على فرجها ثوبًا [ثمَّ صنعَ ما أراد] «(٥). ------------------------ (١) أي: الجماع. (٢) تقدمّ تخريجه. (٣) المراد هنا وطء المرأة خارج الفرج. (٤) البخاري: ٣٠٢، ومسلم: ٢٩٣، وأبو عوانة في»صحيحه«، وأبو داود وهذا لفظه. (٥) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٤٢) والسياق له، وسنده صحيح على شرط مسلم، وصححه ابن عبد الهادي، وقوّاه ابن حجر، والبيهقي (١/ ٣١٤) والزيادة له. كذا قال شيخنا -حفظه الله- في»آداب الزفاف" (ص ١٢٥). وقالت الصهباء بنت كريم: قلت لعائشة: «ما للرجل من امرأته إِن كانت حائضًا؟ قالت: كلّ شيء إلاَّ الجماع (١)» (٢). وعن عمِّ حرام بن حكيم أنَّه سأل رسول الله - ﷺ -: ما يحلّ لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: «لك ما فوق الإِزار» (٣). وجاء في «المغني» (١/ ٣٥٠): «ويستمتع من الحائض بما دون الفرج». قال في «سبل السلام» (١/ ١٨٨): «... فأمَّا لو جامع وهي حائض؛ فإِنَّه يأثم إِجماعًا ...». وذكر ابن حزم في «المحلّى» (٢/ ٢٤٩): حديث عائشة -رضي الله عنها- أنَّها قالت: قال لي رسول الله - ﷺ -: «ناوليني الخُمرة (٤) من المسجد، ----------------------- (١) قال شيخنا في»آداب الزفاف«(ص ٢٢٤): رواه ابن سعد (٨/ ٤٨٥) وقد صحّ عنها مِثله في الصائم، وبيانه في»الأحاديث الصحيحة«(٢٢٠ و٢٢١). (٢) انظر»آداب الزفاف«(ص١٢٣ - ١٢٥) طبعة»المكتبة الإِسلامية«، والتخريجات كذلك، من نفس الكتاب. (٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٩٧). (٤) جاء في»شرح النووي«(٣/ ٢١٠):»أمّا الخُمْرة -فبضم الخاء وإسكان الميم- قال الهروي وغيره: هي هذه السجَّادة، وهي ما يضع عليه الرجل جزء وجهه في سجوده؛ من حصير أو نسيجة من خُوص [ورق النّخل وما شابهه] ... وقال الخطابي: هي سجادة يسجد عليها المصلي ... وسُميت خمرة لأنَها تخمر الوجه: أي: تغطيه وأصل التخمير التغطية، ومنه خمار المرأة، والخَمر لأنها تغطي العقل". فقلت: إِنّي حائض. فقال: «تناوَليها؛ فإِنَّ الحيضة ليست في يدك» (١). وذكر حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أيضًا، قال: بينما رسول الله - ﷺ - في المسجد فقال: «يا عائشة! ناوليني الثوب»، فقالت: إِني حائض. فقال: «حيضتك ليست في يدك، فناولتْه» (٢). ثمَّ قال -رحمه الله-: فهما دليل أن لا يجتنب إلاَّ الموضع الذي فيه الحيضة وحده. ونقل شيخ الإِسلام ابن تيمية في «الفتاوى» (٢١/ ٦٢٤) اتفاق الأئمّة على تحريم وطء الحائض، كما تقدّم. كفّارة من جامع الحائض على من جامع الحائض أن يتصدَّق بدينار أو نصف دينار؛ لحديث عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- عن النبيّ - ﷺ - في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: «يتصدَّق بدينار أو نصف دينار» (٣). -------------------- (١) أخرجه مسلم: ٢٩٨، وغيره. (٢) أخرجه مسلم: ٢٩١، وغيره. (٣) أخرجه أصحاب السنن «صحيح سنن أبي داود» (٢٣٧)، و«صحيح سنن النسائي» (٢٧٨)، و«صحيح سنن ابن ماجه» (٥٢٣). والطبراني في «المعجم الكبير» وابن الأعرابي في «معجمه» والدارمي والحاكم والبيهقي بإِسناد صحيح على شرط البخاري، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وابن دقيق العيد، وابن التركماني، وابن القيّم، وابن حجر العسقلاني، كذا في «آداب الزفاف» (ص ١٢٢) ا. هـ. قلت: والظاهر أن دينار الذهب ٤.٢٥ غم -والله تعالى أعلم-. قال شيخنا في «آداب الزفاف» (ص ١٢٣): «قال أبو داود في»المسائل«(٢٦):»سمعت أحمد سُئل عن الرجل يأتي امرأته وهي حائض؛ قال: ما أحسن حديث عبد الحميد فيه! (قلت: يعني: هذا). قلت: وتذهب إِليه؟ قال: نعم؛ إِنَّما هو كفَّارة. قلت: فدينار أو نصف دينار؟ قال: كيف يشاء«. وذهب إِلى العمل بالحديث جماعةٌ آخرون من السلف؛ ذكر أسماءهم الشوكاني في»النيل«(١/ ٢٤٤) وقوَّاه. قلت: -أي شيخنا حفظه الله- ولعلَّ التمييز بين الدينار ونصف الدينار، يعود إِلى حال المتصدّق من اليسار أو الضّيق؛ كما صرَّحت بذلك بعض روايات الحديث؛ وإِنْ كان سنده ضعيفًا، والله أعلم». متى يجوز إِتيان الحائض إِذا طهُرت؟ قال في «روح المعاني» (٢/ ١٢٢): "﴿حتى يطهُرن﴾ والغاية انقطاع الدَّم عند الإِمام أبي حنيفة -رضي الله عنه- فإنْ كان الانقطاع لأكثر مدَّة الحيض حلَّ القربان بمجرَّد الانقطاع، أو إِنْ كان لأقلّ منها لم يحلّ إلاَّ بالاغتسال، أو ما هو في حُكمه من مضيّ وقت الصَّلاة، وعند الشافعية هي الاغتسال بعد الانقطاع، قالوا: ويدلُّ عليه صريحًا قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية ابن عباس (يطَّهرن) -بالتشديد- أى: (يتطهَّرن) والمراد به: يغتسلن، لا لأنَّ الاغتسال معنى حقيقي للتطهير؛ كما يوهمه بعض عباراتهم -لأنَّ استعماله فيما عدا الاغتسال شائع في الكلام المجيد والأحاديت؛ على ما لا يخفى على المتتبّع -بل لأنَّ صيغة المبالغة يُستفاد منها الطهارة الكاملة، والطهارة الكاملة للنساء عن المحيض هو الاغتسال- فلمَّا دلّت قراءة التشديد على أنَّ غاية حرمة القربان هو الاغتسال، -والأصل في القراءات التوافق- حُملت قراءة التخفيف عليها، بل قد يُدّعى أنَّ الطهر يدلّ على الاغتسال أيضًا، بحسب اللغة. ففي»القاموس«طهُرت المرأة: انقطع دمها، واغتسلت من الحيض كتطهَّرت. وأيضًا قوله تعالى: ﴿فإِذا تطهَّرن فأتوهنَّ﴾ يدلّ التزامًا على أنَّ الغاية هي الاغتسال، لأنَّه يقتضي تأخّر جواز الإِتيان عن الغسل، فهو يُقوّي كون المراد بقراءة التخفيف الغُسل لا الانقطاع، وربما يكون قرينة على التجوز في الطهر، بحمله على الاغتسال إِن لم يسلّم ما تقدّم، وعلى فرض عدم التسليم هذا وذاك، والرجوع إِلى القول بأنَّ قراءة التخفيف من الطهر، وهو حقيقة في انقطاع الدم لا غير، ولا تجوُّز ولا قرينة، وقراءة التشديد من التطهر، ويستفاد منه الاغتسال». وقال البغوي -رحمه الله- (١/ ١٩٧): تطهَّرن: يعني: اغتسلن. قال في «المغني» (١/ ٣٥٣): «فإِن انقطع دمها فلا توطأ حتى تغتسل». وجملته أنَّ وطء الحائض قبل الغسل حرام، وإِن انقطع دمها في قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: هذا كالإِجماع منهم، وقال أحمد بن محمد المروزي: «لا أعلم في هذا خلافًا ...». ولنا قول الله تعالى: ﴿ولا تقربوهنَّ حتى يطهُرن فإِذا تطهَّرن فأتوهنَّ من حيث أمَركم الله﴾ يعني: إِذا اغتسلن هكذا فسَّره ابن عباس، ولأنَّ الله تعالى قال في الآية: ﴿ويحبُّ المتطهِّرين﴾ فأثنى عليهم، فيدلّ على أنَّه فِعْل منهم؛ أثنى عليهم به، وفِعْلهم هو الاغتسال؛ دون انقطاع الدم، فشَرط لإِباحة الوطء شرطين: انقطاع الدم والاغتسال، فلا يباح إلاَّ بهما؛ كقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إِذا بَلَغُوا النكاح فإِنْ آنستم منهم رُشْدًا فادفعُوا إِليهم أموالَهم﴾ (١)، لمّا اشترط لدفع المال عليهم بلوغ النكاح والرّشد، لم يُبَح إلاَّ بهما، كذا هاهُنا، ولأنها ممنوعة من الصلاة لحدث الحيض، فلم يُبَح وطؤها كما لو انقطع لأقل الحيض، وما ذكروه من المعنى منقوض؛ بما إِذا انقطع لأقل الحيض، ولأنَّ حدث الحيض آكد من حدث الجنابة، فلا يصحّ قياسه عليه. جاء في «الفتاوى» (٢١/ ٦٢٤): "أمَّا المرأة الحائض إِذا انقطع دمها؛ فلا يطؤها زوجها حتى تغتسل إِذا كانت قادرة على الاغتسال، وإلا تيمَّمت كما هو مذهب جمهور العلماء، كمالك وأحمد والشافعي. وهذا معنى ما يُروى عن الصحابة حيث روي عن بضعة عشر من الصحابة -منهم الخلفاء- أنَّهم قالوا: في المعتدَّة هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة. والقرآن يدلُّ على ذلك، قال الله تعالى: ﴿ولا تقربوهنَّ حتى يطهُرن فإِذا ----------------------- (١) النساء: ٦ تطهَّرن فأتوهنَّ من حيث أمركم الله﴾ (١). قال مجاهد: ﴿حتى يطهُرن﴾ يعني: ينقطع الدَّم، ﴿فإِذا تطهَّرن﴾: اغتسلن بالماء، وهو كما قال مجاهد. وإِنَّما ذكر الله غايتين على قراءة الجمهور، لأنَّ قوله: ﴿حتى يطهُرن﴾ غاية التحريم الحاصل بالحيض، وهو تحريم لا يزول بالاغتسال ولا غيره، فهذا تحريم يزول بانقطاع الدَّم، ثمَّ يبقى الوطء بعد ذلك جائزًا بشرط الاغتسال، لا يبقى محرَّمًا على الإِطلاق، فلهذا قال: ﴿فإذا تطهَّرن فأتوهنَّ من حيث أمركُم الله﴾. وهذا كقوله: ﴿فإِن طلَّقها فلا تحلُّ له من بعدُ حتى تَنكحَ زوجًا غيره﴾ (٢). فنكاح الزوج الثاني غاية التحريم الحاصل بالثلاث، فإِذا نَكَحت الزوج الثاني زال ذلك التحريم، لكن صارت في عصمة الثاني؛ فحرمت لأجل حقّه، لا لأجل الطَّلاق الثلاث، فإِذا طلَّقها جاز للأوَّل أن يتزوَّجها. وقد قال بعض أهل الظاهر: المراد بقوله: ﴿فإذا تطهَّرن﴾ أي: غسلْن فرجهنّ، وليس بشيء، لأنَّ الله قد قال: ﴿وإِن كنتم جُنُبًا فاطَّهروا﴾ (٣)؛ فالتطهّر في كتاب الله هو الاغتسال، وأمَّا قوله: ﴿إنَّ الله يحبّ التَّوابين ويُحبُّ ------------------------ (١) البقرة: ٢٢٢ (٢) البقرة: ٢٣٠ (٣) المائدة: ٦ المتطهِّرين﴾ (١) فهذا يدخل فيه المغتسل والمتوضئ والمستنجي، لكن التطهّر المقرون بالحيض؛ كالتطهر المقرون بالجنابة، والمراد به الاغتسال. وأبو حنيفة -رحمه الله- يقول: إِذا اغتسلت، أو مضى عليها وقت صلاة، أو انقطع الدَّم لعشرة أيام حلَّت؛ بناءً على أنَّه محكوم بطهارتها في هذه الأحوال، وقول الجمهور هو الصواب كما تقدَّم، والله أعلم». وجاء في الكتاب السابق أيضًا (ص٦٢٤): «وسئل رحمه الله عن إِتيان الحائض قبل الغسل، وما معنى قول أبي حنيفة: فإِن انقطع الدَّم لأقل من عشرة أيام، لم يَجُزْ وطؤها حتى تغتسل؟ وإِن انقطع دمها لعشرة أيام جاز وطؤها قبل الغسل؟ وهل الأئمة موافقون على ذلك؟ فأجاب: أمَّا مذهب الفقهاء؛ كمالك والشافعي وأحمد فإِنَّه لا يجوز وطؤها حتى تغتسل، كما قال تعالى: ﴿ولا تقربوهنَّ حتى يطهُرن فإِذا تطهَّرن فأتوهنَّ من حيثُ أمركم الله﴾، وأمَّا أبو حنيفة فيجوِّز وطأها إِذا انقطع لأكثر الحيض، أو مرَّ عليها وقت الصَّلاة فاغتسلت، وقول الجمهور هو الذي يدلّ عليه ظاهر القرآن والآثار». وقد رأيت قول شيخ الإِسلام -رحمه الله- المتقدِّم قد رجَّح عدم الوطء إلاَّ بعد الاغتسال، حين قال -رحمه الله-: "وقال بعض أهل الظاهر: المراد بقوله: ﴿فإِذا تطهّرن﴾ أي: غسلن فروجهنَّ، وليس بشيء؛ لأنَّ الله قد قال: ﴿وإِن كنتم جُنُبًا فاطَّهروا﴾. فالتطهُّر في كتاب الله هو الاغتسال، وأمَّا قوله: ﴿إِنَّ الله يحبُّ التوَّابين ----------------------- (١) البقرة: ٢٢٢ ويحبُّ المتطهِّرين﴾، فهذا يدخل فيه المغتسل والمتوضئ والمستنجي، لكن التطهّر المقرون بالحيض؛ كالتَّطهر المقرون بالجنابة والمراد به الاغتسال». قلت: وزاد هذا الترجيح عندي ما جاء في «اللسان»: «طَهَرت المرأة وطَهُرت وطَهِرت: اغتسلت من الحيض وغيره». وطهُرت المرأة وهي طاهر: انقطع عنها الدَّم ورأت الطُّهر فإِذا اغتسلت؛ قيل تطهَّرت واطَّهَّرت، قال الله عز وجل: ﴿وإِن كنتم جُنُبًا فاطَّهَّروا﴾. وروى الأزهري عن أبي العباس أنَّه قال في قوله عز وجل: ﴿ولا تقربوهنَّ حتى يطُهرن فإِذا تطهَّرن فأتوهنَّ من حيث أمركم الله﴾ وقرأ: ﴿حتى يطَّهَّرْن﴾، قال أبو العبّاس والفرّاء: «يطّهّرن لأنَّ من قرأ: ﴿يطْهرن﴾ أراد: انقطاع الدَّم، فإِذا تطهَّرن اغتسلن؛ فصيَّر معناهما مختلفًا، والوجه أن تكون الكلمتان بمعنى واحد؛ يُريد بهما جميعًا الغسل، ولا يحلّ المسيس إِلا بالاغتسال، وتُصدِّق ذلك قراءة ابن مسعود: ﴿حتى يَتَطهَّرْن﴾». وقال ابن الأعرابي: «طَهَرت المرأة هو الكلام، قال: ويجوز طهُرت، فإِذا تَطَهَّرن: اغتسلن. وقال: تطهَّرت المرأة: اغتسلت». وخلاصة القول: عدم جواز إِتيان الحائض إِذا طهُرت إِلا بعد الاغتسال (١). -------------------------- (١) انتهيت إِلى هذا وأنا أعلم من شيخنا، أنه يرى جواز إتيان المرأة قبل الاغتسال بعد الطهر من الحيض أو النفاس؛ كما في الطبعة الأولى من الطبعة الجديدة من «آداب الزفاف» سنة ١٤٠٩هـ. ثم سألته «هل رأيتم غير ذلك؟»، فقال: «نعم، يَطْهُرن غير يَطَّهْرن، فلا بد من الاغتسال». https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 281الى صــ 295 الحلقة (20) مسائل تتعلق في غسل الحائض والنّفساء ١ - نقْض المرأة شعرها عند غسل المحيض: كما في حديث عائشة -رضي الله عنها-:»... فأدركني يوم عرفة وأنا حائض، فشكوت إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: «دعي عمرتك وانقضي رأسكِ، وامتَشِطي وأهلّي بحجٍّ، ففعلْت» (١). ٢ - استحباب استعمال المُغتَسِلة من الحيض فِرصة من مسِك في موضع الدَّم: عن منصور بن صفية عن أمّه عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «سأَلَت امرأةٌ (٢) النّبيّ - ﷺ -: كيف تغتسل من حيضتها؟ قال:»فذَكرت أنَّه علَّمها كيف تغتسل، ثمَّ تأخذ فِرصة من مِسك (٣)، فتَطهَّر بها. قالت: كيف أتطهَّر بها؟ قال: «تطهَّري بها سبحان الله!» (٤) واستَتر (وأشار ----------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣١٧، ومسلم: ١٢١١، وتقدّم. (٢) هي أسماء بنت شَكَل، كما في بعض روايات مسلم. (٣) جاء في «النهاية»: «الفِرصة -بكسر الفاء-: قطعة من صوف أو قطن أو خرقة، يُقال: فَرَصْت الشيء إِذا قطعته، والممسّكة: المُطيّبة بالمِسك؛ يتتبَّع بها أثر الدم؛ فيحصل منه الطيب والتنشيف». قال النووي: «واختلف العلماء في الحكمة في استعمال المسك، فالصحيح المختار الذي قاله الجماهير من أصحابنا وغيرهم، أنَّ المقصود باستعمال المِسك؛ تطييب المحلّ، ودفع الرائحة الكريهة». (٤) قال النووي -رحمه الله- قد قدّمنا أنَّ -سبحان الله- في هذا الموضع = لنا سفيانُ بن عيينة بيده على وجهه)، قال: قالت عائشة: واجتذبْتُها إِليَّ، وعرفتُ ما أراد النّبيّ - ﷺ -، فقلت: تتبَّعي بها أثر الدَّم» (١). كيف تغتسل الحائض أو النفساء؟ عن عائشة -رضي الله عنها- «أنَّ أسماء سألَت النّبيّ - ﷺ - عن غُسل المحيض؟ فقال:»تأخذ إِحداكنَّ ماءَها وسدْرتها فتطهَّر؛ فتُحسن الطُّهور، ثمَّ تصب على رأسها؛ فتدلُكُه دلكًا شديدًا؛ حتى تبلغ شؤون (٢) رأسها، ثمَّ تصبّ عليها الماء، ثمَّ تأخذ فِرصة ممسّكة؛ فتطَهَّر بها«. فقالت أسماء: وكيف تطَهَّر بها؟ فقال: سبحان الله! تطَّهّرين بها». فقالت عائشة (كأنَّها تخفي ذلك): تَتَبَّعين أثر الدَّم (٣). ------------------------- = وأمثاله؛ يراد به التّعجُّب، وكذا لا إِله إلاَّ الله، ومعنى التعجّب هنا؛ كيف يخفى مِثل هذا الظاهر؛ الذي لا يحتاج الإِنسان في فهمه إِلى فكر. (١) أخرجه البخاري: ٣١٤، ٣١٥، ٧٣٥٧، ومسلم: ٣٣٢، وغيرهما، وتقدّم. قال الحافظ: «وفي هذا الحديث من الفوائد: التسبيح عند التعجُّب، واستحباب الكنايات فيما يتعلّق بالعورات، وفيه سؤال المرأة العالم عن أحوالها التي يُحتشم منها، وفيها الاكتفاء بالتعريض والإشارة في الأمور المستهجنة، وتكرار الجواب لإفهام السائل، وفيه تفسير كلام العالم بحضرته لمن خفي عليه، إِذا عرف أن ذلك يُعجبه، وفيه الأخذ عن المفضول بحضرة الفاضل، وفيه صحّة العرْض على المحدّث؛ إِذا أقرّه ولم يُقل عقبه نعم، وفيه الرّفق بالمتعلّم، وإقامة العُذر لمن لا يَفهم، وفيه حُسن خُلُقه - ﷺ - وعظيم حلمه وحيائه». «الفتح». بحذف يسير. (٢) قال في «النهاية»: عظامه وطرائقه وتواصيل قبائله، وهي أربعة بعضها فوق بعض. (٣) أخرجه مسلم: ٣٣٢، وأصله في البخاري: ٣١٤، ٣١٥، ٧٣٥٧، وانظر الحديث السابق. كيف تُطهِّر الحائض ثوبها؟ تطهِّر الحائض ثوبها بحكة بضِلَع (١)، وتغسله بماء وسِدْر أو صابون أو نحوه من المنظّفات، ثمَّ تنضح الماء في سائر الثوب، لقوله - ﷺ -: «حُكّيه بضِلَع واغسليه بماء وسِدْر» (٢). وعن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- قالت: «سمعتُ امرأة تسأل رسول الله - ﷺ - عن ثوبها إِذا طهُرت من محيضها، كيف تصنع به؟ قال: إِنْ رأيت فيه دمًا فحُكّيه، تمَّ اقرصيه بماء، ثمَّ انضحي في سائره؛ فصلّي فيه». قال شيخنا في «الصحيحة» تحت (رقم ٢٩٩): «في هذه الرواية زيادة:»ثمَّ انضحي في سائره«، وهي زيادة هامَّة؛ لأنها تبيِّن أنَّ قوله في رواية هشام:»ثمَّ لتنضحه«ليس المراد نضْح مكان الدَّم بل الثوب كلّه. ويشهد له حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت:»كانت إحدانا تحيض، ثمَّ تقرص الدَّم من ثوبها عند طُهْرها فتغسله، وتنضح سائره، ثمَّ تصلّي فيه«(٣). ---------------------- (١) أي بعود، والأصل فيه ضلع الحيوان، فسمّي به العود الذي يُشبهه، وقد تسكّن اللام تخفيفًا.»النهاية«. (٢) أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٤٩)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٢٨١)، والدارمي، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٥١١) وغيرهم، وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في»الصحيحة" (٣٠٠) وتقدّم. (٣) أخرجه البخاري: ٣٠٨ الاستحاضة تعريفها: «هي أن يستمرّ بالمرأة خروج الدّم؛ بعد أيام حيضها المعتادة» (١). أحوال المستحاضة (٢): ١ - أن تكون مدّة الحيض معروفة لها قبل الاستحاضة، وفي هذه الحالة تُعدّ هذه المدَّة المعروفة هي مدَّة الحيض والباقي استحاضة؛ لحديث أمّ سلمة -رضي الله عنها-: أنَّها استّفتت النّبيّ - ﷺ - في امرأة تُهراق الدّم؟ فقال: «لتنظر قدْر الليالي والأيام التي كانت تحيضهنّ وقدْرهنَّ من الشَّهر، فتدَع الصَّلاة، ثمَّ لتغتسل ولتستثْفر (٣) ثمَّ تصلّي» (٤). قال الخطابي: هذا حُكم المرأة يكون لها من الشَّهر أيام معلومة؛ تحيضها في أيام الصِّحَّة قبل حدوث العلَّة، تمَّ تُستحاض فتهريق الدَّم، ويستمرّ بها السيلان، أمرها النّبيّ - ﷺ - أن تدَع الصَّلاة من الشهر، قدر الأيام ---------------------- (١) «النهاية». (٢) عن كتاب «فقه السنّة» للسيد سابق -حفظه الله- بحذف وتصرُّف. (٣) هو أن تشدّ فرجها بخرقة عريضة؛ بعد أن تُحتشى قُطنًا، وثوثّق طرفيها في شيء تشدّه على وسطها، فتمنع بذلك سيل الدّم، وهو مأخوذ من ثَفَر الدّابة الذي يجعل تحت ذنبها. «النهاية». (٤) رواه مالك والخمسة إلاَّ الترمذي، وقال النووي: إسناده على شرطهما، وانظر «المشكاة» (٥٥٩)، و«صحيح سنن أبي داود» (٢٤٤) و«صحيح سنن النسائي» (٢٠٢) و«صحيح سنن ابن ماجه» (٥٠٦). التي كانت تحيض؛ قبل أن يصيبها ما أصابها، فإِذا استوفت عدد تلك الأيام؛ اغتسلت مرّة واحدة، وحُكمها حُكم الطَّواهر (١). جاء في «الفتاوى» (٢١/ ٦٢٨): «وبهذا الحديث أخَذ جمهور العلماء في المستحاضة المعتادة؛ أنَّها ترجع إِلى عادتها؛ وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد». ٢ - أن يستمر بها الدَّم ولم يكن لها أيَّام معروفة؛ إِمَّا لأنَّها نسيت عادتها، أو بلَغت مستحاضة، ولا تستطيع تمييز دم الحيض، وفي هذه الحالة يكون حيضها ستة أيام أو سبعة، على غالب عادة النِّساء (٢)؛ لحديث حمنة بنت جحش قالت: كنتُ أُستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت رسول الله - ﷺ - أستفتيه وأخبره، فوجدتُه في بيت أُختي زينب بنت جحش، فقلت: يا رسول الله إِنّي امرأة أُستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما ترى فيها، قد منعَتني الصَّلاة والصَّوم؟ فقال: «أنعتُ لَكِ الكُرسُف (٣) فإِنَّه يذهبُ الدَّم»، قالت: هو أكثر من ذلك. قال: «فاتَّخذي ثوبًا»، فقالت: هو أكثر من ذلك، إِنَّما أثجُّ ثجًَّا (٤). قال رسول الله - ﷺ -: «سآمرك بأمرين أيَّهما فعلْتِ أجزأ عنك من الآخر، وإِنْ -------------------------- (١) فهذه هي المعتاده التي لها عادة من أيام معروفة تعود إليها. (٢) انظر»المغني" (١/ ٣٤٦). (٣) أي: القطن. (٤) الثَّجّ: شدَّة السيلان. قويتِ عليهما فأنتِ أعلم»، فقال لها: «إِنَّما هي ركضة (١) من رَكَضات الشيطان، فتحيَّضي ستَّة أيَّام أو (٢) سبعة أيَّام، في عِلم الله، ثمَّ اغتسلي حتى إِذا رأيتِ أنَّك قد طهُرت واستنقأتِ؛ فصلّي ثلاثًا وعشرين ليلة، أو أربعًا وعشرين ليلة وأيَّامها وصومي، فإِنَّ ذلك يجزيك، وكذلك فافعلي كل شهر؛ كما تحيض النِّساء وكما يطهُرن، ميقات حيضهنّ وطُهرهنّ، وإِن قويتِ على أن تؤخِّري الظهر وتعجلّي العصر؛ فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر، وتؤخِّرين المغرب وتعجلين العشاء، ثمَّ تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر فافعلي، وصومي إِنْ قدرْتِ على ذلك». قال رسول الله - ﷺ -: «وهذا أعجب الأمرين إِليّ» (٣). ------------------------ (١) قال في النهاية: «أصل الرّكض: الضَّرب بالرجل والإِصابة بها؛ كما تُركض الدابة وتُصاب بالرِّجل؛ أراد الإِضرار بها والأذى، المعنى أنَّ الشيطان قد وجد بذلك طريقًا إِلى التلبيس عليها؛ في أمر دينها وطُهرها وصلاتها، حتى أنساها ذلك عادتها، وصار في التقدير؛ كأنّه ركضة بآلة من ركضاته». وذكَره الشوكاني في «نيل الأوطار» (١/ ٣٤٤). وقال الصنعاني في «سبل السلام» (١/ ١٨٣): «معناه أنَّ الشيطان قد وجد سبيلًا إِلى التلبيس عليها في أمر دينها وطُهرها وصلاتها حتى أنساها عادتها وصارت في التقدير؛ كأنها ركضة منه، ولا ينافي ما تقدّم إِنَّه عِرق يُقال له العاذل؛ لأنَّه يُحمل على أنَّ الشيطان ركضه حتى انفجر». (٢) قال في «سبل السلام» (١/ ١٨٤): «ليست فيه كلمة (أو) شكًا من الراوي ولا للتخيير، للإِعلام بأنَّ للنساء أحد العددين، فمنهنَّ من تحيض ستًّا، ومنهنَّ من تحيض سبعًا، فترجع إِلى من هي في سنّها وأقرب إِلى مزاجها». (٣) أخرجه أبو داود: ٢٨٧ «صحيح سنن أبي داود» (٢٦٧)، والترمذي "صحيح سنن = قال الخطابي -تعليقًا على هذا الحديث-: إِنَّما هي امرأة مبتدئة لم يتقدَّم لها أيام، ولا هي مميّزة لدمها، وقد استمرَّ بها الدَّم حتى غلبَها، فردَّ رسول الله - ﷺ - أمرها إِلى العُرف الظاهر والأمر الغالب من أحوال النِّساء، كما حَمَل أمرها في تحيُّضها كل شهر مرّة واحدة؛ على الغالب من عادتهن، ويدلّ على هذا قوله: «كما تحيض النِّساء ويطهُرن بميقات حيضهنَّ وطُهرنَّ». قال: وهذا أصلٌ في قياس أمر النِّساء؛ بعضهنَّ على بعض؛ في باب الحيض والحمل والبلوغ، وما أشبه هذا من أمورهنّ. ٣ - أن لا تكون لها عادة، ولكنَّها تستطيع تمييز دم الحيض عن غيره، وفي هذه الحالة تعمل بالتَّمييز، لحديث فاطمة بنت أبي حبيش -رضي الله عنها- أنَّها كانت تُستحاض، فقال النّبيّ - ﷺ -: «إِذا كان دم الحيض؛ فإِنَّه أسود يُعرف؛ فأمسكي عن الصَّلاة، فإِذا كان الآخر؛ فتوضَّئي إِنَّما هو عرْق (١)» (٢). ------------------------- = الترمذي«(١١٠)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٥١٠) والطحاوي في»مشكل الآثار«والدارقطني والحاكم، وانظر»الإِرواء«(١٨٨). (١) تقدّم تخريجه. (٢) قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في»الفتاوى«(٢١/ ٦٣٠):»وفي المستحاضة عن النّبيّ - ﷺ - ثلاث سنن: سنة في العادة لمن تقدّم، وسنَّة في المميزة، وهو قوله: «دم الحيض أسود يُعرَف»، وسنّة في غالب الحيض، وهو قوله: "تحيَّضي ستًا أو سبعًا ثمَّ اغتسلي، وصلّي ثلاثًا وعشرين، أو أربعًا وعشرين، كما تحيض النساء، = أحكام المُستحاضة (١) ١ - جواز وطئها في حال جريان دم الاستحاضة؛ عند جماهير العلماء؛ لأنَّها كالطَّاهرة في الصَّلاة والصوم وغيرهما، فكذا في الجماع، ولأنَّه لا يحرم إلاَّ عن دليل، ولم يأت دليل بتحريم جماعها. قال ابن عبّاس: «المستحاضة يأتيها زوجها إِذا صلَّت، الصَّلاة أعظم» (٢). [وعن عكرمة قال: «كانت أم حبيبة تُستحاض فكان زوجها يغشاها» (٣). وعن حَمْنة بنت جحش: «أنَّها كانت مُستحاضة؛ وكان زوجها ------------------------ = ويطهرن لميقات حيضهنّ وطهرهنّ». وقال -رحمه الله- أيضًا في نفس الموضع: «على أنَّ المستحاضة المميزة؛ تجلس ستًا أو سبعًا وهو غالب الحيض». وجاء في «الفتاوى» أيضًا (٢١/ ٦٣٠): «... إِمّا العادة فإِنَّ العادة أقوى العلامات؛ لأنَّ الأصل مقام الحيض دون غيره. وإمّا التمييز؛ لأنَّ الدم الأسود والثخين المُنتن؛ أولى أن يكون حيضًا من الأحمر. وإِمَّا اعتبار غالب عادة النساء؛ لأنَّ الأصل إِلحاق الفرد بالأعمّ الأغلب». (١) النقاط من (١ - ٣) من «سبل السلام»، إلاَّ ما كان بين معقوفين مستطيلين فليس منه، ومن (٤ - ٦) من كتاب «فقه السنّة» بتصرف يسير. (٢) ذكره البخاري معلقًا، وانظر «الفتح» (١/ ٤٢٨) وقال شيخنا في «المختصر» (١/ ٩٢): «وصله الدارمي (١/ ٢٠٣) بإِسناد صحيح عنه دون الإتيان، ولكنّه أخرج هذا القدر منه (١/ ٢٠٧) بسند ضعيف عنه، وأخرجه عبد الرزاق أيضًا». (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٠٢). يجامعها» (١)]. ٢ - أنَّها تُؤمر بالاحتياط في طهارة الحدث النجس؛ فتغسل فرجها قبل الوضوء وقبل التَّيمُّم، وتحشو فرجها بقطنة، أو خرقة دفعًا للنجاسة، وتقليلًا لها، فإِنْ لم يندفع الدَّم بذلك؛ شدَّت مع ذلك على فرجها وتلجَّمت واستثفرت (٢). كما هو معروف في الكتب المطوَّلة. ٣ - ومنها أنَّه ليس لها الوضوء قبل دخول وقت الصَّلاة عند الجمهور؛ إِذ طهارتها ضروريّة؛ فليس لها تقديمها قبل وقت الحاجة. ٤ - أنه لا يجب عليها الغسل لشيء من الصَّلاة، ولا في وقت من الأوقات إلاَّ مرّة واحدة؛ حينما ينقطع حيضها، وبهذا قال الجمهور من السَّلف والخلف. ٥ - أنَّه يجب عليها الوضوء لكلّ صلاة؛ لقوله - ﷺ - لفاطمة بنت أبي حبيش -وهي تحدِّثه عن استحاضتها-: «توضَّئي لكلّ صلاة» (٣). وقوله لها: «إِنَّه دم عِرق فتوضئي لكلّ صلاة» (٤). ------------------------ (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٠٣) وغيره، وانظر «تمام المنة» (ص ١٣٧). (٢) قال في «النهاية»: «... استثفري وتلجّمي، أي: اجعلي موضع خروج الدم عصابة تمنع الدم، تشبيها بوضع اللجام في فم الدّابة». (٣) أخرجه أبو داود وغيره، وصححه شيخنا في «الإِرواء» (١٠٩)، وتقدّم. (٤) أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وقال شيخنا في «الإِرواء» (١١٠): «وسنده على شرط الشيخين وقد أخرجه البخاري من طريق أبي معاوية به نحوه، وراجِع تعليق الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- على الترمذي». ٦ - أنَّ لها حُكم الطاهرات: تُصلّي وتصوم وتعتكف، وتفعل كلّ العبادات. الحائض والنفساء تقضيان الصوم ولا تقضيان الصَّلاة تقضي الحائض والنّفساء الصوم ولا تقضي الصَّلاة؛ لحديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «... أليس إِذا حاضت لم تُصلِّ ولم تصُم؟ ...» (١). قال في «نيل الأوطار» (١/ ٣٥٣): «فيه إِشعار بأنَّ منْع الحائض من الصوم والصَّلاة كان ثابتًا بحُكم الشَّرع قبل ذلك المجلس ...». وعن معاذة أنَّ امرأة قالت لعائشة: «أتجزي إِحدانا صلاتها إِذا طهُرت؟ فقالت: أحروريّة (٢) أنت؟ كنَّا نحيض مع النبي - ﷺ - فلا يأمرنا به، أو قالت: ----------------------- (١) جزء من حديث رواه البخاري: ٣٠٤، ومسلم: ٢١٩، وقد ذكرْته بتمامه في (باب ما يحرُم على الحائض والنفساء). (٢) الحروري منسوب إِلى حروراء، بلدة على ميلين من الكوفة، ويُقال لمن يعتقد مذهب الخوارج حروري؛ لأنَّ أول فرقة منهم خرجوا على عليّ بالبلدة المذكورة، فاشتهروا بالنسبة إِليها، وهم فِرَق كثيرة، لكن من أصولهم المتفق عليها بينهم؛ الأخذ بما دلَّ عليه القرآن، وردّ ما زاد عليه من الحديث مطلقًا؛ ولهذا استفهمت عائشة معاذة استفهام إِنكار. وزاد مسلم في رواية عاصم عن معاذة فقلت:»لا ولكنّي أسأل«، أي: سؤالًا مجرّدًا لطلب العلم لا للتعنّت.»الفتح«(١/ ٤٢٢) بحذف يسير. قال شيخنا في»الإِرواء«(١/ ٢٢١):»وإنكار عائشة عليها إِمّا لعلمها أنهم كانوا يوجبون القضاء على الحائض، فقد حكى ابن عبد البرّ القول بذلك عن طائفة من الخوارج، وإمّا لعلمها بأنَّ أصولهم تقتضي ذلك". فلا نفعله» (١). وفي لفظ لمسلم (٣٣٥): «فنؤمَر بقضاء الصوم ولا نؤمَر بقضاء الصلاة». وعن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: كانت المرأة من نساء النّبيّ - ﷺ - تقعد في النفاس أربعين ليلة؛ لا يأمرها النّبيّ - ﷺ - بقضاء صلاة النفاس (٢). إِذا طهُرت الحائض بعد العصر أو بعد العشاء إِذا طهرت الحائض بعد العصر؛ صلّت الظهر والعصر، وإِذا طهرت بعد العشاء؛ صلّت المغرب والعشاء. عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «إِذا طهُرت الحائض بعد العصر؛ صلّت الظهر والعصر، وإذا طهُرت بعد العشاء صلّت المغرب والعشاء». وعن عبد الرحمن بن عوف قال: «إِذا طهُرت الحائض قبل أن تغرب الشمس؛ صلّت الظهر والعصر، وإذا طهُرت قبل الفجر صلَّت المغرب والعشاء». قال في «نيل الأوطار» (١/ ٣٥٥): «رواهما سعيد بن منصور في»سننه«والأثرم، وقال: قال أحمد: عامَّة التابعين يقولون بهذا القول إلاَّ الحسن وحده». وسألت شيخنا -حفظه الله- بعض التفصيل في ذلك فقال: «إِذا طهُرت --------------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣٢١، ومسلم: ٣٣٥، نحوه وغيرهما. (٢) أخرجه أبو داود والحاكم وغيرهما، وحسَّنه شيخنا في»الإِرواء" (٢٠١). الحائض بعد العصر أو قبل غروب الشمس، فإِنَّه يجب عليها أن تصلّي الظُّهر والعصر، وإِذا طهُرت بعد العشاء، فإِنَّه يجب عليها أن تصلّي المغرب والعشاء؛ لأنَّ وقت الظهر والعصر يتداخلان، ففي السّفر يُمكن الجمع بين كلِّ من الصلاتين؛ تقديمًا أو تأخيرًا، وفي حالة الإِقامة أيضًا لرفع الحرج». الجمع الصوري للمستحاضة وفيه حديث حَمنة بنت جحش -رضي الله عنها- المتقدِّم وفيه: «... وإِنْ قويتِ على أن تؤخِّري الظهر وتعجِّلي العصر؛ فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين: الظهر والعصر، وتؤخرين المغرب وتعجِّلين العشاء، ثمَّ تغتسلين، وتجمعين بين الصلاتين فافعلي». قال في «سبل السلام» (١/ ١٨٣): «فتغتسلين فتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر، أي: جمعًا صوريًا ...». الحامل إِذا رأت الدَّم وبيان أنَّها لا تحيض إِذا رأت الحامل دمًا فهو دم فساد (١)؛ لقوله - ﷺ - في سبايا أوطاس: «لا توطَأ حامل حتى تضع، ولا حائل (٢) حتى تستبرئ بحيضة» (٣). ----------------------- (١) قال شيخنا -حفظه الله-: «دم فساد؛ كقوله - ﷺ -:»إِنّما هو عرق«؛ فهذا في المستحاضة». (٢) الحائل: كلّ أنثى لا تحبل. «الوسيط». (٣) أخرجه أبو داود والدارمي والدارقطني والحاكم والبيهقي وأحمد، وقال الحاكم: = جاء في «المغني» (١/ ٣٧١) (حُكم الحامل إِذا رأت الدَّم، وبيان أنَّها لا تحيض): «مذهب أبي عبد الله -رحمه الله- أنَّ الحامل لا تحيض، وما تراه من الدَّم فهو دم فساد، وهو قول جمهور التابعين؛ منهم: سعيد بن المسيب وعطاء والحسن وجابر بن زيد وعكرمة ومحمد بن المنكدر والشعبي ومكحول وحماد والثَّوري والأوزاعي وأبو حنيفة وابن المنذر وأبو عبيد وأبو ثور ...». وقال في «منار السبيل» (١/ ٦٢): «فإِنْ رأت الحامل دمًا فهو فساد؛ لقوله - ﷺ - في سبايا أوطاس:»لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرئ بحيضة«(١). يعني: تستعلم براءتها من الحمل بالحيضة؛ فدلَّ على أنَّها لا تجتمع معه». قال شيخنا في «الإِرواء» (١٨٧): «ويشهد له ما روى الدَّارمي (١/ ٢٢٧، ٢٢٨) من طريقين عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة قالت:»إِنَّ الحُبلى لا تحيض، فإِذا رأت الدَّم؛ فلتغتسل ولتصلِّ«، وإِسناده صحيح». وسألتُ شيخنا -حفظه الله- عن أمر الاغتسال؟ فقال: «هو من باب النَّظافة». --------------------- = «صحيح على شرط مسلم»، وقال الحافظ في «التلخيص الحبير»: «إِسناده حسن»، وانظر تفصيل تخريجه في «الإِرواء» (١٨٧). (١) تقدّم تخريجه. مسائل متنوّعة تتعلق بالحائض والنّفساء والمستحاضة * حُكم النّفساء حُكم الحائض في جميع ما يحرُم عليها ويسقُط عنها: قال في «المغني» (١/ ٣٦٢): «وحُكم النفساء حُكم الحائض في جميع ما يحرُم عليها ويسقُط عنها، لا نعلم في هذا خلافًا، وكذلك تحريم وطئها وحلّ مباشرتها، والاستمتاع بما دون الفرج منها ...». * اغتسال الحائض والنفساء للإِحرام: عن جابر -رضي الله عنه- قال: «إِنَّ رسول الله - ﷺ - مكثَ تسع سنين لم يحجّ، ثمَّ أذَّن في الناس في العاشرة؛ أن رسول الله - ﷺ - حاجٌّ، فقدم المدينة بشر كثير؛ كلّهم يلتمس أن يأتمّ برسول الله - ﷺ -، ويعمل مثل عمله. فخرجنا معه، حتى أتينا ذا الحليفة؛ فولَدَت أسماءُ بنت عميس محمَّدَ بن أبي بكر، فأرسلت إِلى رسول الله - ﷺ - كيف أصنع؟». فقال: «اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي» (١). * لا بأس أن تشرب المرأة الحائض دواءً يقطع عنها الحيض، إِذا لم يكن يضرّ بها، ويحسن بها استشارة طبيبة مسلمة مختصّة في هذا الأمر: قال في «المغني» (١/ ٣٧٥): «رُوي عن أحمد -رحمه الله- أنَّه قال: لا بأس أن تشرب المرأة دواءً؛ يقطع عنها الحيض؛ إِذا كان دواءً معروفًا». * شهود الحائض العيدين ودعوة المسلمين واعتزالها المصلّى: ------------------------ (١) أخرجه مسلم: ١٢١٨، وغيره، قال في «النهاية»: «... استثفري: أي: اجعلي موضع خروج الدم عصابة تمنع الدم، تشبيهًا بوضع اللجام في فم الدابة»، وتقدم. عن أمِّ عطية -رضي الله عنها- قالت: «سمعْتُه (١) يقول: يخرُج العواتِق (٢) وذواتُ الخدور (٣) -أو العواتق ذواتُ الخُدور- والحُيَّض، ويشهدن الخير ودعوة المؤمنين، ويعتزل الحُيَّض المصلّى» (٤). * قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض (٥): عن منصور بن صفيَّة أنَّ أمَّه حدَّثته أنَّ عائشة -رضي الله عنها- حدَّثتها: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يتَّكئ في حجري، وأنا حائض ثمَّ يقرأ القرآن (٦)» (٧). * غَسل الحائض رأس زوجها وترجيله (٨): عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كنتُ أرجّل رأس رسول الله - ﷺ - ----------------------- (١) أي: رسول الله - ﷺ -، وكانت لا تذكره إِلا قالت:»بأبي«. (٢) العاتق: الشّابة أو ما تُدرك، وقيل: هي التي لم تَبِنْ من والديها ولم تُزوَّج، وقد أدركت وشبَّت، وتُجمع على العُتَّق والعواتق». «النهاية». (٣) جمع خِدْر وهو ستر يكون في ناحية البيت؛ تفعد البكر وراءه. (٤) أخرجه البخاري: ٣٢٤، ومسلم: ٨٩٠ (٥) هذا العنوان من «الفتح». (٦) أخرجه البخاري: ٢٩٧، ومسلم: ٣٠١ (٧) جاء في «الفتح» (١/ ٤٠٢): «فيه جواز ملامسة الحائض، وأنَّ ذاتها وثيابها على الطهارة؛ ما لم يلحق شيئًا منها نجاسة، وفيه جواز القراءة بقرب محل النجاسة؛ قاله النووي. وفيه جواز استناد المريض في صلاته إِلى الحائض إِذا كانت أثوابها طاهرة؛ قاله القرطبي». (٨) هذا العنوان من «الفتح». https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 296الى صــ 310 الحلقة (21) وأنا حائض» (١). * لا حرج من سؤر الحائض ومؤاكلتها: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كنتُ أشرب وأنا حائض؛ ثمَّ أناوله النّبيّ - ﷺ -؛ فيضع فاه على موضع فيَّ فيشرب، وأتعرَّق (٢) العَرْق وأنا حائض؛ ثمَّ أناوله النّبيّ - ﷺ -؛ فيضع فاه على موضع فيَّ» (٣). وعن عبد الله بن سعد -رضي الله عنه- قال: «سألت رسول الله - ﷺ - عن مؤاكلة الحائض؟ فقال:»واكِلْها«(٤). قال في»نيل الأوطار«(١/ ٣٥٥):»والحديث يدلّ على جواز مواكلة الحائض. قال الترمذي: وهو قول عامَّة أهل العلم؛ لم يَروا بمواكلة الحائض بأسًا. قال ابن سيد النَّاس في «شرحه»: «وهذا أجمع النَّاس عليه، وهكذا نَقل الإِجماع محمد بن جرير الطبري». وأمَّا قوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النِّساء في المحيض﴾ (٥) فالمراد: اعتزلوا --------------------------- (١) أخرجه البخاري: ٢٩٥، ومسلم: ٢١٧ (٢) العَرْق: العظم إِذا أُخِذ عنه معظم اللحم، يُقال: عَرَقْتُ العظم واعترقته وتعرَّقُته: إِذا أخذْت عنه اللحم بأسنانك. «النهاية». (٣) أخرجه مسلم: ٣٠٠، وغيره، وتقدم. (٤) أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١١٤)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٥٣١). (٥) البقرة: ٢٢٢ وطأهنَّ». * الإِجهاض: سواءٌ كان قبل تخلُّق الجنين أو بعده فإِنّه يُعدُّ نفاسًا، والنّفساء كالحائض، لا تصوم ولا تصلّي، ولكنَّها تقضي الصيام دون الصَّلاة (١). * إِذا لم تر المرأة في أيامها الأخيرة من الحيض وقبل طُهرها أثرًا للدّم، ولم تلحظ القصة البيضاء؛ فهي حائض ما دامت في عادتها. * إِذا شعرت المرأة بألم العادة، ولم تَرَ دمًا قبل غروب الشمس؛ فإِنَّها تُتمّ صومها وتؤدّي صلاتها، إِذ الضابط في الحُكم على الحيض رؤيتها الدّم، وكذلك إِذا لم تجزم أنَّ دمها دمُ حيض، فلا يُحكم لها بالحيض حتى تجزم. * إذا اضطرب موعد قدوم الدورة؛ فإِنَّها تنظر إِلى لون الدَّم؛ لأنَّ دم الحيض أسود يُعرف. * كفَّارة من أتى زوجته وهي نفساء ككفّارة من أتاها وهي حائض. * إِذا نزلت نقاط يسيرة من الدَّم من المرأة طوال شهر، فلا شكَّ أنَّها مرَّت في عادتها من الحيض، إِذا لم تكن حاملًا، فهي أدرى بنفسها؛ فيما إِذا كانت معتادة. يعني لها عادة كل شهر، تحيضُ في الأسبوع الأول أو الثاني أو الثالث أو الرابع -فهي وهذه الحالة، تُمسِك عن الصَّلاة والصيام في الأيّام التي -------------------------- (١) استفدتُ هذا إلى آخر الباب من شيخنا -حفظه الله تعالى- من مجالستي له، ومن خلال بعض الاستفسارات، وذكرْتُه هكذا مُلخصًا، والأدلة والتفصيلات مبثوثة داخل الكتاب في العديد من الأبواب، فلم أُعِدها. تقدِّرها أنَّها هي أيَّام الحيض، وسائر الأيام من الشهر، تصلّي وتصوم، لأنَّها مستحاضة. * إِذا رأت المرأة دمًا في أوان عادتها، ولم تَرَه في بعض الأيام؛ فإِنَّه لا يُنظر إِلى انقطاع الدَّم أو استمراره، فهي حائض ما دامت في عادتها، فالمعتادة لا تنظر إِلى استمرار الدَّم أو انقطاعه، فهي حائض وإن لم تَرَ دمًا. * الحُمرة والصُّفرة بعد أيَّام الحيض تُعدّ استحاضة. * لا قيمة للكُدرة التي تراها المرأة إلاَّ في أيَّام الحيض، أمَّا قبل الحيض أو بعده ببضعة أيَّام فلا. * إِذا كانت المرأة حاملًا ثمَّ أُجريت لها عمديَّة جراحية، وأُخرج الطفل دون نزول دم من المكان المعتاد، فإِنَّها لا تمضي عليها أحكام النّفاس، ولا تُعدّ نفساء. * إِذا أُصيبت الحامل بحادث، وأجهضت الجنين، مُصاحبًا ذلك نزيفًا حادًّا؛ فهي نُفَساء. الصَّلاة الصَّلاةُ في اللغة: الدُّعاء، قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عليهم إِنَّ صلاتَكَ سكَنٌ لهم﴾ (١) أي: ادعْ لهم، وقال النّبيّ - ﷺ -:»إِذا دُعي أحدكم فليُجب، فإِن كان مُفطرًا؛ فليطعَم وإِن كان صائمًا؛ فليصلِّ«(٢). وقال الشاعر: تقول بنتي وقد قرَّبت مرتحلا ... يا ربِّ جنّب أبي الأوصاب والوجعا عليك مِثل الذي صليت فاغتمضي ... نومًا فإِنَّ لجنب المرء مضطجعا (٣). ومعناها في اصطلاح الفقهاء: أقوالٌ وأفعالٌ مُفتَتَحةٌ بالتكبير، مختَتَمةٌ بالتسليم، بشرائطَ مخصوصةٍ، وهذا التعريف يشمل كلّ صلاةٍ مفتتحةٍ بتكبيرة الإِحرام، ومختتمةٍ بالسلام، ويخرج عنه سجود التلاوة وهو سجدة واحدة عند سماع آية من القرآن المشتملة على ما يترتّب عليه ذلك السجود من غير تكبير، أو سلام» (٤). جاء في «المغني» (١/ ٣٧٦) (٥): «وهي واجبةٌ بالكتاب والسنَّة والإِجماع، أمَّا الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وما أمروا إِلاَّ ليعبدوا الله مخلِصين ---------------------------- (١) التوبة: ١٠٣ (٢) أخرجه مسلم: ١٤٣١، وغيره. (٣) عن كتاب»المغني«(١/ ٣٧٦). (٤)»الفقه على المذاهب الأربعة" (١/ ١٦٠). (٥) بحذف وتصرُّفٍ يسيرين. له الدين حُنفاءَ ويقيموا الصَّلاة ويُؤتوا الزكاة وذلك دين القَيِّمة﴾ (١). وأمَّا السُّنّة؛ فقد ثبَت عن ابن عمر عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه قال: «بُني الإِسلام على خمس: شهادةِ أن لا إِله إلاَّ الله وأنَّ محمّدًا رسول الله، وإِقامِ الصَّلاة، وإيتاءِ الزكاة والحجِّ وصومِ رمضان» (٢). وأمَّا الإِجماع؛ فقد أجمعت الأمَّة على وجوب خمس صلوات في اليوم والليلة«. فضل الصلاة ومنزلتها في الإِسلام (٣) للصلاة منزلةٌ عظيمةٌ في الإِسلام وقد ورد في ذلك آيات كثيرة والمتتبّع لآيات القرآن الكريم يرى أنَّ الله سبحانه يذكُر الصَّلاةَ ويقرِنُها بالذِّكر تارةً: ﴿إنَّ الصَّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذِكْر الله أكبر﴾ (٤)، ﴿قدْ أفلحَ من تزكَّى وذكَرَ اسمَ ربِه فصلَّى﴾ (٥)، ﴿وأقم الصَّلاة لذِكْري﴾ (٦). وتارةً يَقرِنُها بالزكاة: ﴿وأقيموا الصَّلاة وآتوا الزكاة﴾ (٧)، ومرّة بالصبر: --------------------------- (١) البيّنة: ٥ (٢) أخرجه البخاري: ٨، ومسلم: ١٦، وغيرهما. (٣) انظر كتابي»الصلاة وأثرها في زيادة الإِيمان وتهذيب النفس". (٤) العنكبوت: ٤٥ (٥) الأعلى: ١٤، ١٥ (٦) طه: ١٤ (٧) البقرة: ١١٠ ﴿واستعينوا بالصَّبر والصَّلاة﴾ (١)، وطورًا بالنُّسك: ﴿فَصَلِّ لرَبِّك وانْحَرْ﴾ (٢)، ﴿قُلْ إِنَّ صلاتي ونُسُكي ومحْيَايَ ومَمَاتي لله رَبِّ العالمينَ لا شريكَ لهُ وبِذَلِكَ أُمرتُ وأنا أوَّل المُسلمِين﴾ (٣). وأحيانًا يفتَتِح بها أعمال البر ويختتمها بها، كما في سورة «المعارج» وفي أول سورة المؤمنين: ﴿قدَ أفلح المُؤمنُون * الذينَ هُم في صلاتهم خاشعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿والذين هُم على صلواتهم يُحافظونَ * أولئكَ هُمُ الوارِثونَ * الذين يرِثونَ الفردوسَ هُم فيها خالدون﴾ (٤). وقد بَلغَ من عناية الإِسلام بالصَّلاة، أنْ أمرَ بالمحافظة عليها في الحضر والسفَر، والأمن والخوف؛ فقال تعالى: ﴿حافظوا على الصَلَوَات والصَّلاة الوُسطى وقوموا لله قانتين * فإِنْ خفتم فَرِجالًا أو رُكبَانًا فإِذا أمنْتم فاذكروا الله كما علَّمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ (٥)، وقال مُبَيِّنًا كيفيَّتَها في السفر والحرب والأمن: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا * وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا ---------------------- (١) البقرة: ٤٥ (٢) الكوثر: ٢ (٣) الأنعام: ١٦٢، ١٦٣ (٤) المؤمنون: ١ - ١١ (٥) البقرة: ٢٣٨، ٢٣٩ فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا * فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (١). وقد شدَّد النكيرَ على من يُفرِّط فيها، وهدَّد الذين يُضيّعونها. فقال جلَّ شأنه: ﴿فَخَلفَ من بعدهِم خلْفٌ أضاعوا الصَّلاةَ واتَّبعُوا الشّهواتِ فسوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (٢)، وقال: ﴿فويلٌ للمُصَلّينَ * الذينَ همْ عنْ صلاتهم ساهون﴾ (٣). ولأنَّ الصَّلاة من الأمور الكبرى التي تحتاجِ إِلى هداية خاصّة، سأَل إِبراهيمِ عليه السلام ربّه، أن يجعله هو وذريّته مقيمًا لها فقال: ﴿رَبِّ اجعلني مُقيم الصَّلاةِ ومن ذُرّيتي ربّنا وتقبَّلْ دُعاء﴾ (٤) «(٥). وقد وردَت أحاديثُ كثيرةٌ في فضل الصَّلاة وسموّ منزلتها في الدين، منها: ----------------------------- (١) النساء: ١٠١ - ١٠٣ (٢) مريم: ٥٩ (٣) الماعون: ٤، ٥ (٤) إِبراهيم: ٤٠ (٥) انظر كتاب»فقه السنّة" (١/ ٩٠ - ٩٢) للسيد سابق -حفظه الله تعالى-. حديث معاذ بن جبل -رضي الله عنه- قال: «كنتُ مع النّبيّ - ﷺ - في سفَر، فأصبحْتُ يومًا قريبًا منه، ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله أخبِرني بعمل يُدخلني الجنَّة، ويباعدني من النَّار، قال: لقد سأَلتَني عن عظيم، وإنَّه ليسير على من يسَّره الله عليه: تعبدُ الله ولا تشركُ به شيئًا، وتقيمُ الصَّلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت، ثمَّ قال: ألا أدلّك على أبواب الخير؟ الصوم جُنَّة (١)، والصدقة تُطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النَّار، وصلاة الرجل في جوف الليل، قال: ثمَّ تلا: ﴿تتجافى جُنوبُهم عن المضاجع﴾ حتى بلغ: ﴿يعملون﴾ (٢)، ثمَّ قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعَموده، وذِروة سَنامه؟ (٣) قلتُ: بلى يا رسول الله: قال: رأس الأمر الإِسلام وعموده الصَّلاة، وذروة سَنامه الجهاد، ثمَّ قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كلِّه؟ قلت: بلى يا نبيّ اللهَ، فأخذَ بلسانه، قال: كُفَّ عليك هذا، فقلتُ: يا نبيّ الله وإِنَّا لمؤاخذون بما نتكلّم به؟ فقال: ثَكِلَتْك (٤) أمّك يا معاذ! وهل يكُبُّ النّاسَ في النَّار على وجوههم أو على مناخرهم إلاَّ حصائدُ ألسنتهم» (٥). ----------------------- (١) أي: يقي صاحبه ما يُؤذيه من الشهوات؛ والجُنّة: الوقاية. «النهاية». (٢) السجدة: ١٦ - ١٧ (٣) الذِّروة: أعلى سَنام البعير، وذِروة كلِّ شيء أعلاه. «النهاية». السَّنام: كُتل من الشحم محدّبة على ظهر البعير والناقة، والسَّنام من كل شيء أعلاه. «الوسيط». (٤) قال في «النهاية» -بحذف-: أي: فقَدَتْك، والثُّكْل: فقْد الولد، والموت يعم كلَّ أحد، فإِذن الدعاء عليه كلا دُعاء ... ويجوز أن يكون من الألفاظ التي تجري على ألسنة العرب، ولا يُراد بها الدعاء كقوله تربت يداك .... (٥) أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد، وهو حديث صحيح بطُرُقه، خرَّجه شيخنا في «الإرواء» (٤١٣). وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أوّل ما يحايسَبُ به العبد يوم القيامة الصَّلاة، فإِن صلحت؛ صلح سائر عمله، وإِنْ فسدت؛ فسد سائر عمله» (١). وعن أبي هريرة أنَّه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «أرأيتم لو أنَّ نهرًا بباب أحدِكم يغتسلُ فيه كلَّ يوم خمسًا؛ ما تقولُ ذلك يُبقي من درنه؟ قالوا: لا يُبقي من درنه (٢) شيئًا. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله به الخطايا» (٣). وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تحترقون تحترقون (٤)، فإِذا صلّيتم الصُّبحَ غَسَلَتْها، ثمَّ تحترقون تحترقون، فإِذا صلّيتم الظهرَ غَسَلَتها، ثمَّ تحترقون تحترقون، فإِذا صلّيتم العصر غَسَلَتها، ثمَّ تحترقون تحترقون، فإِذا صليتم المغرب غَسَلَتها، ثمَّ تحترقون تحترقون، فإِذا صلّيتم العشاء غَسَلَتها، ثمَّ تَنامون فلا يُكتبُ عليكم حتى تَستَيْقظوا» (٥). -------------------------- (١) أخرجه الطبراني في «الأوسط»، وصححه شيخنا بمجموع طُرُقه في «الصحيحة» (١٣٥٨). (٢) أي: وسخه. (٣) أخرجه البخاري: ٥٢٨، ومسلم: ٦٦٧ (٤) الإِحراق: الإِهلاك، وهو من إِحراق النار. «النهاية». والمراد هنا: استحقاق الهلاك لاقتراف الذنوب والآثام. (٥) قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٢٣٤): رواه الطبراني في «الصغير» و«الأوسط» وإسناده حسن. ورواه في «الكبير» موقوفًا عليه، وهو أشبه، ورواته محتجٌّ بهم في الصحيح، وحسّنه شيخنا في «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٥١). وعن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: «كان رجلان أخَوان، فهلكَ أحدهما قبل صاحبه بأربعين ليلة، فَذُكِرَتْ فضيلة الأول منهما عند رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -:»ألم يكن الآخر مسلمًا؛ قالوا: بلى، وكان لا بأس به. فقال رسول الله - ﷺ-: «وما يُدريكم ما بَلَغَتْ به صلاته؟ إِنَّما مثَل الصَّلاةِ كمثل نهرٍ عَذْبٍ غَمْرٍ، بباب أحدكم، يَقْتَحم فيه كلَّ يوم خمس مرات، فما ترَون في ذلك يُبقي من درنه؟ فإِنّكم لا تدرون ما بلَغتْ به صلاته» (١). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «كان رجلان من بَلِي من -قضاعة- أسلما مع رسول الله - ﷺ -، فاستشهد أحدهما، وأُخِّر الآخرُ سنةً، فقال طلحة بن عبيد الله: فرأيتُ المؤخَّرَ منهما أُدخلَ الجنَّة قبل الشهيد، فتعجّبتُ لذلك، فأصبحتُ، فذكرتُ ذلك للنبي - ﷺ - أو ذُكر لرسول الله - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -:»أليس قد صام بعده رمضانَ، وصلَّى ستةَ آلاف ركعةٍ، وكذا وكذا ركعةً، صلاةَ سنةٍ؟ «(٢). ------------------------ (١) قال المنذري في»الترغيب والترهيب«(١/ ٢٤٣): رواه مالك واللفظ له، وأحمد بإِسناد حسن، والنسائي وابن خزيمة في»صحيحه«إِلا أنَّه قال: عن عامر بن سعد ابن أبي وقاص قال: سمعتُ سعدًا وناسًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - يقولون:»كان رجلان أخوان في عهد رسول الله - ﷺ -، وكان أحدهما أفضل من الآخر، فتوفِّي الذي هو أفضلهما، ثمَّ عُمِّر الآخرُ بعده أربعين ليلة، ثمَّ توفّي، فذُكر ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: «ألم يكن يصلي؟» قالوا: بلى يا رسول الله، وكان لا بأس به، فقال رسول الله - ﷺ -: «وماذا يُدريكم ما بلغَت به صلاته ...» الحديث. قال شيخنا: «وهذا اللفظ هو عند أحمد (١٥٣٤) أيضًا»، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٦٤). (٢) قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٢٤٤): رواه أحمد بإِسناد حسن = حُكم ترْك الصَّلاة عن جابر -رضي الله عنه- قال: سمعتُ النّبيّ - ﷺ - يقول: «إِنَّ بين الرجل وبين الشرك والكُفر تركَ الصَّلاة» (١). وعن بريدة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «العهد الذي بيننا وبينهم الصَّلاة، فمَن تركها فقد كفر» (٢). وعن عبد الله بن شقيق قال: «كان أصحاب رسول الله - ﷺ - لا يَرون شيئًا من الأعمال تركُه كفرٌ غير الصَّلاة» (٣). إِنَّ ما تقدم من النصوص ينطق بكفر تارك الصَّلاة، ولكن هل هو كفر مُخرجٌ من الملّة؟ أم هو كُفر دون كُفر؟ وهل هو كفر عمل أم كفر اعتقاد (٤)؟ ومن الأمور المتفق عليها؛ أنَّ من لم يقر بوجوب الصلاة فهو كافر، بالنص ------------------------- = ورواه ابن ماجه وابن حبان في «صحيحه» والبيهقي كلهم عن طلحة بنحوه، أطول منه. وزاد ابن ماجه وابن حبان في آخره: «فلما بينهما أبعدُ ممّا بين السماء والأرض». وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٦٦). (١) أخرجه مسلم: ٨٢ (٢) أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم والذهبي ووافقهم شيخنا في «المشكاة» (٥٧٤). (٣) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٢١١٤)، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٥٦٢). (٤) وانظر كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى- الآتي قريبًا بإِذن الله -سبحانه-. والإِجماع (١). جاء في «النهاية»: «... ومنه الحديث:»من قال لأخيه: يا كافر؛ فقد باء به أحدهما«لأنَّه إِمَّا أن يصدُق عليه أو يكذب، فإِن صدَق فهو كافر، وإن كذب عاد الكُفر إِليه بتكفيره أخاه المسلم. والكُفر (٢) صنفان: أحدهما الكُفر بأصل الإِيمان وهو ضدُّه، والآخر الكُفر بفَرْعٍ من فروع الإِسلام، فلا يَخْرج به عن أصْل الإِيمان. وقيل: الكُفر على أربعة أنحاء: كُفر إِنكار، بألاَّ يعرف الله أصلًا ولا يعترف به. وكُفر جُحود، ككُفر إِبليس، يعرف الله بقلبه ولا يُقِرّ بلسانه (٣). وكُفر عِنَاد، وهو أن يعترف بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به؛ حسدًا وبغيًا، ككُفَر أبي جهل وأضرابه. وكُفر نفاق، وهو أن يُقرّ بلسانه ولا يعتقد بقلبه. قال الهروي: سُئل الأزهري عمّن يقول بخلق القرآن: أتسمِّيه كافرًا؟ فقال: الذي يقوله كُفر، فأُعيد عليه السؤال ثلاثًا ويقول مِثل ما قال، ثمَّ قال في الآخر: قد يقول المسلم كُفرًا. ومنه حديث ابن عباس قيل له:»﴿ومن لم يحكُم بما أنزَل الله فأولئك ------------------------- (١) وسيأتي كلام شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى- في ذلك غير بعيد بإِذن الله -سبحانه-. (٢) انظر تقسيم ابن القيم -رحمه الله- للكفر في «مدارج السالكين» (١/ ٣٣٧). (٣) بل كفره كفر إِباء واستكبار، وهو قول ابن القيم -رحمه الله- في «مدارج السالكين» (١/ ٣٣٧). هم الكافرون﴾ (١) قال: هم كَفَرة، وليسو كمن كفَر بالله واليوم الآخر». ومنه حديثه الآخر: «إِنَّ الأوس والخزرج ذكروا ما كان منهم في الجاهلية، فثار بعضهم إِلى بعض بالسيوف، فأنزل الله تعالى: ﴿وكيفَ تكفرونَ وأنتم تُتلى عليكُمْ آياتُ الله وفيكُم رسولُه﴾ (٢) ولم يكن ذلك على الكُفر بالله، ولكن على تغطيتهم ما كانوا عليه من الأُلفة والمودَّة» (٣). انتهى. قال النووي -رحمه الله- في شرح حديث مسلم المتقدّم -بحذف-: «إِنَّ بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصَّلاة»: "وأمَّا تارك الصَّلاة فإِن كان مُنكِرًا لوجوبها فهو كافر بإِجماع المسلمين، خارج من ملّة الإِسلام؛ إلاَّ أن يكون قريب عهد بالإِسلام ولم يخالط المسلمين مدّة؛ يبلغه فيها وجوب الصَّلاة عليه، وإِن كان ترَكه تكاسلًا مع اعتقاده وجوبها -كما هو حال كثير من النَّاس- فقد اختلف العلماء فيه فذهب مالك والشافعي -رحمهما الله- والجماهير من السلف والخلف إِلى أنَّه لا يكفر، بل يفسق ويُستتاب، فإِنْ تاب وإِلا قتلناه حدًّا كالزاني المحصَن، ولكنَّه يُقتل بالسيف، وذهب جماعة من السلف إِلى أنّه يكفر وهو مرويٌّ عن عليّ بن أبي طالب وهو إِحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل -رحمه الله- وبه قال عبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي -رضوان الله عليه- وذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة والمزني صاحب الشافعي ------------------------ (١) المائدة: ٤٤ (٢) آل عمران: ١٠١ (٣) إِنْ صحّ هذا الخبر، وهناك كلام طيب لابن كثير في هذا الموضع فارجِع إِليه -إِن شئت-. -رحمهما الله- أنَّه لا يكفر ولا يقتل، بل يُعزّر ويُحبس حتى يصلّي، واحتجّ من قال بكفره بظاهر الحديث الثاني المذكور وبالقياس على كلمة التوحيد، واحتجّ من قال لا يُقتل بحديث «لا يحلّ دم امرئ مسلم إلاَّ بإِحدى ثلاث ...» (١) وليس فيه الصَّلاة، واحتجّ الجمهور على أنَّه لا يكفَّر بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لا يغفر أن يُشرَك به ويَغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (٢) وبقوله - ﷺ -: «من قال لا إله إلاَّ الله دخل الجنة»، «من مات وهو يعلم أن لا إِله إلاَّ الله دخل الجنَّة»، «ولا يلقى اللهَ تعالى عبدٌ بهما غير شاكٍّ فيُحجب عن الجنَّة» (٣)، «حرم الله على النَّار من قال لا إِله إلاَّ الله ...» (٤). وغير ذلك، واحتجّوا على قتله بقوله تعالى: ﴿فإِنْ تابوا وأقاموا الصَّلاة وآتَوُا الزكاة فخلّوا سبيلهم﴾ (٥)، وقوله - ﷺ -: «أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إِله إلاَّ الله، ويقيموا الصَّلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم» (٦). وتأوّلوا قوله - ﷺ -: «بين العبد وبين الكفر ترك الصَّلاة» (٧)، على معنى أنَّه --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٦٨٧٨، ومسلم: ١٦٧٦ (٢) النساء: ٤٨ (٣) أخرجه مسلم: ٢٦، ٢٧ (٤) أخرجه مسلم: ٢٩ (٥) التوبة: ٥ (٦) أخرجه البخاري: ٢٥، ومسلم: ٢٢ (٧) تقدّم تخريجه. يستحق بترك الصَّلاة عقوبة الكافر وهي القتل، أو أنَّه محمول على المستحلّ، أو على أنَّه قد يؤول به إِلى الكفر، أو أن فِعله فِعل الكفّار والله أعلم». وفي «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٤٠) لشيخ الإِسلام ابن تيمية: «وسُئل -رحمه الله- عن تارك الصَّلاة من غير عُذر، هل هو مسلم في تلك الحال؟ فأجاب: أمَّا تارك الصَّلاة؛ فهذا إِن لم يكن معتقدًا لوجوبها فهو كافر بالنصّ والإِجماع، لكنْ إِذا أسلم ولم يعلم أنَّ الله أوجب عليه الصَّلاة، أو وجوب بعض أركانها؛ مِثل أن يصلّي بلا وضوء، فلا يعلم أنَّ الله أوجب عليه الوضوء، أو يصلّي مع الجنابة فلا يعلم أنَّ الله أوجب عليه غُسل الجنابة، فهذا ليس بكافر إِذا لم يعلم. وقال (ص ٤٨):»وإِذا صبر حتى يقتل فهل يقتل كافرًا مرتدًا، أو فاسقًا كفسّاق المسلمين؟ على قولين مشهورين؛ حُكيا روايتين عن أحمد، وهذه الفروع لم تُنقَل عن الصحابة، وهي فروع فاسدة، فإِنْ كان مقرًّا بالصَّلاة في الباطن، معتقدًا لوجوبها، يمتنع أن يصرّ على تركها حتى يقتل وهو لا يصلّي، هذا لا يُعرَف من بني آدم وعادتهم؛ ولهذا لم يقع هذا قطّ في الإِسلام، ولا يعرف أنَّ أحدًا يعتقد وجوبها، ويقال له: إِنْ لم تصلّ وإِلاَّ قتلناك، وهو يصرّ على تركها، مع إِقراره بالوجوب، فهذا لم يقع قطّ في الإِسلام. ومتى امتنع الرجل من الصَّلاة حتى يقتل لم يكن في الباطن مقرًّا بوجوبها، ولا ملتزمًا بفِعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين، كما استفاضت الآثار عن الصحابة بكفر هذا، ودلّت عليه النصوص الصحيحة. https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 311الى صــ 325 الحلقة (22) كقوله - ﷺ -: «ليس بين العبد وبين الكفر إلاَّ ترك الصَّلاة». رواه مسلم (١). وقوله: «العهد الذي بيننا وبينهم الصَّلاة فمن تركَها فقد كفَر». وقول عبد الله بن شقيق: «كان أصحاب محمد لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كُفر إلاَّ الصَّلاة». فمن كان مُصرًّا على تركها حتى يموت، لا يسجد لله سجدة قط، فهذا لا يكون مسلمًا مقرًَّا بوجوبها، فإِنّ اعتقاد الوجوب، واعتقاد أنّ تاركها يستحقّ القتل؛ هذا داعٍ تامٌّ إِلى فعلها، والداعي مع القدرة يوجب وجود المقدور، فإِذا كان قادرًا ولم يفعل قطّ؛ علم أنَّ الداعي في حقّه لم يوجد، والاعتقاد التام لعقاب التارك باعث على الفعل، لكن هذا قد يعارضه أحيانًا أمور توجب تأخيرها وترْك بعض واجباتها، وتفويتها أحيانًا. فأمَّا من كان مُصرًّا على تركها لا يصلّي قطّ، ويموت على هذا الإِصرار والترك؛ فهذا لا يكون مسلمًا؛ لكن أكثر النَّاس يصلّون تارة، ويتركونها تارة، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها، وهؤلاء تحت الوعيد، وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في «السنن» حديث عبادة عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه قال: «خمس صلوات كتبهنّ الله على العباد في اليوم والليلة، من حافظ عليهنّ؛ كان له عهد عند الله أنْ يدخله الجنّة، ومن لم يحافظ عليهنّ لم يكن له عهد عند الله، إِنْ شاء عذّبه وإنْ شاء غفر له» (٢). ------------------------ (١) وتقدم تخريجه. (٢) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٤١٠)، وغيرهما وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في «المشكاة» (٥٧٠)، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٦٣) و«السنّة» لابن أبي عاصم (٩٦٧). فالمحافظ عليها الذي يصلّيها في مواقيتها، كما أمر الله تعالى، والذي ليس يؤخّرها أحيانًا عن وقتها، أو يترك واجباتها، فهذا تحت مشيئة الله تعالى، وقد يكون لهذا نوافل يكمل بها فرائضه، كما جاء في الحديث». وجاء (ص ٥٣) -منه-: «وسئل عن رجل يأمره الناس بالصَّلاة ولم يصلّ فما الذي يجب عليه؟ فأجاب: إِذا لم يصلّ فإِنَّه يستتاب، فإِن تاب وإِلاَّ قُتل، والله أعلم». ويظهر من كلام شيخ الإِسلام -رحمه الله- أنه قد قسم الناس إِلى أربعة أقسام: ١ - الممتنع منها حتى يُقَتل؛ كما في قوله المتقدم: «ومتى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل؛ لم يكن في الباطن مقرًا لوجوبها، ولا ملتزمًا بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين». ٢ - المُصرّ على الترك؛ كما يظهر في قوله: «فمن كان مصرًا على تركها حتى يموت؛ لا يسجد لله سجدةً قط؛ فهذا لا يكون مسلمأ مُقرًّا بوجوبها». بمعنى أنه يرى -رحمه الله- كُفره. ٣ - الذي لا يحافظ عليها ويظهر من قوله: «لكنّ أكثر الناس يُصلّون تارة ويتركونها تارة ...» وهذا تحت المشيئة؛ لحديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- المشار إِليه آنفًا. ٤ - المؤمنون المحافظون على الصلاة، وهم أصحاب العهد في دخول الجنّة. وبهذا يرى شيخ الإِسلام -رحمه الله- أن الامتناع من الصلاة حتى القتل، أو الإِصرار على الترك؛ قرينتان للكفر، فقد قال -رحمه الله- في الممتنع: «... لم يكن في الباطن مقرًّا بوجوبها»، وقال -رحمه الله- في المُصرّ على الترك (٢٢/ ٤٨): «... فهذا لا يكون قطُّ مسلمًا مقرًّا بوجوبها». وبهذا ينحصر الخلاف في المُصرّ على الترك، وهو المُشكل في كل الأقسام، وعليه مدار البحث والنظر، وتحقيق مناط الحُكم مرتبِطٌ بتنقيح مناطه، ويعود الأمر إِلى الإِقرار بالوجوب وعدمه. وبالله التوفيق. وجاء أيضًا في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٢٨٥) -بحذف-: «وسُئل -رحمه الله- عن الصلاة على الميت الذي كان لا يصلّي، هل لأحد فيها أجر أم لا؟ وهل عليه إِثم إِذا ترَكها مع عِلمه أنه كان لا يصلّي؟ وكذلك الذي يشرب الخمر، وما كان يصلّي؛ هل يجوز لمن كان يعلم حاله أنْ يصلّي عليه أم لا؟ فأجاب: أمّا من كان مظهِرًا للإِسلام، فإِنّه تجري عليه أحكام الإِسلام الظاهرة؛ من المناكحة، والموارثة، وتغسيله، والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ونحو ذلك، لكن من عُلِم منه النفاق والزندقة، فإِنه لا يجوز لمن عَلِم ذلك منه الصلاة عليه؛ وإن كان مُظهِرًا للإِسلام». وقال (ص ٢٨٦): «وكلّ من لم يُعلَم منه النفاق وهو مسلم؛ يجوز الاستغفار له والصلاة عليه بل يشرع ذلك». وجاء (ص ٢٨٧) منه: "وسُئل عن رجل يصلي وقتًا، ويترك الصلاة كثيرًا، أو لا يصلّي هل يصلّى عليه؟ فأجاب: مثل هذا ما زال المسلمون يصلّون عليه، بل المنافقون الذين يكتمون النفاق يصلّي المسلمون عليهم، ويُغسَّلون، وتجري عليهم أحكام الإِسلام؛ كما كان المنافقون على عهد رسول الله - ﷺ -، وإِن كان من علم نفاق شخص؛ لم يجُز له أن يصلّي عليه، كما نُهي النبي - ﷺ - عن الصلاة على من عَلم نفاقَه، وأمّا من شُكّ في حاله؛ فتجوز الصلاة عليه، إِذا كان ظاهره الإِسلام». وقال ابن القيّم -رحمه الله- في كتاب «الصلاة وحُكم تاركها» (ص ٣٨) في المسألة الأولى -وقد رجّح استتابة تارك الصلاة: المسألة الثانية: «... أنه لا يقتل حتى يُدعى إِلى فِعلها فيمتنع». فماذا إِذا لم يُدع ولم يُستَتب؟ وماذا إِذا لم يُهدَّد بالقتل من الحاكم، أيُحكَم عليه بالكفر، وهذا هو واقعنا مع الأسف، فتنبّه وتدبّر. ومِثله ما جاء في «الاختيارات» (ص٣٢) في ردّ شيخ الإِسلام -رحمه الله- على متأخري الفقهاء: «... إِذ يمتنع أن يعتقد أنّ الله فرَضها ولا يفعلها، ويصبر على القتل؛ هذا لا يفعله أحد قطّ» وقد سبقت الإِشارة إِلى مِثل هذا، وانظر «مجموع الفتاوى» (٧/ ٢١٨) فإِن فيه تفصيلًا أكثر. وجاء في «المرقاة» (٢/ ٢٧٦): «فمن تركها فقد كفر: أي: أظهر الكُفر وعمل عمل أهل الكُفر فإِنّ المنافق نفاقًا اعتقاديًا كافر، فلا يُقال في حقّه كَفر». وجاء في «الصحيحة» (١/ ١٧٤) -بحذف-: "فالجمهور على أنَّه لا يكفُر بذلك، بل يفسق، وذهب أحمد -في رواية- إِلى أنَّه يكفر، وأنَّه يُقتَل ردّة لا حدًّا، وقد صحّ عن الصحابة أنَّهم كانوا لا يرون من الأعمال شيئًا ترْكه كُفر غير الصَّلاة. رواه الترمذي والحاكم. وأنا أرى أنَّ الصواب رأي الجمهور، وأنّ ما ورَد عن الصحابة ليس نصًّا على أنَّهم كانوا يريدون بـ (الكفر) هنا الكفر الذي يُخلِّد في النار ... ثمَّ وقفْتُ على «الفتاوى الحديثة» (٨٤/ ٢) للحافظ السخاوي، فرأيته يقول بعد أن ساق بعض الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصَّلاة -وهي مشهورة معروفة-: «ولكن؛ كل هذا إِنَّما يُحمل على ظاهره في حقّ تاركها جاحدًا لوجوبها، مع كونه ممَّن نشأ بين المسلمين؛ لأنَّه يكون حينئذ كافرًا مرتدًّا بإِجماع المسلمين، فإِنْ رجع إِلى الإِسلام؛ قُبِل منه وإِلاَّ قُتل. وأمّا من تركَها بلا عذر بل تكاسلًا مع اعتقاد وجوبها؛ فالصحيح المنصوص الذي قطَع به الجمهور أنَّه لا يكفر، وأنَّه -على الصحيح أيضًا بعد إِخراج الصَّلاة الواحدة عن وقتها الضروري؛ كأن يترك الظهر مثلًا حتى تغرب الشمس، أو المغرب حتى يطلع الفجر؛ يستتاب كما يستتاب المرتدّ، ثمَّ يُقتل إِن لم يَتُب، ويُغسل ويصلَّى عليه ويُدفن في مقابر المسلمين، مع إِجراء سائر أحكام المسلمين عليه (١)، ويؤول إِطلاق الكفر عليه لكونه شاركَ الكافر في بعض أحكامه، وهو وجوب العمل؛ جمعًا بين هذه النصوص وبين ما صحّ أيضًا عنه - ﷺ - أنَّه قال:»خمس صلوات كتبهنّ الله ... (فذكر الحديث، وفيه:) إِنْ شاء عذبه، وإِن شاء غفر له«، وقال أيضًا:»من مات وهو يعلم أن لا إِله إلاَّ الله؛ دخل الجنّة«إِلى غير ذلك ... ولهذا لم يزل المسلمون يَرِثون تارك الصَّلاة ويورّثونه، ولو كان كافرًا؛ لم يُغفر له؛ لم يَرِث ولم يُورَث». وقد ذكر نحو هذا الشيخ سليمان عبد الله في «حاشيته على المقنع» ------------------------- (١) سيأتي كلام شيخنا في إِبطال هذا؛ عما قريب -بإِذن الله تعالى-. (١/ ٩٥ - ٩٦)، وختم البحث بقوله:»ولأنَّ ذلك إِجماع المسلمين، فإِننا لا نعلم في عصرٍ من الأعصار أحدًا من تاركي الصَّلاة تُرك تغسيلُه والصَّلاة عليه، ولا مُنع ميراث موروثه، مع كثرة تاركي الصَّلاة، ولو كَفَر؛ لثبتت هذه الأحكام، وأمَّا الأحاديث المتقدمة؛ فهي على وجه التغليظ والتشبيه بالكافر لا على الحقيقة؛ كقوله عليه الصلاة والسلام: «سِباب المسلم فسوق وقتاله كُفر» (١)، وقوله: «من حلف بغير الله فقد أشرك» (٢)، وغير ذلك. قال الموفق: وهذا أصوب القولين«. أقول [أي: شيخنا -حفظه الله-]: نقلْت هذا النص من»الحاشية«المذكورة، ليعلم بعض متعصّبة الحنابلة أن الذي ذهَبْنا إِليه ليس رأيًا لنا تفرَّدْنا به دون أهل العلم، بل هو مذهب جمهورهم، والمحققين من علماء الحنابلة أنفسهم؛ كالموفّق هذا -وهو ابن قدامة المقدسي- وغيره؛ ففي ذلك حُجّة كافية على أولئك المتعصبة، تَحْمِلُهم إِنْ شاء الله تعالى على ترك غلَوائهم، والاعتدال في حُكمهم. بيد أنَّ هنا دقيقة قَلَّ من رأيته تنبّه لها، أو نبّه عليها، فوجب الكشفُ عنها وبيانها، فأقول: إِنَّ التارك للصلاة كسَلًا؛ إِنَّما يصح الحكم بإِسلامه، ما دام لا يوجد هناك ما يكشف عن مكنون قلبه، أو يدلّ عليه، ومات على ذلك قبل أن يستتاب؛ كما هو الواقع في هذا الزمان، أمَّا لو خُيِّر بين القتل والتوبة بالرجوع إِلى ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ٤٨، ومسلم: ٦٤ (٢) أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٧٨٧)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١٢٤١) وغيرهم، وانظر»الإِرواء" (٢٥٦١). المحافظة على الصَّلاة، فاختار القتل عليها، فقُتل؛ فهو في هذه الحالة يموت كافرًا، ولا يُدفَن في مقابر المسلمين، ولا تَجري عليه أحكامهم؛ خلافًا لما سبق عن السخاوي؛ لأنَّه لا يُعقل -لو كان غير جاحد لها في قلبه - أن يختار القتل عليها، هذا أمر مستحيل معروف بالضرورة من طبيعة الإِنسان، لا يحتاج إِثباته إِلى برهان». انتهى. وكم أعجبني قول بعض طلاب العلم: «إِنَّ ممّا أخشاه أن يكون المكفّرون لتارك الصلاة مطلقًا؛ قد عظّموا الصَّلاة أكثر من الشهادتين». وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - أنّه قال: «أُمِرَ بعبد من عباد الله أن يضربَ في قبره مائة جلدة، فلم يزل يسأل ويدعو حتى صارت جلدة واحدة، فجُلدَ جلدةً واحدةً، فامتلأ قبره عليه نارًا، فلما ارتفع عنه وأفاق قال: على ما جلدتموني؟ قالوا: إِنّك صليت صلاةً واحدةً بغير طهورٍ، ومررتَ على مظلومٍ فلم تنصره» (١). قال شيخنا -حفظه الله تعالى- من فقه الحديث: قال الطحاوي عقبه: «فيه ما قد دل أن تارك الصلاة لم يكن بذلك كافرًا، لأنّه لو كان كافرًا لكان دعاؤه باطلًا لقول الله تعالى: ﴿وما دعاء الكافرين إلاَّ في ضلال﴾. ونقله عنه ابن عبد البر في»التمهيد«(٤/ ٢٣٩)، وأقره، بل وأيده بتأويل الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصلاة على أن معناها:»من ترك الصلاة جاحدًا لها معاندًا مستكبرًا غير مقرّ بفرضها. وألزم من قال بكفره بها وقبلها --------------------- (١) أخرجه الطحاوي في «مشكل الآثار» وغيره، وخرّجه شيخنا في «الصحيحة» (٢٧٧٤). على ظاهرها فيهم أن يكفر القاتل والشاتم للمسلم، وأن يكفر الزاني و... و.. إِلى غير ذلك مما جاء في الأحاديث لا يُخرج بها العلماء المؤمن من الإِسلام، وإِن كان بفعل ذلك فاسقًا عندهم، فغير نكير أن تكون الآثار في تارك الصلاة كذلك». وفي «المغني» (٢/ ٢٩٨) بحثٌ نفيسٌ فارجِع إِليه -إِن شئت-. ثمَّ رأيتُ ردًّا للشيخ علي الحلبي -حفظه الله- على من يقول بتكفير تارك الصلاة إِذا كان غير جاحد لوجوبها، ذكر فيه عددًا من الحجج والبراهين من ذلك: ١ - في كتاب «الجامع» (٢/ ٥٤٦ - ٥٤٧) للخلاّل، عن إِبراهيم بن سعد الزّهري، قال: سألتُ ابن شهابٍ عن الرجل يترك الصلاة؟ قال: «إِنْ كان إِنّما يتركها أنه يبتغي دينًا غير الإِسلام قُتل، وإِنْ كان إِنّما هو فاسق من الفُسّاق، ضُرب ضربًا شديدًا أو سُجن». ٢ - قال الإِمام ابن المنذر في كتاب «الإِجماع» (ص ١٤٨) في مسألة تارك الصلاة: «لم أجِدْ فيها إِجماعًا» (١) أي: على كُفره. ٣ - نَقَلَ الحافظ محمد بن نصر المقدسيّ عن ابن المبارك قولَه في تكفير تارك الصلاة -في كتابه «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٩٩٨) -، ثمَّ قال: «فقيل ----------------------- (١) ومِثله ما ذَكَره في مقدّمة كتاب»حكم تارك الصلاة«لشيخنا عن الإِمام محمد ابن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- فقد قال كما في»الدُّرر السنيّة«(١/ ٧٠) - جوابًا على من قال عمّا يُكَّفَّر الرجل به؟ وعمّا يقاتَل عليه؟:»أركان الإِسلام الخمسة؛ أولها الشهادتان، ثمَّ الأركان الأربعة؛ إِذا أقرَّ بها وتركها تهاونًا، فنحن وإنْ قاتلناه على فِعلها فلا نكفره بتركها، والعلماء اختلفوا في كفر التارك لها كسلًا من غير جحود، ولا نكَفّر إلاَّ ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان". لابن المبارك: أيتوارثان إِنْ مات؟! أو إِن طَلَّقها يقع طلاقُهُ عليها؟ فقال: أمّا في القياس؛ فلا طلاق ولا ميراث، ولكنْ أَجْبُنُ» ... ٤ - قال الإِمام ابن القيّم في «كتاب الصلاة» (ص ٥٥): «وها هنا أصل آخر، وهو أنّ الكفر نوعان: كُفر عمل، وكُفر جحود وعناد. فكُفر الجحود: أن يكفر بما علم أنّ الرسول جاء به من عند الله جُحودًا وعنادًا من أسماء الربّ وصفاته وأفعاله وأحكامه، وهذا الكفر يضادُّ الإِيمان من كل وجه، وأما كُفر العمل، فينقسم إِلى ما يضادّ الإِيمان، وإِلى ما لا يضاده، فالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف، وقتل النّبيّ وسّبه يضادّ الإِيمان. وأمّا الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة، فهو من الكفر العملي قطعًا، ولا يمكن أن يُنفى عنه اسم الكفر؛ بعد أنْ أطلقه الله ورسوله عليه، فالحاكم بغير ما أنزل الله كافر، وتارك الصلاة كافر بنص رسول الله - ﷺ -، ولكنْ هو كفر عمل لا كفر اعتقاد، ومن الممتنع أن يُسمّي الله -سبحانه- الحاكم بغير ما أنزل الله كافرًا، ويُسمّي رسول الله - ﷺ - تارك الصلاة كافرًا، ولا يُطلِق عليهما اسم الكفر، وقد نفى رسول الله - ﷺ - الإِيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر، وعمّن لا يأمن جاره بوائقه، وإِذا نفي عنه اسم الإِيمان، فهو كافر من جهة العمل، وانتفى عنه كُفر الجحود والاعتقاد، وكذلك قوله:»لا ترْجِعوا بعدي كُفّارًا يضربُ بعضكم رقاب بعض«(١) فهذا كُفر عمل (٢)». ----------------------- (١) أخرجه البخاري: ٦٨٦٨، ومسلم: ٦٦ (٢) قلت: ولا يخفى ما يقوله ابن القيّم -فيما يظهر من كلامه- تبعًا لشيخ الإِسلام -رحمهما الله تعالى- أنه يُعلّق الكفر على تحقُّق الترك، والإِصرار عليه؛ باعتبارهما قرينة على عدم الإِقرار بالوجوب. ٥ - قال الإِمام الشنقيطي -رحمه الله تعالى- في»أضواء البيان«(٤/ ٣٤٧) -بعد نقاشٍ طويلٍ في المسألة، وسَرْدٍ مستوعب لأدلة المكفِّرين، وغيرهم-:»هذا هو حاصل كلام العلماء وأدلتهم في مسألة ترك الصلاة عمدًا؛ مع الاعتراف بوجوبها. وأظهر الأقوال أدلة عندي: قول من قال إِنه كافر، وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث قول الجمهور: إِنه كُفر غير مخرج عن الملة لوجوب الجمع بين الأدلة إِذا أمكن. وإِذا حمل الكفر والشرك المذكوران في الأحاديث على الكفر الذي لا يخرج من الملة؛ حصل بذلك الجمع بين الأدلة والجمع واجب إِذا أمكن؛ لأن إِعمال الدليلين أولى من إِلغاء أحدهما؛ كما هو معلوم في الأصول وعلم الحديث. وقال النووي في «شرح المهذب» -بعد أن ساق أدلة من قالوا إِنه غير كافر ما نصه-: «ولم يزل المسلمون يورّثون تارك الصلاة ويوَرِّثون عنه، ولو كان كافرًا لم يغفر له ولم يرث ولم يورث». من أجل هذا؛ عدّ الإِمام ابن رشد في كتابه «بداية المجتهد» (١/ ٢٢٨) قول مكفّري تارك الصلاة: «... مضاهيًا لقول من يكفّر بالذنوب». ولعلّه -من أجل ذا- قال العلامة أبو الفضل السَّكْسَكي في كتابه «البرهان» (ص ٣٥): "إِنّ تارك الصلاة -إِذا لم يكن جاحدًا- فهو مسلم -على الصحيح من مذهب أحمد- وأنّ المنصورية يسمّون أهل السنّة مرجئة؛ لأنهم يقولون بذلك، ويقولون: هذا يؤدي إِلى أن الإيمان عندهم قول بلا عمل«! ٦ - قال الإِمام ابن عبد البّر في»التمهيد«(٤/ ٢٣٦) مُلزِمًا مكفّري تارك الصلاة -لمجرّد العمل-:»ويلزم من كَفَّرهم بتلك الآثار (١) وقبلها على ظاهرها فيهم: أن يكفِّر القاتل، والشاتم للمسلم، وأن يكفِّر الزاني، وشارب الخمر، والسارق، والمنتهب، ومن رغب عن نسب أبيه. فقد صح عنه - ﷺ - أنّه قال: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (٢). وقال - ﷺ -: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ...» (٣). وقال - ﷺ -: «لا ترغبوا عن آبائكم، فإِنّه كُفرٌ بكم أن ترغبوا عن آبائكم» (٤). وقال أيضًا: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» (٥). إِلى آثار مِثل هذه لا يُخرجُ بها العلماء المؤمن من الإِسلام، وإِنْ كان بفعل ذلك فاسقًا عندهم، فغير نكير أنْ تكون الآثار في تارك الصلاة كذلك«. ------------------------- (١) منها حديث بُريدة بن الخصيب -مرفوعًا-:»العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كَفر"، وتقدّم تخريجه. (٢) أخرجه البخاري: ٤٨، ومسلم: ٦٤، وتقدّم. (٣) أخرجه البخاري: ٦٨١٠، ومسلم: ٥٧ (٤) أخرجه البخاري: ٦٧٦٨، ومسلم: ٦٢ (٥) تقدّم. ٧ - قال الإِمام عبد الحقِّ الإِشبيلي في كتابه»الصلاة والتهجّد«(ص ٩٦):»... وذهب سائر المسلمين من أهل السنّة -المحدثين وغيرهم- إِلى أن تارك الصلاة متعمدًا، لا يكفر بتركها، وأنه أتى كبيرة من الكبائر إِذ كان مؤمنًا بها، مُقرًّا بفرضها، وتأولوا قول النّبيّ - ﷺ -، وقول عمر، وقول غيره ممن قال بتكفيره، كما تأولوا قوله - ﷺ -: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (١)، وغير ذلك مما تأوّلوه، ومن قال بقتل تارك الصلاة من هؤلاء، فإِنما قال: يقتل حدًّا، ولا يقتل كفرًا، وإِلى هذا ذهب مالك والشافعي وغيرهما. ٨ - ويقول الحافظ العراقي في «طرح التثريب» (٢/ ١٤٩): «وذهب جمهور أهل العلم إِلى أنه لا يكفر بترك الصلاة -إِذا كان غير جاحد لوجوبها-، وهو قول بقية الأئمة أبي حنيفة ومالك والشافعي، وهي رواية عن أحمد بن حنبل -أيضًا-». انتهى كلام الشيخ علي الحلبي -حفظه الله-. قلتُ: ومهما يكن مِن أمر؛ فإِنه لا ينبغي أن نختلف في هذه المسألة، أو نجعل فيها ولاءً وبراءً -إِذ الخلاف شرٌّ- وهذه من مسائل الاجتهاد، والذي ينبني على هذه المسألة أمران: ١ - أمْرٌ يتعلّق بجزاء تارك الصلاة عند اللَّه -تعالى- أيخلُد في النّار أم لا؟ وليس لنا من هذا الأمر شيء. ٢ - وأمْرٌ يتعلق بإِجراء الأحكام عليه في الدنيا، وينقسم إِلى قسمين: أ- ما ينبني عليه من إِجراء أحكام الكافر؛ كمنع الميراث، وتطليق زوجته، وعدم دفنه في مقابر المسلمين عند موته ... إِلخ. --------------------- (١) تقدّم تخريجه. وهذا لم يمض عليه عَمَلُ مَن قبلنا، ومن هم خيرٌ منا، وتقدم الكلام فيه. ب- ما ينبني عليه من الاستتابة إِذا امتنع؛ من قتل، ونحن نعلم -مع الأسف- غياب هذا، والعجز عنه. ولو تحقق هذا؛ لانتهى ما طال حوله الجدل، فلنتآلف ولتجتمع قلوبنا، ولنعمل للإِسلام؛ ليأتي اليوم الذي نفرح فيه؛ بتطبيق أحكامه، وهذا من أبرزها، وبالله التوفيق. على مَن تجب؟ تجب الصَّلاة على المسلم العاقل البالغ؛ لحديث عائشة -رضي الله عنها- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «رُفع القلم عن ثلاثة: عن النّائم حتى يستيقظ، وعن المُبتَلى حتى يبرَأ (١)، وعن الصّبيّ حتى يكبُر (٢)» (٣). صلاة الصبيّ تقدَّم حديث عائشة -رضي الله عنها-: «رفع القلم ...» ويتضمّن ذلك الصبيّ حتى يكبر أو يحتلم. بيْد أنَّ عدم الوجوب لا يُعفي وليَّه أن يأمره بها حين يبلغ سبْع سنين، وأن يُعاقبه بالضّرب على ترْكها حين يبلغ عشرًا، كما في الحديث: «مُرُوا أولادكم بالصَّلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرِّقوا ------------------------- (١) وفي رواية:»وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق«، انظر»الإِرواء«(٢٩٧). (٢) وفي رواية:»حتى يحتلم«. المصدر السابق. (٣) أخرجه أبو داود وغيره وقال الحاكم: صحيح عى شرط مسلم ووافقه الذهبي وكذا شيخنا في»الإرواء" (٢٩٧). بينهم في المضاجع» (١). عدد الفرائض وفرائض الصَّلاة في اليوم والليلة خمس كما في حديث طلحة بن عبيد الله: «أنَّ أعرابيًا جاء إِلى رسول الله - ﷺ - ثائر الرأس فقال: يا رسولَ الله أخبِرني ماذا فرض الله عليَّ من الصَّلاة، فقال: الصلوات الخمس إلاَّ أن تطوَّع شيئًا، فقال: أخبِرني ما فرَض الله عليَّ من الصيام. فقال: شهر رمضان إلاَّ أن تطوَّع شيئًا، فقال: أخبِرني بما فرض الله عليَّ من الزكاة، فقال: فأخبَره رسول الله - ﷺ - شرائع الإِسلام، قال: والذي أكرمك لا أتطوّع شيئًا، ولا أنقُص ممَّا فرض الله عليَّ شيئًا. فقال رسول الله - ﷺ -: أفلح إِنْ صدق، أو دخل الجنَّة إِن صدق» (٢). مواقيت الصَّلاة قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا (٣)﴾ (٤). قال في «المغني» (١/ ٣٧٨): «أجمعَ المسلمون على أنَّ الصلوات الخمس مؤقتة بمواقيت محددةٍ». ------------------------ (١) أخرجه ابن أبى شيبة في «المصنف» وأبو داود والدارقطني والحاكم والبيهقي وأحمد وغيرهم، وهو حديث صحيح خرَّجه شيخنا في «الإِرواء» (٢٤٧)، وانظر «تمام المنة» (ص ١٣٩). (٢) أخرجه البخاري: ١٨٩١، ومسلم: ١١، وغيرهما. (٣) النساء: ١٠٣ (٤) جاء في «تفسير ابن كثير»: قال ابن مسعود: «إِنَّ الصلاة وقتًا كوقت الحجّ، وقال زيد بن أسلم: (كتابًا موقوتًا): مُنجَّمًا: كلّما مضى نجم جاء نجم، يعني: كلما مضى وقت جاء وقت». وقد بيّنَت الأحاديث هذه المواقيت؛ كما في حديث عبد الله بن عمرو، أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «وقتُ الظهر إِذا زالت الشمس وكان ظلُّ الرَّجلِ كطوله، ما لم يحضُر العصر، ووقت العصر ما لم تصفَرَّ الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إِلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر، ما لم تطلع الشمس، فإِذا طلعت الشمس فأمسِك عن الصَّلاة، فإِنَّها تطلع بين قرنيْ شيطانٍ» (١). وكذلك حديث جابر: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - جاءه جبريلُ عليه السلام فقال: قم فصلِّه، فصلّى الظهر حين زالت الشمس، ثمَّ جاءه العصر فقال: قم فصلّه فصلّى العصر حين صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه، ثمَّ جاءه المغرب فقال: قم فصلّه، فصلّى المغرب حين وجبت (٢) الشمس، ثمَّ جاءه العشاء فقال: قم فصلّه، فصلّى العشاء حين غاب الشفَق، ثمَّ جاءه الفجر فقال: قم فصلِّه، فصلَّى الفجر حين برق الفجر أو قال: سطع الفجر، ثمَّ جاء من الغد للظهر فقال: قم فصلّه، فصلّى الظهر حين صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثله، ثمَّ جاءه العصر حين صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثليه، ثمَّ جاءه المغرب وقتًا واحدًا لم يَزُل عنه. ثمَّ جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل أو قال ثلث الليل، فصلّى العشاء، ثمَّ جاء حين أسفر (٣) جدًا، فقال له: قم فصلّه، فصلّى الفجر ثمَّ قال: ما بين هذين ---------------------- (١) أخرجه مسلم:٦١٢ (٢) أصل الوجوب: السقوط والوقوع، والمراد هنا: الغروب. (٣) أسفر الصبح: إِذا انكشف وأضاء والمراد: تأخيرها إِلى أن يطلع الفجر الثاني ويتحقّقه، وقيل إِن الأمر بالإِسفار خاصٌّ في الليالي المقمرة؛ لأنَّ أول الصبح لا يتبيّن فيها فأُمروا بالإِسفار احتياطًا.»النهاية" بتصرف. https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 326الى صــ 340 الحلقة (23) وقتٌ» (١) وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِنَّ للصلاة أولًا وآخرًا، وإنّ أوّل وقت صلاة الظهر حين تزول الشمس، وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر، وإنّ أول وقت صلاة العصر حين يدخل وقتها، وإِنّ آخر وقتها حين تصفرّ الشمس، وإنّ أول وقت المغرب حين تغرب الشمس، وإن آخر وقتها حين يغيب الأفق، وإِنّ أول وقت العشاء الآخرة حين يغيب الأفق، وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل، وإِنّ أول وقت الفجر حين يطلع الفجر، وإِنَّ آخر وقتها حين تطلع الشمس» (٢). وقت الظُّهر (٣) عن عبد الله بن عمرو أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «وقت الظهر إِذا زالت --------------------- (١) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(٤٨٨) والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١٢٧) والدارقطني والحاكم وعنه البيهقي وأحمد، وقال الحاكم:»حديث صحيح مشهور«ووافقه الذهبي، وشيخنا الألباني، وانظر»الإِرواء«(٢٥٠). (٢) أخرجه الترمذي والطحاوي في»شرح المعاني«والدارقطني في»السنن«وغيرهم، وخرّجه شيخنا في»الصحيحة«(١٦٩٦). (٣) قال في»المغني«(١/ ٣٧٨):»بدأ الخرقي بذِكر صلاة الظهر؛ لأنَّ جبريل بدأ بها حين أمّ النّبيّ - ﷺ - في حديث ابن عباس وجابر، وبَدأ بها - ﷺ - حين علَّم الصحابة مواقيتَ الصلاة في حديث بريدة وغيره، وبدأ بها الصحابة حين سُئلوا عن الأوقات في حديث أبي برزة وجابر وغيرهما«. انتهى. قلتُ: لكن بدأت بعض الألفاظ بصلاة الفجر، كما في»صحيح مسلم«(٦١٢). فعن عبد الله بن عمرو أنَّ نبي الله - ﷺ - قال:»إِذا صلّيتم الفجر فإِنَّه وقت إِلى أنْ يطلع = الشمس، وكان ظلّ الرجل كطوله، ما لم يحضُر العصر» (١). يبدأ وقت الظهر حين تزول الشمس عن بطن السماء ووسطها، ويستمرّ ذلك حتى يصير ظلّ كلّ شيء مثله، باستثناء فيء (٢) الزوال. وأجمع أهل العلم على أن أوّل وقت الظهر زوال الشمس، قاله ابن المنذر وابن عبد البرّ، وقد تظاهرَت الأخبار بذلك ... (٣). قال في «المغني» (١/ ٣٨٠): «ومعنى زوال الشمس: ميلها عن كبد ----------------------- = قرن الشمس الأول، ثمَّ إِذا صليتم الظهر فإِنه وقتٌ إِلى أن يحضر العصر، فإِذا صلّيتم العصر فإِنَّه وقتٌ إِلى أن تصفر الشمس، فإِذا صليتم المغرب فإِنَّه وقتٌ إلى أن يسقط الشفق، فإِذا صليتم العشاء فإِنَه وقتٌ إِلى نصف الليل». وورد في «صحيح مسلم» (٦١٢): عن عبد الله بن عمرو أيضًا مرفوعًا بلفظ: «وقت صلاة الفجر ما لم يطلع قرن الشمس الأول ...» ولكن أحاديث الابتداء بوقت صلاة الظهر أكثر. واستحسن شيخ الإسلام ابن تيمية: كما في «الاختيارات» (ص ٣٣): أن يُبدَأ بالفجر؛ لأنَّ الصلاة الوسطى هي العصر، وإنَّما تكون الوسطى إِذا كان الفجر هو الأوّل. (١) أخرجه مسلم: ٦١٢ (٢) قال في «النهاية»: «... وأصْل الفيء الرجوع، يُقال: فاء يفي فئةً وفُيوءًا؛ كأنه كان في الأصل لهم فرجع إِليهم، ومنه قيل للظلِّ الذى يكون يعد الزوال: فيء، لأنَّه يرجع من جانب الغرب إِلى جانب الشرق». قال النووي: «والفيء لا يكون إلاَّ بعد الزوال، وأمّا الظلّ فيُطلق على ما قبل الزوال وبعده، وهذا قول أهل اللغة». وقال الحافظ في «الفتح» (٦/ ٣٢٦): «والفيء يكون من عند زوال الشمس، ويتناهى بمغيبها». (٣) انظر «الأوسط» (٢/ ٣٢٦)، و«المغني» (١/ ٣٧٨). السماء، ويُعرف ذلك بطول ظلّ الشخص بعد تناهي قِصَره، فمن أراد معرفة ذلك فليُقدّر ظلّ الشمس، ثمَّ يصبر قليلًا ثمَّ يقدّره ثانيًا، فإِنْ كان دون الأول فلم تَزُل، وإن زاد ولم ينقص فقد زالت، وأمَّا معرفة ذلك بالأقدام فتختلف باختلاف الشهور والبلدان، فكلّما طال النهار قصر الظل، وإِذا قصر طال الظلّ، فكلّ يوم يزيد أو ينقص». جاء في «عون المعبود» (٣/ ٣٠٠): «قال الشيخ عبد القادر الجيلاني في»غنية الطالبين«: فإِذا أردت أن تعرف ذلك؛ فقِس الظل بأن تنصب عمودًا أو تقوم قائمًا في موضع الأرض مستويًا معتدلًا، ثمَّ علِّم على منتهى الظل؛ بأن تخط خطًا، ثم انظر أينقص أو يزيد، فإِن رأيته ينقص؛ علمْتَ أنّ الشمس لم تَزُل بعد، وإِنْ رأيته قائمًا لا يزيد ولا ينقص؛ فذلك قيامها وهو نصف النهار، لا تجوز الصلاة حينئذ، فإِذا أخذ الظل في الزيادة؛ فذلك زوال الشمس، فقِس من حدّ الزيادة إِلى ظلّ ذلك الشيء الذي قست به طول الظل، فإِذا بلغ إِلى آخر طوله؛ فهو وقت آخر الظهر». وقال شيخنا -حفظه الله تعالى- موضّحًا دخول وقت الظهر (١): «لو وضَعْنا شاخصًا وراقبْنا ظلّه حتى صار الظلّ ٢ سم مثلًا، وبعد ذلك لم يطُل أكثر من ذلك ولم يقصُر، ثمَّ تحرَّك حتى صار مثلًا ٢ سم و١ ملم، فهذا اسمه فيء الزوال، بمعنى زالت الشمس عن وسط السماء، ودخل وقت الظهر». ------------------------ (١) قاله لي هكذا بمعناه حين طلبْتُ منه توضيحًا عمليًّا لذلك. وانظر ما قاله ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٣٢٨) تحت (باب ذكر معرفة الزوال). الإِبراد بصلاة الظهر عند الحرّ عن أبي ذرّ -رضي الله عنه- قال: «كان النّبيّ - ﷺ - في سفر، فقال: أبرِد، ثمَّ قال: أبرِد، حتى فاء الفيء -يعني للتلول (١) - ثمَّ قال: أبردوا بالصَّلاة؛ فإِنَّ شدّة الحرّ من فيح (٢) جهنّم» (٣). وعن أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: «قال النّبيّ - ﷺ -: أبردوا بالصَّلاة، فإِنَّ شدّة الحرّ من فيح جهنّم» (٤). قال في «المغني» (١/ ٤٠٠): «وقال القاضي: إِنَّما يُستحبُّ الإِبراد بثلاثة شروط: شدّة الحرّ، وأن يكون في البلدان الحارّة ومساجد الجماعات، فأمَّا من صلاّها في بيته، أو في مسجدٍ بفناء بيته؛ فالأفضل تعجيلها، وهذا مذهب الشافعي؛ لأنَّ التأخير إِنَّما يُستحبّ لينكسر الحرّ ويتسع في ---------------------- (١) جمع تلّ: وهو ما ارتفع من الأرض عمّا حوله، وهو دون الجبل، وتُجمع أيضًا على تِلال وأتلال، وانظر»الوسيط«. (٢) الفيح: سطوع الحر وفورانه، وفاحت القدر غلت.»النهاية«. (٣) أخرجه البخاري: ٣٢٥٨، ومسلم: ٦١٦، قال النووي (٣/ ١١٩):»ومعنى قوله رأَينا فيء التّلول: أنَّه أخّر تأخيرًا كثيرًا؛ حتى صار للتلول فيءٌ، والتلولُ مُنبطحة غير منتصبة، ولا يصير لها فيءٌ في العادة؛ إلاَّ بعد زوال الشمس بكثير". (٤) أخرجه البخاري: ٣٢٥٩، ومسلم: ٦١٥ الحيطان، ويكثر السعي إِلى الجماعات، ومن لا يصلّي في جماعة لا حاجة به إِلى التأخير». واختلف العلماء في غاية الإِبراد: قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٢/ ٢٠) (١): «وقد اختلف العلماء في غاية الإِبراد، فقيل: حتى يصير الظلّ ذراعًا بعد ظلّ الزوال، وقيل: رُبع قامة، وقيل: ثلثها وقيل: نصفها، وقيل: غير ذلك. ونزلها المازري على اختلاف الأوقات، والجاري على القواعد أنَّه يختلف باختلاف الأحوال، لكن يشترط أن لا يمتدّ إِلى آخر الوقت». وقت صلاة العصر ويبدأ حين يكون ظلّ الشيء مثله مع فيء الزوال، ويمتدّ إِلى غروب الشمس. قال لي شيخنا -حفظه الله تعالى- في بيان وقت العصر في درس عمليّ: «قلنا في بيان صلاة الظهر أنَّ طول الشاخص ١م مثلًا وفيء الزوال ٢سم و١ ملم، فمتى يكون وقت العصر؟ عندما يصير هذا الظلّ طوله ١م و٢سم و١ملم، فالشاخص الذي قلنا إِنَّ طوله ١م، يصير ظلّه على الأرض ١م و٢سم و١ملم وهو فيء الزوال». انتهى. وفي ذلك أحاديث منها حديث جابر المتقدّم وفيه: «... ثمَّ جاءه العصر فقال: قُم فصلِّه، فصلَّى العصر حين صار ظلّ كل شيء مثليه». وكذلك حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: ------------------------ (١) ونقله السيد سابق -حفظه الله- في «فقه السنة» (١/ ٩٩). «... ومن أدرك ركعة (١) قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» (٢). وفي رواية: «إِذا أدرك أحدكم سجدةً (٣) من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس، فليتمّ صلاته» (٤). الترهيب من ترك صلاة العصْر عن أبي المَليح قال: كنّا مع بريدة في غزوةٍ في يوم ذي غيم، فقال: بكِّروا بصلاة العصر، فإِنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: «من ترك صلاة العصر فقد حَبِط عمله» (٥). وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «الذى تفوتُه صلاة العصر كأنَّما وُتِرَ (٦) أهلَه وماله» (٧). ------------------------- (١) سيأتي الكلام حولها في (باب من أدرك ركعة من صلاة الفجر أو العصر). (٢) أخرجه البخاري: ٥٧٩، ومسلم: ٦٠٨ (٣) سيأتي الكلام حولها في (باب من أدرك ركعة من صلاة الفجر أو العصر). (٤) أخرجه البخاري: ٥٥٦ من حديث أبي هريرة، ومسلم: ٦٠٩ من حديث عائشة -رضي الله عنهما-. (٥) أخرجه البخاري: ٥٥٣، ٥٩٤، وانظر للمزيد من الفوائد الحديثية، «الإِرواء» (٢٥٥). (٦) قال في «الفتح»: «وُتِر أهله: هو بالنصب عند الجمهور على أنَه مفعول ثانٍ لوُتِر، وأُضمر في (وُتِر) مفعول لم يسمّ فاعله، وهو عائد على الذي فاتَتْه، فالمعنى: أصيب بأهله وماله، وهو متعدٍّ إِلى مفعولين ...». (٧) أخرجه البخاري: ٥٥٢، ومسلم: ٦٢٦، وغيرهما. تعجيلها عند الغيم لقول بريدة السابق حين غزا في يوم ذي غيمْ: «بكّروا بصلاة العصر ...». صلاة العصر هي الصَّلاة الوسطى قال الله تعالى: ﴿حافِظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾ (١). وعن عليّ -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال يوم الخندق: «ملأ الله عليهم بيوتهم، وقبورهم نارًا؛ كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس» (٢). وفي رواية: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر؛ ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا ...» (٣). وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: «حَبَسَ المشركون رسول الله - ﷺ - عن صلاة العصر، حتى احمرَّت الشمس أو اصفرَّت، فقال رسول الله - ﷺ -: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر؛ ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارًا»، أو قال: «حشا الله أجوافهم وقبورهم نارًا» (٤). قال ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٣٦٨): "ويُقال: إِنها سُمّيت وسطى ------------------------ (١) البقرة: ٢٣٨ (٢) أخرجه البخاري: ٤١١١، ومسلم: ٦٢٧ (٣) أخرجه مسلم: ٦٢٧ (٤) أخرجه مسلم: ٦٢٨ لأنها بين صلاتين في الليل، وصلاتين في النهار». وقت صلاة المغرب ويبدأ وقت صلاة المغرب إِذا غابَ جميع قُرص الشمس، ويستمرّ إِلى مغيب الشّفق (١) الأحمر، وتقدَّم حديث مسلم (٦١٢): «فإِذا صلّيتم المغرب؛ فإِنَّه وقْتٌ إِلى أن يسقُط الشّفق». ويُستحبّ التعجيل بصلاة المغرب وفي ذلك نصوص عديدة منها: ١ - ما رواه سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه- «أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يصلي المغرب إِذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب» (٢). ٢ - عن أبي أيوب -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - قال: «صلّوا صلاة المغرب مع سقوط الشمس» (٣). ٣ - ما رواه رافع بن خديج -رضي الله عنه- قال: «كُنّا نصلّي المغرب مع النّبيّ - ﷺ - فينصرف أحدُنا؛ وإِنَّه ليُبصر مواقع نَبْلِه» (٤). جاء في «المغني» (١/ ٣٩٠): «وإِذا غابت الشمس وجَبَت المغرب، ولا يُستحبّ تأخيرها إِلى أن يغيب الشّفق، أمَّا دخول وقت المغرب بغروب ------------------ (١) قال في»النهاية«: الشفق من الأضداد؛ يقع على الحُمرة التي تُرى في المغرب بعد مغيب الشمس، وبه أخذَ الشافعي، وعلى البياض الباقي في الأفق الغربي بعد الحمرة المذكورة، وبه أخذَ أبو حنيفة. (٢) أخرجه البخاري: ٥٦١، ومسلم: ٦٣٦ (٣) أخرجه الطبراني وغيره وخرجه شيخنا في»الصحيحة" (١٩١٥). (٤) أخرجه البخاري: ٥٥٩، ومسلم: ٦٣٧ الشمس؛ فإِجماع أهل العلم لا نعلم بينهم خلافًا فيه، والأحاديث دالّة عليه وآخره مغيب الشّفق، وبهذا قال الثوري وإِسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وبعض أصحاب الشافعي، وقال مالك والأوزاعي والشافعي: ليس لها إلاَّ وقت واحد عند مغيب الشمس؛ لأن جبريل عليه السلام صلاّها بالنّبيّ - ﷺ - في اليومين لوقت واحد في بيان مواقيت الصَّلاة». التعجيل بصلاة المغرب: لما تقدّم من النصوص: وقال ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٣٦٩): «وأجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ التعجيل بصلاة المغرب أفضل، وكذلك نقول». وقت العشاء يبدأ وقت صلاة العشاء حين يغيب الشّفق، ويمتدّ إلى نصف الليل، وتقدَّم حديث جابر -رضي الله عنه-: «... فصلّى العشاء حين غاب الشّفق ...»، إِلى قوله: «ثمَّ جاء من الغد ... ثمَّ جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل أو قال ثُلث الليل، فصلّى العشاء ... ثمَّ قال: ما بين هذين وقْت». وفي الحديث: «إِذا ملأ الليل بطن كلِّ وادٍ فصلّ العشاء الآخرة» (١). استحباب تأخير العشاء عن أوّل وقْتها وفيه أحاديثُ عديدة، منها: --------------------- (١) أخرجه أحمد وغيره، وهو ثابت بمجموع طرقه، وانظر «الصحيحة» (١٥٢٠). حديث أبي برزة الأسلمي -رضي الله عنه- يصف صفة صلاة النّبيّ - ﷺ - المكتوبة- قال: «وكان يستحِبُّ أن يؤخّر من العشاء التي تدْعونها العَتَمةَ» (١). وعن حميد قال: «سُئل أنسٌ: هل اتخذ النّبيّ - ﷺ - خاتَمًا؟ قال: أخّرَ ليلةً صلاة العشاء إِلى شطر الليل، ثمَّ أقبلَ علينا بوجهه، فكأني أنظر إِلى وبيص (٢) خاتمه، قال: إِنّ الناس قد صلَّوا وناموا، وإِنَّكَم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتموها» (٣). وعن عائشة؛ قالت: «أَعْتَم (٤) النّبيّ - ﷺ - ذات ليلة حتى ذهب عامّة الليل، وحتى نام أهل المسجد، ثمَّ خرج فصلّى، فقال:»إِنَّه لَوَقتها؛ لولا أن أشقَّ على أمّتي«(٥). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -:»لولا أن أشقَّ على أمّتي، لأمَرْتهم أن يُؤخّروا العشاء إِلى ثلث الليل أو نصفه«(٦). وعن محمد بن عمرو بن الحسن بن عليّ قال: قدم الحجّاج فسأَلنا جابر --------------------------- (١) ووردَ معلقًا في البخاري: (١/ ١٥٠)، وموصولًا (٥٤٧)، وانظر مسلم: ٦٤٧ (٢) أي: بريق. (٣) رواه البخاري: ٥٨٦٩، ومسلم: ٦٤٠ (٤) أي: أخر صلاة العشاء حتى اشتدّت عتمة الليل وظُلمته. (٥) أخرجه مسلم: ٦٣٨، وغيره. (٦) أخرجه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وهو في»صحيح سنن ابن ماجه«(٥٦٥)، وصحّح شيخنا إِسناده في»المشكاة" (٦١١). ابن عبد الله فقال: «كان النّبيّ - ﷺ - يصلّي الظهرَ بالهاجرةِ (١)، والعصر والشمس نقيةٌ، والمغرب إِذا وجبتْ، والعشاء أحيانًا وأحيانًا: إِذا رآهم اجتمعوا عجّلَ، وإذا رآهم أبطأوا أخَّر، والصبح -كانوا أو كان النّبيّ - ﷺ - يصليها بغَلَس» (٢). قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٤٨) عقب الحديث (٥٦٧): «... فعلى هذا من وجد به قوّةً على تأخيرها، ولم يغلِبه النوم ولم يشقّ على أحد من المأمومين؛ فالتأخير في حقّه أفضل، وقد قرّر النووي ذلك في»شرح مسلم«، وهو اختيار كثير من أهل الحديث من الشافعيّة وغيرهم والله أعلم. ونقل ابن المنذر عن الليث وإِسحاق؛ أنَّ المستحبّ تأخير العشاء إِلى قبل الثُلث، وقال الطحاوي: يُستحبُّ إِلى الثلث، وبه قال مالك وأحمد وأكثر الصحابة والتابعين، وهو قول الشافعي في الجديد، وقال في القديم: التعجيل أفضل، وكذا قال في»الإِملاء«وصحّحه النووي وجماعة وقالوا: إِنَّه ممَّا يُفتي به على القديم، وتعقب بأنَّه ذكره في»الإِملاء«وهو من كُتُبه الجديدة، والمختار من حيث الدليل أفضلية التأخير، ومن حيث النظر التفصيل والله أعلم». قلت: «ولعلّ ذلك يتبع ما بالحيّ والجماعة من قوّة؛ يُراعى فيها أضعفهم؛ حرصًا على صلاة الجماعة. -------------------------- (١) قال في»النهاية«:»والهجير والهاجرة: اشتداد الحرّ نصف النّهار«. وأشار الحافظ في»الفتح" (٢/ ٤٢) أنَّه عقبَ الزوال؛ حين اشتداد الحرّ، وذلك في معرض مناقشة بعض الأقوال. (٢) أخرجه البخاري: ٥٦٠، ومسلم: ٦٤٦ فربّما استدعى الأمر إِلى عدم التأخير مُطلقًا لظروف المصلِّين، وربما كان المصلّون قلَّةً في مسجدٍ ما، يستطيعون تأخير الصلاة إِلى ثلث الليل أو قبله أو بعده، ويراعى في ذلك الانتفاع من وقت الانتظار في العبادة والطاعة، والله أعلم». ولابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٣٦٩) كلام نفيس في هذا فارجع إِليه -إِن شئت-. آخر وقت للعشاء تعدَّدت الأقوال في آخر وقت للعشاء، فمنهم مَن قال: إِنَّ العشاء يمتدُّ إِلى طلوع الفجر الثاني، ومنهم من قال: إِنّه يمتدّ إِلى ثُلث الليل، ومنهم من قال: إِلى نصف الليل. ومنهم من قال: وقت الاختيار إِلى ثلث الليل، ووقت الضرورة إِلى طلوع الفجر الثاني. واستدلّ من قال بامتداد العشاء إِلى طلوع الفجر الثاني بحديث «مسلم» (٦٨١): «... أما إِنّه ليس في النّوم تفريط، إِنَّما التفريطُ على من لم يُصلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأُخرى ...». قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «تمام المنّة» (ص١٤٠): "... ولا دليل فيه على ما ذهبوا إِليه، إِذ ليس فيه بيان أوقات الصلاة، ولا سيق من أجل ذلك وإِنّما لبيان إِثم من يؤخِّر الصلاة حتى يخرجها عامدًا عن وقتها مطلقًا؛ سواء كان يعقبها صلاة أخرى مِثل العصر مع المغرب، أوْ لا، مِثْل الصبح مع الظهر، ويدلّ على ذلك أنّ الحديث ورَد في صلاة الفجر؛ حين فاتتْه - ﷺ - مع أصحابه وهم نائمون في سَفَر لهم، واستعظَم الصحابة -رضي الله عنهم- وقوع ذلك منهم، فقال - ﷺ - لهم: «أما لكم فيَّ أُسوة؟» ثمَّ ذكَر الحديث. كذلك هو في «صحيح مسلم» وغيره، فلو كان المراد من الحديث ما ذهبوا إِليه من امتداد وقت كل صلاة إِلى دخول الأخرى، لكان نصًّا صريحًا على امتداد وقت الصبح إِلى وقت الظهر، وهم لا يقولون بذلك، ولذلك اضطروا إِلى استثناء صلاة الصبح من ذلك، وهذا الاستثناء على ما بينّا من سبب الحديث يعود عليه بالإِبطال؛ لأنَّه إِنَّما ورَد في خصوص صلاة الصبح، فكيف يصحّ استثناؤها؟! فالحقّ أنَّ الحديث لم يَرِد من أجل التحديد، بل لإِنكار تعمُّد إِخراج الصلاة عن وقتها مطلقًا، ولذلك قال ابن حزم في «المحلّى» (٣/ ٢٣٣) مجيبًا على استدلالهم المذكور: «هذا لا يدلّ على ما قالوه أصلًا، وهم مُجمِعون معَنا أنَّ وقت صلاة الصبح لا يمتدّ إِلى وقت صلاة الظهر، فصحّ أنَّ هذا الخبر لا يدل على اتّصال وقْت كلّ صلاة بوقت التي بعدها، وإِنَّما فيه معصية من أخَّرَ صلاةً إِلى وقْتِ غيرها فقط، سواءٌ اتصل آخر وقتها بأول الثانية أمْ لم يتَّصل، وليس فيه أنّه لا يكون مفرِّطًا أيضًا من أخَّرها إِلى خروج وقتها، وإِن لم يدخُل وقتُ أخرى، ولا أنّه يكون مُفرِّطًا، بل هو مسكوت عنه في هذا الخبر، ولكن بيانه في سائر الأخبار التي فيها نصٌّ على خروج وقتِ كلِّ صلاة، والضرورة توجبُ أنَّ من تعدَّى بكل عمل وقته الذي حدَّه الله تعالى لذلك العمل؛ فقد تعدّى حدود الله، وقال تعالى: ﴿ومن يتَعَدَّ حدودَ الله فأولئكَ هم الظالمون﴾ (١)». وإذ قد ثَبت أنّ الحديث لا دليل فيه على امتداد وقت العشاء إِلى الفجر، ----------------------------- (١) البقرة: ٢٢٩ فإِنَّه يتحتّم الرجوع إِلى الأحاديث الأخرى التي هي صريحة في تحديد وقت العشاء مِثل قوله - ﷺ -: «ووقت صلاة العشاء إِلى نصف الليل الأوسط ...». رواه «مسلم» (٦١٢) وغيره. وقد مضى بتمامه في الكتاب، ويؤيّده ما كتب به عمر بن الخطاب إِلى أبي موسى الأشعري: «... وأَن صلِّ العشاء ما بينك وبين ثلث الليل، وإنْ أخَّرْت فإِلى شطْر الليل، ولا تكن من الغافلين». أخرجه مالك والطحاوي وابن حزم، وسنده صحيح. فهذا الحديث دليل واضح على أنَّ وقت العشاء إِنّما يمتدّ إِلى نصف الليل فقط، وهو الحقّ، ولذلك اختارَه الشوكاني في «الدرر البهية»، فقال: «... وآخر وقت صلاة العشاء نصف الليل»، وكذا في «السيل الجرّار» (١/ ١٨٣) وتبِعه صديق حسن خان في «شرحه» (١/ ٦٩ - ٧٠)، وقد رُوي القول به عن مالك كما في «بداية المجتهد»، وهو اختيار جماعة من الشافعية كأبي سعيد الاصطخري وغيره. انظر «المجموع» (٣/ ٤٠). فخلاصة الأمر أنَّ وقت صلاة العشاء؛ يمتدّ إلى نصف الليل فقط، وحديث «مسلم» (٦١٢) المتقدم عُمدة في ذلك وفيه: «... ووقت صلاة العشاء إِلى نصف الليل الأوسط ...» وبالله التوفيق. فائدة: ينتهي الليل بطلوع الفجر الصادق، قال الله تعالى: ﴿وكلُوا واشْرَبُوا حتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِن الخَيْطِ الأسْوَدِ من الفَجْر﴾ (١). فالخيط ------------------------- (١) البقرة: ١٨٧ الأسود آخر الليل، والخيط الأبيض أول الفجر. وقت صلاة الصبح يبدأ وقت صلاة الصبح حين يطلُع الفجر الصّادق، ويمتدّ إِلى طلوع الشمس. جاء في «المغني» (١/ ٣٩٥): «وإذا طلَع الفجر الثاني وجَبَت صلاة الصبح، والوقت مُبقىً إِلى ما قبل أنْ تطلُع الشمس، ومن أدرَك منها ركعةً قبل أن تطلُع فقد أدرَكها وهذا مع الضرورة. وجملته: إِنَّ وقت الصبح يدخل بطلوع الفجر الثاني إِجماعًا، وقد دلَّت عليه أخبار المواقيت وهو البياض المستطير (١) المنتشر في الأفق، ويُسمَّى الفجر الصادق؛ لأنَّه صدقَك عن الصبح وبيَّنه لك، والصبحُ ما جمع بياضًا وحمرةً، ومنه سُمِّي الرجل الذي في لونه بياض وحمرة أصبح، فأمَّا الفجر الأول: فهو البياض المستدق صُعُدًا (٢) من غير اعتراض، فلا يتعلّق به حكم، ويُسمَّى الفجر الكاذب». ------------------------ (١) الفجر المستطير: هو الذي انتشر ضوؤه واعترض في الأفق، بخلاف المستطيل. ومنه حديث بني قريظة: وهان على سراة بني لؤيٍّ ... حريقٌ بالبويرة مستطير أي: منتشر متفرّق، كأنه طار في نواحيها. «النهاية». (٢) أي: طولًا. https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 341الى صــ 355 الحلقة (24) التغليس (١) بصلاة الفجر يستحبُّ التغليس بصلاة الفجر؛ بأن تُصلّى في أوّل وقتها، كما تدلّ على ذلك الأحاديث الصحيحة، منها: حديث أبي مسعود البدري: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - صلّى الصبح مرّة بغلس، ثمَّ صلّى مرّة أخرى فأسفَر بها، ثمَّ كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات، ولم يعد إِلى أن يسفر» (٢). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كنَّ نساءُ المؤمنات يشهدنَ مع رسول الله - ﷺ - صلاة الفجر مُتَلَفِّعاتٍ بمروطهنَّ، ثمَّ ينقلبنَ إِلى بيوتهنَّ حين يقضين الصلاة؛ لا يعرفهنَّ أحدٌ من الغَلَس» (٣). --------------------- (١) الغَلس: ظُلمة آخر الليل كما تقدّم، والمراد بالتغليس هنا: المبادرة بصلاة الفجر في أوّل وقتها. (٢) أخرجه أبو داود بسند حسن كما قال النووي وابن حبان في «صحيحه» (٣٧٨) وصححه الحاكم والخطابي والذهبي وغيرهم، كما بيّنه شيخنا -حفظه الله تعالى- في «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٨)، وقال: «والعمل بهذا الحديث هو الذي عليه جماهير العلماء؛ من الصحابة والتابعين والأئمّة المجتهدين ...»، وانظر «الضعيفة» (٢/ ٣٧٢). ومعنى إِلى أن يُسفر: «أي: ينكشف ويُضيء فلا يُشَكُّ فيه، وسيأتي شرحه قريبًا -إِن شاء الله- في حديث:»أسفروا بالفجر ... «، وقال ابن المنذر في»الأوسط«(٢/ ٣٨١):»وقال بعضهم: معروف في كلام العرب قولهم: أسفرت المرأة عن وجهها، وأسفري عن وجهك، أي: اكشفي«. (٣) أخرجه البخاري: ٥٧٨، ومسلم: ٦٤٥، وغيرهما. قال الحافظ في»الفتح«(٢/ ٥٥):»(كنَّ): قال الكرماني: هو مِثل (أكلوني = وفي رواية: «وما يعرف بعضنا وجوه بعض» (١). ولا يُعارض هذا الحديث قوله - ﷺ -: «أسفروا (٢) بالفجر؛ فإِنَّه أعظم ----------------------- = البراغيث) لأنَّ قياسه الإِفراد وقد جُمِع. قوله (نساء المؤمنات): تقديره نساء الأنفس المؤمنات أو نحوها، ذلك حتى لا يكون من إِضافة الشيء إلى نفسه، وقيل: إِنَّ (نساء) هنا بمعنى الفاضلات، أي: فاضلات المؤمنات، كما يقال: رجال القوم، أي: فضلاؤهم. وقوله (لا يعرفهن أحد)، قال الداودي: معناه: لا يُعرفن أنساء أم رجال، أى: لا يظهر للرائي إلاَّ الأشباح خاصّة، وقيل: لا يُعرف أعيانهن فلا يُفرّق بين خديجة وزينب، وضعّفه النووي بأنّ المتلفّعة في النهار لا تعرف عينها فلا يبقى في الكلام فائدة، وتعقّب بأن المعرفة إِنما تتعلق بالأعيان، فلو كان المراد الأول لعبَّر بنفي العِلم، وما ذكر من أن المتلفّعة بالنهار لا تُعرف عينُها فيه نظر، لأنَّ لكلّ أمرأة هيئة غير هيئة الأخرى في الغالب، ولو كان بدنها مُغطّى. وقال الباجي: هذا يدلّ على أنهنّ كنّ سافرات، إِذ لو كنَّ متنقّبات لمنع تغطية الوجه من معرفتهنّ لا الغلس. قلت: وفيه ما فيه، لأنَّه مبني على الاشتباه الذي أشار إِليه النووي، وأمّا إِذا قلنا إِنَّ لكل واحدة منهن هيئة غالبًا فلا يلزم ما ذكر. والله أعلم. والمروط: جمع مِرط بكسر الميم وهو كساء معلم من خز أو صوف أو غير ذلك، وقيل: لا يسمى مِرْطًا؛ إلاَّ إِذا كان أخضر، ولا يلبسه إلاَّ النساء، وهو مردود بقوله مِرْط من شعر أسود، وقوله: ينقلبن أي: يرجعن». (١) أخرجه أبو يعلى في «مسنده» بسند صحيح عنها. عن «جلباب المرأة المسلمة» (ص ٦٦). (٢) أسفر الصبح إِذا انكشف وأضاء. قالوا: يُحتمل أنهم حين أمرهم بتغليس صلاة الفجر في أوّل وقتها؛ كانوا يصلّونها عند الفجر الأوّل حرصًا ورغبةً، فقال: أسفِروا بها = للأجر» (١). قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٢/ ٥٥): «وأمّا ما رواه أصحاب السنن وصحّحه غير واحد من حديث رافع بن خديج قال: قال رسول الله - ﷺ -:»أسفِروا بالفجر فإِنَّه أعظم للأجر«، فقد حَمَله الشافعي وغيره على أنَّ المراد بذلك تحقُّق طلوع الفجر، وحَمله الطحاوي على أنَّ المراد الأمر بتطويل القراءة فيها؛ حتى يخرج من الصلاة مُسفِرًا، وأبعَدَ من زَعمَ أنَّه ناسخ للصلاة في الغلس». وقال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «الإِرواء» (١/ ٢٨٦): «قال الترمذي عقب الحديث: وقد رأى غير واحد من أهل العلم من أصحاب النّبيّ - ﷺ - والتابعين الإِسفار بصلاة الفجر. وبه يقول سفيان الثوري. وقال الشافعي وأحمد وإِسحاق: معنى الإِسفار: أن يتضح الفجر، فلا يُشكّ فيه، ولم يرو أنَّ معنى الإِسفار تأخير الصَّلاة». قلت [الكلام لشيخنا -حفظه الله-]: «بل المعنى الذي يدل عليه مجموع ألفاظ الحديث إِطالة القراءة في الصَّلاة حتى يخرج منها في الإِسفار، ومهما أسفَر فهو أفضل وأعظم للأجر؛ كما هو صريحُ بعضِ الألفاظ المتقدمة، فليس معنى الإِسفار إِذن هو الدخول في الصَّلاة في وقت الأِسفار؛ كما هو ---------------- = أي: أخّروها إِلى أن يطلع الفجر الثاني وتتحققوه. وقيل: إِن الأمر بالإسفار خاصٌ في الليالي المقمرة؛ لأنَّ أوّل الصبح لا يتبّين فيها، فأُمروا بالأِسفار احتياطًا.»النهاية«بحذف يسير. (١) أخرجه أحمد وأبو داود والدارمي وغيرهم، وهو حديث صحيح خرَّجه شيخنا في»الإرواء" (٢٥٨)، وذكر له طُرقًا وشواهد عديدة. مشهور عن الحنفية، لأنَّ هذا خلاف السنّة الصحيحة العملية التي جرى عليها رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- كما تقدَّم في الحديث الذي قبله، ولا هو التحقّق من دخول الوقت كما هو ظاهر كلام أولئك الأئمّة، فإِنَّ التحقق فرْض لا بد منه، والحديث لا يدلّ إلاَّ على شيء هو أفضل من غيره، لا على ما لا بدّ منه كما هو صريح قوله: «... فإِنَّه أعظم للأجر»، زِدْ على ذلك أنَّ هذا المعنى خلاف قوله في بعض ألفاظ الحديث: «... فكلّما أصبحتم بها فهو أعظم للأجر». وخلاصة القول؛ أنَّ الحديث إِنّما يتحدّث عن وقت الخروج من الصلاة، لا الدخول، فهذا أمر يُستفاد من الأحاديث الأخرى، وبالجمع بينها وبين هذا: نستنتج أنَّ السنَّة الدخول في الغلس والخروج في الإِسفار، وقد شرح هذا المعنى الإِمام الطحاوي في «شرح المعاني»، وبيّنه أتمّ البيان بما أظهر أنَّه لم يُسبَق إِليه، واستدلّ على ذلك ببعض الأحاديث والآثار، وختم البحث بقوله: فالذي ينبغي الدخول في الفجر في وقت التغليس، والخروج منها في وقت الإِسفار؛ على موافقة ما روينا عن رسول الله - ﷺ - وأصحابه. وهو قول أبي حنيفة وأيي يوسف ومحمد بن الحسن -رحمهم الله تعالى-. وقد فاتهَ -رحمه الله- أصرح حديث يدلّ على هذا الجمع؛ منْ فِعْله عليه الصلاة والسلام وهو حديث أنس -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يصلّي، .. الصُّبح إِذا طلَع الفجر إِلى أن ينفسح البصر». أخرجه أحمد بسند صحيح كما تقدَّم بيانه في آخر تخريج الحديث السابق. وقال الزيلعي (١/ ٢٣٩): «هذا الحديث يُبطلِ تأويلهم الإِسفار بظهور الفجر» وهو كما قال -رحمه الله تعالى-". انتهى ولشيخ الإِسلام كلام مهم في «الفتاوى» (٢٢/ ٩٥) فارجع إِليه -إِن شئت-. من أدرَك ركعة من صلاة الفجر أو العصر عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «من أدرَك من الصبح ركعةً قبل أن تطلع الشمس؛ فقد أدرَك الصبح، ومن أدرَك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدرَك العصر» (١). وعنه -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا أدرَك أحدُكم سجدةً من صلاة العصر قبل أن تغرُب الشمس، فليُتمَّ صلاته، وإذا أدرَك سجدةً من صلاة الصُّبح قبل أن تطلع الشمس، فليتمّ صلاته» (٢). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «من أدرَك من العصر سجدةً قبل أن تغرب الشمس؛ أو من الصبح قبل أنْ تطلع، فقد أدرَكها» (٣) والسجدة إِنَّما هي الركعة (٤). ------------------------ (١) أخرجه البخاري: ٥٧٩، ومسلم: ٦٠٨ (٢) أخرجه البخاري: ٥٥٦ (٣) أخرجه مسلم: ٦٠٩، وغيره. (٤) قوله: «والسجدة إِنما هي الركعة» مُدرجة في الحديث ليست من قوله - ﷺ -. قال شيخنا في «الإِرواء» (تحت الحديث ٢٥٢): «وهي مُدرجةٌ في الحديث ليست من كلامه - ﷺ -، قال الحافظ في»التلخيص«(ص٦٥): قال المحبّ الطبري في»الأحكام«: ويُحتمل إِدراج هذه اللفظة الأخيرة. قلت: -أي: شيخنا حفظه الله -:»وهو الذي أُلقيَ في نفسي وتبيّن لي بعد أن تتبعتُ مصادر الحديث فلم أجدها عند غير مسلم. والله أعلم". وجاء في «صحيح البخاري» (٥٥٦) (كتاب مواقيت الصلاة) «باب من أدرَك ركعةً من العصر قبل الغروب»، وأورد فيه حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «إِذا أدرَك أحدكم سجدةً ...». قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٣٨): «قوله (باب من أدرَك ركعةً من العصر قبل الغروب) أورد فيه حديث أبي سلمة عن أبي هريرة:»إِذا أدرَك أحدكم سجدةً من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتمّ صلاته، فكأنَّه أراد تفسير الحديث، وأنَّ المراد بقوله: «فيه سجدة»، أي: ركعة. وقد رواه الإِسماعيلي من طريق حسين بن محمد عن شيبان بلفظ: «من أدرَك منكم ركعة» فدلّ على أنَّ الاختلاف في الألفاظ وقَع من الرواة، ... و[في] رواية مالك في أبواب وقت الصبح بلفظ: «من أدرَك ركعة» ولم يُختَلف على راويها في ذلك، فكان عليها الاعتماد. وقال الخطابي: «المراد بالسجدة الركعة بركوعها وسجودها، والركعة إِنّما يكون تمامها بسجودها فسُمّيت على هذا المعنى سجدة»«. قال شيخنا في»الإِرواء«(١/ ٢٧٥):»... وقد أخرجه البيهقي (١/ ٣٧٨) من طريق محمد بن الحسين بن أبي الحنين حدثنا الفضل يعني ابن دكين به، بلفظ: «إِذا أدرك أحدكم أوّل سجدة ...» بزيادة «أوّل» في الموضعين. ... فثبتَ مما ذكَرْنا أنَّ هذه الزيادة صحيحة ثابتة في الحديث، وهي تعيِّن أنَّ المراد من الحديث إدراك الركوع مع السجدة الأولى؛ كما سبَق بيانه، وما يترتّب عليه من رفْع الخلاف الفقهي في الحديث الذي قبله"، أي: حديث: «من أدرَك ركعةً من الصبح ...». الأوقات التي ورَد النّهي عن الصَّلاة فيها لقد ورَد النهي عن الصَّلاة في عِدّه مواطن، وهي ما يأتي: ١ - بعد صلاة الفجر حتى تطلُع الشمس. ٢ - وحين طلوعها حتى ترتفع قدر رمح. ٣ - وحين استوائها. ٤ - وحين تميل إِلى الغروب. ٥ - وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس؛ وذكر بعض العلماء جواز ذلك قبل اصفرار الشمس، كما سيأتي إِن شاء الله. ودليل ذلك: حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا صلاة بعد صلاة العصر حتَّى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتَّى تطلع الشمس» (١). ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥٨٦، ومسلم: ٨٢٧ قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (٦٣ - ٦٥) بحذف يسير: "فقد نهى النّبيّ - ﷺ - عن الصلاة وقت طلوع الشمس، ووقت الغروب، مُعلِّلًا ذلك النهي: بأنّها تطلع وتغرب بين قرني شيطان، وأنَّه حينئذ يسجُد لها الكفار. ومعلوم أنَّ المؤمن لا يقصد السجود إلاَّ لله تعالى، وأكثر النّاس قد لا يعلمون أنَّ طلوعها وغروبها بين قرني شيطان، ولا أنَّ الكفار يسجدون لها، ثمَّ إِنَّه - ﷺ - نَهى عن الصلاة في هذا الوقت حَسمًا لمادّة المشابهة بكلّ طريق. = وحديث عمرو بن عبسة -رضي الله عنه- في قصة إِسلامه، وفيه: «فقلتُ: يا نبي الله! أخبِرني عمَّا علَّمك الله وأجهلُهُ، أخبرْني عن الصلاة؟». قال: «صلِّ صلاة الصبح. ثمَّ أقْصِرْ عن الصَّلاة حتى تطلع الشمس حتَّى ترتفع، فإِنّها تطلعُ حين تطلعُ بين قرْني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثمَّ صلِّ فإِنَّ الصَّلاة مشهودةٌ محضورةٌ (١) حتَّى يستقلَّ الظِّلُّ بالرمح (٢). ثمَّ أقصِرْ ------------------- = ... وكان فيه تنبيهٌ على أنَّ كلّ ما يفعله المشركون من العبادات ونحوها ممّا يكون كفرًا أو معصية بالنية؛ يُنهى المؤمنون عن ظاهره، وإنْ لم يقصدوا به قصْد المشركين سدًّا للذريعة، وحسمًا للمادة»، ولهذا نهَى عن الصلاة إِلى ما عُبد من دون الله في الجملة، وإِن لم يكن العابد يقصد ذلك، ولهذا يُنهى عن السجود لله بين يدي الرّجل، وإن لم يقصد الساجد ذلك، لِمَا فيه من مُشابهة السجود لغير الله. فانظر كيف قَطَعت الشريعة المشابهة في الجهات وفي الأوقات، وكما لا يُصلّي إِلى القبلة التي يُصلون إِليها؛ كذلك لا يصلّي إِلى ما يُصلّون له؛ بل هذا أشدّ فسادًا، فإِنَّ القبلة شريعة من الشرائع، قد تختلف باختلاف شرائع الأنبياء، أمَّا السجود لغير الله وعبادته؛ فهو مًحرّم في الدين الذي اتفقت عليه رسل الله، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿واسألْ من أرسَلْنا من قبلِك من رُسُلنا أجعَلْنا من دون الرحمن آلهةً يُعبدون﴾. [الزخرف: ٤٥]. (١) أي: تشهدها الملائكة وتحضرها. (٢) قال النووي -رحمه الله-: أى: يقوم مقابله في جهة الشمال؛ ليس مائلًا إِلى المغرب ولا إِلى المشرق، وهذه حالة الاستواء، وفي الحديث التصريح بالنهي عن الصلاة حينئذ حتى تزول الشمس، وهو مذهب الشافعي وجماهير العلماء، واستثنى الشافعي حالة الاستواء يوم الجمعة. وقال في «النهاية»: أي: حتى يبلغ ظلّ الرمح المغروس في الأرض أدنى غاية القلَّة والنقص؛ لأنَّ ظلَّ كل شيء في أوّل النّهار يكون طويلًا، ثمَّ لا يزال ينقص حتى يبلغ أقصره = عن الصَّلاة. فإِنَّ حينئذ تُسْجَرُ جهنم (١) فإِذا أقبل الفيءُ فَصَلِّ (٢). فإِن الصَّلاة مشهودةٌ محضورةٌ، حتَّى تصلِّي العصر ثمَّ أقصِر عن الصَّلاة (٣) حتَّى تغرب الشمس. فإِنّها تغرُب بين قرني شيطانٍ، وحينئذ يسجد لها الكفار» (٤). وعن عقبة بن عامر الجهني -رضي الله عنه- قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله - ﷺ - ينهانا أن نصلِّي فيهنّ، أو أن نقبرَ فيهنّ موتانا (٥): حين تطلعُ الشمس بازغةً (٦) حتى ترتفع، وحين يقوم قائمُ الظهيرة (٧) حتى تميل ---------------------- = وذلك عند انتصاف النهار، فإِذا زالت الشمس عاد الظِّل يزيد، وحينئذ يدخل وقت الظهر، وتجوز الصلاة ويذهب وقت الكراهة. وهذا الظّل المتناهي في القِصَر هو الذي يسمّى ظلَّ الزوال، أي: الظل الذي تزول الشمس عن وسط السماء، وهو موجود قبل الزيادة. فقوله:»يستقل الرّمح بالظل«هو من القلة لا من الإِقلال والاستقلال الذي بمعنى الارتفاع والاستبداد، يقال: تقلل الشيء، واستقله، وتقالَّه: إِذا رآه قليلا. (١) أي: توقد إِيقادًا بليغًا.»شرح النووي«. (٢) أقبل الفيء: ظهر إِلى جهة الشرق، والفيء مختصّ بما بعد الزّوال، وأمّا الظلّ فيقع على ما قبل الزوال وبعده.»شرح النووي«. (٣) أي: أمسِكْ وكفّ. (٤) أخرجه مسلم: ٨٣٢، وغيره. (٥) قال شيخنا -حفظه الله- في»تمام المنة«(ص ١٤٣): [الواجب] تأخير دفْن الجنازة حتى يخرج وقت الكراهة، إلاَّ إِذا خيف تغيّر الميت، وهو قول الحنابلة كما ذكره المؤلف [أي: السيد سابق -حفظه الله-] في كتاب»الجنائز«. (٦) البزوغ: ابتداء طلوع الشمس، يقال: بزغت الشمس، وبزغ القمر وغيرهما: إِذا طلعَت.»النهاية". (٧) أي: قيام الشمس وقت الزوال، من قولهم: قامت به دابّته: أي: وقَفَت = الشمس، وحين تضَيَّف (١) الشمس للغروب حتى تغرب» (٢). أمّا الصلاة بعد العصر؛ فقد ذكر بعض العلماء جوازها قبل اصفرار الشمس؛ لحديث عليّ -رضي الله عنه-: «نهى رسول الله - ﷺ - عن الصَّلاة بعد العصر إلاَّ والشمس مرتفعة» (٣). وعن المقدام بن شريح عن أبيه قال: «سألت عائشة عن الصلاة بعد العصر؛ فقالت: صلِّ، إِنما نهى رسول الله - ﷺ - قومك أهل اليمن عن الصلاة إِذا طلعت الشمس» (٤). ------------------ = والمعنى: أنَّ الشمس إذا بَلَغَت وسط السماء أبطأت حركة الظلّ إِلى أن تزول، فيحسب النّاظر المتأمل أنها قد وقفت وهي سائرة؛ لكن سيرًا لا يظهر له أثر سريع؛ كما يظهر قبل الزوال وبعده، فيُقال لذلك الوقوف المشاهد: قامَ قائم الظهيرة. «النهاية». ويستثنى من ذلك التطوّع يوم الجمعة، كما سيأتي إِن شاء الله تعالى، وقال شيخنا في «تمام المنة» (ص١٤٣): «وفيه أحاديث كثيرة؛ تراجع في»زاد المعاد«و»إِعلام أهل العصر بحُكم ركعتي الفجر«للعظيم آبادي وغيرهما». قال النووي: حال استواء الشمس، ومعناه: حين لا يبقى للقائم فى الظهيرة ظلٌّ في المشرق ولا في المغرب. (١) أي: تميل، يُقال: ضاف عنه يضيف. وانظر «النهاية». (٢) أخرجه مسلم: ٨٣١، وغيره. (٣) أخرجه أبو داود والنسائي وأبو يعلى في «مسنده» وغيرهم، وهو حديث صحيح خرَّجه شيخنا في «الصحيحة» (٢٠٠). (٤) قال شيخنا -شفاه الله- في «الضعيفة» تحت الحديث (٩٤٥): «وسنده صحيح على شرط مسلم». قال شيخنا في»الصحيحة«(١/ ٣٤٢) بعد حديث»لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس«:»فهذا مطلق، يقيّده حديث عليّ -رضي الله عنه- وإلى هذا أشار ابن حزم -رحمه الله- بقوله المتقدِّم: «وهذه زيادة عدْل لا يجوز ترْكها». ثمَّ قال البيهقي: «وقد رُوي عن علي -رضي الله عنه- ما يخالف هذا. وروي ما يوافقه». ثمَّ ساق هو والضياء في «المختارة» (١/ ١٨٥) من طريق سفيان قال: أخبَرني أبو إِسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يُصلِّي ركعتين في دبر كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ، إلاَّ الفجر والعصر». قلتُ -أي: شيخنا حفظه الله تعالى-: "وهذا لا يخالف الحديث الأوّل إِطلاقًا، لأنَّه إنما ينفي أن يكون النّبيّ - ﷺ - صلَّى ركعتين بعد صلاة العصر، والحديث الأوّل لا يُثبِت ذلك حتى يُعارَض بهذا، وغاية ما فيه أنَّه يدلّ على جواز الصَّلاة بعد العصر إِلى ما قبل اصفرار الشمس، وليس يلزم أن يفعل النّبيّ - ﷺ - ما أثبت جوازه بالدليل الشرعي كما هو ظاهر. نعم، قد ثبَت عن أمّ سلمة وعائشة -رضي الله عنهما- أنَّ النّبيّ - ﷺ - صلّى ركعتين سنة الظهر البعدية بعد صلاة العصر، وقالت عائشة: إِنَّه - ﷺ - داوم عليها بعد ذلك، فهذا يُعارض حديث عليّ الثاني، والجمع بينهما سهْل، فكلٌّ حَدَّث بما عَلِم، ومن عَلِم حُجَّةٌ على من لم يعلم، ويظهر أنَّ عليًا -رضي الله عنه- عَلِم فيما بعد من بعض الصحابة ما نفاه في هذا الحديث، فقد ثبَت عنه صلاته - ﷺ - بعد العصر، وذلك قول البيهقي: «وأمّا الذي يوافقه ففيما أخبَرنا ...» ثمَّ ساق من طريق شعبة عن أبي إِسحاق عن عاصم بن ضمرة قال: «كُنّا مع عليّ -رضي الله عنه- في سفر فصلَّى بنا العصر ركعتين، ثمَّ دخل فسطاطه (١) وأنا أنظر، فصلّى ركعتين». ففي هذا أنَّ عليًّا -رضي الله عنه- عَمِل بما دلّ عليه حديثه الأوّل من الجواز. وروى ابن حزم (٣/ ٤) عن بلال مُؤذِّن رسول الله - ﷺ - قال: «لم ينه عن الصلاة إلاَّ عند غروب الشمس». قلت: وإِسناده صحيح، وهو شاهد قويّ لحديث عليّ -رضي الله عنه- وأمّا الركعتان بعد العصر، فقد روى ابن حزم القول بمشروعيّتهما عن جماعةٍ من الصحابة، فمن شاء فليرجع إِليه. وما دلَّ عليه الحديث من جواز الصلاة ولو نفلًا بعد صلاة العصر وقبل إصفرار الشمس، هو الذي ينبغي الاعتماد عليه في هذه المسألة التي كثُرت الأقوال فيها، وهو الذي ذهب إِليه ابن حزم تبعًا لابن عمر -رضي الله عنهما- كما ذكره الحافط العراقي وغيره، فلا تكن ممّن تغرّه الكثرة، إذا كانت على خلاف السُنَّة. ثمَّ وجَدْتُ للحديث طريقًا أخرى عن عليّ -رضي الله عنه- بلفظ: «لا تصلُّوا بعد العصر، إلاَّ أن تُصلّوا والشمس مرتفعة». أخرجه الإمام أحمد (١/ ١٣٠): حدثنا إِسحاق بن يوسف: أخبرنا سفيان عن أبي إِسحاق عن ------------------------ (١) الفُسطاط: -بالضم والكسر- المدينة التي فيها مجتمع الناس. «النهاية». عاصم عن عليّ -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه قال: فذكره. قلت: وهذا سند جيّد، ورجاله كلّهم ثقات رجال الشيخين غير عاصم وهو ابن ضمرة السلولي وهو صدوق. كما في»التقريب«. قلت: فهذه الطريق مما يُعطي الحديث قوّة على قوّة، لا سيما وهي من طريق عاصم الذي روى عن عليّ أيضًا أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان لا يصلّي بعد العصر، فادّعى البيهقي من أجل هذه الرواية إِعلال الحديث، وأجَبْنا عن ذلك بما تقدّم، ثمَّ تأكَّدْنا من صحة الجواب حين وقَفْنا على الحديث من طريق عاصم أيضًا. فالحمد لله على توفيقه» اهـ. ثمَّ وجدت لابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٣٨٨ - ٣٩١) كلامًا مفيدًا في ذلك. قال -رحمه الله- (ص ٣٨٨): "قد ثبتت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - بنهيه عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، فكان الذي يوجبه ظاهر هذه الأحاديث عن النّبيّ - ﷺ - الوقوف عن جميع الصلوات بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، فدّلت الأخبار الثابتة عن النّبيّ - ﷺ - على أنَّ النهي إِنّما وقع في ذلك على وقت طلوع الشمس ووقت غروبها، فممّا دلّ على ذلك حديث عليّ بن أبي طالب، وابن عمر، وعائشة -رضي الله عنهم-، وهي أحاديث ثابتة بأسانيد جياد، لا مطعن لأحد من أهل العلم فيها. ثمَّ ساقها بأسانيده. ثمَّ قال (ص٣٩٠): (ذِكر الأخبار الدالة على إِباحة صلاة التطوّع بعد صلاة العصر) ثمَّ ذكر حديث أم سلمة قالت: «دخل علي رسول الله - ﷺ - بعد العصر فصلّى ركعتين فقلت: يا رسول الله إِن هذه صلاة ما كنت تصليها؟ قال: قدم وفد بني تميم فحبسوني عن ركعتين كنت أركعهما بعد صلاة الظهر» (١). وقال بعد ذلك: «قد ثبت أن نبي الله - ﷺ - صلّى بعد العصر صلاة كان يصليها بعد الظهر شغل عنها وهي صلاة تطوع، فإِذا جاز أن يتطوع بعد العصر بركعتين جاز أن يتطوع المرء ما شاء من التطوع إِذا اتقى الأوقات التي نهى رسول الله - ﷺ - عن التطوع فيها، مع أنا قد روينا عن رسول الله - ﷺ - بإِسناد ثابت لا أعلم لأحد من أهل العلم فيه مقالًا، أنّه كان يصلي بعد العصر ركعتين». وذكر تحته عددًا من الأحاديث منها: حديث عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: «والله ما ترك رسول الله - ﷺ - ركعتين عندي بعد العصر قط» (٢). وحديث الأسود بن يزيد ومسروق يقولان: «نشهد على عائشة أنها قالت: ما كان رسول الله - ﷺ - عندي في يومي إلاَّ صلاها، تعني ركعتين بعد العصر» (٣). ----------------------- (١) أخرجه أحمد في «المسند» (١٠/ ١٧٩) برقم (٢٦٥٧٧)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٥٦٣، ٥٦٤) ونحوه في «صحيح البخاري» (١٢٣٣)، و«صحيح مسلم» (٨٣٤). (٢) أخرجه البخاري: ٥٩١، ومسلم: ٨٣٥ (٣) أخرجه البخاري: ٥٩٣، ومسلم: ٨٣٥ التطوّع حين الإِقامة عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلاَّ المكتوبة» (١). وعن ابن بُحينة -رضي الله عنه- قال: أقيمت صلاة الصبحِ فرأى رسول الله - ﷺ - رجلًا يصلّي والمؤذن يُقيم، فقال: «أتُصلِّي الصبح أربعًا» (٢). وعن عبد الله بن سَرجِس قال: «دخل رجلٌ المسجد ورسول الله - ﷺ - في صلاة الغداة فصلّى ركعتين في جانب المسجد، ثمَّ دخل مع رسول الله - ﷺ -، فلمّا سلَّمَ رسول الله - ﷺ - قال: يا فلان! بأيِّ الصلاتين اعتددتَ؟ أبصلاتك وحدك، أم بصلاتك معنا؟» (٣). ولا يعني هذا أن يقطع كل مصلٍّ صلاته حين يسمع الإِقامة، إِذ الأمر يختلف من إِمام إِلى إِمام، ومن مُصلٍّ إِلى مُصلٍّ، فربّما كان المصلّي في حالٍ يُرجّح فيها أنه يُدرك التكبيرة الأولى لصلاة الفريضة، أو كان آخر في وسط الصلاة، وقد عَهِد من إمامه الانتظار لتسوية الصفوف وسدّ الفُرج، فيتسنّى له استكمال صلاته مع استعجال غير مُخلٍّ، فهذا وذاك لا يقطعان الصلاة، أمَّا إِذا رجّح المصلّي فوات تكبيرة الإِحرام لأنَّه في بداية صلاته، أو لاستعجال إمامه بالتكبير دون تسوية الصفوف؛ فعليه أن يُبادر بالفريضة ويدَع ما سواها. سمعتُه من شيخنا -حفظه الله-. ------------------------- (١) أخرجه أحمد ومسلم: ٧١٠، وأصحاب السنن. (٢) أخرجه البخاري: ٦٦٣، ومسلم: ٧١١، وهذا لفظه. (٣) أخرجه مسلم: ٧١٢ https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 356الى صــ 370 الحلقة (25) صلاة ما له سبب وقت الكراهة ذهب بعض أهل العلم إِلى جواز صلاة ما له سبب؛ كتحيّة المسجد وسُنّة الوضوء بعد الصبح وعند اصفرار الشمس، واستدلُّوا بصلاة رسول الله - ﷺ - سنَّة الظهر بعد صلاة العصر، وغير ذلك من النصوص. وجاء في»الفتاوى«(٢٣/ ١٧٨) باختصارٍ وتصرُّف:»في أوقات النهي، والنزاع في ذوات الأسباب، وغيرها. فإِن للناس في هذا الباب اضطرابًا كثيرًا. فنقول: قد ثبت بالنص والإِجماع أنّ النهي ليس عامًا لجميع الصلوات، فإِنّه قد ثبت في «الصحيحين» عن النّبيّ - ﷺ - أنه قال: «من أدرك ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك -وفي لفظ- فيتم صلاته -وفي لفظ- سجدة». وكلها صحيحة وكذلك قال: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك -وفي لفظ-: فليتم صلاته -وفي لفظ-: سجدة» (١). وفي هذا أمره بالركعة الثانية من الفجر عند طلوع الشمس. وفيه أنه إِذا صلى ركعة من العصر عند غروب الشمس صحت تلك الركعة، وهو مأمور بأن يَصل إِليها أخرى. وقد ثبت أن أبا بكر الصديق قرأ في الفجر بسورة البقرة. فلمّا سلّم، قيل له: كادت الشمس تطلع، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين. فهذا خطاب الصديق للصحابة يبين أنها لو طلعت لم يضرهم ذلك، ولم تجدهم غافلين، بل وجدتهم ذاكرين الله. وفي حديث جبير مرفوعًا: «يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا ------------------ (١) انظر»الإِرواء" (٢٥٢) و(٢٥٣). البيت وصلّى أية ساعة من ليل أو نهار» (١). فهذا العموم لم يخص منه صورة لا بنص ولا إِجماع، وحديث النهي مخصوص بالنص والإِجماع، والعموم المحفوظ راجح على العموم المخصوص. والبيت ما زال الناس يطوفون به، ويصلون عنده مِن حين بناه إِبراهيم الخليل، وكان النّبيّ - ﷺ - وأصحابه قبل الهجرة يطوفون به، ويصلون عنده، وكذلك لما فتحت مكة كثر طواف المسلمين به، وصلاتهم عنده. ولو كانت ركعتا الطواف منهيًا عنها في الأوقات الخمسة لكان النّبيّ - ﷺ - ينهى عن ذلك نهيًا عامًا، لحاجة المسلمين إِلى ذلك، ولكان ذلك ينقل، ولم ينقل مسلم أنّ النّبيّ - ﷺ - نهى عن ذلك، مع أن الطواف طرفي النهار أكثر وأسهل. وفي النهي تعطيلٌ لمصالح ذلك الطواف والصلاة. وذوات الأسباب إِنما دعا إِليها داع؛ لم تفعل لأجل الوقت؛ بخلاف التطوع المطلق الذي لا سبب له، وحينئذ فمفسدة النهي إِنما تنشأ ممّا لا سبب له دون ما له السبب، ولهذا قال في حديث ابن عمر: «لا تحرّوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها» (٢). وانظر الكتاب المذكور للمزيد من الفوائد. ------------------- (١) أخرجه الترمذي والنسائي والدارمي وغيرهم، وخرجه شيخنا في «الإِرواء» (٤٨١). (٢) أخرجه البخاري: ٥٨٢، ومسلم: ٨٢٨ الأذان تعريفه: الأذان لغةً: الإِعلام وهو اشتقاق من الأذَن -بفتحتين- وهو الاستماع. قال الله تعالى: ﴿وأَذانٌ من اللهِ ورسولِه﴾ (١)، أي: إِعلام. و﴿آذنْتُكم على سواء﴾ (٢) أعلمتكم فاستوينا في العلم. وقال الحارث بن حلزة: آذنَتْنا ببينها أسماء ... رُبَّ ثاوٍ يملّ منه الثواء أي: أعلَمَتْنا. وشرعًا: «الإِعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة» (٣). قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٧٧): «قال القرطبي وغيره: الأذان على قلّة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة، لأنَّه بدَأ بالأكبرية وهي تتضمّن وجود الله وكماله، ثمَّ ثنّى بالتوحيد ونفَى الشريك، ثمَّ بإِثبات الرسالة لمحمد - ﷺ -، ثمَّ دعا إِلى الطاعة المخصوصة عقب الشهادة بالرسالة، لأنّها لا تعرف إِلا من جهة الرسول، ثمَّ دعا إِلى الفلاح وهو البقاء الدائم، وفيه الإِشارة إِلى المعاد، ثمَّ أعاد ما أعاد توكيدا. ويحصل من الأذان الإِعلام بدخول الوقت، والدعاء ------------------ (١) التوبة: ٣ (٢) الأنبياء: ١٠٩ (٣) انظر»الفتح«(٢/ ٧٧)، و»المغني" (١/ ٤١٣)، وغيرهما. إِلى الجماعة، وإِظهار شعائر الإِسلام. والحكمة في اختيار القول له دون الفعل سهولة القول، وتيسره لكل أحد في كل زمان ومكان». فضله: لقد وردَت أحاديثُ كثيرةٌ في فضل الأذان والمؤذِّنين، من ذلك: ١ - ما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِذا نودي للصلاة أدبَر الشيطان وله ضُراط؛ حتى لا يسمعَ التأذين، فإِذا قضىَ النِّداء أقَبَل، حتى إِذا ثُوِّب (١) بالصلاة أدبَر (٢) ...» (٣). ٢ - وعنه -رضي الله عنه- أيضًا أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «لو يعلم النّاس ما في النّداء والصفّ الأوّل؛ ثمَّ لم يجدوا إلاَّ أن يستَهِموا (٤) عليه لاستهَموا، ------------------------- (١) قال الجمهور: المراد بالتثويب هنا الإِقامة، وبذلك جزم أبو عوانة في»صحيحه«والخطابي والبيهقي وغيرهم، وقال القرطبي: ثُوِّب بالصلاة: إِذا أقيمت وأصله أنَّه رجع إِلى ما يشبه الأذان، وكلّ من ردّد صوتًا فهو مثوب، ويدلّ عليه رواية مسلم [٣٨٩]، في رواية أبي صالح عن أبي هريرة:»فإذا سمع الإقامة ذهب«.»الفتح«(٢/ ٨٥). (٢) أخرجه البخاري: ٦٠٨، ومسلم: ٣٨٩ (٣) قال الحافظ في»الفتح«(٢/ ٨٧):»قال ابن بطال: يُشبه أن يكون الزجر عن خروج المرء في المسجد بعد أن يؤذّن المؤذّن من هذا المعنى، لئلاّ يكون متشبّهًا بالشيطان الذي يفرّ عند سماع الأذان، والله أعلم«. (٤) أي: لم يجدوا شيئًا من وجوه الأولوية؛ أمّا في الأذان، فبأن يستووا في معرفة الوقت وحُسن الصوت، ونحو ذلك من شرائط المؤذن وتكملاته، وأمّا في الصفّ الأوّل؛ فبأن يصلوا دفعة واحدة، ويستووا في الفضل؛ فيُقرع بينهم إِذا لم يتراضوا فيما بينهم في الحالين». «الفتح» (٢/ ٩٧). ولو يعلمون ما في التهجير (١) لاستبقوا إِليه، ولو يعلمون ما في العَتَمَة والصُّبح لأتوهما ولو حَبْوًا» (٢). ٣ - وعن معاوية -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «المؤذّنون أطول النّاس أعناقًا يوم القيامة» (٣). ٤ - وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «لا يسمع مدى صوت المؤذّن جنّ ولا إِنسٌ ولا شيءٌ؛ إلاَّ شَهِدَ له يوم القيامة» (٤). ٥ - وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يُغفر للمؤذّن مُنتهى أذانه، ويستغفر له كلّ رطب ويابس سمِعَه» (٥). ٦ - وقد دعا النّبيّ - ﷺ - للمؤذّنين والأئمّة فقال: «اللهم أرشِدِ الأئمّةَ، ------------------------- (١) أي: التبكير إلى الصلاة. (٢) أخرجه البخاري: ٦١٥، ومسلم: ٤٣٧، وغيرهما. (٣) أخرجه مسلم: ٣٨٧، وغيره. (٤) أخرجه مالك والبخاري: ٦٠٩، والنسائي وابن ماجه وزاد:»ولا حجرٌ ولا شجر إلاَّ شهد له«. وابن خزيمة في»صحيحه«ولفظه:»قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا يسمع صوته شجر ولا مدر [المدر: الطين اللّزج المتماسك، والقطعة منه مَدَرَةَ، وأهل المَدَر: مكان البيوت المبنيّة؛ خلاف البدو وسُكان الخيام. «الوسيط».] ولا حجر ولا جن ولا إِنس إلاَّ شهد له«. وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(١٧٠). (٥) أخرجه أحمد بإِسناد صحيح والطبراني في»الكبير«، عن»صحيح الترغيب والترهيب" (٢٢٦)، وانظر إِن شئت (٢٢٧) أيضًا للمزيد من الفائدة. واغفر للمؤذنين» (١). ٧ - وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «الإِمام ضامنٌ، والمؤذن مُؤتَمنٌ، فأرشدَ الله الأئمّة، وعفا عن المؤذنين» (٢). ٨ - وعن سلمان الفارسي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا كان الرجل بأرض قِيٍّ (٣)، فحانت الصلاة، فليتوضأ، فإِن لم يجد ماءً فليتيمّم، فإِن أقام، صلّى معه مَلَكاه، وإِن أذَّنَ وأقام، صلّى خلفه من جنود الله ما لا يُرى طرفاه» (٤). سبب مشروعيّته ١ - عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون؛ فيتحيَّنون الصلاة ليس يُنادى لها، فتكلّموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: اتخِذوا ناقوسًا مِثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقًا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله - ﷺ -: يا بلال، قم فنادِ بالصلاة» (٥). ---------------------- (١) أخرجه أبو داود والترمذي وابن خزيمة وابن حبان في «صحيحيهما» إلاَّ أنهما قالا: «فأرشَد الله الأئمّة، وغفَر للمؤذنين». عن «صحيح الترغيب والترهيب» (٢٣٠). (٢) أخرجه ابن حبان في «صحيحه» وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٢٣٢). (٣) القِيّ: بكسر القاف وتشديد الياء: الأرض القفر. (٤) أخرجه عبد الرزاق في كتابه عن ابن التيمي عن أبيه عن أبي عثمان النهدي عنه. كما في «الترغيب والترهيب» وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٢٤١). (٥) أخرجه البخاري: ٦٠٤، ومسلم: ٣٧٧ ٢ - وعن عبد الله بن زيد -رضي الله عنه- قال: لمّا أمر رسول الله بالناقوس يعمل؛ ليضرب به للنّاس لجمْع الصلاة، طاف بي وأنا نائم رجلٌ يحمل ناقوسًا في يده فقلت: يا عبد الله، أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إِلى الصلاة، قال: أفلا أدُلّك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت: بلى، قال: فقال تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، أشهد أنَّ محمّدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله. قال: ثمَّ استأخرَ عنّي غير بعيد، ثمَّ قال: تقول إِذا أقَمْت الصلاة: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله. فلما أصبحْتُ أتيْتُ رسول الله - ﷺ - فأخبرتُه بما رأيتُ فقال: «إِنَّها لَرُؤيا حَقّ إِنْ شاء الله، فقم مع بلال فَألْقِ عليه ما رأيت فليؤذِّن به، فإِنَّه أندى صوتًا منك». فقمت مع بلال، فجعلْتُ أُلقيه عليه ويُؤذِّن به، قال: فسمعَ ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته، فخرج يجرّ رداءَه ويقول: والذي بعثَك بالحقّ يا رسول الله، لقد رأيت مثل ما أُري، فقال رسول الله - ﷺ -: «فللَّه الحمد» (١). -------------------- (١) أخرجه أبو داود: ٤٩٩، «صحيح سنن أبي داود» (٤٦٩)، والبخاري في «خلْق أفعال العباد» وغيرهما ... وهو حديث حسن خرَّجه شيخنا في «الإِرواء» (٢٤٦)، وذكر تصحيح جماعة من الأئمّة له؛ كالبخاري والذهبي والنووي وغيرهم. وجوب الأذان وفي وجوب الأذان العديد من الأدلّة منها: ١ - حديت مالك بن الحويرث قال: «أتينا إِلى النّبيّ - ﷺ - ونحن شَبَبَة مُتقاربون فأقمنا عندهُ عشرين يومًا وليلةً، وكان رسول الله - ﷺ - رحيمًا رفيقًا، فلما ظنَّ أنَّا قد اشتهينا أهلنا -أو قد اشتقنا- سألَنا عمّن تركْنا بعدنا، فأخبرناهُ، قال: ارجعوا إِلى أهليكم، فأقيموا فيهم وعلِّموهم، ومروهم -وذكَر أشياء أحفظُها أو لا أحفظها- وصلُّوا كما رأيتموني أصلّي، فإِذا حضرتِ الصلاة فليؤذن لكم أحدُكم وليؤمَّكم أكبرُكم» (١). ٢ - حديث عمرو بن سَلِمَة وفيه ... فقال [أي: النّبيّ - ﷺ -]: «صلّوا صلاة كذا في حين كذا، وصلّوا كذا في حين كذا، فإِذا حضرت الصلاة فليؤذّن أحدكم وليؤمّكم أكثركم قرآنًا» (٢). قال في «المحلّى» (٣/ ١٦٧): «... فصحّ بهذين الخبرين (٣) وجوب الأذان ولا بدّ، وأنّه لا يكون إلاَّ بعد حضور الصلاة في وقتها». وقال أيضًا فيه (٣/ ١٦٩): «وممّن قال بوجوب الأذان والإِقامة فرضًا: أبو سليمان وأصحابه، وما نعلم لمن لم يرَ ذلك فرضًا حُجّة أصلًا، ولو لم يكن إلاَّ استحلال رسول الله - ﷺ - دماء من لم يسمع عندهم أذانًا وأموالهم وسبيهم ----------------------- (١) أخرجه البخاري: ٦٣١، في بعض الكتب عن عمرو بن سلمة عن أبيه وكذا في»صحيح سنن أبي داود«(٥٤٨)، قال شيخنا:»... عن أبيه غير محفوظ". (٢) أخرجه البخاري: ٤٣٠٢ (٣) أي: الحديثين المتقدّميْن. لكفى في وجوب فرض ذلك (١)، وهو إِجماع متيقّن من جميع من كان معه من الصحابة -رضي الله عنهم- بلا شكّ؛ فهذا هو الإِجماع المقطوع على صحّته». قال ابن المنذر في «الأوسط» (٣/ ٢٤): «فالأذان والإِقامة واجبان على كل جماعة في الحضر والسفر، لأنَّ النّبيّ - ﷺ - أمر بالأذان، وأمره على الفرض، وقد أمر النّبيّ - ﷺ - أبا محذورة أن يؤذن بمكة، وأمر بلالًا بالأذان، وكل هذا يدل على وجوب الأذان». صفة الأذان لقد وردَ الأذان بالكيفيّتين الآتيتين: ١ - خمس عشرة كلمة، كما في حديث عبد الله بن زيد -رضي الله عنه- المتقدِّم. ٢ - تسع عشرهّ كلمة بترجيع الشهادتين، كما في حديث أبي محذورة - رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - علَّمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإِقامة سبع عشرة كلمة: الأذان: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله (٢)، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، ---------------------- (١) قال شيخنا -حفظه الله- في «تمام المنة» (ص ١٤٤): «والوجوب يثبت بأقلّ من هذا». (٢) وهذا هو الترجيع وهو الترديد كما في «النهاية». أشهد أنَّ محمدًا رسول، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله. والإِقامة: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله (١). وفي رواية لأبي محذورة -رضي الله عنه- قال: قلت يا رسول الله، علِّمْني سُنَّةَ الأذان، قال: فمسحَ مُقَدَّمَ رأسي وقال: «الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، ترفع بها صوتك، ثمَّ تقول: أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمّدًا رسول الله، أشهد أنَّ محمّدًا رسول الله، تخفض بها صوتك، ثمَّ ترفع صوتك بالشهادة (٢): أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمّدًا رسول الله، أشهد أنَّ محمّدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح. فإِنْ كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله» (٣). وسألت شيخنا -حفظه الله تعالى-: هل الأصل الإِكثار من أذان بلال أم ------------------------ (١) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٤٧٤)، والترمذي والنسائي وابن ماجه، وأخرجه مسلم: ٣٧٩، بترديد التكبير مرتين. (٢) وهذا هو الترجيع وهو الترديد كما تقدّم. (٣) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٤٧٢)، وانظر «تمام المنة» (ص ١٤٦). أذان أبي محذورة -رضي الله عنهما-؟ فقال: ليس عندنا شيء يحدد الأكثر من الأذانات الثابتة في السنَّة، وإِنَّما السنَّة أن ينوّع. وسألته عن الترجيع، فقال: أحيانًا. وجوب ترتيب الأذان قال في «المغني» (١/ ٤٣٨): «ولا يصحّ الأذان إلاَّ مرتَّبًا؛ لأنَّ المقصود منه يختلّ بعدم الترتيب وهو الإِعلام؛ فإِنَّه إِذا لم يكن مرتَّبًا لم يُعلم أنَّه أذان، ولأنَّه شُرِع في الأصل مُرتّبًا، وعلَّمه النّبيّ - ﷺ - أبا محذورة مرتّبًا». تثويب (١) المؤذّن في صلاة الصبح وهو قوله: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم للحديث السابق، وموضعه الفجر الأوّل لحديث أبي محذورة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ -: «الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم؛ في الأولى من الصبح». وعنه أيضًا قال: «كنت أؤذّن لرسول الله - ﷺ -، وكنت أقول في أذان الفجر الأوّل: حيَّ على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر ---------------------- (١) التثويب: الأصل في التثويب: أن يجيء الرجل مستصرخًا؛ فيلوّح بثوبه ليُرى ويشتهر فسمّي الدعاء تثويبًا لذلك، وكلّ داع مثوّب، وقيل: إِنّما سُمّي تثويبًا من ثاب يثوب إِذا رجع، فهو رُجوعٌ إِلى الأمر بالمبادرة إِلى الصلاة، وأنَّ المؤذن إِذا قال: حيَّ على الصلاة؛ فقد دعاهم إِليها، وإذا قال بعدها: الصلاة خير من النوم، فقد رجع إِلى كلامٍ معناه المبادرة إِليها.»النهاية". الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله» (١). وكن بلال أنَّه: أتى النّبيّ - ﷺ - يُؤْذنه بصلاة الفجر فقيل: هو نائم، فقال: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، فأُقرَّت في تأذين الفجر، فثبت الأمر على ذلك«(٢). قال شيخنا في»تمام المنّة«(ص١٤٦):»قلتُ: إِنّما يشرع التثويب في الأذان الأوّل للصبح، الذي يكون قبل دخول الوقت بنحو ربع ساعة تقريبًا؛ لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «كان في الأذان الأوّل بعد الفلاح: الصلاة خير من النوم مرتين». رواه البيهقي (١/ ٤٢٣)، وكذا الطحاوي في «شرح المعاني» (١/ ٨٢)، وإِسناده حسن كما قال الحافظ. وحديث أبي محذورة مُطلق، وهو يشمل الأذانين، لكنّ الأذان الثاني غير مراد؛ لأنَّه جاء مُقيَّدًا في رواية أخرى بلفظ: «وإِذا أذَّنْتَ بالأوّل من الصبح فقُل: الصلاة خير من النوم. الصلاة خير من النوم»، أخرجه أبو داود والنسائي والطحاوي وغيرهم، وهو مخرج في «صحيح أبي داود» (٥١٠ - ٥١٦)، فاتفقَ حديثه مع حديث ابن عمر، ولهذا قال الصنعاني في «سبل السلام» (١/ ١٦٧ - ١٦٨) عَقبَ لفْظ النسائي: «وفي هذا تقييد لما أطلقَتْه الروايات. قال ابن رسلان: وصحَّح هذه الرواية ابن خزيمة. قال: فشرعيّة التثويب إِنّما هي في الأذان الأوّل للفجر؛ لأنَّه لإِيقاظ النائم، وأمَّا الأذان الثاني --------------------------- (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٤٧٣)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٦٢٨) وورَد برقم (٦١٤) في (باب الأذان في السفر) بلفظ:»الصلاة خير من النوم، في الأولى من الصبح«. (٢) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه" (٥٨٦). فإِنَّه إِعلام بدخول الوقت، ودعاء إِلى الصلاة. اهـ من»تخريج الزركشي لأحاديث الرافعي«. ومِثْل ذلك في»سنن البيهقي الكبرى«عن أبي محذورهّ: أنَّه كان يُثوّب في الأذان الأوّل من الصبح بأمْره - ﷺ -. قلت [أي: شيخنا -حفظه الله تعالى-]: وعلى هذا ليس»الصلاة خير من النوم«من ألفاظ الأذان المشروع للدعاء إِلى الصلاة والإِخبار بدخول وقتها، بل هو من الألفاظ التي شُرعت لإِيقاظ النائم، فهو كألفاظ التسبيح الأخير الذي اعتاده الناس في هذه الأعصار المتأخرة؛ عِوَضًا عن الأذان الأول». وقال -حفظه الله- (ص١٤٨): (فائدة): قال الطحاوي بعد أن ذكر حديث أبي محذورة وابن عمر المتقدّمين الصريحين في التثويب في الأذان الأوّل: «وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد -رحمهم الله تعالى-». آخر الأذان (١) عن بلال قال: آخر الأذان: «الله أكبر الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله» (٢). عن الأسود قال: كان آخر أذان بلال: «الله أكبر الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله» (٣). عن أبي محذورة: أنَّ آخر الأذان: «لا إِله إلاَّ الله» (٤). -------------------- (١) عجبتُ لهذا التبويب لأوّل وهلة حين قرأتُه في «سنن النسائي» وما أسرع ما زال التعجب؛ حين تذكّرت ما أبتدعَه المسلمون من زيادات عليه! (٢) عن «صحيح سنن النسائي» (١/ ١٤٠) بأسانيد صحيحة وكلها في (باب آخر الأذان). (٣) عن «صحيح سنن النسائي» (١/ ١٤٠) بأسانيد صحيحة وكلها في (باب آخر الأذان). (٤) عن «صحيح سنن النسائي» (١/ ١٤٠) بأسانيد صحيحة وكلها في (باب آخر الأذان). صفة الإِقامة ١ - إِفراد كلماتها إلاَّ التكبير الأوّل والأخير و(قد قامت الصلاة)، ففيها التثنية، كما في حديث عبد الله بن زيد المتقدّم، وفيه: «... وتقول إِذا أقيمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله». ٢ - تربيع الأوّل وتثنية جميع الكلمات، إلاَّ الكلمة الأخيرة (لا إِله إلاَّ الله). كما في حديث أبي محذورة المتقدّم: «والإِقامة: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمّدًا رسول الله، أشهد أنَّ محمّدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله». ما يقول مَن يسمع المؤذّن ١ - يقول مِثْل ما يقول المؤذّن، إلاَّ في الحيعلتين: (حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح)، فإِنَّه يقول: لا حول ولا قوّة إلاَّ بالله، كما في حديث أبي سعيد الخدريّ: «إِذا سمعتم النّداء، فقولوا مِثل ما يقول المؤذّن» (١). قال يحيى وحدّثني بعض إِخواننا أنَّه قال: «لمّا قال حيَّ على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، وقال: هكذا سمعتُ نبيّكم - ﷺ - يقول» (٢). ----------------------- (١) أخرجه البخاري: ٦١١، ومسلم: ٣٨٣ (٢) أخرجه البخاري: ٦١٢، ٦١٣، وانظر -إِن شئت- للمزيد من الفوائد = وعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا قال المؤذّن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدُكم: الله أكبر الله أكبر، ثمَّ قال: أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، قال: أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، ثمَّ قال: أشهد أنَّ محمّدًا رسول الله، قال: أشهد أنَّ محمّدًا رسول الله، ثمَّ قال: حيَّ على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، ثمَّ قال: حيَّ على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، ثمَّ قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثمَّ قال: لا إِله إلاَّ الله، قال: لا إِله إلاَّ الله، من قلبه- دخل الجنّة» (١). وسألت شيخنا -حفظه الله- عن حديث مسلم (٣٨٦): «من قال حين يسمع المؤذّن: أشهد أنْ لا إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمّدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًّا وبمحمّد رسولًا، وبالإِسلام دينًا؛ غُفر له ذنبه». سألتُه: «حين يسمع» أي: حين ينتهي من الأذان أم خلاله؟ فقال: إِذا لاحظت أنّ إِجابة المؤذّن ليست واجبة، فالأمر حينئذٍ واسع. ٢ - أن يصلّي على النّبيّ - ﷺ -، بعد الانتهاء من الأذان، ثمَّ يسأل الله عز وجل له الوسيلة، لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص: أنَّه سمع النّبيّ - ﷺ - يقول: «إِذا سمعتُم المؤذّن فقولوا مِثل ما يقول، ثمَّ صلّوا عليَّ، فإِنَّه من صلّى عليَّ صلاةً صلّى الله عليه بها عشرًا، ثمَّ سلوا الله لي الوسيلة، فإِنّها منزلةٌ في الجنّة لا تنبغي إلاَّ لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي ------------------------- = الحديثية وغيرها»الفتح" (٢/ ٩٣). (١) أخرجه مسلم: ٣٨٥ https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 371الى صــ 385 الحلقة (26) الوسيلة حلَّت له الشفاعة» (١). وعن جابر بن عبد الله أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «من قال حين يسمع النّداء: اللهمّ ربّ هذه الدعوة التامّة (٢) والصلاة القائمة؛ آت محمّدًا الوسيلة (٣) ------------------ (١) أخرجه مسلم: ٣٨٤ (٢) المراد بها دعوة التوحيد؛ كقوله تعالى: ﴿له دعوة الحقّ﴾ [الرعد: ١٤] وقيل لدعوة التوحيد تامة؛ لأنَّ الشركة نقْص، أو التّامة التي لا يدخلها تغيير ولا تبديل؛ بل هي باقية إِلى يوم النشور، أو لأنّها تستحقّ صفة التمام وما سواها فمعرّض للفساد، وقال ابن التين: وُصفت بالتامّة؛ لأن فيها أتّم القول وهو»لا إِله إلاَّ الله«...»فتح«(٢/ ٩٥). (٣) قال ابن الأثير في»النهاية«بحذف: الوسيلة: ما يُتوصّل به إِلى الشيء ويُتقرّب به، وجمعها وسائل، يُقال: وسَل إِليه وسيلة وتوسّل، والمراد به في الحديث: القرب من الله تعالى. وقيل: هي منزلة من منازل الجنّة كما جاء في الحديث. اهـ وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: إِنَّ الوسيلة درجة عند الله؛ ليس فوقها درجة، فسلوا الله أن يؤتيني الوسيلة على خلْقه. [حسن شيخنا إِسناده في»فضل الصلاة«(ص ٥٠)]. وجاء في»الفتح«(٢/ ٩٥):»والوسيلة: هي ما يُتقرّب به إِلى الكبير، يُقال: توسلْت، أي: تقربت، وتُطلق على المنزلة العلية، ووقع ذلك في حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم [٣٨٤] بلفظ: فإِنّها منزلة في الجنة لا تنبغي إِلاَ لعبد من عباد الله«الحديث ونحوه للبزار عند أبي هريرة، ويمكن ردّها إِلى الأوّل؛ بإِنّ الواصل إِلى تلك المنزلة قريب من الله؛ فتكون كالقربة التي يتوسّل بها». والفضيلة (١)، وابعثه مقامًا محمودًا (٢) الذي وعَدْته، حلّت له (٣) شفاعتي يوم القيامة» (٤). وعن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- أنَّه سمع النّبيّ - ﷺ - يقول: «إِذا سمعتم المؤذّن فقولوا مِثل ما يقول، ثمَّ صلّوا عليّ، فإِنَّه من صلّى عليَّ صلاة؛ صلّى الله بها عشرًا، ثمَّ سلوا الله لي الوسيلة، فإِنَّها منزلة فى الجنّة؛ لا تنبغي إلاَّ لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل ليّ الوسيلة حلّت له شفاعتي (٥)» (٦). --------------------- (١) الفضيلة: أي: المرتبة الزائدة على سائر الخلائق، ويحتمل أن تكون منزلة أخرى أو تفسيرًا للوسيلة. (٢) أى: يحمد القائم فيه، وهو مُطلق في كلّ ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات. «الفتح» (٢/ ٩٥). (٣) حلّت له: أي: استحقت ووجبت أو نزلت عليه. «فتح». (٤) أخرجه البخاري: ٦١٤ (٥) أخرجه مسلم: ٣٨٤ (٦) قال شيخنا في «الإِرواء» (١/ ٢٦٠): «وقع عند البعض زيادات في متْن هذا الحديث فوجَب التنبيه عليها: الأولى: زيادة:»إِنَّك لا تُخلِف الميعاد«في آخر الحديث عند البيهقي؛ وهي شاذة لأنّها لم تَرِد في جميع طُرق الحديث عن عليّ بن عياش اللهمّ إلاَّ في رواية الكشميهني لصحيح البخاري خلافًا لغيره؛ فهي شاذّة أيضًا لمخالفتها لروايات الآخرين للصحيح، وكأنَه لذلك لم يلتفت إِليها الحافظ، فلم يذكُرها في»الفتح«على طريقته في جمع الزيادات من طُرُق الحديث، إلاَّ أنَّه عزاها للبيهقي فهي شاذة يقينًا، ويؤيد ذلك أنها لم تقع في»أفعال العباد" للبخاري والسند واحد. = ويقول إِن شاء: «رضيتُ بالله ربًّا وبمحمّد رسولًا وبالإِسلام دينًا»، لحديث سعد بن أبي وقاص عن رسول الله - ﷺ - أنَّه قال: «من قال حين يسمع المؤذّن: أشهد أن لا إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّدًا عبده ورسولُه، رضيت بالله ربًّا وبمحمّد رسولًا وبالإِسلام دينًا؛ غُفر له ذنبُه» (١). والدعاء مستجاب بعد الأذان؛ كما في حديث عبد الله بن عمرو -رضي -------------------- = ووقعَت هذه الزيادة في الحديث في كتاب «قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة» لشيخ الإِسلام ابن تيمية في جميع الطبعات (ص٥٥) طبعة المنار الأولى، و(ص٣٧) الطبعة الثانية منه و(ص٤٩) الطبعة السلفية؛ والظاهر أنها مُدرَجة من بعض النُّساخ. والله أعلم. الثانية: في رواية البيهقي أيضًا: «اللهمّ إِنّي أسألك بحقّ هذه الدعوة». ولم تَرِدْ عند غيره. فهي شاذّة أيضًا، والقول فيها كالقول في سابقتها. الثالثة: وقع في نسخة من «شرح المعاني» «سيدنا محمّد» وهي شاذّة مدرجة ظاهرة الإِدراج. الرابعة: عند ابن السنّي «والدرجة الرفيعة» وهي مُدرجة أيضًا من بعض النساخ، فقد علمْتَ مما سبق أن الحديث عنده من طريق النسائي وليست عنده ولا عند غيره، وقد صرّح الحافظ في «التلخيص» (ص٧٨) ثمَّ السخاوى في «المقاصد» (ص ٢١٢) أنها ليست في شيء من طرق الحديث. قال الحافظ: وزاد الرافعي في «المحرر» في آخره: يا أرحم الراحمين. وليست أيضًا في شيء من طرقه، ومن الغرائب أنَّ هذه الزيادة وقعت في الحديث في كتاب «قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة» لابن تيمية وقد عزاه لصحيح البخاري: وإنّي أستبعد جدًا أن يكون الخطأ منه لما عرف به -رحمه الله- من الحفظ والضبط، فالغالب أنّه من بعض النساخ". (١) أخرجه مسلم: ٣٨٦، وغيره. الله عنهما- أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، إِنَّ المؤذّنين يفضلوننا، فقال رسول الله - ﷺ -:»قل كما يقولون، فإِذا انتهيتَ فسَلْ تُعطه«(١). وفي الحديث:»لا يُردّ الدعاء بين الأذان والإِقامة«(٢). وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله - ﷺ -: ثنتان لا تُردّان، أو قلَّما تُردّان: الدعاء عند النّداء، وعند البأس؛ حين يلحم بعضهم بعضًا» (٣). استحباب إِجابة المؤذّن والدليل على عدم وجوبها عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي قال: «إِنّهم كانوا يتحدثون حين يجلس عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على المنبر حتى يسكت المؤذّن، فإِذا قام عمر على المنبر، لم يتكلّم أحد حتى يقضي خطبتيه كلتيهما». قال شيخنا في «الضعيفة» تحت الحديث (٨٧): أخرجه مالك في موطئه والطحاوي والسياق له وابن أبي حاتم في «العلل» وإِسناد الأوّلين صحيح. وقال في «تمام المنّة» (ص٣٤٠): «نعم، قد وجدْتُ له متابعًا قويًا، أخرجه ابن أبي شيبة في»المصنّف«(٢/ ١٢٤) من طريق يزيد بن عبد الله عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي قال:»أدركت عمر وعثمان، فكان الإِمام إِذا -------------------- (١) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٤٩٢). (٢) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وانظر «الإِرواء» (٢٤٤). (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٢١٥) وغيره، وانظر «المشكاة» (٦٧٢). خرج يوم الجمعة تركْنا الصلاة، فإِذا تكلّم تركْنا الكلام». وهذا إِسناد صحيح، ويزيد هذا هو ابن الهاد الليثي المدني. ثمَّ قال -حفظه الله-: «في هذا الأثر دليل على عدم وجوب إِجابة المؤذّن، لجريان العمل في عهد عمر على التحدث في أثناء الأذان وسكوت عمر عليه، وكثيرًا ما سئلتُ عن الدليل الصارف للأمر بإِجابة المؤذّن عن الوجوب؛ فأجبْت بهذا. والله أعلم». الآداب التي ينبغي أن يتصف بها المؤذّن، وما يفعله عند الأذان: ١ - أن يحتسب في أذانه ويبتغي وجْه الله سبحانه، ولا يطلب الأجر. لحديث عثمان بن أبي العاص قال: «إِنَّ آخر ما عَهد إِليّ رسول الله - ﷺ - أن اتخِذ مؤذّنًا؛ لا يأخذ على أذانه أجرًا» (١). وقد ذكر الترمذي -رحمه الله تعالى- كراهة أهل العلم أخْذ المؤذّن على الأذان أجرًا، واستحبابهم الاحتساب في ذلك. ٢ - أن يكون على طُهر، لحديث المهاجر بن قنفذ -رضي الله عنه- «أنَّه أتى النّبيّ - ﷺ - وهو يبول، فسلَّم عليه، فلم يردّ عليه حتى توضّأ، ثمَّ اعتذر إِليه فقال: إِنّي كرِهتُ أن أذكر الله إلاَّ على طهر -أو قال- على طهارة» (٢). قال ابن المنذر في «الأوسط» (٣/ ٣٨): «ليس على من أذّن وأقام وهو ------------------------- (١) أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٥٨٥)، وابن أبي شيبة، وأنظر»الإرواء«(٥/ ٣١٦). (٢) أخرجه أبو داود والنسائي والدارمي وابن ماجه وغيرهم، وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في»الصحيحة" (٨٣٤). جُنُب إِعادة، لأنَّ الجنب ليس بنجس، لقي النّبيّ - ﷺ - فأهوى إِليه فقال: إِنّي جُنُب، فقال: إِنَّ المسلم ليس بنجس (١)، وروي عن النّبيّ - ﷺ - أنّه كان يذكر الله على كل أحيانه (٢)، والأذان على الطهارة أحب إِليَّ، وأكره أن يقيم جنبا لأنّه يعرض نفسه للتهمة ولفوات الصلاة». انتهى. قال لي شيخنا -حفظه الله تعالى-: «الأصل في الأذكار حتى السلام أن تكون على طهارة وهو الأفضل فالأذان من باب أولى، ولكن نقول عن الأذان بغير وضوء مكروه كراهة تنزيهيّة». ٣ - أن يؤذّن قائمًا لما ثبت عن ابن أبي ليلى قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال. قال: وحدثنا أصحابنا: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «لقد أعجبني أن تكون صلاة المسلمين -أو قال المؤمنين- واحدة، حتى لقد هممتُ أن أبُثَّ رجالًا في الدُّور يُنادونَ النَّاس بحين الصلاة، وحتى هممتُ أنْ آمر رجالًا يقومون على الآطام (٣) يُنادون المسلمين بحين الصلاة حتّى نقسوا (٤) أو كادوا أن ينقسوا» قال: فجاء رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، إِنّي لمَّا رجعْت لِمَا رأيت من اهتمامك رأيت رجلًا كأنَّ عليه ثوبين أخضرين، فقام على المسجد فأذّن، ثمَّ قعد قعدة، ثمَّ قام فقال مِثلها، إِلا أنَّه يقول: قد قامت الصلاة، ولولا أن يقول النّاس: قال ابن المثنى: أن تقولوا، لقلت إِنّي كنت ----------------- (١) تقدّم تخريجه. (٢) تقدّم تخريجه في (باب الأمور التي يستحبّ لها الوضوء). (٣) الآطام: جمع أطم وهو بناء مرتفع، وآطام المدينة: حصون كانت لأهلها. (٤) أي: ضربوا بالناقوس. يقظانًا غير نائم، فقال رسول الله - ﷺوقال ابن المثنى-: «لقد أراك الله عز وجل خيرًا» ولم يقل عمرو: «لقد أراك الله خيرًا» فَمُرْ بلالًا فليؤذّن، قال: فقال عمر: أما إِنّي قد رأيت مثل الذي رأى ولكنّي لمّا سُبِقْتُ استحييت. قال: وحدَّثنا أصحابنا قال: وكان الرجل إِذا جاء يَسأل فيُخبر بما سبق من صلاته، وإِنهم قاموا مع رسول الله - ﷺ - من بين قائم وراكع وقاعد ومصلٍّ مع رسول الله - ﷺ -. قال ابن المثنى: قال عمرو: وحدثني بها حصين عن ابن أبي ليلى -حتى جاء معاذ- قال شعبة: وقد سمِعْتها من حصين فقال: لا أراه على حال، إِلى قوله: كذلك فافعلوا«. قال أبو داود: ثمَّ رجعْت إِلى حديث عمرو بن مرزوق قال: فجاء معاذ فأشاروا إِليه، قال شعبة: وهذه سمعْتُها من حصين، قال فقال معاذ: لا أراه على حال إلاَّ كنت عليها، قال: فقال: إِنَّ معاذًا قد سنَّ لكم سنّة كذلك فافعلوا (١). وقد جرى العمل على الأذان قائمًا خَلفًا عن السلف. قال في»المغني«(١/ ٤٣٥): قال ابن المنذر: أجمع كُلّ من أحفظ من أهل العلم أنَّ السّنةَ أن يُؤذّن قائمًا ...» (٢). -------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٤٧٨). (٢) وقد استدلَّ بعض الفقهاء بالحديث المتفق عليه: «يا بلال: قم فنادِ بالصلاة»، على سنّية القيام، وفي الاستدلال به نظر كما في التلخيص (ص٧٥) لأنَّ معناه: اذهب إِلى موضع بارز فنادِ فيه. «الإِرواء» (١/ ٢٤١). وثبت أنَّ ابن عمر: «كان يؤذّن على البعير؛ فينزل فيُقيم» (١). قال ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ١٢): ويدلّ على أنَّ الأذان قائمًا قوله: «قم يا بلال». وعن الحسن بن محمّد قال: «دخلتُ على أبي زيد الأنصاري فأذَّن وأقام وهو جالس، قال: وتقدَّم رجلٌ فصلّى بنا، وكان أعرج أصيبت رجله في سبيل الله تعالى» (٢). ٤ - أن يستقبل القبلة. قال في «المغني» (١/ ٤٣٩): «... المستحبّ أن يُؤذّن مستقبل القبلة؛ لا نعلم خلافًا ...». جاء في «الإِرواء» (١/ ٢٥٠) بعد تخريج حديث ضعيف في ذلك، لكنّ الحُكم صحيح فقد ثبت استقبال القبلة في الأذان من المَلَك الذي رآه عبد الله ابن زيد الأنصاري في المنام. وروى السرَّاج في «مسنده» (١/ ٢٣/١) عن مجمع بن يحيى قال: «كنتُ مع أبي أمامة بن سهل، وهو مستقبل المؤذّن، فكبّر المؤذّن وهو مستقبل القبلة» وإسناده صحيح. ٥ - أن يضع أصبُعيه في أذنيه. وقد ثبتَ هذا من قول أبي جحيفة: «إِنّ بلالًا وضَع أصبُعيه (٣) في ---------------------- (١) حسّنه شيخنا في»الإِرواء«(٢٢٦). (٢) أخرجه البيهقي وحسنّه شيخنا في»الإِرواء«(٢٢٥). (٣) قال الحافظ في»الفتح" (١/ ١١٦): لم يرد تعيين الأصبع التي يستحبّ = أذنيه» (١) قال في «المحرّر» (١/ ٣٧): «ويجعل إِصبعيه في أذنيه». قال أبو عيسى الترمذي: «وعليه العمل عند أهل العلم؛ يستحبّون أن يُدخِل المؤذّن إِصبعيه في أُذنيه في الأذان» (٢). ٦ - أن يلتفت يمينًا ويسارًا التفافًا يسيرًا يلوي به عنقه، ولا يحوّل صدره عن القبلة، عند قوله: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح. عن أبي جحيفة «أنَّه رأى بلالًا يؤذّن، فجعلتُ أتتبع فاهُ هاهنا وهاهنا بالأذان» (٣). ----------------------- = وضْعها، وجزم النووي أنها المسبّحة، وإِطلاق الإِصبع مجاز عن الأنملة. (١) أخرجه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي وشيخنا في «الإِرواء» (٢٣٠)، وذكره البخاري معلقًا غير مجزوم به انظر «الفتح» (٢/ ١١٤). (٢) وسألت شيخنا عمّا رواه البخاري معلّقًا بصيغة الجزم وقد وصله عبد الرزاق وابن أبي شيبة بسند جيد عنه كما في «مختصر البخاري» (١/ ١٦٤) بلفظ: «كان ابن عمر لا يجعل إِصبعيه في أذنيه». فقال حفظه الله: «لو كان هناك حديثان أحدهما يُثبت عبادة، والآخر ينفيها؛ فلا شكَّ في هذه الحالة، أنَّ المُثبِت مقدّم على النافي، وعندنا الآن فِعل بلال المختصّ في أذان رسول الله - ﷺ - والذي يغلب على الظنّ فِعله ذلك بمشهدٍ من الرسول - ﷺ -، فيكون له حُكم الحديث المرفوع، بينما الأثر المنسوب اٍلى ابن عمر ليس فيه هذه القوّة الفقهية، فلا نشكّ في ترجيح وضع بلال إِصبعيه في أذنيه على ترك ابن عمر ذلك». (٣) أخرجه البخاري: ٦٣٤ قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ١١٥): «ورواية وكيع عن سفيان عند مسلم أتمّ حيث قال:»فجعلْتُ أتتبع فاه هاهنا وهاهنا يمينًا وشمالًا يقول: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح«وهذا تقييد للالتفات في الأذان وأنَّ محلّه عند الحيعلتين، وبوّب عليه ابن خزيمة: انحراف المؤذّن عند قوله حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح؛ بفمه لا ببدنه كله، قال: وإِنَّما يمكن الانحراف بالفم بانحراف الوجه ...». قال النووي: «قال أصحابنا: والمراد بالالتفات: أن يلوي رأسه وعنقه، ولا يحوّل صدره عن القبلة، ولا يزيل قدمه عن مكانها، وهذا معنى قول المصنّف:»ولا يستدير«. وهذا هو الصحيح المشهور الذي نصّ عليه الشافعي، وقطع به الجمهور» (١). وقال -رحمه الله- في «المجموع» (١٠٧): «قد ذكَرنا أنَّ مذهبنا أن يستحب الالتفات في الحيعلة يمينًا وشمالًا، ولا يدور ولا يستدبر القبلة؛ سواء كان على الأرض أو على منارة، وبه قال النخعي والثوري والأوزاعي وهو رواية عن أحمد، وقال ابن سيرين: يكره الالتفات، وقال مالك: لا يدور ولا يلتفت إلاَّ أن يريد إِسماع النّاس. وقال أبو حنيفة وإِسحاق وأحمد في رواية: يلتفت ولا يدور إلاَّ أن يكون على منارة فيدور ...». قال شيخنا -حفظه الله- في «تمام المنّة» (ص١٥٠): «أمّا تحويل الصدر؛ فلا أصل له في السُّنّة البتّة». -------------------- (١) ذكره في «المجموع» ونقله عنه شيخنا في «تمام المنة» (ص١٥١). فائدة: جاء في «الأوسط» (ص٢٦): قال الأوزاعي: «يستقبل القبلة، فإِذا قال حيّ على الصلاة؛ استدار إِن شاء عن يمينه فيقول: حيّ على الصلاة مرّتين، ثمَّ يستدير عن يساره كذلك». فهذا يبيّن أنّه يقول في استدارة اليمين حي على الصلاة، حي على الصلاة، ولا يستدير عن يساره إلاَّ بعد أن يقولهما والله أعلم. ٧ - أن يؤذّن في مكان مرتفع. لحديث ابن أبي ليلى السابق وفيه: «... رأيت رجلًا كأنّ عليه ثوبين أخضرين، فقام على المسجد فأذّن، ثمَّ قعد قعدة، ثمَّ قام فقال مِثلها». وعن امرأة من بني النجار قالت: «كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، وكان بلال يؤذّن عليه الفجر، فيأتي بسَحَر فيجلس على البيت ينظر إِلى الفجر، فإِذا رآه تمطّى، ثمَّ قال: اللهمّ إِني أحمدك وأستعينك على قريش، أن يقيموا دينك. قالت: ثمَّ يؤذّن، قالت: والله ما علمْته كان تركها ليلة واحدة، تعني هذه الكلمات» (١). وذكره أبو داود في: «باب الأذان فوق المنارة». قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٨٤): «... لأنَّ الأذان يُستحبّ أن يكون على مكان عالٍ لتشترك الأسماع ...». انتهى. وانظر ما قاله ابن المنذر في «الأوسط» (٣/ ٢٨) تحت (ذِكر الأذان على --------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٤٨٧). المكان المرتفع). ٨ - أن يرفع صوته بالأذان. عن أبي سعيد الخُدري -رضي الله عنه-: أنَّه قال لعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصة الأنصاري: «إِنّي أراك تحبّ الغنم والبادية، فإِذا كنتَ في غنمك -أو باديتك- فأذَّنت بالصلاة فارفع صوتك بالنّداء؛ فإِنَّه لا يسمع مدى صوت المؤذّن جنٌّ ولا إِنسٌ ولا شيء؛ إلاَّ شهد له يوم القيامة، قال أبو سعيد: سمعْته من رسول الله - ﷺ -» (١). ٩ - أن يتمهّل في الأذان ويترسّل (٢). جاء في «المغني» (١/ ٤١٨): «ويترسّل في الأذان ويحدر الإِقامة» (٣). أذان الأعمى إِذا كان له من يُخبره (٤) عن عمر -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِنَّ بلالًا يؤذّن بليل؛ فكلوا واشربوا حتى يُنادي ابن أمّ مكتوم، ثمَّ قال: وكان رجلًا أعمى لا يُنادي حتى يقال له: أصبحتَ أصبحتَ» (٥). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان ابن أمّ مكتوم يؤذّن لرسول الله ------------------------ (١) أخرجه البخاري: ٦٠٩، وغيره، وأشرْت إِليه في «فضل الأذان». (٢) وهو التمهّل والتأنّي. (٣) وقد رُوي في ذلك حديث: «إِذا أذّنتَ فترسَّل، وإذا أقمت فاحدُر»، ولا يثبت، وانظر تفصيله في «الإِرواء» (٢٢٨). (٤) هذا العنوان من «صحيح البخاري». (٥) أخرجه البخاري: ٦١٧ - ﷺ - وهو أعمى» (١). الانتظار بين الأذان والإِقامة عن عبد الله بن مُغفَّل المزني أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «بين كلّ أذان صلاة -ثلاثًا- لمن شاء» (٢). وعن أنس بن مالك قال: «كان المؤذّن إِذا قام ناسٌ من أصحاب النّبيّ - ﷺ - يبتدرون السواري حتى يخرُج النّبيّ - ﷺ -، وهم كذلك يُصلّون الركعتين قبل المغرب، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء (٣)» (٤). قال عثمان بن جبلة وأبو داود عن شعبة: «لم يكن بينهما إلاَّ قليل» (٥). وفي الحديث: «اجعل بين أذانك وإِقامتك نفَسًا، قدْر ما يقضي المعتصر (٦) حاجته في مهل، وقدْر ما يفرُغ الآكل من طعامه في مهل» (٧). ------------------------- (١) أخرجه مسلم: ٣٨١ (٢) تقدّم. (٣) أي: لم يكن بينهما شيء كثير. (٤) أخرجه البخاري: ٦٢٥ (٥) أخرجه البخاري معلقًا مجزومًا به، ووصله الإسماعيلي في «مستخرجه» ومن طريقه البيهقي (٢/ ١٩) بسند صحيح عنه، انظر «مختصر البخاري» (١/ ١٦٣). (٦) هو الذي يحتاج إِلى الغائط؛ ليتأهّب للصلاة قبل دخول وقتها، وهو من العَصْر اْو العَصَر، وهو الملجأ والمستخفى. «النهاية». (٧) حسّنه شيخنا بمجموع طُرُقه في «الصحيحة» (٨٨٧). وعن جابر بن سمرة -رضي الله عنه- قال: «كان بلال يؤذّن، ثمَّ يُمْهِلُ فإِذا رأى النّبيّ - ﷺ - قد خرج أقام الصلاة» (١). جاء في «الفتح» (٢/ ١٠٦): «قال ابن بطال: لا حدّ لذلك (٢) غير تمكُّن دخول الوقت واجتماع المصلّين». وعن جابر بن سمرة قال: «كان بلال لا يؤخرّ الأذان عن الوقت، وربما أخرَّ الإِقامة شيئًا» (٣). هل يجوز الكلام بين الإِقامة والصلاة؟ عن أنس -رضي الله عنه- قال: «أُقيمت صلاة العشاء فقال رجل: لي حاجة، فقام النّبيّ - ﷺ - يُناجيه، حتى نام القوم (أو بعض القوم) ثمَّ صلَّوا» (٤). قال ابن حزم في «المحلّى» (تحت مسألة ٣٣٤): «والكلام جائز بين الإِقامة والصلاة -طال الكلام أو قصُر- ولا تُعاد الإِقامة لذلك». اهـ الأذان عند دخول الوقت: ولا يجوز الأذان قبل الوقت في غير الفجر -كما سيأتي-. قال في «المحلّى» (٣/ ١٦٠) (مسألة ٣١٤): «لا يجوز أن يؤذّن لصلاةٍ ---------------------- (١) أخرجه أحمد ومسلم: ٦٠٦ (٢) أي: زمن الانتظار. (٣) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٥٨٤)، وانظر»الإِرواء" (٢٢٧). (٤) أخرجه مسلم: ٣٧٦، وتقدّم في (باب نواقض الوضوء). قبل دخول وقتها إلاَّ صلاة الصبح فقط». وجاء في «المغني» (١/ ٤٢١): «عدم إِجزاء الأذان قبل الوقت، وقال: وهذا لا نعلم فيه خلافًا وقال: قال ابن المنذر: أجمَع أهل العِلم على أنَّ مِن السنّة أن يؤذّن للصلوات بعد دخول وقتها إلاَّ الفجر، ولأنَّ الأذان شُرع للإِعلام بالوقت، فلا يشرع قبل الوقت لئلا يذهب مقصوده». وجاء فيه أيضًا: «... يشرع الأذان للفجر قبل وقتها، وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي وإِسحاق، ومنعه الثوري وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن ...» وذكر الدليل على ذلك. ثمَّ قال (ص ٤٢١): ولنا قول النّبيّ - ﷺ -: «إِنَّ بلالًا يؤذّن بليل؛ فكلوا واشربوا حتى يؤذّن ابن أم مكتوم» (١). متفق عليه (٢)، وهذا يدلّ على دوام ذلك منه، والنّبيّ - ﷺ - أقرّه عليه ولم ينهه عنه، فثبت جوازه«اهـ. وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -:»لا يمنعنّ أحدَكم -أو أحدًا منكم- أذانُ بلالٍ من سحوره، فإِنَّه يؤذّن -أو ينادي بليل، ليَرجع (٣) قائمكم ولينبّه نائمكم ... «(٤). --------------------- (١) هذا بيّن أنَّ مؤذّن الأذان الأوّل غير مؤذّن الأذان الثاني، وهي سُنّة متروكة، وهذا يُعين في التمييز بين الأذان الأول والثاني، وانظر»تمام المنة«(ص ١٤٨). (٢) أخرجه البخاري: ٦١٧، ٦٢٢، ٦٢٣، ومسلم: ١٠٩٢ (٣)» ... معناه يرد القائم -أي: المتهجّد- إِلى راحته، ليقوم إِلى صلاة الصبح نشيطًا، ويكون له حاجة إِلى الصيام فيتسحّر«.»الفتح" (٢/ ١٠٤ - ١٠٥). (٤) أخرجه البخاري: ٦٢١، ومسلم: ١٠٩٣ https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 386الى صــ 400 الحلقة (27) ْقال القاسم بن محمّد (١): «ولم يكن بين أذانهما إلاَّ أن يرقى ذا وينزل ذا» (٢). هل يقيم غير الذي أذَّن: يجوز أن يقيم غير الذي أذَّن، لعدم ورود نصِّ ثابت يمنع ذلك، أمّا حديث: «من أذَّن فهو يقيم» فإِنَّه ضعيف، وانظر «الضعيفة» (٣٥). قال ابن حزم في «المحلّى» (تحت المسألة ٣٢٩): «وجائز أن يُقيم غير الذى أذَّن؛ لأنَّه يأتِ عن ذلك نهْي يصحّ». وقال شيخنا -حفظه الله تعالى- تعليقًا على الحديث السابق: «ومن آثار هذا الحديث السيئة أنَّه سبب لإِثارة النزاع بين المصلّين، كما وقع ذلك غير ما مّرة، وذلك حين يتأخر المؤذن عن دخول المسجد لعذر، ويريد بعض الحاضرين أن يقيم الصلاة، فما يكون من أحدهم إلاَّ أن يعترض عليه محتجًّا بهذا الحديث، ولم يدر المسكين أنَّه حديث ضعيف؛ لا يجوز نسبته إِليه - ﷺ -، فضلًا عن أن يمنع به الناس من المبادرة إِلى طاعة الله تعالى، ألا وهي إِقامة الصلاة». الإِقامة في موضع غير موضع الأذان: لما تقدّم من حديث عبد الله بن زيد -رضي الله عنه- وفيه صفة الأذان إِلى أن قال: «ثمَّ استأخَر عنّي غير بعيد، ثمَّ قال: تقول: إِذا أقمتَ الصلاة ...»، وذكر الحديث. --------------------- (١) هو الراوي عن عائشة -رضي الله عنها-. (٢) أخرجه البخاري: ١٩١٨، ١٩١٩، ومسلم: ١٠٩٢ قال شيخنا -حفظه الله- في «تمام المنّة» (ص ١٤٥) -بحذف-: «في هذا دليل واضح على أن السنّة في الإِقامة في موضع غير موضع الأذان. وقد وجدت بعض الآثار تشهد لحديث عبد الله بن زيد، فروى ابن أبي شيبة (١/ ٢٢٤) عن عبد الله بن شقيق قال: من السُّنّة الأذان في المنارة، والإِقامة في المسجد، وكان عبد الله يفعله، وسنده صحيح، وروى عبد الرزاق (١/ ٥٠٦) أن عمر بن عبد العزيز بعث إِلى المسجد رجالًا: إِذا أُقيمت الصلاة فقوموا إِليها. وسنده صحيح أيضًا. وهو ظاهر في أن الإِقامة كانت في المسجد». هل تعاد الإِقامة إذا طال الفَصل بينها وبين الصلاة؟ لا تُعاد الإِقامة إِذا فُصل بين الإِقامة والصلاة بكلام ونحوه، لحديث حُميد قال: سألتُ ثابتًا البُناني عن الرجل يتكلّم بعدما تُقام الصلاة، فحدَّثني عن أنس بن مالك قال: «أُقيمت الصلاة، فعرَض للنّبيّ - ﷺ - رجلٌ فحبَسَه بعد ما أُقيمت الصلاة» (١). وعن أنس -رضي الله عنه- أيضًا قال: «أُقيمت الصلاة والنّبيّ - ﷺ - يُناجي (٢) رجلًا في جانب المسجد، فما قام إِلى الصلاة حتى نام القوم» (٣). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- "أنَّ رسول الله - ﷺ - خرج وقد أُقيمت الصّلاة وعُدّلت الصفوف، حتى إِذا قام في مصلاّه انتظرنا أن يُكبّر، انصرف ------------------------- (١) أخرجه البخاري: ٦٤٣ (٢) أي: يحادث. (٣) أخرجه البخاري: ٦٤٢ قال: على مكانكم (١)، فمكَثنا على هيئتنا، حتى خرج إِلينا ينطِف (٢) رأسه ماءً وقد اغتسل» (٣). متى يقوم الناسُ إِلى الصلاة؟ روى ابن المنذر عن أنس أنَّه كان يقوم إِذا قال المؤذّن: «قد قامت الصلاة». قال شيخنا في «تمام المنة» (ص ١٥١): قلتُ: ينبغي تقييد ذلك بما إِذا كان الإِمام في المسجد، وعلى هذا يحمل حديث أبي هريرة: «إِن الصلاة كانت تقام لرسول الله - ﷺ -؛ فيأخذ الناس مصافّهم قبل أن يقوم النّبيّ - ﷺ - مقامه». رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في «صحيح أبي داود» (٥٥٣)، وأما إِذا لم يكن في المسجد فلا يقومون حتى يَروْه قد خرَج لقوله - ﷺ -: «إِذا أُقيمت الصلاة فلا تقوموا؛ حتى تروني قد خرجْت». متفق عليه واللفظ لمسلم، وهو مخرَّج في «صحيح أبي داود» (٥٥٠ - ٥٥٢). انظر الشوكاني (٣/ ١٦٢). النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان لغير حاجة: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يسمع النّداء --------------------- (١) أي: كونوا على مكانكم. (٢) أي: يقطر. (٣) أخرجه البخاري: ٦٣٩، ومسلم: ٦٠٥ قال الحافظ في»الفتح«(٢/ ١٢٢):»وفي هذا الحديث من الفوائد ... جواز الفصْل بين الإِقامة والصلاة؛ لأن قوله «فصلَّى» ظاهرٌ في أنَّ الإِقامة لم تُعَدْ، والظاهر أنَّه مُقيَّد بالضرورة وبأمْن خروج الوقت، وعن مالك إِذا بعُدت الإِقامة من الإِحرام تعاد، وينبغي أن يُحمل على ما إذا لم يكن عُذر". في مسجدي هذا، ثمَّ يخرج منه إلاَّ لحاجة؛ ثمَّ لا يرجع إِليه إلاَّ منافق» (١). وعن عثمان بن عفّان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أدركه الأذان في المسجد ثمَّ خرج لم يخرج لحاجة، وهو لا يُريد الرجعة فهو منافق» (٢). وعن سعيد بن المسيّب -رضي الله عنه- أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: «لا يخرج من المسجد أحد بعد النداء إلاَّ منافق؛ إلاَّ أحدٌ أخرجَتْه حاجة، وهو يريد الرجوع» (٣). وعن أبي الشعثاء قال: «كنّا قعودًا في المسجد مع أبي هريرة، فأذّن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي، فأتبعَه أبو هريرة بصَره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة: أمّا هذا فقد عصى أبا القاسم - ﷺ -» (٤). الأذان والإِقامة للفائتة: من فاتته صلاة؛ لنومٍ أو نسيان، فإِنه يشرع له أن يؤذّن ويقيم حينما يريد صلاتها (٥). ------------------ (١) أخرجه الطبراني في «الأوسط» ورواته محتجٌ بهم في «الصحيح» كما في «الترغيب والترهيب» للمنذري، وصححه شيخنا في «صحيح الترغيب والترهيب» (٢٥٦). (٢) أخرجه ابن ماجه، وصححه شيخنا في «صحيح الترغيب والترهيب» (٢٥٧). (٣) أخرجه أبو داود في «مراسيله» وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٢٥٨). (٤) أخرجه مسلم: ٦٥٥ وذكر بعض العلماء أن خروج المسلم لغير حاجة من المسجد عند الأذان؛ كهروب الشيطان عند سماعه. (٥) انظر «الأوسط» (٣/ ٣٢). وذلك لحديث أبي سعيد -رضي الله عنه- قال:»شغَلَنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت الشمس وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، فأنزل الله عز وجل: ﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾ (١)، فأمَر رسول الله - ﷺ - بلالًا فأقام لصلاة الظهر، فصلاّها كما كان يصلّيها لوقتها«ثمَّ أقام للعصر فصلاها كما كان يصلّيها في وقتها، ثمَّ أذّن للمغرب فصلاّها في وقتها» (٢). ولحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - حين قَفَل (٣) من غزوة خيبر سار ليلهُ، حتى إِذا أدركه الكرى (٤) عرَّس (٥)، وقال لبلال: اكلأ (٦) لنا الليل فصلّى بلال ما قُدِّر له، ونام رسول الله - ﷺ - وأصحابه، فلما تقارب الفجر استند بلال إِلى راحلته مُواجه الفجر، فَغَلَبَت بلالًا عيناه وهو مُستند إِلى راحلته، فلم يستيقظ رسول الله - ﷺ - ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربَتهم الشمس، فكان رسول الله - ﷺ - أولهم استيقاظًا، ففزع رسول الله - ﷺ - فقال: «أيْ: بلال!» فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ (بأبي أنت وأمّي! يا رسول الله!) بنفسك، قال: «اقتادوا» (٧)، فاقتادوا رواحلهم شيئًا، ثمَّ توضّأ --------------------- (١) الأحزاب: ٢٥ (٢) أخرجه أحمد والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٦٣٨) وغيرهما، وانظر «الإِرواء» (١/ ٢٥٧). (٣) أي: رجع. (٤) أي: النعاس. (٥) أي: نزل للنوم والاستراحة. (٦) أي: ارقب واحرُس. (٧) أي: خذوا مقاود الرواحل وانطلقوا. رسول الله - ﷺ -، وأمَر بلالًا فأقام (١) الصلاة، فصلّى بهم الصبح فلمّا قضى الصلاة قال: «من نسي الصلاة فليصلِّها إِذا ذكَرها، فإِن الله قال: ﴿وأقِم الصلاة لذِكْري﴾ (٢)» (٣). وفي رواية: «... قال: فأمرَ بلالًا فأذّن وأقام وصلّى» (٤). الأذان لمن يصلّي وحده (٥): عن عقبة بن عامر سمعْت رسول الله - ﷺ - يقول: «يعْجَب ربُّك من راعي غنم في رأس شظيّة (٦) الجبل يُؤذّن بالصلاة ويصلي فيقول الله عز وجل: انظروا إِلى عبدي هذا؛ يُؤذّن ويقيم الصلاة يخافُ منّي، قد غفرْتُ لعبدي وأدخلْتُه الجنّة» (٧). قال ابن المنذر في «الأوسط» (٣/ ٦٠): «أحبّ إِليّ أن يؤذّن ويقيم إِذا صلّى وحده، ويجزيه إِن أقام وإِن لم يؤذن، ولو صلّى بغير أذان ولا إِقامة لم يجب عليه الإِعادة، وإِنما أحببت الأذان والإِقامة للمصلّي وحده لحديث ------------------- (١) في رواية أبي قتادة (٦٨١):»ثمَّ أذَّن بلال بالصلاة«. (٢) طه: ١٤ (٣) أخرجه مسلم: ٦٨٠ وغيره، وبعضه في البخاري. (٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٤٢١). (٥) هذا العنوان من»سنن النسائي«. (٦) الشظية: قطعة مرتفعة في رأس الجبل. وانظر»النهاية«. (٧) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٦٤٢) وغيرهم، وانظر»الإرواء" (٢١٤). أبي سعيد الخدري (١). لئلا يظن ظانّ أن الأذان لاجتماع الناس لا غير، وقد أمر النّبيّ - ﷺ - مالك بن الحويرث وابن عمه بالأذان ولا جماعة معهما لأذانهما وإِقامتهما» (٢). أذان الراعي: عن عبد الله بن ربيعة: أنَّه كان مع رسول الله - ﷺ - في سفر، فسمع صوت رجل يؤذّن، فقال مِثل قوله، ثمَّ قال: «إِنَّ هذا لراعي غنمٍ، أو عازِبٌ عن أهله» فنظَروا فإِذا هو راعي غنم (٣). الأذان في السفر: عن مالك بن الحويرث -رضي الله عنه- قال: أتى رجلان النّبيّ - ﷺ - يريدان السفر، فقال النبيّ - ﷺ -: «إِذا أنتما خرجتما فأذِّنا ثمَّ أقيما، ثمَّ لِيَؤمّكما أكبركما» (٤). قال أبو عيسى الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم؛ اختاروا الأذان في السفر، وقال بعضهم تُجزئ الإِقامة؛ إِنّما الأذان على من يريد أن يجمع الناس، والقول الأوّل أصحّ، وبه يقول أحمد وإسحاق. -------------------- (١) المتقدّم. (٢) كما سيأتي بعد الحديث -إن شاء الله تعالى-. (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٦٤١). (٤) أخرجه البخاري: ٦٣٠ هل للنساء أذان وإِقامة؟ نعم، للنساء ذلك؛ لعموم قوله - ﷺ -: «إِنّما النساء شقائق الرجال» (١). وعن عائشة -رضي الله عنها- «أنها كانت تؤذّن وتقيم ...» (٢). وعن وهب بنَ كيسان قال: «سُئل ابن عمر: هل على النساء أذان؟ فغضب، وقال: أنا أنهى عن ذِكر الله!» (٣). ولم يرَ الشافعي وأحمد -رحمهما الله تعالى- بأسًا في ذلك. انظر للمزيد من الفائدة -إِن شئت- «الأوسط» (٣/ ٥٣). لا أذان ولا إِقامة لصلاة العيدين: عن ابن عبّاس وجابر قالا: «لم يكن يؤذَّن يوم الفطر ولا يوم الأضحى» (٤). وسيأتي في صلاة العيدين إِن شاء الله تعالى. --------------------- (١) حديث صحيح خرّجه شيخنا في «المشكاة» (٤٤١) وهو في «صحيح سنن أبي داود» (٢١٦) التحقيق الثاني و«صحيح سنن الترمذي» (٩٨). (٢) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» وغيره، وهو حسنٌ لغيره وانظر تخريجه في «تمام المنة» (ص ١٥٣). (٣) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنّف» (١/ ٢٢٣) بسند جيد، عن «تمام المنة» (ص ١٥٣). (٤) أخرجه البخاري: ٩٦٠، ومسلم: ٨٨٦ الكلام في الأذان: يجوز الكلام في الأذان لحاجة، فقد «تكلّم سليمان بن صُرَد في أذانه» (١). وقال الحسن: «لا بأس أنْ يضحك وهو يؤذن أو يقيم» (٢). وعن عبد الله بن الحارث قال: «خطبَنا ابن عبّاس في يوم ردغْ (٣)، فلما بلغ المؤذن حيَّ على الصلاة فأمره أن ينادي: الصلاة في الرِّحال، فنظر القوم بعضهم إِلى بعض، فقال: فعَل هذا من هو خير منه، وإِنّها عَزْمة (٤)» (٥). ما يُحقن بالأذان من الدماء (٦): عن أنس بن مالك أنَّ النّبيّ - ﷺ - «كان إِذا غزا بنا قومًا لم يكن يغزو بنا --------------------------- (١) أخرجه البخاري في»صحيحه«في»كتاب الأذان«(باب الكلام في الأذان) معلقًا بصيغة الجزم، وقال الحافظ:»وصَله أبو نعيم شيخ البخاري في كتاب الصلاة له، وأخرجه البخاري في التاريخ عنه وإسناده صحيح ولفظه: «إِنّه كان يؤذّن في العسكر؛ فيأمر غلامه بالحاجة في أذانه». (٢) أخرجه البخاري معلّقًا بصيغة الجزم في «كتاب الأذان» (باب الكلام في الأذان)، قال الحافظ: لم أره موصولًا. (٣) وفي بعض النسخ بالزاي «رزْغ»، قال في «النهاية»: «الرَّدَغَة: طين ووحل كثير، وتجمع على رَدَغ ورداغ، وقال في الرزغ: هو الماء والوحل». (٤) ضد الرخصة. (٥) أخرجه البخاري: ١١٦ (٦) هذا العنوان من «صحيح البخاري». حتى يصبح وينظر، فإِنْ سمع أذانًا كفّ عنهم، وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم (١)، قال: فخرجنا إِلى خيبر فانتهينا إِليهم ليلًا فلمّا أصبح ولم يسمع أذانًا ركل وركبت خلف أبي طلحة وإِنَّ قدمي لتمس قدم النّبيّ - ﷺ - قال: فخرجوا إِلينا بمكاتلهم (٢) ومساحيهم (٣) فلمّا رأو النّبيّ - ﷺ - قالوا: محمد والله والخميس (٤). قال: فلمّا رآهم رسول الله - ﷺ - أكبر خربت خيبر إِنّا إِذا نزلنا بساحة قومٍ فساء صباح المنذرين». قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٩٠) بعد هذا الحديث: «قال الخطابي: فيه أنَّ الأذان شعار الإِسلام، وأنّه لا يجوز ترْكه، ولو أنَّ أهل بلد اجتمعوا على ترْكه؛ كان للسلطان قتالهم عليه» (٥). ------------------------ (١) أخرجه البخاري: ٦١٠، ومسلم: ٣٨٢ (٢) المكاتِل: جمع المِكتل -بكسر الميم- وهو القُفّة أي: الزِّنبيل. «شرح الكرماني» (٥/ ١٠). (٣) المساحي: جمع المسحاة، وهي المجرفة إلاَّ أنّها من الحديد. «شرح الكرماني» (٥/ ١٠). (٤) الخميس: الجيش، سمّي به لأنّه مقسوم بخمسة أقسام: المقدّمة، والساقة [المؤخرة] والميمنة، والميسرة، والقلب. وقيل: لأنّه تخمّس فيه الغنائم. «النّهاية». (٥) وجاء في «شرح الكرماني» (٥/ ١٠): "[قال] التيمي: وإنما يُحقن الدم بالأذان لأن فيه الشهادة بالتوحيد والإقرار بالنّبيّ - ﷺ -. قال: وهذا لمن قد بلغَته الدعوة، وكان يمسك عن هؤلاء حتى يسمع الأذان ليعلم أكانوا مجيبين للدعوة أم لا، لأن الله تعالى قد وعده إظهار دينه على الدين كله. من بدع الأذان ومخالفاته: الأصل في العبادات المنع إِلا أن يرد الدليل، والأذان عبادة لا يجوز الإِحداث فيها، فمن المخالفات والمحدثات في الأذان التي لم يرد فيها نص ولم يفعلها الصحابة الكرام -رضي الله عنهم-: ١ - التغنّي في الأذان واللحن فيه. وقد ثبت أنّ رجلًا جاء إِلى ابن عمر -رضي الله عنهما- فقال: «إِنّي أحبّك في الله، قال فاشهد عليّ أنّي أبغضك في الله، قال: ولمَ؟ قال: لأنك تلحنُ في أذانك وتأخذ عليه أجرًا» (١). ٢ - التسبيح قبل الفجر. ٣ - زيادة الصلاة على النّبيّ والسلام فيه (٢). شروط (٣) الصلاة: ١ - دخول الوقت (٤)، وقد تقدّم في (باب مواقيت الصلاة). --------------------------- (١) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» وغيره، وانظر «الصحيحة» تحت الحديث (٤٢). (٢) انظر ما قاله شيخنا -شفاه الله تعالى- في «تمام المنّة» (ص ١٥٨). (٣) الشرط: هو الأمر الذي يتوقّف عليه وجود الحُكم، ويلزم من عَدمه عدم الحُكم، ولا يلزم من وجوده وجود الحُكم، فلا يلزم من وجود الوضوء الذي هو شرط الصلاة وجودها، ولا يلزم من وجود الشاهدين وجود عقد الزواج، ووجودهما شرط لصحّته، ولكن لا تصحّ الصلاة من غير وجود الوضوء، ولا يصح النكاح مِن غير شاهدين. عن «أصول الفقه» (ص ٥٩) للشيخ محمّد أبي زهرة. (٤) انظر ما قاله شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في «الفتاوى» (٢٢/ ٧٥) حول وقت الاختيار ووقت الاضصرار. قال في «المغني» (١/ ٤٠٧) بحذف يسير: «ومن صلَّى قبل الوقت، لم تجُز صلاته في قول أكثر أهل العلم، سواءٌ فعَله عمدًا أو خطأ كلّ الصلاة أو بعضها، وبه قال الزهري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي». ٢ - الطهارة من الحَدَث. قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا قُمتم إِلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديَكم إِلى المرافق وامسحو ابرؤوسكم وأرجُلَكم إِلى الكعبين وإِنْ كنتم جُنُبًا فاطهروا﴾ (١). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تُقبل صلاةُ من أحدث حتى يتوضأ» قال رجل من حضرموت: ما الحدَث يا أبا هريرة؟ قال: فساء أو ضراط«(٢). وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال:»لا تُقبل صلاةٌ بغير طُهور، ولا صدَقة من غُلول«(٣). --------------------- (١) المائدة: ٦ (٢) أخرجه البخاري: ١٣٥، ومسلم: ٢٢٥ دون قوله:»قال رجل ... «وتقدّم. قال الحافظ في»الفتح«(٢/ ٢٣٥):»أحدَث: أو وُجد منه الحدث، والمراد به الخارج من أحد السبيلين، وإنّما فسّره أبو هريرة بأخصّ من ذلك؛ تنبيهًا بالأخفّ على الأغلظ ...«. (٣) أخرجه مسلم: ٢٢٤ وغيره، وانظر للمزيد من الفوائد الحديثية»الإِرواء" (١/ ١٥٣). ٣ - تطهير الثوب والبدن والمكان من النجاسة (١). أمّا تطهير الثياب فلنصّ القرآن: ﴿وثيابك فطهِّر﴾ (٢). ولحديث أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: سَألتِ امرأة رسول الله - ﷺ - فقالت يا رسول الله: أرأيت إِحدانا إِذا أصاب ثوبها الدّم من الحيضة كيف تصنع؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «إِذا أصاب ثوب إِحداكنّ الدّم من الحيضة فلتقرُصه ثمَّ لِتَنضحْه بماء ثمَّ لتصلّي فيه» (٣). ومنها حديث خلْعِه - ﷺ - للنّعل، كما في حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: «صلّى بنا رسول الله - ﷺ - ذات يوم؛ فلمّا كان في بعض صلاته؛ خلَع نعليه فوضَعهما عن يساره، فلما رأى الناس ذلك خلعوا نعالهم، فلمّا قضى صلاته قال:»ما بالكم ألقيتم نعالكم؟ «قالوا: رأيناك ألقيتَ نعليك فألقينا نعالنا، فقال: (إِنَّ جبريل أتاني فأخبَرني أنّ فيهما قَذَرًا -أو قال: أذى- (وفي رواية: خَبَثًا)، فألقيتُهما، فإِذا جاء أحدكم إِلى المسجد، فلينظر في نعليه، فإِن رأى فيهما قَذَرًا -أو قال: أذى- (وفي الرواية الأخرى: خَبَثًا)؛ ------------------- (١) من كتاب»الدراري المضية" (١/ ١٠٨) بتصرف. (٢) المدثر: ٤ (٣) أخرجه البخاري: ٣٠٧، ومسلم: ٢٩١ فليمسحهما، وليصلِّ فيهما (١)» (٢). وأمّا تطهير البدن؛ فلانّه أولى من تطهير الثوب؛ ولِما ورَد من وجوب تطهيره، من ذلك: حديث أنس -رضي الله عنه- أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: «تنزّهوا من البول؛ فإِنَّ عامّة عذاب القبر منه» (٣). ولحديث عليّ -رضي الله عنه- قال: كنتُ رجلًا مذّاءً فأمَرْت رجلًا أن يسأل النبيّ - ﷺ - لمكان ابنته، فسأل فقال: «توضّأ واغسلْ ذَكرَك» (٤). وأمّا المكان؛ فلِما ثبتَ عنه - ﷺ - من رشّ الذَّنوب على بوْل الأعرابي، كما ------------------------ (١) وسألت شيخنا -حفظه الله تعالى- عن قول بعض العلماء: «من صلّى مُلابسًا لنجاسة عامدًا؛ فقد أخلّ بواجب، وصلاته صحيحة» فقال: نحن نقول: أخلّ بشرط، لكن هل هو معذور أم ليس بمعذور؟ فللمعذور نقول: صلى رسول الله - ﷺ - بنعليه، ولمّا خلَعهما؛ سألوه عن السبب فقال: جاءني جبريل وأخبرني أنَّ فيهما قذرًا. قلت: يعني إِذا كان معذورًا فلا بأس، أمّا إِذا لم يكن كذلك فالصلاة باطلة؟ فقال -حفظه الله تعالى-: نعم. قلت: بعد أن صلى وجدَ فيه قذارة؟ فقال: مثل ذاك. وذكر لي -حفظه الله تعالى- أنَّ المصلي إِذا تذكّر أثناء الصلاة أنّه جُنب، أو أنه على غير وضوء؛ فإِنّه يستطيع أن يذهب ويغتسل أو يتوضّأ إِذا كان المكان قريبًا، ويرجع لاستكمال صلاته؛ بانيًا على ما مضى. لكن إِذا انتهى من الصلاة وتذكر أنّه كان على غير طُهر، فإنّه يتطهّر ويُعيد الصلاة. (٢) أخرجه أبو داود: ٦٥٠ «صحيح سنن أبي داود» (٦٠٥)، وابن خزيمة والحاكم وصحّحه ووافقه الذهبي والنووي، وانظر «الإرواء» (٢٨٤)، وصفة الصلاة (ص ٨١). (٣) حديث صحيح خرّجه شيخنا في «الإرواء» (٢٨٠). (٤) أخرجه البخاري: ٢٦٩، ومسلم: ٣٠٣، وتقدّم. في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- «أنَّ أعرابيًا بال فى المسجد، فثار إِليه الناس ليقعوا به، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: دعوه وأهريقوا على بوله ذَنوبًا من ماء أو سَجْلًا من ماء، فإِنّما بُعثتم مُيَسِّرين ولم تُبعثوا مُعَسِّرين» (١) ٤ - ستر العورة: قال الله تعالى: ﴿يا بني آدمَ خذوا زينَتكم عند كلّ مسجد﴾ (٢). وبيّن ابن عباس -رضي الله عنهما- سبب نزول هذه الآية فقال: «كانت المرأةُ تطوف بالبيت وهي عُريانه، فتقول: من يُعيرني تِطوافًا تجعله على فرجها، وتقول: اليوم يبدو بعضُه أو كلُّه ... فما بدا منه فلا أُحلّه فنزلَت هذه الآية: ﴿خذوا زينتَكم عند كلّ مسجد﴾» (٣). قال البغوي في «تفسيره» (٢/ ١٥٧): في قوله سبحانه: ﴿يا بني آدم خذوا زينتَكم عند كلّ مسجد﴾ يعني: الثياب، قال مجاهد: ما يُواري عورتك ولو عباءة. قال الكلبي: «الزينة: ما يواري العورة عند كلّ مسجد لطواف وصلاة». قال شيخ الإِسلام في كتابه «حجاب المرأة ولباسها في الصلاة» (ص ١٤) في (فصل في اللباس في الصلاة): وهو أخْذ الزينة عند كلّ مسجد، الذي يسمّيه الفقهاء: «باب ستر العورة في الصلاة». ------------------ (١) أخرجه البخاري: ٦١٢٨ وغيره وتقدّم في (كتاب الطهارة) والسَّجل والذَّنوب: الدلو الممتلئة ماءً. (٢) الأعراف: ٣١ (٣) أخرجه مسلم: ٣٠٢٨ https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 401الى صــ 415 الحلقة (28) وقال -رحمه الله- (ص ٢٣): «وفي الصلاة نوع ثالث؛ فإِن المرأة لو صلَّت وحدها، كانت مأمورة بالاختمار، وفي غير الصلاة يجوز لها كشف رأسها في بيتها، فأَخْذ الزينة في الصلاة لحق الله، فليس لأحد أن يطوف بالبيت عُريانًا ولو كان وحده بالليل، ولا يصلي عُريانًا ولو كان وحده، فعلم أن أخذ الزينة في الصلاة لم يكن لتحتجب عن الناس، فهذا نوع، وهذا نوع. وحينئذ فقد يستر المصلي في الصلاة ما يجوز إِبداؤه في غير الصلاة، وقد يُبدي في الصلاة ما يستره عن الرجال. فالأول مِثل المَنكِبين، فإِنّ النّبيّ - ﷺ - نهى أن يصلّي الرجل في الثوب الواحد، ليس على عاتقه منه شيء فهذا لحقّ الصلاة، ويجوز له كشف منكبيه للرجال خارج الصلاة». وقال -رحمه الله- (ص ٣٢): «والمنكبان في حقه؛ كالرأس في حقّ المرأة؛ لأنّه يصلّي في قميص أو ما يقوم مقام القميص ...». ما يجب على الرّجل ستره عند الصلاة: يجب ستر القُبل والدُّبر، وجاء في بعض النصوص ما يدّل على أنّه يجب على المصلّي أن يستر من بدنه ما ليس بعورة وهو القسم الأعلى منه؛ كما في حديث بريدة -رضي الله عنه-: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يُصلّي الرجل في لحاف واحد؛ لا يتوشّح به (١) ونهى أن يُصلّي الرجل في سراويل وليس عليه رداء» (٢). قال شيخنا في «تمام المنّة» (١٦٣): «وفي الحديث دلالة على أنّه ---------------------------- (١) أي: يتغشّى به. (٢) أخرجه أبو داود وغيره وإسناده حسن وانظر»تمام المنّة" (١٦٢). يجب على المصلّي أن يستر من بدنه ما ليس بعورة، وهو القسم الأعلى منه، وذلك إِنْ وجَد كما يدلّ عليه حديث ابن عمر وغيره، وظاهر النهي يفيد بطلان الصلاة، ويؤكّد ذلك قوله - ﷺ -: لا يصلّينّ أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه (وفي رواية: عاتقيه. وفي أخرى: منكبيه) منه شيء». رواه الشيخان وأبو داود وغيرهم، وهو مخرَّج في «الإِرواء» (٢٧٥) و«صحيح أبي داود» (٦٣٧). قال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٢/ ٥٩): «وقد حمَل الجمهور هذا النهي على التنزيه، وعن أحمد: لا تصحّ صلاة من قَدِرَ على ذلك فتركَه، وعنه أيضًا: تصحّ ويأثم»«. وقد ورَد في بعض الأحاديث ما يدّل على جواز الصلاة في الثوب الواحد. فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ سائلًا سأل رسول الله - ﷺ - عن الصلاة في ثوب واحد، فقال رسول الله - ﷺ -:»أَولكُلِّكُمْ ثوبان«(١). وعن محمّد بن المنكدر قال:»رأيت جابر بن عبد الله يُصلّي في ثوبٍ واحد، وقال: رأيت النّبي - ﷺ - يصلّي في ثوب«(٢). وعنه أيضًا قال:»صلّى جابر في إِزارٍ قد عقَده من قبل قفاه وثيابه موضوعة على المِشجَب (٣) قال له قائل: تُصلّي في إِزارٍ واحدٍ؟ فقال: إِنّما صنعْتُ ذلك ليراني أحمقُ مثلُك، وأيُّنا كان له ثوبان على عهد النّبيّ - ﷺ -«؟ (٤). ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣٥٨، ومسلم: ٥١٥، وتقدّم. (٢) أخرجه البخاري: ٣٥٣ (٣) هو عيدان تُضمّ رؤوسها ويُفرَج بين قوائمها توضَع عليها الثياب وغيرها.»فتح". (٤) أخرجه البخاري: ٣٥٢ وعن عمر بن أبي سلمة «أنَّ النّبيّ - ﷺ - صلّى في ثوبٍ واحدٍ قد خالف بين طرفيه» (١). ولكن الصلاة في الثوب الواحد بقيد تغطية العاتقين (٢). قال البخاري -رحمه الله- (٣): (باب إِذا صلّى في الثوب الواحد، فليجعل على عاتقيه). وروى حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النّبيّ - ﷺ -: «لا يُصلي (٤) أحدُكم في الثوب الواحد؛ ليس على عاتِقَيه شيء» (٥). ثمَّ روى حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «أشهدُ أنّي سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: من صلّى في ثوبٍ واحدٍ؛ فليخالِف بين طرفيه» (٦). ----------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣٥٤ (٢) العاتق: هو ما بين المنكبين إِلى أصل العُنُق. (٣) انظر «الفتح» (١/ ٤٧١). (٤) قال في «الفتح» (١/ ٤٧١): قوله (لا يصلي)، قال ابن الأثير: كذا هو في الصحيحين بإِثبات الياء، ووجهه أن (لا) نافية، وهو خبر بمعنى النهي. قلت [أي: الحافظ -رحمه الله-]: ورواه الدارقطني في «غرائب مالك» من طريق الشافعي عن مالك بلفظ: «لا يُصلِّ»، بغير ياء، ومن طريق عبد الوهاب بن عطاء عن مالك بلفظ «لا يصلِّيَنّ» بزيادة نون التأكيد. (٥) أخرجه مسلم: ٥١٦. (٦) انظر البخاري: ٣٦٠. جاء في «الفتح» (١/ ٤٧١): «... ودلالته على الترجمة من جهة؛ أنَّ المخالفة بين الطرفين لا تتيسَّر إلاَّ بجعل شيءٍ من الثوب على العاتق، كذا قال الكرماني». حُجّة من يرى أنَّ الفخذ ليست بعورة (١): استدل القائلون بأنَّ السُّرّة والفخذ والركبة ليست بعورة بهذه الأحاديث: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله - ﷺ - مضطجعًا في بيته كاشفًا عن فخذيه، فاستأذَن أبو بكر، فأذن له وهو على تلك الحال، ثمَّ استأذَن عمر، فأذِن له وهوكذلك، فتحدّث، ثمَّ استأذن عثمان، فجلس النّبيّ - ﷺ - يُسوّي ثيابه وقال محمّد: -ولا أقول ذلك في يوم واحد- فدخل، فتحدّث، فلمّا خرج قالت له عائشة: دخل عليك أبو بكر فلم تجلس، ثمَّ دخل عثمان، فجلست وسوَّيتَ ثيابك؟ فقال: ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة«(٢). قال البخاري -رحمه الله-:»وقال أنس: حسَر النّبيّ - ﷺ - عن فَخِذه (٣)، --------------------- (١) عن «فقه السنة» (١/ ١٢٥) بتصرف يسير. (٢) أخرجه الطحاوي في «المشكل» وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في «الإِرواء» (١/ ٢٩٨) وأصْله في مسلم: ٢٤٠١ (٣) أخرجه البخاري معلقًا وموصولًا: ٣٧١ وانظر «الفتح» (١/ ٤٧٨) -إِن شئت- للمزيد من الفائدة وانظر أيضًا «صحيح مسلم» (٢٤٠١). وحديث أنس أسند، وحديث جَرهَد (١) أحوط، حتى يُخرَجَ من اختلافهم، وقال أبو موسى: غطَّى النّبيّ - ﷺ - رُكبتيه حين دخل عثمان (٢). وقال زيد بن ثابت: أنزل الله على رسوله - ﷺ - وفخِذه على فخذي، فثقُلَت عليَّ حتى خِفتُ أن ترُضَّ فخذي» (٣). قال ابن حزم (٤): «فصحّ أنَّ الفخذ ليست عورة، ولوكانت عورة؛ لَما كشَفَها الله عز وجل عن رسول الله - ﷺ - المطهَّر المعصوم من الناس؛ في حال النّبوة والرسالة، ولا أَراها أنس بن مالك ولا غيره، وهو تعالى قد عصَمَه من كشْف العورة في حال الصّبا وقبل النّبوة». ثمَّ ذكَر حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- في «الصحيحين»: «أنَّ رسول الله - ﷺ - كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إِزاره، فقال له العباس عمّه: يا ابن أخي! لو حلَلْتَ إِزارك فجعلتَه على منكِبك دون الحجارة، قال: فحلَّه فجعلَه على مَنْكِبه، فسقط مغشيًا عليه، فما رؤي بعد ذلك عُريانًا - ﷺ -» (٥). وعن أبي العالية البَراء قال: قلتُ لعبد الله بن الصامت نُصلِّي يوم الجمعة -------------------------- (١) قال شيخنا في «مختصر البخاري» (١/ ١٠٧): «وصَله مالك والترمذي وحسّنه، وصحّحه ابن حبان». (٢) وصَله البخاري في كتاب «فضائل الصحابة» وانظر (٣٦٩٥). (٣) وصَله البخاري في «كتاب الجهاد» وانظر رقم (٢٨٣٢) وأشار شيخنا إِلى ذلك في «مختصره»، وكذا الذي قبله. (٤) انظر «المحلّى» (٣/ ٧٢٧٢). (٥) انظر البخاري: ٣٦٤، ومسلم: ٣٤٠ خلْف أمراء، فيؤخّرون الصلاة، قال: فضرب فَخذي ضربةً أوجعتني، وقال: سألتُ أبا ذرٍّ عن ذلك فضرَب فخِذي، وقال: سألتُ رسول الله - ﷺ - عن ذلك: فقال: «صَلُّوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم نافلة». قال: وقال عبد الله: ذُكر لي أنَّ النّبيّ - ﷺ - ضرب فَخِذَ أبي ذرّ«(١). وفي رواية لمسلم:»وقال: إِنِّي سألتُ رسول الله - ﷺ - كما سألتني، فضربَ فخِذي كما ضرَبتُ فَخِذَك ... «(٢). قال ابن حزم: فلو كانت الفخذ عورة؛ لما مسَّها رسول الله - ﷺ -، من أبي ذرّ أصلًا بيده المقدّسة. ولو كانت الفخذ عند أبي ذرّ عورة، لما ضرب عليها بيده، وكذلك عبد الله بن الصامت وأبي العالية. وما يستحلّ مسلم أن يضرب بيده على ذَكَر إِنسان، على الثياب، ولا على حلقة دُبُر الإِنسان على الثياب، ولا على بدن امرأة أجنبية على الثياب، البتة». ثمَّ ذكَر ابن حزم (٣) بإِسناده إِلى أنس بن مالك أنّه أتى ثابت بن قيس بن شمّاس؛ وقد حسر عن فَخِذيه ... «(٤). حُجَّة من يرى أنَّها عورة: واستدلّ القائلون بأنّها عورة بهذين الحديثين: ١ - عن محمّد بن جحش قال:»مرّ رسول الله - ﷺ - على معمر، وفخذاه ---------------------- (١) أخرجه مسلم: ٦٤٨ (٢) انظره تحت رقم: ٦٤٨ (٣) انظر «المحلى» (٣/ ٢٧٨). (٤) انظر البخاري: ٢٨٤٥ مكشوفتان فقال: يا معمر غطِّ فخذيك؛ فإِنَّ الفخذين عورة» (١). ٢ - وعن جَرهَد قال: مرّ رسول الله - ﷺ - وعليّ بُردة وقد انكشفت فخِذي فقال: «غطِّ فخذك فإِنَّ الفخِذ عورة» (٢). قال شيخنا في «تمام المنّة» (١٥٩ - ١٦٠): «ومن الواضح لدى كلّ ناظرٍ في الأدلّة التي ساقَها المؤلّف؛ أنَّ أدلّة القائلين بأنَّ الفخذ ليس بعورة فعليّة من جهة، ومبيحة من جهة أخرى. وأدلة القائلين بأنّه عورة قولية من جهة، وحاظرة من جهة أخرى، ومن القواعد الأصولية التي تساعد على الترجيح بين الأدلة والاختيار قاعدتان: الأولى: الحاظر مُقدَّم على المبيح. والأخرى: القول مُقدَّم على الفِعل؛ لاحتمال الخصوصية وغيرها؛ مع أنَّ الفعل في بعض الأدلة المشار إِليها لا يظهر فيها أنَّه كان مقصودًا متعمّدًا؛ كحديث أنس وأثر أبي بكر -رضي الله عنهما- أضِف إِلى ذلك أنّها وقائعُ أعيان لا عموم لها؛ بخلاف الأدلّة القولية، فهي شريعة عامّة، وعليها جَرى عمل المسلمين سلَفًا وخلفًا، بحيث لا نعلم أنّ أحدًا منهم كان يمشي أو يجلس كاشفًا عن فَخِذيه؛ كما يفعل بعض الكفّار اليوم، ومن يقلّدهم من المسلمين الذ ين يلبسون البنطلون الذي يسمّونه بـ (الشورت)، وهو (التبان) في اللغة. ---------------------- (١) أخرجه أحمد في المسند وغيره وإسناده ضعيف لكنّه يتقوى بغيره كما فى»المشكاة«(٣١١٤)، و»الإرواء«(١/ ٢٩٧ - ٢٩٨). (٢) أخرجه أحمد في»مسنده«والحاكم في»المستدرك«وغيرهما وذكره البخاري معلقًا انظر»الفتح«(١/ ٤٧٨)، وإسناده ضعيف لكنّه يتقوى بغيره أيضًا، وانظر»الإرواء" (١/ ٢٩٨). ولهذا، فلا ينبغي التردد في كون الفخذ عورة ترجيحًا للأدلة القولية، فلا جَرَم أن ذهب إِليه أكثر العلماء، وجزم به الشوكاني في»نيل الأوطار«(٢/ ٥٢ - ٥٣) و»السيل الجرّار«(١/ ١٦٠ - ١٦١). نعم، يمكن القول بأنّ عورة الفخذين أخفّ من عورة السوأتين، وهو الذي مال إِليه ابن القيّم في»تهذيب السنن«كما كُنتُ نقَلْتهُ عنه في»الإِرواء«(١/ ٣٠١). وحينئذ، فمسُّ الفَخِذ الذي وقع في حديث أبي ذرّ -والظاهر أنَّه من فوق الثوب- ليس كمس السوأتين ...». انتهى. وعن أنس بن مالك «أنَّ رسول الله - ﷺ - غزا خيبر فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب النّبيّ - ﷺ - وركب أبو طلحة، وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى رسول الله - ﷺ - في زقاق خيبر، وإنّ ركبتي لتمسّ فخذ رسول الله - ﷺ -، ثمَّ حسر الإِزار عن فخِذه حتى إِني أنظر إِلى بياض فخذ نبيَّ الله - ﷺ - ...». قال شيخنا في «الإِرواء» (١/ ٣٠٠) بعد تخريج الحديث: أخرجه البخاري (١/ ١٠٥) والبيهقي (٢/ ٢٣٠) وأخرجه مسلم (٤/ ١٤٥، ٥/ ١٨٥) وأحمد (٣/ ١٠٢) إِلا أنهما قالا: «وأنحسر» بدل «وحسر»، ولم يذكر النسائي في روايته (٢/ ٩٢) ذلك كلّه. قال الزيلعي في «نصب الراية» (٤/ ٢٤٥) عقب رواية مسلم: «قال النووي في الخلاصة: وهذه الرواية تُبيّن رواية البخاري، وأنّ المراد: انحسر بغير اختياره لضرورة الإِجراء. انتهى». قلت [القائل: شيخنا -حفظه الله تعالى-]: وأجاب عن ذلك الحافظ في «الدراية» بقوله (ص ٤٣٤): "قلت: لكن لا فرق في نظري بين الروايتين؛ من جهة أنَّه - ﷺ - لا يُقرّ على ذلك لو كان حرامًا، فاستوى الحال بين أن يكون حسَره باختياره، وانحسر بغير اختياره». وهذا من الحافظ نظر دقيق، ويؤيده أن لا تعارض بين الروايتين، إِذ الجمع بينهما ممكن بأن يقال: حسَر النّبيّ - ﷺ - الثوب فانحسر. وقد جمع الشوكاني بين هذين الحديثين وبين الأحاديث المتقدّمة في أن الفخِذ عورة بأنهما حكاية حال، لا عموم لها. انظر «نيل الأوطار» (١/ ٢٦٢). ولعل الأقرب أن يقال في الجمع بين الأحاديث: ما قاله ابن القيم في «تهذيب السنن» (٦/ ١٧): «وطريق الجمع بين هذه الأحاديث: ما ذكره غير واحد من أصحاب أحمدَ وغيرهم: أنّ العورة عورتان: مخففة ومغلظة، فالمغلظة: السوأتان، والمخففة: الفخذان. ولا تَنافي بين الأمر بغض البصر عن الفخذين لكونهما عورة، وبين كشفهما لكونهما عورة مخففة. والله أعلم». قلت: وكأنّ الإمام البخاري -رحمه الله- أشار إِلى هذا الجمع بقوله المتقدّم: «وحديث أنس أسند، وحديث جَرهَد أحوط» اهـ. ما يجب على المرأة سِتْره في الصلاة يجب على المرأة أن تستر بدنها كلّه في الصلاة خلا الوجه والكفين، لقول الله تعالى: ﴿ولا يُبدين زينتهنّ إِلاَّ ما ظَهَر منها﴾ (١). قال ابن كثير -رحمه الله- في «تفسيره»: "أي: لا يُظهرن شيئًا من الزينة ----------------------- (١) النور: ٣١ للأجانب إِلا ما لا يمكن إِخفاءه». قال ابن المنذر في «الأوسط» (٥/ ٧٠): «وقد روينا عن جماعة من أهل التفسير أنهم قالوا في قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إِلاَّ ما ظهر منها﴾ الآية، أنّ ذلك الكفان والوجه، فممّن روينا ذلك عنه ابن عباس، وعطاء ومكحول، وسعيد بن جبير». قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «جلباب المرأة المسلمة» (ص ٤٠): «... وقد اختلفت أقوال السلف في تفسيرها؛ فمن قائل: إِنّها الثياب الظاهرة، ومن قائل: إِنّها الكحل والخاتم والسوار والوجه، وغيرها من الأقوال التي رواها ابن جرير في»تفسيره«(١٨/ ٨٤) عن بعض الصحابة والتابعين، ثمَّ اختار هو أنّ المراد بهذا الاستثناء الوجه والكفان، فقال:»وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عَنَى بذلك الوجه والكفين، يدخل في ذلك -إِذا كان كذلك- الكحل والخاتم والسوار والخضاب، وإنّما قلنا: ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل؛ لإِجماع الجميع على أنّ على كلّ مصلٍّ أن يستر عورته في صلاته، وأنّ للمرأة أن تكشف وجهها وكفّيها في صلاتها، وأنّ عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها، إلاَّ ما روي عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه أباح لها أن تبدي من ذراعها قدْر النصف (١)، فإِذا كان ذلك من جميعهم إِجماعًا؛ كان معلومًا بذلك أنَّ لها أن تبديَ من بدنها ما لم يكن عورة كما ذلك للرجال، لأنَّ ما لم يكن عورة فغير حرام إِظهاره، وإِذا كان لها إِظهار ذلك؛ كان معلومًا أنَّه ممَّا استثنى الله تعالى ذكره بقوله: ﴿إِلاَّ ما ---------------- (١) وهو حديث منكر وانظر «جلباب المرأة المسلمة» (ص ٤١). ظهر منها﴾؛ لأنَّ كل ذلك ظاهر منها». ثمَّ ذكر شيخنا (ص٥١) كلام القرطبي (١٢/ ٢٢٩): «قال ابن عطية: ويظهر لي بحُكم ألفاظ الآية أنَّ المرأة مأمورة بأن لا تُبديَ، وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بدَّ منه، أو إِصلاح شأن، ونحو ذلك فـ ﴿ما ظهر﴾ على هذا الوجه ممّا تؤدي إِليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه». وقال -حفظه الله- (ص٥١ - ٥٢) -بحذف يسير-: «... وبيانه أنَّ السلف اتفقوا على أنّ قوله تعالى: ﴿إِلاَّ ما ظهَر منها﴾ يعود إِلى فعلٍ يصدر من المرأة المكلَّفة، غاية ما في الأمر أنهم اختلفوا فيما تظهره بقصدٍ منها، فابن مسعود يقول: هو ثيابها؛ أي: جلبابها. وابن عباس ومن معه من الصحابة وغيرهم يقول: هو الوجه والكفان منها. فمعنى الآية حينئذ: إلاَّ ما ظهرَ عادة بإِذن الشارع وأمرِه. ألستَ ترى أن المرأة لو رفعت من جلبابها حتى ظهر من تحته شيء من ثيابها وزينتها -كما يفعل ذلك بعض المتجلببات- أنها تكون قد خالفَت الآية باتفاق العلماء؛ فقد التقى فِعْلها هذا مع فِعْلها الأول، وكلاهما بقصد منها؛ لا يمكن إلاَّ هذا، فمناط الحكم إِذن في الآية؛ ليس هو ما ظهر دون قصد من المرأة -فهذا ممّا لا مؤاخذة عليه في غير موضع الخلاف أيضًا اتفاقًا - وإِنما هو فيما ظهر دون إِذنٍ من الشارع الحكيم». وقال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «تمام المنّة» (ص ١٦٠): «روى ابن أبي شيبة في»المصنّف" (٤/ ٢٥٣) عن ابن عباس في تفسير الآية المذكورة: «قال: الكفّ ورقعة الوجه». وسنده صحيح. «ورَوَى نحوه عن ابن عمر بسند صحيح أيضًا ...». وفي الحديث: «لا يقبل الله صلاة حائض (١) إلاَّ بخمار (٢)» (٣). وروى عبد الرزاق من طريق أم الحسن قالت: «رأيت أمّ سلمة زوج النّبيّ - ﷺ - تصلّي في دِرْع (٤) وخمار» (٥). وعن عبيد الله الخولاني -وكان يتيمًا في حِجر ميمونة- أنَّ ميمونة كانت تُصلّي في الدّرع والخمار ليس عليها إِزار«(٦). قال شيخنا في»تمام المنّة«(ص ١٦٢):»وفي الباب آثار أُخرى؛ مما يدلّ على أنَّ صلاة المرأة في الدرع والخمار كان أمرًا معروفًا لديهم، وهو أقلّ ما يجب عليهنّ لستر عورتهنّ في الصلاة. ولا ينافي ذلك ما روى ابن أبي شيبة والبيهقي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: «تصلي المرأة ------------------ (١) هي التي بلَغت سنَّ المحيض وجرى عليها القلم، ولم يُرِدْ في أيام حيضها، لأنَّ الحائض لا صلاة عليها.»النهاية«. (٢) هو غطاء الرأس. (٣) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن أبي شيبة وغيرهم، وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في»الإِرواء«(١١٦). (٤) درع المرأة: قميصها.»النهاية«. (٥) وإسناده صحيح كما في»تمام المنّة«(ص ١٦٢). (٦) أخرجه مالك في»الموطّأ«، وعنه ابن أبي شيبة والبيهقي وإسناده صحيح، انظر»تمام المنّة" (ص ١٦٢). في ثلاثة أثواب: درع وخمار وإزار«. وإسناده صحيح. وفي طريق أخرى عن ابن عمر قال:»إِذا صلت المرأة فلتصلِّ في ثيابها كلها: الدرع والخمار والملحفة (١)«. رواه ابن أبي شيبة وسنده صحيح أيضًا. فهذا كله محمول على الأكمل والأفضل لها، والله أعلم». ملاحظة: احِرص على الثياب التي تستر العورة، واعلم أنَّه لا تجوز الصلاة في الثوب الرقيق الذي يُبرز لَون الجلد. وقد سألت شيخنا -حفظه الله تعالى- عمّن لبس ثوبًا خفيفًا بحيث يبيّن لون الجلد؛ من بياض أو حمرة فقال: «إِذا كان اللباس خفيفًا، بحيث يصف العضو، فهو كالعاري». هل يكشف الرجل رأسه في الصلاة؟ قال الله تعالى: ﴿يا بني آدمَ خذوا زينَتكم عند كلّ مسجد﴾ (٢). قال ابن كثير في «تفسيره»: «قال العوفي عن ابن عباس ... كان رجال يطوفون بالبيت عُراة فأمَرهم الله بالزينة، والزينة اللباس، وهو ما يُواري السوأة وما سوى ذلك من جيّد البز (٣) والمتاع (٤) فأمرهم أن يأخذوا زينتهم عند كلّ مسجد ...». ------------------- (١) ما يتخذ من اللباس فوق سائر اللباس من دثار البرد ونحوه، وانظر «المحيط». (٢) الأعراف: ٣١ (٣) البز: الهيئة والشارة. «الوسيط». (٤) المتاع: كلّ ما يُنفع به ويُرغب في اقتنائه؛ كالطعام وأثاث البيت والسلعة والأداة والمال. «الوسيط». وقال: «ولهذه الآية وما ورَد في معناها من السنّة التجمُّل عند الصلاة، ولا سيّما يوم الجمعة ويوم العيد، والطِّيب لأنَّه من الزينة، والسواك لأنَّه من تمام ذلك ومن أفضل اللباس البياض ...». فإِذا كان الطِّيب والسواك ولبس البياض من الزينة؛ أفلا يكون غطاء الرأس من الزينة؟! قال شيخنا في «تمام المنة» (ص ١٦٤) -بحذف يسير-: «والذي أراه في هذه المسألة؛ أنَّ الصلاة حاسرَ الرأس مكروهةٌ، ذلك أنَّه من المُسلَّم به استحباب دخول المسلم في الصلاة في أكمل هيئة إِسلاميّة؛ للحديث المتقدّم» ... فإِنَّ الله أحقّ أن يُتزيَّن له". وليس من الهيئة الحسنة في عُرف السلف اعتياد حسْر الرأس والسير كذلك في الطرقات والدخول كذلك في أماكن العبادات، بل هذه عادة أجنبية؛ تسرَّبَتَ إِلى كثيرٍ من البلاد الإِسلامية؛ حينما دخَلَها الكُفار، وجلبوا إِليها عاداتهم الفاسدة، فقلَّدهم المسلمون فيها، فأضاعوا بها وبأمثالها من التقاليد شخصيّتهم الإِسلامية، فهذا العرض الطارئ لا يصلح أن يكون مسوِّغًا لمخالفة العُرف الإِسلامي السابق ولا اتخاذه حُجَّةً لجواز الدخول في الصلاة حاسر الرأس. وأمّا استدلال بعض إِخواننا ... على جوازه قياسًا على حسر المُحرم في الحجّ؛ فمن أبطلِ قياسٍ قرأْتُه ... كيف والحسر في الحجّ شعيرة إِسلامية، ومن مناسكه التي لا تُشاركه فيها عبادة أُخرى، ولو كان القياس المذكور صحيحًا؛ للزم القول بوجوب الحسر في الصلاة؛ لأنَّه واجب في الحجّ، وهذا إلزامٌ لا انفكاك لهم عنه إلاَّ بالرجوع عن القياس المذكور ...». وقال -حفظه الله- (ص ١٦٦): «وأمّا استحباب الحسر بنية الخشوع؛ فابتداعُ حُكمٍ في الدين لا دليل عليه إلاَّ الرأي، ولو كان حقًّا؛ لفعله رسول الله - ﷺ -، ولو فعَله لنُقل عنه؛ وإذ لم يُنقل عنه، دلّ ذلك أنَّه بدعة فاحذرها. وممّا سلف تعلم أنَّ نفي المؤلّف (١) ورود دليل بأفضلية تغطية الرأس في الصلاة، ليس صوابًا على إِطلاقه، إلاَّ إِن كان يُريد دليلًا خاصًا، فهو مُسلَّم، ولكنّه لا ينفي ورود الدليل العام على ما بيّناه آنفًا، وهو التزيّن للصلاة بالزّيّ الإِسلامي المعروف من قَبل هذا العصر، والدليل العام حجّة عند الجميع عند عدم المُعارِض فتأمّل». ٥ - استقبال القِبلة قال الله تعالى. ﴿قد نرى تقلُّب وجْهِك في السماء فَلَنولينَّك قبلةً ترضاها فولِّ وجْهَك شطْر المسجد الحرام وحيثُما كنتم فولُّوا وجوهَكم شَطره﴾ (٢). --------------------- (١) أي: الشيخ الفاضل السيد سابق -حفظه الله- حين قال: «ولم يَرِدْ دليلٌ بأفضلية تغطية الرأس في الصلاة». (٢) البقرة: ١٤٤، وقوله تعالى: شطره: أي: نحوه كما أنشدوا: ألا مَن مُبلِغٍ عنّا رسولًا ... وما تُغني الرسالةُ شطْر عمرو أي: نحو عمرو وتقول العرب: هؤلاء القوم يشاطروننا؛ إِذا كانت بيوتهم تُقابل بيوتهم. «المغنى» (١/ ٤٤٧). https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 416الى صــ 423 الحلقة (29) ْوقد ورد في مناسبة نزول هذه الآية حديث مسلم (٥٢٥) عن البراء بن عازب قال: «صلّيت مع النّبيّ - ﷺ - إِلى بيت المقدس ستةَ عشَر شهرًا، حتى نزَلت الآية التي في البقرة ﴿وحيثما كنتم فولُّوا وجوهكم شَطره﴾. فنزلت بعدما صلّى النّبيّ - ﷺ -، فانطلق رجل من القوم، فمرَّ بناسٍ من الأنصار وهم يُصلّون، فحدَّثهم، فولَّوا وجوههم قِبَل البيت». وكان رسول الله - ﷺ - إِذا قام إِلى الصلاة؛ استقبل الكعبة في الفرض والنفل (١). وفي حديث «المسيء صلاته»: «إِذا قمتَ إِلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثمَّ استقبِل القبلة فكبِّر» (٢). حُكم المشاهد للكعبة وغير المشاهد لها (٣) يجب على المشاهد للكعبة أن يستقبل عينها، أمّا من لا يستطيع مشاهدتها؛ فيجب عليه أن يستقبل جهتها لقول الله عز وجل: ﴿لا يكلّف الله نفسًا إِلاَّ وسعها﴾، وهذا هو الواسع والمقدُور. ولحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «ما بين المشرق والمغرب قِبلة» (٤). ------------------------ (١) قال شيخنا في «صفة الصلاة» (ص ٥٥) بعد ذِكْر هذه العبارة: «هذا شيء مقطوع به لتواتره ...». (٢) وسيأتي تخريجه بإِذن الله تعالى. (٣) عن «فقه السنة» (١/ ١٢٩) بتصرف يسير. (٤) أخرجه الترمذي وابن ماجه وغيرهما، وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في «الإرواء» (٢٩٢). هذا بالنسبة لأهل المدينة، ومن جرى مجراهم، وأمّا الأقطار الأخرى فيختلف الأمر حسب الموقع. متى يسقط استقبال القبلة؟ يسقط استقبال القبلة في الأحوال الآتية: ١ - صلاة التطوع للراكب. عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: «رأيت النّبيّ - ﷺ - في غزوة أنمار يُصلّي على راحلته متوجّهًا قِبَل المشرق متطوّعًا» (١). وعنه أيضًا: «كان رسول الله - ﷺ - يُصلّي على راحلته حيث توجّهت؛ فإِذا أراد الفريضة نزَل فاستقبل القبلة» (٢). وعن عامر بن ربيعة قال: «رأيتُ رسول الله - ﷺ - وهو على الراحلة يُسبِّح، يومئ برأسه قِبَل أيّ وجه توجَّه (٣) ولم يكن رسول الله - ﷺ - يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة» (٤). ٢ - صلاة الخائف والمريض والعاجز والمُكره. يجوز الصلاة لغير القبلة لمن عَجَز من استقبالها من خوف أو مرض أو --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٤١٤٠ (٢) أخرجه البخاري: ٤٠٠ (٣) أي: أينما توجّهت راحلته. (٤) أخرجه البخاري: ١٠٩٧، ومسلم: ٧٠١. وانظر للمزيد من الأدلة «صحيح مسلم» (كتاب صلاة المسافرين)، (باب جواز صلاة النافلة على الدابّة في السفر حيث توجّهت). إِكراه لقوله تعالى: ﴿لا يكلِّف الله نفسًا إِلاَّ وُسْعَها﴾ (١). ولقوله سبحانه: ﴿فإِنْ خِفْتُم فَرِجالًا أو رُكبانًا﴾ (٢). قال ابن عمر -رضي الله عنهما-: «... فإِن كان خوفٌ هو أشدَّ من ذلك، صلَّوا رجالًا قيامًا على أقدامهم أو ركبانًا مستقبلي القِبلة أو غير مستقبليها» (٣). وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «غزوتُ مع رسول الله - ﷺ - قِبَل نجْد، فوازينا العدوّ، فصافَفْنا لهم، فقام رسول الله - ﷺ - يصلّي لنا» (٤). فقوله: (وازَيْنا) أي: (قابَلْنا) وهذا يقتضي عدم التزام القبلة بل الانصراف عنها حسب وضْع العدوّ. حُكم من خفيت عليه القبلة عن عبد الله بن ربيعة عن أبيه قال: «كُنا مع النّبيّ - ﷺ - في سفر في ليلة مُظلمة فلم نَدْرِ أين القبلة، فصلّى كل رجل حياله (٥)، فلمّا أصبحنا ذَكَرْنا ذلك لرسول الله - ﷺ - فنزَل ﴿فأينما تولّوا فثمَّ وجهُ الله﴾ (٦)» (٧). ------------------ (١) البقرة: ٢٨٦ (٢) البقرة: ٢٣٩ (٣) أخرجه البخاري: ٤٥٣٥ (٤) أخرجه البخاري: ٩٤٢ (٥) أي: تلقاء وجهه. «النهاية». (٦) البقرة: ١١٥ (٧) أخرجه الترمذي وغيره وهو حديث حسن خرّجه شيخنا في «الإِرواء» (٢٩١). وعن جابر -رضي الله عنه- قال: «كُنَّا مع رسول الله - ﷺ - في مسيرة أو سريَّة، فأصابنا غيم، فتحرَّينا واختلفنا في القبلة، فصلّى كلُّ رجل منّا على حدة، فجعل أحدنا يخطُّ بين يديه لنعلم أمكنتنا، فلمّا أصبحنا نظرناه؛ فإِذا نحن صلّينا على غير القبلة، فذكَرنا ذلك للنّبيّ - ﷺ -، [فلم يأمرنا بالإِعادة]، وقال: (قد أجزأت صلاتكم)» (١). وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: «بَيْنا الناس بقُباء في صلاة الصبح إِذ جاءهم آتٍ فقال: إِنَّ رسول الله - ﷺ - قد أُنزلَ عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها ... وكانت وجُوههم إِلى الشام فاستداروا إِلى الكعبة» (٢). وبهذا فعلى الإِنسان أن يبذل وُسعه في معرفة القبلة، فإِنْ تبيّن له أنَّه صلّى على غير القبلة فلا إِعادة عليه، وقد أجزأت صلاته، كما يجوز للشخص أن يحوّل أخاه إِلى جهة القبلة ويصوّبه أثناء الصلاة. كيفيّة الصلاة عن أبي هريرة -رضي الله عنه- «أنَّ رسول الله - ﷺ - دخل المسجد، فدخَل رجل فصلّى، فسلَّم على النّبيّ - ﷺ - فردَّ وقال: ارجِع فصلِّ فإِنَّك لم تُصلِّ فرجع يُصلِّي كما صلّى، ثمَّ جاء فسلّم على النّبيّ - ﷺ - فقال: ارجع فصلّ --------------------- (١) أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي وابن ماجه والطبراني وحسنه شيخنا في»الإِرواء" (١/ ٣٢٣). (٢) أخرجه البخاري: ٤٠٣، ومسلم: ٥٢٦ فإِنَّكَ لم تُصلِّ ثلاثًا، فقال: والذي بعثكَ بالحقِّ ما أُحسن غيره فعلِّمني فقال: إِذا قُمتَ إلى الصلاة فكبِّر ثمَّ اقرَأ ما تيسر معك من القرآن، ثمَّ اركع حتَّى تطمئنَّ راكعًا، ثمَّ ارفعْ حتَّى تعدلَ قائمًا، ثمَّ اسجد حتَّى تطمئنَّ ساجدًا، ثمَّ ارفع حتَّى تطمئنَّ جالسًا، وافعل ذلك في صلاتك كلِّها» (١). وهذا حديث جامع في الصلاة، وإِليك أعمال الصلاة بشكل مُجمل (٢). استقبال القبلة، ثمَّ القيام لمن يستطيع وإلا صلى قاعداَّ، فإِن لم يستطع فعلى جنب، وينوي الصلاة بقلبه دون التلفّظ بها، ويستفتح الصلاة بقوله: «الله أكبر»، ويرفع اليدين مع التكبير، ويجعلها حذو مَنكِبيه، وربما كان - ﷺ - يرفعهما حتى يحاذي بهما فروع أُذنيه (٣)، ويضع اليمنى على اليُسرى على الصدر، مع الحِرص على النظر إِلى موضع السجود، ويتخيّر من أدعية الاستفتاح ما تيسرّ له (٤)، ثمَّ يستعيذ بالله تعالى ويقرأ الفاتحة ويقرأ بعد الفاتحة ما تيسّر مما سيأتي تفصيله إِنْ شاء الله ثمَّ يسكت سكتة، ئمَّ يرفع يديه ويكبّر ويركع مطمئنًّا في ركوعه، ذاكرًا ما تيسّر من أذكار الركوع، ثمَّ يعتدل من الركوع حتى يستوي قائمًا حتى يعود كلَ فقارٍ (٥) مكانه، قائلًا: ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ٧٥٧، ومسلم: ٣٩٧ (٢) لخّصتها من كتاب «صفة صلاة النّبي - ﷺ -» لشيخنا الألباني -حفظه الله تعالى-. (٣) أي: أعاليهما، وفَرْع كل شيء أعلاه. «النهاية». (٤) دون التزام بدعاءٍ واحد، بل تارة بهذا وتارة بهذا، وكذلك الشأن مع أدعية الركوع والسجود والتشهد ونحو ذلك. (٥) هي العظام التي يقال: لها خرز الظهر، قاله القزاز، وقال ابن سيده: هي من = سمع الله لمن حَمده؛ مع ما تيسّر من أذكار الاعتدال من الركوع، مطمئنًّا في ذلك ثمَّ يكبّر ويهوي ساجدًا، واضعًا يديه قبل ركبتيه، ممكّنًا أنفه وجبهته من الأرض، مع الحرص على أن يسجد على سبعة أعضاء: الكفين والركبتين والقدمين والجبهة والأنف، مطمئنًّا في ذلك متخيّرًا الأذكار الواردة، ويرفع من السجود مكبّرًا حتى تطمئنَّ مفاصله، فارشًا رجله اليسرى، قاعدًا عليها ناصبًا رجله اليمنى، متخيّرًا الأدعية الواردة في ذلك، ثمَّ يكبرّ ويسجد السجدة الثانية، يفعل مثل ما فعَل في الأولى، ثمَّ يرفع رأسه مكبِّرًا، ثمَّ يجلس جلسة الاستراحة، قاعدًا على رجله اليسرى معتدلًا، ويعتمد على اليدين يعجن (١) في النهوض إِلى الركعة الثانية ويصنع في هذه الركعة مِثْل ما صنع في الأولى، بيْد أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يجعلها أقصر من الأولى. ثمَّ يجلس للتشهّد، فإِذا كانت الصلاة ركعتين كالفجر، جلَس مفترشًا كما كان يجلس بين السجدتين، ثمَّ يبسط كفه اليسرى على ركبته اليسرى، ويقبض أصابع كفّه اليمنى كلّها، ويشير بإِصبعه التي تلي الإِبهام إِلى القبلة، يحركها يدعو بها، ويدعو بالأدعية الواردة في ذلك، ثمَّ يصلّي على النّبيّ - ﷺ - وفي ذلك صِيَغٌ عديدة، ثمَّ ينهض إِلى الركعة الثالثة مُكبّرًا، ويفعل كما فعل في الركعة الأولى، فيجلس الاستراحة ويعجن معتمدًا على يديه، وبعد أن يُتمّ الرابعة؛ يجلس للتشهد الأخير، ويفعل فيه ما كان يفعله في التشهد الأول، ------------------ = الكاهل إِلى العَجْب. «الفتح» (٢/ ٣٠٨)، والعَجْب: أصل الذَّنَب ومُؤخرّ كل شيء. «المحيط». (١) أي: يعتمد على يديه إِذا قام؛ كما يفعل الذي يعجن العجين. «النهاية». بيْد أنَّه يقعد فيه متوركًا (١)، ثمَّ يصلّي على النّبيّ - ﷺ - كما هو الشأن في التشهد الأول، ثمَّ يستعيذ بالله من أربع فيقول: «اللهمّ إِنِّي أعوذ بك من عذاب جهنّم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شرّ فتنة المسيح الدّجال»، ثمَّ يدعو قبل السلام بالأدعية المنوّعة الواردة في ذلك، وهو الأولى -كما سيأتي إِن شاء الله- ثمَّ يسلم عن يمينه وعن يساره بما ورَد من الصيغ في ذلك. -------------------- (١) وذلك بأن يُنحّي رجليه في التشهد الأخير، ويُلصق مقعدته بالأرض، وهو: أي التورك مِن وضْع الوَرِك عليها، والوَرِك: ما فوق الفخذ. وانظر «النهاية». https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثانى من صــ 1الى صــ 15 الحلقة (30) الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة الجزء الثاني تتمة كتاب الصلاة بقلم حسين بن عودة العوايشة المكتبة الإسلامية دار ابن حزم بسم الله الرحمن الرحيم الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة جميع الحقوق محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م المكتبة الإسلامية ص ب: (١١٣) الجبيهة - هاتف ٥٣٤٢٨٨٧ عمَّان - الأردن دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤ - تليفون: ٧٠١٩٧٤ فرائض الصلاة وسننها ١ - النية: وهي شرط أو ركن. قال الله تعالى: ﴿وما أُمروا إِلاَّ ليعبدواْ الله مُخلِصين له الدين﴾ (١). وقال رسول الله - ﷺ -: «إِنَّما الأعمال بالنيات، وإِنّما لكلّ امرئٍ ما نوى ...» (٢). هل يتلفظ بها؟ قال شيخنا في «صفة الصلاة» (ص٨٦) (باب التكبير): «ثمَّ كان - ﷺ - يستفتح الصلاة بقوله»الله أكبر«(٣) وقال في التعليق:»وفي الحديث إِشارة إِلى أنَّه لم يكن يستفتحها بنحو قولهم: «نويت أن أصلِّي» إلخ بل هذا من البدع اتفاقًا، وإِنما اختلفوا في أنّها حسنة أو سيئة، ونحن نقول: إِنَّ كلّ بدعة في العبادة ضلالة، لعموم قوله - ﷺ -: «وكلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة في النّار»«. ٢ - تكبيرة الإِحرام (٤): وهي ركن؛ لحديث عليّ -رضي الله عنه- قال: --------------------- (١) البينة: ٥ (٢) أخرجه البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧، وتقدم. (٣) أخرجه مسلم تحت: ٧٧١ بلفظ:»كان رسول الله - ﷺ - إِذا استفتح الصلاة كبّر ثمَّ قال: «وجهت وجهي» ...«. (٤) قال الحافظ في»الفتح«(٢/ ٢١٧):»تكبيرة الإِحرام رُكن عند الجمهور، وقيل شرط، وهو عند الحنفية، ووجه عند الشافعية،، قيل: سُنّة، قال ابن المنذر: لم يقُل به أحد غير الزهري، ونقلَه غيره عن سعيد بن المسيب والأوزاعي ومالك، ولم يثبت عن أحد منهم تصريحًا، وإِنما قالوا فيمن أدرك الإمام راكعًا تجزئة تكبيرة الركوع. = «مفتاح الصلاة الطُّهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (١). وفي حديث المسيء صلاته: «... إِنه لا تتمّ صلاةٌ لأحدٍ من الناس حتى يتوضّأ؛ فيضع الوضوء مواضعه ثمَّ يقول: الله أكبر» (٢). وفي حديث أبي حميد الساعدي -رضي الله عنه-: «كان رسول الله - ﷺ - إِذا قام إِلى الصلاة اعتدلَ قائمًا، ورفع يديه حتى يحاذي بهما مَنكِبيه، فإِذا أراد أن يركع؛ رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثمَّ قال: الله أكبر ...» (٣). ٣ - رفْع اليدين: قد ثبت الرفع في جميع التكبيرات، ولكن هناك تكبيرات التزم النّبيّ - ﷺ - رفع اليدين فيها وهناك تكبيرات لم يلتزم بها. فمن الحالات التي ورد التزام رسول الله - ﷺ - فيها بالرفع عند التكبير: ١ - تكبيرة الإحرام. ٢ - حين الركوع. ----------------------- = نعم نقَله الكرخي من الحنفية عن إِبراهيم بن عليّة وأبي بكر الأصمّ ومخالفتهما للجمهور كثيرة«. (١) أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وهو مخرّج في»الإِرواء«(٣٠١). (٢) أخرجه الطبراني بإِسناد صحيح عن»صفة الصلاة«(ص٦٦). (٣) حديث صحيح خرّجه شيخنا في»الإِرواء«(٢/ ١٤)، و»المشكاة«(٨٠٢)، وانظر»الفتح" (٢/ ٢١٧). ٣ - حين الرفع من الركوع. فعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - إِذا قام في الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو مَنكِبيه، وكان يفعل ذلك حين يُكبِّر للرّكوع، ويفعل ذلك إِذا رفع رأسه من الركوع ويقول: سمع الله لمن حمده، ولا يفعل ذلك في السجود» (١)، ولحديث أبي قِلابة: «أنَّه رأى مالك بن الحويرث إِذا صلّى كبَّر ورفع يديه، وإِذا أراد أن يركع رفع يديه، وإِذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه، وحدَّث أنَّ رسول الله - ﷺ - صنع هكذا» (٢). ٤ - إِذا قام من الركعتين إِلى الثالثة، لِما حدّثه عبيد الله عن نافع «أنَّ ابن عمر كان إِذا دخل في الصلاة كبّر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال سمع الله لمن حمده رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه. ورفع ذلك ابن عمر إِلى نبيّ الله - ﷺ -» (٣). وسألت شيخنا -حفظه الله تعالى- عن هذه الحالة، فقال: «عندي تردّد في التزام الرفع هنا، وأميل إِلى الالتزام؛ لأنَّه من رواية ابن عمر -رضي الله عنهما- الذي روى الرفع عند الركوع والرفع منه». كما قد ثبت الرفع في التكبيرات الأخرى أيضًا. -------------------- (١) أخرجه البخاري: ٧٣٦، ومسلم: ٣٩٠ (٢) أخرجه البخاري: ٧٣٧، ومسلم: ٣٩١ (٣) أخرجه البخاري: ٧٣٩، ومسلم: ٣٩٠ قال شيخنا في»تمام المنة«(١٧٢، ١٧٣):»قد ثَبت الرفع في التكبيرات الأخرى أيضًا، أمّا الرفع عند الهوي إلى السجود والرفع منه، ففيه أحاديث كثيرة عن عشرة من الصحابة، قد خرَّجْتها في «التعليقات الجياد»، منها: عن مالك بن الحويرث «أنَّه رأى النّبيّ - ﷺ - رفَع يديه في صلاته إِذا ركع، وإذا رفَع رأسه من الركوع، وإِذا سجد، وإِذا رفَع رأسه من السجود، حتى يحاذي بهما فروع أذنيه»، أخرجه النسائي وأحمد وابن حزم بسند صحيح على شرط مسلم، وأخرجه أبو عوانة في «صحيحه» كما في «الفتح» للحافظ، ثمَّ قال: «وهو أصحّ ما وقفْتُ عليه من الأحاديث في الرفع في السجود». وأمّا الرفع من التكبيرات الأخرى، ففيه عدّة أحاديث أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يرفع يديه عند كل تكبيرة. ولا تعارُض بين هذه الأحاديث؛ وبين حديث ابن عمر المتقدّم في الكتاب بلفظ: «... ولا يرفعهما بين السجدتين»، لأنَّه نافٍ، وهذه مثبتة، والمثبت مقدّم على النافي كما تقرر في علم الأصول. وقد ثبت الرفع بين السجدتين عن جماعة من السلف منهم أنس -رضي الله عنه- بل منهم ابن عمر نفسه، فقد روى ابن حزم من طريق نافع عنه؛ «أنَّه كان يرفع يديه إِذا سجد وبين الركعتين». وإِسناده قوي. وروى البخاري في جزء «رفع اليدين» (ص ٧) من طريق سالم بن عبد الله أنَّ أباه كان إِذا رفع رأسه من السجود، وإذا أراد أن يقوم رفع يديه. وسنده صحيح على شرط البخاري في «الصحيح». وعَمِل بهذه السنّة الإِمام أحمد بن حنبل، كما رواه الأثرم، ورُوي عن الإِمام الشافعي القول به، وهو مذهب ابن حزم، فراجع «المحلّى»«. ٤ - وضْع اليدين على الصدر: للعلماء في وضْع اليدين عند القيام الأوّل أقوال عديدة، وقد ثبَت عن النّبيّ - ﷺ - أنّه وضع يديه على صدره. وذكَر شيخنا الأدلّة في»صفة الصلاة«(ص ٨٨) فقال: و»كان يضع اليُمنى على ظهر كفّه اليُسرى والرسغ (١) والساعد«(٢). وسألتُ شيخنا -حفظه الله تعالى-:»هل ترون وضْع اليمنى على ظهر كفّه اليسرى والرسغ والساعد واجبًا أم سنّة؟ فقال: «الوضع مطلقًا واجب، ولكن على التفصيل المذكور سنّة». و«أمر بذلك أصحابه» (٣)، و«كان -أحيانًا- يقبض باليمنى على اليسرى» (٤). وفي الحديث: «إِنَّا معشر الأنبياء؛ أُمرنا بتعجيل فِطرنا، وتأخير سُحورنا، --------------------- (١) الرسغ: مَفصل بين الساعد والكف، والساعد هو الذراع. (٢) سيأتي تخريجه. (٣) أخرجه مالك، وابن أبي شيبة، كما في»الفتح«وانظر»مختصر البخاري«(١/ ٢٨٣)، وأبو عوانة. (٤) أخرجه النسائي والدارقطني بسند صحيح، وفي هذا الحديث دليل على أنّ السُّنّة القبض، وفي الحديث الأول الوضع، فكُلٌّ سُنّة، وأمّا الجمع بين الوضع والقبض فبدعة، عن»الصفة" (ص ٨٨) بحذف يسير. ووضْع أيماننا على شمائلنا» (١). قلت لشيخنا: «أتفيد كلمة (أُمرنا) هنا الوجوب»؟ فقال -حفظه الله تعالى-: «نعم تفيد الوجوب، وهناك قرينة أُخرى أقوى من هذه، وهو حديث سهل بن سعد الساعدي؛ كما في صحيح البخاري، ومن طريق مالك في»موطئه«بإِسناده العالي عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال:»كانوا يؤمَرون بوضْع اليمنى على اليُسرى في الصلاة «ينمي (٢) ذلك إِلى النّبيّ - ﷺ -». و«كان يضعهما على الصدر» (٣). وأخبرني شيخنا أنَّه يرى سنيّة ذلك. ------------------- (١) أخرجه الطيالسي وغيره، وصححه ابن حبّان. قال شيخنا في «أحكام الجنائز» (ص ٤٩): وسنده صحيح على شرط مسلم. (٢) أي ينسبه إِلى رسول الله - ﷺ -. (٣) أخرجه أبو داود وابن خزيمة في «صحيحه»، وأحمد وأبو الشيخ في «تاريخ أصبهان» (ص ١٢٥)، وحسَّن أحد أسانيده الترمذي، ومعناه في «المؤطأ» والبخاري في «صحيحه» عند التأمّل، و«أحكام الجنائز» (ص ١٥٠). قال شيخنا في «صفة الصلاة» (ص ٨٨): «وضْعهما على الصدر هو الذي ثبت في السُّنة، وخلافه إِمّا ضعيف، أو لا أصل له، وقد عَمِل بهذه السنة الإِمام إِسحاق بن راهويه، فقال المروزي في»المسائل«(ص٢٢٢):»كان إِسحاق يوتر بنا ... ويرفع يديه في القنوت، ويقنت قبل الركوع، ويضع يديه على ثدييه أو تحت الثديين، ومثله قول القاضي عياض المالكي في «مستحبات الصلاة» من كتابه «الإِعلام» (ص ١٥ - الطبعة الثالثة- الرباط): «ووضع اليمنى على ظاهر اليسرى عند النحر. [والنحر أعلى الصدر]. وقريب منه ما روى عبد الله بن أحمد في»مسائله«(ص ٦٢) قال:»رأيت أبي إذا صلّى وضع يديه إِحداهما على الأخرى فوق السُّرة«. وانظر»إِرواء الغليل" (٣٥٣). و»كان ينهى عن الاختصار (١) في الصلاة«؟ (٢). كيفية رفْع اليدين: كان رسول الله - ﷺ - يرفع يديه ممدودة الأصابع، [لا يُفرِّج بينهما ولا يضمّهما]» (٣). ويجعل كفيه حذو منكبيه، لحديث ابن عمر المتقدّم: «رأيت رسول الله - ﷺ - إِذا قام في الصلاة، رفَع يديه حتى يكونا حذو مَنكبيه». وأحيانًا يُبالغ في رفعهما حتى يحاذي بهما أطراف أُذُنيه (٤). وتقدّم أتمّ منه، وفي رواية: «حتى يحاذي بهما فروع أذنيه» (٥). وقت الرّفع: «كان رسول الله - ﷺ - يرفع يديه تارة مع التكبير، وتارة بعد التكبير، وتارة ------------------- (١) هو أن يضع يده على خاصرته؛ كما فسّرَه بعض الرواة. (٢) أخرجه البخاري، ومسلم، وهو مخرج في»الإرواء«(٣٧٤). (٣) أخرجه أبو داود وابن خزيمة، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. عن»صفة الصلاة«(٨٧). (٤) لحديث مالك بن الحويرث»أنَّ رسول الله - ﷺ - كان إِذا كبّر رفع يديه حتى يحاذى بهما أُذنيه، وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذى بهما أُذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع، فقال: «سمع الله لمن حمده»، فعل مثل ذلك«. (٥) فروع أُذنيه: أي أعاليهما، وفَرع كل شيء أعلاه.»النهاية". قبله» (١). ٥ - دعاء الاستفتاح: ويكون بعد تكبيرة الإِحرام وقبل القراءة. قال شيخنا في «تلخيص الصِّفة» (ص ١٦): «وقد ثبَت الأمر به فينبغي المحافظة عليه». وقد راجعتُ شيخنا -حفظه الله تعالى- فقلت له: هل قولكم: ثبت الأمر به؛ ضرْب من ضروب التعبير اللغوي أَم ماذا؟ فقال -حفظه الله تعالى-: «إِني لم أستعمل لفظ الوجوب لسبب؛ وهو أَنِّي لم أستحضر أنَّ أحدًا من أهل العلم قال بالوجوب، فإِن وُجد فهو بمعنى الوجوب، وإن لم يقُل به أحد من العلماء فلا نتجرّأ على القول بما لم يقولوا». وقد ثبت عن النّبيّ - ﷺ - أدعية عديدة في هذا الموطن، فيحسن بالمصلى أن يقرأ تارةً بهذا وتارة بهذا، وإليك هذه الصيّغ (٢). ١ - اللهمّ باعِدْ بيني وبين خطاياي؛ كما باعدْتَ بين المشرق والمغرب، اللهم نقِّني من خطاياي كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنس (٣)، اللهم اغسِلني ---------------- (١) انظر «صحيح البخاري» (٧٣٨، ٧٣٩)، و«سنن أبي داود»، و«صفة الصلاة» (٨٧) وانظر -إِن شئت- «تمام المنّة» (١٧٣) للمزيد من الفائدة. (٢) نقلْتُها وتخريجاتها من كتاب «صفة الصلاة» (٩١ - ٩٥) بتصرُّف. (٣) الدنس: الوسخ، انظر «النهاية». من خطاياي بالماء والثلج والبَرد»، وكان يقوله في الفرض (١). ٢ - وجَّهتُ وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا (٢) [مسلمًا] وما أنا من المشركين، إِنَّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين، لا شريك له وبذلك أُمِرت وأنا أوّل المسلمين (٣)، اللهّم أنت الملِك، لا إِله إلاَّ أنت، [سبحانك وبحمدك]، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمْتُ نفسي، واعترفْتُ بذنبي، فاغفر لي ذنبي جميعًا؛ إنَّه لا يغفر الذنوب إلاَّ أنت، واهدني لأحسن الأخلاق؛ لا يهدي لأحسنها إلاَّ أنت، واصرف عنّي سيئها؛ لا يصرف عنّي سيئها إلاَّ أنت، لبّيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إِليك (٤) [والمهدي من هديت]، أنا بك وإليك. [لا منجا ولا ملجأ منك إلاَّ إِليك]، ------------------- (١) أخرجه البخاري: ٧٤٤، ومسلم: ٥٩٨ (٢) الحنيف: هو المائل إِلى الإِسلام، الثابت عليه، والحنيف عند العرب: من كان على دين إِبراهيم عليه السلام، وأصل الحَنَف: الميل، «النهاية». (٣) قال شيخنا في التعليق: «هكذا في أكثر الروايات، وفي بعضها:»وأنا من المسلمين«، والظاهر أنه من تصرُّف بعض الرواة، وقد جاء ما يدّل على ذلك، فعلى المصلّي أن يقول:»وأنا أوّل المسلمين«، ولا حرج عليه في ذلك؛ خلافًا لما يزعم البعض، توهُّمًا منه أن المعنى:»إِنّي أوّل شخص اتصف بذلك، بعد أن كان الناس بمعزل عنه«، وليس كذلك، بل معناه: بيان المسارعة في الامتثال لما أُمر به، ونظيره ﴿قُلْ إِنْ كان للرحمن ولدٌ فأنا أولُ العابدين﴾، وقال موسى - ﷺ -: ﴿وأنا أولُ المؤمنين﴾. (٤) قال شيخنا في التعليق:»أي لا ينسب الشر إِلى الله تعالى، لأنه ليس في فِعْله تعالى شر، بل أفعاله عز وجل كلها خير؛ لأنها دائرة بين العدل والفضل والحكمة، وهو كلّه خير لا شر فيه، والشر إِنما صار شرًّا لانقطاع نسبته وإضافته إِليه تعالى«. ثمَّ ذكَر كلامًا مفيدًا لابن القيم -رحمه الله تعالى-». تباركتَ (١) وتعاليتَ، أستغفرك وأتوب إِليك». وكان يقوله في الفرض والنفل (٢). ٣ - «سبحانك، اللهمّ وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جَدُّك، ولا إِله غيرك» (٣). ٤ - «الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بُكرة (٤) وأصيلًا» (٥). استفتح به رجل من الصحابة فقال - ﷺ -: «عجبْتُ لها! فُتِحت لها أبواب السماء» (٦). ٥ - «الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه»؛ استفتح به رجل آخر، فقال - ﷺ -: «لقد رأيت اثني عَشَر مَلَكًا يبتدرونها (٧) أيهم يرفعها» (٨). ٦ - «اللهمّ لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد، أنت قيِّمُ السماوات والأرض ومن فيهنّ، [ولك الحمد، أنت مَلِك ------------------------ (١) أصله البركة، تطلق على الدوام والثبوت وقيل للزيادة والكثرة. (٢) أخرجه مسلم: ٧٧١، وأبو عوانة، وأبو داود، وغيرهم. (٣) أخرجه أبو داود، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. (٤) البُكرة: أول النهار إِلى طلوع الشمس.»الوسيط«. وفي»المحيط«:»البُكرة: الغُدوة، وهي البكرة، أو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس«. (٥) الأصيل: الوقت بعد العصر إِلى المغرب.»مختار الصحاح«. وفي»الوسيط«:»الأصيل: الوقت حين تصفَر الشمس لمغربها«. (٦) أخرجه مسلم: ٦٠١، وغيره. (٧) يعجلون ويستبقون. انظر»المحيط". (٨) أخرجه مسلم: ٦٠٠، وأبو عوانة. السماوات والأرض ومن فيهنّ]، ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك حقّ، وقولك حقّ، ولقاؤك حقّ، والجنّة حقّ، والنار حقّ، والساعة حقّ، والنبيّون حقّ، ومحمّد حقّ، اللهمّ لك أسلمتُ، وعليك توكّلتُ، وبك آمنْتُ، وإِليك أنَبْتُ، وبك خاصمْتُ، وإليك حاكمْتُ، [أنت ربنا وإِليك المصير، فاغفِر لي ما قدَّمْت، وما أخّرتُ، وما أسررت وما أعلنْت]، [وما أنت أعلم به مني]، أنت المقدِّم وأنت المؤخر، [أنت إِلهي]، لا إله إلاَّ أنت، [ولا حول ولا قوة إِلا بك] «(١). وكان يقول - ﷺ - في صلاة الليل كالأنواع الآتية (٢): ٧ -»اللهمّ ربّ جبرائيل وميكائيل وإِسرافيل فاطر السماوات والأرض! عالم الغيب والشهادة! أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلف فيه من الحقّ بإِذنك، إِنك تهدي من تشاء إِلى صراط مستقيم (٣) «(٤). ٨ - كان يكبر عشرًا، ويحمد عشرًا، ويسبح عشرًا، ويُهلّل عشرًا، ويستغفر عشرًا، ويقول:»اللهمّ اغفر لي واهدني وارزقني [وعافني] «عشرًا، --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٧٤٩٩، ومسلم: ٧٦٩، وغيرهما. (٢) قال شيخنا في التعليق على»الصفة«:»ولا ينفي ذلك مشروعيتها في الفرائض أيضًا كما لا يخفى؛ إلاَّ الإِمام كي لا يطيل على المؤتمّين«. وقال -شفاه الله وعافاه- في»تمام المنّة«(ص ١٧٥): في مثل هذا:»وإذا كان ذلك مشروعًا في الفريضة؛ ففي النافلة من باب أولى كما لا يخفى على أولي النهى". (٣) هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، ونقَل الإِمام ابن جرير إِجماع الأمّة على ذلك. (٤) أخرجه مسلم: ٧٧٠، وأبو عوانة. ويقول: «اللهمّ إِني أعوذ بك من الضيق يوم الحساب» عشرًا (١). ٩ - «الله أكبر [ثلاثًا] (ذو الملكوت والجبروت (٢» والكبرياء والعظمة (٣)» (٤). ٦ - الاستعاذة: لقول الله: ﴿فإِذا قرأْتَ القرآنَ فاستعِذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ (٥). قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (مسألة ٣٦٣): «وفرض على كلّ مصلّ أن يقول إِذا قرأ:»أعوذ بالله من الشيطان الرجيم«. لا بُدّ له في كلّ ركعةٍ من ذلك؛ لقول الله تعالى: ﴿فإِذا قرأْتَ القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ .....». وقال رادًّا على من لا يقول بفرضيته: «ومن الخطأ أن يأمر الله تعالى بأمر؛ ثمَّ يقول قائل بغير برهانٍ من قرآن ولا سنّة: هذا الأمر ليس فرضًا، لا سيّما أمرُهُ تعالى بالدعاء في أن يعيذنا من كيد الشيطان؛ فهذا أمْر متيقّن أنَّه فرض؛ لأنَّ اجتناب الشيطان والفرار منه، وطلَب النجاة منه؛ لا يختلف اثنان في أنَّه -------------------(١) أخرجه أحمد، وابن شيبة وأبو داود والطبراني في»الأوسط«بسند صحيح وآخر حسن. (٢) اسمان مبنيان مِن الملك والجبر. (٣) العظمة والملك: قيل هي عبارة عن كمال الذات وكمال الوجود ولا يُوصف به إلاَّ الله تعالى.»النهاية". (٤) أخرجه الطيالسي، وأبو داود بسند صحيح. (٥) النحل: ٩٨ https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثانى من صــ 16الى صــ 30 الحلقة (31) فرض، ثمَّ وضع الله تعالى ذلك علينا عند قراءة القرآن«. وقال:»وكان ابن سيرين يستعيذ في كلّ ركعة«. وعن ابن جريج عن عطاء قال:»الاستعاذة واجبة لِكُلِّ قراءة في الصلاة وغيرها ...«. قال ابن جريج: فقلت له: من أجل ﴿فإِذا قرأْتَ القرآن فاستعِذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ قال: نعم». وقال شيخنا في «تلخيص صفة الصلاة» (ص ١٧): «ثمَّ يستعيذ بالله تعالى وجوبًا ويأثم بتركه. قال: والسنّة أن يقول تارة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه (١) وتارة يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان ... إِلخ». وجاء في «الاختيارات» (ص ٥٠): «ويستحبّ التعوّذ أوّل كلّ قراءة». والراجح قول ابن حزم -رحمه الله- والله أعلم. الإِسرار بها (٢): ويسنّ الإِتيان بها سرًّا: قال في «المغني»: «ويُسِرُّ بالاستعاذة ولا يجهر بها، لا أعلم فيها خلافًا». انتهى. لكن الشافعي يرى التخيير بين الجهر بها والإسرار في الصلاة الجهريّة. مشروعية الاستعاذة في كلّ ركعة: يسرع الاستعاذة في كلّ ركعة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فإِذا قرأْتَ القرآنَ(١) هو الشعر المذموم، وانظر كتابي «تأمّلات قرآنية» في شرح معنى الاستعاذة. (٢) انظر «فقه السنة» (١/ ١٤٨). فاستعِذ بالله من الشيطان الرجيم﴾. واستدلّ من استدلّ من العلماء على اقتصار الفاتحة في الركعة الأولى من حديث أبي هريرة:»كان رسول الله - ﷺ - إِذا نهضَ من الركعة الثانية استفتح القراءة بـ «الحمد لله رب العالمين»، ولم يسكت (١). وذكر هذا الشيخ السيد سابق -حفظه الله تعالى- في «فقه السنّة»، وردّ عليه شيخنا -حفظه الله تعالى- في «تمام المنّة» (ص ١٧٦) قائلًا: «السّنّة المشار إِليها ليست صريحة فيما ذكَره المؤلف، لأنَّ قول أبي هريرة في حديثه المذكور في الكتاب:»ولم يسكت«، ليس صريحًا في أنَّه أراد مطلق السكوت، بل الظاهر أنَّه أراد سكوته السكتة المعهودة عنده، وهي التي فيها دعاء الاستفتاح، وهي سكتة طويلة، فهي المنفية في حديثه هذا. وأمّا سكتة التعوذ والبسملة؛ فلطيفة لا يحسُّ بها المؤتمُّ لاشتغاله بحركة النهوض للركعة، وكأنّ الإِمامَ مسلمًا -رحمه الله- أشار إِلى ما ذكَرنا مِن أن السكتة المنفية في هذا الحديث؛ هي المثبتة في حديت أبي هريرة المتقدّم، فإِنَّه ساق الحديث المشار إِليه، ثمَّ عقّبه بهذا، وكلاهما عن أبي هريرة، والسند إِليه واحد، فأحدهما متمّم للآخر، حتى لكأنَّهما حديث واحد، وحينئذ يظهر أنّ الحديث ليس على إِطلاقه، وعليه نرجّح مشروعية الاستعاذة في كلّ ركعة لعموم قوله تعالى: ﴿فإِذا قرأتَ القرآن فاسْتَعِذْ بالله﴾، وهو الأصحّ في مذهب الشافعية، ورجّحه ابن حزم في»المحلّى«، والله أعلم». ----------------- (١) أخرجه مسلم: ٥٩٩ ٧ - القيام في الفرض: قال الله تعالى: ﴿حافظوا على الصَلَوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (١)﴾ (٢). ولقوله - ﷺ - لعمران بن حُصين: «صَلِّ قائمًا» (٣). ولهذا كان - ﷺ - يقوم في صلاته في الفرض والتطوّع؛ ائتمارًا بهذه الآية الكريمة (٤). وأمّا في الخوف جازت الصلاة على أي حال: رِجالًا أو رُكبانًا: يعني مستقبلي القبلة وغير مستقبليها (٥) كما تقدّم. أما في المرض فيصلّي حسب القدرة؛ قائمًا أو قاعدًا أو على جَنب، كما في حديث عمران بن حصين -رضي الله عنه- المتقدّم قال: «كانت بي بواسيرُ فسألت النّبيّ - ﷺ - عن الصلاة فقال: صَلِّ قائمًا، فإِن لم تستطع فقاعدًا، فإِن لم تستطع فعلى جَنب» (٦). وصلّى - ﷺ - في مرضه جالسًا (٧). ---------------------- (١) أي: خاشعين ذليلين مستكينين بين يديه. (٢) البقرة: ٢٣٨ (٣) وسيأتي تخريجه في الحديث الآتي بعد سطور -إِن شاء الله تعالى-. (٤) انظر للمزيد من الفائدة كتاب «صفة الصلاة» (ص ٧٧). (٥) انظر «تفسير ابن كثير». (٦) أخرجه البخاري: ١١١٧ (٧) أخرجه الترمذي وصححه أحمد كما في «صفة الصلاة» (ص ٧٧). وسألت شيخنا -شفاه الله تعالى- عمّن يفضّل التربّع في القعود فقال: «أولًا يختار هيئة من هيئات الصلاة الواردة في السنّة، مثلًا كانت الصلاة افتراشية، لكنه قد يرى التورك أسهل فيتورّك، أو كانت الصلاة تورّكية لكنّه يستطيع الافتراش فيؤثره، وربّما لم يستطع هذا أو ذاك، فحينئذٍ يأتي بالتربّع، ولعلّ التربّع كالافتراش والتورّك، فهنا نقول له اجلس على النحو الذي يريحك». ثمَّ رأيت هذا متضَّمّنًا في صحيح البخاري (٨٢٧) فعن عبد الله بن عبد الله ابن عمر: «أنه كان يرى عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- يتربّع في الصلاة إِذا جلس، ففعلته وأنا يومئذ حديث السنّ، فنهاني عبد الله بن عمر وقال: إِنما سُنّة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى، فقلت: إِنك تفعل ذلك، فقال: إِنَّ رجليَّ لا تحملاني». وإذا كان في السفينة ونحوها وخشي الغرق، فله ألا يصلّي فيها قائمًا فقد سئُل - ﷺ - عن الصلاة في السفينة، فقال: «صلِّ فيها قائمًا؛ إلاَّ أن تخاف الغرق» (١). ويجوز الاعتماد على عمود أو نحوه للتمكّن من القيام لما ثبت أن النبيّ - ﷺ - «لما أسنَّ وكبر؛ اتَخَذَ عمودًا في مُصلاه يعتمد عليه» (٢). أمّا في صلاة الليل: فقد «كان - ﷺ - يصلّي ليلًا طويلًا قائمًا، وليلًا طويلًا ------------------- (١) أخرجه البزار والدارقطني وعبد الغنيّ المقدسي في السنن، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، كذا في»صفة الصلاة«(ص ٧٩). (٢) أخرجه أبو داود وغيره، وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا فى»الإِرواء" (٣٨٣). قاعدًا، وكان إِذا قرأ قائمًا ركعَ قائمًا، وإذا قرأ قاعدًا ركعَ قاعدًا» (١). وقد ثبت أنَّ رسول الله - ﷺ - «كان يُصلّي جالسًا فيقرأ وهو جالس، فإِذا بقي من قراءته نحْوٌ من ثلاثين أو أربعين آية، قام فقرأها وهو قائم، ثمَّ يركع، ثمَّ سجد يفعل في الركعة الثانية مِثْل ذلك» (٢). أمّا في النافلة، فقد رُخّص للمصلّي أن يُصلّي قاعدًا مع قدرته على القيام، بيْد أنَّ له نصف أجر القائم، كما في حديث عمران بن حُصين قال: «سألت النّبيّ - ﷺ - عن صلاة الرجل وهو قاعد فقال: من صلى قائمًا فهو أفضل، ومن صلّى قاعدًا فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائمًا فله نصف أجر القاعد» (٣). قال أبو عبد الله -يعني البخاري-: نائمًا عندي: مضطجعًا ها هنا (٤). أجر المريض والمسافر أجر الصحيح المقيم: عن أبي بردة قال: سمعت أبا موسى مرارًا يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا مرض العبد أو سافر، كُتب له مِثلُ ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» (٥). -------------------- (١) أخرجه مسلم: ٧٣٠ (٢) أخرجه البخاري: ١١١٩، ومسلم: ٧٣١ (٣) أخرجه البخاري: ١١١٦، ومسلم: ٧٣٥ من حديث عبد الله بن عمرو قال: حُدِّثت أن رسول الله - ﷺ - قال: «صلاة الرجل قاعدًا نصف الصلاة ...». (٤) ويؤيد اللفظ الآخر المتقدم وقد خاطب فيه رسول الله - ﷺ - كذلك عمران بن حصين -رضي الله عنه- فقال: «... فإنْ لم تستطع فعلى جنب». وفي «القاموس المحيط»: ضجَع: وضع جنبه بالأرض. (٥) أخرجه البخاري: ٢٩٩٦، وغيره وللمزيد من الفوائد الحديثية الهامّة = ٨ - قراءة الفاتحة في كلّ ركعة -وهي ركن-. لحديث عبادة بن الصامت عن النّبيّ - ﷺ - قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (١). وفي لفظ: «لا تجزئ صلاة لا يقرأ الرجل فيها بفاتحة الكتاب» (٢). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بأمّ القرآن فهي خِداج (٣) ثلاثًا غير تمام» (٤). وأمر - ﷺ -: «المسيء صلاته» أن يقرأ بها في صلاته (٥). وعن أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: «أُمِرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسَّر» (٦). وقد تقدّم حديث المسيء صلاته: وفيه «وافعل ذلك في صلاتك --------------- = انظر -إِن شئت-»الإِرواء«(٥٦٠). (١) أخرجه البخاري: ٧٥٦، ومسلم: ٣٩٤ (٢) أخرجه الدارقطني وصححه، وابن حبّان في»صحيحه«وانظر»الإرواء«(٢/ ١٠). (٣) أى: ناقصة، يُقال:»خدجت الناقة إِذا ألقت ولدها قبل أوانه«، وانظر»النهاية«. (٤) أخرجه مسلم: ٣٩٥، وغيره. (٥) أخرجه البخاري في»جزء القراءة خلف الإمام«بسند صحيح، وانظر»صفة الصلاة«(ص ٧٩). (٦) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٧٣٢)، وقوّى الحافظ إِسناده في»الفتح" (٢/ ٢٤٣). كلّها» (١). وفي رواية: «في كلّ ركعة» (٢). فضائلها: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «قال الله تعالى: قَسَمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإِذا قال العبد: الحمد لله ربِّ العالمين، قال الله تعالى: حَمِدني عبدي، وإِذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجَّدني عبدي (وقال مرّة: فوَّض إِليَّ عبدي) فإِذا قال: إِيَّاك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإِذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمتَ عليهم غيرِ المغضوب عليهم ولا الضَّالِّين، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» (٣). وكان يقول: «ما أنَزل الله عز وجل في التوراة ولا في الإِنجيل مثل أمّ القرآن، وهي السبع المثاني (٤) [والقرآن العظيم الذي أوتيته]» (٥). -------------------- (١) أخرجه البخاري: ٧٩٣، ومسلم: ٣٩٧ (٢) أخرجه أحمد بسند جيد وانظر «صفة الصلاة» (ص ١١٤). (٣) مسلم: ٣٩٥ (٤) قال الباجي: «يريد قوله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعًا من المثاني والقرآنَ العظيم﴾ [الحجر: ٨٧] وسُمّيت السبع؛ لأنها سبع آيات، والمثاني؛ لأنها تُثنّى في كل ركعة (أي: تعاد)، وإنما قيل لها: (القرآن العظيم) على معنى التخصيص لها بهذا الاسم، وإنْ كان كل شيء من القرآن قرآنًا عظيمًا، كما يقال في الكعبة:»بيت الله«، وإن كانت البيوت كلها لله، ولكن على سبيل التخصيص والتعظيم له». (٥) خرجه النسائي والحاكم، وصححه ووافقه الذهبي، وانظر «صفة الصلاة» (ص ٩٨). هل يُجهر بالبسملة؟ عن أنس -رضي الله عنه-: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - وأبا بكر وعمر -رضي الله عنهما- كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين» (١). وقدّ بوّب له البخاري بقوله: (باب ما يقول بعد التكبير) وهو ممّا يدّل على عدم التلفظ بالبسملة. وكذلك بوّب النووي له بقوله: «باب حُجّة من قال: لا يجهر بالبسملة». عن أنس أيضًا قال: «صليّت مع رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم» (٢). قال النووي في «شرح مسلم» (٤/ ١١١): «ومذهب الشافعي -رحمه الله- وطوائف من السلف والخلف أنَّ البسملة آية من الفاتحة وأنَّه يجهر بها حيث يجهر بالفاتحة». قال شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى- في «الفتاوى» (٢٢/ ٢٧٤): «وأمّا البسملة؛ فلا ريب أنَّه كان في الصحابة من يجهر بها، وفيهم من كان لا يجهر بها، بل يقرؤها سرًّا، أو لا يقرؤها والذين كانوا يجهرون بها أكثرهم كان يجهر بها تارة، ويُخافت بها أخرى، وهذا لأنَّ الذّكر قد تكون السنّة المخافتة به، ويجهر به لمصلحة راجحة مِثْل تعليم المأمومين، فإِنَّه قد ثبت في الصحيح»أنَّ ابن عباس قد جهر بالفاتحة على الجنازة، ليُعلّمهم أنَّها سُنّة". ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ٧٤٣، ومسلم: ٣٩٩ (٢) أخرجه مسلم: ٣٩٩ وقال (ص ٢٧٤) أيضًا:»وثبت في «الصحيح» (١) أنَّ عمر بن الخطاب كان يقول: «الله أكبر، سبحانك اللهمّ وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدّك، ولا إِله غيرك» يجهر بذلك مرّات كثيرة. واتفق العلماء على أنَّ الجهر بذلك ليس بسنّة راتبة؛ لكنْ جهر به للتعليم، ولذلك نقل عن بعض الصحابة أنَّه كان يجهر أحيانًا بالتعوذ، فإِذا كان من الصحابة من جهَر بالاستفتاح والاستعاذة مع إِقرار الصحابة له على ذلك؛ فالجهر بالبسملة أولى أن يكون كذلك، وأن يشرع الجهر بها أحيانًا لمصلحة راجحة. لكنْ لا نزاع بين أهل العلم بالحديث: أنَّ النّبيّ - ﷺ - لم يجهر بالاستفتاح. ولا بالاستعاذة، بل قد ثبت في الصحيح أنَّ أبا هريرة قال له: يا رسول الله! أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول؟ قال: «أقول: اللهم باعِدْ بيني وبين خطاياي، كما باعَدْتَ بين المشرق والمغرب، اللهم نقِّني من خطاياي كما يُنقّى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياى بالثلج والماء والبرَد». وفي «السنن» عنه أنَّه كان يستعيذ في الصلاة قبل القراءة، والجهر بالبسملة أقوى من الجهر بالاستعاذة، لأنَّها آية من كتاب الله تعالى، وقد تنازع العلماء في وجوبها، وإِن كانوا قد تنازعوا في وجوب الاستفتاح والاستعاذة، وفي ذلك قولان في مذهب أحمد وغيره، لكن النزاع في ذلك أضعف من النزاع في وجوب البسملة. -------------------- (١) أخرجه مسلم: ٣٩٩، وانظر «شرح النووي» (٤/ ١١٢) فإِن فيه فوائد حديثية هامّة. والقائلون بوجوبها من العلماء أفضل وأكثر، لكن لم يثبت عن النّبي - ﷺ - أنَّه كان يجهر بها، وليس في «الصحاح» ولا في «السنن» حديث صحيح صريح بالجهر، والأحاديث الصريحة بالجهر كلّها ضعيفة؛ بل موضوعة؛ ولهذا لمّا صنّف الدارقطني مصنَّفًا في ذلك، قيل له: هل في ذلك شيء صحيح؟ فقال: أمّا عن النبيّ - ﷺ - فلا، وأمّا عن الصحابة فمنه صحيح، ومنه ضعيف. ولو كان النّبيّ يجهر بها دائمًا، لكان الصحابة ينقُلون ذلك، ولكان الخلفاء يعلمون ذلك، ولما كان الناس يحتاجون أن يسألوا أنس بن مالك بعد انقضاء عصر الخلفاء، ولما كان الخلفاء الراشدون ثمَّ خلفاء بني أميّة وبني العبّاس كلهم متفقين على ترك الجهر، ولما كان أهل المدينة -وهم أعلم أهل المدائن بسنّته- يُنكرون قراءتها بالكلية سرًّا وجهرًا، والأحاديث الصحيحة تدل على أنّها آية من كتاب الله، وليست من الفاتحة، ولا غيرها«. قال ابن القيّم -رحمه الله-:»وكان يجهر بـ «بسم الله الرحمن الرحيم» تارة، ويُخفيها أكثر مما يجهر بها، ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائمًا في كل يوم وليلة خمس مرات أبدًا، حضَرًا وسفَرًا، ويخفي ذلك على خلفائه الرَّاشدين، وعلى جمهور أصحابه، وأهل بلده في الأعصار الفاضلة، هذا من أمحل المحال حتى يحتاج إِلى التشبُّث فيه بألفاظ مجملة، وأحاديث واهية، فصحيح تلك الأحاديث غير صريح، وصريحُها غير صحيح، وهذا موضع يستدعي مجلّدًا ضخمًا«(١). قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في»تمام المنّة«(١٦٩):»والحقّ أنَّه ليس ------------------ (١) «زاد المعاد» (١/ ٢٠٦)، تحقيق وتخريج وتعليق شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط. جاء في التعليق (ص ٢٠٦) على الكتاب المذكور "الثابت عنه - ﷺ - عدم = في الجهر بالبسملة حديث صريح صحيح؛ بل صحّ عنه - ﷺ - الإسرار بها من حديث أنس، وقد وَقَفْتُ له على عشرة طرُق ذكَرْتها في تخريج كتابي «صفة صلاة النّبيّ - ﷺ -» أكثرها صحيحة الأسانيد، وفي بعض ألفاظها التصريح بأنَّه - ﷺ - لم يكن يجهر بها، وسندها صحيح على شرط مسلم، وهو مذهب جمهور الفقهاء، وأكثر أصحاب الحديث. وهو الحقّ الذي لا ريب فيه«. هل البسملة آية من الفاتحة؟ قد اختُلف في ذلك، والراجح أنَّ النّبي - ﷺ - قد عدّها آية، كما في ----------------------- = الجهر بها، فقد روى البخاري: (٢/ ١٨٨) في»صفة الصلاة«: باب ما يقول بعد التكبير عن أنس أنّ النّبيّ - ﷺ - وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين، وأخرجه الترمذي (٢٤٦) وعنده:»القراءة«بدل»الصلاة«، وزاد:»عثمان«وأخرجه مسلم (٣٩٩) في الصلاة: باب حُجّة من قال لا يجهر بالبسملة بلفظ:»صليتُ مع رسول الله وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ورواه أحمد (٣/ ٢٦٤) والطحاوي (١/ ١١٩)، والدارقطني (١١٩)، وقالوا فيه: فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم. ورواه ابن حبان في «صحيحه» وزاد: ويجهرون بالحمد لله رب العالمين، وفي لفظ للنسائي (٢/ ١٣٥) وابن حبان: فلم أسمع أحداَ منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وفي لفظ لأبي يعلى الموصلي في «مسنده»: فكانوا يستفتحون القراءة فيما يجهر به بالحمد لله رب العالمين، وفي لفظ للطبراني في «معجمه» وأبي نعيم في «الحلية» وابن خزيمة في «صحيحه» (٤٩٨) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ١١٩): وكانوا يُسرون ببسم الله الرحمن الرحيم. قال الزيلعي في «نصب الراية» (١/ ٣٢٧): ورجال هذه الروايات كلهم ثقات مخرّج لهم في الصحيح جمع". الحديث الآتي: عن أم سلمة ذكَرت أو كلمة غيرها، قراءة رسول الله - ﷺ -: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الحمد لله رب العالمين* الرحمن الرحيم* مالك يوم الدين﴾ يقطع قراءته آية آية» (١). من لا يستطيع حِفظ الفاتحة: من لم يستِطع أن يأخذ شيئًا من القرآن، فليقل: «سبحان الله والحمد لله ولا إِله إلاَّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله»؛ لحديث عبد الله بن أبي أوفى قال: «جاء رجل إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: إِنِّي لا أستطيع أن آخذ شيئًا من القرآن فعلِّمني ما يجزئني فقال: قُل: سبحان الله والحمد لله ولا إِله إلاَّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله» (٢). ولحديث رِفاعة بن رافع «أنَّ النّبيّ - ﷺ - علّم رجلًا الصلاة، فقال:»إِنْ كان معك قرآن فاقرأ، وإلاّ فاحمده وكبِّره وهلِّله، ثمَّ اركع«(٣). ولكن لا بدّ من تعلّم الفاتحة وبذْل الجهد في ذلك، فإِن عَجز عن ذلك فلا يُكلَّف إلاَّ وُسْعه. والله تعالى أعلم. ------------------------ (١) أخرجه أبو داود وعنه البيهقي والترمذي وغيرهم وهو حديث صحيح خرجه شيخنا في»الإِرواء«(٣٤٣). (٢) أخرجه أبو داود وغيره وصححه جمْع من العلماء وحسن شيخنا إسناده كما في»الإِرواء«(٣٠٣). (٣) أخرجه أبو داود وغيره، وانظر»تمام المنّة" (١٦٩). هل تُقرأ الفاتحة خلف الإِمام؟ الأصل أنَّ الصلاة لا تصِحّ إلاَّ بقراءة سورة الفاتحة؛ في كل ركعة من ركعات الفرض والنفل، إلاَّ أنّ المأموم تسقط عنه القراءة، ويجب عليه الاستماع والإِنصات في الصلاة الجهرية؛ لقول الله تعالى: ﴿وإِذا قُرئ القرآن فاستمِعوا له وأنصِتوا لعلكم تُرحَمون﴾ (١). ولقول رسول الله - ﷺ -: «إِذا كبّر الإمام فكبِّروا وإذا قرأ فانصِتوا» (٢) وعلى هذا يُحمَل حديث: «من كان له إِمام فقراءة الإِمام له قراءة» (٣)، أي: إِنّ قراءة الإِمام له قراءة في الصلاة الجهرية، وأمّا الصلاة السرية فالقراءة فيها على المأموم، وكذا تجب عليه القراءة في الصلاة الجهرية، إِذا تمكَّن من الاستماع للإِمام (٤). وجاء في «صفة الصلاة» (ص ٩٨): «وكان قد أجاز للمُؤتمين أن يقرؤوا بها وراء الإِمام في الصلاة الجهرية، حيث كان»في صلاة الفجر، فقرأ فثقُلت عليه القراءة، فلمّا فَرغَ قال: «لعلكم تقرؤون خلف إِمامكم» قلنا: نعم هذًّا (٥) يا رسول الله! قال: (لا تفعلوا؛ إِلاَّ [أن يقرأ أحدكم] بفاتحة الكتاب، فإِنَه لا ------------------------- (١) الأعراف: ٢٠٤ (٢) أخرجه مسلم: ٤٠٤ (٣) سيأتي تخريجه -إِن شاء الله-. (٤) عن «فقه السنة» (١/ ١٥٩) بتصرف يسير. (٥) الهذُّ: سرعة القراءة ومداركتها في سرعة واستعجال. صلاة لمن لم يقرأ بها) «(١). ثمَّ نهاهم عن القراءة كلِّها في الجهرية، وذلك حينما»انصرفَ من صلاةٍ جهر فيها بالقراءة (وفي رواية: أنَّها صلاة الصبح)، فقال: «هل قرأ معي منكم أحد آنفًا؟!»، فقال رجل: نعم؛ أنا يا رسول الله! فقال: إِنّي أقول: «ما لي أُنازَع (٢)؟!. [قال أبو هريرة:] فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله - ﷺفيما جَهَر فيه رسول الله - ﷺ - بالقراءة- حين سَمِعوا ذلك من رسول الله - ﷺ -، [وقرؤوا في أنفسهم سِرًّا فيما لا يَجْهَرُ فيه الإِمام]» (٣). وجعَل الإِنصات لقراءة الإِمام من تمام الائتمام به فقال: «إِنّما جُعِل الإِمام ليُؤتمَّ به، فإِذا كبَّر فكبِّروا» (٤) وفي رواية: «وإذا قَرَأ فأنصِتوا» (٥)«. كما جعل الاستماع له مُغْنيًا عن القراءة وراءه فقال:»من كان له إِمام فقراءة الإمام له قراءة«(٦)، هذا في ------------------- (١) أخرجه البخاري: ٧٥٦ في»جزئه«، وأبو داود، وأحمد، وحسًنه الترمذي والدارقطنيّ. (٢) مالي أنازَع القرانظ أي: أُجاذَب في قراءته، كأنهم جَهَروا بالقراءة خلفه فشغلوه. (٣) أخرجه مالك والحميدي والبخاري في»جزئه«وأبو داود وأحمد والمحاملي، وحسّنه الترمذي، وصححه أبو حاتم الرازي وابن حبان وابن القيّم. (٤) أخرجه البخاري: ٣٧٨، ومسلم: ٤١١ (٥) أخرجه مسلم: ٤٠٤ (٦) أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجه والدارقطني والطحاوي، وفصّل شيخنا فيه، وتتبّع طرقه وحسنه في»الإِرواء" (٥٠٠). الجهرية. انتهى. قلت: «وكأنّ المأموم حين يقرأ الفاتحة في الجهرية يقول: الإمام لا يقرأ لي، ولكنّه يقرأ لنفسه وكأنّه ليس في صلاة جماعة، ويتشوش بقراءة الإِمام فيرفع صوته فيشوّش على من يليه». أو يقول: «لا يجزئني إلاَّ أن أستمع للإمام وأقرأ»، فأين هو من قوله تعالى: ﴿وإِذا قُرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾. ثمَّ ماذا يفعل الإمام حين ينتظر المأمومين أيقرأ الفاتحة سرًّا أم يسكت؟ والصلاة كلها ذكر، وما الدليل على هذا وذاك؟ أمّا من الناحية العملية، فلم أرَ إِمامًا يترك مجالًا لقراءة المأموم ولكنّه يحيّره ويُربكه فإِذا قرأ المأموم زهاء آيتين بدأ الإمام يقرأ ما تيسّر من كتاب الله تعالى، فلا هو تركه يقرأ الفاتحة حتى يستكملها، ولا هو تركه يُنصت لقراءته. أمّا إِذا كنتَ إمامًا فلا تنتظر لقراءة المأمومين. وأمّا إِذا كنتَ مأمومًا فأنصِت حين يقرأ إِمامك، واقرأ حين يُنصت، وهذا من أجك متابعة الائتمام به، والكلام في هذا طويل أكتفي بما ذَكرتُ، ولشيخ الإِسلام مبحث طيّب في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٠٩ - ٣٣٠) فارجع إليه -إِن شئت-، وانظر كذلك «تمام المنّة» (ص ١٨٧). ٩ - التأمين جهرًا: فقد «كان - ﷺ - إِذا انتهى من قراءة الفاتحة قال:»آمين"، يجهر ويمدّ بها https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثانى من صــ 31الى صــ 45 الحلقة (32) صوته» (١). وعن أبي رافع قال: «إِنَّ أبا هريرة كان يؤذّن لمروان بن الحكَم، فاشترط أن لا يسبقه بـ (الضالّين) حتى يعلم أنَّه قد دخل الصف، فكان إِذا قال مروان: (ولا الضالّين) قال أبو هريرة:»آمين«يمدّ بها صوته، وقال: إِذا وافق تأمين أهل الأرض تأمين أهل السماء؛ غُفر لهم» (٢). وقال عطاء: «أمّن ابن الزبير ومن وراءه حتى إِنَّ للمسجد للجّة» (٣). ويجب تأمين المأموم إِذا أمَّن الإِمام لقوله - ﷺ -: «إِذا أمَّن الإِمام فأمّنوا» (٤). وبه يقول الشوكاني كما في «نيل الأوطار» (٢/ ١٨٧). وبه يقول ابن حزم في «المحلّى» (٢/ ٢٦٢)، وانظر «تمام المنة» (ص ١٧٨). موافقة الإِمام فيه: فقد كان - ﷺ - يأمر المقتدين بالتأمين بُعيد تأمين الإِمام فيقول: «إذا قال الإِمام: ﴿غيرِ المغضوب عليهم ولا الضالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، [فإِنَّ الملائكة ---------------------- (١) أخرجه البخاري في»جزء القراءة«، وأبو داود بسند صحيح كذا في»صفة الصلاة«(ص ١٠١). (٢) أخرجه البيهقي وإسناده صحيح. عن»الضعيفة«تحت الحديث (٩٥٣). (٣) رواه البخاري بصيغة الجزم (كتاب الأذان) (باب جهر الإمام بالتأمين)، وقال الحافظ في»الفتح«(٢/ ٢٦٢):»وصله عبد الرزَاق عن ابن جريج عن عطاء". (٤) أخرجه البخاري: ٧٨٥، ومسلم: ٤١٠ تقول: آمين، وإنَّ الإِمام يقول: آمين] (وفي لفظ: إِذا أمَّن الإِمام فأمِّنوا)، فمن وافق تأمينُه تأمين الملائكة (وفي لفظ آخر: إِذا قال أحدكم في الصلاة: آمين، والملائكة في السماء: آمين، فوافق أحدُهما الآخر)؛ غُفر له ما تقدّم من ذنبه» (١). معنى آمين: آمين دعاء معناه: اللهمّ استجب، وهي من أسماء الأفعال، وهي مصدر أمَّن -بالتشديد- أي: قال: آمين وهي بالمدّ والتخفيف في جميع الروايات وعن جميع القُرّاء (٢). وجوب القراءة في السريّة: قال شيخنا في «صفة الصلاة» (ص ١٠٠): «وأمّا في السريّة؛ فقد أقرَّهم على القراءة فيها، فقال جابر:»كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأُخريين بفاتحة الكتاب«(٣). وإِنّما أنكَر التشويش عليه بها، وذلك حين»صلّى الظهر بأصحابه فقال: «أيّكم قَرَأ ﴿سبِّح اسم ربِّك الأعلى﴾؟»، فقال رجل: أنا، [ولم أُرِد بها إلاَّ --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٧٨٥، ومسلم: ٤١٠، والنسائي والدارمي وانظر «صفة الصلاة»، (١٠١). (٢) وانظر «الفتح» (٢/ ٢٦٢) للمزيد من الفائدة. (٣) أخرجه ابن ماجه بسند صحيح، وهو مخرج في «الإِرواء» (٥٠٦). الخير]. فقال: (قد عرفْتُ أنّ رجلًا خاَلجَنيها)» (١). وفى حديث آخر: «كانوا يقرؤون خلف النّبيّ - ﷺ -[فيجهرون به]، فقال: (خلَطتُم عليَّ القرآن)» (٢). وقال: «إِنَّ المصلي يناجي ربّه، فلينظر بما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن» (٣). ١٠ - قراءته - ﷺ - بعد الفاتحة (٤) كان - ﷺ - يقرأ بعد الفاتحة سورة غيرها، وكان يطيلها أحيانًا، ويقصرها أحيانًا لعارض سفَر، أو سعال، أو مرض، أو بكاء صبيّ؛ كما قال أنس بن مالك -رضي الله عنه-: «جوَّز (٥) - ﷺ - ذات يوم في الفجر» (وفي حديث آخر: صلّى الصبح فقرأ بأقصر سورتين في القرآن)، فقيل: يا رسول الله! لِم جوَّزت؟ قال: «سمعْتُ بكاء صبي، فظننْتُ أنَّ أمّه معنا تصلّي، فأردت أن أُفرِغ له أمّه» (٦). --------------------- (١) أخرجه مسلم وأبو عوانة والسَّراج. و(الخلج): الجذب والنَّزع. (٢) أخرجه البخاري في «جزئه» وأحمد والسراج بسند حسن. (٣) أخرجه مالك والبخاري في «أفعال العباد» بسند صحيح. (٤) عن «صفة الصلاة» (ص ١٠٢) بحذف وتصّرف. (٥) أي: خفّف. (٦) أخرجه أحمد بسند صحيح. وكان يقول: «إِني لأدخلُ في الصلاة وأنا أريد إِطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فاتجوَّز في صلاتي ممّا أعلم من شدة وجْد أمّه (١) من بكائه» (٢). ويقول: «أعطوا كلّ سورة حظَّها من الركوع والسجود» (٣). وكان تارة يقسمها في ركعتين (٤). وكان أحيانًا يجمع في الركعة الواحدة بين السورتين أو أكثر. قال شيخنا في «تلخيص صفة الصلاة» (ص ١٨): «ويسنّ أن يقرأ بعد الفاتحة سورة أخرى؛ حتى في صلاة الجنازة، أو بعض الآيات في الركعتين الأوليين». وقال (ص ١٩): «ويسنّ الزيادة عليها في الركعتين الأخيرتين أيضًا أحيانًا». ما كان - ﷺ - يقرؤُه في الصلوات (٥) ١ - صلاة الفجر: وأمّا ما كان يقرؤه - ﷺ - في الفجر: ----------------- (١) وجْد أمّه: أي: حُزنها. (٢) أخرجه البخاري: ٧٠٩، ومسلم: ٤٧٠ (٣) أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد، وعبد الغني المقدسي في «السنن» بسند صحيح. (٤) أخرجه أحمد، وغيره. (٥) عن «صفة الصلاة» (ص ١٠٩) بتصرّف، ورأيت أن أكتب ما يتعلّق بالفرائض للاختصار، ولمعرفة ذلك في السنن ينظر الكتاب المذكور. كان - ﷺ - يقرأ فيها بطوال (١) المفصّل (٢) (٣)، فـ «كان -أحيانًا- يقرأ: ﴿الواقعة﴾ ونحوها من السور في الركعتين» (٤). وقرأ من سورة ﴿الطور﴾ وذلك في حَجّة الوداع (٥). و«كان -أحيانًا- يقرأ: ﴿ق والقرآن المجيد﴾ ونحوها في [الركعة الأولى]» (٦). و«كان -أحيانًا- يقرأ بقصار المفصَّل كـ ﴿إِذا الشمس كُوّرت﴾ (٧). و»قرأ مرَّة: ﴿إِذا زُلزلت﴾ في الركعتين كلتيهما؛ حتى قال الراوي: فلا ---------------------- (١) هي السبع الأخير من القرآن أوله ﴿ق﴾ على الأصح. (٢) قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٢٥٩): [هو] من ﴿ق﴾ إِلى آخر القرآن على الصحيح، وسمّي مُفصّلًا لكثرة الفصل بين سُورِه بالبسملة على الصحيح، ولقول هذا الرجل قرأت المفصَّل سبب بيّنه مسلم فى أول حديثه من رواية وكيع عن الأعمش عن أبي وائل قال: جاء رجل يقال له نهيك بن سنان إِلى عبد الله فقال: يا أبا عبد الرحمن كيف تقرأ هذا الحرف (مِن ماء غير آسن) أو غير ياسن؟ فقال عبد الله: كلّ القرآن أحصيت غير هذا قال: إِنيّ لأقرأ المفصَّل فى ركعة. (٣) أخرجه النسائي وأحمد بسند صحيح. (٤) أخرجه أحمد وابن خزيمة والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي. (٥) أخرجه البخاري: ١٦١٩ (٦) أخرجه مسلم: ٤٥٧، والترمذي. (٧) في «صحيح مسلم» (٤٥٦) و«صحيح سنن أبي داود» (٧٣١) من حديث عمرو بن حُرَيث أنّه سمع النّبي - ﷺ - يقرأ في الفجر: ﴿والليل إِذا عَسْعَس﴾. [التكوير: ١٧]. أدري؛ أنسي رسول الله أم قرأ ذلك عمدًا؟ «(١). و»قرأ -مرّة- في السفر ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ و﴿قل أعوذ برب الناس﴾ «(٢). وقال لعقبة بن عامر -رضي الله عنه-:»اقرأ في صلاتك المعوذتين، [فما تعوّذ متعوِّذ بمثلِهما] «(٣). وكان أحيانًا يقرأ بأكثر من ذلك؛ فـ»كان يقرأ ستّين آية فأكثر«(٤). قال بعض رواته: لا أدري في إِحدى الركعتين أو في كلتيهما؟ و»كان يقرأ بسورة ﴿الروم﴾ (٥) وأحيانًا- بسورة ﴿يس﴾ «(٦). و»كان -أحيانًا- يؤمّهم فيها بـ ﴿الصافّات﴾ «(٧). و»كان يصلّيها يوم الجمعة بـ ﴿ألم تنزيل﴾ السجدة [في الركعة الأولى، وفي الثانية] بـ ﴿هل أتى على الإِنسان﴾ «(٨). -------------------- (١) أخرجه أبو داود والبيهقي بسند صحيح، والظاهر أنّه عليه السلام فعَل ذلك عمدًا للتشريع. (٢) أخرجه أبو داود وابن خزيمة وغيرهما وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. (٣) أخرجه أبو داود وأحمد بسند صحيح. (٤) أخرجه البخاري: ٥٤١، ومسلم: ٤٦١ (٥) أخرجه النسائي وأحمد والبزار بسند جيد. (٦) أخرجه أحمد بسند صحيح. (٧) أخرجه أحمد وأبو يعلى في»مسنديهما«والمقدسي في»المختارة". (٨) أخرجه البخاري: ٨٩١، ومسلم: ٨٨٠ و«كان يطوّل في الركعة الأولى ويقصر في الثانية» (١). ٢ - صلاة الظهر: كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في كل من الركعتين الأوليين قدْر ثلاثين آية؛ قدْر قراءة ﴿ألم تنزيل﴾ السجدة وفي الأُخرين قدْر النصف من ذلك. فعن أبي سعيد الخدري قال: «كنّا نحزر قيام رسول الله - ﷺ - في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدْر قراءة ألم تنزيل - السجدة، وحزرنا قيامه في الأخريين قدْر النصف من ذلك (٢) وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدْر قيامه في الأخريين من الظهر، وفي الأُخريين من العصر على النصف من ذلك» (٣). وأحيانًا «كان يقرأ بـ ﴿السماء والطارق﴾، و﴿السماء ذات البروج﴾، و﴿الليل إِذا يغشى﴾، ونحوها من السور» (٤). وربما «قرأ ﴿إذا السماء انشقت﴾، ونحوها» (٥). ------------------- (١) أخرجه البخاري: ٧٥٩، ومسلم: ٤٥١ (٢) قال شيخنا -حفظه الله تعالى- وفي الحديث دليل على أنَّ الزيادة على ﴿الفاتحة﴾ في الركعتين الأخيرتين سنة، وعليه جمْع من الصحابة؛ منهم أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- وهو قول الإِمام الشافعي سواءٌ كان ذلك في الظهر أو غيرها، وأخذ به علمائنا المتأخرين أبو الحسنات اللكنوي في «التعليق الممجد على الموطأ محمد» (ص ١٠٢). (٣) أخرجه مسلم: ٤٥٢ (٤) أخرجه أبو داود والترمذي وصححه وكذا ابن خزيمة. (٥) أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه». وربما اقتصر فيهما على الفاتحة، انظر «صحيح البخاري» (٧٥٩) و«صحيح مسلم» (٤٥١). ٣ - صلاة العصر: وكان يقرأ في كلّ منهما قدْر خمسَ عشرةَ آية؛ قدْر نصف ما يقرأ في كلٍّ من الركعتين الأوليين في الظهر، وكان يجعل الركعتين الأخيرتين أقصر من الأوليين قدْر نصفهما كما تقدّم في حديث أبي سعيد -رضي الله عنه-. ٤ - صلاة المغرب: و«كان - ﷺ - يقرأ فيها -أحيانًا- بقصار المفصَّل» (١). فعن مروان بن الحكم قال: «قال لي زيد بن ثابت: مالك تقرأ في المغرب بقصار، وقد سمعت النّبيّ - ﷺ - يقرأ بطولى الطوليين» (٢). و«قرأ في سفر بـ ﴿التين والزيتون﴾ في الركعة الثانية» (٣). وكان أحيانًا يقرأ بطوال المفصّل وأوساطِه، فـ «كان تارةً يقرأ بـ ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله﴾» (٤). وتارة بـ ﴿الطور﴾ " (٥). -------------------- (١) أخرجه البخاري: ٧٦٤ (٢) أخرجه البخاري: ٧٦٤، وأبو داود، والنسائي وأحمد. (٣) أخرجه الطيالسي وأحمد بسند صحيح. (٤) أخرجه ابن خزيمة والطبراني والمقدسي بسند صحيح. (٥) أخرجه البخاري: ٧٦٥، ومسلم: ٤٦٣ وتارة بـ ﴿المرسلات﴾ قرأ بها في آخر صلاة صلاها - ﷺ - (١). و»كان أحيانًا يقرأ بطولى الطوليين (٢): [﴿الأعراف﴾] [في الركعتين] «(٣). وتارة بـ ﴿الأنفال﴾ في الركعتين (٤). ٥ - صلاة العشاء: كان - ﷺ - يقرأ في الركعتين الأوليين من وسط المفصّل (٥)، فـ»كان تارة يقرأ بـ ﴿الشمس وضحاها﴾ وأشباهِها من السور«(٦). و»تارة بـ ﴿إِذا السّماءُ انشقت﴾، وكان يسجد بها«(٧). و»قرأ -مرة- في سفر بـ ﴿التين والزيتون﴾ [في الركعة الأولى] «(٨). ------------------ (١) أخرجه البخاري: ٧٦٣، ومسلم: ٤٦٢ (٢) أي: بأطول السورتين الطويلتين، و»طولى«: تأنيث»أطول«، و»الطوليين«: تأنيث طولى، وهما ﴿الأعراف﴾ اتفاقًا، و﴿الأنعام﴾ على الأرجح؛ كما في»فتح الباري«. (٣) أخرجه البخاري: ٧٦٤، وأبو داود وابن خزيمة وأحمد والسرَّاج والمخلص. (٤) أخرجه الطبراني في»الكبير" بسند صحيح. (٥) أخرجه النسائي وأحمد بسند صحيح. (٦) أخرجه أحمد والترمذي وحسنه. (٧) أخرجه البخاري: ٧٦٦، ومسلم: ٥٧٨ (٨) أخرجه البخاري: ٧٦٧، ومسلم: ٤٦٤، والنسائي. جمْعه - ﷺ - بين النظائر (١) وغيرها في الركعة (٢) كان رسول الله - ﷺ - يقرن بين النظائر (٣) من المُفَصَّل، فكان يقرأ سورة: ﴿الرحمن﴾ و﴿النجم﴾ في ركعة، و﴿اقتربت﴾ و﴿الحاقّة﴾ في ركعة، و﴿الطور﴾ و﴿الذريات﴾ في ركعة، و﴿إِذا وقعت﴾ و﴿ن﴾ في ركعة، و﴿سأل سائل﴾ و﴿النازعات﴾ في ركعة، و﴿ويل للمطفّفين﴾ و﴿عبس﴾ في ركعة، و﴿المدثّر﴾ و﴿المزمّل﴾ في ركعة، و﴿هل أتى﴾ و﴿لا أُقسِم بيوم القيامة﴾ في ركعة، و﴿عمّ يتساءلون﴾ و﴿المرسلات﴾ في ركعة و﴿الدخان﴾ و﴿إِذا الشمس كُوِّرت﴾ في ركعة» (٤). صفة قراءة النّبيّ - ﷺ - كان - ﷺ - يقرأ القرآن آية آية كما تدّل عليه النصوص. جاء في «صفة الصلاة» (ص ٩٦): «ثمَّ يقرأ الفاتحة ويُقطّعها آية آية: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، [ثمَّ يقف، ثمَّ يقول:] ﴿الحمد لله ربِّ العالمين﴾، [ثمَّ يقف، ثمَّ يقول:] ﴿الرحمن الرحيم﴾، [ثمَّ يقف: ثمَّ ------------------- (١) وقد دلّتنا هذه القراءة على أن النّبيّ - ﷺ - لم يراع في الجمع بين كثير من هذه النظائر ترتيب المصحف فدّل على جواز ذلك وإن كان الأفضل مراعاة الترتيب. (٢) عن»صفة الصلاة«(ص ١٠٤) بتصرّف. (٣) أي السور المتماثلة في المعاني؛ كالموعظة أو الحِكَم أو القَصَص. (٤) انظر»صحيح البخاري«(٤٩٩٦)، و»صحيح مسلم" (٧٢٢). يقول:] ﴿مالك يوم الدين﴾، وهكذا إِلى آخر السورة، وكذلك كانت قراءته كلُّها، يقف على رؤوس الآي ولا يَصِلُها بما بعدها» (١). وكان - ﷺ - يمدّ القراءة. فعن قتادة قال: «سألتُ أنسَ بن مالك عن قراءة النّبيّ - ﷺ - فقال: كان يمدُّ مدًّا» (٢). قال الحافظ في «الفتح» (٩/ ٩١): «المدّ عند القراءة على ضربين: أصلي وهو إِشباع الحرف الذي بعده ألف أو واو أو ياء، وغير أصلي وهو ما إِذا أعقب الحرف الذي هذه صفته همزة، وهو متصلّ ومنفصل، فالمتصل: ما كان من نفس الكلمة، والمنفصل: ما كان بكلمة أخرى، فالأوّل: يؤتى فيه بالألف والواو والياء، ممكنات من غير زيادة، والثاني: يزداد في تمكين الألف والواو والياء زيادة المدّ الذي يمكن النطق بها إلاَّ به من غير إِسراف، والمذهب الأعدل أنَّه يمد كل حرف منها ضعفي ما كان يمدّه أولا، وقد يُزاد على ذلك قليلًا، وما فرط فهو غير محمود». ترتيل القراءة وتحسين الصوت بها (٣) كان رسول الله - ﷺكما أمَره الله تعالى- يُرتّل القرآن ترتيلًا، لا هذًّا (٤) ---------------- (١) أخرجه أبو داود وغيره وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وهو مخرج في «الإِرواء» (٣٤٣). (٢) أخرجه البخاري: ٥٠٤٦ (٣) عن «صفة الصلاة» (١٢٤) بتصرّف. (٤) الهذّ: سرعة القطع والقراءة. «المحيط». وقال الحافظ (٢/ ٢٥٩): = ولا عجلة؛ بل قراءة «مفسرة (١) حرفًا (٢) حرفًا» (٣). حتى «كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطولَ منها» (٤). وكان يقول: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتقِ ورتّل كما كنت ترتّل في الدنيا، فإِنّ منزلك عند آخر آية تقرؤها» (٥). و«كان يمدّ قراءته (عند حروف المد)، فيمدّ ﴿بسم الله﴾، ويمدّ ﴿الرحمن﴾، ويمدّ ﴿الرحيم﴾» (٦)، و﴿نضيد﴾ (٧) وأمثالها. --------------------- = «أي سردًا وإفراطًا في السرعة»، والسّرد«: المتابعة والاستعجال.»النهاية«ملتقطًا. (١) مُفسَّرة: من الفسر، وهو الإبانة والبيان وكشف الغطاء، وجاء في»تحفة الأحوذي«(٨/ ٢٤١): حرفًا حرفًا: أي: كان يقرأ بحيث يمكن عدّ حروف ما يقرأ والمراد: حسن الترتيل والتلاوة على نعت التجويد. قال الطيبي: يحتمل وجهين الأول: أن تقول: كانت قراءته كيت وكيت، والثاني: أن تُقرَأ مرتلة كقراءة النبيّ - ﷺ -. قال ابن عباس: لأن أقرأ سورة أرتّلها أحب إليّ من أن أقرأ القرآن كله بغير ترتيل. (٢) قال في»النهاية«: الحرف في الأصل: الطرف والجانب، وبه سمّي الحرف من حروف الهجاء. (٣) أخرجه ابن المبارك في»الزهد«وأبو داود وأحمد بسند صحيح. (٤) أخرجه مسلم: ٧٣٣ (٥) أخرجه أبو داود والترمذي وصححه. (٦) انظر»صحيح البخاري«(٥٠٤٦). (٧) أخرجه البخاري في»أفعال العباد" بسند صحيح. وكان يقف عى رؤوس الآي (١) و»كان -أحيانًا- يُرَجِّع (٢) صوته؛ كما فعل يوم فتح مكة وهو على ناقته يقرأ سورة ﴿الفتح﴾، وقد حكى عبد الله ابن المُغَفَّل ترجيعه هكذا (آآ آ) (٣) وكان يأمر بتحسين الصوت بالقرآن فيقول: «زيِّنوا القرآن بأصواتكم؛ [فِإن الصوت الحسَن يزيد القرآن حُسنًا]» (٤). ويقول: «إِنّ من أحسن الناس صوتًا بالقرآن؛ الذي إِذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله» (٥). ---------------------- (١) وتقدّم في صفة قراءته - ﷺ -. (٢) جاء في «النهاية»: «الترجيع: ترديد القراءة، ومنه ترجيع الأذان، وقيل: هو تقارُب ضروب الحركات في الصوت ...». قال الحافظ: «هو تقارُب ضروب الحركات في القراءة، وأصْله: الترديد، وترجيع الصوت: ترديده بالحلق». وقال المناوي: «وذلك ينشأ غالبًا عن أريحية وانبساط، والمصطفى - ﷺ - حصل له من ذلك حظ وافر يوم الفتح». قال ابن الأثير في «النهاية» -بحذف-: لأنه كان راكبًا فجعَلت الناقة تحرّكه، فحدَث الترجيع في صوته«. وقال بعض العلماء الترجيع: تحسين التلاوة، لا ترجيع الغناء. (٣) قال الحافظ في شرح قوله (آآ آ):»بهمزة مفتوحة بعدها ألف ساكنة ثمَّ همزة أخرى«[آءآءآء] وكذا في»النهاية«، ونقل الشيخ علي القاري مثله عن غير الحافظ، ثمَّ قال:»والأظهر أنها ثلاث ألفات ممدودات«. (٤) أخرجه البخاري: تعليقًا»كتاب التوحيد«(باب-٥٢) وأبو داود والدارمي والحاكم وتمام الرازي بسند ين صحيحين. وانظر»الصحيحة«(٧٧١). (٥) حديث صحيح، رواه ابن المبارك في»الزهد"، والدارمي وابن نصر والطبراني = وكان يأمر بالتغني بالقرآن فيقول: «تعلّموا كتاب الله، وتعاهدوه، واقتنوه، وتغنَّوا به (١)، فوالذي نفسي بيده؛ لهو أشد تفلّتًا (٢) من النوق والحوامل المخاض (٣) في العقل (٤)». ويقول: «ليس منّا من لم يتغنَّ بالقرآن» (٥). وقال لأبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-: لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيتَ مزمارًا (٦) من مزاميرآل داود«، [فقال أبو موسى: لو علمتُ مكانك؛ لحبّرت لك (٧) تحبيرًا (٨). ------------------------ = وأبو نعيم في»أخبار أصبهان«، والضياء في»المختارة«. وانظر»الصحيحة«(٧٧١). (١) جاء في»الفيض«:»اي: اقرأوه بتحزين وترقيق وليس المراد قراءته بالألحان والنغمات«. (٢) أي: ذَهابًا. (٣) النوق الحوامل. (٤) جمْع عِقال، وعقلت البعير: حبسْتُه وخصَّ ضرْب المَثل بها؛ لأنها إِذا انفلتت لا تكاد تُلحق.»فيض القدير«. (٥) أخرجه أبو داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. (٦) قال العلماء:»المراد بالمزمار هنا: الصوت الحسَن، وأصل الزمر: الغناء، وآل داود هو داود نفسه، وآل فلان قد يطلق على نفسه، وكان داود عليه السلام حسَن الصوت جدًا«. ذكره النووى في»شرح مسلم«. (٧) يريد:»تحسين الصوت وتحزينه«.»النهاية". (٨) أخرجه البخاري: ٥٠٤٨، ومسلم: ٧٩٣ ماذا يقول إِذا قرأ: ﴿أليس ذلك بقادرٍ على أن يحيي الموتى﴾، و﴿سبح اسم ربّك الأعلى﴾: يستحبّ له أن يقول في الأولى: سبحانك فبلى، وفي الثانية: «سبّحان ربّي الأعلى»، وذلك لما رواه ابن عباس: «أنّ النّبيّ - ﷺ - كان إِذا قرأ: ﴿سبّح اسم ربّك الأعلى﴾ قال:»سبحان ربي الأعلى«(١). ولما رواه موسى ابن أبي عائشة قال:»كان رجل يُصلّي فوق بيته وكان إِذا قرأ: ﴿أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى﴾ (٢) قال: سبحانك، فبلى، فسألوه عن ذلك فقال: سمعته من رسول الله - ﷺ - «(٣). مواضع الجهر والإِسرار بالقراءة (٤): والسُّنّة أن يجهر المصلّي في ركعتي الصبح والجمعة، والأوليين من المغرب والعشاء (٥)، والعيدين والكسوف والاستسقاء، ويُسِرّ في الظهر والعصر، وثالثة المغرب الأخريين من العشاء. وأمّا بقية النوافل، فالنهارية لا جهر فيها، والليلية يخير فيها بين الجهر والإِسرار، والأفضل التوسط، لحديث أبي قتادة -رضي الله عنه-:»أنَّ النّبيّ - ﷺ - خرج ليلة فإِذا هو بأبي بكر -رضي الله عنه- يصلّي يخفض من صوته، ------------------------ (١) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح أبي داود» (٧٨٥) وانظر «المشكاة» (٨٥٩). (٢) القيامة: ٤٠ (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٧٨٦)، وانظر «صفة الصلاة» (١٠٥). (٤) «فقه السنّة» (١/ ١٥٨) بتصرّف. (٥) انظر «الإِرواء» (٣٥٤). https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثانى من صــ 46الى صــ 60 الحلقة (33) قال: ومرّ بعمر بن الخطاب وهو يصلّي رافعًا صوته، قال: فلما اجتمعا عند النّبيّ - ﷺ - قال النّبيّ - ﷺ -: يا أبا بكر مررت بك وأنت تصلّي تخفض صوتك، قال: قد أسمعت من ناجيت يا رسول الله. وقال لعمر: مررت بك وأنت تصلّي رافعًا صوتك، قال: فقال يا رسول الله! أوقظ الوسنان (١)، وأطرد الشيطان. زاد الحسن في حديثه: فقال النّبيّ - ﷺ -:»يا أبا بكر ارفع من صوتك شيئًا، وقال لعمر: اخفض من صوتك شيئًا«(٢). ١١ - تكبيرات الانتقال: عن أبي هريرة قال: كان رسول الله - ﷺ - إِذا قام إِلى الصلاة يُكبِّر حين يقوم، ثمَّ يُكبِّر حين يركع، ثمَّ يقول: سمع الله لمن حَمِده، حين يرفع صُلبه من الرَّكعة، ثمَّ يقول وهو قائم: ربّنا لك الحمد، ثمَّ يُكبّر حين يهوي، ثمَّ يكبّر حين يرفع رأسه، ثمَّ يُكبّر حين يسجد، ثمَّ يكبّر حين يرفع رأسه، ثمَّ يفعل ذلك في الصلاة كلِّها حتى يَقضِيَها، ويكبّر حين يقوم من الثّنتينِ بعد الجلوس» (٣). وقد قال - ﷺ -: «صلّوا كما رأيتموني أصلّي» (٤). وقد أمر بذلك المسيء صلاته فقال: «إِنَّه لا تتمُّ صلاةٌ لأحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء -يعني مواضعه- ثمَّ يكبّر ويحمد الله جلّ وعزّ ---------------------- (١) أي: النعسان. (٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١١٨٠)، والحاكم وصححّه ووافقه الذهبي، وانظر»صفة الصلاة" (ص ١٠٩). (٣) أخرجه البخاري: ٧٨٩، ومسلم: ٣٩٢ (٤) أخرجه البخاري: ٦٣١، وتقدّم. ويُثني عليه، ويقرأ بما تيسّر من القرآن ثمَّ يقول: الله أكبر، ثمَّ يركع حتى تطمئنّ مفاصلُه، ثمَّ يقول: سمع الله لمن حمده، حتى يستويَ قائمًا، ثمَّ يقول: الله أكبر، ثمَّ يسجد حتى تطمئن مَفاصِلُه، ثمَّ يقول الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدًا، ثمَّ يقول: الله أكبر، ثمَّ يسجد حتى تطمئنّ مفاصله، ثمَّ يرفع رأسه فيكبرّ، فإِذا فعل ذلك فقد تمّت صلاته» (١). وبوجوب تكبيرات الانتقال يقول شيخنا -حفظه الله تعالى- ونقل ما قرّره الإِمام الشوكاني في «نيل الأوطار» (٢/ ٢٢٢ - ٢٢٤) ثمَّ في «السيل الجرار» أنّ الأصل في جميع الأمور الواردة في حديث المسيء صلاته الوجوب. وقال: وقد ذهب إِلى الوجوب الإِمام أحمد كما حكاه النووي في «المجموع» (٣/ ٣٩٧) عنه. ١٢ - الركوع وهو ركن والطمأنينة فيه -وهما ركنان-: لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربّكم وافعلوا الخير لعلّكم تفلحون﴾ (٢). قال الألوسي في «روح المعاني»: «أي: صلّوا، وعبَّر عن الصلاة بهما؛ لأنّهما أعظم أركانها وأفضلها». ولقوله - ﷺ - في حديث «المسيء صلاته»: «إِنّها لا تتمُّ صلاة أحدكم حتى يُسبغ الوضوء كما أمَره الله ... ثمَّ يكبر الله ويحمده ويمجّده، ويقرأ ما ------------------------ (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبو داود" (٧٦٣) وغيره، وتقدّم بعضه. (٢) الحج: ٧٧ تيسر من القرآن مما علّمه الله وأَذِن له فيه، ثمَّ يكبر ويركع، [ويضع يديه على ركبتيه] حتى تطمئن مفاصله وتسترخي ..» (١). وذكر بعض الفقهاء أنَّ أدنى الطمأنينة قدر تسبيحة. وأمَر به عليه الصلاة والسلام المسيء صلاته فقال: «ثمَّ اركع حتى تطمئنّ راكعًا» (٢). وكان يقول: «أتمّوا الركوع والسجود؛ فوالذي نفسي بيده، إِنّي لأراكم من بعد (٣) ظهري إِذا ما ركعتم، وإِذا ما سجدتم» (٤). و«رأى رجلًا لا يتِمّ ركوعه، وينقُر في سجوده وهو يصلّي، فقال: [لو مات هذا على حاله هذه؛ مات على غير مِلَّة محمّد؛ [ينقر صلاته كما ينقُر الغرابُ الدم]، مَثَل الذي لا يُتمّ ركوعه، وينقُر في سجوده، مَثَل الجائع الذي يأكل التمرة والتمرتين لا يُغنيان عنه شيئًا]» (٥). وكان يقول: «أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته». قالوا: يا رسول الله! وكيف يسرق من صلاته؟ قال: لا يُتمّ ركوعها وسجودها«(٦). ------------------------ (١) أخرجه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وانظر»صفة الصلاة«(ص ١٢٩). (٢) أخرجه البخاري: ٦٢٥١، ومسلم: ٣٩٧ (٣) أي: وراء؛ كما في حديث آخر. (٤) أخرجه البخاري: ٧٤٢، ومسلم: ٤٢٥ (٥) أخرجه أبو يعلى في»مسنده«، والبيهقي والطبراني وغيرهم بسند حسن، وصححه ابن خزيمة، وانظر»صفة الصلاة«(ص ١٣١). (٦) أخرجه ابن أبي شيبة والطبراني والحاكم، وصححه ووافقه الذهبي، وانظر»صفة الصلاة" (ص ١٣١). صفة الركوع: يتحقق الركوع بالانحناء؛ بحيث تصل اليدان إلى الركبتين، ولا بدّ من الطمأنينة فيه (١) لحديث المسيء صلاته المتقدّم: «ثمَّ اركع حتى تطمئن راكعًا». قال شيخنا في «تمام المنّة» (ص ١٨٩): «... يجب أن يُعلم أنَّ الاطمئنان الواجب لا يحصل إلاَّ بتحقيق ما يأتي: ١ - وضْع اليدين على الركبتين. ٢ - تفريج أصابع الكفّين. ٣ - مدّ الظهر. ٤ - التمكين للركوع والمكث فيه؛ حتى يأخذ كلّ عضو مأخذه. وهذا كلّه ثابت في روايات عديدة لحديث المسيء صلاته ...». أذكار الركوع (٢) كان رسول الله - ﷺ - يقول في هذا الركن أنواعًا من الأذكار والأدعية، تارة بهذا، وتارة بهذا: ١ - «سبحان ربي العظيم (ثلاث مرات)» (٣). --------------------- (١) «فقه السنة» (ص ١٣٧). (٢) عن «صفة الصلاة» (ص ١٣٢) بتصرّف. (٣) أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وغيرهم، وفيه ردّ على من أنكر ورود = وكان -أحيانًا- يكررها أكثر من ذلك (١). وبالَغ مرة في تكرارها في صلاة الليل؛ حتى كان ركوعه قريبًا من قيامه، وكان يقرأ فيه ثلاثَ سور من الطوال: ﴿البقرةَ﴾ و﴿النساءَ﴾ و﴿آل عمران﴾، يتخللها دعاء واستغفار. ٢ - «سبحان ربّي العظيم وبحمده (ثلاثًا)» (٢). ٣ - «سُبّوح قدّوس (٣) رب الملائكة والروح» (٤). ٤ - «سبحانك اللهمّ ربّنا وبحمدك، اللهم اغفِر لي. وكان يُكثر منه في ركوعه وسجوده؛ يتأوّل القرآن» (٥). ٥ - «اللهم لك ركعْت، وبك آمنْت، ولك أسلمْت، [أنت ربّي]، خشع --------------------- = التقييد بثلاث تسبيحات. (١) يستفاد هذا من الأحاديث المصرحة بأنه عليه الصلاة والسلام كان يُسوّي بين قيامه وركوعه وسجوده. (٢) قال شيخنا في»صفة الصلاة«(ص ١٣٣): صحيح رواه أبو داود، والدارقطنيّ، وأحمد، والطبراني والبيهقى. (٣) سبُوح قدُّوس: على وزن فُعّول من أبنية المبالغة، والمراد بهما التنزيه، وسُبّوح: من التسبيح، وهو التنزيه والتقديس والتبرئة من النقائص. وقدُّوس: هو الطاهر المنزّه عن العيوب.»النهاية«ملتقطًا بتصرف. (٤) أخرجه مسلم: ٤٨٧، وأبو عوانة. (٥) أخرجه البخاري: ٨١٧، ومسلم: ٤٨٤، ومعنى قوله:»يتأول القرآن": يعمل بما، أمر فيه؛ أي: في قول الله عز وجل: ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره إِنّه كان توَّابًا﴾. لك سمعي وبصري، ومخّي وعظمي (وفي رواية: وعظامي) وعصبي، [وما استقلّت (١) به قدمي لله ربّ العالمين]» (٢). ٦ - «اللهمّ لك ركعْت، وبك آمنْت، ولك أسلمْت، وعليك توكلّت، أنت ربي، خشَع سمعي وبصري ودمي ولحمي وعظمي وعصبي لله ربّ العالمين» (٣). ٧ - «سبحان ذي الجبروت والملكوت (٤) والكبرياء والعَظمة»، وهذا قاله في صلاة الليل (٥). النهي عن قراءة القرآن في الرّكوع نهى النّبيّ - ﷺ - عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، فعن ابن عباس - رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: "... ألا وإنِّي نُهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأمّا الركوع فعظّموا فيه الربّ عز وجل، وأمّا السجود ------------------ (١) أى: ما حمَلَتْه، من الاستقلال: بمعنى الارتفاع. (٢) أخرجه مسلم: ٧٧١، وأبو عوانة، والطحاوى والدارقطني. (٣) أخرجه النسائي بسند صحيح. (٤) الجبروت: اسم مبنيّ من الجبر، وهو قَهْر العباد على ما أراد من أمر ونهي. الملكوت: اسم مبني من المُلك، والمراد: صاحب القهر والتصرف البالغ كل منهما غايته. (٥) أخرجه أبو داود، والنسائي بسند صحيح. فاجتهدوا في الدعاء فقمِنٌ (١) أن يُستجاب لكم» (٢). ١٣ - الاعتدال من الركوع وهو ركن، والطمأنينه فيه (٣) -وهما رُكنان-: لأمر النّبيّ - ﷺ - المسيء صلاته بقوله: «لا تتم صلاةٌ لأحدٍ من الناس حتى ... ثمَّ يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائمًا» (٤). وفي لفظ: «ثمَّ ارفع حتى تعتدل قائمًا» (٥). وفي حديث أبي حميد الساعدي: «فإِذا رفَع رأسه استوى قائمًا حتى يعود كلّ فقار مكانه» (٦). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا ينظر الله إِلى صلاة عبدٍ لا يُقيم صلبه بين ركوعها وسجودها» (٧). ----------------- (١) أي: حقيق وجدير. (٢) أخرجه مسلم: ٤٧٩ (٣) عن «صفة الصلاة» (ص ١٣٥) بتصرّف. (٤) أخرجه أبو داود والحاكم وصححّه ووافقه الذهبي. (٥) أخرجه البخاري: ٧٩٣ (٦) أخرجه البخاري: ٨٢٨، «مختصر البخاري»: ٤٤٨. وجاء مُعلقًا في البخاري أيضًا: (١/ ٢٠٢). والفَقار: هي العظام التي يُقال لها خرز الظهر، قاله القزاز وقال ابن سيده: هي من الكاهل إِلى العَجْب، «الفتح» (٢/ ٣٠٨) والكاهل مِن الإِنسان: ما بين كتفيه أو مَوصل العُنق في الصُّلب. والعجْب: أصل الذنب ومؤخر كل شيء. «المحيط». (٧) أخرجه أحمد بإِسناد جيد، والطبراني في «الكبير» بإِسناد صحيح انظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٥٢٥). وفي رواية: «كان يصلّي؛ فلمَح بمؤخّر عينيه إِلى رجل لا يقيم صُلبه في الركوع والسجود، فلما انصرف قال: (يا معشر المسلمين! إنَّه لا صلاة لمن لا يقيم صُلبه في الركوع والسجود)» (١). ثمَّ «كان يقول وهو قائم: ربّنا ولك الحمد» (٢). وأمَر بذلك كل مُصَلٍّ مُؤْتَمًّا أو غيره فقال: «صلُّوا كما رأيتموني أصلّي» (٣). وكان يقول: «إِنّما جُعل الإِمام ليؤتمّ به ... وإذا قال: سمع (٤) الله لمن حَمِده؛ فقولوا: اللهمّ ربّنا ولك الحمد» (٥). وعلّل الأمر بذلك في حديث آخر بقوله: «فإِنَّه من وافق قولُه قولَ الملائكة؛ غُفرَ له ما تقدّم من ذنبه» (٦). وكان يرفع يديه عند هذا الاعتدال (٧) على الوجوه المتقدمة في تكبيرة ------------------- (١) أخرجه ابن أبي شيبة وابن ماجه وأحمد بسند صحيح، وانظر «الصحيحة» (٢٥٣٦). (٢) البخاري: ٨٠٥ (٣) أخرجه البخاري: ٦٣١، وتقدّم. (٤) قال العلماء: معنى سمع هنا: أجاب، ومعناه أنّ من حَمِد الله تعالى متعرّضًا لثوابه، استجاب الله تعالى، وأعطاه ما تعرّض له فإنا نقول ذلك ربنا لك الحمد لتحصيل ذلك. (٥) أخرجه البخاري: ٨٠٥، ومسلم: ٤١١، وأبو عوانة، وأحمد، وأبو داود. (٦) أخرجه البخاري: ٧٩٦، ومسلم: ٤٠٩، وصححه الترمذي، وتقدّم. (٧) أخرجه البخاري: ٧٣٧ ومسلم: ٣٩٠ الإِحرام، ويقول وهو قائم: ١ - «ربّنا ولك الحمد» (١) وتارة يضيف «اللهمّ» (٢). وتارة يزيد: ٢ - «ملءَ السماوات، و[ملء] الأرض، وما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد» (٣). وتارة تكون الإِضافة: ٣ - «ملءَ السماوات، وملءَ الأرض، وملءَ ما شئت من شيء بعد، أهلَ (٤) الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكُلّنا لك عبد، [اللهمّ] لا مانع لما أعطيت، [ولا مُعطي لما منعت]، ولا ينفعُ ذا الجَد منك الجَدُّ» (٥). وتارة يقول في صلاة الليل: ٤ - «لربّي الحمد، لربّي الحمد»، يكرّر ذلك؛ حتى كان قيامه نحوًا من ركوعه الذي كان قريبًا من قيامه الأوّل، وكان قرأ فيه سورة البقرة«(٦). -------------------- (١) أخرجه البخاري: ٨٠٥ ومسلم: ٤١١ (٢) أخرجه البخاري: ٧٩٥، وأحمد. (٣) أخرجه مسلم: ٤٧٨، وأبو عوانة. (٤) منصوب على النداء، هذا هو الأشهر، وجوّز بعضهم رفْعه على تقدير أنت أهل الثناء، والمختار النصب، قاله النووي. (٥) أخرجه مسلم: ٤٧٧، وأبو عوانة، وأبو داود. (٦) أخرجه أبو داود، والنسائي بسند صحيح، وهو مخرّج في»الإرواء" (٣٣٥). ٥ - «ربّنا ولك الحمد، حمدًا كثيرًا طيِّبًا مبارَكًا فيه، [مباركًا عليه؛ كما يحبّ ربنا ويرضى]». قاله رجل كان يصلّي وراءه - ﷺ - بعدما رفع - ﷺ - رأسه من الركعة وقال: «سمع الله لمن حمده»، فلما انصرف رسول الله - ﷺ - قال: «من المتكلّم آنفًا؟» فقال: أنا يا رسول الله! فقال رسول الله - ﷺ -: «لقد رأيت بضعة وثلاثين مَلَكًا يبتدرونها (١) أيهم يكتبها أولًا» (٢). التسميع على كلّ مصلٍّ سواءٌ أكان إِمامًا أو مأمومًا أو منفردًا: عن أنس بن مالك قال: «سقط النّبيّ - ﷺ - عن فرس فَجُحِش (٣) شقُّه الأيمن، فدخَلنا عليه نَعُودُه، فحضرت الصلاة، فصلّى بنا قاعدًا، فصلّينا وراءه قعودًا، فلمّا قضى الصلاة قال: إِنّما جُعل الإِمام ليؤتمّ به، فإِذا كبّر فكبِّروا، وإِذا سجد فاسجدوا، وإِذا رفع فارفعوا، وإِذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربّنا ولك الحمد، وإِذا صلّى قاعدًا فصلّوا قعودًا أجمعُون» (٤). قال شيخنا -حفظه الله- في «صفة الصلاة» (ص ١٣٥): «تنبيه: هذا الحديث لا يدل على أنَّ المؤتمّ لا يشارك الإِمام في قوله:»سمع الله لمن حمده«، كما لا يدلّ على أنَّ الإِمام لا يشارك المؤتمّ في قوله:»ربّنا ولك الحمد«؛ إِذ أنَّ الحديث لم يُسَق لبيان ما يقوله الإِمام والمؤتمّ في هذا ----------------------- (١) أي: يعجلون لرفعها ويستبقون إِلى ذلك.»المحيط". (٢) أخرجه مالك، والبخاري: ٧٩٩، وأبو داود. (٣) أي: خُدش. (٤) أخرجه البخاري: ٨٠٥، ومسلم: ٤١١، وتقدّم بدون ذِكر المناسبة. الركن؛ بل لبيان أن تحميدَ المؤتم إِنّما يكون بعد تسميع الإِمام، ويؤيد هذا أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يقول التحميدَ وهو إِمام، وكذلك عموم قوله عليه الصلاة والسلام: «صلّوا كما رأيتموني أصلّي»، يقتضي أن يقول المؤتمّ ما يقوله الإِمام كالتسميع وغيره. ومن شاء زيادة الاطلاع؛ فليراجع رسالة الحافظ السيوطي في هذه المسألة: «دفع التشنيع في حكم التسميع» ضِمن كتابه «الحاوي للفتاوى» (١/ ٥٢٩) انتهى كلام شيخنا -حفظه الله تعالى-. وبتسميع المأموم يقول الإِمام النووي (١) كما في «شرح مسلم» (٤/ ١٩٣): «... وأنّه يُستحبّ لكلّ مصلٍّ من إِمام ومأموم ومنفرد؛ أن يقول:»سمع الله لمن حمِده؛ ربنا لك الحمد، ويجمع بينهما فيكون قوله: يسمع الله لمن حمده في حال ارتفاعه، وقوله: ربّنا ولك الحمد في حال اعتداله لقوله - ﷺ -: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي». [وقد تقدّم]. وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يقول: «سمع الله لمن حمِده؛ حين يرفع صلبه من الركعة، ثمَّ يقول وهو قائم: ربّنا ولك الحمد» (٢). قال شيخنا في «تمام المنّة» (ص١٩٠): بعد أن ذكر الحديث السابق، وأشار إِلى تخريجه في «الإِرواء» بزيادات كثيرة: «من الواضح أنَّ في هذا الحديث ذِكْرين اثنين: أحدهما: قوله:»سمع الله لمن حمده«في اعتداله من الركوع. --------------------- (١) وبه يقول الكرماني كذلك (٥/ ١٠٥). (٢) أخرجه أحمد والشيخان، وانظر»الإرواء" (٣٣١). والآخر: قوله: «ربنّا ولك الحمد» إِذا استوى قائمًا. فإِذا لم يقل المقتدي ذِكر الاعتدال، فسيقول مكانه ذِكر الاستواء، وهذا أمر مشاهَد من جماهير المصلين، فإِنّهم ما يكادون يسمعون منه: «سمع الله لمن حمده»؛ إلاَّ وسبقوه بقولهم: «ربّنا ولك الحمد»، وفي هذا مخالفة صريحة للحديث، فإِنْ حاول أحدهم تجنُّبها وقع في مخالفة أخرى، وهي إِخلاء الاعتدال من الذكر المشروع فيه بغير حُجّة. قال النووي -رحمه الله- (٣/ ٤٢٠): «ولأنَّ الصلاة مبنية على أن لا يفتر عن الذِّكر في شيء منها، فإِنْ لم يقل بالذِّكرين في الرفع والاعتدال؛ بقي أحد الحالين خاليًا عن الذكر». بل إِنني أقول [الكلام لشيخنا -حفظه الله-]: إِن التسميع في الاعتدال واجب على كل مصلّ؛ لثبوت ذلك في حديث «المسيء صلاته» فقد قال - ﷺ - فيه: «إِنها لا تتمّ صلاة أحدكم حتى يُسبغ الوضوء كما أمَره الله ... ثمَّ يكبّر ... ويركع حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثمَّ يقول: سمع الله لمن حمده، ثمَّ يستوي قائمًا حتى يقيم صلبه ...» الحديث (١). فهل يجوز لأحد بعد هذا أن يقول بأن التسميع لا يجب على كلّ مصلٍّ؟!«. اهـ وانظر للمزيد من الفائدة»فتح الباري«تحت الحديث (٧٩٦). هذا وقد ثبت أنّ رسول الله - ﷺ - كان يقول حين الاعتدال من الركوع: ------------------------ (١) أخرجه أبو داود والنسائي والسياق له، وغيرهما بسند صحيح. وهو مخرج في»صحيح أبي داود" (٨٠٤). سمع الله لمن حمده ربّنا ولك الحمد، وانظر «صحيح البخاري» (٧٣٥). كيف يهوي إِلى السجود كيفية الهوي إِلى السجود من المسائل الخلافية عند العلماء، فمِن قائل بوضْع الركبتين قبل اليدين، ومِن قائل بوضع اليدين قبل الركبتين. واستدلّ أهل العلم على الأوّل بحديث شريك عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر قال: رأيت رسول الله - ﷺ - إِذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه. وقد بيَّن شيخنا في «تمام المِنّة» (ص ١٩٤) وجْه تضعيف الحديث من الناحية الحديثية والفقهية: أمّا الحديثية: فإِنَّ شريكًا وهو -ابن عبد الله القاضي- ضعيف سيء الحفظ فلا يُحتجّ به إِذا انفرد، فكيف إِذا خالف؟ وذكَر قول الحافظ في «بلوغ المرام»: «إِنَّ حديث أبي هريرة [الذي ينص على وضْع اليدين قبل الركبتين] أقوى من حديث وائل وقال: وذَكر نحوه عبد الحقّ الإِشبيلي». ويرى ابن القيّم -رحمه الله- أنَّ الحديث انقلب على الراوي وأنَّ أصله «وليضع ركبتيه قبل يديه». قال شيخنا في «تمام المنة» (ص١٩٤ - ١٩٥): «وإنّما حمَله على هذا، زعْم آخر له، وهو قوله:»إِنَّ البعير يضع يديه قبل ركبتيه«، قال:»فمقتضى النهي عن البروك كبروك البعير؛ أن يضع المصلّي ركبتيه قبل يديه!». وسبب هذا كله أنَّه خفي عليه ما ذكَره علماء اللغة كالفيروزآبادي وغيره: «أنّ ركبتي البعير في يديه الأماميّتين». ولذلك قال الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ١٥٠): «إِنّ البعير ركبتاه في يديه، وكذلك في سائر البهائم، وبنو آدم ليسو كذلك، فقال: لا يبرك على ركبتيه اللتين في رجليه كما يبرك البعير على ركبتيه اللتين في يديه، ولكن يبدأ فيضع أولًا يديه اللتين ليس فيهما ركبتاه، ثمَّ يضع ركبتيه، فيكون ما يفعل في ذلك بخلاف ما يفعل البعير» (١). واستدلَّ أهل العلم على القول الثاني بما ثبت عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه «كان يضع يديه على الأرض قبل ركبتيه» (٢). واستدلوا أيضًا بأمر النّبيّ - ﷺ - بذلك وقوله: «إِذا سجَد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه» (٣). وهذا قول أصحاب الحديث. وجاء في «صحيح البخاري» «كتاب الأذان» (باب يهوي بالتكبير حين ---------------------- (١) قلت: وهذا هو تحرير المقام وفصْل الخِطاب وبالله التوفيق. (٢) أخرجه ابن خزيمة والدارقطني، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وما عارضه من الحديث لا يصح، وقد قال به مالك، وعن أحمد نحوه كما في «التحقيق» لابن الجوزي، وقد روى المروزي في «مسائله» بسند صحيح عن الإمام الأوزاعي قال: «أدركْتُ الناس يضعون أيديهم قبل رُكَبهم». (٣) أخرجه البخاري في «التاريخ» وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٧٤٦)، وانظر «الإرواء» (٢/ ٧٨)، و«صفة الصلاة» (ص ١٤٠). يسجد) وقال نافع: كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه (١) ولشيخنا -عافاه الله وشفاه- كلام مفيد في «الضعيفة» تحت الحديث (٩٢٩) فارجع إِليه -إِن شئت-. ١٤ - السجود وهو ركن والطمأنينة فيه -وهما رُكنان-: لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربّكم وافعلوا الخير لعلّكم تُفلحون﴾ (٢). وأمَر عليه الصلاة والسلام بذلك المسيء صلاته فقال له: «لا تتمّ صلاةٌ لأحد من الناس حتى ... ثمَّ يسجد حتى تطمئنّ مفاصله» (٣). وفي رواية: «إِذا أنت سجدت فأمكنْتَ وجهك ويديك حتى يطمئنّ كل عظم منك إِلى موضعه» (٤). «وكان - ﷺ - يأمُر بإِتمام الركوع والسجود، ويضرب لمن لا يفعل ذلك مثَل الجائع؛ يأكل التمرة والتمرتين لا تُغنيان عنه شيئًا، وكان يقول فيه:»إِنَّه من أسوأ الناس سرقة«. وكان يحكم ببطلان صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود؛ كما سبق تفصيله في»الركوع«، وأمَر»المسيء صلاته«بالاطمئنان في ---------------------- (١) قال شيخنا في»مختصر البخاري«(١/ ١٩٩):»وصله ابن خزيمة والطحاوي والحاكم وغيرهم بسند صحيح«. (٢) الحج: ٧٧ (٣) أخرجه أبو داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وانظر»صفة الصلاة«(١٤١). (٤) أخرجه ابن خزيمة بسند حسن، وانظر»الصِّفة" (١٤٢). https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثانى من صــ 61الى صــ 75 الحلقة (34) السجود» (١). السجود على سبعة أعضاء: وهي الجبهة والكفّان والركبتان والقدمان مع مراعاة تمكين الأنف. عن ابن عبّاس أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «أُمرتُ أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة (٢) (وأشار بيده على أنفه) واليدين، والرّجلين، وأطراف القدمين» (٣). وعن العباس بن عبد المطلب أنَّه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا سجد العبد سَجد معه سبعة أطراف. وجهُه وكفّاه وركبتاه وقدماه» (٤). وفي لفظ: «سجد معه سبعة آراب (٥)» (٦). وفي الحديث: «لا صلاة لمن لا يصيبُ أنفه من الأرض ما يصيب الجبين» (٧). ------------------------- (١) انظر «صفة الصلاة» (١٤٥). (٢) وهذا يدل على أنَّ النّبيّ - ﷺ - جعل هذين العضوين كعضو واحد في السجود، وانظر «صفة الصلاة» (١٤٣). (٣) أخرجه مسلم: ٤٩٠ (٤) أخرجه مسلم: ٤٩١ (٥) أي: أعضاء، واحدها إرْب بالكسر والسكون. «النهاية». (٦) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٧٩٠)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٢٢٣)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٧٢٣)، والنسائي «صحيح سنن النسائى» (١٠٥٢)، وانظر «صفة الصلاة» (ص ١٤٣). (٧) أخرج الدارقطني والطبراني وغيرهما، وانظر «صفة الصلاة» (ص ١٤٢). وفي حديث أبي حُميد: «كان إِذا سجد أمكن جبهته وأنفه من الأرض» (١). وقال بعض أهل العلم فيمن سجد على جبهته دون أنفه: «يجزئه، وقال غيرهم: لا يجزئه حتى يسجد على الجبين والأنف». قال شيخنا: «وهذا هو الحقّ؛ لقوله - ﷺ -:»لا صلاة لمن لا يمسّ أنفه الأرض ما يمسّ الجبين«، وهو حديث صحيح على شرط البخاري كما قال الحاكم والذهبي ...» (٢). صفة السجود (٣) و«كان [- ﷺ -] يعتمد على كفيه [ويبسُطُها]» (٤)، ويضم أصابعَهُما (٥)، ويوجهها قِبَل القبلة (٦). و«كان يجعلهما حذو مَنكِبيه» (٧). وأحيانًا «حذو أذنيه» (٨). ---------------- (١) أخرجه أبو داود وغيره، وأصْله في البخاري وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في «الإِرواء» (٣٠٩). (٢) انظر «تمام المنّة» (١٧٠). (٣) عن «صفة الصلاة» (ص ١٤١) بتصرف. (٤) أخرجه أبو داود، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي. (٥) أخرجه ابن خزيمة، والبيهقي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. (٦) أخرجه البيهقيّ بسند صحيح، وعند ابن أبي شيبة والسرَّاج توجيه الأصابع من طريق آخر. (٧) أخرجه أبو داود، والترمذي وصححه، هو وابن الملقن، وهو مخرَّج في «الإرواء» (٣٠٩). (٨) أخرجه أبو داود، والنسائي بسند صحيح. و«كان يُمكّن أنفه وجبهته من الأرض» (١). وقال للمسيء صلاتَه: «إِذا سجدت؛ فمكّن لسجودك» (٢). وفي رواية: «إِذا أنت سجدتَ؛ فأمكنْتَ وجهَك ويديك؛ حتى يطمئن كلّ عظم منك إِلى موضعه» (٣). و«كان يمكِّن أيضًا ركبتيه وأطراف قدميه» (٤). و«يستقبل [بصدور قدميه و] بأطراف أصابعهما القبلة» (٥)، و«يرصّ عقبيه» (٦). و«ينصب رجليه» (٧)، وكان يفتخ أصابعهما (٨). ----------------------- (١) أخرجه أبو داود، والترمذي وصححه، هو وابن الملقن، وهو مخرَّج في «الإِرواء» (٣٠٩). (٢) أخرجه أبو داود، وأحمد بسند صحيح. (٣) أخرجه ابن خزيمة بسند حسن. (٤) أخرجه البيهقي بسند صحيح، وابن أبي شيبة، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. (٥) أخرجه البخاري: ٨٠٨، وأبو داود، والزيادة لابن راهويه في «مسنده» وروى ابن سعد عن ابن عمر أنَه كان يحبّ أن يستقبل كل شيء منه القبلة إِذا صلّى، حتى كان يستقبل بإبهامه القبلة. (٦) أخرجه الطحاوي، وابن خزيمة، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي. (٧) أخرجه البيهقيّ بسند صحيح. (٨) أخرجه أبو داود، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه. ويفتخ: بالخاء المعجمة؛ أى: يغمز موضع المفاصل منها، ويثنيها إِلى باطن الرجل. «النهاية». و«كان لا يفترش ذراعيه» (١)؛ بل «كان يرفعهما عن الأرض، ويباعدهما عن جنبيه حتى يبدو بياض إِبطيه من ورائه» (٢)، و«حتى لو أن بَهمة (٣) أرادت أن تمرّ تحت يديه؛ مرَّت» (٤). وكان يبالغ في ذلك حتى قال بعض أصحابه: «إِنْ كنا لنأوي (٥) لرسول الله - ﷺ -؛ مما يجافي بيديه عن جنبيه إِذا سجد» (٦). وكان يقول: «اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط (وفي لفظ: كما يبسط) الكلب» (٧). مقدار السجود كان - ﷺ - يقول في السجود أنواعًا من الأذكار والأدعية، وأدنى ما يجزئ في السجود والركوع؛ مقدار تسبيحة واحدة، وللمصلّي منفردًا الزياده في التسبيح ما أراد، وكلّما زاد كان أولى، والأحاديث الصحيحة في تطويله - ﷺ - ------------------------ (١) أخرجه البخاري معلقًا مجزومًا به بلفظ: «سجد النبيّ - ﷺ - ووضَع يديه غير مفترش ولا قابِضهما»، وموصولًا (باب-١٤١) برقم (٨٢٨)، ومسلم: ٤٩٨ بلفظ: «وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السَّبع». (٢) أخرجه البخاري: ٣٩٠، ومسلم: ٤٩٧، وهر مخرّج في «الإِرواء» (٣٥٩). (٣) البَهمة: واحدة البهم، وهي أولاد الغنم. (٤) أخرجه مسلم: ٤٩٦، وأبو عوانة، وابن حبان. (٥) أي: نرثي ونرِقّ. (٦) أخرجه أبو داود، وابن ماجه بسند حسن. (٧) أخرجه البخاري: ٨٢٢، ومسلم: ٤٩٣، وأبو داود، وأحمد. ناطقة بهذا، وكذا الإِمام إذا كان المؤتمُّون لا يتأذّون بالتطويل. قاله الشوكاني وذكَره السيد سابق في «فقه السنّة». أذكار السجود (١) كان رسول الله - ﷺ - يقول في هذا الركن أنواعًا من الأذكار والأدعية، تارة هذا، وتارة هذا: ١ - «سبحان ربي الأعلى (ثلاث مرات)» (٢). و«كان -أحيانًا- يكررها أكثر من ذلك» (٣). وبالغ في تكرارها مرة في صلاة الليل حتى كان سجوده قريبًا من قيامه، وكان قرأ فيه ثلاث سور من الطوال: ﴿البقرة﴾ و﴿النساء﴾ و﴿آل عمران﴾، يتخللُها دعاءٌ واستغفار (٤). ٢ - «سبحان ربي الأعلى وبحمده» (٥). ٣ - «سبوح قدّوس رب الملائكة والروح» (٦). ------------------- (١) عن «صفة الصلاة» (١٤٥). (٢) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٧٧٤)، وابن ماجه والدارقطني والطحاوى والبزار، والطبراني في «الكبير» عن سبعة من الصحابة. (٣) وتقدّم. (٤) وتقدّم. (٥) أخرجه أبو داود والدارقطني وأحمد والطبراني والبيهقي، وصححه شيخنا في المصدر المذكور. (٦) أخرجه مسلم: ٤٨٧ ٤ - «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي»، وكان يكثر منه في ركوعه وسجوده؛ يتأول القرآن (١). ٥ - «اللهم لك سجْدتُ، وبك آمنت، ولك أسلمت، [وأنت ربي]، سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره، [فأحسن صوره]، وشق سمعه وبصره، [فـ] تبارك الله أحسن الخالقين» (٢). ٦ - «اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجلّه، وأوله وآخره، وعلانيته وسرَّه» (٣). ٧ - «سجد لك سوادي وخيالي، وآمن بك فؤادي، أبوء بنعمتك عليَّ، هذي يدي وما جنيْت على نفسي» (٤). ٨ - «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة (٥)» (٦)، وهذا وما بعده كان يقوله في صلاة الليل. ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ٨١٧، ومسلم: ٤٨٤، وهذا النوع من أذكار الركوع أيضًا، وقد مضى أنّ معناه: يعمل بما أمره به في القرآن. (٢) أخرجه مسلم: ٧٧١، وأبو عوانة والطحاوى والدارقطني. (٣) أخرجه مسلم: ٤٨٣ (٤) أخرجه ابن نصر والبزار والحاكم، وصححه؛ ورده الذهبي، لكن له شواهد مذكورة في الأصل. (٥) في «النهاية»: العظمة والملك، وقيل: هي عبارة عن كمال الذات وكمال الوجود ولا يوصف بهما إلاَّ الله تعالى. (٦) أخرجه أبو داود والنسائي بسند صحيح. ٩ - «سبحانك [اللهم] وبحمدك، لا إِله إلاَّ أنت» (١). ١٠ - «اللهم اغفر لي ما أسررت، وما أعلنت» (٢). ١١ - «اللهم اجعل في قلبي نورًا، [وفي لساني نورًا]، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل من تحتي نورًا، واجعل من فوقي نورًا، وعن يميني نورًا وعن يسارى نورًا، واجعل أمامي نورًا، واجعل خلفي نورًا، [واجعل في نفسي نورًا]، واعظم لي نورًا» (٣). ١٢ - «اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» (٤). النهي عن قراءة القرآن في السجود عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النّبيّ قال: «ألا وإنّي نهيتُ أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا» (٥). فضل السجود والحثّ عليه عن معدان بن أبي طلحة اليَعمَري قال: "لقيت ثوبان مولى رسول الله - ﷺ - ------------------------ (١) أخرجه مسلم: ٤٨٥ بدون اللهمّ. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٦٢/ ١١٢/١)، والنسائي، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. (٣) أخرجه مسلم: ٧٦٣ (٤) أخرجه مسلم: ٤٨٦ (٥) أخرجه مسلم: ٤٧٩، وتقدّم. فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلُني الله به الجنّة أو قال قلت: بأحبّ الأعمال إِلى الله فسكت. ثمَّ سألتُه فسكَت. ثمَّ سألتُه الثالثة فقال: سألتُ عن ذلك رسول الله - ﷺ - فقال: «عليك بكثرة السجود لله، فإِنّك لا تسجد لله سجدة إلاَّ رفَعك الله بها درجة وحطَّ عنك بها خطيئة»، قال معدان: ثمَّ لقيت أبا الدرداء فسألتُه فقال لي مِثل ما قال لي ثوبان«(١). عن ربيعة بن كعب الأسلمي قال:»كنتُ أبِيتُ مع رسول الله - ﷺ - فأتيته بوَضوئه وحاجته فقال لي: «سَلْ» فقلت: أسألك مرافقتك في الجنّة. قال: «أوْ غيرَ ذلك؟» قلت: هو ذاك. قال: «فأعنِّي على نفسك بكثرة السجود» (٢). وعن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء» (٣). وفي الحديث: «ما من أمّتي من أحد إلاَّ وأنا أعرفه يوم القيامة»، قالوا: وكيف تعرفهم يا رسول الله في كثرة الخلائق؛ قال: «أرأيتَ لو دخلتَ صِيرةً (٤) فيها خيل دُهم (٥) بُهم (٦)، وفيها فرسٌ أغرُّ محجَّلٌ (٧)؛ أما كنت تعرفه ----------------------(١) أخرجه مسلم: ٤٨٨ (٢) أخرجه مسلم: ٤٨٩ (٣) أخرجه مسلم: ٤٨٢ (٤) الصِّيَرة: حظيرة من خشب وحجارة تبنى للغنم والبقر ...»لسان العرب«. (٥) أدهم وهو الأسود.»النهاية«. (٦) البُهم: هو في الأصل الذي لا يخالط لونه لون سواه.»شرح النووي". (٧) تقدّمت في أول (باب الوضوء). منها؟». قال: بلى. قال: «فإِنَّ أمّتي يومئذٍ غُرّ (١) من السجود، محجَّلون من الوضوء» (٢). ١٥ - الرفع من السجود وهو ركن والطمأنينة فيه (٣) -وهما رُكنان-: فقد أمَر - ﷺ - بذلك المسيء صلاته فقال: «لا تتمّ صلاةٌ لأحدٍ من الناس حتى ... يسجد، حتى تطمئنّ مفاصله، ثمَّ يقول:»الله أكبر«ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدًا» (٤). و«كان - ﷺ - يطمئنّ حتى يرجع كلّ عظم إِلى موضعه» (٥). «كان يرفع يديه مع هذا التكبير» أحيانًا (٦). --------------- (١) تقدّمت في أول (باب الوضوء). (٢) أخرجه أحمد بسند صحيح، والترمذي بعضه وصححه، وهو مخرج في «الصحيحة»، وانظر «صفة الصلاة» (ص ١٤٩). (٣) انظر «صفة الصلاة» (ص ١٥١). (٤) أخرجه أبو داود والحاكم وصحّحه ووافقه الذهبي. (٥) أخرجه أبو داود والبيهقي بسند صحيح. (٦) أخرجه أحمد وأبو داود بسند صحيح، وبالرفع هاهنا، وعند كل تكبيرة قال أحمد، ففي «البدائع» لابن القيّم (٤/ ٨٩): «ونقل عنه الأثرم وقد سُئل عن رفع اليدين؟ فقال: في كل خفْض ورفْع، قال الأثرم: رأيت أبا عبد الله يرفع يديه في الصلاة في كل خفْض ورفْع». وبه قال ابن المنذر وأبو علي من الشافعية، وهو قول عن مالك والشافعي؛ كما في «طرح التثريب»، وصحّ الرفع هنا عن أنس وابن عمرَ ونافع وطاووس، والحسن البصرى وابن سيرين، وأيوب السختياني؛ كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ١٠٦) بأسانيد = ثمَّ «يفرش رجله اليسرى فيقعد عليها مطمئنًا» (١)، وأمر بذلك «المسيء صلاته» فقال له: «إِذا سجدت فمكِّن لسجودك، فإِذا رفعْت فاقعد على فَخِذِك اليسرى» (٢)، و«كان ينصب (٣) رجله اليمنى» (٤)، و«يستقبل بأصابعها القبلة» (٥). و«كان يطيلها (٦) حتى تكون قريبًا من سَجْدته» (٧)، وأحيانًا «يمكث حتى يقول القائل: قد نسي» (٨). الأذكار بين السجدتين (٩) كان رسول الله - ﷺ - يقول في هذه الجلسة: ----------------------- = صحيحة عنهم. (١) أخرجه البخاري: ٨٢٨، ومسلم: ٤٩٨ وأبو داود بسند صحيح، وأبو عوانة. (٢) أخرجه أحمد وأبو داود بسند جيد. (٣) النصب: إِقامة الشيء ورفْعُه. (٤) أخرجه البخاري: ٨٢٨ (٥) أخرجه النسائي بسند صحيح. (٦) أي: جلسته بين السجدتين. (٧) أخرجه البخاري: ٨٢٠، ومسلم: ٤٧١ نحوه. (٨) أخرجه البخاري: ٨٢١، ومسلم: ٤٧٢، قال ابن القيّم: «وهذه السنّة تركَها الناس من بعد انقراض عصر الصحابة، وأمّا من حَكَّم السنة، ولم يلتفت إِلى ما خالفها؛ فإِنّه لا يعبأ بما خالف هذا الهدي». (٩) عن «صفة الصلاة» (ص ١٥٣) بتصرّف. ١ - «اللهم (وفي لفظ: ربّ)! اغفر لي، وارحمني، [واجبرني] (١)، [وارفعني]، واهدني، [وعافني]، وارزقني» (٢)؛ وتارة يقول: ٢ - «رب! اغفر لي، رب اغفر لي» (٣). وكان يقولهما في «صلاة الليل» (٤). ١٦ - الإِقعاء بين السجدتين: عن أبي الزبير أنّه سمع طاوُسًا يقول: قُلنا لابن عباس في الإِقعاء على القدمين؟ فقال: هي السُّنة، فقُلنا له: إِنا لنراه جفاءً بالرجل، فقال ابن عباس: --------------------------- (١) أي: أغْنني، من جبَر الله مصيبته: أي: ردّ عليه ما ذهب منه وعوّضه، وأصْلُه من جبْر الكسر. «النهاية». (٢) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي. (٣) أخرجه ابن ماجه بسند حسن، وانظر «صحيح سنن ابن ماجه» (٧٣١). وقد اختار الدعاء بهذا الإِمام أحمد. (٤) ولا ينفي ذلك مشروعية هذه الأوراد في «الفرض»؛ لعدم وجود الفرق بينه وبين النفل، وبهذا يقول الشافعي وأحمد وإسحاق؛ يَرون أن هذا جائز في المكتوبة والتطوع؛ كما حكاه الترمذي. وذهب إِلى مشروعية ذلك الإمام الطحاوي أيضًا في «مشكل الآثار»، والنظر الصحيح يؤيد ذلك؛ لأنّه ليس في الصلاة مكان لا يشرع فيه ذِكر، فينبغي أن يكون كذلك الأمر هاهنا، وهذا بيّن لا يخفى. بل هي سنّه نبيّك (١) - ﷺ -» (٢). وعن معاوية بن حديج قال: «رأيت طاوسًا يقعي، فقلت: رأيتك تقعي! قال: ما رأيتني أقعي، ولكنها الصلاة، رأيت العبادلة الثلاثة يفعلون ذلك: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير؛ يفعلونه. قال أبو زهير: وقد رأيته يقعي» (٣). قال شيخنا في «الصحيحة» تحت الحديث (٣٨٣): ففي الحديث وهذه الآثار دليل على شرعية الإِقعاء المذكور، وأنه سُنّة يُتعبّد بها، وليست للعذر كما زعم بعض المتعصبة، وكيف يكون كذلك وهؤلاء العبادلة اتفقوا على الإِتيان به في صلاتهم، وتَبِعهم طاوس التابعي الفقيه الجليل، وقال الإِمام أحمد في «مسائل المروزي» (١٩): «وأهل مكة يفعلون ذلك». فكفى بهم سلفًا لمن أراد أن يعمل بهذه السُّنّة ويحييها. ولا منافاة بينها وبين السّنة الأخرى -وهي الافتراش- بل كلٌ سُنّة، فيفعل --------------------- (١) قال النووي في «شرحه» (٥/ ١٩): الإقعاء نوعان: أحدهما: أن يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض كإِقعاء الكلب، هكذا فسّره أبو عبيدة معمر بن المثنى، وصاحبه أبو عبيد القاسم بن سلام، وآخرون من أهل اللغة، وهذا النوع هو المكروه الذي ورد فيه النهي، والنوع الثاني: أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين، وهذا هو مراد ابن عبّاس [رضي الله عنهما] بقوله سنة نبيّكم - ﷺ - وقد نصّ الشافعي -رضي الله عنه- في البويطي والإملاء على استحبابه في الجلوس بين السجدتين. (٢) أخرجه مسلم: ٥٣٦ (٣) أخرجه أبو إِسحاق الحربي في غريب الحديث وقال شيخنا: إِسناده صحيح وانظر «الصحيحة» تحت الحديث (٣٨٣). تارة هذه وتارة هذه؛ اقتداءً به - ﷺ -، وحتى لا يضيع عليه شيء من هديه عليه الصلاة والسلام. ١٧ - جِلسة الاستراحة: هي جلسة خفيفة يجلسها المصلّي بعد الفراغ من السجدة الثانية من الركعة الأولى؛ قبل النهوض إِلى الركعة الثانية، وبعد الفراغ من السجدة الثانية من الركعة الثالثة؛ قبل النهوض إلى الركعة الرابعة (١). عن أبي حميد الساعدي قال: سمعْته وهو في عشرة من أصحاب النّبيّ - ﷺ - أحدهم أبو قتادة بن ربعي - يقول: أنا أعلمُكم بصلاة رسول الله - ﷺ - فذكَر الحديث إِلى أن قال: ثمَّ أهوى إِلى الأرض ساجدًا، ثمَّ قال: الله أكبر، ثمَّ جافى عضديه عن إِبطيه، وفتَح أصابع رجليه، ثمَّ ثنَى رجله اليسرى وقعد عليها، ثمَّ اعتدل حتى يرجع كلّ عظم في موضعه معتدلًا، ثمَّ أهوى ساجدًا، ثمَّ قال: الله أكبر، ثمَّ ثنَى رجله وقعد، واعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه، ثمَّ نهَض» (٢). قال شيخنا في «صفة الصلاة» (١٥٤): «وهذا الجلوس يُعرف عند الفقهاء بجلسة الاستراحة وقد قال به الشافعي، وعن أحمد نحوه؛ كما في»التحقيق«(١١١/ ١) وهو الأحرى به؛ لما عُرف عنه من الحرص على اتباع السنّة التي لا معارض لها. -------------------- (١)»فقه السنة«(ص١٦٩). (٢) أخرجه البخاري في»جزء رفع اليدين«وأبو داود والترمذي وغيرهم، وصححه شيخنا في»الإِرواء" (٣٠٥). وقد قال ابن هانئ في «مسائله عن الإِمام أحمد» (١/ ٥٧): «رأيت أبا عبد الله (يعني: الإِمام أحمد) ربما يتوكأ على يديه إِذا قام في الركعة الأخيرة، وربما استوى جالسًا، ثمَّ ينهض»، وهو اختيار الإِمام إِسحاق بن راهويه، فقد قال في «مسائل المروزي» (١/ ١٤٧/٢): «مضت السنّة من النّبيّ - ﷺ - أن يعتمد على يديه ويقوم؛ شيخًا كان أو شابًّا»، وانظر «الإِرواء» (٢/ ٨٢ - ٨٣). ولشيخنا كلام مهمّ في «تمام المنّة» (ص٢١٠) فارجع إليه -إِن شئت-. بماذا يبدأ حين الرفع من السجود ليقوم إِلى الركعة الثانية؟ الراجح فيها أن يبدأ برفع ركبتيه قبل يديه، لحديث مالك بن الحويرث أنه كان يقول: «ألا أحدّثكم عن صلاة رسول الله - ﷺ -؛ فيصلّي في غير وقت الصلاة، فإِذا رفع رأسه من السجدة الثانية في أول ركعة استوى قاعدًا، ثمَّ قام، فاعتمد على الأرض». أخرجه البخاري، والشافعي في «الأم»، والسياق له (١). -------------------- (١) قاله شيخنا في «تمام المنّة» (ص ١٩٦) -بحذف- ثم قال: «فهذا نصٌّ في أنه - ﷺ - كان يعتمد بيديه على الأرض، وبه قال الشافعي. قال البيهقي:»وروينا عن ابن عمر أنّه كان يعتمد على يديه إِذا نهض، وكذلك كان يفعل الحسن وغير واحد من التابعين«. قلت: وحديث ابن عمر رواه البيهقي بسند جيد عنه وموقوفًا ومرفوعًا كما بينته في»الضعيفة«تحت الحديث (٩٦٧)، وفي»صفة الصلاة" ... ورواه أبو إِسحاق الحربي بسند صالح مرفوعًا عنه، ويرويه الأزرق بن قيس: رأيت ابن عمر يعجن في الصلاة: يعتمد على يديه إِذا قام. فقلت له؟ فقال: رأيت رسول الله - ﷺ - يفعله. = ١٨ - الجلوس للتشهّد وصفته (١): ينبغي أن يراعي المصلّي في جلوس التشهّد ما يأتي: ١ - أن يجلس مفترشًا فَخِذه اليسرى إِذا كانت الصلاة ركعتين؛ كالفجر، وقد أَمَر به «المسيء صلاته» فقال له: «فإِذا جلستَ في وسط الصلاة، فاطمئنَّ وافترش فخِذك اليسرى ثمَّ تشهّد» (٢). وأن يتورّك في التشهّد الأخير لحديث أبي حميد الساعدي: «... فإِذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة؛ قدَّم رجله اليسرى، ونَصَب الأخرى وقعد على مقعدته» (٣). ٢ - وينبغي وضْع الكفّ اليمنى على الفخذِ اليمنى، والكفّ اليسرى على الفخذِ اليسرى. فإِنَّ النّبيّ - ﷺ -: «كان إِذا قعد في التشهد؛ وضع كفّه اليمنى على فخذه (وفي رواية: ركبته) اليمنى، ووضع كفّه اليسرى على فخذه (وفي رواية: ركبته) اليسرى؛ [باسطها عليها]» (٤). -------------------- = قلت: ولازم هذه السنّة الصحيحة أن يرفع ركبتيه قبل يديه. إِذ لا يمكن الاعتماد على الأرض عند القيام إلاَّ على هذه الصفة. وهذا هو المناسب للأحاديث الناهية عن التشبه بالحيوانات في الصلاة، وبخاصة حديث أبي هريرة في النهي عن البروك كبروك الجمل، فإِنه ينهض معتمدًا على ركبتيه كما هو مشاهد، فينبغي للمصلّي أن ينهض معتمدًا على يديه مخالفة له«. (١) عن»صفة الصلاة" (ص ١٥٧) بتصرف. (٢) أخرجه أبو داود والبيهقي بسند جيد. (٣) أخرجه البخاري: ٨٢٨، وغيره. (٤) أخرجه مسلم: ٥٨٠ وأبو عوانة. https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثانى من صــ 76الى صــ 90 الحلقة (35) ٣ - ولا يجافي مرفقه عن جنبه فقد»كان - ﷺ - يضع حدّ (١) مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى«. ٤ - ولا يعتمد على اليد اليسرى، فإِنَّ رسول الله - ﷺ -»نهى رجلًا وهو جالس معتمد على يده اليسرى في الصلاة فقال: «إِنها صلاة اليهود» (٢). ٥ - ويقبض أصابع الكف اليمنى كلّها، ويشير بإِصبعه التي تلي الإِبهام إِلى القبله ويرمي ببصره إِليها، ويضع إِبهامه على إِصبعه الوسطى. فقد «كان - ﷺ - يبسط كفه اليسرى على ركبته اليسرى، ويقبض أصابع كفّه اليمنى كلها، ويشير بإِصبعه التي تلي الإِبهام إِلى القبلة، ويرمي ببصره إِليها» (٣). ٦ - ويرفع إِصبعه ويحركها ويدعو بها؛ لحديث وائل بن حجر وفيه: «ثمَّ رفع أصبعه، فرأيته يحرّكها يدعو بها» (٤). قال شيخنا: ففيه دليل على أن السنّة أن يستمرّ في الإِشارة وفي تحريكها إِلى السلام. وسئل الإِمام أحمد: هل يشير الرجل بإِصبعه في الصلاة؛ قال: نعم شديدًا. ذكره ابن هاني في «مسائله عن الإِمام أحمد» (ص ٨٠). ١٩ - التشهد الأوّل: اختلف العلماء في حُكمه فمن قائل بسنّيته، ومن قائل بوجوبه. ----------------------- (١) أي: نهاية، وقال شيخنا: «وكأنّ المراد أنّه كان لا يجافي مرفقه عن جنبه، وقد صرّح بذلك ابن القيّم في»الزاد«». (٢) أخرجه البيهقي والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي. (٣) أخرجه مسلم: ٥٨٠ وأبو عوانة وابن خزيمة. (٤) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم، وهو حديث صحيح خرجه شيخنا في «الإرواء» تحت الحديث (٣٥٢). ففي «صحيح البخاري» (١) تحت (باب من لم يرَ التشهّد الأوّل واجبًا لأنَّ النّبيّ - ﷺ - قام من الركعتين ولم يرجع)، ثمَّ ذكر حديث عبد الله بن بُحيْنَةَ: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - صلّى بهم الظهر، فقام في الركعتين الأوليين لم يجلس، فقام الناس معه، حتى إذا قضى الصلاة وانتظَر الناس تسليمه كبَّر وهو جالس، فسجد سجدتين قبل أن يُسلِّم، ثمَّ سلّم». قال الحافظ: "ووجه الدلالة من حديث الباب، أنَّه لو كان واجبًا لرجع إِليه لمّا سبّحوا به؛ بعد أن قام، ويُعرَف منه أنّ قول ناصر الدين بن المنيِّر في الحاشية: لو كان واجبًا لسبّحوا به ولم يسارعوا إِلى الموافقة على الترك، غفلة عن الرواية المنصوص فيها على أنهم سبّحوا به. وقال ابن بطال: والدليل على أنَّ سجود السهو لا ينوب عن الواجب؛ أنَّه لو نسي تكبيرة الإِحرام لم تُجبَر فكذلك التشهد، ولأنَّه ذِكر لا يجهر به بحال، فلم يجب كدعاء الافتتاح، واحتجّ غيره بتقريره - ﷺ - الناس على متابعته بعد أن علم أنهم تعمدوا تركه، وفيه نظر. وممن قال بوجوبه الليث وإسحاق وأحمد في المشهور وهو قول للشافعي، وفي رواية عند الحنفية، واحتج الطبري لوجوبه بأن الصلاة فرضت أولًا ركعتين، وكان التشهد فيها واجبًا، فلمّا زيدت لم تكن الزيادة مزيلة لذلك الواجب، وأجيب بأن الزيادة لم تتعيّن في الأخيرتين، بل يُحتمل أن يكونا هما الفرض الأول، والمزيد هما الركعتان الأولتان بتشهدها، ويؤيده استمرار السلام بعد التشهد الأخير كما كان، واحتج أيضًا بأنّ من تعمّد ترك ------------------------ (١) رقم (٨٢٩). الجلوس الأوّل بطلت صلاته، وهذا لا يرد لأنَّ من لا يوجبه لا يبطل الصلاة بتركه». وتقدّم قول النووي -بغير هذه المناسبة- «ولأنَّ الصلاة مبنيّة على أن لا يفتر عن الذكر في شيء منها ...». قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» بعد أن ذكر جلسة التشهد: وفرْضٌ عليه أن يتشهّد في كلّ جلسة من الجلستين اللتين ذَكرنا. وقال تحت المسألة (٣٧٢) رادًّا على من يقول: الجلوس مقدار التشهّد فرض وليس التشهّد فرضًا: «... وكل هذه الأقوال خطأ، لأنَّ النّبيّ - ﷺ - أمَر بالتشهد في القعود في الصلاة، فصار التشهد فرضًا، وصار القعود الذي لا يكون التشهد إلاَّ فيه فرضًا، إِذ لا يجوز أن يكون غير فرض ما لا يتم الفرض إِلا فيه أو به! ثمَّ روى بإِسناده إِلى عمر أنَّه قال:»لا صلاة إلاَّ بتشهد، وعن نافع مولى ابن عمر: من لم يتكلم بالتشهد فلا صلاة له؟ وهو قول الشافعي، وأبي سليمان!«. وقال رادًّا على من يقول: لو كان الجلوس الأوّل فرضًا لما أجزأت الصلاة بتركه إِذا نسيه المرء:»هذا ليس بشيء لأنَّ السنّة التي جاءت بوجوبه هي التي جاءت بأنَّ الصلاة تجزئ بنسيانه [وهذا قويّ وقياس المتعمّد على النّاسي لا يصحّ] وهم يقولون: إِنَّ الجلوس عمدًا في موضع القيام في الصلاة حرام؛ تبطل الصلاة بتعمده، ولا تبطل بنسيانه، وكذلك السلام قبل تمام الصلاة ولا فرق". قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «تلخيص صفة الصلاة» (ص ٢٩): «والتشهّد واجب، إِذا نسيه سجدَ سجدتي السهو» انتهى. ويرجّح وجوبه أنَّه جاء في أفراد الأوامر التي أمرها رسول الله - ﷺ - «المسيء صلاته» ولفظه: «إِنها لا تتمّ صلاة أحدكم حتى يُسبغ الوضوء» ... وذكر الحديث إِلى أن قال: «فإِذا جلسْتَ في وسط الصلاة؛ فاطمئنّ وافترش فخذك اليسرى، ثمَّ تشهّد». وانظر «سنن أبي داود» (٧٦٤)، و«صفة الصلاة» (١٥٧)، وقد تقدّم كلام الشوكاني في «نيل الأوطار» حول هذه القاعدة. وقال شيخنا في «تمام المنّة» (١٧٠) بعد الحديث السابق: «وفيه دليل على وجوب التشهّد في الجلوس الأوّل، ولازِمه وجوب الجلوس له، لأنَّه ما لا يقوم الواجب إلاَّ به فهو واجب». وفي الحديث: «إِذا قعدتم في كلّ ركعتين فقولوا: التحيات ... الخ» (١). وفي لفظ: «قولوا في كلّ جلسة التحيات» (٢). ٢٠ - الصلاة على النّبيّ - ﷺ - في التشهّد الأوّل: فقد «كان - ﷺ - يصلي على نفسه في التشهّد الأوّل وغيره» (٣). قال شيخنا -شفاه الله وعافاه-: «وسنّ ذلك لأمته؛ حيث أمَرهم بالصلاة عليه بعد السلام عليه، فقد قالوا: يا رسول الله! قد علِمنا كيف نُسلِّم عليك ---------------------------- (١) أخرجه النسائي وأحمد والطبراني في»الكبير«بسند صحيح. وانظر»صفة الصلاة«(١٦٠). (٢) أخرجه النسائي بسند صحيح. وانظر»صفة الصلاة«(١٦٠). (٣) أخرجه أبو عوانة في»صحيحه«(٢/ ٣٢٤) والنسائي. عن»الصفة" (١٦٤). (أي: في التشهّد)، فكيف نصلّي عليك؟ قال: قولوا: اللهمّ صل على محمّد ... الحديث، فلم يخصّ تشهّدًا دون تشهّد، ففيه دليل على مشروعية الصلاة عليه في التشهّد الأوّل أيضًا، وهو مذهب الإِمام الشافعي، كما نص عليه في كتابه «الأمّ» (١)، وهو الصحيح عند أصحابه؛ كما صرّح به النووي في «المجموع» (٣/ ٤٦٠)، واستظهرَه في «الروضة» (١/ ٢٦٣ - طبع المكتب الإِسلامي)، وهو اختيار الوزير ابن هبيرة الحنبلي في «الإِفصاح»؛ كما نقله ابنُ رجب في «ذيل الطبقات» (١/ ٢٨٠) وأقرّه، وقد جاءت أحايثُ كثيرة في الصلاة عليه - ﷺ - في التشهّد، وليس فيها أيضًا التخصيصُ المشارُ إِليه، بل هي عامّة تشملُ كل تشهُّد، وقد أوردْتها في الأصل تعليقًا، ولم أورِدْ شيئًا منها في المتن؛ لأنَّها ليست على شرطنا، وإن كانت من حيث المعنى يقوّي بعضها بعضًا، وليس للمانعين المخالفين أيُّ دليل يصحّ أنْ يُحتَجّ به، كما فصّلته في «الأصل»، كما أن القول بكراهة الزيادة في الصلاة عليه - ﷺ - في التشهد الأوّل على «اللهمّ صلّ على محمّد»، ممّا لا أصْل له في السنّة ولا برهان عليه، بل نرى أنّ من فعَل ذلك لم يُنفِّذْ أمْر النّبيّ - ﷺ - المتقدّم: «قولوا: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد ...» إِلخ. وفي «تمام المنّة» (ص ٢٢٤): "في الردّ على الشيخ السيد سابق ------------------------- (١) قال -رحمه الله تعالى- تحت رقم (١٤٥٦): والتشهد والصلاة على النّبيَ - ﷺ - في التشهّد الأول في كل ركعة غير الصبح تشهدان؛ تشهد أوّل، وتشهد آخر، إِن ترك التشهد الأول، والصلاة على النّبيّ - ﷺ - في التشهد الأول ساهيًا، لا إِعادة عليه، وعليه سجدتا السهو لتركه. -حفظه الله تعالى- في إِيراده قول ابن القيّم -رحمه الله-: لم يُنقَل أنَّه - ﷺ - صلّى عليه وعلى آله في التشّهّد الأوّل ... ومن استحبَّ ذلك فإِنما فَهِمه من عمومات وإطلاقات؛ قد صحّ تبيين موضعها وتقييدها بالتشهّد الأخير. قال شيخنا -حفظه الله-: لا دليل تقوم به الحّجة يصلح لتقييد العمومات والمطلقات المشار إِليها بالتشهّد الأوّل، فهي على عمومها، وأقوى ما استدلّ به المخالفون حديث ابن مسعود المذكور في الكتاب (١)، وهو غير صحيح الإِسناد لانقطاعه كما ذكَر المؤلف (٢)، وقد استوفى ابن القيّم -رحمه الله- أدلّة الفريقين، وبيَّن ما لها وما عليها في «جلاء الأفهام في الصلاة على خير الأنام»، فراجِعه يظهر لك صواب ما رجّحناه. ثمَّ وقفْتُ على ما ينفي مطلق قول ابن القيّم: «لم يُنقل أنَّه - ﷺ - صلّى عليه وعلى آله في التشهد الأوّل»، وهو قول عائشة -رضي الله عنها- في صفة صلاته - ﷺ - في الليل: «كنا نعدّ لرسول الله - ﷺ - سواكه وطَهوره، فيبعثه الله فيما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضّأ، ثمَّ يصلّي تسع ركعات لا يجلس فيهنّ إِلا عند الثامنة، فيدعو ربه ويصلّي على نبيِّه، ثمَّ ينهض ولا يُسلّم، ثمَّ يصلّي التاسعة، فيقعد، ثمَّ يحمد ربه ويصلّي على نبيه - ﷺ - ويدعو، ثمَّ يُسلّم تسليمًا يُسمِعنا». ----------------------- (١) ولفظه: «كان النّبي - ﷺ - إِذا جلس في الركعتين الأوليين؛ كأنّه على الرَّضف». (٢) فقد قال -حفظه الله تعالى-: «وقال الترمذي حسن إلاَّ أن عبيدة لم يسمع من أبيه». أخرجه أبو عوانة في «صحيحه» (٢/ ٣٢٤) وهو في «صحيح مسلم» (٢/ ١٧٠)، لكنه لم يَسُقْ لفظه. ففيه دلالة صريحة على أنَّه - ﷺ - صلّى على ذاته - ﷺ - في التشهّد الأوّل كما صلّى في التشهّد الآخر، وهذه فائدة عزيزة فاستفِدها، وعضَّ عليها بالنواجذ. ولا يقال: إنّ هذا في صلاة الليل، لأننا نقول: الأصل أنّ ما شُرع في صلاة شُرع في غيرها؛ دون تفريق بين فريضة أو نافلة، فمن ادَّعى الفرق فعليه الدليل«. انتهى. قال ابن حزم في»المحلّى«تحت المسألة (٤٥٨):»ويستحبّ إِذا أكمل التشهّد في كلتي الجلستين أن يصلّي على رسول الله - ﷺ - فيقول: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على إِبراهيم ...«. قلت: ومن الأدلة على ذلك أيضًا حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-:»كنّا لا ندري ما نقول في كلّ ركعتين غير أنْ نسبّح، ونكبّر، ونحمد ربّنا، وأنّ محمّدًا - ﷺ - علم فواتح الخير وخواتمه، فقال: «إِذا قعدتم في كل ركعتين، فقولوا: التحياتُ لله، والصلوات، والطيبات. السلام عليك أيها النّبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلاَّ الله وأشهد أنَّ محمّدًا عبده ورسوله. وليتخيّر أحدكم من الدعاء أعجبه إِليه، فليدْع الله عز وجل» (١). فهذا صريح بتخيُّر الدعاء في كلّ ركعتين والدعاء إِنما يكون بعد الصلاة --------------- (١) أخرجه أحمد والنسائي «صحيح سنن النسائي» (١١١٤) وغيرهما، وانظر «الصحيحة» (٨٧٨). على النّبيّ - ﷺ -. قال شيخنا في «الصحيحة» (٨٧٨) بعد أن ذكر الحديث السابق: «وفي الحديث فائدة هامّة؛ وهي مشروعية الدعاء في التشهد الأول، ولم أر من قال به من الأئمّة غير ابن حزم، والصواب معه، وإِنْ كان هو استدل بمُطْلَقات يمكن للمخالفين ردّها بنصوص أخرى مقيّدة، أمّا هذا الحديث فهو في نفسه نصّ واضح مفسّر لا يقبل التقييد، فرحم الله امرَأً أنصف واتبع السنة» (١) انتهى. ثمَّ وجدت في «صحيح سنن النسائي» (١١١٥) حديثًا في غاية التصريح والتبيين عن عبد الله قال: «علَّمنا رسول الله - ﷺ - التشهّد في الصلاة، والتشهّد في الحاجة، فأمّا التشهّد في الصلاة: التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبيّ (٢) ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله --------------------- (١) ثمَّ قال شيخنا -حفظه الله-: والحديث دليل من عشرات الأدلة على أنّ الكتب قد فاتها غير قليل من هدي خير البريّة - ﷺ -، فهل في ذلك ما يحمل المتعصّبة على الاهتمام بدراسة السنّة، والاستنارة بنورها؟! لعلّ وعسى. تنبيه: وأمّا حديث:»كان لا يزيد في الركعتين على التشهد«. فهو منكر كما حققته في»الضعيفة«(٥٨١٦). (٢) هذا في حياته - ﷺ - أمّا بعد مماته فيقول: السلام على النّبيّ ورحمة الله وبركاته. قال الحافظ في»الفتح«(٢/ ٣١٤) -بحذف-: وقد ورد في بعض طرق حديث ابن مسعود هذا ما يقتضي المغايرة بين زمانه - ﷺ - فيقال بلفظ الخطاب، وأمّا بعده فيقال بلفظ الغَيبَة، ففي الاستئذان من»صحيح البخاري«من طريق أبي معمر عن ابن مسعود بعد أن ساق حديث التشهّد قال:»وهو بين ظَهرانَينا، فلما قُبض قلنا السلام" يعني على النّبيّ، كذا وقع في البخاري، وأخرجه أبو عوانة في صحيحه والسراج والجوزقي وأبو نعيم الأصبهاني = الصالحين، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، وأشهد أن محمّدًا عبده ورسوله، إِلى آخر التشهّد». وكلمة إِلى آخر التشهّد؛ توضّح أنَّ الصلاة على النّبيّ - ﷺ - منه، لأنّه ذكَر التحيات كاملة، فلم يبق إلاَّ الصلاة على النّبيّ - ﷺ -؛ وبالله التوفيق. ٢١ - القيام إِلى الركعة الثالثة ثمَّ الرابعة (١) ويراعى فيه ما يأتي: التكبير عند النهوض فقد «كان - ﷺ - ينهض إِلى الركعة الثالثة مكبّرًا» (٢). والسّنّة أن يكبّر وهو جالس. و«كان - ﷺ - يرفع يديه» مع هذا التكبير أحيانًا (٣). «تمَّ يقوم معتمدًا على الأرض» (٤). و«كان يعجن -يعتمد على يديه- إِذا قام» (٥). ----------------------- = والبيهقي من طرق متعددة إِلى أبي نعيم شيخ البخاري فيه بلفظ: «فلما قبض قلنا السلام على النّبيّ» بحذف لفظ يعني، وقد وجدت له متابعًا قويًا: قال عبد الرزاق: «أخبرنا ابن جريج أخبرني عطاء أن الصحابة كانوا يقولون والنّبيّ - ﷺ - حي: السلام عليك أيها النّبيّ، فلما مات قالوا: السلام على النّبيّ، وهذا إِسناد صحيح. انتهى. وانظر ما قاله شيخنا -حفظه الله- في»صفة الصلاة«(ص ١٦٢). (١) ملتقطًا من»صفة الصلاة«(ص ١٧٧) و»تلخيصها«(ص٣٠ - ٣١). (٢) أخرجه البخاري: ٨٢٥، ومسلم: ٣٩٣ نحوه. (٣) أخرجه البخاري: ٧٣٩ نحوه، وأبو داود. (٤) أخرجه البخاري: ٨٢٤، وأبو داود. (٥) أخرجه الحربي في»غريب الحديث" ومعناه عند البخاري وأبي داود. وكان يقرأ في كلٍّ من الركعتين الفاتحة، ويضيف إِليها آية أو أكثر أحيانًا. ٢٢ - التشهّد الأخير: وكان - ﷺ - يأمر فيه بما أمَر به في الأوّل، ويصنع فيه ما كان يصنع في الأوّل، إلاَّ أنَّه كان يقعد فيه متورِّكًا (١). قال شيخنا في «تلخيص صفة الصلاة» (ص ٣٣): «ثمَّ يقعد للتشهّد الأخير، وكلاهما واجب». ٢٣ - الصلاة على النّبيّ - ﷺ - في التشهّد الأخير، وهي واجبة: عن أبي مسعود الأنصاري؛ قال: أتانا رسول الله - ﷺ - ونحن في مجلس سعد بن عُبادة، فقال له بَشير بن سعد: أمَرنا الله تعالى أن نصلّيَ عليك يا رسول الله! فكيف نُصلّي عليك؟ قال فسكت رسول الله - ﷺ - حتى تمنَّينا أنَّه لم يسأله، ثمَّ قال رسول الله - ﷺ -: «قولوا: اللهمَّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلَّيت على آل إِبراهيم، وبارِك على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركت على آل إِبراهيم، في العالمين إِنَّك حميد مجيد. والسلام كما قد علِمتم» (٢). وسمع - ﷺ - رجلًا يدعو في صلاته؛ لم يُمجّد الله تعالى، ولم يُصلِّ على النّبيّ - ﷺ - فقال: «عجِّل هذا»، ثمَّ دعاه فقال له ولغيره: «إِذا صلّى أحدكم؛ ---------------------- (١) انظر»صفة الصلاة«(١٨١)، والتورك: من وضع الورك عليها، والوَرِك: ما فوق الفخذ. وهو أن يُنحِّي رجليه في التشهد الأخير، ويلصق مقعدته بالأرض. وانظر»النهاية"، وتقدم بعضه. (٢) أخرجه مسلم: ٤٠٥، وغيره. فليبدأ بتحميد ربه جلّ وعزّ، والثناء عليه، ثمَّ يصلّي (وفي رواية: ليصلّ) على النّبيّ - ﷺ -، ثمَّ يدعو بما شاء» (١). قال الشوكاني: لم يثبت عندي ما يدلّ للقائلين بالوجوب غير هذا الحديث: «... عجل هذا». من صِيَغ التَّشَهُّد (٢) ١ - التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النّبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، [فإِنه إِذا قال ذلك؛ أصاب كُلّ عبدٍ صالحٍ في السماء والأرض]، أشهد أن لا إِله إِلا الله، وأشهد أن محمّدًا عبده ورسوله، [قال عبد الله:] [وهو بين ظهرانينا، فلما قُبض قلنا: السلام على النّبيّ] (٣). ٢ - التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، [الـ] سلام عليك أيها النّبيّ ورحمة الله وبركاته، [الـ] سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إِله إِلا الله، و[أشهد] أن محمّدًا رسول الله، وفي رواية: عبده ورسوله (٤). --------------------- (١) أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما، وانظر «صفة الصلاة» (ص ١٨٢). قال شيخنا -شفاه الله تعالى-: «واعلم أنّ هذا الحديث يدل على وجوب الصلاة عليه - ﷺ - في هذا التشهد للأمر بها، وقد ذهَب إِلى الوجوب الإِمام الشافعي وأحمد في آخر الروايتين عنه، وسبَقهما إِليه جماعة من الصحابة وغيرهم ...». (٢) «صفة الصلاة» (ص ١٦١) -بحذف وتصرُّف-. (٣) أخرجه البخاري: ٦٢٦٥، ومسلم: ٤٠٢، وانظر «الإِرواء» (٣٢١). (٤) أخرجه مسلم: ٤٠٣، وأبو عوانة وغيرهما. ٣ - التحيات لله، [و] الصلوات [و] الطيبات، السلام عليك أيها النّبيّ ورحمة الله- قال ابن عمر: زدت (١) فيها: وبركاته -السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إِله إِلا الله- قال ابن عمر: وزدت (٢) فيها: وحده لا شريك له- وأشهد أن محمّدًا عبده ورسوله (٣). ٤ - التحيات الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النّبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إِله إِلا الله [وحده لا شريك له]، وأشهد أن محمّدًا عبده ورسوله (٤). مِن صِيغ الصلاة على النّبيّ - ﷺ - في التشهّد (٥) ١ - «اللهمّ صلّ على محمّد، وعلى أهل بيته، وعلى أزواجه وذريّته؛ كما صلّيتَ على آل إِبراهيم، إِنك حميد مجيد وبارِك على محمّد، وعلى آل بيته، وعلى أزواجه وذريّته؛ كما باركْتَ على آل إِبراهيم، إِنك حميد مجيد». وهذا كان يدعو به هو نفسه - ﷺ - (٦). ٢ - «اللهم صلِّ على محمّد، وعلى آل محمّد، كما صلّيت على [إِبراهيم، وعلى] آل إِبراهيم، إِنك حميد مجيد، اللهم بارِك على محمّد، وعلى آل ------------------------- (١) أي: زاد فيها من التشهُّد الذي سَمِعه من النّبيّ - ﷺ -؛ لا مِن عنده. (٢) أي: زاد فيها من التشهُّد الذي سَمِعه من النّبيّ - ﷺ -؛ لا مِن عنده. (٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٩٧١) والدارقطني وصحّحه. (٤) أخرجه مسلم: ٤٠٤، وأبو عوانة وغيرهما. (٥) عن»صفة الصلاة«(ص ١٦٥) بتصرّف. (٦) أخرجه أحمد والطحاوي بسند صحيح، والشيخان دون قوله - ﷺ -»أهل بيته" وانظر البخاري: ٣٣٦٩، ومسلم: ٤٠٧ محمّد؛ كما باركْتَ على [إِبراهيم، وعلى] آل إِبراهيم، إِنك حميد مجيد» (١) ٣ - «اللهم صلّ على محمّد [النّبيّ الأمّي (٢)]، وعلى آل محمّد؛ كما صلّيتَ على [آل] إِبراهيم، وبارِك على محمّد [النّبيّ الأمّي] وعلى آل محمّد؛ كما باركت على [آل] إِبراهيم في العالمين، إِنك حميد مجيد» (٣). ٤ - «اللهم صلّ على محمّد و[على] أزواجه وذريته، كما صلّيتَ على [آل] إِبراهيم، وبارِك على محمّد و[على] أزواجه وذريته، كما باركْتَ على [آل] إِبراهيم، إِنك حميد مجيد» (٤). ٥ - «اللهم صلّ على محمّد، وعلى آل محمّد، وبارِك على محمّد، وعلى آل محمّد، كما صلّيت وباركتَ على إِبراهيم وآل إِبراهيم، إِنك حميد مجيد» (٥). --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣٣٧٠، ومسلم: ٤٠٦، والنسائي في «عمل اليوم والليلة»، والحميدي وابن منده وقال: هذا حديث مُجمعٌ على صحَّته. (٢) الأمّيّ: من كان على أصل ولادة أمّه؛ لم يتعلم الكتابة والحساب، فهو على جبلته الأولى، وانظر «النهاية». (٣) أخرجه مسلم: ٤٠٥، وأبو عوانة وابن أبي شيبة في «المصنف» وأبو داود والنسائي وصححه الحاكم. (٤) أخرجه البخاري: ٣٣٦٩، ومسلم: ٤٠٧، والنسائي. (٥) أخرجه النسائي والطحاوي، وأبو سعيد ابن الأعرابي في «المعجم». ٢٤ - الاستعاذة من أربع قبل الدعاء: ويجب الاستعاذة من أربع بعد الفراغ من التشهّد الآخر، لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِذا تشهّد أحدكم؛ فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهمّ إِنّي أعوذ بك من عذاب جهنّم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شرّ فتنة المسيح الدجال» (١). وفي رواية: «إِذا فرغ أحدكم من التشهد الآخِر فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شرّ المسيح الدجال» (٢). وكان رسول الله - ﷺ - يعلّمه الصحابة -رضي الله عنهم- كما يعلمهم السورة من القرآن. فعن ابن عباس أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يعلمهم هذا الدعاء؛ كما يعلّمهم السورة من القرآن يقول: قولوا: اللهم إِنا نعوذ بك من عذاب جهنّم ... «(٣). ٢٥ - الدعاء قبل السلام (٤) وأنواعه (٥): من السنّة أن يتخيّر المصلي من الأدعية الآتية ما شاء وينوّع، وهي: --------------------- (١) أخرجه مسلم: ٥٨٨ وأبو عوانة والنسائي وابن الجارود في»المنتقى«، وهو مخرج في»الإرواء«(٣٥٠). (٢) أخرجه مسلم: ٥٨٨ (٣) أخرجه مسلم: ٥٩٠ (٤) وهو مستحب وبهذا يقول شيخنا -شفاه الله تعالى-. (٥) عن»صفة الصلاة" (ص ١٨٣) بتصرّف. ١ - اللهمّ إِنّي أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهمّ إِني أعوذ بك من المأثم والمغرم (١)» (٢). ٢ - «اللهم إِنّي أعوذ بك من شر ما عمِلتُ (٣)، ومن شر ما لم أعمل (٤) [بعد]» (٥). ٣ - «اللهم حاسِبني حسابًا يسيرًا» (٦). ٤ - وعلَّم - ﷺ - أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- أن يقول: «اللهمّ إِني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إِلا أنت، فاغفر لي مغفرة من -------------------- (١) هو الأمر الذي يأثم به الإِنسان، أو هو الإِثم نفسه؛ وضْعًا للمصدر موضع الاسم.»النهاية«. وكذلك المغرم: ويريد به الدَّيْن؛ بدليل تمام الحديث:»قالت عائشة: فقال له القائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم يا رسول الله! فقال: إِن الرجل إِذا غرم؛ حدّث فكذب، ووعد فأخلف«. وجاء في»النهاية«: المَغْرَم: كالغُرْم، وهو الدَّيْن ويريُد به ما استدين فيما يكرهه الله، أو فيما يجوز ثمَّ عَجَز عن أدائه، فأمّا دَيْن احتاج إِليه وهو قادر على أدائه فلا يُستعاذ منه». (٢) أخرجه البخاري: ٨٣٢، ومسلم: ٥٨٩ (٣) أي: من شر ما فعلْت من السيئات. (٤) من الحسنات يعني: من شر تركي العمل بها. (٥) أخرجه النسائي بسند صحيح، وابن أبي عاصم في كتاب «السُّنة» (٣٧٠) والزيادة له. (٦) أخرجه أحمد والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي. https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثانى من صــ 91الى صــ 105 الحلقة (36) عندك، وارحمني، إِنك أنت الغفور الرحيم» (١). ٥ - وأمرَ عائشة -رضي الله عنها- أن تقول: «اللهمّ إِنّي أسألك من الخير كلهّ؛ [عاجله وآجله]؛ ما علمتُ منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كلّه [عاجله وآجله] ما علمتُ منه وما لم أعلم، وأسألك (وفي رواية: اللهمّ إِني أسألك) الجنة وما قرّب إِليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرّب إِليها من قول أو عمل، وأسألك (وفي رواية: اللهمّ إِني أسألك) من [الـ] خير ما سألَك عبدك ورسولك [محمّد، وأعوذ بك من شر ما استعاذ منه عبدك ورسولك محمّد - ﷺ -]، [وأسألك] ما قضيتَ لي من أمْر أن تجعل عاقبته [لي] رشدًا» (٢). ٦ - و«قال لرجل:»ما تقول في الصلاة؟ «قال: أتشهّد، ثمَّ أسأل الله الجنّة، وأعوذ به من النار، أما والله ما أحسِن دندنتك (٣) ولا دندنة معاذ، فقال - ﷺ -: (حولها ندندن)» (٤). ٧ - وسمع رجلًا يقول في تشهُّده: «اللهمّ إِني أسألك يا الله (وفي رواية: -------------------------- (١) أخرجه البخاري: ٨٣٤، ومسلم: ٢٧٠٥ (٢) أخرجه أحمد والطيالسي والبخاري في»الأدب المفرد«وابن ماجه والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، وانظر»الصحيحة«(١٥٤٢). (٣) أي: مسألتك الخفية أو كلامك الخفيّ، والدندنة: أنْ يتكلم الرجل بكلام تسمع نغمته ولا يُفهَم، وضمير الهاء في قوله:»حولها" يعود للمقالة؛ أي: كلامنا قريب من كلامك. (٤) أخرجه أبو داود وابن ماجه وابن خزيمة بسند صحيح. بالله) [الواحد] الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد أن تغفر لي ذنوبي، إِنك أنت الغفور الرحيم. فقال - ﷺ -: (قد غفر له، قد غفر له) «(١). ٨ - وسمع آخر يقول في تشهّده أيضًا:»اللهمّ إِني أسألك بأنّ لك الحمد، لا إِله إلاَّ أنت [وحدك لا شريك لك]، [المنان]، [يا] بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإِكرام يا حي يا قيوم [إِني أسألك] [الجنة، وأعوذ بك من النار] [فقال النّبيّ - ﷺ - لأصحابه: تدرون بما دعا؟ «قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (والذي نفسي بيده]؛ لقد دعا الله باسمه العظيم (وفي رواية: الأعظم) الذي إِذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى)» (٢). ٩ - وكان من آخِر ما يقول بين التشهد والتسليم: «اللهم اغفِر لي ما قدّمتُ، وما أخّرتُ، وما أسرَرْت، وما أعلنتُ، وما أسرفتُ، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدّم وأنت المؤخّر، لا إِله إِلا أنت» (٣). ٢٦ - التسليم، والتسليمة الأولى ركن والثانية مستحبّة: لِما تقدّم من قوله - ﷺ -: «مفتاح الصلاة الطَّهور وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم». ------------------------ (١) أخرجه أبو داود والنسائي، وأحمد وابن خزيمة، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. (٢) أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد والبخاري في «الأدب المفرد»، والطبراني، وابن منده في «التوحيد» بأسانيد صحيحة. (٣) أخرجه مسلم: ٧٧١، وأبو عوانة. و«كان - ﷺ - يسلم عن يمينه:»السلام عليكم ورحمة الله«، حتى يُرى بياض خدّه الأيمن، وعن يساره:»السلام عليكم ورحمة الله«، حتى يُرى بياض خده الأيسر» (١). وكان أحيانًا يزيد في الأولى: «وبركاته» (٢). وكان أحيانًا إِذا قال عن يمينه: «السلام عليكم ورحمة الله» اقتصر -أحيانًا - على قوله عن يساره: «السلام عليكم» (٣)، وأحيانًا «كان يسلم تسليمة واحدة:»السلام عليكم«، تلقاء وجهه، يميل إِلى الشق الأيمن شيئًا [أو قليلًا]» (٤). قال شيخنا في «تلخيص صفة الصلاة» (ص ٣١): «ثمَّ يُسلّم عن يمينه وهو رُكن حتى يُرى بياض خدّه الأيمن». وقد نقل ابن المنذر الإِجماع على أنَّ من اقتصر في صلاته على تسليمة واحدة فقد اجزأَت. ------------------------ (١) أخرجه مسلم: ٥٨٢ بنحوه وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه. (٢) أخرجه أبو داود وابن خزيمة (١/ ٨٧/٢) بسند صحيح، وغيرهما، وصححه عبد الحقّ في «أحكامه» (٥٦/ ٢) وكذا النووى والحافظ ابن حجر، وانظر «صفة الصلاة» (١٨٧). (٣) أخرجه النسائي وأحمد والسراج بسند صحيح. عن «صفة الصلاة» (١٨٨). (٤) أخرجه الترمذي وغيره، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وابن الملقن في «الخلاصة»، وانظر للمزيد «صفة الصلاة» (١٨٨)، و«الإِرواء» (٢/ ٣٣)، و«الصحيحة» (٣١٦). ما ورد في صِفة الصلاة يستوي فيها الرجال والنساء قال شيخنا في»الصفة«-بحذف-:»كلّ ما تقدّم من صفة صلاته - ﷺ - يستوي فيه الرجال والنساء، ولم يَرِد في السنّة ما يقتضي استثناءُ النساء من بعض ذلك، بل إِنّ عموم قوله - ﷺ -: «صلّوا كما رأيتموني أصلي» يشملُهُنّ، وهو قول إِبراهيم النخعي قال: «تفعَلُ المرأةُ في الصلاة كما يفعَلُ الرجل». أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٧٥/٢) بسند صحيح عنه (١). وروى البخاري في «التاريخ الصغير» (ص٩٥) بسند صحيح عن أمّ الدرداء: «أنها كانت تجلس في صلاتها جلسة الرجل، وكانت فقيهة». الأذكار والأدعية بعد السلام ١ - عن ثوبان -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - إِذا انصرف من صلاته، استغفَر ثلاثًا، وقال:»اللهمّ أنت السلام ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإِكرام«. قال الوليد (٢) فقلت للأوزاعي: كيف الاستغفار؟ قال: تقول: أستغفر الله، أستغفر الله (٣). ------------------------- (١) وحديث انضمام المرأة في السجود، وأنها ليست في ذلك كالرجل؛ مُرسَل لا حجة فيه. رواه أبو داود في»المراسيل«(١١٧/ ٨٧) عن يزيد بن أبي حبيب، وهو مخرّج في»الضعيفة" (٢٦٥٢). (٢) هو شيخ البخاري. (٣) أخرجه مسلم: ٥٩١ ٢ - وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان النّبيّ - ﷺ - إِذا سلّم، لم يقعد إلاَّ مقدار ما يقول: اللهمّ أنت السلام ومنك السلام، تباركتَ يا ذا الجلال والإِكرام» (١). عن ورّاد كاتب المغيرة بن شعبة قال: «أَملى عليَّ المغيرة بن شعبة في كتاب إِلى معاوية؛ أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يقول في دُبر كلِّ صلاة مكتوبة: لا إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلِّ شيء قدير، اللهمّ لا مانع لما أعطيت، ولا معطيَ لما منعْت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ، وقال شعبة عن عبد الملك بهذا عن الحكم عن القاسم بن مُخَيمِرة عن ورَّادٍ بهذا، وقال الحسن الجَدُّ: الغنى». (٢) ٣ - عن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - أخذ بيده وقال: «يا معاذ! إِنِّي والله لأحبُّك، فلا تدعَنَّ في دُبُر كلِّ صلاة أن تقول: اللهمّ أعنِّي على ذكركَ وشُكرك، وحُسن عبادتك» (٣). ٤ - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «جاء الفقراء إِلى النّبيّ - ﷺ - فقالوا ذهب أهل الدثور (٤) من الأموال بالدرجات العُلا والنّعيم المقيم، يُصلّون كما نُصلّي ويصومون كما نصوم، ولهم فضلٌ من أموالٍ يحجّون بها ---------------------- (١) أخرجه مسلم: ٥٩٢ (٢) أخرجه البخاري: ٨٤٤، ومسلم: ٥٩٣ (٣) أخرجه أبو داود والنسائي، وقال شيخنا في»الكلم الطيب" (ص ٧٠): وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات. (٤) الدثور: جمع دَثْر، وهو المال الكثير. ويعتمرون ويجاهدون ويتصدّقون قال: ألا أحدّ ثكم إِنْ أخذتم أدركتم مَن سبقكم ولم يدْركْكُم أحدٌ بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه إلاَّ من عمل مثله؟ تُسبِّحون وتحمَدون وتُكبّرون خلف كلِّ صلاة ثلاثًا وثلاثين، فاختلفنا بيننا فقال بعضُنا: نسبّح ثلاثًا وثلاثين، ونحمد ثلاثا وثلاثين، ونكبّر أربعًا وثلاثين، فرجعتُ إِليه، فقال: تقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر، حتى يكون منهنّ كلهِّن ثلاثٌ وثلاثون» (١). ٥ - عن أبي الزبير؛ قال: كان ابن الزبير يقول في دُبُر كلّ صلاة حين يسلّم: «لا إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، لا إِله إلاَّ الله، ولا نعبد إلاَّ إِيّاه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إِله إلاَّ الله مُخلِصين له الدين ولو كَره الكافرون، وقال: كان رسول الله - ﷺ - يهلّل بهنّ دُبُر كلِّ صلاة» (٢). ٦ - عن كعب بن عُجْرَة عن رسول الله - ﷺ - قال: مُعقّبات (٣) لا يَخِيب قائلهنّ (أو فاعلهنّ) ثلاثٌ وثلاثون تسبيحة، وثلاثٌ وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة؛ في دُبر كلّ صلاة«(٤). --------------------------- (١) أخرجه البخاري: ٨٤٣، ومسلم: ٥٩٥ (٢) أخرجه مسلم: ٥٩٤ (٣) سُميت معقّبات لأنها تُقال عَقيب الصلاة، كما في»النهاية«. قال شيخنا في»الصحيحة«(١٠٢): (والحديث نصٌّ على أنّ هذا الذكر؛ إِنْما يُقال عقب الفريضة مباشرة ...». (٤) أخرجه مسلم: ٥٩٦ ٧ - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله - ﷺ - قال: «من سبّح الله في دُبُر كلّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين، وحَمِد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبَّر الله ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون. وقال تمام المائة: لا إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير -غُفِرت خطاياه وإن كانت مثلَ زبد البحر» (١). ٨ - عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- عن النّبيّ - ﷺ - قال: خَصلتان أو خلّتان، لا يحافظ عليهما عبدٌ مسلم إلاَّ دخل الجنّة. وهما يسير، ومن يعمل بهما قليل: يُسبّح الله في دبر كلِّ صلاةٍ عشرًا، ويحمَدهُ عشرًا، ويكبرهُ عشرًا، وذلك خمسون ومائة باللسان، وألف وخمسمائة في الميزان. ويكبر أربعًا وثلاثين إِذا أخذ مضجعه، ويحمده ثلاثًا وثلاثين، ويسبح ثلاثًا وثلاثين، فذلك مائةٌ باللسان وألف في الميزان. قال: فلقد رأيت رسول الله - ﷺ - يعقدها بيده، قالوا: يا رسول الله كيف هما يسير، ومن يعمل بهما قليل؟ قال: يأتي أحدكم -يعني الشيطان في منامه- فينوّمه قبل أن يقول، ويأتيه في صلاته، فيذكّره حاجته قبل أن يقولها«(٢). ٩ - وعن عقبة بن عامر قال:»أمرَني رسول الله - ﷺ - أن أقرأ المعوّذات دبرَ ---------------------- (١) أخرجه مسلم: ٥٩٧ (٢) أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وهو في «الكلم الطيب» (١١١)، وقد استوفيت شرحه في «شرح صحيح الأدب المفرد». كلّ صلاة» (١). ١٠ - عن أبي أسامة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من قرأ آية الكُرسي في دُبُر كلّ صلاة، لم يَحُلْ بينه وبين دخول الجنّة إلاَّ الموت» (٢). ١١ - عن رجل من الأنصار قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول في دُبُر الصلاة: «اللهم اغفِر لي، وتُب عليّ، إِنك أنت التوّاب الغفور» (٣). ١٢ - عن أُمّ سلمة -رضي الله عنها- أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يقول إِذا صلّى الصبِّح حين يُسلّم: «اللهمّ إِنّي أسألك عِلمًا نافعًا ورِزقًا طيبًا وعملًا متقبّلًا» (٤). ١٣ - عن عبد الرحمن بن غَنْم عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه قال: «من قال قبل أن ينصرف ويَثنيَ (٥) رجليه من صلاة المغرب والصبح: لا إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له المُلك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كلِّ شيءٍ قدير عشرَ مرات، ---------------------- (١) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي، وقال شيخنا في»الكَلِم الطيب«(١١٢):»وأخرجه أحمد وسنده صحيح، وصحّحه ابن حبّان«. (٢) أخرجه النسائي وغيره، وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في»الصحيحة«(٩٧٢). (٣) أخرجه ابن أبي شيبة في»المسند«، وغيره وصححه شيخنا في»الصحيحة«(٢٦٠٣). (٤) أخرجه أحمد وابن أبي شيبة وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٧٥٣) وغيرهم، وانظر»تمام المنّة«(٢٣٣). (٥)»أي: لا يصرف رجله عن حالتها التي هي عليها في التشهّد«. وانظر»النهاية". كتَب الله له بكل واحدةٍ عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورَفع له عشرَ درجاتٍ، وكانت حرزًا من كل مكروه، وحرزًا من الشيطان الرجيم، ولم يَحِلَّ لذنبٍ أن يُدركه إلاَّ الشرك، وكان من أفضل الناس عملًا، إلاَّ رجلًا يَفضُله، يقول أفضل ممّا قال» (١). ١٤ - عن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: من قال دُبر صلاة الغداة: «لا إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كلِّ شيءٍ قدير، مائة مرة، قبل أن يَثني رجليه، كان يومئذ من أفضل أهل الأرض عملًا، إلاَّ من قال مثل ما قال، أو زاد على ما قال» (٢). ---------------------- (١) أخرجه أحمد وغيره، وهو حسن لغيره، انظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٤٧٢)، وانظر «الصحيحة» (١١٤ و٢٥٦٣) (٢) أخرجه الطبري بإِسناد جيد وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٤٧١)، و«الصحيحة» (٢٦٦٤). صلاة التطوّع فضلها: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله - ﷺ - قال: «إِنَّ أوّل ما يحاسَب به العبدُ يوم القيامة من عمله صلاته، فإِنْ صَلَحت فقد أفلح وأنجح، وإنْ فسدت خاب وخسر، وإن انتقص من فريضته قال الله تعالى: انظروا هل لعبدي من تطوُّع يُكمل به ما انتقص من الفريضة؟ ثمَّ يكون سائر عمله على ذلك» (١). استحبابها في البيت عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- قال: «... عليكم بالصلاة في بيوتكم؛ فإِنَّ خير صلاة المرء في بيته إلاَّ الصلاة المكتوبة» (٢). عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده؛ فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته، فإِنَّ الله جاعلٌ في بيته من صلاته خيرًا» (٣). عن ابن عمر عن النّبيّ - ﷺ - قال: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورًا» (٤). ------------------------ (١) أخرجه الترمذي وغيره، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٥٣٨)، و«صحيح سنن ابن ماجه» (١١٧٢). (٢) أخرجه البخاري: ٦١١٣، ومسلم: ٧٨١ (٣) أخرجه مسلم: ٧٧٨ (٤) أخرجه البخاري: ٤٣٢، ومسلم: ٧٧٧ عن زيد بن ثابت أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا، إلاَّ المكتوبة» (١). وعن أنس وجابر قالا: «قال رسول الله - ﷺ -: صلّوا في بيوتكم، ولا تتركوا النوافل فيها» (٢). فضل طول القيام (٣) عن المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- قال: إِنْ كان النّبيّ - ﷺ - ليقوم -أو ليصلِّي- حتى تَرمُ (٤) -قدماه أو ساقاه- فقال له؟ فيقول: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟» (٥). وعن عبد الله بن حُبشِي الخثعمي أن النّبيّ - ﷺ - سئل: أي: الصلاة أفضل؟ قال: «طول القيام» قيل: فأيّ الصدقة أفضل؟ قال: «جهد المُقِلِّ» (٦) قيل: فأيّ الهجرة أفضل؟ قال: «من هجر ما حرّم الله عليه» قيل: فأيّ الجهاد -------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٢) والترمذي، وانظر «المشكاة» (١٣٠٠). (٢) أخرجه الدارقطني في «الأفراد»، وانظر «الصحيحة» (١٩١٠). (٣) انظر «فقه السنّة» (ص ١٨٢). (٤) هكذا بالرفع وجوّز القسطلاني فيه الوجهين، وهي من الورم أو الانتفاخ وقيل التشقّق، ولا تعارُض فإِنّه إِذا حصل الانتفاخ أو الورم حصل التشقق. انظر «الفتح» (٣/ ١٥). (٥) أخرجه البخاري: ١١٣٠ (٦) المُقِلّ: ذو المال القليل، وجُهد المُقِلّ أي: قدْر ما يحتمله حال القليل المال، وانظر «النهاية». أفضل؟ قال:»من جاهد المشركين بماله ونفسه«قيل: فأيّ القتل أشرف؛ قال:»من أهريق دمه وعُقِر (١) جواده«(٢). القيام في النّفل تجوز الصلاة قاعدًا مع القدرة على القيام، كما في حديث عمران بن حصين، وكان مَبْسورًا (٣) قال:»سألتُ رسول الله - ﷺ - عن صلاة الرجل قاعدًا فقال: إِنْ صلّى قائمًا فهو أفضل، ومن صلّى قاعدًا فله نصف أجر القائم، ومن صلّى نائمًا فله نصف أجر القاعد«(٤). وعن عبد الله بن عمر قال:»حُدِّثت أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «صلاة الرجل قاعدًا نصف الصلاة»«(٥). قال الخطابي:»المراد بحديث عمران المريض المفترض الذي يمكنه أن يتحامل فيقوم مع مشقة، فجعل أجر القاعد على النصف من أجر القائم؛ ترغيبًا له في القيام مع جواز قعوده«، قال الحافظ في»الفتح«(٢/ ٤٦٨):»وهو حمْل متجه«(٦). ---------------------- (١) أصل العقر: ضرب قوائم الحيوان بالسيف وهو قائم، والجواد هو الفرس السابق الجيّد.»عون المعبود«(٤/ ٢٢٧). (٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٢٨٦) وانظر»المشكاة«(٣٨٣٣). (٣) أي: كانت به بواسير، وهو ورم في باطن المقعدة. (٤) أخرجه البخاري: ١١١٥ (٥) أخرجه مسلم: ٧٣٥ (٦) ونقله شيخنا في»صفة الصلاة" (ص ٧٨). جواز فِعل بعض الركعة قائمًا وبعضها قاعدًا عن عبد الله بن شقيق قال: سألتُ عائشةَ عن صلاة رسول الله - ﷺ -؛ عن تطوُّعه؟ فقالت: «كان يُصلّي في بيتي قبل الظهر أربعًا، ثمَّ يخرج فيصلّي بالناس ثمَّ يدخل فيصلّي ركعتين، وكان يصلّي بالناس المغرب، ثمَّ يدخل فيصلِّي ركعتين، ويصلّي بالناس العشاء، ويدخل بيتي فيصلّي ركعتين، وكان يصلّي من الليل تسع ركعاتٍ فيهنَّ الوتر، وكان يصلّي ليلًا طويلًا قائمًا وليلًا طويلًا قاعدًا، وكان إِذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعدًا، ركع وسجد وهو قاعد، وكان إِذا طلع الفجر صلّى ركعتين» (١). عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «ما رأيتُ النّبيّ - ﷺ - يقرأ في شيء من صلاة الليل جالسًا حتى إِذا كَبَّر قرأ جالسًا، فإِذا بقي عليه من السورة ثلاثون أو أربعون آية؛ قام فقرأهنّ، ثمَّ ركع» (٢). أنواعها: تُقسَم صلاة التطوع إِلى قسمين: مطلقة ومقيّدة: والمقيدة: تسمّى بالسنن الراتبة، وهي قسمان: مؤكّدة وغير مؤكّدة. السنن المؤكّدة: أولًا: سنة الفجر: فضلها: عن عائشة -رضي الله عنها- "أنَّ النّبيّ - ﷺ - لم يكن على شيءٍ من -------------------- (١) أخرجه مسلم:٧٣٠ (٢) أخرجه البخاري: ١١٤٨، ومسلم: ٧٣١ النوافل أشدّ معاهدة منه على الركعتين قبل الصبح» (١). وعنها -رضي الله عنها- قالت: «ما رأيتُ رسول الله - ﷺ - في شيء من النوافل أَسرع منه إِلى الركعتين قبل الفجر» (٢). وعنها -رضي الله عنها- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «ركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها» (٣). تخفيفها: كان رسول الله - ﷺ - يخفّف القراءة في ركعتي الفجر. فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان النّبيّ - ﷺ - يخفّف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح؛ حتى إنّي لأقول: هل قرأ بأمّ الكتاب؟» (٤). ما يقرأ فيها: يستحب القراءة في ركعتي الفجر بما ورد في الأحاديث الآتية: ١ - عن أبي هريرة «أنَّ رسول الله - ﷺ - قرأ في ركعتي الفجر: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و﴿قل هو الله أحد﴾» (٥). ٢ - وكان - ﷺ - قد "سمع رجلًا يقرأ السورة الأولى في الركعة الأولى فقال: ------------------------- (١) أخرجه البخاري: ١١٦٩، ومسلم: ٧٢٤ (٢) أخرجه مسلم: ٧٢٤ (٣) أخرجه مسلم: ٧٢٥ (٤) أخرجه البخاري: ١١٧١، ومسلم: ٧٢٤ (٥) أخرجه مسلم: ٧٢٦ «هذا عبدٌ آمَن بربّه»، ثمَّ قرأ السورة الثانية في الركعة الأُخرى فقال: هذا عبد عَرف ربه«(١). وعن ابن عبّاس أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يقرأ في ركعتي الفجر؛ في الأولى منهما: ﴿قولوا آمنّا بالله وما أنُزِل إِلينا﴾ (٢)، الآية التي في البقرة، وفي الآخرة منهما: ﴿آمنّا بالله واشهدْ بأنّا مسلمون﴾ (٣)» (٤). وفي رواية: «كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في ركعتي الفجر: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إِلينا﴾ والتي في آل عمران (٥): ﴿تعالَوا إِلى كلمة سواءٍ بيننا وبينكم﴾» (٦). ٣ - عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يُصلِّي أربعًا قبل الظهر، وركعتين قبل الفجر لا يدَعُهما قالت: وكان يقول: نعمت السورتان يقرأ بهما في ركعتين قبل الفجر: ﴿قل هو الله أحد﴾ و﴿قل يا أيها الكافرون﴾» (٧). ---------------------- (١) أخرجه الطحاوي وابن حبان في «صحيحه» وابن بشران، وحسّنه الحافظ في «الأحاديث العالية» (رقم ١٦) عن «صفة الصلاة» (ص ١١٢). (٢) البقرة: ١٣٦ (٣) آل عمران: ٥٢ (٤) أخرجه مسلم: ٧٢٧ (٥) آية: ٦٤ (٦) أخرجه مسلم: ٧٢٧ (٧) أخرجه أحمد وابن خزيمة في «صحيحه»، وغيرهما، وانظر «الصحيحة» (٦٤٦). https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثانى من صــ 106الى صــ 120 الحلقة (37) الاضطجاع بعدها عن عائشة -رضي الله عنها- أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يصلّي ركعتين فإِنْ كنتُ مستيقظة حدّثني، وإلاَّ اضطجع«قلت لسفيان (١) فإِنّ بعضهم يرويه ركعتي الفجر، قال سفيان هو ذاك» (٢). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان النّبيّ - ﷺ - إِذا صلّى ركعتي الفجر؛ اضطجع على شقّه الأيمن» (٣). والذي يبدو أنَّ الاضطجاع لمن احتاج إِليه ليريح نفسه من دأب القيام ونحوه، لذلك كان - ﷺ - يحدّث عائشة حين تكون مستيقظة، ولا يضطجع حتى يؤذَّن بالصلاة كما تقدّم، لذلك بوب له البخاري -رحمه الله- بقوله: (باب من تحدّث بعد الركعتين ولم يضطجع) والله تعالى أعلم. قضاؤها بعد طلوع الشمس أو بعد صلاة الفريضة عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من لم يصلِّ ركعتي الفجر؛ فليصلّهما بعد ما تطلعُ الشمس» (٤). وعن قيس بن عمرو قال: رأى رسول الله - ﷺ - رجلًا يصلّي بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال رسول الله - ﷺ -: «صلاة الصبح ركعتان» فقال الرجل: ----------------------- (١) القائل: علي بن عبد الله الراوي عنه. (٢) أخرجه البخاري: ١١٦٨ (٣) أخرجه البخاري: ١١٦٠ (٤) أخرجه الترمذي وابن خزيمة وابن حبّان والحاكم والبيهقي وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وخرّجه شيخنا في «الصحيحة» (٢٣٦١). إِني لم أكُنْ صليتُ الركعتين اللتين قبلهما، فصلّيتهما الآن، فسكت رسول الله - ﷺ -«(١). عن أبي جحيفة عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه»كان في سفره الذي ناموا فيه حتى طلعَت الشمس، فقال: إِنكم كنتم أمواتًا؛ فردَّ الله إِليكم أرواحكم، فمن نام عن صلاة؛ فليصلّها إِذا استيقظ، ومن نسي صلاة؛ فليصلِّ إِذا ذكر«(٢). سنّة الظُّهر لقد وردَت عدة نصوص في عددها، منها أنّها أربع ومنها أنها ست ومنها أنها ثمان. ما وَرد أنها أربع ركعات: عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: حفظتُ من النّبيّ - ﷺ - عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح، وكانت ساعةً لا يُدخَل على النّبيّ - ﷺ - فيها» (٣). قال الحافظ في «الفتح» (٤): «والأَولى أن يُحمَل على حالين: فكان تارة ---------------------- (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١١٢٨). (٢) أخرجه أبو يعلى في»مسنده«والطبراني في»الكبير«وانظر»الصحيحة" (٣٩٦). (٣) أخرجه البخاري: ١١٨٠، مسلم: ٧٢٩ (٤) (٣/ ٥٨) بحذف. يصلي ثنتين وتارة يصلي أربعًا، وقيل: هو محمول على أنه كان في المسجد يقتصر على ركعتين وفي بيته يصلّي أربعًا، ويُحتمَل أن يكون يصلّي إذا كان في بيته ركعتين، ثمَّ يخرج إِلى المسجد فيصلي ركعتين، فرأى ابن عمر ما في المسجد دون ما في بيته، واطلعت عائشة على الأمرين، قال أبو جعفر الطبري: الأربع كانت في كثير من أحواله، والركعتان في قليلها». والراجح عندى الحال الأول الذي ذكره الحافظ -رحمه الله تعالى- أنَّه تارة يصلي ثنتين وتارة يصلي أربعًا، وبهذا يتأسّى المرء برسول الله - ﷺ -، فيفعل هذا بحسب نشاطه، والله تعالى أعلم. ما ورد أنها ستّ ركعات: ١ - عن عبد الله بن شقيق قال: «سألْتُ عائشة -رضي الله عنها- عن صلاة رسول الله - ﷺ - عن تطوّعه؟ فقالت: كان يصلّي في بيتي قبل الظهر أربعًا، ثمَّ يخرج فيصلّي بالناس، ثمّ يدخل فيصلي ركعتين ...» (١). ٢ - عن أم حَبيبة رملة -رضي الله عنها- قالت: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى في كلّ يوم ثنتي عشْرة ركعة تطوعًا غير فريضة؛ إِلاَّ بنى الله تعالى له بيتًا في الجنّة، أو: إلاَّ بُني له بيتٌ في الجنّة» (٢). ما ورَد أنها ثمان ركعات: عن أمّ حَبيبة عن النّبيّ - ﷺ - قال: "من صلّى قبل الظهر أربعًا، وبعدها ----------------------- (١) أخرجه مسلم: ٧٣٠، وتقدّم. (٢) أخرجه مسلم: ٧٢٨ أربعًا، حرّمه الله على النار» (١). فضل الأربع قبل الظهر: عن عبد الله بن السائب -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يصلّي أربعًا بعد أن تزول الشمس قبل الظهر (٢)، وقال: «إِنها ساعةٌ تُفتح فيها أبواب السماء، فأُحِبّ أن يصعد لي فيها عملٌ صالح» (٣). وعن عائشة -رضي الله عنها- «أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان لا يدَع أربعًا قبل الظهر وركعتين قبل الغداة» (٤). إِذا صلّى أربعًا قبل الظهر أو بعده فهل يسلّم بعد كلّ ركعتين؟ يجوز أن يصلّيها دون أن يفصل بينها بالتسليم، والأفضل أن يسلّم بعد كلّ ركعتين، لقوله - ﷺ -: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى» (٥). قال شيخنا في «تمام المنّة» (٢٤٠): «... ويؤيده صلاة النّبيّ - ﷺ - يوم --------------------- (١) أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١١٣٠)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٣٥٢)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(١٧٠٨)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٩٥١)، وانظر»المشكاة«(١١٦٧). (٢) أي: قبل فريضة الظهر. (٣) أخرجه أحمد وغيره، عن»صحيح الترغيب والترهيب«(٥٨٣). (٤) أخرجه البخاري: ١١٨٢ (٥) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١١٥١)، وابن خزيمة»صحيح ابن خزيمة«(١٢١٠)، وانظر»تمام المنّة" (٢٣٩). فتح مكة صلاة الضحى ثماني ركعات يسلّم من كلّ ركعتين». وهو حديث صحيح أخرجه أبو داود بإِسناد صحيح على شرطهما وهو في «الصحيحين» دون التسليم، وقال الحافظ في «الفتح» (٣/ ٤١): «أخرجه ابن خزيمة وفيه ردٌّ على من تمسَّك به في صلاتها موصولة؛ سواء صلّى ثمان ركعات أو أقل. قلت: فهذا الحديث يستأنس به على أنّ الأفضل التسليم بعد كل ركعتين في الصلاة النهارية. والله أعلم». قضاء سنة الظهر القبلية: عن عائشة -رضي الله عنها- أنَّ النّبيّ - ﷺ -: «كان إِذا لم يصلِّ أربعًا قبل الظهر؛ صلاَّهنّ بعدها» (١). قضاء سنّة الظهر البعدية: عن كُريب أنَّ ابن عباس والمِسور بن مَخرَمَة وعبد الرحمن بن أزهر -رضي الله عنهم- أرسلوه إِلى عائشة -رضي الله عنها- فقالوا اِقرَأ عليها السلام منَّا جميعًا وسلْها عن الركعتين بعد صلاة العصر، وقل لها: إِنّا أُخبرنا أنّكِ تُصلينهما، وقد بلغَنا أنَّ النّبيّ - ﷺ - نهى عنها، وقال ابن عباس: وكنتُ أضربُ الناس مع عمر بن الخطاب عنها قال كُريب فدخلتُ على عائشة -رضي الله عنها- فبلّغتُها ما أرسلوني فقالت: سل أمّ سلمة فخرَجْتُ إِليهم فأخبرتهم بقولها، فردُّوني إِلى أمّ سلمة بمِثل ما أرسلوني به إِلى عائشة، فقالت أمّ سلمة -رضي الله عنها- سمعْت النّبيّ - ﷺ - ينهى عنها، ثمَّ رأيته ------------------ (١) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٣٥٠)، وإسناده صحيح كما في «تمام المنة» (ص ٢٤١). يصليهما حين صلّى العصر، ثمَّ دخل عليَّ وعندي نسوةٌ من بني حرامٍ من الأنصار، فأرسلتُ إِليه الجارية فقلتُ: قُومِي بجنبه قُولِي لهُ: تقول لك أمُّ سلمة يا رسول الله سمعْتك تنهى عن هاتين وأراك تُصليهما، فإِنْ أشار بيده، فاستأخري عنه، ففعَلت الجارية فأشار بيده فاستأخَرت عنه، فلمّا انصرف قال: يا ابنة أبي أُمية سألتِ عن الركعتين بعد العصر، وإنَّه أتاني ناسٌ من عبد القيس، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان«(١). سنّة المغرب قد ورد عدد من النصوص أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يصلّي ركعتين بعد المغرب ومن ذلك حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: حفظتُ من النّبيّ - ﷺ - عشر ركعات ... وذكر منها ركعتين بعد المغرب» (٢). استحباب أدائها في البيت: قد تقدّم استحباب صلاة التطوّع في البيوت، وقد وردَت نصوصٌ خاصّة في استحباب صلاة الركعتين بعد المغرب في البيوت كذلك. فعن كعب بن عُجْرة؛ «أنَّ النّبيّ - ﷺ - أتى مسجد بني عبد الأشهل، فصلّى فيه المغرب، فلمّا قضوا صلاتهم رآهم يسبّحون (٣) بعدها فقال: هذه صلاة البيوت» (٤). ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ١٢٣٣، ومسلم: ٨٣٥ (٢) أخرجه البخاري: ١١٨٠ (٣) أي: يصلّون السُّبحة، أي: النافلة. (٤) أخرجه أبو داود «صحيح أبي داود» (١١١٥) وغيره، وانظر «المشكاة» (١١٨٢). وفي رواية من حديث رافع بن خَدِيج قال: أتانا رسول الله - ﷺ - في بني عبد الأشهل، فصلى بنا المغرب في مسجدنا، ثمُّ قال:»اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم«(١). سنّة العشاء تقدّم عدد من الأحاديث في سنّة الركعتين بعد العشاء من ذلك حديث البخاري: (١١٨٠) عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال:»حفظْت من النّبيّ - ﷺ - عشر ركعات ... «وذكر منها ركعتين بعد العشاء. السُّنن غير المؤكّدة ١ - ركعتان قبل العصر: لعموم قوله - ﷺ -: بين كلّ أذانين صلاة، بين كلّ أذانين صلاة، ثمَّ قال في الثالثة لمن شاء» (٢). ويُستحب المحافظة على أربع قبل العصر، لما رواه ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «رحم الله امرءًا صلّى قبل العصر أربعًا» (٣). وعن عليّ -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يصلّي قبل العصر ------------------------ (١) أخرجه أحمد في مسنده وغيره، وانظر»صحيح ابن خزيمة«(١٢٠٠)، و»صحيح سنن ابن ماجه«(٩٥٦). (٢) أخرجه البخاري: ٦٢٧، ومسلم: ٨٣٨ (٣) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنّه، وابن خزيمة وابن حبان في»صحيحيهما«، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب" (٥٨٤). أربع ركعات، يفصل بينهنّ بالتسليم على الملائكة المقربين، ومن تبِعهم من المسلمين والمؤمنين» (١). ٢ - ركعتان قبل المغرب: للحديث السابق ولقوله - ﷺ -: «صلّوا قبل صلاة المغرب -قال: في الثالثة- لمن شاء كراهية أن يتخذها الناسُ سنّة» (٢). ٣ - ركعتان قبل العشاء: للحديث المتقدّم: «بين كلّ أذانين صلاة ...». ولقوله - ﷺ -: «ما من صلاة مفروضة، إلاَّ وبين يديها ركعتان» (٣). الفصل بين الفريضة والنافلة عن عمر بن عطاء بن أبي الخُوار؛ «أنَّ نافع بن جبير أرسلَه إِلى السائب، ابن أخت نمِر، يسأله عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة، فقال: نعم، صلَّيت معه الجمعة في المقصورة (٤)، فلما سلّم الإِمام قمت في مقامي فصلَّيت، ------------------------ (١) أخرجه أحمد والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٣٥٣) والنسائي، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٩٥)، وانظر»الصحيحة«(٢٣٧). (٢) أخرجه البخاري: ١١٨٣ (٣) أخرجه ابن حبان في»صحيحه«والطبراني في»المعجم الكبير«وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في»الصحيحة«(٢٣٢). (٤) هي حجرة خاصّة مفصولة عن الغُرف المجاورة فوق الطابق الأرضي.»الوسيط«. وفي»اللسان«المقصورة:»الدار المحصّنة الواسعة ومقام الإِمام«. قال النووى (٦/ ١٧٠):»فيه دليل على جواز اتخاذها في المسجد إِذا رآها وليّ الأمر مصلحة، قالوا: وأوّل من عملها معاوية بن أبي سفيان حين ضرَبه الخارجي. = فلما دخَل أرسل إِليّ فقال: لا تعُد لما فعلت، إِذا صلَّيت الجمعة فلا تَصِلْها بصلاة حتى تَكَلّم أو تخرُج. فإِنَّ رسول الله - ﷺ - أمَرَنا بذلك. أن لا تُوصَل صلاة بصلاةٍ حتى نتكلَّم أو نخرج» (١). وهذا عامٌّ غير مخصوص بالجمعة لقول معاوية -رضي الله عنه-: «فإِنَّ رسول الله - ﷺ - أمَرنا بذلك، أن لا تُوصَل صلاة بصلاة ...». الوتر (٢) حُكمه وفضله: الوتر سنّة مؤكّدة حضّ عليه الرسول - ﷺ -. فعن عليّ -رضي الله عنه- قال: الوترُ ليس بحتْم كصلاة المكتوبة، ولكن سنّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِنَّ الله وترٌ يحبّ الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن». (٣) عن ابن محيريز: أنَّ رجلًا من كِنَانَة يدعى المُخدجي سمع رجلًا بالشام -------------------- = قال القاضي: واختلفوا في المقصورة، فأجازها كثيرون من السلف ... وكرهها ابن عمر والشعبي وأحمد وإسحاق«. (١) أخرجه مسلم: ٨٨٣ (٢) الوِتر بالكسر: الفرد وبالفتح الثأر»الفتح«، وفي النهاية: وتكسر واوه وتُفتَح. (٣) أخرجه أبو داود والترمذي واللفظ له والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة في»صحيحه«، وقال الترمذي: حديث حسن، قاله المنذري في»الترغيب والترهيب«، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب" (٥٨٨). يُدعى أبا محمّد يقول: إِنَّ الوتر واجب، قال المُخدجي: فرُحتُ إِلى عبادة بن الصامت فأخْبرته فقال عبادة: كذَب (١) أبو محمّد، سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «خمسُ صلوات كتبهنّ الله على العباد، فمن جاءَ بهنّ لم يُضيّع منهن شيئًا استخفافًا بحقّهنّ؛ كان له عند الله عهدٌ أن يُدخله الجنّة، ومن لم يأت بهنّ؛ فليس له عند الله عهد، إِن شاء عذَّبه، وإنْ شاء أدخله الجنّة» (٢). قال شيخنا في «الصحيحة» (١/ ٢٢٢) بعد أن ذكر حديث «إِن الله زادكم صلاة، وهي الوتر ...» (٣): «يدل ظاهر الأمر في قوله - ﷺ -:»فصلُّوها«على وجوب صلاة الوتر، وبذلك قال الحنفية؛ خلافًا للجماهير، ولولا أنّه ثبَت بالأدلة القاطعة حصْر الصلوات المفروضات في كلّ يوم وليلة بخمس صلوات؛ لكان قول الحنفية أقرب إِلى الصواب، ولذلك فلا بدَّ من القول بأنّ الأمر هنا ليس للوجوب، بل لتأكيد الاستحباب، وكم من أوامرَ كريمةٍ صُرفت من الوجوب بأدنى من تلك الأدلة القاطعة، وقد انفكّ الأحناف عنها بقولهم: إِنهم لا يقولون بأن الوتر واجب كوجوب الصلوات الخمس، بل هو واسطة بينها وبين السنن، أضعف من هذه ثبوتًا، وأقوى من تلك تأكيدًا! فليعلم أنّ قول الحنفية هذا قائم على اصطلاح لهم خاص حادث، لا تعرفه الصحابة ولا السلف الصالح، وهو تفريقهم بين الفرض والواجب ثبوتًا وجزاء؛ -------------------- (١) أي: أخطأ وفي»لسان العرب«: وقد استعمَلت العرب الكذب في موضع الخطأ، وذكَر بيت الأخطل:»كَذَبتك عينك أم رأيت بواسط ....«. (٢) أخرجه مالك وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٢٥٨) والنسائي وابن حبان في»صحيحه«وانظر»صحيح الترغيب والترهيب" (٣٦٣)، وتقدّم. (٣) سيأتي بتمامه وتخريجه إِن شاء الله في (وقت الوتر). كما هو مفصَّل في كتبهم. وإِنّ قولهم بهذا معناه التسليم بأن تارك الوتر معذّب يوم القيامة عذابًا دون عذاب تارك الفرض؛ كما هو مذهبهم في اجتهادهم، وحينئذ يقال لهم: وكيف يصحّ ذلك مع قوله - ﷺ - لمن عزم على أن لا يصلي غير الصلوات الخمس:»أفلح الرجل«؟! وكيف يلتقي الفلاح مع العذاب؟! فلا شكَّ أن قوله - ﷺ - هذا وحده كاف؛ لبيان أن صلاة الوتر ليست بواجبة، ولهذا اتفق جماهير العلماء على سنيَّته وعدم وجوبه، وهو الحقّ. نقول هذا مع التذكير والنصح بالاهتمام بالوتر، وعدم التهاون عنه؛ لهذا الحديث وغيره، والله أعلم». وقته يبدأ وقت الوتر من بعد صلاة العشاء حتى الفجر. عن أبي تميم الجيشاني أنَّ عمرو بن العاص خطب الناس يوم الجمعة فقال: إِنَّ أبا بصرة حدّثني أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: «إِنَّ الله زادكم صلاةً، وهي الوتر، فصلّوها بين صلاة العشاء إِلى صلاة الفجر» (١). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «مِن كلِّ الليل قد أوتر رسول الله - ﷺ -، مِن أوّل الليل وأوسطه وآخره. فانتهى وِتْرهُ إِلى السَّحَر» (٢). -------------------- (١) أخرجه أحمد وغيره وانظر «الصحيحة» (١٠٨)، و«الإِرواء» (٤٢٣)، و«صحيح سنن ابن ماجه» (٩٥٨). (٢) أخرجه البخاري: ٩٩٦، ومسلم: ٧٤٥ من خاف أن لا يستيقظ من آخر الليل فليوتر أوله: عن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوّله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإِنَّ صلاة آخِر الليل مشهودة (١). وذلك أفضل». وقال أبو معاوية: «محضورة» (٢). وفي رواية: «أيكم خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر ثمَّ ليرقد، ومن وثَقِ بقيامٍ من الليل فليوتر من آخره فإِنّ قراءة آخر الليل محضورة وذلك أفضل» (٣). وعن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ - لأبي بكر: «أيَّ حينٍ توتر؟ قال: أوّل الليل بعد العتمة، قال: فأنت يا عمر؟ فقال: آخر الليل، فقال النّبيّ - ﷺ -: أمَّا أنت يا أبا بكر فأخذت بالوُثقى، وأمَّا أنت يا عمر فأخذت بالقوة» (٤). وعن سعد بن أبي وقّاص -رضي الله عنه- عن رسول الله - ﷺ - قال: «الذي لا ينام حتى يوتر حازم (٥)» (٦). ------------------ (١) أي: تشهدها الملائكة. (٢) أخرجه مسلم: ٧٥٥. (٣) أخرجه مسلم: ٧٥٥. (٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٢٧١)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٩٨٨)، وابن خزيمة في «صحيحه» (١٠٨٤). (٥) الحزم: ضَبْط الرجل أمرَه والحذر من فواته، من قولهم حزمْتُ الشيء: أي شددْته. «النهاية». (٦) أخرجه أحمد وغيره وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في «الصحيحة» (٢٢٠٨). عدد ركعات الوتر: أقلّ الوتر ركعة، لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أنَّ رجلًا سأل رسول الله - ﷺ - عن صلاة الليل، فقال رسول الله - ﷺ -: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإِذا خشي أحدكم الصبح؛ صلّى ركعةً واحدة، توتِر له ما قد صلّى» (١). وفي رواية «للبخاري» (٩٩٣): «صلاة الليل مثنى مثنى، فإِذا أردت أن تنصرف فاركع ركعة توتر ما قد صلّيت». قال القاسم ورأينا أناسًا منذ أدركنا يوترون بثلاث، وإِنَّ كلًاّ لواسع؛ أرجو أن لا يكون بشيء منه بأس. وأعلاه إِحدى عشرة ركعة؛ كما في حديث عائشة عن أبي سلمة أنَّه سأَلَ عائشة -رضي الله عنها- كيف كانت صلاةُ رسول الله - ﷺ - في رمضان فقالت: ما كان رسول الله - ﷺ - يزيد في رمضان ولا في غيره على إِحدى عشرة ركعة؛ يصلّي أربعًا فلا تسَلْ عن حُسنهنّ وطولهنّ، ثمَّ يُصلِّي أربعًا فلا تسَل عن حُسنهنّ وطولهنّ، ثمَّ يُصلِّي ثلاثًا«(٢). بيْد أنَّه قد ثبت أنَّ النّبيّ - ﷺ - صلّى ثلاث عشرة ركعة لحديث أم سلمة -رضي الله عنها- قالت:»كان النّبيّ - ﷺ - يوتر بثلاث عشرة، فلما كبُر وضعُف، أوتر بسبع«(٣). -------------------- (١) أخرجه البخاري: ٩٩٠، ومسلم: ٧٤٩ (٢) أخرجه البخاري: ١١٤٧، ومسلم: ٧٣٨ (٣) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٣٧٩)، وفيه:»... قال إسحاق بن إبراهيم: معنى ما روي أنَّ النّبي - ﷺ - كان يوتر بثلاث عشرة ركعة قال: إِنَّما معناه إِنّه = وفي «صحيح مسلم» (٧٣٧): عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يصلّي من الليل ثلاث عشرة ركعة؛ يوتر من ذلك بخمس؛ لا يجلس في شيء إِلا في آخرها». وقد ورد في رواية أخرى لمسلم (٧٣٧): «أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يصلّي ثلاث عشرة ركعة بركعتي الفجر». وفي «صحيح البخاري»: (٩٩٢) من حديث ابن عباس أنَّه بات عند ميمونة، فذكر الحديث وفيه: «ثمَّ صلى ركعتين، ثمَّ ركعتين، ثمَّ ركعتين، ثمَّ ركعتين، ثمَّ ركعتين، ثمَّ ركعتين، ثمَّ أوتر، ثمَّ اضطجع حتى جاءه المؤذّن فقام فصلّى ركعتين، ثمَّ خَرج فصلّى الصبح». وفي «صحيح سنن ابن ماجه» (٩٨١): من حديث أمّ سلمة -رضي الله عنها- أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يصلّي بعد الوتر ركعتين خفيفتين وهو جالس«. وفيه أيضًا برقم: (٩٨٢): عن أبي سلمة؛ قال حدَّثتني عائشة قالت:»كان رسول الله - ﷺ - يوتر بواحدة، ثمَّ يركع ركعتين يقرأ فيهما وهو جالس. فإِذا أراد أن يركع، قام فركع«. فهذه ثلاث عشرة ركعة خلا سنّة الصبح. ويجوز الوتر بثلاث وخمس وسبع؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال:»الوتر حقٌ، فمن شاء فليوتر بخمس، ومن --------------------- = كان يصلي من الليل ثلاث عشرة مع الوتر، فنسبت صلاة الليل إِلى الوتر ... «، انظر -إِن شئت- للمزيد من الفائدة»تمام المنّة" (ص٢٥٠). شاء فليوتر بثلاث، ومن شاء فليوتر بواحدة» (١). ويجوز الوتر بتسع لحديث عائشة قالت: «كُنّا نُعِدّ له سواكه وطهوره، فيبعثه الله (٢) ما شاء أن يبعثه من الليل فيتسوك ويتوضّأ ويصلّي تسع ركعات، لا يجدس فيها إلاَّ في الثامنة فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثمَّ ينهض ولا يُسلّم، ثمَّ يقوم فيصلّي التاسعة، ثمَّ يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثمَّ يسلّم تسليمًا يُسمعنا، ثمَّ يصلّي ركعتين بعد ما يسلّم وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة، يا بُنيّ (٣) فلما سنّ (٤) نَبِيّ الله - ﷺ -، وأخذهُ اللحمُ (٥) أوتر بسبعٍ. وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأوّل، فتلك تسع يا بُنيَّ ...» (٦). صفته (٧): ١ - يصلي ثلاث عشرة ركعة يفتتحها بركعتين خفيفتين، وفيه أحاديث: الأول: حديث زيد بن خالد الجهني أنه قال: «لأرمقنّ (٨) صلاة رسول الله ------------------- (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٢٦٠)، والنسائي، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٩٧٨)، وانظر»المشكاة«(١٢٦٥). (٢) أي: يوقظه. (٣) المخاطب سعد بن هشام. (٤) في بعض النُسخ أسنّ. (٥) الظاهر أنَّ معناه كثُر لحمه كما ذكر بعض العلماء. (٦) أخرجه مسلم: ٧٤٦، وتقدّم بعضه. (٧) عن»صلاة التراويح«(ص ٨٦) بتصرّف. (٨) أي لأنظرنّ نظرًا طويلًا، قال بعض العلماء:»أي لأطيلنّ النظر إِلى صلاته حتى = https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثانى من صــ 121الى صــ 135 الحلقة (38) - ﷺ - الليلة، فصلّى ركعتين خفيفتين ثمَّ صلّى ركعتين طويلتين طويلتين، ثمَّ صلّى ركعتين، وهما دون اللتين قبلهما، ثمَّ صلّى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثمَّ صلّى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثمَّ صلّى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثمَّ أوتر، فذلك ثلاث عشرة ركعة» (١). الثاني: حديث ابن عباس قال: «بتُّ عند رسول الله - ﷺ - ليلة وهو عند ميمونة، فنام حتى ذهب ثلث الليل أو نصفه استيقظ فقام إِلى شن (٢) فيه ماء فتوضّأ، وتوضّأتُ معه، ثمَّ قام فقمتُ إِلى جنبه على يساره، فجعلني على يمينه، ثمَّ وضع يده على رأسي كأنه يمسّ أذني كأنّه يوقظني، فصلّى ركعتين خفيفتين، قد قرأ فيها بأمّ القرآن في كل ركعة، ثمَّ سلّم، ثمَّ صلى حتى صلّى إِحدى عشرة ركعة بالوتر ثمَّ نام، فأتاه بلال، فقال: الصلاة يا رسول الله، فقام فركع ركعتين، ثمَّ صلّى بالناس» (٣). الثالث: حديث عائشة قالت: «كان رسول الله - ﷺ - إِذا قام من الليل، افتتح صلاته بركعتين خفيفتين (٤)، ثمَّ صلّى ثمان ركعات، ثمَّ أوتر». وفي لفظ: «كان يصلّي العشاء، ثمَّ يتجوز بركعتين، وقد أعد سواكه وطَهوره، فيبعثه الله لما شاء أن يبعثه فيتسوك، ويتوضّأ، ثمّ يصلّي ركعتين، ثمَّ يقوم فيصلّي ثمان ----------------------- = أرى كم صلّى وكيف صلّى». (١) أخرجه مسلم: ٧٦٥ (٢) أي: قربة. (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٢١٥) وأصْله في الصحيحين وتقدّم. (٤) رجّح شيخنا -حفظه الله تعالى- في أول كتاب «صلاة التراويح» أنَّ هاتين الركعتين هما سنّة العشاء. ركعات، يسوي بينهنّ في القراءة ثمَّ يوتر بالتاسعة، فلمّا أسنّ رسول الله - ﷺ - وأخَذه اللحم (١)، جعل تلك الثماني ستًا، ثمَّ يوتر بالسابعة، ثمَّ يصلي ركعتين وهو جالس يقرأ فيهما بـ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و﴿إِذا زُلزلت﴾ (٢) «(٣). ٢ - يصلي ثلاث عشرة ركعة، منها ثمانية يسلّم بين كل ركعتين، ثمَّ يوتر بخمس لا يجلس ولا يسلم إلاَّ في الخامسة، وفيه حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت:»كان - ﷺ - يرقد، فإِذا استيقظ تسوّك، ثمَّ توضّأ، ثمَّ صلّى ثمان ركعات، يجلس في كل ركعتين فيسلم، ثمَّ يوتر بخمس ركعات لا يجلس إلاَّ في الخامسة، ولا يُسلّم إِلا في الخامسة [فإِذا أذَّن المؤذن قام فصلّى ركعتين خفيفتين] «(٤). ٣ - يصلّي إحدى عشرة ركعة ثمَّ يسلّم بين كلّ ركعتين، ثمَّ يوتر بواحدة، لحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت:»كان - ﷺ - يصلّي فيما بين أن يفرُغ من صلاة العشاء -وهي التي يدعو الناس العَتَمة- إِلى الفجر إِحدى عشرة ----------------------- (١) أي: كثُر لحمه. (٢) وانظر «صلاة الوتر». (٣) أخرجه الطحاوي (١/ ١٦٥) باللفظين وإسنادهما صحيح، والشطر الأول من اللفظ الأول أخرجه مسلم: ٧٦٧، وأبو عوانة (٢/ ٣٠٤)، وكلهم رووه من طريق الحسن البصري معنعنًا، لكن أخرجه النسائي (١/ ٢٥٠) وأحمد (٦/ ١٦٨) من طريقه مصرّحًا بالتحديث باللفظ الثاني نحوه .... (٤) رواه أحمد (٦/ ١٢٣، ٢٣٠) وسنده صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجه مسلم: ٧٣٧، وأبو عوانة (٢/ ٣٢٥) وأبو داود (١/ ٢١٠) والترمذي (٢/ ٣٢١) وصححه. ركعة، يُسلّم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة، [ويمكث في سجوده قدْر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه] فإِذا سكَت المؤذن من صلاة الفجر وتبيّن له الفجر، وجاءه المؤذن قام فركع ركعتين خفيفتين، ثمَّ اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيَه المؤذن للإِقامة» (١). ٤ - يصلي إِحدى عشرة ركعة أربعًا بتسليمة واحدة، ثمَّ أربعًا مثلها، ثمَّ ثلاثًا (٢). وظاهر الحديث أنه كان يقعد بين كلّ ركعتين من الأربع والثلاث، ولكنّه لا يُسلّم. ٥ - يصلي إِحدى عشرة ركعة، منها ثمان ركعات، لا يقعد فيها إلاَّ في الثامنة يتشهد ويصلّي على النّبيّ - ﷺ - ثمَّ يقوم ولا يُسلم، ثمَّ يوتر بركعة ثمَّ يسلم ثمَّ يصلي ركعتين وهو جالس، لحديث عائشة -رضي الله عنها- رواه سعد بن هشام بن عامر أنه أتى ابن عباس فسأله عن وتر رسول الله - ﷺ - فقال ابن عبّاس: ألا أدلّك على أعلم أهل الأرض بوتر رسول الله - ﷺ -؟ قال: من؟ قال: عائشة فأْتِها فسأَلْها، فانطلقْتُ إِليها قال: قلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن وتر رسول الله - ﷺ -؟ فقالت: "كنا نعد له سواكه وطَهوره، فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل فيتسوك ويتوضّأ ويصلّي تسع ركعات لا يجلس فيها إلاَّ في الثامنة، فيذكر الله ويحمده [ويصلّي على نبيه - ﷺ -] ويدعوه، ثمَّ ينهض ولا يُسلّم، ثمَّ يقوم فيصلي التاسعة، ثمَّ يقعد فيذكر الله ويحمده ------------------------ (١) أخرجه مسلم: ٧٣٦، وأبو عوانة وأبو داود والطحاوي وأحمد، وأخرجه الأولان ن حديث ابن عمر أيضًا، وأبو عوانة من حديث ابن عبّاس. (٢) أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث عائشة وتقدّم. [ويصلّي على نبيه - ﷺ -] ويدعوه، ثمَّ يُسلم تسليمًا يُسمعنا، ثمَّ يصلي ركعتين بعد ما يُسلّم، وهو قاعد، فتلك إِحدى عشرة يا بنيّ، فلما أسنَّ نبي الله وأخذه اللحم أوتر بسبع، وصنَع في الركعتين مِثل صنيعه الأول، فتلك تسع يا بنيّ» (١). ٦ - يصلي تسع ركعات منها ستّ ركعات؛ لا يقعد إلاَّ في السادسة منها، يتشهد ويصلّي على النّبيّ - ﷺ - ثمَّ يقوم ولا يُسلم، ثمَّ يوتر بركعة، ثمّ يسلم ثمَّ يصلّي ركعتين وهو جالس؛ لحديث عائشة المتقدّم. هذه هي الكيفيات التي كان رسول الله - ﷺ - يصلي بها صلاة الليل والوتر، ويمكن أن يزاد عليها أنواع أخرى، وذلك بأن ينقص من كل نوع من الكيفيات المذكورة ما شاء من الركعات وحتى يجوز له أن يقتصر على ركعة واحدة فقط لقوله - ﷺ -: «... فمن شاء فليوتر بخمس ومن شاء فليوتر بثلاث، ومن شاء فليوتر بواحدة» (٢). فهذا الحديث نصٌّ في جواز الإِيتار بهذه الأنواع الثلاثة المذكورة فيه، وإِنْ كان لم يصحّ النقل بها عن رسول الله - ﷺ -، بل صحّ من حديث عائشة أنّه - ﷺ - لم يكن يوتر بأقلّ من سبع كما سبق هناك. فهذه الخمس والثلاث إِنْ شاء صلاّها بقعود واحد وتسليمة واحدة؛ كما في النوع الثاني، وإن شاء صلاها بقعود بين كلّ ركعتين بدون سلام. ------------- (١) أخرجه مسلم: ٧٦٤، وأبو عوانة (٢/ ٣٢١ - ٣٢٥)، وأحمد (٦/ ٥٣ - ٥٤، ١٦٨) وأبو داود (١/ ٢١٠ - ٢١١) والنسائي (١/ ٢٤٤ - ٢٥٠) وابن نصر (٤٩) والبيهقي (٣/ ٣٠)، وتقدم. (٢) تقدم. هل يقعد بين الشفع والوتر ويسلّم عند الإِيتار بثلاث؟ قال ابن نصر المروزي في «قيام رمضان» (ص ١٢٥): «وقد روي في كراهة الوتر بثلاث أخبار بعضها عن النّبيّ - ﷺ - وبعضها عن أصحاب النّبيّ - ﷺ - والتابعين، منها»، ثمَّ ذكَر قوله - ﷺ -: «لا توتروا بثلاث تشبهوا بالمغرب، ولكن أوتروا بخمس ...»، قال شيخنا (ص ٩٧): وسنده ضعيف لكن رواه الطحاوي وغيره من طريق آخر بسند صحيح، وهو بظاهره يعارض حديث أبي أيوب المخرَّج هناك بلفظ: «... ومن شاء فليوتر بثلاث»، والجمع بينهما بأن يحمل النهي على صلاة الثلاث بتشهّدين؛ لأنَّه في هذه الصورة يشبه صلاة المغرب وأما إِذا لم يقعد إلاَّ في آخرها فلا مشابهة. ذكر هذا المعنى الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٤/ ٣٠١) واستحسنه الصنعاني في «سبل السلام» (٢/ ٨)، وأبعد عن التشبه في الوتر بصلاة المغرب الفصل بالسلام بين الشفع والوتر كما لا يخفى. قال ابن القيم في «الزاد»: قال مهنا سألتُ أبا عبد الله (يعني الإِمام أحمد) إِلى أيّ شيء تذهب في الوتر، تسلّم في الركعتين؟ قال: نعم، قلت: لأيّ شيء؟ قال: لأنَّ الأحاديث فيه أقوى وأكثر عن النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في الركعتين، وقال حرب: سئل أحمد عن الوتر؟ قال: يُسلّم في الركعتين، وإن لم يُسلّم رجوت ألا يضرَّه، إلاَّ أنّ التسليم أثبت عن النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم". ويتلخّص من كلّ ما سبق؛ أن الإِيتار بأيّ نوع من هذه الأنواع المتقدّمة جائز حسن، وأنّ الإِيتار بثلاث بتشهدين كصلاة المغرب لم يأت فيه حديث صحيح صريح، بل هو لا يخلو من كراهة، ولذلك نختار أن لا يقعد بين الشفع والوتر وإذا قعد سلّم، وهذا هو الأفضل لما تقدّم. والله الموفق لا ربّ سواه. انتهى. وانظر -للمزيد إِن شئت- «زاد المعاد» (١/ ٣٢٧) فصل في سياق صلاته بالليل ووتره وذِكر صلاة أوّل الليل. ماذا يقرأ فيه؟ «كان - ﷺ - يقرأ في الركعة الأولى ﴿سبّح اسم ربّك الأعلى﴾، وفي الثانية: ﴿قُل يا أيها الكافرون﴾، وفي الثالثة: ﴿قل هو الله أحد﴾» (١). وكان يضيف إليها أحيانًا: ﴿قُلْ أعوذ بربِّ الفلَق﴾ و﴿قل أعوُذ بربّ الناس﴾ (٢). ومرّة: «قرأ في ركعة الوتر بمائة آية من: ﴿النساء﴾» (٣). جاء في «صفة الصلاة» (ص ١٧٩): و«كان - ﷺ - يقنت في ركعة الوتر» (٤)، أحيانًا. قال شيخنا في التعليق: وإنما قلنا: «أحيانًا»، لأنّ الصحابة الذين رووا الوتر لم يذكروا القنوت فيه، فلو كان - ﷺ - يفعله دائمًا؛ لنقلوه جميعًا عنه، ---------------------- (١) أخرجه النسائي والحاكم وصححه. (٢) أخرجه الترمذي وأبو العباس الأصمّ في «حديثه» والحاكم وصححه الذهبي. (٣) أخرجه النسائي وأحمد بسند صحيح. (٤) أخرجه ابن نصر والدراقطني بسند صحيح. نعم رواه عنه أبيُّ بن كعب وحده؛ فدلّ على أنَّه كان يفعله أحيانًا، ففيه دليل على أنَّه غير واجب، وهو مذهب جمهور العلماء، ولهذا اعترف المحقّق ابن الهمام في «فتح القدير» (١/ ٣٠٦ و٣٥٩ و٣٦٠) بأن القول بوجوبه ضعيف لا ينهض عليه دليل، وهذا من إِنصافه وعدم تعصُّبه، فإِنّ هذا الذي رجّحه هو على خلاف مذهبه!«. ويجعله قبل الركوع (١). دعاء القنوت: »اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت؛ وقني شرّ ما قضيت، [فـ] إِنك تقضي ولا يُقضى عليك، [و] إِنَّه لا يَذِل من واليت، [ولا يَعِزُّ من عاديت]، تباركت ربنا وتعاليت، [لا منجا منك إلاَّ إليك] «(٢). ويشرع الصلاة على النّبيّ - ﷺ - في آخره لجريان عمل السلف بها، وثبوت ذلك عن الصحابة -رضي الله عنهم (٣) -. ما يقول في آخر الوتر: جاء في قيام رمضان (ص ٣٢) لشيخنا -حفظه الله تعالى-:»ومن السنة --------------------- (١) أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم، وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في «الإرواء» (٤٢٦). (٢) أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وغيرهم، وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في «الإِرواء» (٤٢٩). (٣) انظر «تمام المنّة» (ص ٢٤٣)، و«تلخيص صفة الصلاة» (ص ٢٩). أن يقول في آخر وتره قبل السلام أو بعده: «اللهمّ إِنّي أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أُحصي ثناءً عليك؛ أنت كما أثنيت على نفسك» (١). وإِذا سلم من الوتر قال: «سبحان الملِك القدّوس، سبحان المَلِك القدّوس، سبحان الملِك القدّوس، [ويمدّ بها صوته ويرفع في الثالثة]» (٢). لا وتران في ليلة عن قيس بن طلق قال: «زارنا طلق بن عليّ في يوم من رمضان، وأمسى عندنا وأفطر، ثمَّ قام بنا تلك الليلة، وأوتر بنا، ثمَّ انحدر إِلى مسجده فصلّى بأصحابه، حتّى إِذا بقي الوتر، قدَّم رجلًا فقال: أوتِر بأصحابك، فإني سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: لا وتران في ليلة» (٣). قضاء الوتر عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من نام عن وتره أو نسيه؛ فليصلّه إِذا ذَكره» (٤). ------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٢٦٥)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٢٨٢٤)، والنسائي وابن ماجه وغيرهم، وانظر «الإرواء» (٤٣٠). (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٢٦٧)، والنسائي والزيادة له «صحيح سنن النسائي» (١٦٠٦)، وانظر «المشكاة» (١٢٧٥). (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٢٧٦) والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٣٩١) وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٩٨١). (٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٢٦٨) والترمذي "صحيح سنن = فإِن لم يكن معذورًا فلا وتر له؛ كما في حديث أبي سعيد أيضًا أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «من أدرك الصبح ولم يوتر؛ فلا وتر له» (١). وعن أبي نهيك «أنَّ أبا الدرداء كان يخطب الناس فيقول: لا وتر لمن أدركه الصبح، قال: فانطلق رجالٌ إِلى عائشة فأخبروها فقالت: كذب (٢) أبو الدرداء؛ كان النّبيّ - ﷺ - يصبح فيوتر» (٣). قال شيخنا -حفظه الله تعالى-: والظاهر أنَّ أبا الدرداء -رضي الله عنه- أراد بقوله «لا وتر لمن أدركه الصبح» من كان غير معذور وذكر بعض الآثار المؤيدة لذلك، ومنها ما رواه إبراهيم بن محمّد بن المنتشر عن أبيه أنَّه كان في مسجد عمرو بن شرحبيل، فأقيمت الصلاة، فجعلوا ينتظرونه، فجاء فقال: إِنّي كنت أوتر، قال: وسُئل عبد الله: هل بعد الأذان وتر؟ قال: نعم وبعد الإِقامة، وحدّث عن النّبيّ - ﷺ - «أنّه نام عن الصلاة حتى طلعت الشمس ثمَّ صلّى» (٤). ------------------- = الترمذي«(٣٨٦) وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٩٧٦)، وانظر»الإِرواء«(٢/ ١٥٣). (١) أخرجه الحاكم وعنه البيهقي وابن حبان وابن خزيمة والبزار، وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي وانظر»الإِرواء«(٢/ ١٥٣) التحقيق الثاني. (٢) أي: أخطأ. (٣) أخرجه أحمد وابن نصر بإِسناد صحيح، وانظر»الإرواء" (٢/ ١٥٥). (٤) أخرجه النسائي والبيهقي بسند صحيح، والشاهد منه تحديث ابن مسعود أنه - صلى الله عليه وآله وسلم- صلى بعد أنْ طلعت الشمس، فإِنّه إِنْ كان ما صلى صلاة الوتر فهو دليل واضح على أنهصلى الله عليه وآله وسلم- إِنما أخّرها لعذر النوم، وإن كانت = وعن الأغر المزني أنّ رجلًا أتى رسول الله - ﷺ - قال:»يا نبي الله! إِنّي أصبحتُ ولم أوتر، فقال: إِنّما الوتر بالليل«(١). قال شيخنا -شفاه الله وعافاه الله- تحت الحديث السابق:»وهذا التوقيت للوتر، كالتوقيت للصلوات الخمس، إِنما هو لغير النائم وكذا الناسي، فإِنّه يصلّي الوتر إِذا لم يستيقظ له في الوقت، يُصلّيه متى استيقظ، ولو بعد الفجر، وعليه يحمل قوله - ﷺ - للرجل في هذا لحديث: «فأوتر» بعد أن قال له: «إِنما الوتر بالليل». الركعتان بعده قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «قيام رمضان» (ص ٣٣): «وله أن يصلي ركعتين، لثبوتهما عن النّبيّ - ﷺ - فِعْلًا (٢)، بل إِنّه أمَر بهما أمّته فقال:»إِنّ هذا السفر جهد وثِقَل، فإِذا أوتر أحدكم، فليركع ركعتين، فإِن استيقظ وإِلا كانتا له«(٣). والسنّة أن يقرأ فيهما:»﴿إِذا زُلزلت الأرض﴾ و﴿قل يا أيها ---------------------- = هي صلاة الصبح -كما هو ظاهر والمعروف عنه - ﷺ - في غزوة خيبر- فهو استدلال من ابن مسعود على جواز صلاة الوتر بعد وقتها؛ قياسًا على صلاة الصبح بعد وقتها؛ بجامع الاشتراك في العلّة وهي النوم، والله أعلم«. (١) أخرجه الطبراني في»المعجم الكبير«، وانظر»الصحيحة«(١٧١٢). (٢) أخرجه مسلم: ٧٣٨، وغيره. (٣) أخرجه ابن خزيمة في»صحيحه«والدارمي وغيرهما، وهو في»الصحيحة" (١٩٩٣)، وفيه فوائد هامّة. الكافرون﴾ «(١). القنوت في الصلوات الخمس حين النوازل (٢) و»كان - ﷺ - إِذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد؛ قنت (٣) في الركعة الأخيرة بعد الركوع؛ إِذا قال: (سمع الله لمن حَمِده، اللهمّ ربّنا لك الحمد) «(٤). و»كان يجهر بدعائه«(٥)، و»يرفع يديه«(٦)، و»يؤمِّن من خلفه«(٧). و»كان يقنت في الصلوات الخمس كلِّها«(٨)؛ لكنّه»كان لا يقنت فيها إِلا إِذا دعا لقوم؛ أو دعا على قوم«(٩)، فربّما قال:»اللهم أنْج الوليد بن الوليد، وسلمةَ بن هشام، وعيّاشَ بن أبي ربيعة، اللهم اشدُد وطأتك على مُضَر، -------------------- (١) أخرجه أحمد وابن نصر والطحاوي وابن خزيمة وابن حبّان بسند حسن صحيح، وتقدم بعضه. (٢) عن «صفة الصلاة» (ص ١٧٨) بحذف. (٣) المراد هنا بالقنوت: الدعاء بعد الركوع من الركعة الأخيرة. (٤) أخرجه البخاري: ٤٥٦٠، وأحمد. (٥) أخرجه البخاري: ٤٥٦٠، وأحمد. (٦) أخرجه أحمد والطبراني بسند صحيح، وهذا مذهب أحمد وإسحاق أنّه يرفع يديه في القنوت؛ كما في «المسائل» للمروزي (ص ٢٣). (٧) أخرجه أبو داود والسراج، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي وغيره. (٨) أخرجه أبو داود والسراج والدارقطني بسندين حسَنين. (٩) أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه»، والخطيب في «كتاب القنوت» بسند صحيح، وانظر «الصحيحة» (٦٣٩). واجعلها سنين كَسِني يوسف، [اللهم العن لِحيان ورِعلًا وذَكوان وعُصَيَّة عصت الله ورسوله]» (١). ثمَّ «كان يقول -إِذا فرغ من القنوت-:»الله أكبر«، فيسجد» (٢). القنوت في صلاة الفجر لا يشرع تخصيص القنوت في صلاة الفجر البتّة، إلاَّ في النوازل، فيشرع القنوت فيه. فعن أبي مالك الأشجعي قال: قلت لأبي: يا أبت إِنّك صلّيت خلف رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي هاهنا بالكوفة نحو خمس سنين، أكانوا يقنتون في الفجر؟ قال: «أي بنيّ مُحدَث» (٣). فهذا الصحابي -رضي الله عنه- بيّن أنّ رسول الله - ﷺ - والخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم- لم يقنتوا في الفجر، وقد وصّى النّبيّ - ﷺ - وهو يودّع أمّته بالتمسُّك بسنّته وسنّة الخلفاء الراشدين، وذلك عند الاختلاف الكثير. فعن العرباض بن سارية -رضي الله عنه- قال: «وعَظنا رسول الله - ﷺ - موعظة بليغة وجِلَت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كأنّها موعظة مودع فأوصِنا، قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإنْ تأمّر عليكم عبد [حبشي] وإنه من يعِشْ منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، --------------------- (١) أخرجه أحمد والبخاري: ٤٥٦٠ والزيادة لمسلم: ٦٧٥ (٢) أخرجه النسائي وأحمد والسراج، وأبو يعلى في»مسنده«بسند جيد. (٣) أخرجه أحمد والترمذي والنسائي، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٠٢٦) وغيرهم، وانظر»الإِرواء" (٤٣٥). فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين، عضُّوا عليها بالنواجذ وإِياكم ومُحدثات الأمور، فإِنَّ كلّ بدعة ضلالة» (١). ولم يقتصر الأمر على التمسك بسنّته - ﷺ - وسنّة الخلفاء الراشدين، وهي واحدة، ولا ريب، لأنهم يعملون بها، لذلك قال - ﷺ -: «عَضّوا عليها» ولم يقل عضوا عليهما أقول: ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل إِنّه - ﷺ - قد نهى عن البدعة فقال: «وإِياكم ومحدَثات الأمور فإِنّ كل بدعة ضلالة». وها هو هذا الصحابي الجليل -رضي الله عنه- يُبيّن أنها بدعة. فهل من مُدّكر! وعن سعيد بن جبير أنّه قال: «إِنّ القنوت في صلاة الفجر بدعة» (٢). وأمّا ما رواه محمّد بن سيرين أنّه «سئل أنس بن مالك: أقنَت النّبيّ - ﷺ - في الصبح؟ قال: نعم، فقيل: أوقنَت قبل الركوع [أو بعد الركوع]؟ قال: بعد الركوع يسيرًا» (٣). فهذا هو قنوت النوازل الذي لا يخصّ به صلاة دون صلاة، ويكون بعد الركوع، وكان لا يفعله - ﷺ - إلاَّ إِذا دعا على أحد أو دعا لأحد. ---------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٨٥١) والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٢١٥٧) وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٤٠) وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٤)، و«كتاب السنّة» لابن أبي عاصم: (ص ٥٤) بتحقيق شيخنا -حفظه الله تعالى-. (٢) قال شيخنا في «الإِرواء» (٤٣٦) التحقيق الثاني -بعد تضعيف نسبته إِلى ابن عباس رضي الله عنهما-: «والصحيح أنّه من قول سعيد بن جبير». (٣) أخرجه البخاري: ١٠٠١، ومسلم: ٦٧٧، وغيرهما. فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- «أنَّ رسول الله - ﷺ - كان إِذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعوَ لأحد؛ قنَتَ بعد الركوع ...» (١). ومن ذلك ما رواه مسلم في «صحيحه» (٦٧٩) (٢) من حديث خُفاف بن إِيماء قال: «ركَع رسول الله - ﷺ - ثمَّ رفع رأسه فقال: غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله وعصيَّةُ عصَتِ الله ورسولَه اللهم العن بني لِحيان والعن رِعلًا وذَكوان». لذلك لمّا جاء عاصم وسأل أنسَ بن مالك عن القنوت، فقال: «قد كان القنوت قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله، قال: فإِنّ فلانًا أخبرني عنك أنّك قلت: بعد الركوع! فقال: كذَب؛ إِنّما قنَت رسول الله - ﷺ - بعد الركوع شهرًا، أُراه كان بعَث قومًا يُقال لهم القُرّاء زُهاء (٣) سبعين رجلًا إِلى قومٍ من المشركين دون أولئك، وكان بينهم وبين رسول الله - ﷺ - عهد فقنَتَ رسول الله - ﷺ - شهرًا يدعو عليهم» (٤). فقد نفى أنس بن مالك أن يكون القنوت بعد الركوع، فهذا يُفهِم أنَّ قنوت الوتر يُفعل قبل الركوع، أمّا بعد الركوع فإِنّما هو قنوت النازلة، حين الدعاء على أحد. ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ٤٥٦٠ (٢) ونحوه في البخاري: ١٠٠٦، وتقدّم نحوه في (القنوت للصلوات الخمس للنازلة). (٣) أي: ما يقرب من سبعين رجلًا. (٤) أخرجه البخاري: ١٠٠٢ وأمّا حديث: «ما زال رسول الله - ﷺ - يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا» فإِنّه منكر فيه: أبو جعفر الرازي واسمه عيسى بن ماهان مُتكلَّم فيه. قال ابن التركماني: ... قال ابن حنبل والنسائي: ليس بالقوي، وقال أبو زرعة: يَهِمُ كثيرًا، وقال الفلاس: سيئ الحفظ وقال ابن حبان يحدث بالمناكير عن المشاهير ... وانظر التفصيل في «الضعيفة» (١٢٣٨). قال ابن القيّم -رحمه الله- في «زاد المعاد» (١/ ٢٧١) -بحذف-: «ومن المحال أنَّ رسول الله - ﷺ - كان في كلّ غداة بعد اعتداله من الركوع يقول:»اللهمّ اهدني فيمن هديت، وتولّني فيمن توليت ...«. إِلخ ويرفع بذلك صوته، ويؤمّن عليه أصحابه دائمًا إِلى أن فارق الدنيا، ثمَّ لا يكون ذلك معلومًا عند الأمة، بل يضيّعه أكثر أمّته وجمهور أصحابه، بل كلّهم؛ حتى يقول من يقول منهم: إِنّه محدَث!». وقال (ص ٢٧٦) تعليقًا على الحديث السابق بعد بيان عدم صحته: «... ولو صحّ لم يكن فيه دليل على هذا القنوت المُعيّن البتة، فإِنّ القنوت يطلق على القيام والسكوت ودوام العبادة والدعاء والتسبيح والخشوع، كما قال تعالى: ﴿وله مَن في السموات والأرضِ كلٌّ له قانتون﴾ (١) ﴿وكانت من القانتين﴾ (٢). وقال زيد بن أرقم:»لمّا نزل قوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ (٣) أُمِرنا ----------------------- (١) الروم: ٢٦ (٢) التحريم: ١٢ (٣) البقرة: ٢٣٨ https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثانى من صــ 136الى صــ 150 الحلقة (39) بالسكوت ونُهينا عن الكلام«(١). فمِن أين لكم أنّ أنَسًَا إِنّما أراد هذا الدعاء المعيَّن دون سائر أقسام القنوت؟». وقال (ص٢٨٣): ولمّا صار القنوت في لسان الفقهاء وأكثرِ الناس، هو هذا الدعاء المعروف: «اللهمّ اهدني فيمن هديت ...» إِلخ، وسمعوا أنّه لم يزل يقنت في الفجر حتى فارَق الدنيا وكذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة؛ حمَلوا القنوت في لفظ الصحابة على القنوت في اصطلاحهم. ونشأ من لا يعرف غير ذلك، فلم يشكّ أنَّ رسول الله - ﷺ - وأصحابه كانوا مداومين عليه كلّ غداة! وهذا هو الذي نازعهم فيه جمهور العلماء وقالوا لم يكن هذا من فِعله الراتب، بل ولا يثبت عنه أنّه فعَله. انتهى. وبعد هذا نسأل: لماذا خصّصوا الفجر بالقنوت؟ فإِنْ قالوا قد صحّ في ذلك نصوص: قلنا: صحّ فيه -كما تقدّم- من غير تخصيص، ولكن في جميع الصلوات في النوازل. فعن أنس -رضي الله عنه- قال: «كان القنوت في المغرب والفجر» (٢). فلماذا لا تخصّصونه في المغرب! وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - بينما يصلّي العشاء إِذ(١) أخرجه البخاري: ٤٥٣٤، ومسلم: ٥٣٩ (٢) أخرجه البخاري: ١٠٠٤ قال:»سمع الله لمن حمده«ثمَّ قال: قبل أن يسجد: اللهمّ نجّ عيّاش بن أبي ربيعة ...» (١). وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنّه سمع أبا هريرة -رضي الله عنه- يقول: «والله لأُقَرِّبنّ بكم صلاة رسول الله - ﷺ - فكان أبو هريرة يقنت في الظهر والعشاء الآخره وصلاة الصبح، ويدعو للمؤمنين ويلعن الكافرين» (٢). وجاءت بعض النصوص من غير تسمية صلاة كما في حديث أنس قال: «قنت النّبيّ - ﷺ - شهرًا يدعو على رِعل وذَكوان» (٣). لذلك أقول: لا أعلم نصًّا ورَد بتسمية صلاة العصر في القنوت، ولكنه يدخل في العموم كما لا يخفى، وقد وردَ تسمية الفجر، فلا يعني التخصيص. وبالله التوفيق. ------------- (١) أخرجه مسلم: ٦٧٥ (٢) أخرجه مسلم: ٦٧٦ (٣) أخرجه البخاري: ١٠٠٣، ومسلم: ٦٧٧، وتقدّم. قيام الليل ما وردَ في الترغيب فيه: قيام الليل سُنّة مستحبّة، وقد ورد في الترغيب فيه العديد من النصوص من ذلك: ١ - قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (١). ٢ - وقوله سبحانه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ (٢). ٣ - وقوله سبحانه في وصْف المؤمنين: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣). ٤ - وحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: يعقِد الشيطان على قافية رأس أحدكم إِذا هو نام ثلاث عُقد، يضرب على كلّ ------------------------ (١) الذاريات: ١٥ - ١٩ (٢) الفرقان: ٦٣ - ٦٦ (٣) السجدة: ١٦ - ١٧ عُقدة؛ عليك ليلٌ طويل فارقد! فإِنِ استيقظ فذكَر الله تعالى انحلَّت عُقدة، فإِنْ توضّأ انحلّت عقدة، فإِنْ صلّى انحلّت عُقَدُه كلّها، فأصبح نشيطًا طيِّب النفس، وإِلاَّ صبح خبيث النفس كسلان» (١). ٥ - وحديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «في الجنّة غرفةٌ يُرى ظاهرها من باطِنها، وباطِنُها من ظاهرها، فقال أبو مالك الأشعري: لمن هي يا رسول الله - ﷺ -؟ قال: لمن أطاب الكلام، وأطعَم الطعام، وبات قائمًا والناس نيام» (٢). ٦ - وحديث جابر -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِنَّ في الليل لساعة؛ لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيرًا من أمر الدنيا والآخرة؛ إلاَّ أعطاه إِيّاه، وذلك كلَّ ليلة» (٣). ٧ - وحديث أبي الدرداء عن النّبيّ - ﷺ - قال: «ثلاثةٌ يحبّهم الله، ويضحك إِليهم، ويستبشر بهم: الذي إِذا انكشفت فئةٌ قاتل وراءها بنفسه لله عز وجل، فإِمّا أن يُقتل، وإمّا أنْ ينصره الله ويكفيه، فيقول: انظروا إِلى عبدي هذا كيف صبر لي بنفسه؟ والذي له امرأة حسنة وفراش ليِّن حسن، فيقوم من الليل، فيقول: يَذَرُ شهوته ويذكُرني، ولو شاء رقد. -------------------------- (١) أخرجه البخاري: ١١٤٢، ومسلم: ٧٧٦ (٢) أخرجه الطبراني في»الكبير«بإِسناد حسن والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما وانظر»صحيح الترغيب والترهيب" (٦١١). (٣) أخرجه مسلم: ٧٥٧ والذي إِذا كان في سفر، وكان معه ركْب، فسهروا، ثمَّ هجعوا، فقام من السَّحر في ضرّاء وسرّاء» (١). أجْر من نوى قيام الليل وغَلَبته عينُه حتى أصبح عن أبي الدرداء أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلّي من الليل؛ فغلبته عينُه حتى أصبح؛ كُتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربّه» (٢). الوصاة بإِيقاظ الأهل لقيام الليل ١ - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال رسول الله - ﷺ -: «رحم الله رجلًا قام من الليل فصلّى وأيقظ امرأته، فإِنْ أَبَت نضَح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلّت وأيقظت زوجها، فإِنْ أبى نضحت في وجهه الماء» (٣). ٢ - وعن أبي هريرة وأبي سعيد -رضي الله عنهما- قالا: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا أيقظ الرجل أهله من الليل، فصلّيا أو صلّيا ركعتين جميعًا؛ كُتبا -------------------- (١) أخرجه الطبراني في»الكبير«بإِسناد حسن وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(٦٢٣). (٢) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(١٦٨٦)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١١٧٢) وغيرهما، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(١٩)، و»الإرواء«(٤٥٤). (٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٢٨٧) والنسائي»صحيح سنن النسائي«(١٥١٩) وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٠٩٩) وابن خزيمة»صحيح ابن خزيمة«(١١٤٨)، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب" (٦١٩). في الذاكرين والذاكرات» (١). ٣ - وعن أمّ سلمة زوج النّبيّ - ﷺ - قالت: «استيقظ رسول الله - ﷺ - ليلة فَزِعًا يقول: سبحانه! ماذا أنزَلَ الله من الخزائن؟ وماذا أُنزِل من الفِتن؟ من يوقظ صواحب الحجرات -يريد أزواجه- لكي يصلّين؟ رُبّ كاسية في الدنيا عاريةٍ في الآخرة» (٢). الرقود وترْك الصلاة إِذا غلبه النعاس أن يترك الصلاة ويرقد إِذا غلبه النعاس حتى يذهب عنه النوم لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله - ﷺ - قال: «إِذا قام أحدكم من الليل، فاستعجم (٣) القرآن على لسانه، فلم يدرِ ما يقول؛ فليضطجع» (٤). عن أنس -رضي الله عنه- قال: «دخَل رسول الله - ﷺ - المسجد وحبلٌ ممدود بين ساريتين فقال:»ما هذا؟ «قالوا: لزينب تُصلّى، فإِذا كسِلَت أو فترَت أمسكت به، فقال:»حُلُّوه ليصلِّ أحدكم نشاطه، فإِذا كَسِل أو فتر قعد«وفي حديث زهير»فليقعد«(٥). ----------------------- (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٢٨٨)، والنسائي، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٠٩٨)، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(٦٢٠). (٢) أخرجه البخاري: ٧٠٦٩ (٣) استعجم: أي استُغلق عليه فلم يقدر أن يقرأ؛ كأنّه صار به عُجْمة.»النهاية" -بتصرف-. (٤) أخرجه مسلم: ٧٨٧ وغيره. (٥) أخرجه البخاري: ١١٥٠، ومسلم: ٧٨٤ عدم المشقة على النفس في القيام والمواظبة عليه فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت:»دخَل عليَّ رسول الله - ﷺ - وعندي امرأة فقال: من هذه؟ فقلت: امرأة لا تنام، تصلّي، قال: عليكم من العمل ما تطيقون، فوالله لا يملّ الله حتى تملّوا«وكان أحبَّ الدِّين إِليه ما داومَ عليه صاحبه» (١). وفي رواية عنها -رضي الله عنها- أنَّ رسول الله - ﷺ - سُئل: «أيُّ العمل أحبُّ إِلى الله؟ قال: أدومُه وإنْ قلّ» (٢). وعن علقمة قال: «قلت لعائشة -رضي الله عنها-: هل كان رسول الله - ﷺ - يختصّ من الأيام شيئًا؟ قالت: لا، كان عمله ديمة (٣)، وأيكم يُطيق ما كان رسول الله - ﷺ - يُطيق؟» (٤). وعن عائشة: «كان آل محمّد - ﷺ - إِذا عملوا عملًا أثبتوه» (٥). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: "يا عبد الله! لا تكن مِثل فلان؛ كان يقوم من الليل فترك قيام ------------------------- (١) أخرجه البخاري: ١٩٧٠، ومسلم: ٧٨٥ وهذا لفظه. (٢) أخرجه مسلم: ٧٨٢ (٣) أي: دائمًا، قال أهل اللغة: الديمة مطر يدوم أيامًا، ثمَّ أُطلقت على كل شيء يستمرّ. (٤) أخرجه البخاري: ١٩٨٧، ومسلم: ٧٨٣ (٥) أي: لازموا فِعله وداوموا عليه ولم يتركوه. الليل» (١). وعن حفصة عن النّبيّ - ﷺ - قال: «نِعم الرجل عبد الله لو كان يصلّي من الليل، قال سالم: فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلاَّ قليلًا» (٢). وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: «ذُكر عند النّبيّ - ﷺ - رجل فقيل: ما زال نائمًا حتى أصبح؛ ما قام إِلى الصلاة، فقال: بال الشيطان في أُذنه» (٣). وقته: يبدأ قيام الليل من بعد صلاة العشاء ويستمرّ حتى الفجر. عن أنس -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يُفطر من الشهر حتى نظنُّ ألاّ يصوم منه، ويصوم حتى نظنّ أن لا يُفطر منه شيئًا، وكان لا تشاء أن تراه من الليل مُصلّيًا (٤) إلاَّ رأيته ولا نائمًا إلاَّ رأيته» (٥). وعن الأسود قال: سألتُ عائشة -رضي الله عنها-: «كيف صلاة النّبيّ - ﷺ - بالليل؟ قالت: كان ينام أوّله، ويقوم آخره، فيصلّي ثمَّ يرجع إِلى فراشه، فإِذا أذّن المؤذّن وثب، فإِن كانت به حاجة اغتسل وإلاَّ توضّأ» (٦). ------------------------- (١) أخرجه البخاري: ١١٥٢، ومسلم: ١١٥٩ (٢) أخرجه البخاري: ١١٥٧، ومسلم: ٢٤٧٩، وهذا لفظه. (٣) أخرجه البخاري: ١١٤٤، ٣٢٧٠، ومسلم: ٧٧٤ (٤) أي: يقوم بحسب ما تيسّر له ذلك. (٥) أخرجه أحمد والبخاري: ١١٤١ (٦) أخرجه البخاري: ١١٤٦ أفضل أوقاته يفضل تأخير صلاة الليل إلى ثلث الليل أو نصفه، ومن الأدلة على ذلك: ١ - حديت أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «ينزل ربُّنا (١) تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى السماء الدنيا؛ حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعونْي فأستجيبَ له، من يسألني فأعطيَه، من يستغفرني فأغفرَ له» (٢). ٢ - وعنه -رضي الله عنه- أيضًا عن النّبي - ﷺ - قال: «لولا أن أشقّ على أمّتي لأمرْتهم بالسواك مع الوضوء، ولأخّرت العشاء إِلى ثلث الليل أو نصف الليل، فإِذا مضى ثلث الليل أو نصف الليل؛ نزل إلى السماء الدنيا جلّ وعزّ فقال: فذكر الجمل الثلاث وزاد (٣) هل من تائب فأتوب عليه (٤). ٣ - عن عبد الله بن عمرو قال:»قال لي رسول الله - ﷺ -: أحَبُّ الصيام إِلى الله صيام داود، كان يصوم يومًا ويُفطر يومًا، وأحبُّ الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه«(٥). --------------------------- (١) نزولًا حقيقيًا يليق بجلاله سبحانه؛ من غير تكييف ولا تمثيل ولا تأويل ولا تعطيل، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، وانظر للمزيد من الفائدة -إِن شئت- كتاب»شرح حديث النزول«لشيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-. (٢) أخرجه البخاري: ١١٤٥، ومسلم: ٧٥٨ (٣) من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له. (٤) أخرجه أحمد وإسناده صحيح على شرط الشيخين،»الإرواء" (٢/ ١٩٧). (٥) أخرجه البخاري: ٣٤٢٠، ومسلم: ١١٥٩، قال عليّ: وهو قول عائشة: = ٤ - عن عمرو بن عبسة -رضي الله عنه- أنَّه سمع النّبيّ - ﷺ - يقول: «أقرب ما يكون الربّ من العبد في جوف الليل الآخر، فإِنِ استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن» (١). عدد ركعاته: عدد ركعاته إِحدى عشرة ركعة كما في حديث عائشة الآتي -إِن شاء الله- في صلاة التراويح «ما كان رسول الله - ﷺ - يزيد في رمضان ولا في غيره على إِحدى عشرة ركعة ...». تتحقق صلاة الليل ولو بركعة عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: ذَكَرتُ قيام الليل فقال بعضهم إِنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «نصفه، ثلثه، ربعه، فُواق (٢) حلب ناقة، فواق حلب شاة» (٣). ------------------------ = «ما ألفاه السحَر عندي إلاَّ نائمًا». قال الحافظ (٦/ ٤٥٥): «ولم أره منسوبًا [أي: اسم عليّ] وأظّنه علي بن المديني شيخ البخاري، وأراد بذلك بيان المراد بقوله:»وينام سدسه«أي: السدس الأخير، وكأنَّه قال: يوافق ذلك حديث عائشة:»ما ألفاه -بالفاء- أي وجده -والضمير للنّبيّ - ﷺ - والسَّحر الفاعل، أي لم يجىء السَّحَر والنّبيّ - ﷺ - إلاَّ وجده نائمًا«. (١) أخرجه الترمذي واللفظ له، وابن خزيمة في»صحيحه«وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(٦٢٢). (٢) الفُواق: ما بين الحَلْبتين من الراحه وتُضَمّ فاؤه وتُفتَح»النهاية«. (٣) أخرجه أبو يعلى ورجاله محتجّ بهم في الصحيح، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب" (٦٢١). من فاته قيام الليل عن عائشة -رضي الله عنها- «أنَّ رسول الله - ﷺ - كان إِذا فاتته الصلاة من الليل من وَجَعِ أو غيره، صلّى من النّهار ثنتي عشرة ركعة» (١). وعنها -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - إِذا عَمِل عملًا أثبته، وكان إِذا نام من الليل أو مَرض؛ صلّى من النهار ثنتي عشرة ركعة قالت: وما رأيتُ رسول الله - ﷺ - قام ليلةً حتى الصباح، وما صام شهرًا متتابعًا إلاَّ رمضان» (٢). ما يستحبّ أثناء القراءة: يُستحبّ لكل من قرأ في صلاة الليل إِذا مرَّ بآية رحمة؛ أن يسأل الله سبحانه من فضله، وإِذا مرَّ بآية عذاب أن يتعوّذ بالله من النار، وإذا مرَّ بآيةٍ فيها تسبيح سبّح، وإذا مَرَّ بسؤالٍ سأل. لما رواه مسلم (٧٧٢) عن حذيفة قال: "صليت مع النّبيّ - ﷺ - ذات ليلة، فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المائة، ثمَّ مضى، فقلت: يُصلّي بها في ركعة، فمضى فقلت: يركع بها، ثمَّ افتتح النّساء فقرأها، ثمَّ افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسِّلًا (٣)، إِذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بسؤالٍ سأل، وإِذا مرَّ بتعوّذ تعوّذ، ثمَّ ركع فجعل يقول: سبحان ربِّيَ العظيم، فكان ركوعه نحوًا ----------------------- (١) أخرجه مسلم: ٧٤٦، وغيره. (٢) أخرجه مسلم: ٧٤٦ (٣) أي: متمهلًا متأنيًا. من قيامه، ثمَّ قال: سمع الله لمن حمده، ثمَّ قام طويلًا، قريبًا ممّا ركع، ثمَّ سجد فقال: سبحان ربِّيَ الأعلى، فكان سجوده قريبًا من قيامه». قال شيخنا -حفظه الله- في الردّ على من يقول في استحباب ذلك في صلاة الفرض: «هذا إِنما ورد في صلاة الليل كما في حديث حذيفة ...، فمقتضى الاتباع الصحيح الوقوف عند الوارد وعدم التوسع فيه بالقياس والرأي، فإِنّه لو كان ذلك مشروعًا في الفرائض أيضًا لفَعله - ﷺ -، ولو فعَله لنُقِل، بل لكان نقْله أولى من نقل ذلك في النوافل كما لا يخفى». قيام رمضان قيام رمضان سنّة تؤدّى بعد صلاة العشاء قبل الوتر، والصلاة في آخر الليل أفضل كما تقدّم. قال شيخنا في «قيام رمضان» (ص ٢٦) -بحذف-: وإِذا دار الأمر بين الصلاة أوّل الليل مع الجماعة، وبين الصلاة آخر الليل منفردًا، فالصلاة مع الجماعة أفضل، لأنّه يحسب له قيام ليلةٍ تامّة. وعلى ذلك جرى عمل الصحابة في عهد عمر -رضي الله عنه- فقال عبد الرحمن بن عَبْدٍ القارِيّ: «خرجتُ مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إِلى المسجد، فإِذا الناس أوزاعٌ (١) متفرّقون، يُصلّي الرجل لنفسه، ويصلّي الرجل فيصلّي بصلاته الرَّهطُ، فقال عمر: والله إِني لأرى لو جمعتُ هؤلاء على قارئ واحدٍ لكان أمثل، ثمَّ عزم، فجمَعهم على أُبَيِّ بن كعب، ثمَّ خرجتُ معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم (٢) البدعةُ هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون -يريد آخر الليل- وكان الناس يقومون أوّله» (٣). وقال زيد بن وهب: «كان عبد الله يصلي بنا في شهر رمضان، فينصرف --------------------------- (١) أي: متفرقون. (٢) في بعض الروايات نعمت والمراد بالبدعة هنا اللغويه لا الشرعية، وانظر التفصيل في»صلاة التروايح" (ص ٤٣). (٣) أخرجه البخاري: ٢٠١٠ بليل» (١). الترغيب فيه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله - ﷺ - يُرغّب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة (٢) فيقول: «من قام رمضان إِيمانًا واحتسابًا (٣)؛ غُفر له ما تقدّم من ذنبه (٤)» (٥). وعن عمرو بن مرّة الجُهني -رضي الله عنه- قال: «جاء رجل إِلى النّبيّ ------------------------ (١) أخرجه عبد الرزاق (٧٧٤١) وإسناده صحيح، وقد أشار الإِمام أحمد إِلى هذا الأثر والذي قبله حين سُئل: يؤخّر القيام -يعني التراويح- إِلى آخر الليل؛ فقال:»لا، سُنّة المسلمين أحبُّ إِليّ«. رواه أبو داود في»مسائله«(ص ٦٢). (٢) العزم: الجدّ والصبر، ويعزم المسألة، أي: يجدّ فيها ويقطعها والمقصود: لا يأمرهم أمر إِيجاب وتحتيم، بل أمر ندب وترغيب كما ذكر بعض العلماء. (٣) طلبًا لوجه الله وثوابه، فالاحتساب من الحسَب، وإنَّما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله احتسبه؛ لأنَّ له حينئذ أن يعتدّ عمله، والحِسبة اسمٌ من الاحتساب.»النهاية«-بحذف-. (٤) قال شيخنا في»صحيح الترغيب والترهيب«(ص ٤٨٧):»هذا الترغيب وأمثاله بيان لفضل هذه العبادات؛ بأنه لو كان على الإنسان ذنوب تُغفر له بسبب هذه العبادات، فلا يَرِد أن الأسباب المؤدية إِلى عموم المغفرة كثيرة، فعند اجتماعها؛ أىّ شيء يبقى للمتأخر منها حتى يغفر له؛ إِذ المقصود بيان هذه العبادات، بأنّ لها عند الله هذا القدر من الفضل، فإِنْ لم يكن على الإنسان ذنب، يظهر هذا الفضل في رفع الدرجات، كما في حق الأنبياء المعصومين من الذنوب، والله أعلم". (٥) أخرجه البخاري: ٣٧، ومسلم: ٧٥٩ - ﷺ - فقال: يا رسول الله أرأيتَ إِن شهدتُ أن لا إِله إلاَّ الله، وأنك رسول الله «وصلّيتُ الصلوات الخمس، وأدَّيتُ الزكاة، وصمتُ رمضان وقمتُه، فممّن أنا قال: من الصدِّيقين والشهداء» (١). مشروعية الجماعة فيه (٢) وتشرع الجماعة في قيام رمضان، بل هي أفضل من الانفراد؛ لإِقامة النّبيّ - ﷺ - لها بنفسه، وبيانه لفضلها بقوله؛ كما في حديث أبي ذَرٍّ -رضي الله عنه- قال: «صمنا مع رسول الله - ﷺ - رمضان، فلم يَقُمْ بنا شيئًا من الشهر، حتى بقي سَبْعٌ، فقام بنا حتى ذهب ثُلُثُ الليل، فلمّا كانت السادسةُ لم يَقُم بنا، فلمّا كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطرُ الليل، فقلتُ: يا رسول الله! لو نفَّلتنا قيام هذه الليلة، فقال: إِنّ الرجل إِذا صلّى مع الإِمام حتى ينصرف حُسب له قيام ليلة». فلمّا كانت الرابعة لم يقم، فلمّا كانت الثالثة جمَع أهله ونساءه والناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح. قال: قلت: ما الفلاح؟ قال: السّحور، ثمَّ لم يقم بنا بقيّة الشهر«(٣). ------------------------ (١) أخرجه البزار وابن خزيمة وابن حبان في»صحيحيهما«واللفظ لابن حبان وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(٩٨٩). (٢) من هنا ولأوّل (لم يصل التراويح أكثر من إِحدى عشرة ركعة) عن»قيام رمضان«بتصرّف. (٣) أخرجه أصحاب السنن وغيرهم، وهو مخرج في»صلاة التراويح«(ص ١٦ - ١٧)، و»الإِرواء" (٤٤٧). https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثانى من صــ 151الى صــ 165 الحلقة (40) السبب في عدم استمرار النّبيّ - ﷺ - بالجماعة فيه وإِنّما لم يقم بهم (عليه الصلاة والسلام) بقيّة الشهر خشية أن تُفرَض عليهم صلاةُ الليل في رمضان، فيعجَزوا عنها فعن عائشة أنَّ رسول الله - ﷺ - صلّى في المسجد ذات ليلة، فصلّى بصلاته ناس، ثمَّ صلّى من القابلة، فكثر الناس، ثمَّ اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إِليهم رسول الله - ﷺ -، فلمّا أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إِليكم إلاَّ أنِّي خشيت أن تفرض عليكم، قال: وذلك في رمضان» (١). وقد زالت هذه الخشيةُ بوفاته - ﷺ - بعد أنْ أكمل الله الشريعة، وبذلك زال المعلول، وهو ترْك الجماعة في قيام رمضان، وبقي الحُكم السابق وهو مشروعية الجماعة، ولذلك أحياها عمر -رضي الله عنه- كما في «صحيح البخاري» وغيره (٢). مشروعية الجماعة للنساء قال شيخنا: «وهذا محلّه عندي إِذا كان المسجد واسعًا، لئلا يُشوِّش أحدهما على الآخر». عدد ركعاته وركعاتها إِحدى عشرة ركعةً، ونختار أن لا يزيد عليها اتّباعًا لرسول الله - ﷺ -، فإِنّه لم يزد عليها حتى فارق الدنيا، فقد سُئلت عائشة -رضي الله ----------------- (١) أخرجه البخاري: ٩٢٤، ومسلم: ٧٦١ (٢) انظر رقم (٢٠١٠)، وتقدّم. عنها- عن صلاته - ﷺ - في رمضان؟ فقالت: «ما كان رسول الله - ﷺ - يزيد في رمضان ولا في غيره على إِحدى عشرة ركعة، يصلّي أربعًا فلا تَسَلْ عن حُسْنهنّ وطولهنّ، ثمَّ يصلّي أربعًا فلا تَسَلْ عن حسنهنّ وطولهنّ، ثمَّ يصلّي ثلاثًا» (١). وله أن يُنْقِص منها، حتى لو اقتصر على ركعة الوتر فقط، بدليل فِعله - ﷺ - وقوله: أمّا الفعل، فقد سُئلت عائشة -رضي الله عنها-: بكم كان رسول الله - ﷺ - يوتر؟ قالت: «كان يوتر بأربعٍ وثلاثٍ، وستٍّ وثلاثٍ، وعشرٍ وثلاثٍ، ولم يكن يوتر بأنقص من سبعٍ، ولا بأكثر من ثلاث عشرة» (٢). وأمّا قوله - ﷺ - فهو: «الوتر حقٌّ، فمن شاء فليوتر بخمسٍ، ومن شاء فليوتر بثلاثٍ، ومن شاء فليوتر بواحدة» (٣). لم يُصَلِّ التراويح أكثر من إِحدى عشرة ركعة (٤) لم يثبت عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه صلّى التراويح أكثر من إِحدى عشرة ركعة، وإِليك البيان: ---------------- (١) أخرجه البخاري: ١١٤٧، ومسلم: ٧٣٨، وتقدّم. (٢) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٢٣٣) وغيرهما وهو حديث جيد الإِسناد، وصحّحه العراقي، وهو مخرَّج في «صلاة التراويح» (ص ٩٨ - ٩٩). (٣) تقدّم. (٤) هذا العنون وما يحتويه من كتاب «صلاة التراويح» -بتصرف-. ١ - قد تقدّم حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن أنَّه سأل عائشة -رضي الله عنها- كيف كانت صلاة رسول الله - ﷺ - في رمضان فقالت: ما كان رسول الله - ﷺ - يزيد في رمضان ولا في غيره على إِحدى عشرة ركعة. ٢ - وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال؛ صلّى بنا رسول الله - ﷺ - في شهر رمضان ثمان ركعات، وأوتر ...» (١). ٣ - أمّا ما رواه ابن أبي شيبة من حديث ابن عباس: «كان رسول الله - ﷺ - يصلّي في رمضان عشرين ركعة والوتر» فإِسناده ضعيف وقد عارضه حديث عائشة هذا الذي في الصحيحين؛ مع كونها أعلم بحال النّبيّ - ﷺ - ليلًا من غيرها، قاله الحافظ في «الفتح». وسبَقه إِلى هذا المعنى الحافظ الزيلعي في «نصب الراية» (٢/ ١٥٣). قال شيخنا: وحديث ابن عبّاس هذا ضعيف جدًّا كما قال السيوطي في «الحاوي للفتاوى» (٢/ ٧٣) وعِلّته أنّ فيه أبا شيبة إِبراهيم بن عثمان. قال الحافظ في «التقريب»: «متروك الحديث» وقد تتبعْتُ مصادره فلم أجِده إِلا من طريقه ... وفصّل القول في ذلك. وقال البيهقي: تفرَّد به أبو شيبة وهو ضعيف، وكذلك قال الهيثمي في «المجمع» (٣/ ١٧٢) أنَّه ضعيف، والحقيقة أنَّه ضعيف جدًّا، كما يشير إِليه قول الحافظ المتقدّم: «متروك الحديث» وهذا هو الصواب فيه ..... وأورده الحافظ الذهبي من مناكيره، وقال الفقيه ابن حجر الهيتمي في ------------------ (١) أخرجه ابن نصر والطبراني في المعجم الصغير وسنده حسن وأشار الحافظ في «الفتح» (٣/ ١٠) و«التلخيص» (ص١١٩) إِلى تقويته. «الفتاوى الكبرى» (١/ ١٩٥) بعد أنْ ذكر الحديث: «شديد الضعف ...». وقال السيوطي: «فالحاصل أنَّ العشرين ركعة لم تثبت مِن فِعله ... ومما يدلّ لذلك أيضًا (أي: عدم الزيادة) أنَّه - ﷺ - كان إِذا عمل عملًا واظبَ عليه؛ كما واظب على الركعتين اللتين قضاهما بعد العصر؛ مع كون الصلاة في ذلك الوقت منهيًّا عنها، ولو فعَل العشرين ولو مرّة؛ لم يتركها أبدًا، ولو وقع ذلك لم يَخْفَ على عائشة، حيث قالت ما تقدَّم». قلت: بل قد ثبت في «صحيح مسلم» (٧٨٢) من حديث أبي سلمة عن عائشة -رضي الله عنها-: «وكان آل محمّد إذا عملوا عملًا أثبتوه»، وقد تقدّم. وفي «صحيح مسلم» (٧٨٣) أيضًا: عن القاسم بن محمّد قال: «وكانت عائشة إِذا عملت العمل لزِمته». لهذا ولغيره نقول: لم يثبُت لنا عن أحدٍ من آل محمّد - ﷺ - أنهم صلّوا العشرين" والله تعالى أعلم. ٤ - إِنَّ رسول الله - ﷺ - قد التزم عددًا معيّنًا في السنن الرواتب وغيرها؛ كصلاة الاستسقاء والكسوف ... وكان هذا الالتزام دليلًا مسلّمًا عند العلماء أنَّه لا يجوز الزيادة عليها، فكذلك صلاة التراويح، ومن ادعى الفرق فعليه الدليل. وليست صلاة التراويح من النوافل المطلقة حتى يكون للمصلّي الخيار في أن يصلِّيها بأيّ عدد شاء، بل هي سُنّة مؤكّدة تشبه الفرائض من حيث أنّها تشرع مع الجماعة؛ كما قالت الشافعية فهي من هذه الحيثيّة أولى بأن لا يُزاد عليها من السنن الرواتب. ردود على بعض التساؤلات والاعتراضات ١ - قد يقول بعضهم: اختلاف العلماء دليل على عدم ثبوت النص المعيِّن للعدد. والجواب: إِنَّ الاختلاف في عدد ركعات التراويح لا يدلّ على عدم ورود نصٍّ ثابت فيه؛ لأنَّ الواقع أنَّ النصّ واردٌ ثابت فيه، فلا يجوز أن يُردّ النصّ بسبب الخلاف، بل الواجب أن يُزال الخلاف بالرجوع إِلى النصّ عملًا بقول الله تبارك وتعالى: ﴿فلا وربّك لا يؤمنون حتى يُحكِّموك فيما شَجَر بينهم ثمَّ لا يَجِدوا في أنفُسِهِم حرَجًا ممّا قَضَيتَ ويُسَلّموا تَسلِيمًا﴾ (١). وقوله سبحانه: ﴿فإِنْ تَنَازعتُم في شيءٍ فردّوه إِلى الله والرسُول إِنْ كُنتُم تؤْمِنُون بالله واليَوم الآخِر ذلك خيْرٌ وأحْسَنُ تَأوِيلًا﴾ (٢). ٢ - قد يقول قائل آخر: لا مانع من الزيادة على النصّ ما لم يُنْه عنها. وجوابه: الأصل في العبادات أنها لا تثبت إلاَّ بتوقيف من رسول الله - ﷺ -، ولولا هذا الأصل لجاز لأيّ مسلم أن يزيد في عدد ركعات السُّنن بل والفرائض الثابت عددها بفِعْله - ﷺ - واستمراره عليه؛ بزعم أنَّه - ﷺ - لم يَنْهَ عن الزيادة عليها. ٣ - وتمسّك بعضهم بالنصوص المطلقة والعامّة؛ في الحضّ على الإِكثار من الصلاة؛ بدون تحديد عدد؛ معيّن كقوله - ﷺ - لربيعة بن كعب وقد سأله ----------------------- (١) النساء: ٦٥ (٢) النساء: ٥٩ مرافقته في الجنَّة: «فأعنّي على نفسك بكثرة السجود». والجواب: إِنَّ هذا تمسُّكٌ واهٍ جدًا، فإِنَّ العمل بالمطلقات على إِطلاقها إِنّما يسوغ فيما لم يقيّده الشارع من المطلقات، أمّا إِذا قيّد الشارع حُكمًا مطلقًا بقيد؛ فإِنَّه يجب التقيُّد به وعدم الاكتفاء بالمطلق، فإِنَّ مسألتنا (صلاة التراويح) ليست من النوافل المطلقة، لأنها صلاة مقيّدة لا بنصّ عن رسول الله. وما مثَل من يفعل ذلك؛ إلاَّ كمن يصلي صلاة يخالف بها صلاة النّبيّ - ﷺ - المنقولة عنه بالأسانيد الصحيحة؛ يخالفها كمًّا وكيفًا؛ متناسيًا قوله - ﷺ -: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (١) محتجًّا بمِثل تلك المطلقات! كمن يصلّي مثلًا الظهر خمسًا وسنة الفجر أربعًا! الأحوط اتباع السنّة: واستطرد شيخنا -حفظه الله تعالى- قائلًا: «على أنَّه مهما قيل في جواز الزيادة أو عدمها، فما أظنّ أنّ مسلمًا يتوقّف -بعد ما سلف بيانه- عن القول بأنّ العدد الذي ورَد عنه - ﷺ - أفضل من الزيادة عليه لصريح قوله - ﷺ -:»وخير الهدي هدي محمّد - ﷺ -«، رواه مسلم (٢)، فما الذي يمنع المسلمين اليوم أن يأخذوا بهذا الهدي المحمّدي ويدَعُوا ما زاد عليه من باب»دَعْ ما يَريبك إِلى ما لا يَريبك" ... وأنهم صلَّوها بالعدد الوارد في السُّنّة في مِثل المدّة التي يصلّون فيها العشرين؛ لكانت صلاتهم صحيحة مقبولة باتفاق العلماء، ------------------------- (١) تقدّم تخريجه. (٢) برقم: ٨٦٧ ويؤيّد ذلك حديث جابر قال: سئل - ﷺ - أيّ الصلاة أفضل؟ قال: «طول القنوت (١)» (٢). فعليكم أيها المسلمون بسنتَّه - ﷺ - تمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ فإِنّ «خير الهدي هدي محمّد - ﷺ -» (٣). ٤ - وقد يقول قائل: إِنَّ عمر -رضي الله عنه- قد صلاّها عشرين ركعة. قال شيخنا: ولا يجوز أن يُعارَض هذه الرواية الصحيحة بما رواه عبد الرزاق من وجه آخر عن محمّد بن يوسف بلفظ: «إِحدى وعشرين» لظهور خطأ هذا اللفظ من وجهين: الأوّل: مخالفة لرواية الثقة بلفظ إِحدى عشرة (٤). الثاني: أنَّ عبد الرزاق قد تفرَّد بروايته على هذا اللفظ ... (٥). ------------------------ (١) قال النووي (٦/ ٣٥): «المراد بالقنوت هنا: القيام باتفاق العلماء -فيما علمت-». (٢) أخرجه مسلم: ٧٥٦ (٣) صلاة التراويح: ٣٩، ٤٠ (٤) يشير شيخنا -حفظه الله تعالى- إِلى ما رواه محمّد بن يوسف عن السائب بن يزيد قال: «أمَر عمر بن الخطاب أُبيّ بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإِحدى عشرة ركعة، قال: وقد كان يقرأ بالمئين، حتى كنا نعتمد على العصيّ من طول القيام، وما ننصرف إلاَّ في بزوغ الفجر». قال شيخنا- حفظه الله تعالى-: «وهذا سند صحيح جدًّا، فإِنّ محمّد بن يوسف شيخ مالك ثقة واحتجّ به اتفاقًا واحتجّ به الشيخان، والسائب بن يزيد صحابيّ ...». (٥) ارجع -إِن شئت- الكتاب المشار إِليه للمزيد من الاطلاع على التخريج والتحقيق. وقد أشار الترمذي في»سننه«إِلى عدم ثبوت عدد العشرين عن عمر وغيره من الصحابة فقال روي عن عليّ وعمر ... وكذلك قال الشافعي في العشرين عن عمر. انتهى كلام شيخنا -حفظه الله- بتصرف. ٥ - وقد يقول قائل: قد قال رسول الله»صلاة الليل مثنى مثنى«(١). فجوابه: إِنَّ هذا لبيان الكيفية لا لبيان الكمّ، فعن عبد الله بن عمر؛ أنَّ رجلًا سأل النّبيّ - ﷺ -، وأنا بينه وبين السائل، فقال: يا رسول الله! كيف صلاة الليل؛ قال: مثنى مثنى ...» (٢)، فإِنَّ هذا الصحابي لم يسأل رسول الله - ﷺ - كم صلاة الليل؛ بل كيف صلاة الليل، فجواب: «مثنى مثنى»، عن كيف لا عن كم، وفي رواية (٣): «فقيل لابن عمر: ما مثنى مثنى؟ قال: أن تُسلِّم في كلّ ركعتين». الكيفيّات التي تصلّى بها صلاة التراويح قد تقدّم تفصيل ذلك في صلاة الوتر وقيام الليل، والآن أذكر ما كتَبه شيخنا -حفظه الله- في «قيام رمضان» (ص٢٧) تيسيرًا وتذكيرًا. الكيفيّة الأولى: ثلاث عشرة ركعة، يفتتحها بركعتين خفيفتين، وهما على الأرجح سُنّة العشاء البعدية، أو ركعتان مخصوصتان يفتتح بهما صلاة الليل ------------------ (١) أخرجه البخاري: ٩٠٩، ومسلم: ٧٤٩، وتقدّم. (٢) أخرجه البخاري: ٩٩٠، ومسلم: ٧٤٩ وتقدّم. (٣) أخرجه مسلم: ٧٤٩ كما تقدّم، ثمَّ يصلّي ركعتين طويلتين جدًا، ثمَّ يصلّي ركعتين دونهما، ثمَّ يصلّي ركعتين دون اللتين قبلهما، ثمَّ يصلّي ركعتين دونهما، ثمَّ يصلّي ركعتين دونهما، ثمَّ يوتر بركعة. الثانية: يصلّي ثلاث عشرة ركعة، منها ثمان، يُسلِّم بين كل ركعتين، ثمَّ يوتر بخمس لا يجلس ولا يُسلّم إلاَّ في الخامسة. الثالثة: إِحدى عشرة ركعة، يُسلّم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة. الرابعة: إِحدى عشرة ركعة، يُصلّي منها أربعًا بتسليمة واحدة، ثمَّ أربعًا كذلك، ثمَّ ثلاثًا. وهل كان يجلس بين كل ركعتين من الأربع والثلاث؟ لم نَجِد جوابًا شافيًا في ذلك، لكنَّ الجلوس في الثلاث لا يُشرع! الخامسة: يصلّي إِحدى عشرة ركعة، منها ثمان ركعاتٍ لا يقعد فيها إلاَّ في الثامنة، يتشهد ويصلّي على النّبيّ - ﷺ - ثمَّ يقوم ولا يسلّم، ثمَّ يوتر بركعةٍ، ثمَّ يسلم، فهذه تسع، ثمَّ يصلّي ركعتين، وهو جالس. السادسة: يصلّي تسع ركعاتٍ؛ منها ستٌّ لا يقعد إلاَّ في السادسة منها، ثمَّ يتشهّد ويصلّي على النّبيّ - ﷺ - ثمَّ ... إِلخ ما ذُكر في الكيفيّة السابقة. هذه هي الكيفيّات (١) التي ثبتت عن النّبيّ - ﷺ - نصًّا عنه، ويمكن أن يزاد عليها أنواع أخرى، وذلك بأن يُنقص من كل نوع منها ما شاء من الركعات حتى يقتصر على ركعة واحدة عملًا بقوله - ﷺ - المتقدّم: "... فمن شاء ----------------------- (١) تقدّم من هنا ولأوّل القراءة في القيام. فليوتر بخمس، ومن شاء فليوتر بثلاث، ومن شاء فليوتر بواحدة». فهذه الخمس والثلاث، إِن شاء صلاّها بقعود واحد، وتسليمة واحدة كما في الصفة الثانية، وإِنْ شاء سلّم بين كلّ ركعتين كما في الصفة الثالثة وغيرها، وهو الأفضل. وأمّا صلاةُ الخمس والثلاث بقعود بين كّل ركعتين بدون تسليم فلم نجِده ثابتًا عنه - ﷺ -، والأصل الجواز، لكن لمّا كان النبيّ - ﷺ - قد نهى عن الإِيتار بثلاث، وعلّل ذلك بقوله: «ولا تشبّهوا بصلاة المغرب»، فحينئذٍ لا بُدَّ لمن صلّى الوتر ثلاثًا من الخروج عن هذه المشابهة، وذلك يكون بوجهين: أحدهما: التسليم بين الشفع والوتر، وهو الأقوى والأفضل. والآخر: أن لا يقعد بين الشفع والوتر، والله تعالى أعلم«. القراءة في القيام (١) وأمّا القراءة في صلاة الليل في قيام رمضان أو غيره، فلم يَحُدَّ فيها النّبيّ - ﷺ - حدًّا لا يتعدّاه بزيادة أو نقص، بل كانت قراءته - ﷺ - تختلف قِصَرًا وطولًا، فكان تارةً يقرأُ في كلِّ ركعة قدر ﴿يا أيها المُزَّمّل﴾ (٢)، وهي عشرون آية، وتارة قدْر خمسين آية (٣)، وكان يقول:»من صلّى في ليلة بمائة آية لم يُكتَب ------------------------ (١) عن قيام رمضان (ص ٢٣ - ٢٥) -بتصرف-. (٢) أخرجه أحمد وأبو داود بسند صحيح. (٣) انظر «صحيح البخاري» (١١٢٣)، و«صحيح سنن أبي داود» (١٢١٦). من الغافلين» (١). وفي حديث آخر: «... بمائتي آية فإِنّه يُكتب من القانتين المُخلصين» (٢). «وقرأ - ﷺ - في ليلة وهو مريض السبع الطوال، وهي سورة ﴿البقرة﴾، ﴿آل عمران﴾ و﴿النساء﴾ و﴿المائدة﴾ و﴿الأنعام﴾ و﴿الأعراف﴾ و﴿التوبة﴾» (٣). وفي قصّة صلاة حذيفة بن اليمان وراء النّبيّ عليه الصلاة والسلام «أنّه - ﷺ - قرأ في ركعة واحدة ﴿البقرة﴾ ثمَّ ﴿النساء﴾ ثمَّ ﴿آل عمران﴾، وكان يقرؤها مترسّلًا متمهلًا» (٤). وثبت بأصحّ إِسناد أنّ عمر -رضي الله عنه- لمَّا أمر أُبيَّ بن كعب أن يصلّي للناس بإِحدى عشرة ركعة في رمضان، كان أُبيّ -رضي الله عنه- يقرأ بالمئين، حتى كان الذين خلفه يعتمدون على العصيِّ من طول القيام، وما كانوا ينصرفون إلاَّ في أوائل الفجر (٥). وصحّ عن عمر أيضًا أنّه دعا القُرَّاء في رمضان، فأمَر أسرعهم قراءة أن يقرأ ---------------------------- (١) أخرجه الدارمي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وانظر «صفة الصلاة» (ص ١٢٠) و«صحيح الترغيب والترهيب» (٦٣٤). (٢) أخرجه الدارمي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وانظر «صفة الصلاة» (ص ١٢٠) و«صحيح الترغيب والترهيب» (٦٣٤). (٣) أخرجه أبو يعلى والحاكم وصححّه ووافقه الذهبي وانظر «صفة الصلاة» (ص ١١٨). (٤) انظر «صحيح مسلم» (٧٧٢). (٥) أخرجه مالك بنحوه، وانظر «صلاة التراويح» (ص ٥٢)، وتقدّم. ثلاثين آية، والوسط خمسًا وعشرين آية، والبطيء عشرين آية (١). وعلى ذلك فإِنْ صلّى القائم لنفسه فليطوِّل ما شاء، وكذلك إِذا كان معه من يوافقه، وكلما أطال فهو أفضل، إلاَّ أنه لا يبالغ في الإِطالة حتى يُحيي الليل كلّه إلاَّ نادرًا، اتّباعًا للنّبيّ - ﷺ - القائل: «وخير الهدي هدي محمّد» (٢). وأمّا إِذا صلّى إِمامًا، فعليه أن يطيل بما لا يشقُّ على مَن وراءه لقوله - ﷺ -: «إِذا ما قام أحدكم للناس فليخفّف الصلاة، فإِنَّ فيهم [الصغير] والكبير وفيهم الضعيف، [والمريض]، [وذا الحاجة]، وإِذا قام وحده فليُطِل صلاته ما شاء» (٣). جواز جعْل القنوت بعد الركوع في النصف الثاني من رمضان لقد سبق القول فيما يتعلّق بموضع دعاء القنوت وأنَّه قبل الركوع، ولكن: لا بأس من جعل القنوت بعد الركوع، ومن الزيادة عليه بلعن الكفَرة، والصلاة على النّبيّ - ﷺ - والدعاء للمسلمين في النصف الثاني من رمضان؛ لثبوت ذلك عن الأئمّة في عهد عمررضي الله عنه- فقد جاء في آخر حديث عبد الرحمن بن عبد القاري: «وكانوا يلعنون الكفَرة في النصف: اللهم قاتِل الكفَرة الذين يصدّون عن سبيلك، ويُكذّبون رسلك، ولا يؤمنون بوعدك، وخالِف بين كلمتهم، وألقِ في قلوبهم الرُّعب، وألقِ عليهم رِجزك وعذابك، إِله ------------------------- (١) قال شيخنا -حفظه الله تعالى-»انظر تخريجه في «صلاة التراويح» (ص ٧١) ورواه عبد الرزاق أيضًا في «المصّنف» والبيهقي". (٢) أخرجه مسلم: ٨٦٧ (٣) أخرجه البخاري: ٧٠٣، ومسلم: ٤٦٧ والزيادات له. الحق»، ثمَّ يُصلّي على النّبيّ - ﷺ - ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير، ثمَّ يستغفر للمؤمنين. قال شيخنا -حفظه الله-: «وكان إِذا فرغ من لعْنِه الكفَرة وصلاته على النّبيّ واستغفاره للمؤمنين والمؤمنات ومسألته:»اللهمّ إِيّاك نعبد، ولك نُصلّي ونسجد، وإِليك نسعى ونحفد (١)، ونرجو رحمتك ربّنا، ونخاف عذابك الجدَّ، إِنَّ عذابك لمن عاديت مُلحق«، ثمَّ يُكبر ويهوي ساجدًا (٢)» (٣). صلاة الضّحى فضلها: ١ - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «أوصاني خليلي (٤) بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كلّ شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد» (٥). ٢ - عن أبي ذر عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه قال: يصبح على كلّ سُلامى (٦) من --------------------- (١) نُسرع في العمل والخِدمة. «النهاية». (٢) أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه». (٣) انظر «قيام رمضان» (ص ٣٢). (٤) خليلي: الخُلَّة بالضم: الصداقة والمحبّة التي تخلّلت القلب فصارت خلاله أي: في باطنه، والخليل: الصديق، فعيل بمعنى مُفاعِل، وقد يكون بمعنى مفعول. «النهاية». (٥) أخرجه البخاري: ١٩٨١، ومسلم: ٧٢١ (٦) قال النووي: «أصْله عظام الأصابع وسائر الكفّ، ثمَّ استُعمل في جميع عظام البدن ومفاصله». وجاء في «النهاية»: "السلامى: جمع سُلامية، وهي الأُنمُلة من أنامل = أحدكم صدقة، فكلّ تسبيحة صدقة، وكلّ تحميدة صدقة، وكلّ تهليلة صدقة، وكلّ تكبيرة صدقة، وأمْر بالمعروف صدقة، ونهْي عن المنكر صدقة، ويُجزئ من ذلك؛ ركعتان يركعهما من الضحى» (١). ٣ - عن بريدة -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «في الإِنسان ثلاثمائة وستون مَفصلًا، فعليه أن يتصدّق عن كلّ مفصل بصدقة، قالوا: ومن يطيق ذلك يا نبيّ الله؟ قال: النخاعة في المسجد تدفنها، والشيء تنحّيه عن الطريق، فإِنْ لم تجد فركعتا الضحى تجزئك» (٢). ٤ - عن أبي هريرةرضي الله عنه- قال: «بعَث رسول الله - ﷺ - بعْثًا فأعظَموا الغنيمة، وأسرعوا الكرَّة: فقال رجل: يا رسول الله ما رأينا بعْثًا قطّ أسرع كرَّة، ولا أعظم غنيمةً من هذا البعث فقال:»ألا أُخبركم بأسرع كرّة منهم، وأعظم غنيمة؟ رجل توضّأ فأحسن الوضوء، ثمَّ عمد إِلى المسجد فصلّى فيه الغداة، ثمَّ عقَّب بصلاة الضَّحوة، فقد أسرع الكرَّة، وأعظم الغنيمة«(٣). --------------------- = الأصابع، ويُجمع على سُلامَيات، وهي التي بين كلّ مَفصلين من أصابع الإِنسان، وقيل السُّلامى: كل عظم مجوّف من صغار العظام، والمعنى: على كلّ عظم من عظام ابن آدم صدقة». (١) أخرجه مسلم: ٧٢٠ (٢) أخرجه أبو داود وأحمد وغيرهما، وصحّحه شيخنا في «الإِرواء» (٤٦١)، و«صحيح الترغيب والترهيب» (٦٦١). (٣) أخرجه أبو يعلى، ورجال إِسناده رجال الصحيح، والبزار وابن حبان في «صحيحه»، وبيّن البزار في روايته أن الرجل أبو بكر -رضي الله عنه- وانظر = ٥ - عن عقبة بن عامر الجهني -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِن الله عز وجل يقول: يا ابن آدم! اكفني أوّل النهار بأربع ركعات، أكفِك بهنّ آخر يومك» (١). ٦ - عن أبي أُمامة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «من خرج من بيته متطهّرًا إِلى صلاةٍ مكتوبة، فأجْره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إِلى تسبيح الضحى (٢)، لا يُنصِبه (٣) إلاَّ إِياه (٤)، فأجْره كأجر المعتمر، وصلاة على أَثْر (٥) صلاة لا لغو بينهما، كتاب في علّيّين» (٦). ٧ - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يحافظ على صلاة الضحى إِلاَّ أوّاب، -قال-: وهي صلاة الأوّابين» (٧). الأوّاب: صيغة مبالغة؛ كثير الرجوع إِلى الله تعالى بالتوبة والإِنابة. ---------------------- = «صحيح الترغيب والترهيب» (٦٦٤). (١) أخرجه أحمد وأبو يعلى ورجال أحدهما رجال الصحيح، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٦٦٦). (٢) تسبيح الضحى: أي صلاة الضحى، جاء في «النهاية»: ويُقال أيضًا للذِّكر ولصلاة النافلة سُبحة ويُقال: قضيتُ سُبحتي، والسُّبحة من التسبيح. (٣) من الإنصاب، وهو الإِتعاب. (٤) لا يتعبه الخروج إلاَّ تسبيح الضحى. «عون» (٢/ ١٨٥). (٥) بكسر الهمزة، ثم سكون أو بفتحتين عقيبها. «عون». (٦) أخرجه أبو داود وحسنه شيخنا في «صحيح الترغيب والترهيب» (٦٧٠). (٧) خرجه الطبراني وابن خزيمة في «صحيحه» والحاكم، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٦٧٣)، و«الصحيحة» (٧٠٣). https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
| الساعة الآن : 09:37 AM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour