الإسلام في أفريقيا
الإسلام في أفريقيا -1- محمد فاروق الإمام الحمد لله الذي أنار بدينه الإسلامي الحنيف المعمورة، وأشاع بنور الحق مشارق الأرض ومغاربها، وبدد بضيائه دياجير الظلم والظلمات، وأدال بحوافر خيل جنده عروش البغاة والطغاة، ودك قلاع الكفر والإلحاد، وأعلى النداء الخالد: {الله أكبر.. الله أكبر}. ليصدح في جنبات الوهاد وذرى شمم الجبال، ودروب الحضر والريف والبادية، وهدى بمعارفه الناس من كل لون وجنس ولغة، وأبان لهم الحق من الباطل فتسابقوا لاعتناق عقيدته فكراً وقولاً وعملاً. وصلى الله على النبي الصادق الأمين محمد بن عبد الله، ورضي الله عن صحبه الميامين، الذين حملوا الأمانة من بعده، مسترخصين الأرواح لإعلاء راية التوحيد ونشر الدين الحنيف. لم يكن تتبّعي للتاريخ المغربي وشمال إفريقية عفوياً، بل كان إرضاءً لرغبةٍ جامحةٍ، وقد أخذ تاريخ المشرق من عمري سنين طويلة، فقد أحسست أنه لابد من ولوج تاريخ نصف هذه الأمة الذي يمتد آلاف الأميال في إفريقية وأعماقها، فرحت بشغفٍ وحبٍ أسيح في منعطفات تاريخ تلك البلاد، لأجد أن في ذلك التاريخ ما يهم كل مسلم من دارسٍ أو باحثٍ أو مطالع، فقد استوقفتني أحداث وتقلبات ومواقف تستحق تتبعها واستقصاؤها. وكان في مقدمة ما استهوتني من مواضيع مهمة، المواقف الخالدة والمشرفة لفقهاء إفريقية وعلمائها الأشاوس الذين تجشّموا المصاعب والمخاطر في سبيل تحصيل العلم، والثبات عند حدوده الشرعية، والوقوف عند حلاله وحرامه، وتصدّيهم بلا جزع أو خوف أو تردد لكل حاكم ظالم متجبر، ومحاربتهم لكل بدعة أو دعوة ضالة، واستشهادهم دون السنّة المطهرة والدين الإسلامي الحنيف، وضربهم أروع الأمثلة في التضحية والثبات والعدل والعبادة والزهد والورع والتقى والعفاف، محتسبين كل ذلك عند الله، فلم تمتد أيديهم لشيء يعتقدون فيه أنّه من سحتٍ أو اغتصاب، مؤثرين الكفاف وسدَّ الرمق بما يجدون فيه الطُهر والحلال، غير منحنين أمام الاغراءات مهما عَظُمت، وغير مُنساقين وراء هوى المناصب أو المراكز الدنيوية مهما علت. فرضوا مهابتهم على السلاطين والحكام بتعففهم وامتناعهم عن كل عطاء، وزرعوا محبتهم واحترامهم في قلوب الناس بكرمهم وسمو أخلاقهم وحسن معاملاتهم وصبرهم وحلمهم. فكانوا القدوة الصالحة والأسوة الحسنة من العلماء العاملين الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم.. للخلف من بعدهم الذين امتدت سلسلتهم المباركة في إفريقية حتى إخماد جذوة الدعوة العبيدية الضالة، واقتلاعها من أرضها الطيبة. حول هؤلاء الرجال الأفذاذ الذين قلما يجود الدهر بأمثالهم يدور محور حلقاتي هذه، ولمواقفهم الخالدة المتميزة سخرت قلمي وجهدي ووقتي، فمن حقهم علينا أن نستذكر فصول حياتهم المليئة بالأحداث الجسام، لنتعلم منهم الصبر والحلم والشجاعة والكرم والإيثار والحميّة والمروءة والعبادة والزهد والفقه والحلم والورع. وقد غزت بلداننا الإسلامية موجة طاغية عاتية تتزيا بمسوح العلم والثقافة والمدنية والمعرفة وتطور الحياة، وهي في حقيقتها تريد استئصال شأفة هذا الدين الذي ما زال عصيّا عليهم منذ أربعة عشر قرناً وحتى الآن، خابت فيه غزواتهم وحملاتهم، وأخفقت كل مؤامراتهم في النيل منه، إلى أن بات يغزوهم هذا الدين في عقر دارهم وفي معاقلهم ومجتمعاتهم، رغم إمكانيات الدعاة المتواضعة، في مواجهة أباطرة القوة والمال والجبروت والطغيان{ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين..}سورة الأنفال: آية (8).{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}سورة الحجر: آية (9). |
رد: الإسلام في أفريقيا
الإسلام في أفريقيا -2- محمد فاروق الإمام فتح أفريقية وبناء القيروان لقد بدأ التفكير بفتح إفريقية بعد أن فتح الله على المسلمين مصر، فقد قاد عمرو بن العاص رضي الله عنه أول طليعة من الفرسان سنة (22هـ/642م)، إلى (برقة)، ثم فتح (طرابلس) سنة (23هـ/643م) ثم قاد عبد الله بن أبي السرح أيام عثمان بن عفان رضي الله عنه - وكان واليا على مصر - حملة على إفريقية سنة (27هـ/647م) ففتح (سبيطلة) سنة (28هـ/648م). ثم كانت حملة معاوية بن حديج السكوني سنة (45هـ/665م) على رأس عشرة آلاف من المسلمين، وحقق انتصارات باهرة على الروم. وخرج عقبة بن نافع إلى إفريقية - وقد ولاه إياها الخليفة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه - سنة (50هـ/670م) وهو يعتبر أول الولاة الذين اختصوا بولاية إفريقية منفصلة عن مصر. ولم يكن اختيار عقبة بن نافع لموضع مدينة (القيروان) عفويا، وإنما كان لحكمة وسعة أفق ودراية سياسية اتصف بها هذا القائد العظيم؛ فبالإضافة إلى هذا السهل المنبسط الفسيح، والذي يشبه في طبيعة أرضه ومناخه - إلى حد ما - مناخ وطبيعة الجزيرة العربية، فقد قدر هذا القائد الذي عركته التجارب أن مركز القيادة العربية الإسلامية الجديد يجب أن يكون بعيدا عن خطر البحر ومفاجآته، ولم يكن للجيش العربي الإسلامي بعد أساطيل بحرية قوية تتقي هجمات الأسطول البيزنطي، وفي نفس الوقت يكون هذا المركز في منأى عن البربر (سكان البلاد الأصليين) الذين اتخذوا من الجبال المنيعة معاقل وحصون لهم يحتمون فيها من الأعداء، ويتقون بها هجمات الغزاة. كما وأن تلك المنطقة التي اختارها عقبة بن نافع لمدينة صالحة لرعي الإبل، وهي سفينة صحراء العربي التي لا غنى له عنها. لهذه الأسباب وغيرها اتخذ عقبة بن نافع قراره في اختيار هذا الموقع ليكون دارا جديدة للعرب والمسلمين، على الرغم من مخالفة أصحابه له في أول الأمر، فقد كان الأمراء الذين معه يرون أن مركز القيادة ينبغي أن يكون قريبا من البحر ليجمعوا بين الجهاد والمرابطة. ولكن عقبة بن نافع رد عليهم قائلا: إني أخاف أن يطرقها صاحب (القسطنطينية) ويهلكها، ولكن اجعلوا بينها وبين البحر مالا يدركها معه صاحب البحر، ولا تقصر معه الصلاة فيكون لكم أجر المرابطة والجهاد. فلما اتفق رأيهم على ذلك قال لهم: قربوها من السبخة فإن دوابكم الإبل وهي التي تحمل أثقالكم. وهنالك ملاحظة جديرة بالذكر ألا وهي أن العرب قد دأبوا منذ بواكير الفتوح الأولى وتخطيطهم لإقامة المدن والأمصار الإسلامية من البصرة والكوفة في العراق إلى الفسطاط في مصر إلى القيروان بإفريقية، أنهم كانوا يختارون لهذه المدن والأمصار السهول المنبسطة لتكون قريبة من نوع حياتهم في الصحراء العربية التي اعتادوا عليها لقرون طويلة. وهكذا تم الأمر حسب رأي القائد عقبة. وشرع في تخطيطه مدينة القيروان. وبنى مسجدها الجامع الذي كان المنارة الأولى التي منها انطلق النداء الخالد:[الله أكبر.. الله أكبر] لتتجاوب مع النداء جنبات هذا الوادي الفسيح ويرتد صداها حتى يصل إلى أعماق إفريقية والمحيط الأطلسي وجنوب أوروبا في قابل الأيام. وأقام عقبة بن نافع قبلة محراب هذا المسجد في حفل مهيب أثار النفوس وملأها شجوا وفخارا. لقد كان ينتظر هذه المدينة أحداث جسام، وقد أصبحت العاصمة الإسلامية الأولى في المغرب الإسلامي، فعليها أن تقوم بالدور الذي اختاره الله سبحانه وتعالى لها في نشر الإسلام وامتداد نفوذه في عمق إفريقية وأوروبا وجزر البحر المتوسط. لقد أسس عقبة بن نافع مدينة القيروان سنة (51هـ/671م) لتكون قاعدة الإسلام الأولى وحصنه المنيع، وانطلاقا لجحافل جند الإيمان منها إلى مختلف الاتجاهات، لنشر الدين الإسلامي الحنيف. والقيام بهذا الدور الرحماني الذي يشمل كل مناحي الحياة العسكرية والسياسية والحضارية والدينية معا كل لا يتجزأ. وبعد أن انتهى عقبة بن نافع من بناء القيروان جمع وجوه أصحابه وكبار العسكر، فدار بهم حول القيروان، وأقبل يدعو لها ويقول في دعائه: "اللهم املأها علما وفقها، واعمرها بالمطيعين والعابدين، واجعلها عزا لدينك، وذلا على من كفر، وأعز بها الإسلام، وامنعها من جبابرة الأرض". وهكذا غدت مدينة القيروان في المغرب الإسلامي وشمال إفريقية مفخرة المغرب ومركز السلطان وأحد الأركان. وكان العلماء وأهل القيروان كالرأس وسائر بلدان إفريقية كالجسد، واعتبرت القيروان لأهل المغرب أصل كل خير، والبلاد كلهم عيال عليها، فما غصن في الآفاق المغربية مطلقا إلا منها علا، ولا فرع في جميع نواحيها إلا عليها ابتنى، ومنها خرجت علوم المذهب، وإلى أئمتها كل عالم ينتسب، وكان قاضي القيروان يمثل أعلى منصب ديني في عموم البلاد المغربية، وإليه المرجع في تسمية قضاة مختلف الجهات. |
رد: الإسلام في أفريقيا
الإسلام في أفريقيا -3- محمد فاروق الإمام عقبة بن نافع يقود حملة لفتح غرب أفريقيا بعد أن أنهى عقبة بن نافع بناء القيروان قاد عشرة آلاف فارس من أشد فرسانه وخيرة رجاله، وأناب على القيروان عمر بن علي القرشي وزهير بن قيس البلوي مع (600) مقاتل ثم سار غرباً عازماً على التوغل في غرب إفريقية دون حساب للصعاب. حاصر عقبة في أول حملته مدينة (باغاية) وهي أهم المراكز العسكرية الهامة على مدخل جبال الأوراس من ناحية الشرق، بعد أن فتك بحاميتها الرومية. ثم ترك حصارها واتجه غرباً إلى إقليم الزاب الخصب الفسيح، وكانت عاصمته (مسيلة) فقضى على حاميتها الرومية واستولى عليها. وبذلك تصبح هذه البلاد الغنية بمواردها الزراعية قوة للمسلمين ومخزن غذاء لهم. واعتبر - كما يشير المؤرخون - أن استيلاء المسلمين على إقليم الزاب وفتحهم لمسيلة نقطة تحول حاسمة في سير فتوح إفريقية، حيث كانت الحرب تدور بين المسلمين والروم، وكان البربر يقفون موقف المحايد بين الطرفين، ولكن إقليم الزاب هو إقليم بربري وتقطنه قبائل بربرية، مما جعل هؤلاء يشعرون وكأنهم مقصودون بهذا الفتح، ولهذا نجدهم عندما استغاث بهم الروم هبوا لنجدتهم. وعندما وصل عقبة إلى (تاهرت) وجد أمامه الروم والبربر، فقاتلهم وانتصر عليهم بعد أن دفع الثمن غاليا. ووصل عقبة ومن معه إلى طنجة، وكان حاكمها (يليان) الذي بادر إلى مسالمة المسلمين والنزول على شروطهم دون أن يعرض الناس إلى سفك الدماء. وأسرَّ هذا إلى عقبة أنه خلَّف الروم وراءه ولم يبق إلا البربر أمامه، ونصحه بأن لا يفكر في (الأندلس). وأخذ عقبة بنصيحة يليان واتجه إلى الجنوب، فحارب البربر في المغرب الأقصى حتى وصل إلى بلاد (السوس) معقل قبائل المصامدة حيث فرق جموعهم، ثم تابع مسيره جنوباً حتى بلغ (وادي درعة) فبنى هناك جامعاً رمزاً إلى وصول الإسلام إلى هذه الناحية القصية. ثم دخل (السوس الأقصى) فأطاعته قبائل (مصمودة) واستولى على معسكر كبير هناك كان يسمى (الأغمات) فبنى عقبة هناك جامعا، ثم انحدر جنوبي (سهل مراكش) واحتل (إيجلليز السوس الأقصى) وكان هذا معقلا للقبائل في الجبال، وبنى فيه عقبة مسجداً، وأطاعته قبيلة (جزولة الصنهاجية) ودخل أهلها في الإسلام على يديه، فتركهم واتجه غرباً حتى وصل المحيط الأطلسي عند موضع يسمى (ايفران يطوف) جنوبي وادي السوس. وهناك أقحم عقبة فرسه في البحر وأشهد الله على أنه وصل إلى آخر البلاد غرباً ولو امتدت الأرض أمامه لاستمر في طريقه مجاهداً في سبيل الله. لقد كان كثير من المؤرخين المحدثين يرون وصول عقبة إلى المحيط الأطلسي مجرد أسطورة، وأن أقصى ما يمكن أن يكون قد وصل إليه عقبة هو منطقة (وهران) ومصب (وادي شلف) ولكن المؤرخ (صالح بن عبد الحليم) من مؤرخي المغرب أيد القول بوصول عقبة إلى المحيط فعلا، فقد أورد من التفاصيل في كتابه (روض القرطاس) ما لا يدع مجالا للشك في حقيقة وصوله إلى المحيط الأطلسي. وبعد أن رأى البربر بأم أعينهم فعال هذا القائد الهمام وهو يقحم فرسه في مياه المحيط ويشهد الله على أنه قام برسالته إلى أقصى ما يستطيع فعله إنسان، أخذوا في التسابق لدخول الإسلام. ويتجه عقبة من (إيغران يطوف) شمالا، ليعبر وادي السوس مرة أخرى، فبنى على ضفته قرب المحيط رباطا ترك فيه رجلا من رجاله يسمى (شاكر) تجمع إليه البربر من كل ناحية، ليصبح رباط شاكر مركزا إشعاعيا لنشر الإسلام ومحجا لوفود القبائل البربرية. لم يكن أعداء عقبة غافلين عما يقوم به وما يحقق من انتصارات وفتوحات بل كانوا يتتبعونه ويتحينون الفرصة لمهاجمته والقضاء عليه، وكان هؤلاء مجاميع متبقية من الروم والبربر، كان بإمكانهم مهاجمة عقبة بعد وصوله إلى المحيط، ولكنهم آثروا تركه يبعد في خطوط مواصلاته ويفقد رجاله وقواه شيئا فشيئا، فقد جربوا مواجهته وهو في عنفوان قوته فأخفقوا ولم يحصدوا إلا الهزائم. ولقي عقبة في طريق عودته إلى طنجة مقاومة عنيفة من هؤلاء، ففي شما (وادي تنسيفت) تجمعت عليه قبائل (مصمودية) التي انقلبت عليه بعد أن أطاعته، ووقفت في طريقه وحاصرته في قلب (جبال ورن) فسارعت قبائل (الزناتة) من الشمال لنصرته في فك هذا الحصار، ودارت معركة حامية الوطيس راح فيها الآلاف من المصامدة، وفقد عقبة عددا كبيرا من خيرة رجاله، ولكن الله نصره عليهم، وكانت المعركة في موضع قريب من (وادي نفيس) وسمي موضعها (بمقبرة الشهداء). قفل عقبة راجعا برجاله ومعه أبو المهاجر وصديقه البربري (كسيلة) أمير قبيلة (أوربة) مكبلين بالحديد، وقد أجهد أبو المهاجر نفسه في إقناع عقبة بالإحسان إلى كسيلة وفك قيده وإطلاق سراحه، فإن الرجل أمير قومه، وهو صديق للمسلمين، دون أن يفلح في ذلك، فقد كان عقبة متصلبا في رأيه، وهو يشتم رائحة خيانة كسيلة له. ومن الطبيعي أن يفكر هذا الرجل بالانتقام من عقبة فراسل رجال قبيلته أوربة من معقله، فتجمع هؤلاء وراسلوا الروم، وكمنوا لعقبة عند بلدة (تهودة) جنوبي (بسكرة) متحصنين بأسوارها العالية المنيعة. وكان عقبة بعد أن انتصف طريق العودة أذن لأصحابه في أن يسرعوا إلى القيروان، وقد عضَّهم الشوق إلى أهلهم وعيالهم بعد غياب نحو سنتين في حروب متواصلة، فتركه معظم رجاله، وبقي في قلة من أصحابه لم تزد على خمسة آلاف رجل. وعند دخول عقبة ورجاله سهل تهودة جنوبي (وادي الأبيض) كان الأعداء في انتظاره، فأكملوا حلقة الحصار حولهم بجموعهم المؤلفة من الروم والبربر. ولم يكن عقبة أو رجاله من الفرارين، فترجل عقبة وأمر رجاله بأن يترجلوا لملاقاة العدو. وفي ملحمة فريدة من نوعها سقط عقبة شهيداً مع عدد كبير من رجاله سقوط الأبطال، ليكتب ورجاله صفحة رائعة من صفحات فتوح الإسلام في أواخر عام (64هـ/683م) وأوائل عام (65هـ/684م). لقد كان استشهاد عقبة ملحمة تاريخية شهيرة، صحيح أنها كانت هزيمة عسكرية، ولكنها كانت نصراً رائعاً لأهل الإيمان. |
رد: الإسلام في أفريقيا
الإسلام في أفريقيا -4- محمد فاروق الإمام زهير بن قيس يواجه الروم والبربر بعد استشهاد عقبة أصدر الخليفة عبد الملك بن مروان أوامره بتولية زهير بن قيس قيادة حملة لاستعادة إفريقية والثأر لعقبة من كسيلة، وأنجد عبد الملك زهيراً بقوة عسكرية كبيرة، وبعث إليه بالأموال من مصر، فنهض في سنة (69هـ/688م) متوجهاً إلى إفريقية، فدخل ناحية (قمونية) وعسكر بقواته فيها، وأسرع كسيلة لجمع قوة ضخمة من البربر والروم وسار بها لملاقاة زهير، وخامرت زهير فكرة الانسحاب وهو يرى الجموع الهائلة التي جمعها كسيلة، ولكن بعض القادة نصحوه بالثبات وحفّزوه على الزحف لملاقاة العدو. وتقدم كسيلة بقواته وانتظر في موضع يسمى (ممس) قريب من الجبل، وكان ذلك المكان عامراً بالآبار الكثيرة التي سترتوي منها عساكره. وقدم زهير برجاله ودار القتال في ممس، وكان قتالاً ملحمياً رائعاً لم تشهد له إفريقية من قبل مثيلاً في الشدة والعنف والمصابرة من كلا الطرفين. وثبّت الله المسلمين وأعانهم بجنود لم يروها، فأعملوا القتل في صفوف أعدائهم، وتمكنوا من قتل كسيلة ونفر من أعيان رجاله، وانتصر زهير وفئته القليلة المؤيدة بنصر الله على جموع الروم والبربر، وطارد المسلمون فلولهم المنهزمة إلى مسافات بعيدة، ودخل زهير القيروان منتصراً وأصلح من شأنها وشأن جامعها، ثم أرسل حملة استولت على بلد هام في شمال القيروان يعرف (بالكاف أو الكف) ويسميه العرب (شقبنارية). وعمل الروم خلف زهير على إنزال أعداد كبيرة من قواتهم في برقة ليستعيدوها ويقطعوا على زهير خط العودة وطرق الإمداد، وتحصن الروم في (درنة) وأخذوا ينقلون إلى سفنهم الأسلاب التي غنموها في إفريقية وكذلك الأسرى والسبايا من المسلمين. ويعود زهير مصوبا وجهته إلى المشرق - ليس عودة منهزم أو منسحب - بل لاستنقاذ برقة والمسلمين من الغزاة الروم، فيصل إلى قرب درنة والحال على تلك الصورة، وكان جيشه يسير ببطء نظراً لوعورة الأرض وطول الطريق وثقل أحمال الغنائم، فكان زهير في سبعين من رجاله فقط عندما وصل إلى قرب درنة فرأى الروم يسوقون أسرى المسلمين إلى مراكبهم، وأراد زهير انتظار وصول جيشه وهو في قلة لا تستطيع فعل شيء أمام عدو كثير العدد، فغمز فيه بعض الشباب المتحمس متهمين إياه بالجبن والخور من لقاء العدو، مما اضطره إلى خوض معركة غير متكافئة، بل كانت أشبه بعملية انتحار أقدم عليها زهير مرغماً حتى يدفع عن نفسه اتهام الآخرين له بالجبن والخوف، وكانت النتيجة استشهاده واستشهاد كل من كان معه، في ملحمة بطولية لا تقل بطولة عن ملحمة عقبة بن نافع. وفاجأت هذه الأخبار السيئة عبد الملك، وهو عاجز عن فعل أي شيء وهو مشغول في حربه مع ابن الزبير في الحجاز. وبعد أن انتهت أزمة ابن الزبير بمقتله سنة (72هـ/691م) واستقر الأمر بلا منازع لعبد الملك بن مروان شرع في السعي لاستعادة إفريقية ومواصلة الفتوح فيها، فاختار حسان بن النعمان الغساني على رأس جيش جرار قوامه (40,000) مقاتل ليقوم بهذه المهمة. وخرج الجيش من دمشق سنة (73هـ/692م) ووصل إلى مصر وأقام فيها زمناً ريثما يكتمل تجمع الرجال وتكتمل عدتهم، وقد أمر عبد الملك بأن تؤخذ نفقات الجيش من خراج مصر، ولم يخرج هذا الجيش إلى إفريقية إلا في سنة (74هـ/693م)، حيث دخل حسان في تلك السنة القيروان، وأخذ يصلح من شؤونها ومن شؤون المسلمين الذين بقوا فيها ويرسم خططه للعمل المستقبلي. وقرر حسان بداية القضاء على كل أثر للروم وسلطانهم في إفريقية، وكانت (قرطاجنة) عاصمة إفريقية البيزنطية ما زالت عامرة بالروم وحلفائهم من الأفارقة، فسار إليها ووقع بين المسلمين والروم معركة عنيفة أسفرت عن هزيمة الروم، فاقتحم المسلمون المدينة وأسروا العديد من الروم، وفر من نجا من البيزنطيين وحلفائهم إلى مراكبهم الراسية في الميناء، فحملتهم إلى صقلية وجزائر البحر. وأمر حسان بتخريب الميناء حتى لا تعود إليه مراكب الروم. وهكذا تم لحسان القضاء على كل أمل للبيزنطيين في العودة إلى إفريقية عن طريق ميناء قرطاجنة، كان ذلك في سنة (74هـ/693م). وبعد أن أراح حسان جنده من خلال منحهم مهلة لاستعادة قواهم وقد أنهك العديد من رجاله الجراحات التي أصابتهم في المعارك السابقة، وتيقن من جاهزية رجاله نهض للقضاء على البربر الذين ناصروا الرومان وحالفوهم ضد المسلمين. وَيُفاجأ حسان بأمر لم يكن قد حسب حسابه، فقد ظن أن المقاومة الحقيقية تكمن في الروم وقد استطاع اجتزاز شأفتهم من بلاد إفريقية والقضاء عليهم، ليجد في مواجهته (الكاهنة) التي استطاعت تزعم البربر من قبيلة (جراوة الزناتية) فقد تجمع حولها بربر الأوراس (جبال أطلس الشرقية) متحدية المسلمين تحديا حقيقيا لم يخطر لهم على بال. |
رد: الإسلام في أفريقيا
الإسلام في أفريقيا -5- محمد فاروق الإمام حسان وكاهنة إفريقية لقد كانت كاهن إفريقية امرأة ساحرة حقاً، تحمل صنماً خشبياً ضخماً تستعين به على ما تريد من عمل السحر والكهانة، وكانت ذات شعر جعد عظيم، تنشره عند استحضارها لشيطانها فيما تزعم، وتدق صدرها بيديها وتحمرُّ عيناها فتتملك الناس من حولها رهبة شديدة. وَيُفهم من النصوص التاريخية أنها لم تكن صغيرة السن بل كهلة، فقد كان لها أبناء في سن الشباب، وكان أحدهم من أب رومي، وقد تزوجت كثيراً من الرجال مما جعل لديها الكثير من الأبناء، وكانت إلى جانب مظهر السحر والشعوذة ذكية ذات كياسة ولباقة وتدبّر وحكمة وحسن سياسة. وكان أول ما فعلته هذه الكاهنة - عندما بلغها أن المسلمين يقصدونها - هو تخريب الأرض في طريقهم، ظنا منها أن مطلبهم الغنيمة والأسلاب، فإذا وجدوا الأرض خرابا انكفؤوا على أنفسهم وعادوا خائبين. فقطعت الأشجار وخربت الزروع على طول الطريق، ثم أمرت بهدم قلعة (باغاية) حتى لا يعتصم بها المسلمون، فأصبحت الأرض جرداء قاحلة، وتعرّت التربة وتحولت إلى تراب تذروه الرياح. ورغم ما فعلت هذه الكاهنة تقدم المسلمون نحوها بشجاعة نادرة وأدركوها في موضع تجمع قواتها على نهر بين العين البيضاء وتبة تسمى (نيني)، ووقف المسلمون في جانب من هذا النهر والكاهنة وأتباعها في الجانب الآخر، وباتوا ليلتهم شاكي السلاح. وعند بواكير فجر الصباح الأولى خاض المسلمون الماء وشنوا هجوما صاعقا على الكاهنة وجندها، ودار قتال عنيف تكاثر فيه البربر على المسلمين وقتلوا منهم أعدادا كبيرة، مما دفع حسان إلى الانسحاب مع من تبقى من جنده إلى الشرق منهزما بعد أن ترك في أرض المعركة المئات من جثث الشهداء، في حين أسرت الكاهنة نحو ثمانين من خيار جند حسان، وللمفارقات أنها أحسنت معاملتهم، بل أخذت واحدا منهم واسمه (خالد بن يزيد) وجعلته ابنا لها وآخت بينه وبين ولديها، وهذا يدل على ذكاء هذه الكاهنة وبعد نظرها وحسن تفكيرها، وقد سمي الوادي الذي دارت فيه المعركة (بوادي سهر). واستمر رجال الكاهنة في مطاردة حسان ومن فر معه حتى أخرجوهم إلى طرابلس، ثم إلى برقة حيث ضرب حسان خيامه هناك في مكان أصبح يسمى (قصور حسان)، وبعث بالخبر إلى دمشق وبات ينتظر الأوامر. وهكذا فقد المسلمون إفريقية للمرة الثالثة في نحو عشر سنوات، الأولى بعد استشهاد عقبة، والثانية بعد استشهاد زهير، والأخيرة بعد هزيمة حسان في وادي نيني. ولو أن غاية المسلمين المكاسب والأسلاب لكان كفاهم ما حل بهم وكفوا عن إفريقية وانصرفوا آيسين من فتحها، وقد تكبدوا في سبيلها خسائر فادحة وهزائم مريرة، وهلك من رجالهم الألوف من خيرة الوجوه، ولكن الإيمان كان دافعهم والجهاد ديدنهم وإعلاء كلمة التوحيد غايتهم، لذا لم تفتّ هذه الانتكاسات من عزائمهم أو تقلل من يقينهم من أن الله ناصرهم ومعلٍ شأن دينهم. ولم تكف الكاهنة - بعد هزيمتها للمسلمين - عن فعالها الشنيعة، بل راحت تمضي في سياسة التخريب لتقطع أي أمل يراود المسلمين في تكرار غزو تلك البلاد، فقطع رجالها الأشجار على مسافات طويلة، وخربوا المدن، وهدموا الحصون، حتى يقول ابن عذاري: كانت إفريقية ظلاً واحداً من برقة إلى طنجة، وقرى متصلة ومدائن منتظمة، حتى لم يكن في أقاليم الدنيا أكثر خيرات ولا أوصل بركات، ولا أكثر مدائن وحصوناً من إقليم إفريقية والمغرب، مسيرة ألفي ميل، فخربت الكاهنة ذلك كله. وبعد خمس سنوات من انتظار حسان عند قصوره في برقة وصلته الإمدادات من دمشق، فتحرك نحو إفريقية مجددا سنة (79هـ/698م)، وقد فتكت بها الكاهنة فتكاً ذريعاً مما جعل عامة أهلها والمغرب الأوسط في خوف من الكاهنة ورعب مما تفعله بالبلاد، فغادر عدد كبير منهم مهاجرين إلى صقلية وإيطاليا وحتى الأندلس، وهذه الأخبار شجعت حسان على استعجال أمره، فأغذ السير نحو إفريقية، فدخل (قابس) حيث استقبله أهلها استقبال المنقذ لهم، فقدموا له الأموال والمؤن، ولم يضيع حسان وقته بل رأى أن من الحكمة أن يسرع إلى الغرب دون أن يضيع وقته في القيروان، فاخترق إقليم (الجريد) المعروف (بقسطيلة) وأراح جنده في (قفصة) ثم دخل المغرب الأوسط من الطريق الصحراوي دون مقاومة، حيث انضمت إليه هناك جموع كثيرة من البربر لمساعدته في القضاء على الكاهنة والخلاص من تخريبها للبلاد. وحدث لقاء غير حاسم بين قوات الكاهنة وبعض قوات حسان عند (حصن الجم) بين سوسة وصفاقس، فهزمت فيه الكاهنة وفرت بقواتها إلى المغرب الأوسط حيث اعتصمت بموطن قبيلتها جراوة في جبال الأوراس، وهذه الهزيمة أرعبت الكاهنة وأخافتها، وشعرت برجحان كفة المسلمين عليها، وخشيت خسارتها في أي حرب قد تندلع مع المسلمين، مما دفعها للتنبؤ بقرب مدتها فاستعدت لذلك، فجعلت خالد بن يزيد - الذي اتخذته ابناً - وسيطاً بينها وبين حسان، فأخذ أماناً لولديها، وبالفعل انتقل هذان الولدان إلى صفوف حسان. |
رد: الإسلام في أفريقيا
الإسلام في أفريقيا -6- محمد فاروق الإمام اللقاء الحاسم بين حسان وكاهنة إفريقية وكان اللقاء الحاسم الأخير بين المسلمين والكاهنة في موضع من جبال الأوراس لا تحدده النصوص التاريخية إلا بقولها إنه يسمى (بئر الكاهنة). حيث دارت معركة حامية ودامية، قتلت فيها الكاهنة ونفر عظيم من أتباعها، في حين لم تكن خسائر المسلمين بأقل من خسائر جيش الكاهنة، ولكن النصر كان حليف المسلمين في النهاية. وكانت هذه المعركة الحاسمة في سنة (80هـ/699م). واستغل الروم انشغال المسلمين بحرب الكاهنة فأرسلوا إلى إفريقية أسطولا يقوده البطريق (يوحنا) فنزل بقواته في قرطاجنة وفاجأ حرس المدينة من المسلمين وقتل منهم عددا واستعاد المدينة لنفوذ القسطنطينية. وقرر حسان أن يقضي على قرطاجنة قضاء مبرماً - بعد أن وصلت إليه أخبار نزول الروم فيها- فسار إليها واقتحمها سنة (82هـ/701م) وطرد الروم منها وخربها تماماً، وقطع القناة التي توصل الماء إليها، وكان ذلك نهاية هذه المدينة العظيمة ذات العراقة التاريخية. وهكذا تم لحسان بن النعمان فتح إفريقية والمغرب وقضى على كل جيوب المقاومة فيها. وبذلك يصنف المؤرخون حسان بأنه من أعظم الفاتحين في التاريخ الإسلامي. وأدخل حسان نظم الإدارة الإسلامية، فدون الدواوين ونظم أمر الجزية التي يدفعها غير المسلمين من بقايا الروم والأفارقة والبربر الذين لم يشرح الله صدرهم للإسلام، وأنشأ الدواوين لذلك، وقرر كذلك مقادير الخراج التي يدفعها الناس سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين. وأرسل إلى القبائل الكبرى دعاة يدعون أهلها للإسلام ويرشدونهم إلى قواعده، ويقومون بالقضاء بينهم وفق شريعة الإسلام، فانتقل البربر شيئا فشيئا إلى الإسلام انتقالاً طبيعياً لعدم تأصل أي نوع من أنواع الديانات لديهم، فقد وجدوا في الإسلام الأمن والطمأنينة والعدل والمساواة. وتوّج حسان بن النعمان أعماله بإنشاء (تونس) لتكون الميناء الرئيسي بعد تخريب قرطاجنة وباباً للمسلمين على البحر المتوسط، وقد استعان حسان في بنائه بنفر من المصريين، حيث استقدم منهم ألف أسرة فقاموا بالعمل على أكمل وجه وأحسن صورة، واستقروا في الميناء الجديد وسيّروا أمره. ولخلافات بين حسان والبيت الأموي أقسم أن لا يلي لبني أمية عملاً، فاستعفى من ولاية إفريقية سنة (86هـ/705م) وكان في السبعين من عمره. واختار عبد العزيز بن مروان (والي مصر) موسى بن نصير لولاية المغرب. |
رد: الإسلام في أفريقيا
الإسلام في أفريقيا -7- محمد فاروق الإمام موسى بن نصير والياً على أفريقيا والأندلس ذهب موسى بن نصير إلى المغرب سنة (86هـ/705م) والياً عليها من قبل عبد العزيز بن مروان والي مصر فوصل القيروان وخطب الناس في جامعها قائلا - كما جاء في كتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة - : إنما كان قبلي على إفريقية أحد رجلين: مسالم يحب العافية أو رجل ضعيف العقيدة قليل المعرفة. وأيم والله لا أريم هذه القلاع والجبال الممتنعة حتى يضع الله أرفعها ويذل أمنعها ويفتحها على المسلمين. وكانت بداية أعمال موسى فتحه لحصن (سجوما) الذي كان يؤدي إلى (سبتة) وكان فتح سجوما أمراً على جانب كبير من الأهمية. فقد كانت هذه البلدة قاعدة لجزء كبير من قبيلة أوربة - قبيلة كسيلة المسؤولة عن مقتل عقبة بن نافع - فقد انفتح أمام موسى الطريق إلى سبتة وطنجة فاستولى عليهما، فأحس (يليان) بخطر المسلمين فأخذ يصانع موسى بن نصير ويشجعه على غزو الأندلس وفتحها، وأسند ابن نصير إمارة طنجة إلى أحد قواده وهو طارق بن زياد يساعده طريف بن زرعة. وبدأ موسى بن نصير بنشاط بحري، عبر حملات على جزائر البحر المتوسط، مما دفعه بالتالي إلى توسيع دار الصناعة في تونس وتعميق القناة التي تصلها بالبحر، ليصبح ميناء تونس صالحاً لاستقبال كافة أنواع السفن الكبيرة، وعمل على بناء المراكب، وتكّون للمسلمين أسطول في إفريقية قام بالعديد من الغزوات البحرية الموفقة. فقد وصلت الحملة الأولى إلى صقلية بقيادة عطاء بن رافع الهذيلي قائد أسطول مصر، وكان معه تابعيان هما أبو عبد الرحمن الحبلي وحنش بن عبد الله الصنعاني، وفي نفس الوقت قامت حملة أخرى على (سردينية) وكان الهدف من الغزوتين استطلاع أمر تلك الجزر، وقد كانت في سنة (92هـ/710م). وبعد مدة قام موسى بن نصير بغزو الأندلس وتم له فتحها واعتمده الوليد بن عبد الملك(3) والياً على إفريقية والأندلس. وبعد أن تم لموسى بن نصير هذه الفتوح استدعي إلى دمشق فلم يصلها إلا بعد وفاة الوليد وتولي سليمان الخلافة سنة (96هـ/714م). ويعتبر موسى بن نصير ممهد أمور إفريقية والمغرب الأقصى، وهو فاتح الأندلس، ومن دهاة ولاة بني أمية وأكابرهم وعظمائهم. كما أن موسى بن نصير يمثل آخر عهد الأمراء الفاتحين في إفريقية والمغرب الذين وطّدوا أركان الدولة الإسلامية في تلك البلاد ورسّخوا بنيانها. |
رد: الإسلام في أفريقيا
الإسلام في أفريقيا -8- محمد فاروق الإمام عهد الولاة لقد عرفنا أن عصر الفتوح كان عصر الصراع بين المسلمين من جهة والروم والبربر من جهة أخرى لإدخال المغرب وأهله في بوتقة الإسلام، وبالفعل تمكن الفاتحون من دحر الروم وهزيمة البربر الذين لم يكد ينتهي عهد الفتوح حتى غدو جزءا من حملة هذا الدين والمنافحين عن السنة والجماعة أو الآخذين بمذهب الخوارج المتمردين على الدولة الإسلامية في دمشق ثم في بغداد، وبذلك كان البربر جزءا من الصراع بين ذينك الاتجاهين. وقد تميز عهد الولاة في المغرب بالصراعات المريرة والتصادمات الدموية، ولم ينته الصراع بنهاية عصر الولاة، ولكن المواقف فيه تحددت والاتجاهات خلاله وضحت، فبدأ عهد قيام الدول واستقلالها عمليا عن عاصمة الخلافة الإسلامية في بغداد، رغم تمسك تلك الدول بالارتباط بالخلافة ببغداد والدوران في فلك سياستها والاجتهاد في إرضاء المتقلبين على مناصبها والمتنفذين فيها والفوز بكتب تقليد الإمارة الممهورة بخاتم الخليفة. وبانتهاء ولاية موسى بن نصير تنتهي - كما نوهنا - فترة فتوح المغرب، ويبدأ عصر الولاة، بعد أن أصبح المغرب ولاية إسلامية، حيث بدأ العرب تجربة الحكم فيه، وهي تجربة مريرة وشاقة حافلة بالصعاب والمشاكل، فالعرب بطبعهم وحياة البداوة التي ألفوها لم تكن لهم أية تجربة في الحكم، وخاصة حكم شعوب غريبة عنهم في اللغة والعادات والتقاليد ونمط العيش، فلكل شعب طبعه وماضيه وتراثه وظروفه الخاصة التي تحتاج إلى مهارة كبيرة في فهمها، وخبرة طويلة لعلاج مشاكلها والتعامل مع مفرداتها، وخاصة إذا تعلق الأمر بإقليم واسع كالمغرب، يبدأ من برقة شرقا ولا ينتهي إلا عند ساحل المحيط غربا، وتختلف نواحيه ما بين جبال وهضاب وسهول وصحار وسواحل لكل ناحية منها ظروفها وطبيعتها، ويقطنها أقوام يختلفون فيما بينهم اختلافا شديدا ما بين أفارقة وبربر بدو وبربر حضر، ينقسمون إلى بطون وقبائل فلا يكاد يأتلف فريق منها مع الفريق الآخر، لأن هؤلاء البربر وإن تشابهوا في الجنس فقد اختلفوا في أشياء كثيرة. فهم في جملتهم لم يتعودوا حياة النظام أو الانضباط في ظل دولة واحدة، بل عاش كل فريق منهم في ناحيته راضيا بنمط من الحياة ورثه عن آبائه وأجداده، ولا علاقة له بما يجري حوله، وقد عاش من أزمان بعيدة دون أي رابط بغيره إلا رابط الحرب والعداوة والخوف، فلم يذكر التاريخ أنه قام من بينهم رجل يجمعهم. ولم تفكر الدول السيطرة على شريط الساحل واستعمار أراضيه ومدنه واستخدام أهله، سواء أيام حكم الرومان لتلك البلاد أو الفينيقيين أو البيزنطيين، ولو كان هدف العرب من دخولهم إفريقية والمغرب بغرض الاستعمار وبسط النفوذ لما فعلوا إلا ما فعل من سبقهم من مستعمري تلك البلاد، ولكن العرب دخلوا إفريقية لجعلها قطعة ومصرا من دولة الإسلام، وكل من دخل من أهلها في الإسلام أصبح عضوا فاعلا في دولة الإسلام له نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات، وحتى أولئك الذين أرادوا أن يبقوا على ديانتهم الأولى من النصارى أصبحوا في دولة الإسلام أهل ذمة، ومن حقهم العيش في أمن وأمان تصان أعراضهم وأموالهم ودور عبادتهم نظير جزية بسيطة يدفعونها عن الرجل القادر على العمل دون الطفل والمرأة والشيخ الكبير. لم يشعر البربر والأفارقة في المغرب بعد دخولهم الإسلام وانضمامهم إلى الدولة الإسلامية بالمهانة أو الإذلال أو القهر فقد خلّصهم المسلمون من عبودية الأقوام الذين استعمروهم واستغلوهم وسرقوا خيرات بلادهم. من هنا يمكن القول بأن البربر والأفارقة بدخولهم الإسلام وانتسابهم إلى دولته تخلصوا من المتاعب والشقاء الذي عانوه في فترة حياتهم السابقة، وفتحوا أعينهم لعصر جديد من المساواة والعدل والاحترام. حتى أولئك الذين بقوا متمسكين بديانتهم السابقة باتوا يتطلعون إلى حياة أفضل في ظل دولة الإسلام التي يحترم فيها غير المسلم وتصان حقوقه. لقد شارك البربر في الفتوحات الإسلامية، فقد كان لهم النصيب الأوفر في فتح الأندلس ولهم الحق في مشاركة العرب في حكم البلاد، ومن هنا فقد وجد العرب أنفسهم في المغرب أمام مشاكل عصية الحل، أو يتطلب حلها زمنا طويلاً وحكمةً وأناةً وصبراً. ولم يكن العرب الفاتحون ليسلموا بمشاركتهم حكم البلاد أحداً، وهذا بالطبع لا يشمل كل العرب الذين وفدوا على المغرب منذ بواكير الفتح الأولى، فهذه هي العصبة الصالحة المؤمنة التي بعث بها عمر بن عبد العزيز من التابعين والعلماء لتعليم البربر أمور دينهم السمح القائم على العدل والمساواة فلا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم). لقد خضع المغرب للدولة الأموية في دمشق، ودان لها أسوة بباقي الأمصار الإسلامية المنتشرة في أصقاع الأرض، ومن ثم إلى الدولة العباسية في بغداد، وعليه فقد حكم المغرب ولاة مبعوثون من الدولة الأموية ومن بعدهم ولاة مبعوثون من الدولة العباسية. |
رد: الإسلام في أفريقيا
الإسلام في أفريقيا -9- محمد فاروق الإمام فترة حكم ولاة الدولة الأموية بدأت هذه الفترة بتولية محمد بن يزيد أول ولاة بني أمية على المغرب بعد تمام الفتح للإجهاز على سلطان آل موسى بن نصير واستئصال نفوذهم واستلاب ما جمعوا من أموال، ولم يوفق ابن يزيد في تحقيق الكثير فقد كان آل موسى قد رسخوا جذورهم في المغرب وأصبحوا قوة لا يمكن تفتيتها أو اقتلاعها، رغم تدبير هذا الوالي بقتل ولدي موسى عبد الله وعبد العزيز. واهتم لأمر إفريقية عمر بن عبد العزيز بعد تسلمه مقاليد الخلافة في دمشق، فقد أوقف تتبع بيت آل موسى، وأسقط الجزية عمن أسلم، وميّز أرض الصلح من أرض العنوة وأقرَّ القرى في سكانها، كما جاء في كتاب (الأخبار المجموعة). ولم تطل خلافة عمر بن عبد العزيز الذي ولى إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر خلفا لمحمد بن يزيد القرشي لتطبيق سياسته في المغرب، فقد عزل هذا بعد وفاة عمر بن عبد العزيز، وعين الخليفة الجديد يزيد بن عبد الملك، يزيد بن أبي مسلم والياً جديداً على المغرب. وكان يزيد هذا قد تربى في مدرسة الحجاج القائمة على التسلط والعنف والعنجهية، فكان مصير هذا الوالي القتل، واختار الناس المغيرة بن أبي بردة القرشي ليكون خلفاً للوالي المقتول، ولكن هذا لم يقبل هذا التكليف، فعرض الجند الولاية على محمد بن أوس الأنصاري قائد الأسطول فقبل، وسلم يزيد بالأمر الواقع ثم استبدل ابن أوس الأنصاري بواليه على مصر بشر بن صفوان الكلبي فندب هذا أخاه حنظلة والياً على مصر، وخرج هو إلى المغرب سنة (102هـ/720م). وعمل بشر بن صفوان في التضييق على العرب البلديين وعلى أبناء موسى بن نصير، وأطلق لرجاله العنان في مغازاة البربر والسبي منهم. ومات يزيد بن عبد الملك سنة (105هـ/723م) وخلفه أخوه هشام، الذي تميز بالاهتمام الشديد بشؤون المال. وعاد بشر بن صفوان إلى إفريقية، وقام بغزو صقلية ولكنه أخفق في هذه الغزوة. وتوفي في شوال سنة 109هـ/727م)، فخلفه عبيدة بن عبد الرحمن السلمي ولم يكن خيراً منه، فقد اجتهد في تحصيل الأموال بكل الطرق، وسعى لتجريب حظه بغارة على صقلية فعصفت الأمواج العاتية بمراكبه وهو في طريق عودته، فألقت هذه العواصف بسفينة قائد الأسطول المستنير بن الحبحاب الحرشي عند ساحل طرابلس، فغضب عبيدة على قائده هذا غضباً شديداً متهماً إياه بأنه كان وراء إخفاق غارته، فجلده وشهّر به وحبسه، ثم طلب هذا الوالي إعفاءه من عمله فأقيل وتولى مكانه عبيد الله بن الحبحاب في ربيع الأول سنة (116هـ/734م). |
رد: الإسلام في أفريقيا
الإسلام في أفريقيا -10- محمد فاروق الإمام عبيد الله بن الحبحاب والياً على أفريقيا كان عبيد الله هذا متعصبا لجنسه فداهن العرب دون البربر والأفارقة، رغم ما اشتهر عنه من حسن الإدارة، وما تحلى به من نشاط وحيوية وفطنة، ولكن تحيزه السافر للعرب أشعل نار الثورة عند البربر، وأدى ذلك بالتالي إلى فتنة عامة في المغرب. لقد قام عبيد الله بأعمال جليلة تذكر له، فقد اهتم باستكمال بناء تونس، فأنشأ دار صناعتها، وأنشأ كذلك جامع تونس المشهور بجامع الزيتونة. وكان عبيد الله والياً على مصر والأندلس إضافة إلى المغرب، مما جعل ولايته تمتد من (رفح) إلى المحيط الأطلسي، وهذا بالتالي جعله عاجزاً عن إدارة هذه المناطق الواسعة الشاسعة التي تقطنها أجناس وأعراق متباينة العادات والتقاليد ومختلفة الألسن واللهجات، فنراه في المغرب يحتفظ لنفسه بإفريقية، ويولي ابنه إسماعيل منطقة السوس، وقد أشرك معه عمر بن عبد الله المرادي، في حين أقام على السوس الأقصى حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع ، وولى الأندلس عقبة بن الحجاج السلولي. وقام هؤلاء بإطلاق العنان لأنفسهم في الاستبداد بأهل البلاد من بربر وأفارقة، فكان عمر بن عبد الله المرادي يستخدم البربر في جيشه، دون أن يعطيهم نصيبا من الغنائم بحجة أن ذلك أخلص لإيمانهم، أما حبيب بن أبي عبيدة فقد قام بغزوات كبيرة في جنوب المغرب الأقصى، حتى وصل إلى مشارف إفريقية المدارية، وعاد بغنائم وسبي كثير، ولم يعط البربر أي نصيب من هذه الغنائم. وثار البربر على هذا التعصب العرقي للولاة ولأولي الأمر، واعتبروا أن ذلك مخالف لروح الإسلام والدين الذي اعتنقوه، وقد سعى أحدهم وهو (ميسرة المدغري) من بربر (برغواطة) الزناتيين ممن فقه الإسلام وتربى عليه في حل سلمي يعيد الحق إلى نصابه، فذهب هذا على رأس وفد من البربر إلى دمشق لعرض الأمر على الخليفة، ولكن هذا الوفد أخفق في مقابلة الخليفة فعاد إلى المغرب بخفي حنين، معوّلاً على الثورة بعد أن يئس من تحقيق العدالة. وبدأت الثورة في إقليم الريف الذي يسمى بإقليم طنجة وانتشرت في قبائل برغواطة وغمارة ومكناسة، وهجم الثوار على عمر بن عبد الله المرادي وقتلوه وطردوا إسماعيل بن عبيد الله واحتلوا طنجة، ثم قام كل فريق من البربر بطرد من كان عنده من العرب، ثم أقام ميسرة على طنجة رجلا من الموالي الإفريقيين هو عبد الأعلى بن جريج الإفريقي، الذي توجه بقواته نحو القيروان لإخراج عبيد الله بن الحبحاب فأرسل هذا إلى حبيب بن أبي عبيدة يتعجل عودته، وكان قد خرج في حملة إلى صقلية، ولم يستطع ابن الحبحاب الانتظار فخرج بمن معه للقاء ميسرة. وجبن ميسرة عن اللقاء وأراد الانسحاب، فقتله أنصاره، وأقاموا عليهم زعيما هو خالد بن حميد الزناتي، الذي قاد الثائرين واشتبك في معركة حامية الوطيس مع جند ابن الحبحاب وتمكن من قتل قائد جيشه خالد بن أبي حبيب ومعظم أمرائه، وانجلت المعركة عن هزيمة كبرى حاقت بابن الحبحاب، وقد سميت هذه المعركة بمعركة (الأشراف) لكثرة من قتل فيها من العرب. وبعد إخفاق عبيد الله بن الحبحاب في تهدئة الأوضاع ثار عليه أنصاره في القيروان وعزلوه في جمادى الآخرة سنة (123هـ/740م)، وأرسل الخليفة هشام يستدعيه إلى دمشق. |
رد: الإسلام في أفريقيا
الإسلام في أفريقيا -11- محمد فاروق الإمام الثائرون يهزمون جيوش هشام بن عبد الملك أراد الخليفة هشام بن عبد الملك أن ينتقم لهزيمة جنده وواليه، فجهز جيشا قوامه (27,000) رجل من عرب الشام جعل عليه عربيا شامياً هو كلثوم بن عياض القشيري يساعده بلج بن بشر القشيري وثعلبة بن سلامة العاملي، وعندما وصل الجيش إلى مصر انضم إليه من عربها (3,000) رجل، ووصل هذا الجيش العرمرم إلى إفريقية في رمضان سنة (123هـ/740م. وبأمر من الخليفة انضم عرب إفريقية إلى الجيش القادم من الشام، وكان عددهم (40,000) رجل على رأسهم حبيب بن أبي عبيدة زعيم العرب في المغرب. سار هذا الجيش حتى وصل إلى المغرب الأقصى، ليدرك قوات الثائرين بقيادة خالد بن حميد الزناتي عند مكان يسمى (بقدورة). وهناك دارت معركة حامية ثبت فيها الثائرون ثبات الجبال وأوقعوا بالجيش العربي هزيمة منكرة وقتل فيها قائد الجيش كلثوم بن عياض وزعيم عرب إفريقية حبيب بن أبي عبيدة، وعدد كبير من أمراء الجند، وفر بلج بن بشر وثعلبة بن سلامة العاملي بمن بقي معهما واعتصموا بأسوار مدينة سبتة فحاصرهم البربر الثائرون حصاراً طويلاً حتى كادوا يهلكون، ثم سمح لهم عامل الأندلس عبد الملك بن قطين الفهري بالعبور إلى الأندلس لمساعدته على بربرها الذين كانوا قد ثاروا هم أيضاً. وامتدت الثورة لتشمل المغرب كله من طرابلس إلى طنجة، وقد اعتنق الثوار أفكار ومبادئ مذهب (الصفرية) - فرقة من الخوارج - في المغرب ومذهب (الإباضية)، في طرابلس، أما إفريقية ومنطقة الزاب في المغرب الأوسط فقد تمسكت بالسنة والجماعة. اهتم الخليفة هشام بن عبد الملك بهذا الأمر الجلل الذي عصف بالمغرب ويكاد يفصله عن جسد الخلافة في دمشق، فأعد جيشا كبيرا مدربا تعداده (50,000) مقاتل وأمّر عليه حنظلة بن صفوان عامله على مصر وكلفه بولاية المغرب، وكان ذلك في ربيع الآخر من سنة (124هـ/741م). |
رد: الإسلام في أفريقيا
الإسلام في أفريقيا -12- محمد فاروق الإمام الخلافات تدب بين الخوارج وعند تقدم حنظلة باتجاه المغرب كان قد دبَّ الخلاف بين الخوارج (الصفرية) فانقسموا إلى فريقين الأول مع عكاشة بن أيوب الفزاري والفريق الثاني مع عبد الواحد بن يزيد الهواري، وطمع كل واحد منهما في الاستيلاء على القيروان. واستغل حنظلة هذا الخلاف استغلالاً جيداً، وعبأ أهل القيروان لمساعدته على قتال الخوارج، فانضموا إلى جيشه، وكان اللقاء في موضع يسمى (الأصنام) على بعد (400) كيلو متر غربي القيروان حيث دحر حنظلة عبد الواحد بن يزيد الهواري بعد قتال عنيف، ثم سار بعد ذلك حنظلة نحو عكاشة بن أيوب الفزاري والتقى به في غربي القيروان أيضا في موضع يسمى (القرن) وهزمه هزيمة نكراء في أواخر سنة (124هـ/741م) وأوائل سنة (125هـ/742م). وقد أنقذت هاتان المعركتان مصير السنة والجماعة في إفريقية والمغرب. وهكذا تمكن حنظلة بن صفوان من إخماد الثورة البربرية، ولكن تبع ذلك صراع عربي - عربي، بين العرب المحليين سكان إفريقية، والعرب الشاميين القادمين مع حنظلة، إضافة إلى الخوارج من الإباضية والصفرية. بينما كان حنظلة يرتب أمور ولايته بعد انتصاره الكبير على الخوارج ثار عليه عبد الرحمن بن حبيب سنة (127هـ/744م)، فسار حنظلة لقتاله. يقول ابن عذاري في كتابه (البيان المغرب): (ثم كره قتال المسلمين - يقصد حنظلة - وكان ذا ورع ودين فوجه إليه - أي إلى عبد الرحمن بن حبيب - جماعة من وجوه إفريقية فدعوه إلى مراجعة الطاعة فغدر بهم عبد الرحمن بن حبيب وسار إلى القيروان. فلما رأى حنظلة ذلك دعا القاضي والعدول وفتح بيت المال فأخذ منه ألف دينار وترك الباقي وقال: لم أتلبس منه إلا بقدر ما يكفيني ويبلغني. ثم مضى من إفريقية سنة (129هـ/746م) في جمادى الأولى، ثم أقبل عبد الرحمن حتى دخل القيروان..). واستبد بالأمر عبد الرحمن بن حبيب، فقد استولى على حكم المغرب والانفراد به لعشر سنوات (127-137هـ/744-754م)، وقد استطاع القضاء على منافسيه من الزعماء العرب بسهولة، ولكنه لقي عناءً شديداً من خوارج البربر. فقد أخفق في صراعه مع إباضية طرابلس إخفاقاً كبيراً ولم ينقذه إلا اختلاف قائديهم عبد الجبار بن قيس المرادي والحارث بن تليد الحضرمي، فتحاربا حتى أهلك بعضهم بعضا، مما جعل عبد الرحمن يتمكن من اقتحام طرابلس وانتزاعها من الإباضية. بعد تمكن عبد الرحمن من القضاء على الإباضية أخذ يشتد على الناس في جمع الضرائب مما نفّر الناس من حوله، فانصرف عنه أهل القيروان وتونس وصفاقس وسوسة، وكرهه معظم أهل إفريقية وطرابلس، وكذلك ساءت العلاقات بينه وبين أهل بيته. |
رد: الإسلام في أفريقيا
الإسلام في أفريقيا -13- محمد فاروق الإمام الولاة العباسيون كانت نهاية عبد الرحمن بن حبيب بمقتله على يد أخيه وقائد جنده إلياس بن حبيب سنة (137هـ/754م)، الذي نادى بنفسه أميراً على القيروان رافعاً ألوية العباسيين الذين انتصروا على الأمويين وباتوا خلفاء المسلمين، ونشبت الحرب بين إلياس وابن أخيه حبيب، وانتهت بمقتل إلياس سنة (138هـ/755م). ويصف لنا ابن عذاري في بيانه لقاء العم مع ابن أخيه قائلا: فلما التقيا ناداه حبيب: لم نقتل صنائعنا وموالينا وهم لنا حصن ؟ ولكن ابرز أنت وأنا، فأينا قتل صاحبه استراح منه، فناداه الناس: قد أنصفك يا إلياس! فخرج كل واحد منهما إلى صاحبه ووقف أهل العسكر ينظرون فتطاعنا حتى تكسرت قناتاهما ثم تضاربا بسيفيهما، وعجب الناس من صبرهما، ثم ضرب إلياس حبيبا ضربة نفذت في ثيابه ودرعه ووصلت إلى جسده، وضرب حبيب عمه إلياس ضربة أسقطته ثم أكب عليه فحز رأسه وأمر برفعه على رمح، وأقبل به إلى القيروان فدخلها وبين يديه رأس عمه ورؤوس أصحابه.. في عام (138هـ/755م)، فكانت ولاية إلياس إلى أن قتل نحو سنة وستة أشهر. وانتهى أمر بني حبيب إلى فوضى محزنة، فقد خاف عبد الوارث بن حبيب عم حبيب بن عبد الرحمن على نفسه ففر مع بعض أنصاره إلى قبيلة (ورفجومة) الزناتية واستغاث برئيسها عاصم بن جميل وكان خارجيا صفريا، فخرج هذا وقومه إلى القيروان، وخرج إلى لقائه حبيب بن عبد الرحمن فانهزم وفر من وجه عاصم، وبقي أهل القيروان وحدهم ليدافعوا عن القيروان بوجه الخوارج الصفرية، وخرجت جماعة منهم يقودها القاضي (كريب بن أبي كريب المعافري) والتقوا مع الصفرية فتفرق الناس عن ابن كريب، وثبت هو في الميدان وقاتل قتال المؤمنين الأبطال حتى سقط شهيداً، وقد استشهد معه نحو ألف ممن صمدوا معه، ودخل الصفرية القيروان فاستحلوا المحارم وارتكبوا الكبائر ونزل عاصم بن جميل بمصلى روح بن حاتم المهلبي، ثم استخلف على القيروان عبد الملك بن أبي الجعد اليفري، وتمكن هذا من قتل حبيب بن عبد الرحمن الذي حاول العودة إلى القيروان في المحرم من سنة (140هـ/757م). وباستيلاء الخوارج الصفرية على القيروان غدا المغرب كله تحت رحمتهم، وبدا وكأنهم سينشئون فيه دولة خارجية في المغرب تعذر عليهم إقامتها في المشرق. ولكن الله سبحانه وتعالى جعل الخلاف يدب بين الخوارج الصفرية والخوارج الإباضية حيث غضب الإباضية لما فعله الصفرية في القيروان، فنهضوا بقيادة أبي الخطاب بن عبد الأعلى بن السمح المعافري الذي انتصر انتصارا كبيرا على الصفرية في صفر من سنة (141هـ/758م) ودخل القيروان، وأقام عليها عبد الرحمن بن رستم وعاد هو إلى طرابلس. وهكذا بدأ الخوارج يتناقلون السلطة في القيروان، وانتدب أهل السنة وفدا إلى بغداد لمقابلة الخليفة أبي جعفر المنصور العباسي على رأسه قاضي القيروان عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ليطلبوا إنقاذهم من حكم الخوارج المارقين. وعهد الخليفة العباسي إلى عامله على مصر محمد بن الأشعث محاربة خوارج المغرب، ولكن أبا الخطاب تمكن من إلحاق هزيمة منكرة بجيش ابن الأشعث الذي أرسله لهذه الغاية. |
رد: الإسلام في أفريقيا
الإسلام في أفريقيا -14- محمد فاروق الإمام يزيد بن حاتم والياً على أفريقيا غضب ابن الأشعث وسار بنفسه على رأس جيش كبير، واستطاع أن يوقع بالخوارج الإباضية هزيمة ماحقة في ناحية (سرت) شرقي طرابلس في سنة (144هـ/761م)، وقد قتل أبو الخطاب في تلك المعركة، كما ألحق ابن الأشعث بالخوارج هزيمة ثانية بعد ذلك بشهرين. عقب هاتين الهزيمتين قام عبد الرحمن بن رستم خليفة أبي الخطاب وواليه على القيروان بترك القيروان مع أتباعه متجها إلى ناحية تاهرت بالمغرب الأوسط، ودخل ابن الأشعث القيروان وقضى على من تبقى فيها من الخوارج، وأعاد بناء سورها فتم ذلك في سنة (146هـ/763م). وتعرضت فترة حكم ابن الأشعث لمصاعب كبيرة وخلافات شائكة بين أفراد جنده فعزل عن إفريقية وحل محله الأغلب بن سالم ابن عقال التميمي. ولم يكن حظ الأغلب بأحسن من حظ سلفه ابن الأشعث حيث ثار عليه أحد قادة جنده وهو الحسن بن حرب الكندي، الذي تمكن من قتله في شعبان من سنة (150هـ/767م) كما قتل الحسن بن حرب في نفس المعركة. واستقر رأي المنصور على ابتعاث والٍ مجرب محنك إلى المغرب، فاختار عمر بن حفص بن عثمان بن قبيصة المهلبي الذي اشتهر بحروبه مع الخوارج. وكان عمر بن حفص رجلا شجاعا وإداريا مجربا فدخل القيروان سنة (151هـ/768م)، وضبط أمور إفريقية في حزم وعنف فسكنت الفتنة. ولكنه واجه بعد ثلاث سنوات من الهدوء هجمة عنيفة من الخوارج يقودهم يعقوب بن حبيب بن يطوفت مما اضطره إلى ترك القيروان والانسحاب إلى إقليم الزاب وتحصن في (طبنة) ، في حين حاصر الخارجي يعقوب القيروان حصارا شديدا، في حين تجمع الخوارج من كل حدب وصوب وقاموا بحصار طبنة على عمر بن حفص، ولكن هذا صمد لهم بشجاعة وبسالة دون أن يتمكن الخوارج من اقتحام طبنة. وقد قر قرار الخوارج استئصال شأفة أهل السنة من إفريقية. وقلق أبو جعفر المنصور، وخاف أن يتمكن الخوارج من الاستيلاء على القيروان، فسير يزيد بن حاتم بن قبيصة في قوة كبيرة لنجدة عمر بن حفص، فلما علم عمر بذلك كبر عليه أن يستنقذه يزيد من الحصار، فخرج لقتال الخوارج فقتل في حربهم يوم السبت 15 ذي الحجة من سنة (154هـ/770م). وأقبل يزيد في جيش كثيف عدته - فيما روت كتب التاريخ - تسعون ألفا، والتقى مع جموع الخوارج قرب طرابلس، ودار بين الجيشين قتال عنيف هلك فيه الألوف من الطرفين، وكانت نتيجة المعركة انتصار يزيد بن حاتم على الخوارج في سنة (155هـ/771م) في 23 ربيع الأول منها. وكانت هذه المعركة حاسمة بالنسبة لمصير السنة والجماعة في إفريقية، ولم تقم للخوارج بعدها قائمة في إفريقية. ودخل يزيد القيروان وبدأ فترة من الرخاء والهدوء والبناء دامت خمس عشرة سنة. حيث توفي يزيد في سنة (174هـ/790م). وقد اهتم يزيد بن حاتم بالقيروان فاجتهد في عمارتها وتنظيم أسواقها وتجديد جامعها. وتم له ذلك سنة (155هـ/771م). وكان إلى شجاعته وقدرته الإدارية رجلا كريما. كما كانت له عناية بالزراعة وشؤون الريف.. وقد عد المؤرخون فترة حكمه الفترة الذهبية لحكم الولاة. |
رد: الإسلام في أفريقيا
الإسلام في أفريقيا -15- محمد فاروق الإمام المذهب المالكي ومحنة خلق القرآن وفي أيام يزيد بن حاتم دخل المغرب مذهب مالك على يد نفر من أعاظم تلاميذ مالك، من أمثال الفقهاء: عبد الله بن فروخ الفارسي وعلي بن زياد التونسي والبهلول بن راشد وعبد الله بن غانم. وكان هؤلاء من كبار العلماء العاملين، الذين تخرجوا من مدرسة مالك بن أنس وتفقهوا بعلمه وتأدبوا بأدبه وقبسوا شمائله وتأثروا به تأثرا عميقا. وكان شيوخ المالكية من الإفريقيين على إخلاص شديد لمذهبهم وتمسك بالغ بالسنة والجماعة، حتى لقد اعتبروا من اتبع أبا حنيفة ضالا، وسموا الحنفيين بالمشارقة أو المشرقين. وأما المعتزلة أصحاب القول (بخلق القرآن) فقد وجدوا سبيلهم إلى إفريقية بدعم من الدولة فقد غدا هذا المذهب هو المذهب الحاكم في بغداد أيام المأمون، ولكن في إفريقية كانوا يعدّون المعتزلة كفارا لا يعاملون في أمر من أمور المسلمين ولم تقو شوكتهم في إفريقية إلا في أيام محنة خلق القرآن عند تولية أحدهم القضاء وهو (محمد بن أبي الجواد) المعتزلي في القيروان، الذي أخذ يمتحن الفقهاء بالقول بخلق القرآن. وقد أثار إخلاص شيوخ المالكية إقبال الطلبة على الدرس عليهم من كل صوب وناحية، حتى غدت القيروان بحق مركزا إشعاعيا إسلاميا لا يقل عن البصرة والكوفة والفسطاط، وعلا نجم المذهب المالكي في سماء إفريقية والمغرب فأصبح السمة المميزة للإسلام في ذلك الصقع من دولة الإسلام. وكان يزيد بن حاتم مناصرا للمالكية وشيوخها لما كان يجد فيهم من الإخلاص والتفاني لمساندة الشرع والقانون وأمن البلاد واستقرارها، مما دفعه للاجتهاد في معاونة المالكيين على إرساء دعائم مذهبهم في المغرب وجعل ذلك ركيزة من ركائز الاستقرار وتأييد السنة والجماعة. وتناوب على ولاية المغرب بعد موت يزيد أخوه روح بن حاتم الذي كان لا يقل عنه كفاءة وقدرة، وقد حكم ثلاث سنوات انتهت سنة (174هـ/790م) بعد وفاة ابن أخيه داود بن يزيد الذي حكم أقل من سنة. ثم جاء نصر بن حبيب المهلبي الذي حكم حتى وفاته سنة (177هـ/793م). وكان من بعده فضل بن روح بن حاتم الذي قتل سنة (178هـ/794م) على يد جنده. وهكذا انتهى حكم المهالبة للمغرب في أوائل أيام حكم الخليفة هارون الرشيد الذي دام حوالي ربع قرن من الانفراد بحكم إفريقية، وعلى قصر تلك الفترة فإنها تعتبر من أهم فترات تاريخ المغرب الإسلامي، ففي أيام المهالبة استقر الأمر لأهل السنة بصورة نهائية في إفريقية، وساد المذهب المالكي. وبعد فترة من الفوضى التي حدثت نتيجة لمقتل فضل بن روح أرسل الرشيد هرثمة بن أعين أميرا على إفريقية فقضى على ثورة ابن الجارود الذي قتل فضلا، وحكم سنتين ونصف نعمت فيه المغرب بالهدوء والسلام، وقد اهتم هرثمة بالإنشاءات والعمران فبنى قصر (المنستير) وهو أهم مراكز الرباط والعبادة والانقطاع لله تعالى في إفريقية، وكذلك جدد سور مدينة طرابلس، ثم استعفى من العمل بسبب ما جدّ من شغب من قبل جند إفريقية وبربرها وإفسادهم. وبعد فترة اضطراب بسيطة عهد هارون الرشيد إلى إبراهيم بن الأغلب ولاية إفريقية والمغرب سنة (184هـ/800م). ليبدأ بذلك عصر الأغالبة وينتهي عصر الولاة. |
رد: الإسلام في أفريقيا
الإسلام في أفريقيا -16- محمد فاروق الإمام قاضي إفريقية وعالمها أبو محمد خالد بن أبي عمران التجيبي (الحمد لله الذي فتق عن أكمام الغفلة نور الإخلاص، والحمد لله الذي كشف رين القلوب بنور اليقين، والحمد لله حمداً دائماً بدوام ربوبيته، والحمد لله كما يجب له على جميع خلقه، سبحان الله وبحمده تسبيحاً يبلغ أقطار السماوات السبع ومن فيهن، وسبحان الله وبحمده من حيث نعلم ومن حيث لا نعلم، رب إني إن انقطع أملي من عملي لم ينقطع أملي منك، فحقق رجائي ولا تحقق حذري، واستر عورتي، وسكّن روعتي. أنت دليلي، إليك أشكو بثي وحزني وفاقتي وفقري، فيا حزني في قلة شكري، ويا حزني إن أصبت بنفسي وأنت غير راضٍ عني، فلا تعذبني بالنار بعد إذ أسكنت توحيدك قلبي، فإنك إن عذبتني بالنار جمعت بيني وبين قوم عاديتهم فيك، اللهم ارحم في الدنيا غربتي، وفي القبر وحشتي، وبين يديك ذل مقامي، اللهم إني أعوذ بك أن يُفرط عليَّ وعلى ولدي وأهلي، أو أن يطغى علينا. جل جلالك، وعز جارك، وتبارك اسمك. هذا مقام العائذ بك، الهارب إليك، يا وارث أيام الجبارين يا رحمن الدنيا والآخرة. اكفنا البلاء كله، عاجله وآجله. وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم). كان هذا دعاء عالمنا أبي محمد الذي خطه محمود المتعبد بقصر المنستير. كان خالد بن أبي عمران من العلماء الراسخين في العلم، والعبّاد المجتهدين. والذي اشتهرت إمامته بالمشرق والمغرب. اشتهر أبو محمد بإجابة الدعوة، وكان أكثر إقامته بتونس، وكانت وفاته بها سنة خمس، وقيل سبع وعشرين ومئة (127هـ/744م)، والله أعلم. وكان أهل إفريقية وجهوا به إلى يزيد بن عبد الملك، وهو الخليفة يومئذ، يخبره بقتل يزيد بن أبي مسلم عامله على إفريقية، فلما وصل إليه قربه وأدنى مجلسه واستشاره فيمن يوليه، فأشار عليه، فقبل قوله. وقال زفر بن خالد الصدفي: إن الصفرية(طائفة من الخوارج) لما خرجوا بإفريقية يوم (القرن) برز إليهم خالد بن أبي عمران. فبرز إليه ابن عم عبد الواحد الزناتي الصفري، وهو رئيسهم، فقتله خالد بن أبي عمران. وكانت له مقامات في الدين، شهد بها مغازي كثيرة وأبلى فيها بلاء كبيرا. فضل خالد بن أبي عمران ومناقبه قال حيوة بن شريح: بُعث إلى خالد بن أبي عمران ليتولى القضاء فانضم إليه رجل في طريقه، قال: فقال له: يا أبا خالد، بعث إليك هؤلاء القوم؟ قال: نعم، قال: أرادوك على ماذا؟ قال: أرادوني على القضاء. قال: أما علمت أن الله تبارك وتعالى إذا لم يكن له بالعبد حاجة نبذه إليهم؟ قال: ثم التفت فلم ير أحداً. وروى إدريس أن موسى بن نصير قال لأم ولده: اتخذي خالد بن أبي عمران ولداً. قال: فأرسلت إليه بوصائف ووصفاء، فرد هديتها. قال: فقال له الرسول: ومن يجترئ يرد على فلانة أم ولد الأمير هديتها؟ قال: فأغلق الباب في وجهه، فلما رأى ذلك الرسول رجع بالهدية إليها، فقالت للرسول: (ويحك! لعله استقلها؟ ثم أرسلت إلى ابن أبي عمران فجاء، فقالت له: لم رددت علينا هديتنا، لعلك استقللتها؟ ثم قالت له: إن سيدي أمرني أن أتخذك ولداً، لأنفعك، فقال لها: فمن أين هذا الذي بعثت به؟ فقالت له: أكلم سيدي في الرجل فيعقد له الولاية، فيرسل إلي بالرأس والرأسين. قال: فقال لها خالد: بخ! خالد بن أبي عمران يغزو فلا يدركه في سهمه إلا كذا وكذا - بشيء يسير سماه - وأنتم تأتيكم الدنيا هكذا ؟ ثم أفرغ عليها المواعظ، فوعظها. قال: فجاء موسى بن نصير فدخل عليها فلم تأخذ له أهبة. فقال لها موسى: لعل خالد بن أبي عمران دخل عليك؟ فقالت: نعم.. فقال: إن الحق ما قاله لك، فاقبليه. وكانت وفاته سنة (127هـ/744م). رحم الله قاضي إفريقية وأسكنه فسيح جناته وتقبل منه جهاده للمارقين، وعمله في سبيل الإسلام وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. |
رد: الإسلام في أفريقيا
الإسلام في أفريقيا -17- محمد فاروق الإمام قاضي القيروان أبو كريب جميل بن كريب المعافري عدّه أهل زمانه من أهل الفضل والعلم، وقالوا عنه إنه من أجلاء شيوخ إفريقية، وسكن تونس.أشخص إلى مدينة القيروان بأمر بعض ولاة إفريقية، وولاه على قضائها بعد امتناعه منه وكراهيته فيه، قيل إن هذا الوالي هو يزيد بن حاتم، وقيل إنه أخوه روح، وقيل عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع، وهو الصواب. كان أبو كريب حسن السيرة في قضائه، ولم يزل على ذلك حتى قتله الخوارج بوادي أبي كريب في ناحية الحبلي من ناحية القيروان سنة (139هـ/756م). وروي عن جميل بن كريب، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من شرب بزقة من خمرة فاجلدوه ثمانين)). فضل أبي كريب ومناقبه حدّث أحمد بن بهلول الزيات أن يزيد بن حاتم، وهو يومئذ أمير إفريقية، بعث إلى والي تونس يقول له: ابعث إليَّ بأبي كريب أوليه القضاء. قال: فتمارض أبو كريب، فكتب والي تونس إلى الأمير إن أبا كريب مريض، فكتب إليه يزيد: أن ابعث إلي به في قطيفة. فبعث والي تونس بأبي كريب، فلما قدم على يزيد كلمه فلم يرد عليه جواباً، ثم كلمه الأمير وأبو كريب ساكت فأنبه جُلاّس يزيد فقالوا: الأمير يكلمك وأنت صامت؟ فقام الأمير يزيد على قدميه وأمر جُلاّسه أن يتفرقوا عنه، وجعل يقول له: والله يا أبا كريب ما أردت إلا الله عز وجل، وأن أجعلك حسنةً بيني وبين الله عز وجل للمسلمين، وتكون لي عوناً على هذا الأمر، وتحكم بالحق عليَّ وعلى من حولي، فاتّق الله عز وجل فيما دعوتك إليه من القيام بالحق فيَّ وفي المسلمين. فقال له أبو كريب: ألله عز وجل أردت بذلك؟ فقال: نعم.. فكررها عليه ثلاثاً، فقال: نعم.. فقال أبو كريب: قد قبلت. وجلس أبو كريب في جامع القيروان يحكم بين الناس، فما مرت إلا أيام يسيرة حتى أتاه رجل فقال: أصلح الله القاضي، لي قِبل الأمير حق ومطلب وقفي عنه وقد وقفت له وسألته المجيء إليك فلم يقبل، فأعطاه القاضي طابعاً، ومضى الرجل إلى باب الأمير، فأعلم بذلك الأمير يزيد، وقيل: بل مضى معه أبو كريب بنفسه إلى باب الأمير يزيد، فقال للحاجب: أعلم الأمير بمكاني. إن هذا الرجل يذكر أن له حقاً قِبله، فأعلمه الحاجب، فلبس يزيد ثيابه وخرج إلى الجامع، فادعى الخصم على الأمير يزيد بدعوى، فقال أبو كريب ليزيد: (ما تقول فيما ادعاه بحضرتك؟) فأنكر يزيد دعواه، فطلب خصمه يمينه، فاستحلفه أبو كريب فأبى يزيد أن يحلف، فقال له أبو كريب: إني أحكم عليك بنكولك عن اليمين.. فأنصفه يزيد من دعواه، ثم انصرف يزيد وهو يقول: الحمد لله الذي لم أمت حتى جعلت بيني وبين الله عز وجل من يحكم بين عباده بالحق، فقال أبو كريب: وأنا أقول الحمد لله الذي لم أمت حتى رأيت أميراً يشكر الله عز وجل بالقضاء بالحق عليه. وكان أبو كريب متواضعا يركب الحمار (بشند) ورسنه حبل ليف. ويُحكى أنه مر يوماً بمدينة القيروان ببئر أم عياض فعرض له خصمان فنزل عن حماره وقعد إلى حائط ونظر بينهما فيما اختصما فيه. ثم قام ليركب فأراد أحدهما أن يمسك برسن الحمار حتى يركب فمنعه أبو كريب من ذلك وأمسكه هو لنفسه. وهذا من محاسبته لنفسه واجتهاده. وقيل: أقبل غوث بن سليمان القاضي، وهو يريد المسجد، فلما كان عند السراجين لقيته امرأة في محفتها، كما قدمت من الريف، فشكت مظلمة فنزل في حانوت من حوانيت السراجين، كما هو ولم يبلغ المسجد، وكتب لها بحاجتها، ثم ركب دابته إلى المسجد فانصرفت المرأة وهي تقول: أصابت والله أمك حين سمتك (غوثا)، فأنت والله غوث عند اسمك. كان أبو كريب - وهو قاض بالقيروان - إذا أراد أن يتوجه إلى الجامع ساق حماره بين يديه، وإذا انصرف من الجامع ركبه منصرفا، فربما لقيه في مسيره إلى الجامع بعض الناس وهو يخوض الطين إلى أنصاف ساقيه، فيقال له: لو ركبت الحمار ؟ فيقول: لا أفعل، هكذا حال من يسير إلى ربه عز وجل، يسير ذليلا متواضعا. وكثيراً ما كان أبو كريب يجلس في الجامع وحده، فيقال له: أتقعد وحدك ؟ فيقول: إن الناس قد ذهبوا إلى جنازة، فيقال له: لو أنك انصرفت إلى دارك ! فيقول: ومن لي بالملهوف المضطر إذا قصدني فلم يجدني ؟. قال أحمد بن بهلول الزيات: وكان - يقصد أبا كريب - ربما تبين له الحكم بالليل، فيأتي دار من ثبت الحق له، فيقرع عليه بابه فيستخرجه ويأمره بأن يحضر له صالحي جيرانه ليشهدهم له، فيقول له: (لو تركت هذا إلى الغد !) فيقول القاضي: (فلو مت أنا في ليلتي هذه، أما أكون أنا الذي أضعت عليك حقك؟). وفي أيام أبي كريب وهو قاض في القيروان نشب قتال بين إلياس بن حبيب وابن أخيه حبيب بن عبد الرحمن الذي ثار عليه لقتله أباه سنة (137هـ/754م)، وتمكن حبيب من قتل عمه سنة (138هـ/755م) في مبارزة ضارية بينهما، وحز رأسه وأمر برفعه على رمح، وأقبل به إلى القيروان فدخلها وبين يديه رأس عمه ورؤوس أصحابه. وانتهى أمر بني حبيب إلى فوضى محزنة، فقد هرب عم حبيب عبد الوارث بن حبيب حين خافه على نفسه فهرب مع بعض أنصاره إلى قبيلة ورفوجة الزناتية خوفا من ابن أخيه حبيب بن عبد الرحمن واستغاث برئيسها عاصم بن جميل وكان خارجياً صفرياً، فخرج عاصم بن جميل وقومه إلى القيروان وخرج للقائهم حبيب بن عبد الرحمن فانهزم وفر، وبقي أهل القيروان يقودهم قاضيها أبو كريب يدفعون الخوارج الصفرية عن بلدهم الذين كانوا يستحلون دماء المسلمين، وخاض أبو كريب معركة غير متكافئة إلى أن سقط شهيداً مع ما يزيد على ألف من علماء ومحدثي وفقهاء القيروان وشجعانها. رحم الله القاضي المجاهد أبا كريب وجزاه عن المسلمين كل خير، فقد كان خير قاضٍ وأنبل مجاهد. ودخل الصفرية القيروان فاستحلوا المحارم وارتكبوا الكبائر، ونزل عاصم بن جميل بمصلى روح بن حاتم. واستباحوا القيروان وقتلوا كثيرا من القرشيين وربطوا دوابهم في جامع القيروان إعلانا لاحتقارهم للسنة وأهلها. |
رد: الإسلام في أفريقيا
الإسلام في أفريقيا -18- محمد فاروق الإمام قاضي إفريقية أبو خالد عبد الرحمن بن زياد بن أنعم المعافري دخل أبو خالد يوما على الخليفة أبي جعفر المنصور، فقال له المنصور: يا ابن أنعم، ألا تحمد الله أراحك مما كنت فيه، ومما كنت ترى بباب هشام وذوي هشام؟ فقال له عبد الرحمن: ما أمر كنت أراه بباب هشام إلا وأنا أرى اليوم منه طرفاً، فكبا لها أبو جعفر. ثم قال له: فما منعك أن ترفع ذلك إلينا، وأنت تعلم أن قولك عندنا مقبول؟ فقال: إني رأيت السلطان سوقاً، وإنما يرفع إلى كل سوق ما يجوز فيها، فكبا لها أبو جعفر، ثم رفع رأسه فقال: كأنك كرهت صحبتنا ؟، فقال: ما يدرك المال والشرف إلا في صحبتك، ولكني تركت عجوزاً وإني أحب مطالعتها، فقال: اذهب فقد أذنا لك. هكذا كانت مواقف القاضي عبد الرحمن من السلطان يقول كلمة الحق ولا يخاف في الله لومة لائم. كان أبو خالد من جلة المحدّثين منسوبا إلى الزهد والورع، صلباً في دينه، متفنناً في علوم شتى. وكان أول مولودٍ ولد في الإسلام بعد فتح إفريقية. روى عن جماعة من التابعين، وكان مشهوراً وسيرته على كل لسان في زمانه. وكان مسكن ابن زياد بالقيروان بقرب باب نافع، ومولده بإفريقية، وتوفي بالقيروان في شهر رمضان سنة (161هـ/777م) ودفن بباب نافع. وأسر الروم ابن زياد، فرفع إلى الطاغية مع جماعة من المسلمين، قال: فبينا نحن في حبسه إذ غشيه عبد له، فأقبل علينا فيه من الحار والبارد ما يفوق المقدار، إذ خطرت امرأة نفيسة على الطاغية، فأخبرت بحسن صنيع الملك بالعرب، فخرقت ثيابها ونشرت شعرها وسودت وجهها، فقال لها: مالك؟ فقالت: العرب قتلوا ابني وزوجي وأخي وأنت تفعل بهم هذا الذي رأيت؟ فنخر وصلّب، وقال: عليَّ بهم، فصرنا بين يديه سماطين، وأمر سيافه بضرب عنق واحد واحد حتى قرب الأمر مني، فحركت شفتي، وقلت: الله، الله، الله، ربي لا أشرك به شيئا، ولا أتخذ من دونه ولياً، ثلاثا. وأبصر فعلي، فقال: قدموا شماس العرب - يريد عالمهم - فقال لي: لعلك قلت: الله، الله، الله، ربي لا أشرك به شيئا ؟ فقلت: نعم. فقال: ومن أين علمته؟ قلت له: نبينا، عليه الصلاة والسلام، أمرنا به فقال لي: وعيسى أمرنا به في الإنجيل. فأطلقني ومن معي. وقيل في رواية أخرى: فداه أبو جعفر المنصور.. فداه وولاه قضاء إفريقية. وحدّثوا أنه لما غلب البربر على القيروان وفد على الخليفة رجال، قال عبد الرحمن بن زياد: فكنت أنا فيهم، فلما صرت إليه قال: كيف رأيت ما وراء بابنا؟ فقلت: رأيت ظلماً فاشياً وأمراً قبيحاً. قال: فقال لي: لعله فيما بعد من بابنا؟ قال: فقلت له: كلما قربت من بابك استفحل الأمر وغلظ، فقال لي: أنت لا تهوى الدخول في شيء من أمرنا. فقلت له: عجوز خلفتها بالقيروان وأنا أحب الرجوع إليها. قال: فأذن لي. وروي عن قبيصة بن عقبة أنه سمع سفيان الثوري يقول: لما قدم بابن أنعم على المنصور قال: ما رأيت في طريقك ؟ قال: ما زلت في منكر وجور عظيم حتى قدمت عليك. فقال له أبو جعفر: ما نعمل؟ ما نصنع؟ لا يلي لنا مثلك. فقال له: أتدري ما قال عمر بن عبد العزيز؟ قال: الملك سوق، وإنما يجلب إلى السوق ما ينفق فيها، فإن كان براً أتوه ببرهم وإن كان فاجراً أتوه بفاجرهم. وعن ابن أنعم قال: من دخل على سلطان ظالم يتقيه فقال: اللهم إني أستعينك عليه وأدفع بك في نحره وأعوذ بك من شره، إلا صنع الله تعالى به ذلك. وقال عيسى بن مسكين: كان ابن أنعم بالعراق، فأرسل إليه أهله كتاباً من إفريقية، فلما فتح الكتاب تغير لونه واصفر، فما فرغ من قراءة الكتاب حتى رؤي السرور في وجهه واحمر ورجع إليه لونه. فقال له أصحابه الذين حوله: أصلحك الله، لقد رأينا منك عجباً: رأيناك لما فتحت الكتاب وقرأته تغير لونك، ثم لم تفرغ من قراءته حتى رجع إليك لونك. فقال لهم: (نعم، لما قرأت أول الكتاب قرأت سلام أهلي ومالي وولدي فتغير لذلك لوني واغتممت، إذ لم يذكرني الله عز وجل بمصيبة، ثم قرأت آخر الكتاب فذكروا: إنك ابتليت بكذا ومات لك كذا ومات لك كذا، ففرحت بذلك). ولما وليّ ابن أنعم القضاء وسار بالعدل ولم يقبل من أحد صلة ولا هدية، نزه نفسه عن ذلك فرفع الله قدره وأعلى مناره. وذكر أن امرأة من أهل القيروان كانت لها خاصة بحرمة يزيد بن حاتم أمير إفريقية، فدار بينها وبين رجل من أهل القيروان خصومة. واستدار الحكم لها على خصمها وكتب لها ابن أنعم قضية بحقها وختمه بخاتمه وأعطاه لها، فمضت به المرأة مسرورة إلى يزيد لعلمها بمسرته، فلما دفعت الكتاب إليه أخذه يزيد ففض خاتمه وقرأه ثم رده إليها. فبكت المرأة وخافت أن لا ينفعها الحكم إذ فض خاتم القاضي، فلما رأى يزيد مشقة ذلك عليها قال لها: لا تجزعي، أنا أوجهه إلى القاضي فيختمه كما كان، فبعثه إليه فأبى من ذلك وقال: لا أختمه حتى تعيد المرأة البينة، فرده عليه يزيد ثانية ليختمه، فأبى وقال: لا أفعل. فلما ولى رسول يزيد راجعا أخذ عبد الرحمن خاتمه فكسره، ودخل بيته وقال: أنا أسبقه إلى العزل. وليَّ القضاء مرتين: الأولى في أيام بني أمية، ولاه عليها مروان بن محمد - المعروف بالجعدي - وهو آخر من ملك من بني أمية، وكتب بذلك كتاباً يقول في بعضه: (..وقد ولاَّك أمير المؤمنين الحكومة والقضاء بين أهل إفريقية، وأسند إليك أمراً عظيماً وحملك خطباً جسيماً، فيه دماء المسلمين وأموالهم، وإقامة كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى اله عليه وسلم، والذب عن ضعيفهم من قويهم وإنصاف مظلومهم من ظالمهم، والأخذ من شريفهم بالحق لخاملهم. وقد رجاك أمير المؤمنين لذلك لفقهك وعدلك وخيرك وحسبك وعلمك وتجربتك. فعليك باتقاء الله عز وجل وحده لا شريك له، وإيثار الحق على ما سواه. وليكن جميع الناس: قويهم وضعيفهم، في الحق، عندك سواء). فأقام قاضياً إلى سنة (132هـ/749م)، وفيها زال ملك بني أمية، فعزل عن القضاء إذ كان من قبل مروان. وولي بعده أبو كريب، وكان فاضلاً ورعاً. قتلته الصفرية سنة (140هـ/757م)، حين تغلبوا على القيروان وملكوها. فلما رأى ذلك علماء إفريقية بعثوا إلى المشرق جماعة من شيوخهم إلى أبي جعفر المنصور، وكان رئيسهم ابن أنعم، مستغيثين به، فوجه معهم محمد بن الأشعث بجيش كبير، وأمره إذا وصل وملكها وأخرج البربر منها، أن يولي عبد الرحمن بن أنعم قضاء إفريقية. وفي هذه السفرة استغل ابن زياد وجوده في العراق فجلس للدرس والوعظ، فسمع منه سفيان الثوري وكبار أصحاب أبي حنيفة وابن أبي زائدة. وأجمع أهل القيروان على ولايته، لما علموا من دينه وفضله وزهده. فسار فيهم بسيرة أهل العدل، وأقام فيه الكتاب والسنة. ولم يزل على ذلك حتى جرى له مع يزيد بن حاتم ما جرى، فترك القضاء ورحل عنه إلى تونس. ولم يزل معظماً في صدور الناس رفيع القدر عندهم حتى توفي سنة (161هـ/777م). |
رد: الإسلام في أفريقيا
الإسلام في أفريقيا -19- الأستاذ محمد فاروق الإمام العــابد الــزاهد أبو يزيد رباح بن يزيد اللخمي كان رباح بن يزيد رجلاً صالحاً مستجاب الدعوة، مشتهراً بالفضل والزهد، بإجماع أهل عصره، كما يقول أبو العرب. وكان الناس يتبركون بدعائه ويتعظون برؤيته. وكان يُضرب به المثل في عبادته، رقيق القلب غزير الدمعة، كثير الإشفاق والخشية والتواضع والرحمة. وأسند عنه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: حدثني ابن سمعان عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي هريرة أنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أفضل ؟ فقال: ((مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله عز وجل)). قالوا: ثم من يا رسول الله ؟ قال: ((ثم مؤمن معتزل في شعب من الشعاب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويدع الناس من شره)). بعض فضل رباح بن يزيد ومناقبه حدّث أبو عبد الرحمن القصير قال: رأيت أربعة ما رأيت في الدنيا مثلهم: رأيت ابن عون بالبصرة فما رأيت مثله، ورأيت سفيان الثوري بالكوفة فما رأيت مثله، ورأيت رباح بن يزيد بإفريقية فما رأيت مثله، ورأيت الأوزاعي بالشام فما رأيت مثله. ذُكر عنه أنه قال: رُضت نفسي على المآثم حولاً فبعد حول ضبطتها، ورضت لساني على ترك ما لا يعنيني فبعد خمس عشر سنة ضبطه. وذُكر أن رجلاً من الأندلسيين أتى إلى رباح فقال له: يا أبا يزيد، إن سعيد بن لبيد أخذ مني جارية لي. فأخذ رباح عصا - وانطلق معه إلى دار سعيد بن لبيد، فوجد جماعة من الناس قد حفوا ببابه ينتظرونه، فألقى عصاه بينهم وجلس حتى خرج سعيد راكبا من داره. فلما رآه من كان على بابه من تلك الجماعة، نهضوا على أقدامهم، وثبت رباح جالسا، فقصد إليه سعيد، ورباح جالس في مكانه، فأقبل سعيد يقول لرباح في الذين قاموا له: يا أبا يزيد، هؤلاء كلهم أبناء دنيا. فقال له رباح: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أحب أن يتمثَّل له الرجال قياماً على أقدامهم، فليتبوأ مقعده من النار)). فقال له سعيد: يا أبا يزيد، هل من حاجة ؟ فقال له رباح: أردد على هذا الأندلسي جاريته. فصاح سعيد: جارية الأندلسي ! فأخرجت، فدفعها إلى مولاها. حكم رباح كان رحمه الله ينطق بالحكمة، فقد ذكر ابن الحداد، قال: (اخبرني بعض أهل العلم عن رباح بن يزيد أنه أرسل رسولاً، وكان في المسجد، فعثر الرسول على حصير، ثم عاد الرسول فسلك على ذلك الحصير، فعثر عليه ثانية، فغضب رباح وقال له: (رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)) وأنت تعثر على حصير مرتين ! ألا إذ عثرت عليه مرة أخذت حذرك فلا تعود إليه مرة أخرى ؟). وكتب إلى البهلول رسالة يقول فيها: السلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإني أوصيك ونفسي بتقوى الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور فالزم على نفسك كثرة ذكره واستعن بالله عز وجل على أداء فرائضه، واستغفره لما هو أعلم به، فإنه عز وجل يقول: (من يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً)، ثم أحدث احتراساً من الجليس، إلا من كان همه يعلو فرحه، وفكره ينفع جليسه، يستعمله إلفه. فمن لم يكن منهم كذلك، فأظهر له حسن الخلق، وتسلّك من إخائه في رفق. واستعن بكتاب الله عز وجل وكثرة ذكره وتلاوته، فإنه الشفاء والرحمة للمؤمنين. وقد نزل بنا ما ترى من سفك الدماء وذهاب الأموال، وقد علمت ما عانيت من كثرة العبر بتسليط إلهك عز وجل يوم سطا أبو حاتم الأعور، وإنما كان ذلك نقمة بالذنوب، فبلغ من الفساد ما الله أعلم به وأحصى له، من حصار وضيق أسعار وظهور المنكر. وقد قال إلهنا الكبير المتعال عز وجل: (ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون). فهل من رجوع ظاهر أو باطن ؟ فما ينتظر من كان في مثل ما نحن فيه إلا نزول النقم، إلا أن يعفو ربنا الحليم. ولقد علمت ما حل بمغمداس وغيرها فإنا لله وإنا إليه راجعون. ثم إنا لله وإنا إليه راجعون. وقد قال إلهنا الكبيرعز وجل: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً). وإني أرى لك أن تحدث حذراً واحتراساً واستكانةً وخضوعاً وتذللاً وخشوعاً، ترجو بذلك رضى إلهك والنجاة من نزول عقابه، وما ظهر من الفساد خوفا من سخط الجبار، ولا تكن من الغافلين، ولكن أكثر من مجالستك من أهمه أمر نفسه وصلاح دينه، فإن لم تجد أولئك فعليك بالخلوات واستعن بالله عز وجل، ولا تزال تذكرنا، فإني قد نشبت في موضع لا يخلص منه إلا الله عز وجل. والوحدة لا تضر من خاف الله تعالى بالغيب. والأنس لا ينفع من كان من دينه في شك وريب. قال الله عز وجل: (فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمةً من عندنا وعلمناه من لدنا علماً). فمن رجوت من أهل زمانك أن يكون بقاؤه رحمة لأهل مكانه فأسرع إليه وانتفع بلقائه، فإنه قد أدرك أمراً عظيماً. فعليك يا أخي بكثرة الحزن والتفكر والاعتبار بالذكر وملازمة الدار، ولا يعجبك كثرة الحديث، فإنه ليس نافع الأمور إلا حديثا حرَّك القلوب لما فيه نجاتها وعمارتها بما يرضي ربها عز وجل. وقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من أصبح أكبر همه غير الله عز وجل، فليس من الله في شيء، ومن لم يهمه أمر المسلمين فليس منهم)). وقد أصبح الناس يسفك بعضهم دماء بعض ويأخذ بعضهم مال بعض، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقال الله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، إلا أن تكون تجارةً عن تراضٍ منكم. ولا تقتلوا أنفسكم، إن الله كان بكم رحيماً. ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً، وكان ذلك على الله يسيرا). فكيف تطيب نفس مؤمن أو ترى سروراً، وهو يرى سخط ربه ظاهراً ؟ ما سكنت القلوب إلى الفساد إلا لما خالط الأبدان من العيوب. يا أخي، لا يغرنك رضى الناس عنك فإنهم لا يعلمون ما يعلم الله، فاستغث بالله أيام رجائك، وليعلم منك الشفقة منه والثقة به، ولا تزال تكتب إلينا وتذكرنا بنفسك، فإنه لن يخطر على بالنا أحد من إخواننا إلا وذلك خير له ولنا. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. قال محمد بن الأش: أخبرني أبي قال: اعتل رباح بن يزيد - وكان بدرب عابد بن الأسود - عند أخ من إخوانه، فلما بلغ يزيد بن حاتم أمير إفريقية علته واعد سعيد بن لبيد عامله على أنهما يمشيان إليه بعد المغرب رجالة. فلما كان بعد المغرب أتى سعيد بن لبيد قبل أن يأتي يزيد بن حاتم، فخرج إليه صاحب الدار - وكان عند رباح ذلك الوقت جماعة يعيدونه - فلما رآه دخل إلى رباح فقال: يا أبا يزيد، هذا سعيد بن لبيد قد أتى عائدا.. فقال له رباح: لا تأذن له ولا تدخله علي. فقال صاحب الدار في نفسه: رباح لا يبالي بسعيد ولا يخافه، وأنا أبالي بسعيد وأخافه، والدار داري ! فخرج إليه وقال: ادخل أصلحك الله! ثم سبقه إلى رباح، فقال: هو ذا قد دخل، فحوَّل وجهه نحو الحائط قبل دخوله، لئلا يخاطبه. فلما أن دخل سعيد قال له: كيف تجدك يا أبا يزيد ؟ كيف أنت ؟ ونحو ذلك من الكلام، فما رد عليه رباح حرفاً، ولا أجابه بشيء. فلما أن رأى ذلك سعيد قال: أحسب أن أبا يزيد نائم ! فقال له صاحب الدار: أحسب ذلك، أصلحك الله، فحوَّل رباح وجهه إلى صاحب الدار وقال له: ويحك ! تكذب وأنت تخاطبني الساعة وتقول إني نائم ؟ أما إني لو علمت أنك تكذب ما أويت لك إلى سقف ! قال: فخجل سعيد بن لبيد وخرج من عنده واجداً لما نزل به. فلما صار إلى رأس الدرب لقي يزيد بن حاتم الأمير وقد أتى يعود رباحاً، فقال له سعيد: انصرف، أصلح الله الأمير ! فقال له: ولم ؟ فأخبره بما نزل به، وقال له: إنما نزل بي هذا من رباح لكوني صحبتك، فتوقف يزيد ساعة مفكراً ثم قال له: (قد أتيت، فما كنت لأنصرف حتى أشهد عيادته، فقال له: وكيف تعمل ؟ قال: سوف ألطف له وأحتال. قال: فمضى يزيد حتى أتى الدار التي فيها رباح، فخرج إليه صاحب الدار فلما رآه دخل إلى رباح فقال: هذا الأمير يزيد بن حاتم قد أتى عائدا وقد أذنت له بالدخول، ولم أقدر على غير ذلك. فأعاد رباح وجهه إلى لحائط كما فعل مع سعيد، والقوم جلوس بحالهم عند رباح لم يبرحوا. فلما دخل يزيد سلم عليهم ثم قال لهم: كيف أمسى أبو يزيد العشية ؟ كيف رأيتموه ؟ من الله عليه بالعافية وصرف عنه المحظور، وكان أولئك العواد يجيبونه في كلامه كله في مسألته وفي دعائه. فخرج عنه الأمير يزيد بن حاتم. ومات رباح من تلك العلة، فبلغ يزيد بن حاتم وفاته، فأتى لحضور جنازته، فلما صلى الظهر أقبل الناس والأمير راكب ومعه أصحابه في خلق عظيم، فوقف ينتظر الناس ليخرجوا به، فازدحم الناس على نعشه من صلاة الظهر إلى صلاة العصر، فلما رأى ذلك يزيد قال: معاشر الناس، إن كنتم مزدحمين فازدحموا على عمله ولا تزدحموا على جسمه. وأمر الشرط بحمل النعش، فأخذه الشرط فحملوه وأزالوا الناس عنه، وحملوه إلى (باب سلم)، فصلي عليه ودفن رحمه الله. وذلك في سنة (172هـ/788م). |
رد: الإسلام في أفريقيا
الإسلام في أفريقيا -20- الأستاذ محمد فاروق الإمام فقيه القيروان أبو محمد عبد الله بن فروخ الفارسي فقيه القيروان في وقته لا ينازعه في زمانه أحد في علومه. كان فاضلاً صالحاً متواضعاً في نفسه، قليل الهيبة للملوك في حق يقوله، لا يخاف في الله لومة لائم، مبايناً لأهل البدع ومعادياً لهم، حافظاً للحديث والفقه. تجشم ابن فروخ عناء السفر والترحل وأخطار الطريق طلباً للعلم وسعياً للمعرفة، فقد رحل إلى المشرق فسمع من جماعة من العلماء، منهم زكريا بن أبي زائدة، ومالك، وسفيان الثوري، وغيرهم. وكان اعتماده على مالك، لكنه يميل إلى طريقة أهل النظر والاستدلال. وكان مالك يكرمه ويرى له فضلاً ويقول لأصحابه: وهذا فقيه أهل المغرب. ويقال: إن مولده كان بالأندلس سنة (115هـ/733م)، ثم سكن القيروان وأوطنها، ثم رحل إلى المشرق فلقي نخبة علمائه وكبار فقهائه فنفعه الله عز وجل بهم.نظر سحنون في رسالة مالك إلى ابن فروخ - وكان ابن فروخ قد كتب إلى مالك يخبره: إن بلدنا كثير البدع، وأنه ألف لهم كلاما في الرد عليهم - فكتب إليه مالك في الرسالة: إنك إن ظننت ذلك بنفسك خفت أن تزل أو تهلك. لا يرد عليهم إلا من كان ضابطاً عارفاً بما يقول لهم، ليس يقدرون أن يعرجوا عليه، فإن هذا لا بأس به. وأما غير هذا فإني أخاف أن يكلمهم فيخطئ فيمضوا على خطئه أو يظفروا منه بشيء فيتعلقوا به ويزدادوا تمادياً على ذلك. قال عبد الله المالكي: أشفق مالك، أن يكون ذلك سبباً لإظهار طريقة الجدل بإفريقية فيؤدي ذلك إلى أسباب يخاف من غوائلها ولا يؤمن شرها، فأراد حسم الباب. وبعد أن نهل ابن فروخ ما وفقه الله إليه من العلوم في المشرق رجع إلى إفريقية فأوطنها وأقام بها يعلم الناس العلم ويحدثهم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتفع به كثير، ثم رحل إلى المشرق لما ألحَّ عليه عبد الله بن عمر بن غانم قاضي إفريقية في المشاورة في بعض أقضيته وأحكامه، وأن يتقلد له ما يراه صواباً، فأشفق من ذلك ابن فروخ وخاف من التقليد، فأراد السلامة والهروب من الرئاسة فرحل إلى المشرق فوصل إلى مصر، ثم تمادى إلى مكة فحج، فرجع إلى مصر فتوفي بها ودفن بسفح المقطم سنة (176هـ/792م). وكانت لوفاته بمصر فجعة عظيمة في قلوب أهل العلم، وقالوا: طمعنا أن يكون خلفاً لنا من الليث وكانوا يعظمونه ويعتقدون إمامته، رحمه الله. قال سحنون: (اختلف ابن فروخ وابن غانم في مسألة، فقال ابن فروخ: لا ينبغي للقاضي إذا ولاه أمير غير عدل أن يلي، وقال ابن غانم: يجوز له أن يلي، وإن كان الأمير غير عادل. فكتب بها إلى مالك في المدينة، فلما أتى الرسول إلى مالك، فأصاب مالكاً على دكان كبيرة مرتفعة كثيرة الارتفاع، والناس يجتمعون عليه. فقعد حتى تفرق الناس عنه، فقام إلى مالك وأعطاه الكتاب، فقرأ مالك وقال للرجل: أوليَّ ابن غانم ؟ فقال الرجل: نعم، فقال مالك: إنا لله وإنا إليه راجعون ! فألاّ هرب، فألاّ فر حتى تقطع يده ! ثم قال: أصاب الفارسي - يعني ابن فروخ - وأخطأ الذي يزعم أنه عربي - يريد ابن غانم - رحمهم الله جميعا. وكانت هذه خير شهادة لابن فروخ من الإمام مالك وحيد عصره. فضائل ابن فروخ ومناقبه وأخباره قال سنان بن أبي سنان الأسدي الكوفي: سمعت أبي يقول: قدم عبد الله بن فروخ المدينة حاجاً، فلما نزل المدينة لبس ثيابه ثم توجه إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فسلم عليه، ثم أتى مالكاً بن أنس للسلام عليه، فلما رآه مالك تلقاه بالسلام وقام إليه، وكان لا يكاد يفعل ذلك بكثير من الناس. وكان لمالك موضع من مجلسه يقعد فيه وإلى جانبه المخزومي معروف له ذلك لا يستدعي مالك أحداً إلى القعود فيه، فأقعده فيه وساءله عن أموره وأحواله، وقال له: (متى كان قدومك يا أبا محمد؟) فأعلمه أن قدومه كان في الوقت الذي أتى إليه فيه، فقال له: (صدقت، لو كان قدومك تقدم إذا لعلمت بك، ولو علمت لأتيتك). وجعل مالك لا ترد عليه مسألة وعبد الله حاضر إلا قال: أجب يا أبا محمد فيجيب عبد الله، ثم يقول مالك للسائل: هو كما قال لك. ثم التفت مالك إلى أصحابه. ويروى أنه ناظر زفر في مجلس أبي حنيفة، فازدراه زفر للمغربية، فلم يزل ابن فروخ يناظره حتى علا على زفر، وقطعه بالحجة. فقال أبو حنيفة لزفر: ((لا خفف الله ما بك !)) معاتبة من أبي حنيفة لزفر، إذ ازدرى ابن فروخ. ويذكر أنه قال: كنت يوماً عند أبي حنيفة، فسقطت آجرة من أعلى داره على رأسي فدمي، فقال لي: اختر: إن شئت أرش الجرح، وإن شئت ثلاث مئة حديث، فقلت: الحديث خير لي، فحدثني ثلاث مئة حديث. وفي هذه السفرة لقي مالكاً بن أنس وسمع منه وتفقه، وعليه اعتمد في الحديث والفقه، وبصحبته اشتهر. وكان ربما مال إلى قول أهل العراق إذا تبين له أن الصواب في قولهم. قال سكن الصائغ: كنت أعمل السلاسل من نحاس وأطليها بماء الذهب الذي يجعل في اللجم، وأبعث بها تباع ببلد السودان. فوقع في قلبي منها شيء، فسألت البهلول بن راشد فقال: (ما عندي فيها علم، ولكن اذهب إلى ابن فروخ الفارسي وانظر الجواب وأخبرني، فذهبت إلى ابن فروخ فسألته فقال: أهؤلاء الذين تبعث إليهم هذه السلاسل معاهدون ؟ قلت: نعم، فقال: ما أرى هذا، وهذا غش. فرجعت إلى البهلول فأخبرته فقال: يا بني هو كما قال ابن فروخ. ثم قال: ابن فروخ الدرهم الجيد وأنا الدرهم الستوق. قال سكن الصائغ: فما عرفت أي شيء الدرهم الستوق، فسألت عنه فقيل لي الدرهم النحاس. ذكر أبو عثمان سعيد بن محمد أنه قال: حدثني من أثق به أن روح بن حاتم أرسل إلى عبد الله بن فروخ ليوليه القضاء فلما جاءه، قال له: بلغني أنك تريد الخروج علينا.. فقال ابن فروخ: نعم ! فتعاظم ذلك روح من قوله، فقال له ابن فروخ: أرى ذلك في ثلاث مئة وسبعة عشرة رجلا، عدة أصحاب بدر، كلهم أفضل مني. فقال له روح: قد أمّناك أن تخرج علينا أبداً. ثم عرض عليه القضاء فأبى من ذلك وامتنع، فأقعده في الجامع، وأمر الخصوم أن يكلموه وهو يبكي ويقول لهم: ارحموني يرحمكم الله !. ولما أبى من ذلك أمر به أن يربط ويصعد به على سقف الجامع فإن هو قبل وإلا طرح من أعلاه، فصُعد به إلى سطح الجامع. وقيل له: (تفعل ؟) قال: (لا !) وحُلَّ على أن يطرح. فلما رأى العزيمة جداً، وكان يظن أنه لن يطرح حقاً، فقال: (قد قبلته)، فأجلس للناس وجعل معه حرس، فتقدم إليه خصمان فلما صارا بين يديه نظر إليهما، فبكى وطال بكاؤه فأقام طويلاً باكياً، ثم رفع رأسه إليهما وقال: سألتكما بالله إلا أعفيتماني من أنفسكما ولا تكونا أول مشؤومين علي. فرحماه وقاما من بين يديه، فأعلم الحرس روحاً، فقال: امضيا إليه فقولا له: فأشر علينا من نولي أو أقبل. فقال: إن يكن أحد فعبد الله بن عمر بن غانم، فإني أراه شاباً له صيانة، فقبل ذلك منه روح، وولى عبد الله بن غانم القضاء. وكان ابن فروخ أشد الناس كراهة في القضاء. وكان يقول: قلت لأبي حنيفة: ما منعك أن تلي القضاء ؟ فقال لي: يا ابن فروخ، القضاء على ثلاثة أوجه، مثل رجل يحسن العوم فأخذ البحر طولاً، فما عسى أن يعوم يوشك أن يكل فيغرق، ورجل لا بأس بعومه فعام يسيراً فغرق، ورجل لا يحسن العوم فألقى بنفسه في البحر فغرق من ساعته، فهذا يمنعني من القضاء والدخول فيه. وأرسل يزيد بن حاتم إلى ابن فروخ يسأله عن دم البراغيث في الثوب، هل تجوز الصلاة به ؟ فقال: ما أرى به بأسا، وقال بحضرة الرسول: يسألوننا عن دم البراغيث ولا يسألوننا عن دماء المسلمين التي تسفك !. وكان ابن فروخ كثير التهجد، وكان تهجده في آخر الليل. قال أحمد بن زيد: كان ابن فروخ إذا أخذ الجند أعطياتهم أغلق حانوته تلك الأيام حتى يذهب ما في أيديهم، فإذا ذهب ما في أيديهم فتح حانوته. وكانت وفاة ابن فروخ - رحمه الله - سنة (176هـ/792م). |
رد: الإسلام في أفريقيا
الإسلام في أفريقيا -21- الأستاذ محمد فاروق الإمام علامة المغرب أبو الحسن علي بن زياد التونسي سطع نجم علي بن زياد بأفق تونس، فأفاض في خيره، وعبادته، وعلو كعبه في الفقه، حتى قال سحنون فيه: (ما أنجبت إفريقية مثل علي بن زياد). ذكره القاضي أبو الفضل عياض اليحصبي فقال: إن أصل علي بن زياد من العجم، ولد بطرابلس ثم انتقل إلى تونس فسكنها. وقال ابن شعبان وغيره: هو من عبس. قال أبو العرب: علي بن زياد من أهل تونس، ثقة مأمون خيّر متعبد بارع في الفقه ممن يخشى الله - عز وجل - مع علوه في الفقه، سمع من مالك وسفيان الثوري والليث بن سعد وابن لهيعة وغيرهم، وسمع بإفريقية قبل هذا من خالد بن أبي عمران، لم يكن بعصره بإفريقية مثله. سمع منه بهلول بن راشد وسحنون وشجرة وأسد بن الفرات وغيرهم. وروى عن مالك الموطأ وكتب سماعه من مالك الثلاثة. قال أبو سعيد بن يونس: هو أول من أدخل الموطأ وجامع سفيان المغرب، وفسر لهم قول مالك ولم يكونوا يعرفونه، وكان قد دخل الحجاز والعراق في طلب العلم، وهو معلم سحنون الفقيه. قال الشيرازي: به تفقه سحنون وله كتب على مذهبه، وتفقه بمالك، وله كتاب (خير من زنته). قال سحنون: كتاب خير من زنته أصله لابن أشرس إلا أنا سمعناه من ابن زياد، وكان يقرؤه على المعنى، وكان أعرف من ابن أشرس بالمعنى. وكان سحنون لا يقدم عليه أحداً من أهل إفريقية ويقول: ما بلغ البهلول بن راشد شسع نعل علي بن زياد. قال سحنون: وكان البهلول يأتي إلى علي بن زياد ويسمع منه ويفزع إليه. يعني في المعرفة والعلم، ويكاتبه إلى تونس يستفتيه في أمور الديانة، وكان أهل العلم في القيروان إذا اختلفوا في مسألة كتبوا بها إلى علي بن زياد ليعلمهم بالصواب، قال: وكان علي خير أهل إفريقية في الضبط للعلم. قال سحنون: ولو أن التونسيين يسألون لأجابوا بأكثر من جواب المصريين، يريد علي بن زياد وابن القاسم. وقال سحنون: ما أنجبت إفريقية مثل علي بن زياد، وكان يقول: ما فاقه المصريون إلا بكثرة سماعهم، وذلك أني اختبرت سره وعلانيته والمصريون إنما اختبرت علانيتهم. قال أسد: كان علي بن زياد من نُقَّاد أصحاب مالك، قال: إني لأدعو في أدبار صلاتي لمعلمي وأبدأ بعلي بن زياد لأنه أول من تعلمت منه العلم. قال البلخي: لم يكن في عصر علي بن زياد أفقه منه ولا أورع. ولم يكن سحنون يعدل به غيره من علماء إفريقية. قال ابن حارث: كان علي فقيها ثقةً مأموناً خيراً. مناقب ابن زياد وفضائله ذكر ابن اللَّباد عن سحنون قال: مات بعض قضاة إفريقية فقدم رسول الخليفة إلى إفريقية فجمع العلماء واستشارهم في قاض بإفريقية، فتوجه إلى تونس وبعث واليها في علي بن زياد، فتمارض علي، فأخبر بذلك الوالي رسول الخليفة فقال له الرسول: أمير بلد ورسول الخليفة موجهان إلى رجل من الرعية فيثَّاقل عن المجيء، فمضى إليه الوالي معه، فلما دخلا عليه وجداه قد حول وجهه إلى الحائط، فقال له الوالي: أبا الحسن، هذا رسول الخليفة يستشيرك في قاض يلي إفريقية، فحول وجهه إلى القبلة وقال: ورب هذه القبلة ما أعرف بها أحداً يستوجب القضاء، قوموا عني. وبعث فيه روح بن حاتم ليوليه القضاء فقدم عليه وقدم البهلول والصالحون إلى باب دار الإمارة إذ بلغهم قدومه، فخرج علي ممسيا يمسح العرق عن وجنتيه، فقالوا ما فعلت ؟ قال: عافى الله وهو محمود، فقال له البهلول: فما عزمت عليه ؟ قال: أن لا أبيت فيها، وتوجه إلى تونس على حماره وودعوه. مر علي بن زياد بأبي محرز، وعنده الطلبة، فقال له: يا أبا محرز، ما الذي أراد الله سبحانه وتعالى من عباده ؟ قال: الطاعة، فقال له: وما الذي أراده إبليس منهم ؟ فقال: المعصية)، فقال له: أي الإرادتين غلبت ؟ فقال له أبو محرز؛ أقلني أقالك الله تعالى، فقال له علي: والله لا أقيلك حتى تتوب عن بدعتك، ثم التفت علي بن زياد إلى الطلبة فقال: شاهت الوجوه ! أفمن هذا تسمعون. لقد كان علي بن زياد أول من أدخل إلى تونس - كما علمنا - موطأ مالك، حيث انتصب يدرس الفقه، ويفسر أقوال مالك بالتوجيه والتأصيل، فطار صيته في البلاد الإفريقية، وخرجت سمعته ما بين أسوار القيروان فملأتها، فكان البهلول - كما روت كتب التاريخ والتراجم - وهو صنو علي بن زياد وقرينه في طبقته، يأتيه من القيروان إلى تونس ويسمع منه ويفزع إليه في المعرفة والعلم ويكاتبه ويستفتيه في المسائل الشائكة، وأقبل الناشئون من طلبة العلم بالقيروان يشدون الرحال إلى تونس لنهل العلم على يد علي بن زياد، يسمعون الموطأ ويتفقهون على مذهب مالك بن أنس وطريقته. لقد كان ابن زياد - رحمه الله - أول من كتب مسائل الفقه والفتاوى التي تكلم بها مالك بن أنس - غير ما اشتمل عليه الموطأ مما يتصل بالآثار - فلم يكن واحد من أصحاب مالك حتى ابن القاسم دوَّن الفقه والمسائل كتابة، فأقبل علي بن زياد على تصنيف المسائل وتبويبها، وخرّجها كتباً كتباً على مواضيع الأحكام الفقهية في كتابه الشهير (خير من زنته). وكانت وفاة ابن زياد سنة (183هـ/799م). رحم الله علامة المغرب وفقيهها وأسكنه فسيح جناته وجزاه الله عن المسلمين خير الجزاء وجعله قدوة لعلماء كل عصر وزمان. |
رد: الإسلام في أفريقيا
الإسلام في أفريقيا -22- الأستاذ محمد فاروق الإمام زاهد إفريقية وعابدها أبو عمرو البهلول بن راشد الحجري الرعيني نظر مالك بن أنس إلى البهلول فقال: هذا عابد بلده، ونظر إلى عبد الله بن غانم فقال: هذا قاضي بلده، ونظر إلى عبد الله بن فروخ فقال: هذا فقيه بلده. فكانوا كما قال. فضلُ البهلول بن راشد أشهر من أن يذكر. سمع من مالك والليث وسفيان والحارث بن نبهان، ويونس بن يزيد، وسمع بإفريقية من ابن أنعم وموسى بن علي بن رباح. كان مولده ومولد عبد الله بن غانم وعبد الرحمن بن القاسم في سنة واحدة، سنة (128هـ/745م). وتوفي البهلول - رحمه الله - سنة (183هـ/799م)، بعد وفاة علي بن زياد بخمسة وثلاثين يوماً، ودفن بباب سلم، وقبره هناك مشهور. وألف ديواناً في الفقه. والغالب عليه مذهب مالك، وربما مال إلى قول الثوري. فضل البهلول ومناقبه قال سحنون: مثل العلم القليل في الرجل الصالح مثل العين العذبة في الأرض العذبة يزرع عليها صاحبها زرعاً فينتفع به، ومثل العلم الكثير في الرجل غير الصالح مثل العين الخرارة في الأرض السبخة تهدر الليل والنهار لا يُنتفع بها. وكان سحنون يقول على إثر هذا: هذا البهلول كان رجلاً صالحاً ولم يكن عنده من الفقه ما عند غيره. نفع الله تعالى به. وذكر رجلاً آخر صحب السلطان فقال: إنه بحر من البحور ما نفعه الله بعلمه. ويقول سحنون: إنما اقتديت في ترك السلام على أهل الأهواء والصلاة خلفهم بمعلمي البهلول. ويشهد أبو عثمان بن الحداد شهادة حق يقول: ما كان بهذا البلد أحد أقوم بالسنة من رجلين: بهلول في وقته وسحنون في وقته. قال بعض أصحاب البهلول: كنت يوماً جالساً عنده ومعه رجل عليه لباس حسن وهيئة، فقال له البهلول: أحب أن تذكر لي ما تحتج به القدرية. فسكت الرجل حتى تفرق الناس ثم قال له: يا أبا عمرو، إنك سألتني عما تحتج به القدرية، وهو كلام تصحبه الشياطين، لأنه سلاح من سلاحهم، فتزينه في قلوب العامة، وفي مجلسك من لا يفهم ما أتكلم به من ذلك، فلا آمن أن يحلو بقلبه منه شيء، فيقول: سمعت هذا الكلام في مجلس البهلول. فقال له: والله لأقبلن رأسك، أحييتني أحياك الله. أخبر سعدون بن أبان عن دحيون أنه قال: كنت بالمدينة فإذا برجل يسأل ويقول: أها هنا أحدٌ من إفريقية؟ فقلت له: أنا! فقال: من أهل القيروان؟ قلت: نعم، قال: أتعرف البهلول بن راشد؟ قلت: نعم، قال: فدفع إلي كتاباً وقال: أوصله إليه. فدفعت إليه الكتاب. ففضه فإذا فيه: من امرأة من أهل سمرقند خراسان. إني امرأة مجنت مجوناً لم تمجنه إلا هي، قالت: ثم إني تبت إلى الله عز وجل وسألت عن العبّاد في أقطار الأرض، فوصِفَ لي أربعة، بهلول بإفريقية رابع الثلاثة. فسألتك بالله يا بهلول إلا سألت الله عز وجل أن يديم لي ما فتح لي فيه. قال: فسقط الكتاب من يده وخر على وجهه، فما زال يبكي حتى لصق الكتاب بطين دموعه. ثم قال: يا بهلول، سمرقند خراسان ! الويل لك يا بهلول من الله إن لم يستر الله تعالى عليك يوم القيامة!. عن أبي عثمان قال: أتى هرثمة بن أعين، وهو والي إفريقية، إلى البهلول برجاله وألويته. وكان في مسجده مستنداً إلى عمود، فمال هرثمة عن السرج لينزل، فلما رآه لم يرفع رأسه إليه ولم ينهض إلى القيام، رجع إلى سرجه وقال لبعض أعوانه: ادفع هذا المزود الدراهم إليه، وقل له: يأمرك الأمير أن تفرقه، فقال له البهلول: قل له أنت أعرف بموضعه مني.. وأبى أن يقبله. تواضع البهلول حدّث أبو محمد عبد الله بن يوسف الجبّي قال: بلغني أن رجلاً قال لبهلول: يا بهلول، يا مرائي! فقال له بهلول: قد أخبرتها بذلك - يعني نفسه - فأبت علي ولم تقبل مني، فاجتمع عليها شهادتك وعلمي بها، فشهادة اثنين خير من شهادة واحد. قال أبو سنان: سمعت البهلول يقول: إذا كان يوم القيامة جمع الله تبارك وتعالى العلماء فضرب عليهم بسور من نور ثم يقول: إني لم أضع حكمتي فيكم وأنا أريد أن أعذبكم. تعافوا وادخلوا الجنة. قال أبو سنان، فقيل للبهلول: ما معنى تعافوا؟ فقال: قول بعضهم في بعض: فلان ليس يعرف شيئا). وقال: ما أعمال البر كلها عند الجهاد في سبيل الله تعالى إلا كبصقة في بحر، وما أعمال البر كلها والجهاد عند طلب العلم إلا كبصقة في بحر. روي عن البهلول أنه كان يقول: بينما رضوان واقف على باب الجنة إذ سمع فيها حركة، فقال: يا رب، خلقت هذه الدار وجعلت مفاتيحها بيدي وما ظننت أن أحداً يدخلها بغير علمي، فأوحى الله عز وجل إليه: يا رضوان، هؤلاء قوم عبدوني في الدنيا سراً فأدخلتهم الجنة سراً لئلا يروا أهوال يوم القيامة. دعــاء البهلول كان البهلول رحمه الله كثيراً ما يدعو بهذا الدعاء: (اللهم إني أسألك باسمك العظيم الأعظم وأسألك باسمك الكبير الأكبر. يا الله ، يا الله ، يا الله . أنت نور كل نور، بنور وجهك، وأنت نور السماوات والأرض، أسألك يا كريم، يا فتاح، يا فتاح، يا فتاح، يا قادر، يا قادر، يا قادر، وبنور وجهك يا قادر، وبنور وجهك يا قادر، وبنور وجهك يا قادر، وبنور وجهك يا قادر، يا حليم، وبنور وجهك يا حليم، وبنور وجهك يا حليم، أسألك أن توجب لنا رضوانك الأكبر، والدرجات العلى من الجنة، وتعفينا من النار، ومن سخطك، وتمنَّ علينا بحفظ كتابك حتى نتلوه على الوجه الذي يرضيك عنا). قال البهلول: (وإياك أن تدعو به في شيء من أمور الدنيا، اللهم إني قد بلغت). وكان رحمه الله يقول في دعائه: (اللهم رضني بقضائك وبارك لي في قدرك، حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت). محنة البهلول بن راشد كان البهلول رحمه الله، في زمان محمد بن مقاتل العكي أمير إفريقية، وكان يلاطف الطاغيةويبعث إليه بالألطاف ويكافئه الطاغية (يقصد ملك الفرنجة شارلمان)، فكتب الطاغية إلى العكي أن ابعث إلي بالنحاس والحديد والسلاح، فلما عزم العكي على ذلك وأن يبعث إليه بما طلب، لم يسع البهلول السكوت، فتكلم وعارض العكي، ووعظه، لتزول عنه الحجة من الله عز وجل، فلما ألحَّ عليه في ذلك بعث العكي إليه فضربه. وقيل: إنه لما قيّده ومُدت رجلاه للقيد قال البهلول: إن هذا الضرب من البلاء الذي لم أسأل الله عز وجل العافية منه قط. وقيل: إنه لما بعث وراءه ليضربه تحاشد إليه الناس والجماعات، فزاد العكي ذلك حنقا عليه، فأخرج إلى الناس أجناده ففرقهم، وأمر بتجريده وضربه، فرمى عليه بأنفسهم جماعة، فضربوا. ثم ضرب أسواطاً دون العشرين، وحبسه ثم أخرجه فبرأ الضرب من جسمه إلا أثر سوط واحد فنغل، فكان سبب موته. قال بهلول: أقمت ثلاثين سنة أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم. فلما كان يومي مع العكّي أنسيت أن أقولها، فابتليت به. ونظر العكّي إليه من حيث لا يشعر البهلول فجعل يقول: تبارك الله، كأنه والله سفيان الثوري. وحدّث أبو جعفر أحمد الكوفي الذي كان يسكن بالمنستير قال: كنا مع بعض الخلفاء في غزاة. وكنا معه من أهل الثغور اثنا عشر ألف فارس، وكان يقضي لنا كل يوم حاجتين نكتب بهما إليه في رقعة يوصلها الحاجب إليه. فلما بلغنا أن البهلول ضرب بإفريقية تخلخل العسكر، فأتينا بأسرنا إلى باب الخليفة، فقال لنا الحاجب: ما بالكم ؟ فقلنا: قد جعلنا حوائجنا كلها في نصرة البهلول. فقال لنا الحاجب: اتقوا الله في دم العكّي. ليس يبلغ الخليفة أن العكّي ضرب البهلول إلا قتله، وكيف يضرب البهلول بإفريقية، إلا أن يكون أهل إفريقية ارتدوا عن الإسلام ؟ ولكن اصبروا، فإن صح الخبر رفعت أمركم. فرجعنا من الغزو قبل أن يتبين لنا صحة الخبر. رحم الله البهلول، حيث ختم الله عز وجل أعماله بالشهادة بهذا الابتلاء الذي اختاره الله له ليوصله الله عز جل بذلك إلى أعلى الدرجات وأكرم المقامات. |
| الساعة الآن : 06:54 AM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour