الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (1) محمد فاروق الإمام الخوارج صفحة سوداء في تاريخ أمتنا العربية والإسلامية ليس من الغريب على أمة الإسلام، وهي ذات الحضارة والأمجاد، وذات التاريخ المليء بالصفحات المشرقات، أن تظلل بعض جوانبه الزاهية صفحات مخضبة بالدماء أو مجللة بالسواد، بفعل بعض الأيادي الخبيثة، التي كانت تمتد - بدهاء متقن - لتنفث سمومها إلى عقول بعض جهلة هذه الأمة من ذوي النفوس الضعيفة والرؤوس الخاوية. لتجعل منهم أداة لشق صف المسلمين، ومعولاً لهدم هذا الدين، خدمة لأغراضها الوضيعة، ولتنفّس عن أحقادها الدفينة. فقد عزَّ على هذه الطغمة الحاقدة أن تنتشر منارات التوحيد، وأن يعلو النداء الخالد.. الله أكبر.. الله أكبر.. فوق كل أرض وتحت كل سماء. وكان لهذه الفئة الباغية الضالة حضور في كل زمان ومكان حتى يومنا هذا، تتخفى تحت أسماء ابتدعوها ما أنزل الله بها من سلطان، تقف في وجه الحق وأهله متحدية كل نواميس الحياة، تقتل وتسفك الدماء وتشيع الضلالات والبدع والانحرافات وتعمل على إغواء الشباب وحرف معتقداته تحت شعار (قال الله وقال رسول الله)، رافضة مواجهة علماء الأمة أو الحوار معهم، فما يعتقدونه ويبشرون به هو الحق والدليل عندهم، فعلماء الأمة وعامة المسلمين ممن لم يبايعوا أميرهم وقد علموا بوجوده هم مرتدون عليهم أن يُستتابوا ويعترفوا بكفرهم حتى يُقبلوا في حظيرة الإسلام، معيدين سيرة من سبقهم من خوارج هذه الأمة. دَأَبَ كثيرٌ من عناصرِ وأمراءِ بعض التنظيمات المتطرفة العاملة اليوم في بلاد الشام على اتهام مقاتلي الجيش الحر بالضلال والعمالة للكفار، ومن اتهمهم فلا خير فيه؛ لأن النبي قال فيهم كما أخرج الترمذي وأحمد: "إِذَا فَسَدَ أَهْلُ الشَّامِ فَلَا خَيْرَ فِيكُمْ". ويَمُنُّ هؤلاء على أهل الشام بأنهم جاؤوا لنصرتهم، بينما الواقع يدل على أنهم جاؤوا لغزو أراضيهم باعتبارهم كفاراً، وسلب خيراتهم في حقول النفط، والمطاحن، والبلدات المحررة، ألا يصدق فيهم قول النبي في البخاري ومسلم: "وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ". مع أن المنّة لله ثم للجيش الحر على كل القادمين لنصرتنا؛ حيث عبَّدوا لهم بدمائهم الطريقَ إلى الشّام، ليتشّرفوا بمسّ ترابها والجهاد على ثراها. فالخوارجُ لا يختصُّون بزمانٍ أو أشخاصٍ، وإنما هم فرقةٌ ضالّةٌ لها صفاتٌ، وكلُّ من اتَّصف بها أو ببعضها فهو منهم، ولذلك يظهَرون في الأمَّة كلَّ حينٍ إلى أن يظهر آخرُهم مع الدّجّال: ففي سنن ابن ماجه قول النبي: "يَنْشَأُ نَشْءٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، كُلَّمَا خَرَجَ قَرْنٌ قُطِعَ، أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ مَرَّةً، حَتَّى يَخْرُجَ فِي عِرَاضِهِمُ الدَّجَّالُ". أي في جيوشهم. للخوارج صفات ذكرتها الأحاديث الشريفة، وينطبق كثير منها على أمراء وعناصر بعض التنظيمات المتطرفة التي حلت على أرضنا، وهي ليست تصرفات فردية كما يدَّعون؛ فإنّ تكرارها، وعظمها يدل على أنها سياسة لهذه التنظيمات، يتم تنفيذها بعلم أمرائها الكبار، وصفاتهم هي: -يخرجون في آخر الزمان، وأكثر خروجهم من جهة الشرق (العراق)، كما هو حال (أبو بكر البغدادي، الذي أعلن الخلافة الإسلامية ونصب نفسه خليفة للمسلمين)، قال رسول الله كما في البخاري ومسلم: "سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، أَحْدَاثُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلاَمِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ، لاَ يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ". وفي مسند أحمد وصحيح ابن حبان قال رسول الله: "يَخْرُجُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإسلام، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ". وتنظيم دولة العراق والشام هو فبركة مشتركة بين المخابرات الأمريكية والبريطانية والصهيونية والإيرانية أوجدته خدمة لإسرائيل فقد كشف مؤخراً "إدوارد سنودن" الموظف السابق في وكالة الأمن القومي الأمريكية أن الأخيرة، وبالتعاون مع نظيرتيها البريطانية mi6"" ومعهد الاستخبارات والمهمات الخاصة "الموساد" مهدت لظهور "داعش". ونشر موقع "ذي إنترسيبت" تسريبات عن سنودن تؤكد تعاون أجهزة مخابرات ثلاث دول هي الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل لخلق تنظيم إرهابي قادر على استقطاب المتطرفين من جميع أنحاء العالم في مكان واحد في عملية يرمز لها بـ"عش الدبابير". وأظهرت وثائق مسربة من وكالة الأمن القومي أن الأخيرة قامت بتنفيذ خطة بريطانية قديمة تعرف بـ"عش الدبابير" لحماية إسرائيل تقضي بإنشاء دين شعاراته إسلامية يتكون من مجموعة من الأحكام المتطرفة التي ترفض أي فكر آخر أو منافس له وفقا لما أورد موقع "المواطن". وبحسب وثائق سنودن، فإن الحل الوحيد لحماية "الدولة العبرية" يكمن في خلق عدو قريب من حدودها، لكن سلاحه موجه نحو الدول الإسلامية الرافضة لوجوده. وكشفت تسريبات "ذي إنترسيبت" أن "أبا بكر البغدادي" خضع لدورة مكثفة استمرت لمدة عام كامل خضع فيها لتدريب عسكري على أيدي عناصر في الموساد بالإضافة إلى تلقيه دورات في فن الخطابة ودروساً في علم اللاهوت، ولعل ما يحدث على الأرض السورية يؤكد ما قاله "سنودن" -أكثرُ عناصرهم وأمرائهم صِغارُ السّنِّ، ويحرصون على أن يضموا إليهم الصغار لغسل أدمغتهم وحشوها بالأفكار التي يريدون؛ لأنَّ منهجَهم التكفيريَّ لا يقتنعُ به راشدٌ، وهم أيضاً سفهاء الأحلام؛ أي حمقى لا يحسبون عواقب تصرفاتهم، ولذلك يستعْبِدُهم أمراؤُهم الكِبارُ تحت شعار (السّمع والطّاعة للأمير): ففي البخاري ومسلم: قال رسول الله: "سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، أَحْدَاثُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلاَمِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ، لاَ يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ". -المكابرةُ، واحتقارُ الخلق، وردُّ الحقّ المخالف لهواهم، فإذا وافق هواهم قبلوه، وإن خالفه رفضوه وأوّلوه: يظهر هذا من نقاشِهِم لعليِّ بن أبي طالب، حين حاجَّهم في قولهم: (لا حكم إلا لله)، فلم يقتنعوا وقاتلهم حتى قتلوا عن آخرهم، وقال كما في صحيح مسلم: "كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفَ نَاسًا، إِنِّي لَأَعْرِفُ صِفَتَهُمْ فِي هَؤُلَاءِ: "يَقُولُونَ الْحَقَّ بِأَلْسِنَتِهِمْ لَا يَجُوزُ هَذَا مِنْهُمْ - وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ - مِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللهِ إِلَيْهِ". -الخوارجُ في عهد علي بن أبي طالب يكفِّرون مرتكبي الكبائر، وأما أمراء هذه التنظيمات فلا يتبنَّوْن هذا المذهبَ نظريّاً وأما عمليّاً فإنهم يكفرون المسلم دون وَرَعٍ أو تثبُّت، ولو لمجرّد مخالفته لهم، ويعتقد كثيرٌ منهم أنّ الأصل في أهل الشام الردة، فأين هم من قول رسول الله في صحيح البخاري: "أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ". وإذا قيل عن هذه التنظيمات: ليسوا خوارج؛ لأنهم لا يكفِّرون مرتكبي الكبائر، فنقول: لم يرد في الأحاديث عن الخوارج الذين سيخرجون في آخر الزمان أنهم يكفرونهم، بل وصفتهم بأوصاف أخرى وكلها فيهم، علماً أنَّهم عملياً يكفرون المؤمنين بالتشهي ودون تثبت، وهذا أشنع وأقبح. -يعاملون المسلمين بمعاملة الكافرين وإن حاولوا –نظريّاً- أن يظهروا بخلاف ذلك لكسب الحاضنة الشّعبيّة حتى يتمكّنُوا، ففي البخاري قال ابن عمر: "إِنَّهُمُ انْطَلَقُوا إِلَى آيَاتٍ نَزَلَتْ فِي الكُفَّارِ، فَجَعَلُوهَا عَلَى المُؤْمِنِينَ". ومن ذلك الغِلظةُ في معاملة المؤمنين بدل الرحمة والدّعوة، قال تعالى: (أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (الفتح: 29). وقال: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) (المائدة:54). ومنها شهر السلاح على المسلمين لأدنى الأسباب وأتفه الأمور؛ وفي مسند البزار قال رَسُول اللَّهِ: "إِذَا شَهَرَ الْمُسْلِمُ عَلَى أَخِيهِ سِلَاحًا فَلَا تَزَالُ مَلَائِكَةُ اللَّهِ تَلْعَنُهُ حَتَّى يُشِيمَهُ عَنْهُ". ومنها ظنُّ السُّوء بالمسلمين والمجاهدين الذين سبقوهم في الجهاد في الشام: كالعمالة والخيانة والرّدّة، ففي شعب الإيمان للبيهقي قال النّبيّ مخاطباً الكعبة: "ما أعظمَكِ، وأعظمَ حرمَتَكِ! وللمؤمنُ أعظمُ حرمةً عند اللهِ منكِ، إن اللهَ حرّم منكِ واحدةَّ، وحرّمَ مِنَ المؤمنِ ثلاثاً: دمَه، ومالَه، وأن يُظَنَّ به ظنُّ السُّوءِ". -ومن صفتهم عن النبي كما في البخاري ومسلم: "يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ". فهم يحاربون مجاهدي الجيش الحر الذين فتحوا للمهاجرين باب الجهاد في الشام، فيطعنونهم في ظهرهم بمهاجمة المناطق المحررة، ولا يقاتلون النظام في جبهات حلب؛ ففي البخاري ومسلم قال رَسُولُ اللهِ: "سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ". ولهم في ذلك ذرائع جاهزة ومعلّبة فيقولون: الجيش الحر مرتدُّون، أو سوف يرتدون، في قتلهم جَلْبُ مصلحةٍ حسب أهوائهم!!. -يكثرون من العبادات: كالصلاة والصيام وقراءة القرآن، ولا ينتفعون بشيءٍ منها؛ لأنهم يحبطونها بتكفير المسلمين والاستهانة بدمائهم، ففي مسلم ومسند أحمد قال النبي فيهم: "يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَيْسَ قِرَاءَتُكُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صَلَاتُكُمْ إِلَى صَلَاتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صِيَامُكُمْ إِلَى صِيَامِهِمْ بِشَيْءٍ ... لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ تَرَاقِيَهُمْ". وعند ابن ماجه: "سَيَكُونُ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ". وفي البخاري ومسلم: "لاَ يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ». وربما قرءوا القرآن يستدلّون به على مخالفهم ويكون كلامهم في الحقيقة حجّةً عليهم: ففي مسلم ومسند أحمد: «يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَحْسِبُونَ أَنَّهُ لَهُمْ وَهُوَ عَلَيْهِمْ". -شعارُهم الدّعوة إلى كتاب الله، ولكنهم يردّدونه بألسنتهم فقط، ولا يلتزمون به في معاملاتهم وأخلاقهم، كما نجده في كثير من أمرائهم وخاصة الأعراب منهم، ففي مسند أحمد قال النبي عنهم: "قَوْمٌ يُحْسِنُونَ الْقِيلَ، وَيُسِيئُونَ الْفِعْلَ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ ... يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللهِ، وَلَيْسُوا مِنْهُ فِي شَيْءٍ". وقال: "يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ، لاَ يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ". فيدْعُون إلى خيرٍ يحبُّه النّاس، وفي التّطبيق العمليّ يؤَوِّلون الغدر والخيانة والكذب والفتنة وغيرها من صفات المنافقين بأنّها من السّياسة الشّرعيّة، وهي ضروريّةٌ لإقامة دولة الإسلام الخاصّة بهم، مع أنّ الخوارج في عهد علي بن أبي طالب كانوا يعُدُّون الكذبَ كفراً، لكن هؤلاء أضافوا وصف النّفاق إلى وصف الخوارج. -لكثرة عباداتهم الظاهريّة، ودعوتهم إلى كتاب الله وسنة نبيه، يغترّ بهم كثيرٌ من النّاس، وأكثر المنخدعين صغار السن، وطيّبو القلوب الذين يحبون الدين وأهله، ففي مسند أحمد قال رسول الله: "إِنَّ فِيكُمْ قَوْمًا يَتَعَبَّدُونَ فَيَدْأَبُونَ حَتَّى يُعْجَبَ بِهِمُ النَّاسُ، وَتُعْجِبَهُمْ أَنْفُسُهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ". -الوقاحةُ، والفظاظة، وقلّةُ الأدب مع الناس، وأكثر ما يلاحظ في هؤلاء، وهذا كله مخالف لهدي النبي، ففي البخاري ومسلم: أعطى النبي بعض المشركين من الغنائم، وعلّلَه بقوله: "إِنِّي إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِأَتَأَلَّفَهُمْ"، فَجَاءَ رَجُلٌ اسمه ذو الخُوَيْصِرة فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ يَا مُحَمَّدُ، اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: "وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ بَعْدِي إِذَا لَمْ أَعْدِلْ، فَمَنْ يُطِعِ اللهَ إِنْ عَصَيْتُهُ، أَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَلَا تَأْمَنُونِي"، ثم قال رَسُولُ اللهِ فيه: "إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ ...". وفي السنة لابن أبي عاصم: "إِنَّ فِي أُمَّتِي أَخًا لِهَذَا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، كُلَّمَا خَرَجُوا فَاقْتُلُوهُمْ". -الغُلُوُّ في الدّين والتّشدُّد فيه في غير موضع التّشديد، ففي مسند أحمد قال النبي في ذي الخُوَيْصِرَة: "فَإِنَّهُ سَيَكُونُ لَهُ شِيعَةٌ يَتَعَمَّقُونَ فِي الدِّينِ حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهُ، كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ". مع أن النبي قال في مسند أحمد: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ". ومن ذلك: أنهم يرمون المسلم بالكفر؛ لأنّه يتناول السيجارة مع إقرارنا بحرمتها، وإذا رأَوْا رايةً غيرَ رايتِهم كعلمِ الثورة السُّورية اتّهموا حامله بالشّرك والكفر وأنه طاغوت، وغير ذلك. -الغدر، والخيانة، ونقض العهود، وتضييع الأمانات، بحججٍ واهيةٍ؛ كقولهم: هؤلاء كفار، أو هذا من السياسة الشرعية، ولذلك يحرمون الجيش الحر من الغنائم بعد ائتمانهم عليها، وقد يعطون أحداً يقاتلونه الأمان ثمّ ينكُثُون به، قال جل جلاله في أمثالهم: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) (البقرة: 27)، ففي تفسير الطبري وابن المنذر: كان سعد ابن أبي وقاص يقسم أنهم الحرورية (أي الخوارج). مع أن هذه من صفات المنافقين: ففي البخاري ومسلم قال النبي: "آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ". وفي رواية عندهما: "وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ...وَإِذَا خَاصَمَ فَجَر". رغم تطابق كل ذلك مع فكر (الدولة الإسلامية-داعش) إلا أننا لا نكفرهم ونترك أمرهم إلى الله، وقد سئل علي - كرم الله وجهه - أكفار هم ؟ قال : من الكفر هربوا . |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (2) محمد فاروق الإمام حكم الخوارج وكيفية معاملتهم أولاً- الخوارج -ومنهم أمراء هذه التنظيمات الضالة- ليسوا من أهل السّنّة والجماعة وإن ادَّعَوُا الانتساب إليها، وهم مرتدُّون بظاهر نصّ النبي، بل يخرجون من الدّين بسرعةٍ دون أن يظهر عليهم شيءٌ من الإسلام، وهو المعبَّرُ عنه بالمروق من الدّين كما يمرُقُ السّهم من الرَّمِيَّة، ففي البخاري ومسلم قول النبي: "يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ -وَلَمْ يَقُلْ: مِنْهَا- قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ ... يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ". وقال في سنن ابن ماجه: "يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ". وقال في مسند أحمد: "كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ، قَدْ كَانَ هَؤُلَاءِ مُسْلِمِينَ فَصَارُوا كُفَّارًا". وقد وصفهم النبي في مسند أحمد بقوله: "هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ". وقوله في سنن ابن ماجه: "كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ". ثانياً-أما التّعامل مع عناصر هذه التنظيمات فيختلف؛ لأنّهم ثلاثةُ أصنافٍ: الصنف الأول: المغترُّون بأمراء هذه التنظيمات سواء كانوا من المهاجرين أو الأنصار، وأكثرهم صغار السن، أو طيبو القلب، غرّهم ظاهرُ عباداتهم، ودعوتهم إلى الكتاب والسنة، والأمراء الخبيثون يستثمرون دماءهم وجهادهم بذريعة (السمع والطاعة). الصنف الثاني: المهاجرون الذين تفرغوا للجهاد في بلاد الشام، وتلمَس منهم الإخلاص وحسن الخلق، وخاصة الإخوة القوقازيون، وأكثر المصريين الذين تجد فيهم سيرة المهاجرين الأوائل، ككثير من المهاجرين الذين لا ينتمون إلى هذه التنظيمات. والتعامل مع هذين القسمين هو بمنطق الإخوة بين المسلمين من المهاجرين والأنصار؛ ولكن نبين لهم صفات الصنف الثالث من هؤلاء الخوارج، وأنهم يستخدمونهم أداةً للوصول إلى غاياتهم الخبيثة، وقد تنبّه لضلالهم بعض المهاجرين فأعلنوا انشقاقهم عنهم، وعلى المغترّين بهم أن يتنبّهوا لحقيقتهم، وأنهم يُكَثِّرون سوادَهم، ويوالونهم، فينالهم قول الله تعالى: (...وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ...) (المائدة:51). الصنف الثالث: أصحاب القرار في هذه التنظيمات الذين تفرغوا للإمارة، ووجدوا في خيرات بلاد الشام مورِداً ثرّاً للرّزق، فمكثوا في المقرّات، ونَسُوا نُصْرة أهل الشّام، واستخدموا أتباعهم عبيداً للجهاد من أجل جمع الدنيا، وأنشأوا دولةً وهميّةً لذلك، ويتاجرون بدماء الصِّنفيْن الأوّل والثّاني للوصول إلى غاياتهم، وأكثرهم من العراقيين منبع الخوارج الذين يتقنون فن (الشقاق والنفاق والفتنة)؛ ثم بعض الليبيين والجزائريين والتونسيين الأجلاف غلاظ القلوب، وهؤلاء تنطبق عليهم أكثر صفات الخوارج، وهم المعنيون في الخطاب هنا. والواجب تجاههم: أولاً- تحذيرُهم من خطورة منهجهم، ودعوتُهم إلى الأخوة بين المهاجرين والأنصار؛ وإلى الاستجابة لنداء الله: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (آل عمران:103)، وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) (الصف: 4)، ودعوتهم إلى توحيد جهود الجيش الحر مع جهودهم لتحرير بلاد الشام من هذا النظام الذي سام الناس سوء العذاب وأفسد البلاد والعباد، والاستجابة لصيحات المستضعفين من أهل حمص والغوطة (مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) (النساء: 75)، فلو قاتل الرتل الذي أرسلوه إلى الباب وأعزاز جنود النظام وشبيحته لحررت حلب كاملة منذ زمن طويل. ثانياً- إن لم يقتنعوا بالدعوة، ولم يستجيبوا لأمر الله في التآخي والوحدة والتفرغ لجهاد النظام الكافر، واستمروا بمحاربة الجيش الحر في المناطق المحررة، فليغادروا بلادنا، ويحكموا شرع الله في بلادهم العراق وتونس وليبيا والجزيرة العربية ما داموا رجالاً مجاهدين؛ فإن سوريا وأهلها يكفيهم ما تجرعوه من المآسي والآلام! وإلا فيجب مقاومتهم بشتى الطُّرق التي قاومنا بها نظام بشار المجرم وأبيه من قبله: من المظاهرات، إلى العصيان المدني، إلى القتال المسلح، ولا نحارب بقتالهم الإسلام بل هذه الفرقة الضالة التي تُكَرِّهُ الناس في الإسلام، وقد مللنا من معادلة (سوريا الأسد)، فلن نقع في فخ (دولة الشام الإسلامية)، والسبب في مقاومتهم أمران: 1-هم باغون معتدون على البلاد المحررة يجب دفعهم عنها ولو بالقتال، ومن قتل في دفعهم فهو شهيدٌ إن شاء الله. 2-منهجهم منهج الخوارج فيجب قتالهم وقتلهم أينما وجدوا –بنص النبي صلى الله عليه وسلم- فمن قتلهم كان له أجرٌ عظيمٌ، ومن قتلوه فهو خير الشهداء، وأسوته في ذلك علي بن أبي طالب الذي قاتلهم فقتلهم، ثم قتلوه اغتيالاً بيدِ أحدهم (عبد الرحمن بن ملجم)؛ فاغتيال أهل الحق على أيديهم سنةٌ يرثونها عن بعضهم، ففي البخاري ومسلم قال رسول الله: "فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ". وفي مسند أحمد قال النبي فيهم: "طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ وَقَتَلُوهُ ... مَنْ قَاتَلَهُمْ كَانَ أَوْلَى بِاللهِ مِنْهُمْ". وقال في مسند أحمد وسنن ابن ماجه: "شَرُّ قَتْلَى قُتِلُوا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ، وَخَيْرُ قَتِيلٍ مَنْ قَتَلُوا، كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ، قَدْ كَانَ هَؤُلَاءِ مُسْلِمِينَ فَصَارُوا كُفَّارًا". وفي مسند البزار: "يَقْتُلُهُمْ خِيَارُ أُمَّتِي، وَهُمْ شِرَارُ أُمَّتِي". وفي كتاب السنة لابن أبي عاصم: "كُلَّمَا خَرَجُوا فَاقْتُلُوهُمْ، كُلَّمَا خَرَجُوا فَاقْتُلُوهُمْ، كُلَّمَا خَرَجُوا فَاقْتُلُوهُمْ". وفي البخاري ومسلم قال النبي: "لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ"؛ أي استأصلهم فلا أبقي منهم أحداً، وقد فعل ذلك بهم علي بن أبي طالب. ويستمر قتالهم حتى يرتدعوا عن أفعالهم الشنيعة: من تكفير الجيش الحر، والتحكم بمقدرات البلاد. ووصْفُ الصنف الثالث بالخوارج من باب حسن الظن، وإن دقّقْنا النَّظَر نقول: لا نستبعد أن يكون بعض أصحاب القرار من هؤلاء عملاءَ لإيران وحزب اللات ونوري المالكي والنظام السوري، يتسترون بالتقية ويخدمون أسيادهم، وخاصة أن أصحاب القرار في هذه التنظيمات عراقيون، وإلا فما تفسير جهادهم ضد الجيش الحر في الدّانا وجرابلس ومنبج والباب وأعزاز وعندان وحريتان ودير الزور وحيان وترك جبهات القتال؟! وهل قتال أهل الإسلام هو الواجب أم قتال هذا النظام المجرم؟ وهل جاؤوا لقتالنا أم لقتاله؟! وهل يجب أن نسمح لهم بالاعتداء على نسائنا -كما حصل في الباب- وعلى أولادنا –كما حصل في الدانا- كي نتجنب غزوهم للبلاد؟! فأين دعوتهم إلى إقامة شرع الله؟! أليس هو مجرد ستار وفخ ليقع شبابنا في شراك اعتقادهم المنحرف وحرف هذا الشباب عن طريق الثورة وإدارة الظهر للعدو الباغي الذي يقتل أطفالنا ونساءنا ورجالنا ويدمر مدننا وبلداتنا وقرانا وهو هدف الثوار الأول؟! |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (3) محمد فاروق الإمام الخوارج يشغلون الدولة الإسلامية عن الفتوح لقد كان أول من تصدى لهذه الفئة الباغية الضالة - الخوارج - أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بشجاعته النادرة وإيمانه القوي، وعزيمته التي لا تلين. وقف متحديا بحقه باطلهم، وقف في وجه هذه الطغمة الجاهلة، التي تريد هدم هذا الدين (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون). وقف يحاججهم، قبل أن يسل السيف في وجوههم، وينفذ فيهم القصاص العادل، وحكم الله فيهم، وقد سفكوا الدماء، وقتلوا الأبرياء، وبقروا بطون النساء، وذبحوا الأطفال.. وقف ليحاججهم حتى لا يترك لهذه الطغمة الشريرة حجة لشق صف المسلمين، والعبث بهذا الدين الحنيف الذي (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه). وقف فقال: ماذا نقمتم مني ؟ فقالوا له: أول ما نقمنا منك أنّا قاتلنا بين يديك يوم الجمل، فلما انهزم أصحاب الجمل أبحت لنا ما وجدنا في عسكرهم من المال، ومنعتنا من سبي نسائهم وذراريهم، فكيف استحللت مالهم دون النساء والذرية ؟ فقال: إنما أبحت لكم أموالهم بدلاً عما كانوا أغاروا عليه من بيت مال البصرة قبل قدومي عليهم، والنساء والذرية لم يقاتلونا، وكان لهم حكم الإسلام بحكم دار الإسلام، ولم يكن منهم ردة عن الإسلام، ولا يجوز استرقاق من لم يكفر، وبعد لو أبحت لكم النساء أيكم يأخذ عائشة في سهمه ؟ فخجل القوم من هذا. ثم قالوا له: نقمنا عليك محو إمرة أمير المؤمنين على اسمك في الكتاب بينك وبين معاوية لما نازعك معاوية في ذلك، فقال: فعلت مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، حين قال له سهيل بن عمرو: لو علمت أنك رسول الله لما نازعتك ولكن اكتب باسمك واسم أبيك، فكتب: "هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو". وأخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن لي منهم يوماً مثل ذلك، فكانت قصتي في هذا مع الأبناء قصة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الآباء، فقالوا له: فلم قلت للحكمين: إن كنت أهلا للخلافة فاثبتاني، فإن كنت في شك من خلافتك فغيرك بالشك فيك أولى. فقال: إنما أردت بذلك النصفة لمعاوية، ولو قلت للحكمين أحكما لي بالخلافة لم يرض بذلك معاوية، وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم نصارى (نجران) إلى المباهلة وقال لهم: (تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم، ونساءنا ونساءكم، وأنفسنا وأنفسكم، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين). فأنصفهم بذلك من نفسه، ولو قال: "ابتهل فأجعل لعنة الله عليكم" لم يرض النصارى بذلك، لذلك أنصفت أنا معاوية من نفسي، ولم أدر غدر عمرو بن العاص. قالوا: فلم حكّمت الحكمين في حق كان لك! فقال: وجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حكّم سعد بن معاذ في (بني قريظة) ، ولو شاء لم يفعل، وأقمت أنا أيضاً حكماً، لكن حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حكم بالعدل، وحكمي خُدع حتى كان من الأمر ما كان، فهل عندكم شيء سوى هذا ؟ فسكت القوم وبهتوا أمام الحجة المقنعة كما بهت (النمرود) من قبلهم أمام إبراهيم عليه السلام. وقال معظمهم: صدق والله.. وقالوا: التوبة.. واستأمن إلى علي رضي الله عنه يومئذ ثمانية آلاف، وبقي على الغي والضلالة منهم أربعة آلاف. وبعد هذه المحاجة ثاب جل القوم إلى رشدهم، وأبت منهم فئة - ضالة - إلا ركوب طريق الشك والغي والضلالة، ليلاقوا جزاءهم العادل على أيد هيأها الله عز وجل لتقتص منهم في كل زمان ومكان. وهكذا نجد أن ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تظهر هذه الفئة الباغية من افتراق أمة الإسلام أمرا محققاً. فقد قال صلى الله عليه وسلم: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة فواحدة في الجنة وسبعون في النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون فرقة في النار وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده لتفرقن أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار. قيل يا رسول الله: من هم ؟ قال: الجماعة". لقد انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وترك هذه الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، تاركاً بين أيديها ما إن تمسكت به لن تضل أبداً، كتاب الله وسنته المطهرة، ولكن للنفس هوى وللقلب قرين. لقد شغل الخوارج عبر التاريخ الإسلامي حيزاً كبيراً من حياة دولة الإسلام سواء منها في العهد الأموي أو في العهد العباسي، والعهود المتتالية، وفي طول بلاد دولة الإسلام وعرضها. من نجد إلى أعماق بلاد المغرب وفارس والهند، ومن الجزيرة والشام في الشمال إلى أقصى الجنوب في اليمن. حيروا الخلفاء وهزموا الجيوش وقهروا القادة العظام، واعتدوا على المحرمات وسفكوا الدماء، معتقدين - واهمين - أنهم لا يسفكون الدماء ولا يقتلون النفس التي حرمها الله إلا حميّة وتقرباً لله واستجابة لمرضاته. كانت ضحاياهم من الخلفاء والفقهاء وصفوة الصحابة وأشراف التابعين ووجوه الناس وعلية القوم.وكان كل من لا يقول قولهم، ويرى رأيهم، ويعتقد اعتقادهم، مهددا في حياته وماله وعياله.. زرعوا الرعب في القلوب، والخوف في النفوس، والشك في العقول، كما يفعل خوارج عصرنا اليوم. كانت أخبار تحركاتهم تكفي كي يهجر الناس البيوت ويفروا، وكانت تصطك أسنان شجعان الرجال عند اللقاء بهم، فكم من جيوش سيقت لقتالهم سوقاً كالأنعام وفرت كالنعام دون احتراب. كان الواحد تخشاه المئة، والمئة تخشاها الألوف، فالتاريخ يروي لنا عن بطولاتهم الأسطورية الكثير، فها هو (شبيب بن يزيد) أحد قادتهم يهزم جيش الحجاج وهم خمسون ألفا وهو في ستمائة فارس، وهذا ضرب من الخيال في منظار الميزان المادي، ولكنها الحقيقة التي أجمع عليها رواة التاريخ الذين لا يشك في صدقهم وأمانتهم في نقل هذه الحقائق إلينا.. (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين). لم يقاتل الخوارج لدنيا أو متاع أو مال، فهذا (شبيب) يلقي بالمال الذي أهدي إليه في نهر دجلة قائلا: (ما لهذا خرجنا). وهذا أحدهم يهدى إليه سيف وفرس ومال، فيأخذ السيف والفرس ويرد المال. لقد كانت نساؤهم فارسات يقاتلن كالرجال، فهذه (غزالة) زوجة شبيب تقود مئتين من صواحبها، وتدخل الكوفة لتفي بنذر قطعته على نفسها، ويهرب منها الحجاج الذي دانت له الرقاب وهابته الرجال. وتأتي جامع الكوفة، وتعلوا المنبر، وتخطب في الناس، وتطعن في بني أمية، ثم تصلي ركعتين تقرأ فيهما سورتي البقرة وآل عمران. ثم تقتل بعد ذلك المعتكفين في المسجد. وقد عيّر بعض الشعراء الحجاج بهربه من غزالة فقال: أسد علي وفي الحروب نعامـة … فتخاء تنفر من صفير الصافر هلا برزت إلى غزالة في الوغى … بل كان قلبك في جناحي طائر إن الحديث عن الخوارج يدمي القلوب، فكم كانت بلدان ستفتح، ومنارات سترفع، لو كانت سيوف الخوارج قد سلت في وجه الكفر والشرك، وأشرعت لإعلاء كلمة التوحيد ونشر دين الإسلام.إن ما دفعني للمسير في هذا الطريق الشائك أمران: الأول: لفت انتباه حكام المسلمين كي يستوعبوا الدرس من الحالات التي دعت إلى ظهور الخوارج، وفي هذا السياق عليهم استيعاب شباب هذه الأمة وامتصاص اندفاعاتهم، وترك حرية التعبير لهم ضمن القنوات التي تكفل لهم هذه الحرية دون مساس بأمن الوطن أو الإضرار بالمجتمع. فإن الصحوة الإسلامية التي تجتاح العالم الإسلامي، هي ظاهرة صحية وبشائر خير لهذه الأمة. فبهذا الدين صنع الآباء والأجداد لهذه الأمة أعظم حضارة عرفتها الإنسانية على مر العصور. الثاني: لفت انتباه الجماعات المسلحة التي تظهر هنا وهناك،وقد جعلت من نفسها دائرة فقه وشرع وفتوى ودار حرب ودار إسلام، أن تعمل على كبح جماح اندفاعاتها المتهورة التي تسير في طريق لا يخدم الإسلام، بقدر ما يفكك المجتمع ويزعزع الاستقرار ويهدد أمنه وسلامته، ويزرع الأحقاد والضغائن بين فئاته وطبقاته، ويؤلب أعداء الإسلام علينا بحجة أمن وسلامة شعوبهم وبلدانهم، كما حدث في أعقاب ضرب نيويورك في الحادي عشر من أيلول عام 2003م. ونقول لهؤلاء الشباب النزقالمندفع: لا يجوز تكفير المسلم بكبيرة أو معصية، ولا يجوز إشهار سيف في وجه رجل يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله. والرسول صلى الله عليه وسلم قد عصم دم من قالها. فما المسوغ لقتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، فقد جاء في حديث أسامة بن زيد (بعثَنا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ سريَّةً إلى الحُرقاتِ فنَذروا بنا فَهَربوا، فأدرَكْنا رجلًا، فلمَّا غشيناهُ قالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فضَربناهُ حتَّى قتلناهُ. فذَكَرتُهُ للنَّبيِّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فقالَ: (من لَكَ بلا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يومَ القيامةِ. فقُلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّما قالَها مَخافةَ السِّلاحِ. قالَ: أفلا شقَقتَ عن قلبِهِ حتَّى تعلمَ مِن أجلِ ذلِكَ قالَها أم لا؟ مَن لَكَ بلا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يومَ القيامةِ؟ فما زالَ يقولُها حتَّى وَدِدْتُ أنِّي لم أُسلِم إلَّا يومئذٍ).. وقبل البدء بكتابة هذه االحلقات قرأت مقالاً للدكتور الداعية الشيخ يوسف القرضاوي – حفظه الله –حول هذا لموضوع جاء فيه: "يبلغ التطرف غايته، حين يُسقط عصمة الآخرين، ويستبيح دماءهم وأموالهم، ولا يرى لهم حرمة ولا ذمة، وذلك إنما يكون حين يخوض لجّة التكفير، واتهام جمهور الناس بالخروج من الإسلام، أو عدم الدخول فيه أصلاً، كما هي دعوى بعضهم، وهذا يمثل قمة التطرف الذي يجعل صاحبه في واد، وسائر الأمة في واد آخر. وهذا ما وقع فيه الخوارج في فجر الإسلام، والذين كانوا من أشد الناس تمسكاً بالشعائر التعبدية، صياماً وقياماً وتلاوة قرآن، ولكنهم أتوا من فساد الفكر، لا من فساد الضمير. وما وقع لطائفة الخوارج قديماً، وقع لأخلافهم حديثاً، وأعني به من سموهم جماعة التكفير والهجرة. فهم يكفرون كل من ارتكب معصية وأصر عليها، ولم يتب منها، وهم يكفرون الحكام، لأنهم لم يحكموا بما أنزل الله. ويكفرون المحكومين، لأنهم رضوا بهم، وتابعوهم على الحكام بغير ما أنزل الله، وهم يكفرون علماء الدين وغيرهم، لأنهم لم يكفروا الحكام والمحكومين، ومن لم يكفر الكافر فهو كافر. وهم يكفرون كل من عرضوا عليه فكرهم، فلم يقبله، ولم يدخل فيما دخلوا فيه. ويكفرون كل من قبل فكرهم، ولم يدخل في جماعتهم يبايع إمامهم. ومن بايع إمامهم ودخل في جماعتهم، ثم تراءى له – لسبب أو لآخر – أن يتركها، فهو مرتد حلال الدم. وكل الجماعات الإسلامية إذا بلغتها دعوتهم ولم تحل نفسها لتبايع إمامهم فهي كافرة مارقة. وكل من أخذ بأقوال الأئمة، أو بالإجماع أو القياس أو المصلحة المرسلة أو الاستحسان ونحوها، فهو مشرك كافر. وهكذا أسرف هؤلاء في التكفير، فكفروا الناس أحياءً وأمواتاً بالجملة، هذا مع أن تكفير المسلم أمر خطير، يترتب عليه حل دمه وماله، والتفريق بينه وبين زوجه وولده، وقطع ما بينه وبين المسلمين، فلا يرث ولا يورث ولا يوالى، وإذا مات لا يغسل ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين. ولهذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الاتهام بالكفر، فشدد التحذير، ففي الحديث الصحيح: من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما فما لم يكن الآخر كافراً بيقين، فسترد التهمة على من قالها، ويبوء بها، وفي هذا خطر جسيم". وإن غيب بعض قادة هذه الأمة فريضة الجهاد فإن حسابهم على الله، وحتى لا تكون هذه الجماعات خوارج هذه الأمة اليوم عليهم أن يثوبوا إلى رشدهم ويتقوا الله في هذه الأمة، وليرجعوا إلى التاريخ، وما جرته الخوارج على هذه الأمة - التي ابتليت بهم على مر العصور - من دمار وحروب وتعطيل لفريضة الجهاد ووقف للفتوح. على هدي هذين الأمرين، توكلت على الله وقمت بإعداد هذه الحلقات لتكون فيها(ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد). |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (4) محمد فاروق الإمام فتنة الخوارج وما نتج عنها من شق صف المسلمين لقد أجمعت مصادر التاريخ على أن الفتنة التي تمخضت عنها الانشقاقات التي عصفت بجسد هذه الأمة ومزقت صفها، تعود إلى عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه. وكانت هذه الفتنة الغطاء الذي تحرك في ظله دعاتها، ولتجر فيما بعد مسلسلاً دموياً طال الخليفة عثمان نفسه، ومن بعده الخليفة الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنهما. وبعد أن تطاولت الأيدي الآثمة على رموز الدولة الإسلامية لم يعد هناك من شيء يمنعها أو يحد من غلوائها في تحدي الإسلام عقيدة وفقهاً وعبادة وإمامة. ووجدت هذه الأيدي مطيتها في أصحاب الجهالة والعصبية حصاناً تركبه، ودرعاً تلبسه، وسيفاً تشهره. لقد حدثت اختلافات بين المسلمين من يوم أن قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن اختلافاتهم كانت تهوي صاغرة أمام كتاب الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه ينهي النزاع على خلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قُبض، حيث اجتمع الأنصار في سقيفتهم يريدونها فيهم، وهم يرون أحقيتهم فيها، فقد ناصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيدوه وآووه. ولكنهم تراجعوا عندما ذكّرهم أبو بكر الصديق بما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأئمة من قريش"، وسلم الأنصار للقول الفصل، ولم يعلنوا الثورة أو التمرد وهم أصحاب الأرض والمنعة. وهذا علي رضي الله عنه عندما جاءه خبر بيعة الناس لأبي بكر، خرج في قميص له ما عليه إزار ولا رداء عجلاً، كراهية أن يبطئ عنها حتى بايعه. ثم جلس إليه وبعث إلى ثوبه فأتاه فتجلله ولزم مجلسه. لقد كانت غاية أصحاب الفتنة ومفتعليها وقف المد الإسلامي والحد من الفتوحات (ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون). قلنا إن بداية الفتنة - كما أجمع على ذلك رواة التاريخ - كانت قد أخذت تشرئب بأعناق مفتعليها كما تشرئب الديدان برؤوسها من المستنقعات الطينية في النصف الثاني من عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه. وقد عرف عن عثمان رضي الله عنه بحبه لقرابته، فولاهم وقربهم واستشارهم، وأُخذ على عثمان رضي الله عنه عزله لسعد بن أبي وقاص عن ولاية العراق، وعزله لعمرو بن العاص عن ولاية مصر، وتقريبه لمروان بن الحكم، وتوليته لعبد الله بن أبي السرح على مصر، الذي كان فظاً غليظاً متعالياً قاسي القلب، مما أثار الناس على عثمان رضي الله عنه، فقد كان أول من انتقض وسار عليه أهل مصر رعية ابن أبي السرح. وجاء أهل مصر متمردين ثائرين، بعد أن ضاق صدرهم بما يفعله فيهم عبد الله بن أبي السرح، ويئسوا منه أن يثوب إلى رشده ويقيم العدل فيهم، وإن اليأس يفتح باب الشر، ويشق طريق الفتن ومن ثم القتل والاقتتال، لأن العدل هو الحاجز المتين بين الخير والشر. وكان عثمان رضي الله عنه - كما روت كتب التاريخ - رقيق القلب ليناً مع ولاته وعماله، رغم سوء إدارتهم وظلمهم. وقد تسلم عثمان الإمارة بعد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي كان شعاره: "خير لي أن أعزل كل يوم والياً، من أن أبقي والياً ظالماً ساعة من زمان". هذا التحول بين عهد عرف بالشدة والعدل إلى عهد عرف برقة القلب واللين في التعامل. جعل الناس يتسرب اليأس إلى نفوسهم والشك إلى يقينهم في أن يغير عثمان رضي الله عنه ما حل بهم من جور الحكام وظلم الولاة. أيضاً لم يكن عثمان رضي الله عنه حازماً في وجه معارضيه، بل ترك لهم الحبل على الغارب، ظناً منه أنه يسوس الأمة بلينه وشفقته بعد عهد من القسوة والشدة، فجاءت النتائج بعكس ما كان يؤمل، كما منع الصحابة من التصدي لرؤوس الفتنة الذين أحاطوا بداره يريدون رأسه، منعاً لسفك الدماء، ومنعاً من أن يرى المسلمين يقتل بعضهم بعضا. رحمك الله يا عثمان ما أرق قلبك وما أشفقك، أبيت سفك الدماء فكان رأسك الشريف الثمن، وجسدك الطاهر المهر، وكنت أول الفداء. |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (5) محمد فاروق الإمام عبد الله بن سبأ وبداية الفتنة لقد كان لبعض الحاقدين على الإسلام والكائدين لأهله، من أشباه رجال أظهروا الإسلام وأضمروا الكفر، الدور البارز في إشعال الفتنة وإذكاء نارها. فقد لعب هؤلاء دوراً مهماً ومن ورائهم قوة خفية تخطط لهم بذكاء ودهاء وخبث. فقد بثوا الإشاعات، وزوروا الكتب على لسان كبار الصحابة وأذاعوها في الأمصار. وكان على رأس هذه الفئة المفسدة الحاقدة اليهودي "عبد الله بن سبأ". الذي أخذ يتنقل في بلاد المسلمين فيضل قصار العقول، ويحرض ضعاف الإيمان. فبدأ بالحجاز، ثم بالبصرة، ثم بالكوفة، ثم بالشام. فلم يستطع تحقيق مآربه في تلك البلدان، ولم ييأس الحاقد المفسد، بل يمم وجهه شطر مصر، فأقام هناك، وبدأ يحوك ضلالاته بين أهل مصر الحديثي العهد بالإسلام. فيقول لهم فيما يقول: "لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع، ويكذب بأن محمدا يرجع، وقد قال الله عز وجل: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد)، فمحمداً أحق بالرجوع من عيسى". فقبل ضعاف النفوس ذلك منه، ووضع لهم الرجعة، فتكلموا فيها. ثم قال لهم بعد ذلك: "إنه كان ألف نبي، ولكل نبي وصي، وكان علي وصي محمد"، ثم قال: "محمد خاتم الأنبياء، وعلي خاتم الأوصياء"، ثم قال بعد ذلك: "من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ووثب على وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتناول أمر الأمة !"، ثم قال للناس: "إن عثمان أخذها بغير حق، وهذا وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانهضوا في هذا الأمر فحركوه، وابدأوا بالطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، تستميلوا الناس، وادعوهم إلى هذا الأمر". وبث ابن سبأ دعاته في الأمصار، يدعون في السر إلى ما عليه رأيهم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعلوا يكتبون إلى الأمصار كتبا يضعونها في عيوب ولاتهم. وركزوا في كتبهم على المدينة المنورة مركز الخلافة، وأوسعوا الأرض تشهيراً بأهلها، وهم يريدون غير ما يظهرون ويسرون غير ما يبدون. ومن ذلك يتضح لنا خطر عبد الله بن سبأ على الإسلام، فهو أول من أحدث القول بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد موته. وهكذا استطاع عبد الله بن سبأ أن يبث سمومه وأفكاره المضلة في رؤوس بعض ضعاف النفوس وأصحاب الهوى وحديثي العهد بالإسلام. لقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخوارج، وأشار إلى علاماتهم. فقد روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن زيد بن خالد الجهني أنه كان في الجيش الذي كانوا مع علي رضي الله عنه، الذين ساروا إلى الخوارج.. فقال علي رضي الله عنه: أيها الناس، إني سمعت رسول اله صلى الله عليه وسلم يقول: "يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن ويحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. ولو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قص لهم على لسان نبيهم صلى الله عليه وسلم لا تكلوا عن العمل.. وآية ذلك أن فيهم رجلاً له عضد وليس له ذراع، عل رأس عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض.. فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم..".. "والله - يقول علي - إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنهم سفكوا الدم الحرام، وأغاروا على سرح الناس فسيروا على اسم الله". لقد أردت فيما سبق من حديث أن يكون مدخلاً عاماً، وصورة مقربة عن أسباب وعوامل خلاف المسلمين وتصدع بنيانهم، ونشوء فرق الخوارج الذين هم مادة حلقاتنا هذه، التي سنستعرض فيها أحوال الخوارج تاريخاً وعقيدة، ونقارن حال خوارج زماننا مع خوارج من سبقنا ووجوه الشبه بينهما!! |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (6) محمد فاروق الإمام ضلالات الخوارج وافتراءاتهم والرد عليها تعريف الخوارج: كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجيا، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين، أو كان بعدهم على التابعين بإحسان، والأئمة في كل زمان. والخارجي هو الذي خلع طاعة الإمام الحق، وأعلن عصيانه، وألب عليه، بعد أن يكون له تأويل. بداية أمر الخوارج: بعد استشهاد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهو ثالث الخلفاء الراشدين، بايع الصحابة الموجودون بالمدينة علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالخلافة ما عدا نفرا من الصحابة وهم: "سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة وأسامة بن زيد" رضي الله عنهم. وظهرت على الساحة السياسية الإسلامية بعد مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه فرقتان: الفرقة الأولى وهي الشيعة (المتشيعون لعلي على أنه أحق بالخلافة من عثمان)، والفرقة الثانية هي الخوارج، وهما مذهبان متعارضان. فقد كانت الشيعة تقدس عليا، أما الخوارج فكانوا يكفرونه، وكان من أصول الشيعة التقية، بينما الخوارج تقول بالخروج على السلطان الجائر في غير مواربة. ويطلق على الخوارج اسم المارقة والشراة، وهم أشد الفرق الإسلامية دفاعا عن اعتقادهم، وحماسة لأفكارهم وشدة في تدينهم واندفاعا فيما يرونه ويعتقدونه ويدعون إليه. وطالب الخوارج عليا بالإقرار على نفسه بالخطأ والكفر لقبوله التحكيم. فرفض علي رضي الله عنه مطلبهم فأعلنوا خروجهم عليه. واجتمعوا في دار أحدهم وتدارسوا الأمر وقرروا الخروج إلى قرية "حروراء" وسماهم الناس بالحرورية أو المحكِّمة الذين قالوا: "لا حكم إلا لله". وهكذا غدت الخوارج فرقة مميزة عن صفوف المسلمين، وسموا أنفسهم بالشراة، لأنهم - على زعمهم - باعوا أنفسهم لله تعالى لقوله سبحانه: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله). وكان الخوارج من الناحية الدينية يمثلون الفئة القليلة المؤمنة التي لا تقبل في الحق مساومة، وزعماؤهم كانوا من جماعة القراء والفقهاء الحريصين على الالتزام بالكتاب والسنة دون مواربة أو تأويل. نتائج التحكيم: وكان من نتائج التحكيم تباغض القوم، وقد أقبل بعضهم يتبرأ من بعض، فالأخ يتبرأ من أخيه، والابن يتبرأ من أبيه. وأمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه القوم بالرحيل، لعلمه باختلاف الكلمة وتفاوت الرأي، وعدم انتظام أمورهم، وما لحقه من الخلاف بينهم، وكثر التحكيم في الجيش العراقي - شيعة علي وأنصاره - وتضارب المقاتلون بالمقارع ونعال السيوف، وتسابوا، ولام كل فريق منهم الآخر في رأيه، وسار علي ميمماً وجهه شطر الكوفة. ولحق معاوية بدمشق من أرض الشام. ولما دخل علي الكوفة انحاز عنه اثنا عشر ألفا من القراء وغيرهم فلحقوا بحروراء، وجعلوا عليهم "شبث بن ربعي التميمي، وعلى صلاتهم عبد الله بن الكواء اليشكري"، فخرج علي إليهم وكانت له معهم مناظرات، فدخلوا جميعا الكوفة. وعندما عاد علي إلى الكوفة جعلت الحرورية تناديه وهو على المنبر "جزعت من البلية، ورضيت القضية، وقبلت الدنية، لا حكم إلا لله"، فيقول علي رضي الله عنه: "حكم الله انتظر فيكم"، فيقولون (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين). فيقول علي رضي الله عنه: (فاصبر إن وعد الله حق، ولا يستخفنك الذين لا يوقنون). تعاليم الخوارج: لقد بدأ الخوارج كلامهم في أمور تتعلق بالخلافة، فقالوا بصحة خلافة أبي بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما لصحة انتخابهما. ثم استهوتهم فكرة البراءة من عثمان بن عفان رضي الله عنه وعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه، والحكام الظالمين من بني أمية، حتى سيطرت على إفهامهم واستولت على مداركهم استيلاءً تاماً، وسدت عليهم كل طريق يتجه بهم للوصول إلى الحق، وأغلقت أمامهم كل باب ينفذون منه إلى معاني الكلمات التي يرددونها، بل إلى معاني حقائق الدين في ذاتها. وصاروا لا يضمون إليهم إلا كل من تبرأ من عثمان وعلي والحكام الظالمين من بني أمية. وعند ذلك فقط يرضون أن يضيفوا اسمه إلى أسمائهم ، متسامحين مع كل من يقول قولهم في مبادئ أخرى من مبادئهم، وربما كانت أشد أثرا. وقال فقهاؤهم بصحة خلافة عثمان قبل أن يغير ويبدل، فلما غير وبدل وجب قتاله والثورة عليه. أما علي فإن سيرته كانت حسنة حتى نهاية معركة صفين، فقد أقروا بصحة خلافته، ولكنهم قالوا: أخطأ في التحكيم، وحكموا بعد ذلك بكفره والخروج عليه. وطعن الخوارج في أصحاب الجمل "طلحة والزبير" وأباحوا قتالهما وقتال عائشة، وحكموا بكفر "أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص". أما رأيهم في معاوية فإنه مغتصب للخلافة وهو كافر يجب قتاله. وبعد أن حملت الخوارج عليا على التحكيم، وحملته على القبول بحكم بعينه، جاءت بعد ذلك واعتبرت التحكيم جريمة كبيرة، وطلبت إلى علي أن يتوب عما ارتكب، لأنه - على حد زعمهم - قد كفر بقبوله التحكيم، كما أقروا هم بكفرهم ثم تابوا. وتبعهم على توبتهم هذه عدد من الأعراب، الذين قال الله فيهم: ( الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم). وصار شعار الخوارج الذي يرددونه بمناسبة وغير مناسبة: "لا حكم إلا لله" - وهي الكلمة التي وصفت بأنها كلمة حق أريد بها باطل- وبعد رفض علي لمطالب هذه الفئة الباغية، أعلنوا الخروج عليه، بعد أن كانوا يجادلونه، ويقطعوا عليه القول. === |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (7) محمد فاروق الإمام التمرد والخروج على الخليفة علي بن أبي طالب تمرد الخوارج على علي بن أبي طالب وأصحابه، وبالتالي على الدولة الإسلامية التي يرأسها شرعاً، وسمي هؤلاء الخوارج بالحرورية نسبة إلى قرية حروراء التي خرجوا إليها بعد انفصالهم عن علي. كما سموا أيضا الشراة لأنهم - بزعمهم - قد باعوا أنفسهم لله، واعتقدوا - واهمين - أن قول الله تعالى: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله). قد شملهم بهذه الآية. واعتبرت هذه الفرقة الخارجة نفسها من الناحية الدينية أنهم يمثلون الفئة القليلة المؤمنة التي لا تقبل في الحق مساومة، وكان زعماؤها من جماعة القراء والفقهاء الحريصين على الالتزام بالكتاب والسنة دون مواربة أو تأويل. وغدت هذه الفرقة من أشد الفرق الإسلامية دفاعا عن مذهبها وحماسة لآرائها، وأشد الفرق تدينا في جملتها، وأشدها تهورا واندفاعا، وهم في دفاعهم وتهورهم مستمسكون بألفاظ قد أخذوا بظواهرها وظنوا هذه الظواهر دينا مقدسا، لا يحيد عنه مؤمن، وقد استولت على ألبابهم كلمة "لا حكم إلا لله" فاتخذوها ديناً ينادون به، فكانوا كلما رأوا عليا يتكلم قذفوه بهذه الكلمة "لا حكم إلا لله"، وغدا هذا الشعار يقول به كل من هب ودب وأراد شق صف المسلمين حتى يومنا هذا، وهي كلمة حق أرادوا بها باطلا. لقد كان الخوارج في تبنيهم الألفاظ البراقة، ومن ثم استحواذ هذه الألفاظ على عقولهم ومداركهم يشبهون إلى حد كبير "اليعاقبة": "ناد سياسي لمع اسمه وازداد نفوذه في أثناء الثورة الفرنسية، ودعي بهذا الاسم لأنه كان مكان الاجتماع الأصلي لطائفة الرهبان اليعاقبة، أسس عام 1789، وكان يتزعمه قادة معتدلون. ظهروا أيام الثورة الفرنسية"، فقد استولت على عقولهم - كحال الخوارج - ألفاظ الحرية والإخاء والمساواة، وسوغوا لأنفسهم باسم هذه الشعارات التي أطلقوها قتل الناس، واستباحة دمائهم، كما استباح خوارج أمتنا لأنفسهم قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، وسفك الدماء وتخضيب الأرض بنجيعه. وأخذت بهم حماستهم لما يعتقدون مأخذاً بعيداً وراء حب الفداء والرغبة في الموت والاندفاع وراء المخاطر، من غير أن يكون هناك ما يدفع إلى ذلك، وربما كان منشؤه هوساً عند بعضهم، واضطرابا في أعصابهم، وهم يشبهون في ذلك فرقة من النصارى الذين كانوا تحت حكم المسلمين في الأندلس إبان ازدهارها. فقد أصاب عدداً منهم هوس جعلهم يتسابقون إلى الموت وراء عصبية جامحة، مما أتعب الحُجّاب وهز مكانة الدولة، وقد أطلق هؤلاء على حركتهم اسم (حركة الاستشهاديين): "حركة نشأت في العاصمة الأندلسية تزعمها راهب إسباني يدعى (أولوخيو) من عائلة نصرانية عريقة في نسبها"، هاله ما كان يرى من تحول سريع للإسبان عن دينهم وقوميتهم طواعية وبإقبال شديد، فحاول خلق حركة تجديد في اللغة اللاتينية لتقريبها من أذواق الشباب وأفهامهم، ولكن دون جدوى، فمال نحو الدعوة للتمرد على حكم المسلمين، وجنح نحو إثارة الأحقاد ضدهم والسعي للتخلص من وجودهم. |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (8) محمد فاروق الإمام الخوارج شوكة في خاصرة الدولة الأموية ظل الخوارج يتتابعون في الخروج بعد وفاة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وخلال الحكم الأموي، وظلت حالهم على نحو ما كانت عليه خلال خلافة علي؛ ذلك أنه لما استتب الأمر لمعاوية واجتمعت عليه الكلمة كان الخوارج قد اشتعلت جذوتهم وثبت في أذهانهم فكرة الخروج على بني أمية وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان، فأخذوا في التجمع والتربص للخروج في أي فرصة كانت؛ إذ كان معاوية في نظرهم مغتصبا للحكم لا شك في قتاله، بل هو في نظرهم قربة لله. بعكس خروجهم على علي رضي الله عنه، فقد كان بعضهم مترددا في مواجهته كما سنرى في تعبير فروة بن نوفل عن هذا التردد. لهذا فبمجرد وفاة أمير المؤمنين علي انفتحت على معاوية وحكام بني أمية من بعده ثورات وحروب طاحنة، لا يقر للخوارج قرار ولا يستخفون بأنفسهم إلا ريثما تتم عدتهم ويكتمل عددهم؛ فكانوا شوكة في خاصرة الدولة الأموية شغلتها فترة من الزمن عن الفتوح، وكان الخوارج في ذاك الزمان يسمون بالبغاة، وهذا ما ينطبق على خوارج العصر الذين ظهروا في أيامنا هذه والذين وصفوا بالمتمردين والإرهابيين والمتطرفين والتكفيريين. وكان أول الخارجين فروة بن نوفل الأشجعي، وكان خروجه سنة 41ه/661م، كان هذا الرجل ممن اعتزل قتال علي وانحاز معه خمسمائة فارس من الخوارج إلى شهرزور قائلا: "والله ما أدري على أي شيء نقاتل عليا. أرى أن أنصرف حتى تتضح لي بصيرتي في قتاله أو أتابعه". أي إنه كان شاكا في قتال علي، أما معاوية فقد بين موقفه منه بقوله: "قد جاء الآن ما لا شك فيه فسيروا إلى معاوية فجاهدوه"، ثم تمكن منه المغيرة بن شعبة والي العراق وقتله وقتل عبد الله بن أبي الحوساء الطائي الذي تولى أمر الخوارج بعده، ثم قتل حوثرة بن وداع الأسدي الذي نصبه الخوارج أميراً عليهم. ثم خرج أبو مريم وهو مولى لبني الحارث بن كعب وقد أحب أن يشرك النساء معه في الخروج؛ إذ كانت معه امرأتان "قطام وكحيلة"، فكان يقال لهم يا أصحاب كحيلة وقطام تعييرا لهم، وقد أراد بهذا أن يسن خروجهن فوجه إليه المغيرة جابر البجلي فقاتله حتى قتله وانهزم أصحابه. ثم خرج رجل يقال له أبو ليلى، أسود طويل الجسم، وقبل أن يعلن خروجه دخل مسجد الكوفة وأخذ بعضادتي الباب، وكان في المسجد عدة من الأشراف، ثم صاح بأعلى صوته: لا حكم إلا لله، فلم يعترض له أحد، ثم خرج وخرج معه ثلاثون رجلا من الموالي بسواد الكوفة، فبعث له المغيرة معقل ابن قيس الرياحي فقتله سنة 42هـ. ثم خرج المستورد بن علفة التيمي، وكان بدء خروجهم سنة 42هـ عندما بدؤوا يتشاورون في ذلك، ولما جاءت سنة 43هـ أعلنوا الخروج المسلح انتقاما لمصارع إخوانهم، فقد كانت الخوارج يلقى بعضهم بعضا فيذاكرون مصارع إخوتهم بالنهر، فيترحمون عليهم ويحض بعضهم بعضا على الخروج للانتقام من حكامهم الجائرين الذين عطلوا الحدود واستأثروا بالفيء، فاجتمع رأيهم على ثلاثة نفر منهم لتولي قيادتهم المستورد بن علفة التيمي، ومعاذ بن جويني الطائي، وحبان بن ظبيان السلمي الذي كان منزله مكانا لاجتماعاتهم، ولكن كل واحد من هؤلاء الثلاثة دفع تولي الخلافة عن نفسه، وأخيرا اتفقوا على أن يتولاها المستورد هذا، وكانوا أربعمائة شخص ونادوه بأمير المؤمنين، وكان المستورد ناسكا كثير الصلاة وله آداب وحكم مأثورة، واتفق على أن يكون الخروج غرة شعبان سنة 43هـ. ولما علم بذلك المغيرة بن شعبة أرسل مدير شرطته قبيصة بن الدمون إلى مكان اجتماعهم وهو منزل حيان كما تقدم، فأخذوهم وجاءوا بهم إلى المغيرة فأودعهم السجن بعد استجوابهم وإنكارهم أن يكون اجتماعهم لشيء غير مدارسة كتاب الله فأفرج عنهم. وراح المستورد يراوغ في حربه للمغيرة فيخرج من مكان إلى آخر حتى يبدد جيشه، ثم يلقاهم وقد تعبوا فكان إلى أن كانت المعركة النهائية حيث تبارز المستورد مع معقل فضرب كل واحد منهما صاحبه فخرا ميتين، وهزمت الخوارج وقتلوا شر قتلة فلم ينج منهم غير خمسة أو ستة، وقتل المستورد سنة 43هـ. ثم خرج قريب بن مرة وزحاف بن زحر الطائي سنة 50هـ. وكان هذان الرجلان ابني خالة وكانا من العابدين المجتهدين بالبصرة، ولما غلبت عليهما شقوتهما خرجا بقلوب تغلي غيظا على المجتمع وقد اختلف في أيهما كان الرئيس، وذلك في ولاية ابن زياد على الكوفة، فحينما خرجا أخذا يستعرضان الناس استعراضا، وكانا قد أشاعا القتل والخوف فيهم لا يبالون بمن قتلوه كائنا من كان ما دام قد وجد أمامهم، حتى إنهم مروا بشيخ ناسك من بني ضبيعة يسمى رؤية الضبعي أو حكاك، فقال حين رآهم: مرحبا بأبي الشعثاء، فلم تشفع له شيخوخته عندهم بل قتلوه، وكانوا إذا مروا ببلد يهرب أهل تلك البلد إلى بيوتهم ويتنادون: الحرورية الحرورية، النجا النجا. وكان رجل من بني قطيعة حين سمع بهم أخذ سيفه فناداه الناس: الحرورية! انج بنفسك، فنادوه: لسنا حرورية نحن الشرط فلا تخف؛ فوقف، فلما أخذوه قتلوه وصاروا يتنقلون بين القبائل فلا يمرون بقبيلة إلا قتلوا من تمكنوا من أخذه، ولما مروا ببني علي من الأزد وكان هؤلاء رماة مهرة وكان فيهم مائة يجيدون الرمي وقفوا لهم ورموهم رميا شديداً، حتى صاح الخوارج: يا بني علي، لا رماء بيننا. ولكن هذا النداء لم يسمع منهم. فهربت الخوارج منهم وأتوا مقبرة لبني يشكر ثم أتوا إلى مزينة فقتلهم الناس عن آخرهم. ثم خرج زياد بن خراش العجلي في مكان يسمى مسكن من أعمال سواد العراق ومعه ثلاثمائة فارس، فأرسل زياد فرقة من الجيش قتلته ومن معه سنة 52هـ. وكان بالبصرة رجل اسمه جدار يجتمع إليه الخوارج فيعيبون خلافة بني أمية، فلما علم بهم ابن زياد أخذهم وحبسهم ثم اخترع طريقة في العفو عنهم وهي أن يقتتلوا فيما بينهم فمن نجا أطلق سراحه، فقام بعضهم بقتل بعض كأنهم كلاب مسعورة، وكان فيمن نجا طواف بن غلاق. فخرج طواف في يوم عيد الفطر عام 58ه ومعه سبعون رجلا فأخذوا يقتلون الناس مستعرضين لهم، فاجتمع عليهم الناس فقتلوهم عن آخرهم. ثم كان خروج أبي بلال مرداس بن أدية الحنظلي سنة 61هـ الذي تمكن منه ابن زياد وقتله وشتت جمعه. |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (9) محمد فاروق الإمام الخروج على عبد الملك بن مروان في عهد عبد الملك بن مروان بدأ خروج الصالحية التي يجعلها بعض العلماء فرقة من الفرق، بينما هي في الحقيقة حركة ثورية – أكثر منها فرقة دينية – من تلك الحركات التي كانت تحدث بين آونة وأخرى على الخلفاء الأمويين تزعمهم صالح بن مسرح أو ابن مشروح كما يسميه بعضهم، حين خرج في هلال شهر صفر سنة 76هـ ، وكون له جماعة حارب بهم جيش الأمويين، وكانت له بعض الآراء التي أخذها من أسلافه من الخوارج قبله. وعند خروجه دعا شبيباً للخروج معه فأجابه شبيب وأقبل ومعه جماعة من أصحابه إلى دارا، وحينئذ عزم صالح على الخروج، ولكن تلك الجهات قد تحصنت منه، ولما بلغ محمد بن مروان مخرجهم – وهو أمير الجزيرة حينذاك – أرسل إليهم جيشا يقوده عدي بن عدي الكندي في ألف فارس، ولكن صالحا باغتهم فانهزموا هزيمة منكرة وهرب عدي فانتهب الخوارج ما وجدوا في معسكر عدي، وحين أقبلت فلول عدي غضب عليهم محمد بن مروان، فأرسل لهم قائدين أيهما وصل الأول فهو أمير صاحبه أحدهما خالد بن جزء السلمي في ألف وخمسمائة فارس، والثاني الحارث بن جعونة العامري وبعثه في ألف وخمسمائة فارس، فالتقوا بصالح في آمد. ولكن صالحا قسم جيشه إلى قسمين أيضا. قسم بقيادة شبيب وكان من أشجع الفرسان وجهه إلى الحارث بن جعونة، وقسم بقيادته هو وتوجه إلى خالد فنشبت المعركة من وقت العصر إلى الليل وكثر الجرحى والقتلى في جيش الخلافة، وقتل من أصحاب صالح ثلاثون رجلا، وفي الليل تم رأيهم على أن يذهبوا إلى الدسكرة. وحين وصلت أخبارهم إلى الحجاج بعث لهم جيشا من أهل الكوفة يبلغ ثلاثة آلاف بقيادة الحارث بن عميرة بن ذي المشعار الهمداني، وحين وصلوا إلى صالح بن مسرح بدأت المعركة وكان صالح في تسعين رجلا واشتدت المعركة جدا فقتل صالح فيها وكاد شبيب أن يقتل وحينذاك نادى من بقي من أصحابه وكانوا 70 رجلا: إلي يا معاشر المسلمين؛ فلاذوا به فقال لأصحابه: ليجعل كل واحد منكم ظهره إلى ظهر صاحبه وليطاعن عدوه، حتى ندخل هذا الحصن ونرى رأينا. وفعلا تقدموا إلى الحصن وتحصنوا به فأمر الحارث بالباب أن يحرق فحرق فقال لأصحابه: إنهم لا يقدرون في الخروج منه ومصبحهم غدا فنقتلهم، وقد بايع الخوارج شبيبا في ليلتهم تلك، ثم أتوا باللبود فبلوها وجعلوها على جمر الباب وخرجوا، فلم يشعر الحارث ومن معه إلا والخوارج يضربون رؤوسهم بالسيوف فصرع الحارث فاحتمله أصحابه وانهزموا نحو المدائن هاربين، فأخذ شبيب كل ما بقي في معسكر الحارث. وشبيب هذا هو شبيب بن نعيم بن يزيد الشيباني ويكنى بأبي الصحاري، وله من الشجاعة والمعرفة بفنون الحرب ما يكاد يكون خيالا. لقد كان قائدا فذا مجربا للحروب يروغ روغان الثعلب ويهجم هجمة الأسد، قتل من جيش الخلافة الآلاف والعديد من القواد رغم قلة جيشه. ولما أحس صالحاً بالموت قال لأصحابه: قد استخلفت عليكم شبيبا وأعلم أن فيكم من هو أفقه منه ولكنه رجل شجاع مهيب في عدوكم فليعنه الفقيه منكم بفقهه. ثم مات وبايع أتباعه شبيبا. وقد خالف شبيب صالحاً في مسألة جواز تولي المرأة الإمامة العظمى؛ إذ كان شبيب يجيزها إذا قامت بأمورهم وخرجت على مخالفيهم، ولهذا فقد تولت زوجته غزالة قيادتهم بعد مقتل شبيب. وقد اشتهر شبيب بالشجاعة وخوض الحروب فقد دوخ بني أمية وهزم لهم أكثر من عشرين جيشا في خلال سنتين. وجه أول جيش إليه من قبل الحجاج بقيادة عبيد الله بن أبي المخارق ومعه ألف فارس فهزمهم شبيب، ثم وجه إليه الحجاج عبد الرحمن بن الأشعث فهزمهم شبيب، ثم وجه إليه عتاب بن ورقاء التميمي فقتله شبيب هو وزهرة بن حوية. وتذكر مصادر التاريخ أن شبيبا قتل من جيش الحجاج أربعة وعشرين أميراً كلهم أمراء الجيوش. فكم يكون القتل من أتباعهم؟! وكان شبيب قلما ينهزم في معركة إلا لحيلة أو للإعداد لكرة أخرى. في كل تلك المعارك التي خاضها مع جيوش الخلافة وحتى البدو لم يسلموا من شبيب؛ فقد أغار عليهم وأرهبهم في عدة غزوات لهم، وقد داهم الحجاج في عقر داره بالكوفة؛ فقد دخلها هو وزوجته غزالة، وخطبت على منبر الكوفة وفاء بنذرها، وصلى أيضا الصبح في مسجد الكوفة. وقد تنقل في ليلته تلك في أكثر من مساجد الكوفة لا يجد أحدا إلا قتله. وقد خبأ الحجاج نفسه فلم يخرج تلك الليلة إلى أن اجتمع له أربعة آلاف من جنده ثم خرجوا يقتتلون في سوق الكوفة، حتى كثر القتل في أصحاب شبيب فانهزم إلى الأنبار. وفي السنة السابعة والسبعين من الهجرة أو الثامنة والسبعين (على قول) كانت نهاية شبيب إذ مات غريقاً، وذلك أنه حين أراد الانصراف من قتال أهل الشام إلى الجهة الأخرى من جسر دجيل الأهواز أمر أصحابه فتقدموا أمامه وتأخر هو في آخرهم وفي أثناء عبوره كان راكبا على حصان وكانت أمام الحصان فرس أنثى فنزا فرسه عليها، فخرج حافره على حرف السفينة فسقط في الماء. وانتهت حركته وتفرق من بقي من أتباعه. |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (10) محمد فاروق الإمام نهاية الخوارج في العهد الأموي وفي عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز سنة 100هـ خرج بسطام اليشكري ويعرف بشوذب وهو رجل من بني يشكر خرج بالعراق، وكان الوالي على العراق عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب. خرج بسطام في مكان يسمى جوخى ومعه ثمانون فارسا أغلبهم من ربيعة، ولما بلغ أمرهم إلى عمر كتب إلى عبد الحميد أن يبعث إليهم رجلا حازما وألا يحركهم بشيء إلا أن يسفكوا دما أو يفسدوا في الأرض ، فبعث إليهم عبد الحميد محمد بن جرير في ألفي رجل من أهل الكوفة وأمره بما قال عمر. ثم كتب عمر إلى بسطام يدعوه إلى الطاعة ويسأله عن سبب خروجه ويطلب إليه أن يبعث من قبله من يناظره لتظهر الحجة على أحدهما، فكتب بسطام إلى عمر قد أنصفت ثم بعث وفدا من قبله إلى عمر فتناظرا فظهرت الحجة لعمر ولكن وجهوا إلى عمر سؤالا محرجا قائلين له: "أخبرنا عن يزيد لم تقره خليفة بعدك؟ فاعتذر بأنه لم يوله هو وإنما ولاه غيره"، ولكن هذا الجواب لم يكن كافيا عندهم في هذه المسألة فقال له الخوارج: "أفرأيت لو وليت مالا لغيرك ثم وكلته إلى غير مأمون عليه أتراك كنت أديت الأمانة إلى من ائتمنك؟ "، فقال لمن تولى المحاورة وكانا اثنين: أنظراني ثلاثا، فخرجا من عنده. وحين علم بنو أمية بهذا خافوا خروج الخلافة عنهم فيقال إنهم دسوا له سما فتوفي في تلك الأيام الثلاثة، ومناظرتهم مشهورة في كتب التاريخ. وبعد وفاة عمر أمر عبد الحميد محمد بن جرير بمناجزتهم قبل أن يبلغ الخوارج موت عمر وقبل أن يرجع وفدهم فعلموا حينذاك أن حدثا قد حدث في الخليفة وأنه قد مات، فحملت الخوارج على محمد بن جرير فهزموه شر هزيمة فأرسل لهم يزيد، تميم بن الحباب في ألفين ولما التقوا قال لهم تميم: إن يزيد لا يفارقكم على ما فارقكم عليه عمر، فلعنوه ولعنوا يزيد معه، ونشبت المعركة فانهزم تميم وجيشه، فوجه إليهم يزيد جيشا آخر بقيادة الشحاج بن وداع في ألفين فكان مصيره مصير من سبقه، وهكذا وقفوا كأنهم القدر المحتوم لا يستطيع أحد أن ينال منهم مطلبا إلى أن جاء مسلمة بن عبد الملك الكوفة فشكا أهلها إليه ما لاقوه من شوذب وخوفوا مسلمة منه، فأرسل مسلمة حينذاك قائدا شجاعا هو سعيد بن عمرو الحرشي في عشرة آلاف فارس، فالتقوا في معركة حامية الوطيس كانت فيها نهاية الخوارج؛ فقد أفنوهم عن آخرهم وانتهى بسطام وانتهت حركته. وفي سنة 105هـ, خرج عقفان ومعه ثمانون رجلا في خلافة يزيد بن عبد الملك فأشير على يزيد أن لا يرسل جيشا لمحاربته بل يرسل إلى كل رجل مع عقفان رجلا من أقاربه حتى يرده عن الخروج بالاستعطاف والتلطف إليه، وفعلا نجحت هذه الخطة حتى بقي عقفان وحده فأرسل إليه يزيد أخاه فاستعطفه فرده عن الخروج، وانتهت فتنة كادت أن لا تنتهي إلا بضحايا كثيرة. فلما توفي يزيد وتولى هشام بن عبد الملك ولاه أمر العصاة فاشتد حتى أنه لم يرحم ولده الذي جاء من خراسان غاضبا على الخليفة فقد قبض عليه عقفان وأرسله إلى هشام مقيدا، فقال هشام: لو خاننا عقفان لكتم أمر ابنه ثم عفا عنه لأبيه وولى عقفان أمر الصدقة. ثم خرج مسعود العبدي سنة 105هـ أيضا. هذا الخارجي يسمى مسعود بن أبي زينب العبدي ومكان خروجه البحرين، وقد أخذ في التوسع إلى أن بلغ اليمامة فخرج إليه عاملها سفيان بن عمرو العقيلي فالتقوا بالخضرمة واقتتلوا قتالا شديدا، وقتل مسعود فتولى بعده رجل يسمى هلال بن مدلج، واستمرت المعركة يوما آخر كاملا إلى أن جاء المساء فتفرق الخوارج منهزمين حتى بقي هلال ومعه جماعة قليلة تحصن بحصن كان هناك، ولكن لم يدم بقاؤه فيه فقد نصبت السلالم عليه وأخذ هلال فقتل واستأمن من بقي منهم. وفي نفس السنة خرج مصعب بن محمد الوالبي، خرج هو ومن معه إلى أن وصلوا إلى مكان يسمى حزة من مقاطعة الموصل فأرسل لهم هشام جيشا فالتقوا هناك في معركة انتهت بقتل مصعب وكثير من الخوارج. ثم خرج الصحاري بن شبيب سنة 119هـ. جاء هذا الرجل إلى خالد بن عبد الله والي العراق من قبل هشام بن عبد الملك يسأله الفريضة مع أهل الشرف فهزئ به خالد وقال: وما يصنع ابن شبيب بالفريضة؟، فلم يظهر الصحاري أي تغير ثم ودع خالدا وخرج، ولكن ذلك الخروج قد هز ضمير خالد فخاف أن يفتق عليه أمرا يكرهه فأرسل في طلبه من يرده فقال لهم: أنا كنت عنده آنفا فأبوا أن يتركوه فجرد سيفه عليهم فتركوه فذهب مستخفيا بنفسه إلى أن وصل إلى مكان يسمى جبل كما يقول الطبري، أو حبل كما يقول ابن الأثير، ينزله ناس من بني تيم اللات من ثعلبة فاستمالهم إليه فقبل منه بعضهم، وتوقف آخرون، وأبى غيرهم وقالوا: نحن في عافية، فخرج الصحاري بمن أطاعه وكانوا ثلاثين فارسا حتى أتى المناذر، وحين بلغ أمره خالدا قال: قد كنت خفتها منه فأرسل إليهم جيشا التحم معهم في معركة انتهت بالقضاء على الصحاري ومن معه جميعا. وفي هذه السنة أيضا خرج كثارة؛ ويسمى بهلول بن بشر ويلقب كثارة، كان عابدا مجتهدا وكان على جانب عظيم من الشجاعة والخبرة الحربية، وعقد العزم على الخروج ولكنه أخفى ذلك حتى يتم حجه، فذهب إلى مكة وفيها قابل بعض أصدقائه والذين يرون رأيه فعزموا على الخروج معه وتحت إمرته وتواعدوا مكانا سموه من نواحي الموصل، فلما اجتمعوا في تلك القرية أجمع رأيهم على أن لا يمروا بأحد إلا قالوا له بأنهم راجعون من عند الخليفة هشام وأنهم ذاهبون إلى خالد لتولي بعض الأعمال وكانوا يأخذون في طريقهم دواب البريد إلى أن وصلوا تلك القرية التي اشترى فيها الخل. قال بهلول: نبدأ بهذا العامل فنقتله، وقال أصحابه: إن الغرض الأهم هو قتل خالد. فقال كثارة له: إني لأرجو أن أقتل هذا وخالدا فبدأ وقتله وبلغت أخبارهم خالدا فحذرهم الناس، ثم خرج خالد إلى الحيرة ومنها أرسل لهم ثمانمائة رجل، وعندما بدأت الحرب بينهم انهزموا أمام الخوارج. فلما وصلت أخبارهم خالدا بعث إليهم جيشا آخر يقوده رجل من بني شيبان وحين لقيهم بهلول شد عليهم فقال له ذلك القائد: نشدتك بالرحم فإني جانح مستجير فكف عنه. وانهزم أصحابه ثم طمحت نفس كثارة إلى قتل الخليفة هشام نفسه ما دام كثارة قد خرج لله، ثم عزم على السير لقتل هشام ولكن عمال هشام خافوا إن وصل كثارة إلى الشام أن ينتقم منهم الخليفة، فجند له خالد جندا من أهل العراق ومثله عامل الجزيرة، ووجه إليه هشام أيضا جندا من أهل الشام لاستغاثة عامل الموصل به، فبلغت الأمداد عشرين ألفا يقابلهم الخوارج وهم سبعون رجلا، كما ذكر المؤرخون، فنشبت معركة بينهم حامية قتل فيها كثارة وتفرق من بقي من أتباعه منهزمين إلى الكوفة، حيث رماهم أهلها بالحجارة حتى قتلوا عن آخرهم. ثم خرج الضحاك بن قيس سنة 127هـ، وقتل سنة 128هـ. خرج الضحاك بالعراق وكثر أتباعه حتى بلغوا مائة وعشرون ألفا فاستولى على عدة مناطق، وكان ذلك في زمن مروان بن محمد بن محمد ولم يستطع أحد من قواد مروان إيقافه، وأخيرا قرر الضحاك الذهاب لملاقاة مروان فاجتمعوا في مكان من كفر نوثا يسمى الغز فدارت معركة قتل فيها الضحاك. فولى الخوارج عليهم رجلا يسمى الخبيري صبيحة الليلة التي قتل فيها الضحاك، وبدأت معركة بين الخبيري وجند الخلافة وفيهم مروان نفسه، فانتصر الخبيري على القلب من جيش مروان حتى دخل فيهم ووصل إلى حجرة مروان، فانهزم مروان حتى خرج عن العسكر بستة أميال منهزما وكانت ميمنة مروان وميسرته ثابتة، فاقتحم بعض جيش مروان على الخبيري ومن معه فقتل الخبيري، وأخبر بذلك مروان فرجع. وانصرف أهل عسكر الخبيري، وولوا عليهم شيبان بن عبد العزيز ثم ارتحلوا من ذلك المكان، فتبعهم مروان يقيم عليهم إذا أقاموا ويحاربهم إذا حاربوا فصاروا يتنقلون من مكان إلى مكان وهم ينقصون ما بين متسلل بنفسه وبين مقتول، إلى أن تفرقوا وذهب كل إلى جهة فأخذ شيبان في بعض تلك الجهات فقتل بعمان. وأخيرا كان خروج عبد الله بن يحيى الملقب "بطالب الحق" سنة 128هـ، وقتل سنة 130هـ، وهو من حضرموت، كان مشهورا بأنه من العباد المجتهدين. وكان هذا هو آخر عهد بني أمية بالخوارج حيث انتهت دولتهم في عام 132هـ بقيام الدولة العباسية. |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (11) محمد فاروق الإمام الجلندي بن مسعود أول الخارجين على الدولة العباسية رأينا سابقا كيف أن الخوارج منذ أن فارقوا علي بن أي طالب رضي الله عنه أخذوا في تضخيم السخط على مخالفيهم والحث الشديد على محاربتهم وتضخيم خطاياهم، في كل مسألة ينادون بأعلى أصواتهم: لا حكم إلا لله لا لعلي ولا لبني أمية ولا لبني العباس ولا لأحد، الحرب، الحرب، لهذا فقلما يجتمع منهم جماعة إلا وسارعوا وأعلنوها حربا شعواء لا يمكن أن تنتهي إلا بمنتصر ومهزوم. فقد خاضوا مع بني أمية كما تقدم حرباً لا هوادة فيها كلفوا أنفسهم خسائر ضخمة، وكلفوا الخلافة من الأنفس والأموال ما لو أنفق في الجهاد والفتوح لدان لهم أهل الأرض! كما هو حالنا اليوم مع داعش التي أزهقت مئات الأرواح من شباب الجيش الحر في حربها عليهم لأنهم، في زعمها، مرتدون كفرة، إضافة لإزهاق أرواح المئات من عناصرها في تلك الحرب المجنونة من الأبرياء الذين جاؤوا لنصرة إخوانهم في سورية، ولو أن هؤلاء الدواعش آزروا الجيش الحر على المجرم بشار الأسد لما رأينا أنهار الدماء تجري في كل بقعة من الأرض السورية، ولما شاهدنا الخراب والدمار الذي حل بالمدن والبلدات والقرى السورية، ولما شاهدنا الملايين من المهجرين والنازحين السوريين!! استمر الخوارج طوال عهد الدولة الأموية وهم في صراع حاد معها فأوهنوا قوتها وأوهنت قوتهم، وكانوا كالحسكة في حلق كل خليفة لا يخف ألمه إلا ليبدأ من جديد، وهكذا إلى أن غير الله الحال وانتهت الدولة الأموية برأسها؛ وخلفتها الدولة العباسية وما زال مرجل الخوارج يغلي ولكنه يغلي على بقية جمر كاد أن يصير رمادا، واختلف الخوارج أيام الدولة الأموية عن خوارج الدولة العباسية، فالخوارج على بني أمية كانوا أكثر جمعا وأشد بأسا، أما الخوارج على بني العباس فكانوا كما وصفهم أحمد أمين بقوله: "كان الخوارج في حالة الاحتضار وحركاتهم التي أتوا بها في العهد العباسي تشبه حركة المذبوح". ومن هنا توالت عليهم الهزائم فلا يخرجون على خليفة إلا ورماهم بكل ما لديه من ثقل إلى أن أصبحوا في وضع لا يمكنهم فيه أن يلفتوا إليهم نظرا، فلا يخشى بأسهم ولا يحسب لقوتهم مثل ما كان لأسلافهم. وكانت هذه الهزائم المتوالية للخوارج سببا في ضعف أمرهم وقلة شأنهم؛ فلم يعد لهم من القوة والقتال أثر في التاريخ كبير. ولنبدأ الآن بذكر أشهر الخارجين على الدولة العباسية، وأول الخارجين كان الجلندي الذي خرج على أبي العباس السفاح، ويسمى الجلندي بن مسعود بن جيفر الأزدي، فقد أراد هو وأصحابه من أهل عُمان صد جيش الخلافة عن دخول بلادهم، وكان قائد جيش الخليفة أبي العباس السفاح، رجلا يسمى خازم بن خزيمة فالتقوا في الصحراء فاقتتلوا قتالا شديدا يوما كاملا، ثم استأنفوا القتال في اليوم الثاني في معركة لا تقل عن اليوم الأول، ثم هدأت الأمور قليلا ولكنهم استأنفوها على أشدها. وقد فكر خازم في حيلة أشار بها عليه رجل من أهل الصغد وهي أن يجعل كل جندي على طرف سنانه مشاقة، وهي ما خلص من القطن والكتان والشعر، ويرووها بالنفط ثم يشعلوا فيها النيران ثم يقذفوها على بيوت الجلندي وأصحابه، وتمت هذه الفكرة بنجاح فاشتعلت النار في البيوت وكانت من خشب فاشتغل أصحاب الجلندي بإخراج أهلهم وأموالهم عن النار، وعندها مال عليهم جيش خازم يقتلونهم كيف شاءوا وانتهت المعركة بقتل عشرة آلاف منهم، ثم أخذت رؤوسهم وبعث بها إلى البصرة فمكثت أياما ثم بعث بها إلى الكوفة إلى أبي العباس. وخرج بعد ذلك ملبد بن حرملة الشيباني على المنصور بناحية الجزيرة بالعراق، وكان فيه شجاعة شبيب ودهاؤه وخبرته بالحرب وأنواعها. خرج إليه في أول الأمر ألف فارس من المرابطين في الجزيرة فهزمهم، ثم تتابعت الجيوش بعد ذلك على حربه فسارت إليه روابط الموصل فهزمهم، ثم سار إليه يزيد بن حاتم المهلبي فهزمه، وعجز الناس عنه فبعث إليه أبو جعفر المنصور مولاه المهلهل بن صفوان في ألفين من نخبة الجند فهزمهم، ثم وجه إليه آنذاك آخر خراسانيا يسمى نزارا فهزمهم، ثم وجه إليه صالح بن مشكان فهزمهم، ثم وجه إليه صالح بن صبيح فانهزم أيضا، ثم سار إليه حميد بن قحطبة فهزمه هو الآخر. فأرهب الناس وأهمهم أمره، ثم وجه إليه أبو جعفر عبد العزيز بن عبد الرحمن وضم إليه زياد بن مشكان فانهزما أيضا، فبعث إليه المنصور خازم بن خزيمة في ثمانية آلف فدارت بينهم معركة قتل في نهايتها ملبد وأكثر جيشه وهرب من بقي منهم متسللين بأنفسهم. وقد خرج على المنصور أيضا أهل المغرب بقيادة أبي حاتم الإباضي. ويسمى يعقوب بن حبيب، وكان عامل تلك الجهة، وهي طرابلس، يسمى الجنيد بن بشار فكتب إلى عمر بن حفص القائد العام لإفريقية يستمده فأمده بعسكر التقى مع الإباضية في معركة فانهزموا أمام أبي حاتم إلى قابس، فلحقهم وحاصرهم فيها، ثم حاصر القيروان وكثر أتباعه وضيق عليها الحصار مدة ثمانية أشهر حتى أكلوا دوابهم وكلابهم. وفي هذه الأثناء جاءهم الخبر بوصول عمر بن حفص فاستبشروا وجاء عمر حتى نزل مكانا يسمى الهريش، فلما علم أبو حاتم ترك حصار القيروان وحول جمعه لملاقاة عمر، فلما علم بهم عمر، وكان في سبعمائة فارس ذهب إلى تونس فتبعه البربر فعاد إلى القيروان مسرعا وأدخل إليها كل ما يلزم من دواب وطعام وغير ذلك، فجاء أبو حاتم إلى القيروان وحاصرها كحصار المرة الأولى حتى أجهدها وكانوا في أثناء الحصار تحصل بينهم مناوشات غير مجدية، وهنا عزم عمر على منازلتهم كيفما كانت النتيجة ثم التحم معهم في معركة قتل فيها، فقام بالأمر بعده أخوه لأمه حميد بن صخر فوادع الثائرين ريثما يجيء مدد الخليفة المكون من ستين ألفا على رأسهم يزيد بن حاتم بن قتيبة بن المهلب، ثم حصلت حروب عدة قضي فيها على تلك الحركات جميعها في معارك بلغت 375 معركة فيما قيل. |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (12) محمد فاروق الإمام الخروج على الرشيد ونهاية الخوارج وظهور فرقة الإباضية خرج الصحصح بالجزيرة على الرشيد، وكان عامله على الجزيرة يسمى أبا هريرة محمد بن فروخ فوجه إليه الصحصح جيشا ولكنه انهزم، ثم توسع الصحصح وخرج إلى الموصل فلقيه عسكرها واقتتلوا فقتل منهم كثيرا، ثم رجع إلى الجزيرة فسير إليه الرشيد جيشا التقوا به في دورين في معركة قتل فيها الصحصح وأصحابه. ثم خرج على الرشيد أيضا الوليد بن طريف التغلبي بالجزيرة واستولى عليها وعلى نصيبين ووصل إلى أرمينية وأذربيجان وحلوان وأراضي السواد، فوجه إليه الرشيد يزيد بن مزيد الشيباني. وقد أراد يزيد أن يطاوله ليضعفه ويمكر به، إلا أن البرامكة كانت في نفوسهم حزازة عليه فقالوا للرشيد: إنما يتجافى يزيد عن الوليد للرحم لأنهما كليهما من وائل وأخذوا يهونون أمر الوليد فكتب إليه الرشيد كتابا مغضبا وقال له: "لو وجهت أحد الخدم لقام بأكثر مما تقوم به ولكنك مداهن متعصب، وأقسم بالله إن أخرت مناجزته لأوجهن إليك من يحمل رأسك"، فقام يحرض أصحابه قائلا لهم: "فداكم أبي وأمي إنما هي الخوارج ولهم حملة فاثبتوا، فإذا انقضت حملتهم فاحملوا عليهم فإنهم إذا انهزموا لم يرجعوا"، ثم نشبت المعركة فقتل الوليد. ثم خرج عبد السلام بن هشام اليشكري بالجزيرة أيضا وكثر أتباعه بها وذلك في زمن المهدي، فبعث إليه المهدي الجيش تلو الجيش وهو يهزمهم أولا بأول، فأرسل المهدي إلى القائد الذي بمواجهتهم؛ ويسمى شبيب بن واج ألف فارس، وكان المهدي قد قوى نفوسهم فجعل لكل جندي ألف درهم وألحقهم بشبيب، فلما وصلوا إليه خرج بهم في طلب عبد السلام، فانهزم منهم عبد السلام، فاتبعوه حتى أتى قنسرين فأحيط به وقتل هناك. ثم كان خروج يوسف بن إبراهيم البرم على المهدي بخراسان ناقما على المهدي سيرته فتبعه خلق كثير في تلك النواحي. فبعث إليه المهدي يزيد من مزيد الشيباني فالتقوا في معركة أسر فيها البرم، فوجه به يزيد إلى المهدي ومعه وجوه أصحابه فلما وصلوا إلى المهدي أمر بقطع يدي يوسف ورجليه وضرب عنقه وأعناق أصحابه الذين معه. وكان آخر الخارجين على المهدي ياسين التميمي وكان خروجه بالموصل محكما، وكان على رأي صالح بن مسرح واجتمع له خلق كثير وأخذ في التوسع فأخذ أكثر ربيعة والجزيرة، فخرج لقتاله عسكر الموصل ولكنه هزمهم. فوجه المهدي قائدين أحدهما أبو هريرة محمد بن فروخ، والآخر هرثمة بن أعين فدارت بينهما معارك انتهت بقتله وانهزم من بقي من أتباعه. وبانهزامه انتهت حركات الخوارج ضد الدولة العباسية في المشرق والمغرب، وإن أصبحت للإباضية منهم دولة في عُمان والمغرب. والإباضية إحدى فرق الخوارج كما هو معروف رغم إنكارهم ذلك، وهي تنسب إلى صاحبها عبد الله بن إباض، وهي أكثر هذه الفرق اعتدالا، وأخفها أحكاما على مخالفيها، وألينها مبادئ، فلا غرابة أن نراها باقية إلى اليوم ولها أتباع ومريدون في المشرق والمغرب من العالم العربي الإسلامي، ونرى سواها من فرق الخوارج قد بادت، حيث إنها لم تضمن لنفسها أسباب البقاء. نشأت الإباضية بعد الهزيمة التي حلت بالخوارج على يد أصحاب الإمام علي رضي الله عنه في معركة النهروان، ثار البعض ممن بقوا، فعزموا على الانتقام بالعنف، بينما فضلت جماعة منهم الالتزام بالهدوء والروية والجنوح إلى المسالمة، خاصة وأنهم يشكلون أقلية ضعيفة لا يقدرون على الدفاع عن أنفسهم، فضلا عن تغيير الوضع، لذلك قررت هذه الجماعة المعتدلة الرحيل إلى البصرة تحت زعامة أبي بلال مرداس بن أذية التميمي الذي نصب إماما للشراة- أحد ألقاب الخوارج- فيما بعد. وبانتقال هذه الجماعة وتمركزها في البصرة أصبحت تشكل فريقا تحول من حزب علني معارض إلى حزب سري يتطلع إلى الوصول إلى السلطة... وبعد وفاة أبي بلال، انتقلت زعامة الفرقة إلى عبد الله بن إباض- توفي في النصف الثاني من القرن الهجري الأول- الذي انفصل سنة 65هـ عن الخـــوارج - وهم في نظر الإباضية أتباع نافع بن الأزرق- ومكث بالبصرة مع أصحابه بعد خروج المتطرفين منها، يذكر هذه الحادثة عبد الله بن إباض نفسه. وهكذا بدأت الفترة الأولى من الإباضية التي يمكن تسميتها بمرحلة الكتمان، فيكون- إذن- مكوث عبد الله بن إباض بالبصرة ومن معه مؤشرا حقيقيا لتبلور الآراء الإباضية وتميزها من غيرها من المتطرفين الخوارج، ومن ثم يمكن اعتبار هذه الحادثة من الناحية التاريخية سبباً مباشراً لظهور فرقة الإباضية... إلا أنه ينبغي الإشارة إلى أن التأسيس الحقيقي للفرقة كان على يد الإمام جابر بن زيد الأزدي العماني (توفي سنة 93هـ) الذي انضم إلى جماعة أبي بلال مرداس بن أذية التميمي بعد مجيئه إلى البصرة، فكان لانضمام جابر إلى هذه الجماعة أثر بالغ في نشأة الإباضية وتحديد معالم أفكارها وآرائها. ويعتبر الإباضية جابر بن زيد المؤسس الحقيقي للمذهب، إذ إنه كان الإمام الروحي، وفقيه الإباضية ومفتيهم، وكان بالفعل الشخص الذي بلور الفكر الإباضي بحيث أصبح متميزا عن غيره من المذاهب، بينما كان ابن إباض المسؤول عن الدعوة والدعاة في شتى الأقطار. |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (13) محمد فاروق الإمام معتقدات الإباضية يتصف الإباضيون بتمسُّكُهم الشديد بالدين، وبأداء فروضه، وتجنب منهياته إلى حد يثير الإعجاب ويدعو للاعتبار، وبُغضهم المفرط لأصحاب الظلم والفساد، وبفضل هاتين الصفتين استطاعوا أن يُحققوا لأنفسهم عزًّا دينيا ومجدًا سياسيا، خلَّدَ ذكرهما التاريخ. والواقع أن الاعتدال هو السمة الواضحة لعقائد الإباضية، إذ إنهم يحرِّمون دماء المسلمين وسَبيَ ذَراريهم وغنيمةَ أموالهم، كما أنهم اعتبروا دُور مخالِفيهم دارَ توحيد إلاَّ معسكر السلطان فإنه دار بَغي، وأجازوا مناكحتهم وموارثتهم وغنيمة أموالهم من السلاح والكراع عند الحرب، وحرَّموا قتلهم وسبيَهم في السرِّ غيلةً إلا بعد نصب القتال وإقامة الحجة. وقالوا في مرتكبي الكبائر إنهم موحِّدون، وإن كفروا، كفر النعمة لا كفر الملة. وتوقفوا في أطفال المشركين وجوَّزوا تعذيبَهم على سبيل الانتقام. ولعل طابعَ الاعتدال في عقائد الإباضية هذه هو ما جعلهم أقربَ فرق الخوارج إلى أهل السنة. والإباضيون: لا يقولون بأن دار مخالفيهم دار حرب، ولا يحكمون بالشرك على من خالفهم، ومن ثم لا يجيزون قتال من لم يقاتلهم، ومن قاتلوهم لا يستبيحون أخذ أموالهم كغنائم، ولا قتل نسائهم وأطفالهم، ولا سبيهم، ولا يعتبرون الخروج فرضا لازما، بل أباحوا لأفراد جماعتهم العيش في ظل حكم الطغاة تقية، للضرورة، ويذهبون إلى أن الشَّراء، أو بذلَ النفس أمرٌ طوعي إذا فرضه الخارجون على أنفسهم. ورغم تأكيد الإباضية وسعيهم إلى اعتبارهم مذهباً من المذاهب الإسلامية، لا صلة له بجماعة الخوارج، ورغم أن كثيرا من كتاب الفرق- قدماء ومحدثين- أقرُّوا بأن الإباضية أكثر الفرق الخارجة اعتدالاً، وأقربها تفكيرا ورأيا وسلوكا إلى أهل السنة- بالرغم من هذا- فقد نسبت إلى الإباضية بعض الآراء التي يبدو فيها التطرف، ويحتمل ظاهرها الخروج.. فمما نسب إلى الإباضية القول بأن مخالفيهم من المسلمين ليسوا مشركين، ولا مؤمنين بل سموهم كفارا، ويقولون: إنهم كفار نعمة لا كفارا في الاعتقاد. والإباضية لا يحكمون على مجتمع من المجتمعات التي يقطنها المسلمون بالكفر، كما أجازوا مناكحة مخالفيهم، وموارثتهم، وقبول شهادتهم، وحرموا قتلهم في السر غيلة إلا بعد نصب القتال وإقامة الحجة، فإن قام القتال أباحوا من أموالهم غنيمة الخيل والسلاح. أما عقائدهم في الإلهيات- أي التوحيد والتنزيه والصفات وخلق القرآن والعدل الإلهي والقضاء والقدر، أي مسألة الجبر والاختيار – فهي متطابقة مع عقائد الشيعة والمعتزلة.. وأما فقههم فهو مدرسة فقهية اجتهادية مستقلة، لكنها لا تبعد في آرائها عن فقه المدارس الفقهية الأربعة لأهل السنة والجماعة. ويتميز هؤلاء بتمسكهم بتقاليد وتعاليم وآداب المذهب الإباضي في نظمهم الاجتماعية، ووسائل التربية لأفراد جماعتهم، حيث يسود مجتمعهم نظم اجتماعية، وآداب توارثوها منذ القرن الخامس الهجري، حينما شعر الإباضية بأنه لم يعد بإمكانهم إقامة دولة تحمي جماعتهم، فوضعوا هذا النظام حفاظا على أفراد جماعتهم من الانحلال والذوبان في المجتمعات الأخرى، ويطلق على هذا النظام "نظام العزابة" وهو عبارة عن مجلس يهتم بشؤون أفراد الجماعة، ويمارس نوعا من الرقابة على سلوكهم، ويعتمد على التوجيه والمحاسبة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويستند إلى مبدأ الولاية والبراءة للأفراد والجماعات، فمن ارتكب معصية تُبرئ منه، وعُزل عن المجتمع إلى أن يتوب، فإن تاب تولاَّهُ أفراد المجتمع، وقد أحدث هذا النظام- كما يقول أحد الإباضية المعاصرين- انضباطا في السلوك، والمحافظة على قيم الدين وواجباته، والمحافظة على الأخلاق والآداب.. ولكن من ناحية أخرى كان لنظام العزابة سلبياته المتمثلة في القسوة الشديدة التي فرضها على أتباع المذهب، فحرَمَهم بها من مَتاعِ الحياة المُباح، كما عزَلَ أتباع المذهب عن بقية إخوانهم من أصحاب المذاهب الإسلامية، بدعوى السرية والمحافظة على تراثهم، ومن ثم أوجد فجوة بين الإباضية وبين إخوانهم في الدين، من أتباع المذاهب الإسلامية الأخرى. والهيئة محدودة العدد تمثل خيرة أهل البلد علماً وصلاحا، تقوم بالإشراف الكامل على شؤون المجتمع الإباضي الدينية والتعليمية والاجتماعية والسياسية، كما تمثل مجلس الشورى في زمن الظهور والدفاع، أما في زمن الشَّرَاء والكِتمان، فإنها تقوم بعمل الإمام، وتُمثِّله في مهامِّه. |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (14) محمد فاروق الإمام انتشار المذهب الإباضي في المغرب الإسلامي انتشر المذهب الإباضي في بلاد المغرب الإسلامي، فقد كان ظهورهم بإفريقية في أوائل القرن الثاني في عهد هشام بن عبد الملك الذي جدد عهد أبيه وأسلافه الأولين بالتزامه سياسة الشدة في مطاردة الخوارج والشيعة وملاحقتهم بالتقتيل والإبادة، ولعل أول داعية إباضي قدم هذه البلاد فاراً من قبضة ملاحقيه هو سلمة بن سعد، الذي عرف كيف يتنقل بالبلاد، وأي الشعاب يسلك حتى يأمن ظلم الظالمين، ويضمن لعمله التوفيق ولرسالته الانتشار، فاختار الطرق الجبلية البعيدة عن الصحراء القاحلة وأهوالها، وعن المناطق الساحلية الخاضعة لسلطة الولاة، وجبال نفوسة ودمر ونفزاوة وما والاها من المرتفعات والجبال، وكلها مناطق آهلة بالسكان، كثيرة العمران..أمكن له أن يستقر ويقوم في صفوف البربر بالدعوة، موضحا للأذهان الصورة الصحيحة للإسلام – كما يتصورها - في الاعتقاد والعبادة والمعاملة، وهي غير الصورة التي شهدها الناس في الحاكمين وأتباعهم في ذلك الوقت، فالتفَّ من حوله الناس مستجيبين لدعوته، وراحَ يتنقل من مكان إلى آخر، وما ارتحل من موضع إلا خلَّفَ فيه أتباعا.. تكاثروا مع مرور الأيام والأعوام حتى صار لهم شأن، وأضحوا يمثلون قوة يحسب لها ألف حساب. وشاءت الأقدار أن تنقرض الإمامة الإباضية من طرابلس فأصبحت تاهرت مركز الإمامة، وكانت أغلبية بلاد إفريقية في الجنوب والوسط تابعة لهذه الإمامة، وكان عمال الدولة الرستمية يقيمون أحكام الله في تلك البلاد نيابة عن الدولة الرستمية.. وقد استمرت هذه الجهات تحت حكم الدولة الرستمية إلى أن تغلبت عليها الدولة العبيدية (الفاطمية) فخربت تاهرت، وانقرضت من هنالك سلطتها.. من هذا نفهم أن كثيرا من أهل إفريقية من سكان المناطق المذكورة كانوا يدينون بالولاء إلى السلطة الإباضية بتاهرت، إما ولاء سياسيا، أو ولاء مذهبيا، إلى أن قامت الدولة العبيدية.. ثم استمر ولاؤهم بصفته المذهبية الدينية، إذ إن سكان الجنوب من إفريقية وإن لم تقم لهم دولة، فقد كانوا تحت نفوذ مشايخ العلم والعزابة من الإباضية، لذلك كانوا كأنهم يمثلون دولة لها سيادتها ولها تنظيمها الإداري والديني، واستقلالها الذاتي طوال الدولة الأغلبية وما قبلها بقليل وما بعدها. أما بالنسبة للتواجد الإباضي في دول المغرب العربي شمال إفريقيا، فيعود إلى أن الإباضية أرسلوا- منذ بدايات أمرهم- دعاة إلى المغرب لنشر الدعوة منهم الشيخ سلامة بن سعد- من أهل البصرة ومن مشايخ الإباضية في القرن الهجري الثاني- فنجح بعد عشرين سنة في تكوين جماعة معتبرة من الإباضيين في طرابلس الغرب، يتزعمها رجل يدعى عبد الله بن مسعود التجيبي، الذي آزرته قبيلة هوارة التي اعتنقت المذهب الإباضي، ثم تبعتها قبيلة زناتة في شرق طرابلس، ونفوسة في الجبل- ويحمل إلى اليوم اسم جبل نفُّوسة- وبفضل القبائل البربرية انتشر المذهب الإباضي في شمال إفريقيا، ولا يزال يوجد إلى اليوم في قبائل تسكن الصحراء في جنوب ليبيا والجزائر- بني ميزاب في تيهرت- ويسمون بإباضية المغرب. ولا يزال أتباع هذه الفرقة يعيشون إلى يومنا هذا في سلطنة عُمان، ويشكلون أغلبية المسلمين فيها، وهي-بالمناسبة- الدولة المسلمة الوحيدة التي يشكلون الأغلبية فيها، كما أنهم يوجدون في مناطق من شمال إفريقيا مثل جبل نفوسة جنوب ليبيا، وجزيرة جربة جنوب تونس، وفي ورقلة ومزاب من بلاد الجزائر، وأقلية في تنزانيا وبوروندي ورواندا في شرق إفريقيا. وسبب انتشارهم في عُمان يعود إلى أن الإمام جابر بن زيد الأزدي العماني، ركز- منذ البداية- دعوته على قبيلته "أزد" العمانية، فوجَّه إليها كل عنايته، وبحكم مركزه بين أقاربه فإنه لم يلقَ صعوبة في إقناعهم، وهكذا انتشر المذهب بين أهل عُمان منذ ذلك الزمن القديم، وبقي فيها، ولا زال هو المذهب الرئيسي لأهلها إلى يومنا هذا. |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (15) محمد فاروق الإمام صفات الخوارج لقد اتصفت الخوارج بصفات متميزة، جعلت منهم فئة تجادل عن اعتقادها باندفاع وحماس وعنف. وأهم ما اتصف به الخوارج الآتي: 1- الفصاحة وطلاقة اللسان ورصين البيان وأسلوب تأثير الكلام. 2- التشدد في العبادة والانهماك فيها. فقد كانوا أهل صلاة وصيام وتلاوة قرآن، وإخلاص لما يعتقدون حتى درجة الفداء والموت في سبيل الذود عن اعتقادهم. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في أواخر أيامه: "لا تقاتلوا الخوارج بعدي فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه". وقال عمر بن عبد العزيز لبعض الخوارج: "إني قد علمت أنكم لم تخرجوا مخرجكم هذا لطلب دنيا أو متاع.. ولكنكم أدركتم الآخرة فأخطأتم سبيلها". 3- الشجاعة النادرة. 4- حبهم للجدل والمناقشة والحوار والمناظرة ومذاكرة الشعر وكلام العرب، كما غلب التعصب على جدلهم وعدم التسليم للخصوم بحجة، وعدم الاقتناع بفكرة مهما كانت قريبة من الحق أو واضحة الصواب. ومن الحق أن نعترف أن الإخلاص كان سمة الكثيرين منهم، ولكنه إخلاص يصاحبه الانحياز لناحية معينة قد استولت على مداركهم. ونسوق هنا بعض الحقائق التي تبين انحيازهم لما يعتقدون: عند مسير خوارج البصرة إلى عبد الله بن وهب الراسبي، صادفوا في طريقهم رجلا يسوق بامرأة على حمار، فعبروا إليه، فدعوه فتهددوه وأفزعوه، وقالوا له: من أنت ؟ قال: أنا عبد الله بن خباب بن الأرت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم أهوى إلى ثوبه يتناوله من الأرض - وكان سقط عنه لما أفزعوه - فقالوا له: أفزعناك، قال: نعم، قالوا له: لا روع عليك ! فحدثنا عن أبيك بحديث سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم لعل الله ينفعنا به ! قال: حدثني أبي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن فتنة تكون ! يموت فيها قلب الرجل كما يموت فيها بدنه، يمسي فيها مؤمناً ويصبح كافرا، ويصبح فيها كافراً ويمسي فيها مؤمنا". فقالوا: لهذا الحديث سألناك، فما تقول في أبي بكر وعمر ؟ فأثنى عليهما خيرا. قالوا: ما تقول في عثمان في أول خلافته وفي آخرها ؟ قال: إنه كان محقا في أولها وفي آخرها. قالوا: فما تقول في علي قبل التحكيم وبعده ؟ قال: إنه أعلم بالله منكم، وأشد توقيا على دينه، وأنفذ بصيرة. فقالوا: إنك تتبع الهوى، وتوالي الرجال على أسمائها لا على أفعالها، والله لنقتلنك قتلة ما قتلناها أحدا. فأخذوه فكتفوه ثم أقبلوا به وبامرأته وهي حبلى متم، حتى نزلت تحت نخل مواتر، فسقطت منه رطبة، فأخذها أحدهم فقذف بها في فمه، فقال أحدهم: بغير حلها، وبغير ثمن ! فلفظها وألقاها من فمه، ثم أخذ سيفه بيمينه، فمر خنزير لأهل الذمة فضربه بسيفه. فقالوا: هذا فساد في الأرض، فأتى صاحب الخنزير فأرضاه من خنزيره، فلما رأى ذلك منهم ابن خباب قال: لئن كنتم صادقين فيما أرى فما علي منكم بأس، إني لمسلم، ما أحدثت في الإسلام حدثا، ولقد أمنتموني، قلتم: لا روع عليك ! فجاؤوا به فأضجعوه فذبحوه، وسال دمه في الماء، وأقبلوا إلى المرأة، فقالت: إنما أنا امرأة، ألا تتقون الله ! فبقروا بطنها، وقتلوا ثلاث نسوة في طيء، وقتلوا أم سنان الصيداوية. هذا مظهر من مظاهر إخلاصهم، ومع ذلك فالتحيز يسيطر عليهم، فقد قتلوا عبد الله بن خباب لأنه لم يقل لهم: علي مشرك، وأبوا أن يأخذوا تمر النصراني بغير ثمن. وساموا رجلا نصرانيا بنخلة فقال: هي لكم، فقالوا: والله ما كنا لنأخذها إلا بثمن. قال النصراني: ما أعجب هذا أتقتلون مثل عبد الله بن خباب ولا تقبلون منا نخلة !! وهكذا نرى التناقض واضحا في صفاتهم، وازدواجية في المعايير، تقوى وإخلاص يرافقه انحراف وهوس، وتشدد وخشونة وجفوة، وتهور واندفاع في الدعوة إلى ما يعتقدون، وحملهم الناس على قبول آرائهم المنحرفة المتميزة بالعنف والقسوة والبطش من غير رفق، وبما لا يتفق وسماحة الإسلام كحال خوارج زماننا". والله تعالى يقول: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). وقال تعالى مخاطبا نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين). |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (16) محمد فاروق الإمام الحالة الاجتماعية للخوارج هذه الصفات المتناقضة عند الخوارج تدفعنا إلى الاعتقاد - والله أعلم - إلى أن جل الخوارج كانوا من الأعراب، وهؤلاء كانوا في فقر مدقع قبيل الإسلام. ولما جاء الإسلام لم تتحسن أحوالهم المادية، ولم تتأثر طبيعتهم الجلفة القاسية - لابتعادهم عن رقة ونعومة وطراوة ولين الحاضرة - بالحياة التي اكتسبها أقرانهم من خلال احتكاكهم بالأمم المتمدينة، كما لم تتحسن ظروفهم المعيشية، ونجد أن الإسلام أصاب شغاف قلوبهم دون عقولهم مما أدى إلى سذاجة التفكير وضيق في الأفق والتصور والتحليل وإعمال العقل، وبعد عن التعمق في الدين وعلومه، فتكونت نفوسهم على الإيمان والتعصب، في نطاق عقول متهورة مندفعة لأنها تربت على قساوة البادية ولم تعرف إلا الصحراء. وكانت في نفس الوقت زاهدة، فإن عيونهم لم تر غير الرمال وبيوت الشعر والنوق والخيل والسيف، ولهذا نراها قد انصرفت عن الشهوات المادية وملاذ هذه الحياة، واتجهت بكليتها تفكيراً وأحاسيس إلى نعيم الآخرة. ولقد كانت هذه الحياة التي يعيشونها في بيدائهم دافعة لهم على الخشونة والقسوة والعنف، إذ النفس صورة لما تألف، ولو أنهم عاشوا حياة رافهة فاكهة في نعيم، أو في نوع منه لخفف ذلك من عنفهم وألان صلابتهم، ورطب شدتهم. ومثال على ما سبق ذكره هذه القصة القصيرة: "خرج رجل على عبيد الله بن زياد، يقال له أبا الخير، وكان من أهل البأس والفروسية والنجدة، وكان على رأس الخوارج، فدعاه ابن زياد، وولاه بعض ولاياته، وأعطاه أربعة آلاف درهم كل شهر، وجعل عمالته في كل سنة مئة ألف، فكان أبو الخير يقول: ما رأيت شيئا خيراً من لزوم الطاعة والتقلب بين أظهر الجماعة، فلم يزل واليا حتى أنكر فيه زياد شيئا، فتنمر لزياد فحبسه، فلم يخرج من محبسه حتى مات". وهكذا نجد كيف أن النعمة قد ألانت من طباع هذا الخارجي، وهذبت نفسه وجعلته سمحاً رقيقاً بعد أن كان قاسياً متعصباً وعنيفا. إضافة إلى ما تقدم من الأمور - التي دفعت الخوارج على الخروج والتمرد على الإمام - فإن هناك أمراً لا يجوز إغفاله، وقد يكون من أهم الأمور التي حفزتهم للخروج، فقد كانوا يحسدون قريشاً على استيلائهم على الخلافة واستبدادهم بها دون الناس، والدليل على ذلك أن أكثرهم من القبائل الربعية – بني ربيعة - التي قامت بينها وبين القبائل المضرية الكثير من الحروب والنزاعات التي خفف الإسلام من حدتها، ولم يذهب بكل غلوائها، بل بقيت آثارها الكثيرة متمكنة من نفوسهم. وقد تظهر في الآراء والمذاهب من حيث لا يشعر المعتنق للمذهب الآخذ بالرأي، وأن الإنسان قد يسيطر على نفسه هوى يدفعه إلى فكرة معينة يخيل إليه أن الإخلاص رائده، والعقل وحده يهديه، وهذا أمر واضح في مجريات الحياة كلها، فالإنسان ينفر من كل فكرة اقترنت بما يؤلمه. وعلى هذا فلنتصور أن الخوارج، وأكثرهم ربعيون، لم يستسيغوا أن يروا الخلفاء من مضر، مما دفعهم حسدهم، إضافة إلى ترسبات الماضي، لينفروا من حكمهم ويتجهوا في تفكيرهم نحو الخلافة تحت ظل هذا النفور من حيث لا يشعرون، وظنوا أن ما يقولونه هو محض الدين، وأنه لا دافع لهم إلا الإخلاص لدينهم. لقد كان الخوارج أكثرهم من العرب، وبينهم قلة من الموالي، مع أن آراءهم في الخلافة من شأنها أن تجعل للموالي الحق في أن يكونوا خلفاء عندما تتوافر شروطها، فقد كان الخوارج لا يقصرون الخلافة على العرب، ولا على جنس من الأجناس، أو فريق من الناس. والسبب في نفور الموالي من مذهبهم أنهم هم أنفسهم مع هذه الآراء، ينفرون من الموالي، ويتعصبون ضدهم، فهذا المختار بن أبي عبيد الثقفي عندما استتب له الأمر في الكوفة أخذ يقرب العرب ويشيح عن الموالي حتى أثار ريبتهم ودفع أبا عمرة رئيسهم - وكان من الموالي - ليلفت نظر المختار وهو يقرب العرب ويشيح عن الموالي، فأرضى المختار رئيس حرسه بقوله: بل هم مني وأنا منهم - يقصد الموالي - وروى ابن أبي الحديد أن رجلاً من الموالي خطب امرأة عربية من الخوارج فقالوا لها: فضحتنا… وربما لو تركوا تلك العصبية لتبعهم خلق كثير من الموالي. |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (17) محمد فاروق الإمام فكر الخوارج ومبادئهم بعد أن عرفنا عقلية الخوارج وقبائلهم، لا بد لنا من أن نتعرف على مبادئهم. والحق أن مبادئهم مرآة واضحة لتفكيرهم وسذاجة عقولهم ونظرتهم السطحية، ونقمتهم على قريش، وكل القبائل المضرية. ويمكن إيجاز أفكارهم بالآراء التالية: لا يتم تنصيب الخليفة إلا بانتخاب حر صحيح، يقوم به المسلمون كافة، لا فريق منهم نيابة عن الأمة - وهذا الرأي هو الرأي السديد المحكم - ويستمر خليفة ما دام قائما بالعدل مقيما للشرع، مبتعدا عن الخطأ والزيغ، فإن حاد وجب عزله أو قتله. لا يختص بيت من بيوت العرب بأن يكون الخليفة منه، فليست الخلافة مختصة بقريش، وليست لعربي دون أعجمي، والجميع في الخلافة سواء، بل يذهب بعضهم إلى أن يكون الخليفة غير قرشي ليسهل عزله أو قتله إن خالف الشرع وحاد عن الحق، إذ لا تكون له عصبية تحميه، ولا عشيرة تؤويه، وعلى هذا الأساس اختاروا في أول خروجهم "عبد الله بن وهب الراسبي" وأمروه عليهم وسموه "أمير المؤمنين" وهو ليس بقرشي. وبعض الخوارج يرون أنه لا حاجة إلى إمام إذا تمكن الناس من التناصح فيما بينهم، وإن لم يتمكن الناس من التناصح أقاموا إماما يحملهم على الحق، وهذا يعني أن إقامة الإمام ليست واجبة شرعا بل جائزة. وإن وجبت فإن وجوبها تفرضه المصلحة والحاجة. ويجمع الخوارج على تكفير أهل الذنوب، ولم يفرقوا بين ذنب وذنب بل اعتبروا الخطأ في الرأي ذنبا، إذا أدى إلى مخالفة وجه الصواب في نظرهم، ولذا كفروا عليا رضي الله عنه بقبوله التحكيم، مع أنه لم يقدم عليه مختارا، ولو سلم أنه اختاره فالأمر لا يعدو أنه اجتهاد قد أخطأ فيه، إن كان التحكيم جانب الصواب، فلجاجتهم في تكفيره رضي الله عنه دليل على أنهم يرون الخطأ في الاجتهاد يخرج من الدين، كذلك كان شأن (طلحة والزبير) رضي الله عنهما وغيرهما من كبار الصحابة الذين خالفوهم في جزئية من جزئيات كانت نتيجة لاجتهادهم. وهذه الاعتقادات التي جعلوها مبادئ راسخة في قلوبهم وعقولهم جعلتهم يخرجون على جمهور المسلمين، ويعدونهم مخالفين مشركين، واقضوا مضاجع الحكام بسببه، وسفكوا الدماء، وزرعوا الرعب في طول دولة الإسلام وعرضها. كما اتصف الخوارج بأنهم قوم خصمون يجادلون عن مذهبهم، ويتصيدون الحجج من خصومهم ومخالفيهم، ويتمسكون بآرائهم أشد الاستمساك، لدرجة الأسود والأبيض. وكانوا حتى في حروبهم يتحينون الفرص للحوار مع خصومهم، وكانوا كثيرا ما يوقفون القتال مع مقاتليهم ليساجلوهم الآراء والأفكار. وكان من صفتهم التعصب في جدالهم، فهم لا يسلمون لخصومهم بحجة، ولا يقنعون بفكرة مهما تكن قريبة من الحق، أو واضحة الصواب. وسبب ذلك استيلاء قلوبهم وهوى أنفسهم على عقولهم. وكثيرا ما دفعتهم رغبتهم في نصر مذهبهم إلى أن يكذبوا أحيانا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روي عن خارجي تاب أنه دعا العلماء لأن ينظروا في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الخوارج كانوا إذا لم يجدوا دليلا يدعم حجتهم نسبوا للرسول صلى الله عليه وسلم كلاما لم يقله. وكان الخوارج يتمسكون بظواهر القرآن، ولا يتجاوزون ذلك الظاهر إلى المرمى والمقصد والموضوع، وما يظهر لهم بادي الرأي يقفون عنده ولا يحيدون عنه قيد أنملة. وكانوا يستخدمون الظاهر من القرآن من غير تحر في دفع التهم عما ينسب إلى بعضهم من جرائم. فهذا عبيدة بن هلال اليشكري، اتهم بامرأة حداد، رأوه مرارا يدخل داره بغير إذنه، فأتوا قطري بن الفجاءة الذي نصبوه أميرا لهم، فذكروا له ذلك، فقال لهم أن عبيدة من الدين بحيث علمتم، ومن الجهاد بحيث رأيتم. فقالوا: إنا لا نقره على الفاحشة. فقال: انصرفوا ! ثم بعث إلى عبيدة فأخبره، فقال: بهتّموني يا أمير المؤمنين كما ترى. قال: إني جامع بينك وبينهم فلا تخضع خضوع المذنب، ولا تتطاول تطاول البريء، فجمع بينهم فتكلموا. فقام عبيدة فقال: بسم الله الرحمن الرحيم (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم)، فلما سمع القوم هذه الآية بكوا وقاموا إلى عبيدة واعتنقوه وهم يبكون قائلين: استغفر لنا. سياسة الخوارج: لقد كان الخوارج دعاة مثل سياسية متميزة، يخلصون لها، ويتشددون في طرحها، ويتطرفون في تأييدها، ويشهرون السيف في وجه كل مخالف، ويثورون على كل حكومة لا تحقق مثلهم. ولما كانت نظرتهم تكاد تكون واحدة تجاه كل الخلفاء والولاة والحكام، مما يجعلنا ننظر إليهم على أنهم حزب سياسي، تبنى مبدأ العدالة الاجتماعية التي دعا إليها الإسلام. وكان الخوارج يمثلون في كل الأوقات القوى المعارضة في دولة الإسلام. وكانت دعوتهم الأولى تكاد تكون سياسية محضة، فلا خلاف بينهم وبين باقي المسلمين لا في أصول الدين ولا في فروعه، اللهم إلا الخلاف حول رأيهم بعثمان وعلي رضي الله عنهما. أما نظرة الخوارج إلى بني أمية فهي أنهم لم يُختاروا اختياراً صحيحاً من الأمة بل جعلوا ملكهم جبريا، وعليه يجب الثورة عليهم والخروج على طاعتهم ومحاولة قتلهم أو عزلهم. واستطاع الخوارج فرض أنفسهم على الساحة السياسية والعسكرية أيام دولة بني أمية ودولة ابن الزبير، وكانت مدينتا الكوفة والبصرة تمثلان قاعدتين قويتين لانطلاقهم في كل ثورة وعند كل خروج، بالإضافة إلى البحرين واليمامة وعُمان وبعض بلدان فارس. وبتعبير أدق فقد كانت العراق قاعدتهم الصلبة، تموج بالرجال وأدوات الحرب وأما المال "فكانوا زاهدين به إلا بقدر الحاجة". |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (18) محمد فاروق الإمام فرق الخوارج الكبرى المُحكِمَة: هم الذين خرجوا على علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين جرى التحكيم في صفين، واجتمعوا في حروراء، وكان رأسهم عبد الله بن الكواء، وعتاب بن الأعور، وعبد الله بن وهب الراسبي وعروة بن حدير، ويزيد بن أبي عاصم المحاربي، وحرقوص بن زهير البجلي المعروف "بذي الثدية". وكانوا يومئذ في اثني عشر ألف رجل، أهل صلاة وصيام. وكان خروج المحكمة على أمرين: الأول: بدعتهم في الإمامة، إذ جوزوا أن تكون الإمامة في غير قريش، وكل من نصبوه برأيهم وعاشر الناس على ما مثلوا له من العدل واجتناب الجور كان إماما، ومن خرج عليه يجب نصب القتال معه، وإن غير السيرة وعدل عن الحق وجب عزله أو قتله، وهم أشد الناس قولا بالقياس، وجوزوا أن لا يكون في العالم إمام أصلا، وإن احتيج إليه فيجوز أن يكون عبدا أو حرا، أو نبطيا، أو قرشيا. الثاني: أنهم قالوا: أخطأ علي في التحكيم، إذ حكم الرجال ولا حكم إلا لله، ولعنوا عليا - قاتلهم الله - وطعنوا في عثمان، وفي أصحاب الجمل وأصحاب صفين. وقاتلهم علي بالنهروان قتالا شديدا، وما نجى منهم إلا ما دون العشرة - قتل فيها أحد كبار الخوارج وهو حرقوص بن زهير البجلي ولم يستشهد من أصحاب علي إلا أقل من عشرة وانهزم من الخوارج اثنان إلى الجزيرة، وواحد إلى تل مورن باليمن، وظهرت بدع الخوارج في هذه المواضع. وممن نجى من النهروان عروة بن حدير الذي كان أول من قال: لا حكم إلا لله. وأول من بويع من الخوارج بالإمامة عبد الله بن وهب الراسبي في منزل زيد بن الحصين، بايعه عبد الله بن الكواء، وعروة بن حدير، ويزيد بن عاصم المحاربي. وتبرأ الراسبي من الحكمين، وممن رضي بقولهما وصوب أمرهما. وكفّر عليا - قاتله الله - وقال: إن عليا ترك حكم الله وحكم الرجال. وقيل إن أول من تلفظ بهذا الشعار رجل من بني سعد بن زيد بن مناة بن تميم، يقال له الحجاج بن عبيد الله الملقب بالبرك. ويقال إن أول سيف سل من سيوف الخوارج سيف عروة بن حدير. وهكذا نجد أن المحكّمة كفروا عليا وعثمان، وأصحاب الجمل، ومعاوية وأصحابه، والحكمين رضي الله عنهم أجمعين، وكفروا من رضي بالتحكيم، وكفروا كل ذي ذنب ومعصية. وخرج على علي رضي الله عنه جماعة كانوا على رأي المحكمة الأولى، منهم أشرس بن عوف، وكان خروجه بالأنبار، وغفلة التميمي، وكان خروجه بماسبذان، والأشهب بن بشر العرني، خرج عليه بجرجاريا. وسعد بن قفل، خرج عليه بالمدائن. وأبو مريم السعدي، خرج عليه في سواد الكوفة. وقتل علي كل هؤلاء الخارجيين. أيضا في عهد معاوية رضي الله عنه خرج عليه من المحكمة بعض الخوارج وكان منهم: عبد الله بن جوشا الطائي، وخرج بالنخيلة من سواد الكوفة فقتله أهل الكوفة. ثم خرج عليه حوثرة بن وداع الأسدي، ثم خرج فروة بن نوفل الأشجعي، والمستورد بن علفة التميمي على المغيرة بن شعبة - والي الكوفة لمعاوية - فقتلا في حربه، ثم خرج معاذ بن جرير على المغيرة أيضا وقتل. ثم خرج زياد بن خراش العجلي على زياد بن أبيه - والي العراق لمعاوية - فقتل. وخرج قريب بن مرة على عبيد الله بن زياد، كما خرج عليه أيضا زحاف بن زحر الطائي، وقتلوا جميعا. الأزارقة: لم تكن للخوارج قط فرقة أكثر عدداً ولا أشد منهم شوكة، وسموا بالأزارقة نسبة إلى إمامهم نافع بن الأزرق، وهم الذين خرجوا معه من البصرة إلى الأهواز، فقهروا أهلها، وبسطوا نفوذهم على كورها، وما وراءها من بلدان فارس وكرمان في أيام عبد الله بن الزبير، وقتلوا عماله في تلك النواحي. وكان مع نافع من أعيان الخوارج: عطية بن الأسود الحنفي، وعبد الله بن الماحوز، وأخواه عثمان والزبير، وعمرو بن عمير العنبري، وقطري بن الفجاءة المازني، وعبيدة بن هلال اليشكري، وأخوه محرز بن هلال اليشكري، وعبد ربه الصغير. وكان معهم ثلاثون فارسا ممن يرى رأيهم، وينخرط في سلكهم. |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (19) محمد فاروق الإمام بدع الأزارقة وضلالاتهم تتلخص بدع الأزارقة بالآتي: 1- تكفيرهم لعلي، مدعين أن الله أنزل في شأنه: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا، ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام). وزادوا على ذلك في تكفيرهم لعثمان وطلحة والزبير وعائشة وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم، وتخليدهم في النار. 2- تكفير القعدة عن القتال وإن كان موافقا لهم، وتكفير من لم يهاجر إليهم. 3- إباحة قتل أطفال المخالفين ونسائهم. 4- إسقاط عقوبة الرجم عن الزاني، إذ ليس في القرآن ذكره. وإسقاط حد القذف عن قذف المحصنين من الرجال، مع وجوب الحد على قاذف المحصنات من النساء. 5- الحكم بأن أطفال المشركين في النار مع آبائهم. 6- التقية غير جائزة في قول ولا عمل. 7- إجازة أن يبعث الله تعالى نبيا يعلم أنه يكفر بعد نبوته، أو كان كافرا قبل البعثة. 8-إن مخالفيهم من هذه الأمة مشركون. وبعد اجتماع الأزارقة على هذه البدع، واتفاقهم على نهجها، بايعوا نافع بن الأزرق وسموه "أمير المؤمنين" وانضم إليهم خوارج عُمان واليمامة، فصاروا أكثر من عشرين ألف رجل، واستولوا على الأهواز وما وراءها من أرض فارس وكرمان وجبوا خراجها. 9-تكفير من ارتكب كبيرة من الكبائر وخروجه عن الإسلام، ويكون مخلدا في النار مع سائر الكفار. المراحل التي مرت بها الأزارقة أ-المرحلة الأولى: تميزت هذه المرحلة باتساع نطاق الحركة ونموها. وهي تشمل الفترة من (64-73هـ/683-692م). وفي هذه الفترة واجهت الأزارقة حركة خطيرة كادت أن تقضي عليها. وهي وقوع الفرقة والتنافس فيما بينهم. بدأت هذه الفترة بإمارة نافع بن الأزرق، ليقتل سنة (65هـ/684م)، وبايع الأزارقة عبد الله بن الماحوز ليقتل في نفس السنة، ثم بايع الأزارقة أخاه الزبير بن الماحوز، الذي قتل بدوره في نفس السنة، ثم بايع الناس قطري بن الفجاءة سنة (71هـ/690م) فاستطاع أن يخفف من غلو الأزارقة وتعصبهم، مما أدى إلى انضمام عدد كبير من الخوارج إليه. ثم أبدى مرونة كبيرة مع الأعاجم فانضم إليه عدد كبير منهم. ب-المرحلة الثانية: وتشمل الفترة الممتدة ما بين (73-77هـ/692-696م) وفيها وصل الأزارقة أوج قوتهم. واتخذ الأزارقة في هذه المرحلة بلاد فارس قاعدة لهم، وأصبحت سابور عاصمة لهم ودار هجرة. وأمام ضغط المهلب بن أبي صفرة اضطر الأزارقة في هذه الفترة إلى ترك فارس والتوجه إلى كرمان. أ- المرحلة الثالثة: وهي مرحلة الضعف والانحلال. وفيها كانت نهايتهم، وتشمل الفترة الممتدة ما بين (77-78هـ/696-697م). وكان من أسباب هذا الضعف الحالات التالية: 1- فقدانهم منطقة سابور الغنية. 2- انقسامهم على أنفسهم وحدوث الخلاف فيما بينهم. حيث كان الصدام بين العرب والعجم عام (77هـ/696م). واختلاف نظرة الأزارقة إلى بقية الخوارج. كل هذه العوامل مجتمعة دفعت أمير الأزارقة قطري بن الفجاءة إلى الانسحاب - أمام ضغط المهلب - من كرمان إلى الري، ثم مكران ولم يلبث أن تركها إلى طبرستان ليقيم فيها مع أصحابه بإذن من حاكمها. واضطر قطري لخوض معركة غير متكافئة في جبال طبرستان مع جيوش الدولة الأموية انتهت بقتله، وتشتت أصحابه، وذلك في سنة (78هـ/697م) وقيل (79هـ/698م). وهكذا انتهت أسطورة هذه الفرقة التي دوخت دولة بني الزبير ودولة بني أمية. |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (20) محمد فاروق الإمام النجدات والصفرية كان خروج نجدة بن عامر الحنفي الذي تنسب إليه هذه الفرقة في اليمامة مع أتباعه يريد اللحاق بنافع بن الأزرق، فاستقبله أبو فديك، وعطية بن الأسود الحنفي وجماعة من أتباعهما، وقد فارقا ابن الأزرق وأطلعاه على ما أحدث ابن الأزرق من خلاف بتكفيره القعدة عنه، وغير ذلك مما ابتدع. وبعد مداولات اتفق الجميع على مبايعة "نجدة" فبايعوه، ولقبوه بأمير المؤمنين، وكفروا من يقول بإمامة ابن الأزرق، ولم يلبثوا أن اختلفوا على نجدة في أمور نقموها عليه فانقسم النجدات إلى ثلاث فرق: فرقة صارت مع عطية بن الأسود الحنفي إبى سجستان وتبعهم خوارجها، وسمي خوارج سجستان باسم "عطوية". وفرقة صارت مع أبي فديك حرباً على نجدة، وهم الذين قتلوا نجدة. وفرقة عذروا نجدة في أحداثه التي أتاها وأبقوا على إمامته. ومن اعتقادات النجدات قولهم: إن الدين أمران، أحدهما معرفة الله تعالى، ومعرفة رسله، وتحريم دماء المسلمين، وتحريم غصب أموال المسلمين، والإقرار بما جاء من عند الله تعالى جملة، فهذا واجب معرفته على كل مكلف. وما سواه فالناس معذورون بجهالته حتى يقيم عليه الحجة في الحلال والحرام، فمن استحل باجتهاده شيئا محرما فهو معذور، ومن خاف العذاب على المجتهد المخطئ، قبل قيام الحجة عليه فهو كافر. ومن بدع نجدة أنه تولى أصحاب الحدود من موافقيه، وقال: لعل الله يعذبهم بذنوبهم في غير نار جهنم ثم يدخلهم الجنة، وزعم أن النار يدخلها من خالفه في دينه. كما أجمعت النجدات على أنه لا حاجة للناس إلى إمام قط، وإنما عليهم أن يتناصفوا فيما بينهم. فإذا رأوا أن ذلك لا يتم إلا بإمام يحملهم فأقاموه. ومن ضلالات "نجدة" أيضا أنه أسقط حد الخمر، وأن من نظر نظرة صغيرة، أو كذب كذبة صغيرة وأصر عليها فهو مشرك، ومن زنى، وسرق، وشرب الخمر غير مصر عليه فهو مسلم، إذا كان من موافقيه على دينه. 4-البيهسية: أصحاب أبي بيهس الهيصم بن جابر، وعامة هذه الفرقة تقول: إن العلم والإقرار والعمل كله إيمان، وذهب قوم منهم إلى أنه لا يحرم سوى ما ورد في قوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعمِ يطعمه). وما سوى ذلك فكله حلال. وقالت البيهسية: إن واقع الرجل حراماً لم يحكم بكفره حتى يرفع أمره إلى الإمام الوالي ويحده، وما ليس فيه حد فهو مغفور. وقالت أيضا: إن الإمام إذا كفر كفرت الرعية، الغائب منهم، والشاهد. وقال بعضهم: إن السكر إذا كان من شراب حلال فلا يؤخذ صاحبه بما قال فيه وفعل. 5-العجاردة: أصحاب عبد الكريم بن عجرد. وافق النجدات في بدعهم، وادعى أنه تجب البراءة من الطفل حتى يدعى إلى الإسلام، ويجب دعاؤه إذا بلغ، وأطفال المشركين في النار مع آبائهم. ولا يرى المال فيئاً حتى يقتل صاحبه. وهم يتولون القعدة إذا عرفوهم بالديانة. ويرون الهجرة فضيلة لا فريضة، ويكفرون بالكبائر. ويحكى عن العجاردة أنهم ينكرون سورة يوسف من القرآن. ويزعمون أنها قصة من القصص، ولا يجوز أن تكون قصة الفسق من القرآن. كما أن العجاردة يجيزون نكاح بنات البنين، وبنات البنات، وبنات بنات الأخوة، وبنات بني الإخوة. والعجاردة لا يرون استباحة الأموال، ولا يباح مال مخالف إلا إذا قتل ولا يقتل من لا يقاتل. وكان العجاردة أصحاب جدل فيما بين أمرائهم وعلمائهم، وكان الجدل فيما بينهم، كثيرا ما ينتهي إلى انقسامات وفرقة وولادة العديد من الفرق الصغيرة. 6-الثعالبة: أصحاب ثعلبة بن عامر. كان مع عبد الكريم بن عجرد يداً واحدة إلى أن اختلفا في أمر الأطفال. فقال ثعلبة: أنا على ولايتهم صغارا وكبارا حتى نرى منهم إنكاراً للحق ورضا بالجور. فتبرأت العجاردة من الثعالبة. وكان الثعالبة يرون أخذ الزكاة من عبيدهم إذا استغنوا، وإعطاءهم منها إذا افتقروا. الصفرية أصحاب زياد بن الأصفر. خالفوا الأزارقة والنجدات والإباضية في أمور أهمها: كفروا القعدة عن القتال إذا كانوا من موافقيهم في الدين والاعتقاد. لم يسقطوا حد الرجم. 3-لم يحكموا بقتل أطفال المشركين وتكفيرهم وتخليدهم في النار. 4-قالوا: إن التقية جائزة في القول دون العمل. 5-جوزوا تزويج المسلمات من كفار قومهم في دار التقية دون دار العلانية. وقال الصفرية: الشرك شركان، شرك هو طاعة الشيطان، وشرك هو عبادة الأوثان. والكفر كفران، كفر بإنكار النعمة، وكفر بإنكار الربوبية. والبراء براءتان، براءة من أهل الحدود (سنة)، وبراءة من أهل الجحود (فريضة). ويقولون بوجوب قتل كل من أمكن قتله من مؤمن عندهم أو كافر. وكانوا يؤلون الحق بالباطل، وإن كان صاحب كبيرة فيها حد فإنه لا يكفر، حتى يرفع إلى الإمام فإذا أقام عليه الحد حينئذ يكفر. وقالوا: من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله بلسانه ولم يعتقد ذلك بقلبه، بل اعتقد الكفر أو الدهرية، أو اليهودية أو النصرانية، فهو مسلم عند الله، مؤمن، ولا يضره إذا قال الحق بلسانه ما اعتقد بقلبه. |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (21) محمد فاروق الإمام الفرق التي أفرزتها الفرق الكبرى أ-الحازمية: أصحاب حازم بن علي. قالوا: إن الله تعالى خالق أعمال العباد، ولا يكون في سلطانه إلا ما يشاء. وقالوا بالموافاة، وأن الله تعالى إنما يتولى العباد على ما علم أنهم صائرون إليه في آخر أمرهم من الإيمان، ويتبرأ منهم على ما علم أنهم صائرون إليه في آخر أمرهم من الكفر، وأنه سبحانه لم يزل محبا لأوليائه مبغضا لأعدائه. ويحكى عنهم أنهم يتوقفون في أمر علي رضي الله عنه ولا يصرحون بالبراءة منه. ويصرحون بالبراءة في حق غيره. ب-الشعبية: أصحاب شعيب بن محمد. قالوا: إن الله تعالى خالق أعمال العباد، والعبد مكتسب لها قدرة وإرادة، مسؤول عنها خيرا وشرا، مجازى عليها ثوابا وعقابا، ولا يكون شيء في الوجود إلا بمشيئة الله تعالى، وهم على بدع الخوارج في الإمامة والوعيد، وعلى بدع العجاردة في حكم الأطفال، وحكم القعدة، والتولي والتبري. ت-الخلفية: أصحاب خلف الخارجي، وهم من خوارج كرمان ومكران، قضوا بأن أطفال المشركين في النار، ولا عمل لهم ولا ترك. ث-المعلومية والمجهولية: قالت المعلومية: من لم يعرف الله تعالى بجميع أسمائه وصفاته فهو جاهل به، حتى يصير عالما بجميع ذلك، فيكون مؤمنا. وقالت: الاستطاعة مع الفعل، والفعل مخلوق للعبد. أما المجهولية فقالوا: من علم بعض أسماء الله تعالى وصفاته وجهل بعضها، فقد عرفه تعالى، وقالت: إن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى. ج-الصلتية: أصحاب عثمان بن أبي الصلت، أو الصلت بن أبي الصلت، ينفردون بالقول: إن الرجل إذا أسلم توليناه وتبرأنا من أطفاله حتى يدركوا فيقبلوا الإسلام. ويحكى عنهم أنهم قالوا: ليس لأطفال المشركين والمسلمين ولاية ولا عداوة حتى يبلغوا فيدعوا إلى الإسلام فيقروا أو ينكروا. ح-الحمزية: أصحاب حمزة بن أدرك، قالوا بالقدر خيره وشره من العبد، وإثبات الفعل للعبد خلقا وإبداعا، والقول: بأن الله تعالى يريد الخير دون الشر، وليس له مشيئة في معاصي العباد، وأجازوا نكاح بنات البنات، وبنات أولاد الإخوة والأخوات، وقالوا: إن الله تعالى حرم نكاح البنات، وبنات الإخوة والأخوات، ولم يحرم نكاح أولاد هؤلاء. وقالوا: إن أطفال مخالفيهم والمشركين كلهم في النار. وكان حمزة هذا من أصحاب الحسين بن الرقاد الذي خرج بسجستان، وجوز حمزة إمامين في عصر واحد، ما لم تجتمع الكلمة، ولم تقهر الأعداء. خ - المعبدية: أصحاب معبد بن عبد الرحمن، كان يحرم تزويج المسلمات من مشرك، ومنع أخذ الزكاة من العبيد، وجوز أن تصير سهام الصدقة سهما واحدا في حال التقية. د- الأخنسية: أصحاب أخنس بن قيس، قال: أتوقف في جميع من كان في دار التقية من أهل القبلة، إلا من عرف منه إيمان فأتولاه عليه، أو كفر فأتبرأ منه. وحرمت هذه الفرقة الاغتيال والقتل، والسرقة في السر. وجوزوا تزويج المسلمات من مشركي قومهم أصحاب الكبائر. ذ- الشيبانية: أصحاب شيبان بن سلمة، الخارج في أيام أبي مسلم الخرساني، وهو المعين له ولعلي بن الكرماني على نصر بن سيار. ر- الرشدية: أصحاب رشيد الطوسي. ويقال لهم العشرية، وهم فرقة انقسمت عن الثعالبة، والأسباب خلافهم مع الثعالبة فيما سقي بالأنهار والقنى، يجب فيه نصف العشر. ز- المكرمية: أتباع أبي مكرم (مكرم بن عبد الله العجلي). زعموا أن تارك الصلاة كافر، لا لأجل ترك الصلاة، لكن لجهله بالله عز وجل. وزعموا أن كل ذي ذنب جاهل بالله، والجهل بالله كفر. وقالوا بالموافاة في الولاية والعداء. س- الحفصية: هم أصحاب حفص بن أبي المقدام، قالوا: بأن بين الشرك والإيمان خصلة واحدة، وهي معرفة الله تعالى وحده، فمن عرفه ثم كفر بما سواه من رسول أو كتاب أو قيامة أو جنة أو نار، أو ارتكب الكبائر من الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، فهو كافر لكنه بريء من الشرك. ش- الحارثية: أتباع حارث بن يزيد الإباضي، وهم الذين قالوا في باب القدر بمثل قول المعتزلة، وزعموا أيضا أن الاستطاعة قبل الفعل، وزعموا أنه لم يكن لهم إمام بعد المحكمة الأولى، إلا عبد الله بن إباض، وبعده الحارث بن يزيد الإباضي. ص- أصحاب طاعة لا يراد بها الله: زعم هؤلاء أنه يصح وجود طاعات كثيرة ممن لا يريد الله تعالى بها، فإذا عرف الله تعالى فلا يصح منه بعد معرفته طاعة منه لله تعالى إلا بعد قصده التقرب بها إليه. ض- الشبيبية: ينتسبون إلى شبيب بن يزيد الشيباني المكنى بأبي الصحاري، أجازوا إمامة المرأة منهم إذا قامت بأمورهم وخرجت على مخالفيهم. وهناك بعض الفرق لم نجد من الفائدة درجها بين هذه الفرق. خوارج لا يعدون من المسلمين قام مذهب الخوارج على الغلو والتشدد في فهم الدين: فضَلّوا من حيث أرادوا الخير، وأجهدوا أنفسهم، وأجهدوا الناس معهم، وإن المؤمنين الصادقي الإيمان لم يحكموا بكفرهم، وإنما حكموا بضلالهم. ولكن مع هذا الغلو نبت في الخوارج ناس قد ذهبوا مذاهب ليست من الإسلام في شيء، وهي تناقض ما جاء في كتاب الله تعالى، وما تواترت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد جاء في كتاب الفرق بين الفرق للبغدادي ذكر طائفتين منهم أتوا بمبادئ تعد خروجا على الإسلام، وهما: أ-اليزيدية: وهم أتباع يزيد بن أنيسة الخارجي، وكان إباضيا، ثم ادعى أن الله سبحانه سيبعث رسولا من العجم ينزل عليه كتاب ينسخ (الشريعة المحمدية). ب-الميمونية: وهم أتباع ميمن العجردي (صاحب عبد الكريم بن عجرد) الذي انفصل عنه واختلف معه. وقد أباح هذا نكاح بنات الأولاد، وبنات أولاد الإخوة والأخوات. فقبحهم الله تعالى لسوء ما يعتقدون. |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (22) محمد فاروق الإمام ضلالات الخوارج وافتراءاتهم لقد كان للخوارج الكثير من الضلالات والافتراءات، التي جعلوا منها قواعد أساسية بنت عليها مجمل اعتقاداتها المنحرفة. والتي يمكن إيجازها بالآتي: 1-قولهم بأن من زنى أو سرق أو قذف فإنه يقام عليه الحد ثم يستتاب مما فعل، فإن تاب ترك، وإن أبى التوبة قتل على الردة. 2-كانوا يحرمون طعام أهل الكتاب، ويحرمون أكل قضيب التيس والثور والكبش، ويوجبون القضاء على من نام نهارا في رمضان فاحتلم، ويتيممون وهم على الآبار التي يشربون منها إلا قليلا منهم. 3-قالوا: إن لا صلاة واجبة إلا ركعة واحدة بالغداة، وركعة أخرى بالعشي فقط، ويرون الحج في جميع شهور السنة، ويحرمون أكل السمك حتى يذبح، ولا يرون أخذ الجزية من المجوس، ويكفرون من خطب في الفطر والأضحى ويقولون: إن أهل النار في النار في لذة ونعيم، وأهل الجنة كذلك. 4-أبطلوا رجم من زنى وهو محصن، وقطعوا يد السارق من المنكب، وأوجبوا على الحائض الصلاة والصيام في حيضها. 5-أباحوا دم الأطفال ممن لم يكن في عسكرهم، وقتل النساء ممن ليس في عسكرهم. وقالوا باستعراض كل من لقوه من غير أهل عسكرهم ويقتلونه إذا قال أنا مسلم، ويحرمون قتل من انتمى إلى اليهود أو إلى النصارى أو إلى المجوس، وبهذا شهد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمروق من الدين كما يمرق السهم من الرمية إذ قال صلى الله عليه سلم: "إنهم يقتلون الإسلام ويتركون أهل الأوثان". 6-قالوا: ليس على الناس أن يتخذوا إماما إنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم. 7-واتهموا من ضعف عن الهجرة إلى معسكرهم أنه منافق، واستحلوا دماء القعدة وأموالهم، وقالوا من كذب كذبة صغيرة أو عمل ذنبا صغيرا فأصر على ذلك فهو كافر، مشرك، وكذلك أيضا في الكبائر، وأن من عمل الكبائر غير مصر عليها فهو مسلم، وقالوا: جائز أن يعذب الله المؤمنين بذنوبهم لكن في غير النار وأما النار فلا. 8-ادعوا أن أصحاب الكبائر منهم ليسوا كفارا، وأصحاب الكبائر من غيرهم كفار. 9-أوجبوا قتل كل من أمكن قتله من مؤمن عندهم أو كافر، وكانوا يؤولون الحق بالباطل. 10-أحلوا نكاح بنات البنات، وبنات البنين، وبنات بني الأخوة والأخوات. 11-زعموا أن كل صاحب كبيرة فيها حد فإنه لا يكفر، حتى يرفع إلى الإمام فإذا أقام عليه الحد فحينئذ يكفر. 12-أوجبوا في الزكاة نصف العشر مما سقي بالأنهار والعيون. 12-وقالوا: لو وقعت قطرة خمر في جب ماء بفلاة من الأرض فإن كل من حضر على ذلك الجب فشرب منه وهو لا يدري بما وقع فيه فهو كافر بالله تعالى. 13-ادعوا أن من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله بلسانه ولم يعتقد ذلك بقلبه، بل اعتقد الكفر أو الدهرية، أو اليهودية، أو النصرانية، فهو مسلم عند الله، مؤمن، ولا يضره إذا قال الحق بلسانه ما اعتقد بقلبه. 14-قالوا: إن من بلغ الحلم من أولادهم، وبناتهم، فهم براء منه ومن دينه، حتى يقر بالإسلام فيتولوه حينئذ. 15-وقالوا: لا نتولى أطفالنا قبل البلوغ ولا نبرأ منهم لكن نقف منهم حتى يلفظوا بالإسلام بعد البلوغ. 16-وقالوا: ما كان من المعاصي فيه حد كالزنى والسرقة والقذف فليس فاعله كافرا، ولا مؤمنا، ولا منافقا. وأما ما كان من المعاصي لا حد فيه فهو كفر وفاعله كافر. 17-وادعوا: أن من عرف الله تعالى وكفر بالنبي صلى الله عليه وسلم فهو كافر وليس مشرك، فإن جهل الله تعالى أو جحده فهو حينئذ مشرك. وأن المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كانوا موحدين لله تعالى أصحاب كبائر. وكل ذنب صغير أو كبير ولو كان أخذ حبة خردل بغير حق أو كذبة خفيفة على سبيل المزاح فهي شرك بالله، وفاعلها كافر مشرك مخلد في النار، إلا أ يكون من أهل بدر فهو كافر مشرك من أهل الجنة، وهذا حكم طلحة والزبير رضي الله عنهما عندهم. |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (23) محمد فاروق الإمام الرد على ضلالات الخوارج لقد تصدى للخوارج كثير من علماء وفقهاء المسلمين داحضين أباطيلهم وبدعهم وضلالاتهم، التي أرادوا من خلالها الانتقاص من هذا الدين العظيم، والعبث بأركانه، والتلاعب بعقول الجهلة وأهل الهوى ممن اعتنقوه عن قناعة أو تقليد أو تقية، مركزين على الموالي والعبيد والأعراب، الذين كان جلهم ينتمون إلى أعراق غير عربية، وكان إسلامهم لدوافع دنيوية، فكانوا ينضمون لكل ناعق يبغي هذا الدين أو شق صف السلمين. ونسوق هنا قصة أحد الملوك من بني بويه الذين حكموا العراق ردحا من الزمن، وكان رافضيا متشيعا عن غير علم. تقول الرواية: ولما كان ثالث عشر ربيع الأول من سنة (356ه/967م) توفي (أبو الحسن أحمد بن بويه الديلمي) الذي أظهر الرفض، ويقال له معز الدولة، فصار لا يثبت في معدته شيء بالكلية، فلما أحس بالموت أظهر التوبة وأناب إلى الله عز وجل، ورد كثيرا من المظالم، وتصدق بكثير من ماله، وأعتق طائفة كبيرة من مماليكه، وعهد بالأمر إلى ولده بختيار عز الدولة، وقد اجتمع ببعض العلماء فكلمه في السنة وأخبره أن عليا رضي الله عنه زوج ابنته أم كلثوم من عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فقال الملك: والله ما سمعت بهذا قط، ورجع إلى السنة ومتابعتها، ولما حضر وقت الصلاة خرج عنه ذلك الرجل العالم، فقال له معز الدولة: إلى أين تذهب؟ فقال: إلى الصلاة. فقال له: ألا تصلي ههنا ؟ قال: لا، قال: ولم ؟ قال: لأن دارك مغصوبة. قلنا أن كثيرا من العلماء والفقهاء قد تصدوا لهذه الفئة الضالة الباغية، ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر بعض هؤلاء العلماء الأجلاء العاملين: وكان في مقدمة هؤلاء العلماء رحمهم الله: الإمام أحمد بن تيمية في معظم كتبه وفتاويه الشهيرة، والإمام أبو حامد الغزالي في كتابه (فضائح الباطنية)، والإمام ابن حزم الظاهري الذي صنف فيهم كتابه الشهير (الفصل في الملل والأهواء والنحل)، والعالم أبو الفتح الشهرستاني الذي وضع فيهم كتابه (الملل والنحل). والعالم عبد القاهر البغدادي الذي خص كتابه (الفرق بين الفرق) بالتكلم عنهم. وهذا غيض من فيض، فإن هناك عشرات العلماء والمؤرخين الذين نقلوا لنا عبر مؤلفاتهم قصة نشأتهم، وسيرة حياة أمرائهم وأئمتهم. ونحن هنا في هذا السياق - لتمام الفائدة - نعتمد بعض ردود هؤلاء الفقهاء على ضلالات فرق الخوارج وزيف معتقداتهم. لقد قالت الأزارقة - وهي كبرى فرقهم -: إن أطفال المشركين في النار. وأنه يوقد لهم يوم القيامة نار ويؤمرون باقتحامها، فمن دخلها منهم دخل الجنة، ومن لم يدخلها منهم أدخل النار. وقد احتج الأزارقة بقولهم هذا بالآية الكريمة: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدون إلا فاجرا كفارا). ونوح عليه السلام في طلبه هذا من ربه يقصد كفار قومه ووقته الذين كانوا على الأرض حينئذ، وهذا إبراهيم عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم، كان أبوهما كافرين مشركين، والرسول عليه الصلاة والسلام قال: "أوليس خياركم أولاد المشركين، ما من مولود يولد إلا على فطرة الإسلام حتى يعرب عن لسانه، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه". أوليس آباء الأزارقة مشركين..! وقال صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الملة حتى يكون أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ويشركانه". وأما من قال منهم: إن الأطفال يعذبون بعذاب آبائهم فهذا باطل، لأن الله تعالى يقول: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تذر وازرة وزر أخرى). وعن قولهم: إنه توقد لهم نار فباطل ما يدعون، فقد قال عز وجل: (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم). وهذا يعني أن الله فطر الناس على الإيمان وأن الإيمان هو صبغة الله تعالى. وقال عز وجل أيضا: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى). وقال صلى الله عليه وسلم عن ربه: "خلقت عبادي حنفاء كلهم فاجتالتهم الشياطين عن دينهم". وهذا يدل على أن كل من مات دون أن تغويه الشياطين عن دينه فقد مات حنيفا مسلما. وأن الأولاد إذا ماتوا قبل أن يبلغوا فهم في الجنة سواء كانوا من أطفال المسلمين أو المشركين |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (24) محمد فاروق الإمام الخوارج وعدم الاعتراف بالآخر لقد أجمع الخوارج على قتل مخالفيهم وإقصائهم وعدم الاعتراف بهم. وديننا الحنيف لا يحل دم مؤمن إلا بثلاث خلال: الرجم للزاني المحصن، أو قتل النفس عمدا فيقتل القاتل جزاء وفاقا، وإذا ارتد المسلم بعد إيمان وأصر على ارتداده فيقتل. أما مسألة تكفيرهم صاحب الكبيرة، فقد رد عليهم القاضي عبد الجبار المعتزلي في شرح الأصول الخمسة فقال: "إن صاحب الكبيرة لا يسمى كافرا، لأن الشرع جعل اسم الكفر على من يستحق العقاب العظيم، ويختص بأحكام مخصوصة نحو المنع من المناكحة والموارثة والدفن في مقابر المسلمين، ومعلوم أن صاحب الكبيرة ممن لا يستحق العقاب العظيم، ولا تجري عليه هذه الأحكام فلم يجز أن يسمى كافرا". وصير الخوارج الكبائر والصغائر شيئا واحدا والله عز وجل قد فرق بين الصغائر والكبائر بقوله: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما). أما قولهم: إن كل من عصى الله فهو كافر محتجين بقول الله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون). ويقول في تفسير هذه الآية الشيخ عبد العزيز بن يحيى الكناني قوله تعالى: (بما أنزل الله) صيغة عموم، فقوله: (ومن لم يحكم بما أنزل الله) معناه من أتى بضد حكم الله تعالى في كل ما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، وهذا حق لأن الكافر هو الذي أتى بضد حكم الله تعالى في كل ما أنزل الله تعالى، أما الفاسق فإنه لم يأت بضد حكم الله إلا في القليل، أما في الاعتقاد والإقرار فهو موافق، وهذا أيضا ضعيف لأنه لو كانت هذه الآية وعيدا مخصوصا بمن خالف حكم الله تعالى في كل ما أنزل الله تعالى لم يتناول هذا الوعيد اليهود بسبب مخالفتهم حكم الله في الرجم. وأجمع المفسرون على أن هذا الوعيد يتناول اليهود بسبب مخالفتهم حكم الله تعالى في واقعة الرجم، فيدل على سقوط هذا الجواب. وقال عكرمة: قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله) إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أما من عرف بقلبه كونه حكم الله وأقر بلسانه كونه حكم الله، إلا أنه أتى بما يضاده فهو حاكم بما أنزل الله، ولكونه تارك له، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية. أما الإمام الطبري فيقول في تفسير هذه الآية: وقد اختلف أهل التأويل في هذا الموضع فقال بعضهم أنه عنى به اليهود الذين حرفوا كتاب الله وبدلوا أحكامه. وعن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، وقوله: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) ، وفي قوله: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون).. في الكافرين كلها. وعن الضحاك: نزلت هذه الآيات في أهل الكتاب وقيل ليست في أهل الإسلام منها شيء، إنما هي في الكفار، إلا أن يفعل أهل الإسلام ذلك استخفافا أو استحلالا أو جحدا. والآية الكريمة: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم). تدل دلالة واضحة على أن المسلم لا يكفر بالمعاصي أو الكبائر، اللهم إلا الشرك بالله حسب ما جاء في الآية: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). ويقول الإمام النووي رحمه الله: واعلم أن مذهب أهل الحق أن لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب. ولو كانت الكبيرة تكفر لفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، وما اكتفى بإقامة الحد عليهم. |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (25) محمد فاروق الإمام معاملة الخوارج كان انشقاق الخوارج باعثًا لعلماء الفقه أن يعالجوا موضوع الخروج على الجماعة وأصبح يطلق على الطوائف التي تنشق من المجتمعات الإسلامية بأهل البغي مقابل أهل العدل، ووضعت شروط لكي تطلق عليهم هذه التسمية منها مخالفتهم لرأي الجماعة والانسلاخ عنها عن طريق الانفراد بمذهب يبتدعونه، فإذا لم يخرجوا بهذا المذهب عن طاعة الإمام وظلوا أفرادًا متفرقين فلا يحاربوا لأن الإمام سيتمكن بحالتهم هذه من تأديبهم وعقابهم. ومنشأ هذه القاعدة ما كان بين علي والخارجين عليه، إذ أوضح لهم حقوقهم بألا يمنعهم عن مساجد الله ليذكروا فيها اسم الله، ولا يبدأهم بقتال ولا يمنعهم الفيء ما دامت أيديهم معه. فإن جاهروا وتظاهروا بمعتقداتهم مع اختلاطهم بباقي أهل العدل دون أن ينفصلوا في كيان خاص، فعلى الإمام أن يوضح لهم فساد ما اعتقدوا ليعودوا إلى موافقة الجماعة، ويجوز للإمام أن يؤدب من تظاهر بالفساد منهم للزجر والتخويف عن طريق التعزير دون إقامة الحد أو القتل، عملًا بقول رسول الله - صلوات الله عليه – "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس". ولا يحاربوا أيضًا إذا اعتزلوا وحدهم وابتعدوا عن مخالطة الجماعة ما داموا لم يمتنعوا عن تأدية الحقوق، وظلت طاعتهم للإمام قائمة. فإذا عصوا الإمام ومنعوا ما عليهم من حقوق وانفردوا باجتباء الأموال وتنفيذ الأحكام أصبحت هذه الأموال مغتصبة والأحكام باطلة لأنهم لم ينصبوا لهم إمامًا. أما إذا نصبوا لأنفسهم إمامًا لكي يتم تحصيل الأموال وتنفيذ الأحكام بأمره فيطالبوا برد هذه الأموال وتظل الأحكام نافذة. ولكن حربهم في كلا الحالتين واجبة، أي سواء نصبوا لأنفسهم إمامًا أم لم يفعلوا بغرض إرجاعهم إلى الطاعة مصداقًا لقوله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الحجرات: 9. وتفسير هذه الآيات على النحو التالي: لمعنى الآية: (فإن بغت إحداهما على الأخرى) وجهان: أحدهما: بغت بالتعدي بالقتال، والثاني: بغت بالعدول عن الصلح. ومعنى قوله تعالى: (حتى تفيء إلى أمر الله) فسره سعيد بن جبير بأن ترجع إلى الصلح الذي أمر الله تعالى به، وقال قتادة بن دعامة السدوسي بأنه بالرجوع إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله فيما لهم وعليهم. وكذلك الآية: (فأصلحوا بينهما بالعدل) فالعدل يعني إما الحق أو كتاب الله. وعلى الأمير الذي قلده الإمام لقتالهم أن ينذرهم ويعذرهم أولًا ثم يقاتلهم إذا أصروا على القتال بعد إمهالهم دون الهجوم عليهم بغتة. وتختلف الطرق المتبعة في قتالهم عن قتال المشركين والمرتدين من ثمانية أوجه: الأول: القصد من القتال ردهم بادئ الأمر ولا يتعمد قتلهم خلافًا لقتال المشركين والمرتدين الذين يتعمد قتلهم. الثاني: يقاتلوا مقبلين ويكف عنهم مدبرين أما المشركين والمرتدين فيجوز قتالهم مقبلين ومدبرين. الثالث: لا يجهز على جريحهم، كما أمر علي يوم الجمل ألا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح، وإن جاز الإجهاز على جرحى المشركين والمرتدين. الرابع: ولا يقتل الأسرى أيضًا بل يفرج عمن أمن عودته للقتال ويحبس من لم يؤتمن رجوعه للقتال حتى تنتهى الحرب ثم يطلق سراحه، ولا يجوز حبسه بعدها. الخامس: لا يغنم أموالهم ولا تسبى أولادهم عملًا بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "منعت دار الإسلام ما فيها وأباحت دار الشرك ما فيها". السادس: لا يستعان على قتالهم بذمي أو مشرك معاهد وإن جاز هذا في قتال أهل الحرب والردة. السابع: لا يجوز مهادنتهم إلى مدة أو موادعتهم على مال. الثامن: لا تحرق مساكنهم ولا تقطع أشجارهم ونخيلهم لأنها دار إسلام، أما إذا هاجموا أهل العدل فإنه بجوز لأهل العدل في هذه الحالة الدفاع عن أنفسهم ما استطاعوا ولو بالقتل إذا لم يندفعوا بغيره. ولكنه لا يجوز الاستمتاع بدوابهم أو استعمال سلاحهم في قتالهم. وهذا الرأي يخالف ما ذهب إليه أبو حنيفة الذي أجاز الاستعانة على قتالهم بسلاحهم والاستمتاع بدوابهم ما دامت الحرب قائمة كما منع الصلاة على موتاهم على سبيل العقوبة لهم. ويعارضه الماوردي فيما يتعلق بالنقطة الأولى استنادًا على حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه". كما يرى الماوردي أيضًا أنه لا عقوبة على الميت في الدنيا ولهذا يجب الصلاة عليهم لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "فرض على أمتي غسل موتاهم والصلاة عليهم". |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (26) محمد فاروق الإمام أعلام الخوارج نافع بن الأزرق نافع بن الأزرق كان أخطر الخوارج، وكان يرى ردة كل من لم ينضم إليه، وكان يختبر الناس في الحكام، فمن والاهم فهو كافر وقاتله، فكان يقتل الناس حتى في المساجد، وكان كما قال الرسول صلي الله عليه وسلم محمد بن عبد الله "يدعون أهل الأوثان ويقتلون أهل الإسلام". الأزارقة هم أعظم الخوارج غلواً وأبعدهم عن السنة - وقد ظهر الأزارقة بعد المحكمة الأولى وهم أصحاب النهروان - وترأسهم نافع بن الأزرق الذي هو شيخهم وإمامهم وهو مشهور في كتب التفسير كما تجدون في الدر المنثور مثلاً أو في الطبري وحتى في البخاري لكن لم يسمه، وهو الذي عرف بأسئلته لـعبد الله بن عباس عندما كان يسأل ابن عباس ويجيبه، ولا يقبل، ويجادل، وهذا شأن الخوارج وأساس ضلالهم أنهم يعتقدون أن العبد متعبد بعين الحق في كل مسألة، وهذا مخالف لما نحن مأمورون به من الاجتهاد لبلوغ الحق والتسديد والمقاربة في حدود الاستطاعة. فـنافع بن الأزرق كان يعتقد هو ومن معه أن المسلمين جميعاً كفار، وأن الأمة بأجمعها كافرة إلا نافعاً ومن كان معه، حتى من كان على مذهب نافع ولكنه لم يهاجر إليه فهو عندهم كافر، فلو أن إنساناً محبوس، ولا يستطيع أن يتخلص من ظلم الحجاج أو من سيطرته -مثلاً- فلم يخرج ولم يهاجر إلى نافع ويلتحق بجيشه، فهذا عندهم كافر وإن كان على مذهبهم، وهؤلاء يسمونهم القعدة، فكان نافع يكفر القعدة، ويرى أن ديارهم كلها دار كفر، فكل الأمة الإسلامية دار كفر إلا معسكره فقط. هو أبو راشد نافع بن الأزرق الحنظلي التميمي، أحد رؤوس الخوارج (الشراة) الذي تنسب إليه طائفة الأزارقة والتي لم يكن للخوارج فرقة أكثر عدداً وأشد شوكة منها، وقد خرج على الدولة في أواخر عهد يزيد بن معاوية الأموي، وكان في أول أمره من أصحاب عبد الله ابن عباس يسأله في مسائل القرآن الكريم ويرجع إليه في التفسير ثم غلب عليه التمرد، وكان مع الخوارج في العراق حين ثار عبد الله بن الزبير في مكة على الأمويين، فسيّر الخليفة يزيد ابن معاوية جيشاً بقيادة مسلم بن عقبة المري إلى الحجاز. توفي مسلم بن عقبة المري بعد أن نكب المدينة في واقعة الحرة الشهيرة، فتولى حصين بن نمير السكوني قيادة الجيش، واجتمع الخوارج وتذاكروا بالأمر، وقال لهم نافع بن الأزرق: "إن الله قد أنزل عليكم الكتاب وفرض عليكم فيه الجهاد، وقد جرّد أهل الظلم السيوف وثمة من ثار بمكة فاخرجوا بنا نأت البيت ونلق الرجل فإن يكن على رأينا جاهدنا معه العدو، وإن يكن على غير رأينا دافعنا عن البيت ما استطعنا ونظرنا بعد ذلك في أمورنا". وسار الخوارج حتى قدموا على ابن الزبير، وعرّفوه أنفسهم، فسرّ بمقدمهم ونبّأهم أنه على رأيهم فقاتلوا معه جيش الشام بقيادة حصين بن نمير السكوني، ولم يبايعوا ابن الزبير، ولما مات يزيد بن معاوية انصرف أهل الشام عن مكة، ودخل الخوارج على ابن الزبير يناظرونه ليتبينوا رأيه، وكانوا يريدون منه ليبايعوه أن يقدّم أبا بكر وعمر ويبرأ من عثمان وعلي ويكفّر أباه الزبير وطلحة وأصحاب الجمل. ولكن ابن الزبير تولّى عثمان ورد مقالة الخوارج، ونجم عن المناظرة براءة كل فريق من الفريق الآخر وعدّه عدواً، وتفرق الخوارج عن ابن الزبير سنة 64هـ/684م فصارت طائفة منهم إلى البصرة وطائفة إلى اليمامة، أما طائفة البصرة فكان منهم نافع بن الأزرق وعبد الله بن الصفّار السعدي وعبد الله بن إباض وحنظلة بن بيهس وابن الماحوز السليطي التميمي وإخوته، في حين انطلق أبو طالوت من بني زمان من بكر بن وائل وعبد الله ابن ثور (أبو فديك) من قيس بن ثعلبة وعطية بن الأسود اليشكري إلى اليمامة فوثبوا فيها ثم أجمعوا على إمرة نجدة بن عامر الحنفي. وأزمع عامة الخوارج في البصرة على الخروج، ووجدوا فرصة عندما نشب قتال محلي في البصرة، بين الأزد وربيعة وبين بني تميم، وخرج نافع عن البصرة مع أتباعه وتسمى بأمير المؤمنين وقعد عن الخروج ابن الصفّار وابن إباض ورجال على رأيهما ثم برئ نافع من الاثنين وبرئ الاثنان كلٌ من صاحبه ومنه. وأقام ابن الأزرق سنة 64هـ في الأهواز وابتدع في أسواقها الاستعراض (قتل الناس عشوائياً دون تمييز بين رجل وامرأة أو صبي وكبير) وكان يتمثل بالآية الكريمة: (… قال نوحٌ رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارً) (سورة نوح 62ـ72). وكثرت جموع ابن الأزرق وصار يجبي الخراج ولما اشتدت شوكته أقبل نحو البصرة. وبعث والي البصرة لابن الزبير عبيد الله بن معمر أخاه عثمان في جند فُهزم جنده وقُتِل، وهُزِم بعدهم حارثة ابن بدر وجنده، وفي سنة 65هـ/685م وَجه الوالي الجديد عبد الله بن الحارث جيشاً لقتال ابن الأزرق بقيادة مسلم بن عبيس بن كريز، ، فقُتِل ابن كريز، وقُتِل نافع، قتله سلامة الباهلي وقُتِل ابنان من أبناء الماحوز من رؤوس أتباعه وكان نافع قد استخلف في الأهواز قبل مقتله عبيد الله بن بشير ابن الماحوز السليطي الذي تسمَّى بعد نافع بأمير المؤمنين أيضاً. واستمر القتال بين الجانبين الرسمي الزبيري والأزارقة بعدئذٍ إلى أن قدم المهلب بن أبي صفرة والي خراسان لابن الزبير مكلفاً قتال الأزارقة ومؤيداً من أهل البصرة. ودافع المهلب الخوارج عن البصرة، وتابعهم إلى الأهواز وهزمهم وقتل قائدهم ابن الماحوز وأجلاهم عن الأهواز، فارتفعوا إلى فارس وكرمان ونواحي أصبهان. ونصّبوا قطري بن الفجاءة عليهم، وخاض المهلب ـ مكلفاً من الأمويين الذين خلفوا الزبيريين على العراق ـ صراع كرّ وفرّ ضد الأزارقة إلى أن استأصل شأفتهم من المناطق التي لجأوا إليها. |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (27) محمد فاروق الإمام أعلام الخوارج قطري بن الفجاءة قطريّ بن الفُجَاءَة بن يزيد بن زياد المازني التميمي، (توفي 78 وقيل 79 هـ - 697 م)، وكانت كنيته أبا نعامة (ونعامة فرسه). من رؤساء الأزارقة وأبطالهم. كان خطيبا بليغا فصيحا وفارسا شجاعا شاعرا. استفحل أمره في زمن مصعب بن الزبير، لمّا ولي العراق في خلافة أخيه عبد الله بن الزبير. وبقي قطريّ ثلاث عشرة سنة يقاتل ويسلّم عليه بالخلافة وإمارة المؤمنين، والحجاج بن يوسف يسيّر إليه جيشا بعد جيش، وهو يردهم ويظهر عليهم، ولم يزل الحال بينهم كذلك حتى توجه إليه سفيان بن الأبرد الكلبي، فظفر عليه وقتله في سنة78 هـ، وكان المباشر لقتله سورة بن أبجر البارقي، وقيل إن قتله كان بطبرستان في سنة 79 هـ، وقيل عثر به فرسه فاندقت فخذه فمات، فأخذ رأسه فجيء به إلى الحجاج. وحكي عنه أنه خرج في بعض حروبه وهو على فرس أعجف وبيده عمود خشب فدعا إلى المبارزة فبرز إليه رجل فحسر له قطري عن وجهه فلما رآه الرجل ولى عنه فقال له قطري إلى أين فقال لا يستحيي الإنسان أن يفر منك. وقد قيل: إن اسمه جعونة وإن قولهم قطري ليس باسم له، ولكنه نسبة إلى موضع بين البحرين وعُمان، وهو اسم بلد كان منه، فنسب إليه، وقيل إنه هو قصبة عُمان، والقصبة هي كرسي الكورة. واسم أبيه مازن وإنما قيل له الفجاءة لأنه كان باليمن، فقدم على أهله فجاءة، فسمي به وبقي عليه. نهاية قطري في سنة سبع وسبعين هلك قطري وعبد رب الكبير وعبيدة بن هلال ومن كان معهم من الأزراقة وقيل بل كان هلاكهم في سنة ثمان وسبعين وسبب هلاكهم أنهم لما اختلفوا، وتوجه قطري إلى طبرستان ووجه الحجاج جيشاً مع سفيان بن الأبرد، فأتبعهم، فلحق قطرياً في شعاب طبرستان فقاتلوه فتفرق عنه أصحابه، ووقع عن دابته في أسفل الشعب فتدحرج إلى أسفله، فأتاه علج من أهل البلد فقال له قطري: أسقني ماءً .. قال أعطني شيئا حتى أسقيك . قال ويحك والله ما معي إلا ما ترى من سلاحي، فأشرف العلج عليه وحدر عليه حجراً عظيماً فأصاب إحدى وركيه فأوهنه وصاح بالناس فأقبلوا فقتلوه. فبعث سفيان برأسه مع أبي جهم بن كنانة الكلبي إلى الحجاج ثم أتى به عبد الملك ثم إن سفيان أقبل إلى عسكر عبيدة بن هلال وقد تحصن في قصر بقومس فأحاط به وبأصحابه فجهدوا حتى أكلوا داوبهم ثم خرجوا فقتلهم وبعث برؤوسهم إلى الحجاج . وقد قال عنه الجاحظ ومن خطباء الخوارج قطري بن الفجاءة وله خطبة طويلة مشهورة وكلام كثير محفوظ وكانت له كنيتان كنية في السلم وهي أبو محمد وكنية في الحرب وهي أبو نعامة ... صعد قطري منبر الأزارقة فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ثم قال: "أما بعد فإني أحذركم الدنيا فإنها حلوة خضرة، حفت بالشهوات، وراقت بالقليل، وتحببت بالعاجلة، وحليت بالآمال، وتزينت بالغرور، لا تدوم حبرتها، ولا تؤمن فجعتها، غرارة ضرارة، خوانة غدارة، حائلة زائلة، نافذة بائدة، أكالة غوالة، بدلة نقالة، لا تعدو إذا هي تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها، والرضا عنها، أن تكون كما قال الله تعالى ( كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدراً ). ثم قال: "(من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون، أولئك الذين ليس لهم في الأخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون ..). فبئست الدار لمن أقام فيها، فاعملوا وانتم تعلمون أنكم تاركوها لا بد، فإنما هي كما وصفها الله باللعب واللهو، وقد قال الله ( أتبنون بكل ريع أية تعبثون، وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون). وختم قائلاً: حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركباناً، وأنزلوا فيها فلا يدعون ضيفاناً وجعل لهم من الضريح اجنان، ومن التراب أكفان ومن الرفات جيران، فهم جيرة لا يجيبون داعياً، ولا يمنعون ضيماً، إن أخضبوا لم يفرحوا، وإن أقحموا لم يقنطوا، جميع وهم آحاد، وجيرة وهم أبعاد، متناءون لا يزارون ولا يزورون، حلماء قد ذهبت أضغانهم، وجهلاء قد ماتت أحقادهم، لا يخش فجعهم، ولا يرجى دفعهم، وكما قال عز وجا: (فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً وكنا نحن الوارثين ..). استبدلوا بظهر الأرض بطناً، وبالسعة ضيقا وبالأهل غربة، وبالنور ظلمة، فجاءوها كما فارقوها، حفاة عراة فرادى، غير أنهم ظعنوا بأعمالهم إلى الحياة الدائمة وإلى خلود الأبد يقول الله ( كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين..). فاحذروا ما حذركم الله وانتفعوا بمواعظه عصمنا الله وإياكم بطاعته ، ورزقنا وإياكم أداء حقه". |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (28) محمد فاروق الإمام أعلام الخوارج شبيب بن يزيد شبيب بن يزيد ابن أبي نعيم الشيباني، رأس الخوارج بالجزيرة، وفارس زمانه بعث لحربه الحجاج خمسة قواد فقتلهم واحدا بعد واحد، ثم سار إلى الكوفة، وحاصر الحجاج، وكانت زوجته غزالة عديمة النظير في الشجاعة؛ فعير الحجاج شاعر فقال: أسـد عليَّ وفي الحروب نعامـة.. فتخـاء تنفـر من صفير الصافر هلا برزت إلى غزالة في الوغـى.. بـل كـان قلبك في جناحي طائر وكانت أم شبيب جهيزة تشهد الحروب. قال رجل: رأيت شبيبا دخل المسجد، فبقي المسجد يرتج له، وعليه جبة طيالسة، وهو طويل، أشمط ، جعد، آدم . غرق شبيب في القتال بدجيل سنة سبع وسبعين. وله إحدى وخمسون سنة. ولما غرق ، قيل لأمه فقالت: لما ولدته رأيت كأنه خرج مني شهاب نار، فعلمت أنه لا يطفئه إلا الماء. وكان قد خرج صالح بن مسرح العابد التميمي بدارا وله أصحاب يفقههم ويقص عليهم، ويذم عثمان وعليا كدأب الخوارج، ويقول: تأهبوا لجهاد الظلمة، ولا تجزعوا من القتل في الله؛ فالقتل أسهل من الموت، والموت لا بد منه. فأتاه كتاب شبيب يقول: إنك شيخ المسلمين، ولن نعدل بك أحدا، وقد استجبت لك، والآجال غادية ورائحة، ولا آمن أن تخترمني المنية ولم أجاهد الظالمين، فيا له غبنا، ويا له فضلا متروكا، جعلنا الله ممن يريد الله بعمله، ثم أقبل هو وأخوه مصاد والمحلل بن وائل، وإبراهيم بن حجر، والفضل بن عامر الذهلي، إلى صالح، فصاروا مائة وعشرة أنفس، ثم شدوا على خيل لمحمد بن مروان، فأخذوها وقويت شوكتهم، فسار لحربهم عدي بن عدي بن عميرة الكندي، فالتقوا فانهزم عدي، وبعد مديدة توفي صالح من جراحات، سنة ست وتسعين، وعهد إلى شبيب فهزم العساكر، وعظم الخطب، وهجم على الكوفة وقتل جماعة من أعيانها، فندب الحجاج لحربه زائدة بن قدامة الثقفي، فالتقوا فقتل زائدة، ودخلت غزالة جامع الكوفة، وصلت وردها، وصعدت المنبر، ووفت نذرها، وهزم شبيب جيوش الحجاج مرات، وقتل عدة من الأشراف، وتزلزل له عبد الملك، وتحير الحجاج في أمره، وقال: أعياني هذا، وجمع له جيشا كثيفا نحو خمسين ألفاً. وعرض شبيب جنده فكانوا ألفا، وقال: يا قوم، إن الله نصركم وأنتم مائة، فأنتم اليوم مئون. ثم ثبت معه ست مائة، فحمل في مائتين على الميسرة هزمها، ثم قتل مقدم العساكر عتاب بن ورقاء التميمي، فلما رآه شبيب صريعا توجع له، فقال خارجي له: يا أمير المؤمنين تتوجع لكافر؟! ثم نادى شبيب برفع السيف، ودعا إلى طاعته، فبايعوه ثم هربوا في الليل . ثم جاء المدد من الشام، فالتقاه الحجاج بنفسه، فجرى مصاف لم يعهد مثله، وثبت الفريقان، وقتل مصاد أخو شبيب، وزوجته غزالة، ودخل الليل وتقهقر شبيب وهو يخفق رأسه، والطلب في أثره، ثم فتر الطلب عنهم، وساروا إلى الأهواز، فبرز متوليها محمد بن موسى بن طلحة، فبارز شبيبا فقتله شبيب، ومضى إلى كرمان فأقام شهرين ورجع، فالتقاه سفيان بن أبرد الكلبي وحبيب الحكمي على جسر دجيل ، فاقتتلوا حتى دخل الليل، فعبر شبيب على الجسر، فقطع به ، فغرق وقيل: بل نفر به فرسه، فألقاه في الماء سنة سبع وسبعين وعليه الحديد فقال: ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وألقاه دجيل إلى الساحل ميتا، وحمل إلى الحجاج، فشُقَّ جوفه وأخرج قلبه، فإذا داخله قلب آخر . |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (29) محمد فاروق الإمام أعلام الخوارج نجدة بن عويمر كان نجدة بن عويمر الحنفي من رؤساء الخوارج . وله مقالة مفردة من مقالة الخوارج . قال ابن ابي الحديد . كان نجدة يصلي بمكة بحذاء عبدالله بن الزبير في جمعة وعبد الله يطلب الخلافة فيمسكان عن القتال من أجل الحرم . واستولى نجدة على اليمامة وعظم أمره حتى ملك اليمن والطائف وعُمان والبحرين ووادي تميم وعامر. ثم نقم عليه أصحابه في إصداره أحكاماً أحدثها في مذهبهم. منها: قوله ان المخطئ بعد الاجتهاد معذور. وأن الدين أمران معرفة رسوله وما سوى ذلك فالناس معذورون بجهله إلى أن تقوم عليهم الحجة فمن استحل محرماً من طريق الاجتهاد فهو معذور. حتى أن من تزوج أخته أو أمه مستحلاً لذلك بجهالة فهو معذور ومؤمن. قال فخلعوه واختاروا أبا فديك. ثم ان أبا فديك أنفذ إلى نجدة من قتله. ثم تولاه بعد قتله طوائف من أصحابه بعد أن تفرقوا عنه وقالوا قتل مظلوماً. أبو بلال مرداس كان أبو بلال مرداس من متقشفي الخوارج ورجالاتهم المشهورين وكان إمام الصفرية. وكان قد خرج في أيام يزيد بن معاوية بناحية البصرة على عاملة هبيرة بن زياد فبعث اليه زرعة بن مسلم العامري في ألفي مقاتل . وكان زرعة يميل الى رأي الخوارج . فلما اصطف العسكران . قال زرعة : يا أبا بلال إني أعلم أنك على الحق ولكنا لو لم نقاتلك يحبس عبيد الله بن زياد عطاءنا عنا . فقال أبو بلال: ليتني فعلت كما أمرني به أخي عروة فإنه أمرني أن استعرض الناس بالسيف فاقتل كل من استقبلني . ثم هزمه ابو بلال فبعث عبيد الله بن زياد. إلى قتال أبي بلال عباد التميمي في أربعة آلاف. والخوارج قد نزحوا آنذاك إلى أرض فارس فصار إليهم. وكان التقاؤهم في يوم الجمعة . فناداه أبو بلال اخرج يا عباد : فاني أريد أن أحاورك فخرج إليه. فقال ما الذي تبغي؟ قال أن آخذ بأقفيتكم فأردكم إلى الأمير عبيد الله بن زياد. فقال حريث بن حجل أيحاول أن يرد فئة من المسلمين إلى جبار عنيد . فقال له أنتم أولى بالضلال منه. وما من ذاك من بد. قال : وقدم القعقاع بن عطية الباهلي من خراسان يريد الحج. فلما رأى الجمعين. قال ما هذا ؟ قالوا الشراة . فحمل عليهم ونشبت الحرب بينهم فأخذت الخوارج القعقاع أسيراً فأتوا به أبا بلال. فقال له ما أنت قال أنا من أعدائك إنما قدمت للحج فحملت وغررت. فأطلقه. فرجع الى عباد وأصلح من شأنه. وحمل على الخوارج ثانية. فحمل إلى عباد وأصلح من شأنه. وحمل على الخوارج ثانية. فحمل عليه حريث بن حجل السدوسي وكهمش بن طلق الصريمي فأسراه وقتلاه. ولم يأتيا به أبا بلال. قال : فلم يزل القوم يجتلدون حتى جاء وقت صلاة الجمعة. فناداهم أبو بلال. هذا وقت الصلاة فوادعونا حتى نصلي وتصلوا. قالوا لك ذلك فرمى القوم أجمعون بأسلحتهم وعمدوا للصلاة. فأسرع عباد ومن معه وقضوا صلاتهم والحرورية مبطؤن فيهم ما بين راكع وساجد وقائم في الصلاة وقاعد حتى مال عليهم عباد ومن معه فقتلوهم جميعاً. وأتى برأس أبي بلال. وأمر عباد بصلب الرؤوس وحملها إلى عبيد الله بن زياد، ومن افتراءات ابن ابي الحديد المعتزلي. قوله: ومرداس هذا ينتحله كثير من الفرق لتقشفه وتصرمه وصمد عبادته وصلابة بنيته. أما المعتزلة فتنتحله. وتقول، انه خرج منكراً لجور السلطان داعياً إلى الحق. وأنه من أهل العدل. ويحتجون لذلك بقوله لزياد. وقد كان. قال في خطبته على المنبر والله لآخذن المحسن بالمسيء والحاضر بالغائب والصحيح بالسقيم. فقام اليه مرداس. فقال قد سمعنا ما قلت. أيها الإنسان وما هكذا قال الله تعالى لنبيه إبراهيم إذ يقول. (ألا تزر وازرة وزر أخرى)، ثم خرج إليه عقيب هذا اليوم. وصار يتنقل بهم من بلد الى بلد وديدنه السلب والنهب والهتك والفتك والسفك. |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (30) محمد فاروق الإمام أدب الخوارج لقد تميز أدب الخوارج بخلو العاطفة، وتمثل بالقوة والاستماتة بطلب ما يعتقدونه صحيحا، وكان في أدبهم غضب لما يؤمنون به. وكان الخوارج لا يعرفون الغزل أو الهزل في أدبهم، وخلا شعرهم من الخمر والمجون. وغلبت البداوة على ثقافة الخوارج، والفصاحة والبلاغة، وجمل أدبه عمق التعبير. لقد تأثر شعراء الخوارج بالقرآن وعم حياتهم كلها، حتى أن معظم التسميات التي أطلقت على الخوارج استمدت من القرآن، فقد كان من أشهر أسمائهم (الشراة) وقد اتخذوه من الآية الكريمة: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله). وظهر تأثرهم بالقرآن في مواطن كثيرة، في الإخاء والتسامح والمساواة والعدل، وإطاعة أوامر الله، واجتناب نواهيه، وعدم التكالب على الدنيا الفانية، والعمل المتواصل من أجل الدار الآخرة، دار الخلود. ومن شعرهم في الأخوة والمساواة قول شاعرهم عمران بن حطان: فنحن بنو الإسلام والله واحد … وأولى عباد الله بالله من شكر وهذا نهار بن توسعة اليشكري يقول في هذا المعنى: دعي القوم ينصر مدعيــه … ليلحقه بذي الحسب الصميم أبي الإسلام لا أب لي سواه … إذا افتخروا بقيس أو تميــم لقد حارب الخوارج في كثير من المواقع، وانتصروا على الرغم من قلة عددهم في معارك عديدة، منها معركة آسك بقيادة أبي بلال مرداس بن أدية التي انتصروا فيها على جيش قوامه ألفان وهم لا يتجاوزون الأربعين، وهذا الانتصار يوحي لشعرائهم ذكرى انتصار المسلمين في بدر وهم قلة مستضعفة، فيقول شاعرهم عيسى بن عاتك الحطبي: أألفا مؤمن فيما زعمتـــم … ويهزمهم بآسك أربعونا كذبتم ليس ذاك كما زعمتم … ولكن الخوارج مؤمنونا هم الفئة القليلة غير شــك … على الفئة الكثيرة ينصرونا هذه الصورة التي تبين تأثر الخوارج بالقرآن الكريم، ونراها واضحة إلى حد بعيد في أشعارهم هي صورة إيمان الخوارج التي انتزعوها من وصف الله لعباده المؤمنين وأضفوها عليهم في كل حالاتهم، فنجدها في صلاتهم وقيامهم، في ذكرهم وتسبيحهم في ليلهم ونهاره، وخير ما يدل على ذلك قول الطرماح: لله در الشراة إنهــــم … إذا الكرى مال بالطلا أرقوا يرجعون الحنين آونـــة … وإن علا ساعة بهم شهقـوا خوفا تبيت القلوب واجفة … تكاد عنها الصدور تنفلـق كما تتكرر هذه الصورة عند الكثير من شعراء الخوارج، فقيس بن الأصم الضبي يرثي الخوارج الذين قتلوا عند الجوسق، فيقول: إني أدين بما دان الشراة بــه … يوم النخيلة عند الجوسق الخـرب النافرين على منهاج أولهــم … من الخوارج قبل الشك والريـب قوما إذا ذكروا بالله أو ذكروا … خروا من الخوف للأذقان والركب أما أكمل وصف فنجده في قول عمرو ين الحصين يرثي أبا حمة وغيره من الشراة في قصيدة طويلة نختار منها قوله: إلا تسبيحهم فإنهــم … رجف القلوب بحضرة الذكر متأوهون كأن جمر غضا… للموت بين ضلوعهم يسري لقد أهمل الخوارج الدنيا وما فيها من عاجل لا يدوم إلى آجل دائم، فكثيرا ما نجدهم يهاجمون أعداءهم الذين يحاربون من أجل أعراض زائلة، فهذه ليلى بنت طريف الشيباني ترثي أخاها الوليد، فتصفه بالتقوى والصلاح قائلة: أيا شجر الخابور مالك مورقا … كأنك لم تحزن على ابن طريف فتى لا يحب الزاد إلا من التقى… ولا المال إلا من قنا وسيـوف لقد وضع شاعرهم الطرماح الآيات القرآنية أمامه، ثم صاغ معانيها شعرا بديعا فيه من الاغترار بالدنيا في ثوب وعظي جميل وشاه بنصائحه وتنبيهاته فيقول: عجبا ما عجبت للجامع المــا … ل يباهي به ويرتفده ويضيع الذي يصيره الــــل… ه إليه فليس يعتقـده يوم لا ينفع المخول ذا الثـــر… وة خلانه ولا ولـده يوم يؤتى به وخصماه وسط الـ … جن والإنس رجله ويده خاضع الطرف ليس ينفعـــه … أمانيه ولا لـــدده قل لباكي الأموات لا يبك للنـا … س ولايتنع به فنــده إنما الناس مثل نابتة الـــزرع … متى يأن يأت محتصده لم يتوقف تأثر شعراء الخوارج بالقرآن عند هذا الحد بل تعداه إلى توجيه الإنسان في حياته، فإن أيامه في هذه الدنيا محدودة، ومصيره سيتحدد عند الحساب، فهذا شاعرهم عمرو بن الحسن الإباضي يصف الخوارج قائلا: متراحمين ذوو يسارهـم … يتعطفون على ذوي الفقر وذوو خصاصتهم كأنهم … من صدق عفتهم ذوو وفر متجملين بطيب خيمسهم… لا يهلعون لنبوة الدهــر |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (31) محمد فاروق الإمام أخلاق الخوارج أما أخلاق الخوارج فقد صورها أبلغ تصوير أبو حمزة الشاري في خطبته التي ألقاها من على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة عندما عيره أهل الحجاز بصغر سن أصحابه فقال: (شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضيضة عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطل أرجلهم، انضاء عبادة وأطلاح سهر، فنظر الله إليهم في جوف الليل منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مر أحدهم يآية من ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم بين أذنيه، موصول كلالهم بكلالهم، كلال الليل بكلال النهار، قد أكلت الأرض ركبهم وأيديهم وانوفهم وجباههم، واستقلوا ذلك في جنب الله، حتى إذا رأوا السهام ق فوقت والرماح قد أشرعت، والسيوف قد انتضيت، ورعدت الكتيبة بصواعق الموت وبرقت، استخفوا بوعيد الكتيبة لوعد الله، ومضى الشاب منهم قدما حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه، وتخضبت بالدماء محاسن وجهه، فأسرعت إليه سباع الأرض، وانحطت إليه طير السماء، فكم من عين في منقار طير طالما بكى صاحبها في جوف الليل من خوف الله، وكم من كف زالت عن معصمها طالما اعتمد عليها صاحبها في جوف الليل بالسجود، ثم قال أوه أوه أوه، ثم بكى، ثم نزل). لابد حتى تكتمل الصورة البلاغية التي صورها فيها أبا حمزة فتيانه وأخلاقهم من قطعة شعرية تصور هذه القيم، وما تفرد به الخوارج من نزعة إيمانية متطرفة، في وصف أشخاصهم وأحوالهم وأمانيهم وآمالهم حيث يقول شاعرهم عمرو بن الحصين العنبري: أوفي بذمتهم إذا عقـــدوا … وأعف عند العسر واليسر متأهبون لكل صالحــــة … ناهون من لاقوا عن النكر صمت إذا احتضروا مجالسهم … وزن لقول خطيبهم وقـر إلا تجيئهم فإنهــــــم … رجف القلوب بحضرة الذكر متأوهون كأن جمر غضــا … للموت بين ضلوعهم يسري تلقاهم إلا كأنهـــــم … لخضوعهم صدروا عن الحشر فهم كأن بهم جوى مـرض … أو مسهم طرف من السحر لا ليلهم ليل فيلبسهــــم … فيه غواشي النوم بالسكـر إلا كذا خلسا وآونــــة … حذر العقاب فهم على ذعر كم من أخ لك قد فجعت به … قوام ليلته إلى الفجــــر متأوه يتلو قوارع مـــن … آي الكتاب مفزع الصــدر نصب تهيج بنات مهجتـه … بالموت جيش مشاشة القـدر ظمآن وقدة كل هاجــرة … تراك لذته على قـــــدر تراك ما تهوى النفـوس إذا … رغب النفوس دعت إلى النـذر ومبرأ من كل سيــــئة … عف الهوى ذو مرة شـــزر والمصطلي بالحرب يسعرها … بغارها وبفتية سعـــر يجتاحها بأفل ذي شطب … عضب المضارب قاطع البتر لاشيء يلقاه أسر لــه … من طعنة في ثغره النحــر أعلن الخوارج ثورتهم بعد رفضهم للتحكيم، وقاوموا علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وبعد مقتله تولى معاوية بن أبي سفيان أمرة المسلمين، فوضع ولاة أشداء على العراق - موطن ثورات الخوارج - أمثال المغيرة بن شعبة، حيث بلغ الذين في محبسه الآلاف من الخوارج، وقد تنادى الناس برحيل الخوارج عن البصرة من كثرة ما لاقى أهلها على يد المغيرة من بطش بسببهم، وهذا معاذ بن جوين بن حصين يطلب منهم الرحيل من خلال قصيدته التي قال فيها: ألا أيها الشارون قد حان لامرئ … شرى نفسه لله أن يترحــلا أقمتم بدار الخاطئين جهالــة … وكل امرئ منكم يصاد ليقتلا فشدوا على القوم العداة فإنمـا … أقامتكم للذبح رأيا مضـلـلا وهذا زياد بن أبيه يعلو المنبر - عندما ولاه معاوية- في جامع البصرة معلنا الحرب على كل من تحدثه نفسه بالخروج على حكم معاوية، ومما جاء في خطبته الطويلة قوله: (حرم علي الطعام والشراب حتى أسويها بالأرض هدما وإحراقا، إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله، لين في غير ضعف، وشدة في غير جبرية وعنف، وإني اقسم بالله لآخذن الولي بالولي، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والصحيح منكم بالسقيم، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: انج سعد فقد هلك سعيد، أو تستقيم لي قناتكم). بهذا الأسلوب العنيف، المشحون بالتهديد والوعيد، بدأ ابن زياد حكمه للعراق، وكان أول من فرض منع التجول في الليل فقال: (إياي ودلج الليل، فإني لا أوتي بمدلج إلا سفكت دمه). فقام أبو بلال - مرداس بن أدية - قائلا: أنبأنا الله بغير ما قلت، قال الله عز وجل: (وإبراهيم الذي وفى، ألا تزر وازرة وزر أخرى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) ، فأوعدنا الله خيرا مما واعدت يا زياد). ومما يحزن أن الخوارج سلكوا نفس طريق العنف والقسوة والقتل مع مخالفيهم. فهذا أبو بلال يثور بعد قتل أخيه عروة بن أدية، وتكون ثورته سيفا وكلمة، ومن شعره في مهاجمة جور الولاة قوله: وقد أظهر الجور الولاة وأجمعوا … على ظلم أهل الحق بالغدر والكفر وفيك إلهي إن أردت مغيــر … لكل الذي يأتي إلينا بنو صخــر فقد ضيقوا الدنيا علينا برحبهـا… وقد تركونا لا نقر من الدهــر |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (32) محمد فاروق الإمام شعراء الخوارج حملوا لواء الثورة بالكلمة لقد كان شعراء الخوارج أصحاب لواء الثورة بالكلمة، فهذا شاعرهم عيسى بن عاتك الحبطي يقول: أخاف عقاب الله إن مت راضيا … بحكم عبيد الله ذي الجور والغدر وأحذر أن ألقى إلهـي ولم أرع … ذوي البغي والإلحاد في جحفل مجر لم يقتصر نقد الخوارج وثورتهم على الولاة والسياسة بل أتى على طلاب الدنيا وجامعي المال، فهاهو الطرماح يهاجم الأغنياء، فيقول: عجبا ما عجبت للجامع الما … ل يباهي به ويرتفده ويضيع الذي يصيره اللــ … ـه إليه فليس يعتقده يوم لا ينفع المخول ذا الثر … وة خلانه ولا ولـده وأيضا ينصح شاعرهم عمران المتسابقين على الثروة وينذرهم قائلا: حتى متى تسقى النفوس بكأسها … ريب المنون وأنت لاه ترتع فتزددن ليوم فقرك دائبـــا … واجمع لفسك لا لغيرك تجمع أحلام نوم أم كظل زائـــل … إن اللبيب بمثلها لا يخـدع لم يكن المديح من شيم شعراء الخوارج، بل كانوا يرمون أصحاب المدح من الشعراء وينعتونهم بالكذب والرياء. فهذا عمران بن حطان يمر على الفرزدق وهو ينشد من مدحه والناس حوله، فيقف عليه ثم يقول: أيها المادح العباد ليعطــى … إن لله ما بأيدي العبـاد فاسأل الله ما طلبت إليهـم … وارج فضل المقسم العواد لا تقل في الجواد ما ليس فيه … وتسم البخيل باسم الجواد لقد اعتقد الخوارج أن لا مفر من الموت ولا مهرب، وأن الموت آت لا ريب فيه، فهذا أحد قادتهم قطري بن الفجاءة يحبب الموت إلى الناس، ويدعوهم للثبات في المعارك فيقول: أقول لها وقد طارت شعاعا … من الأبطال ويحك لن تراعـي فإنك لو سألت بقاء يـوم … على الأجل الذي لك لم تطاعي فصبرا في مجال الموت صبرا … فما نيل الخلود بمستطـــاع ولا ثوب البقاء بثوب عـز… فيطوى عن أخي الخنع اليـراع سبيل الموت غاية كل حـي… وداعيه لأهــل الآرض داع ومن لم يعتبط يسأم ويهـرم… وتسلمه المنون إلى انقطــاع وما للمرء خير في حيــاة … إذا ما عد من سقط المتــاع ويقول يزيد بن حبناء، وهو من شعراء الخوارج: فليس بمهد من يكون نهــاره … جلادا ويمسي ليله غير نائــم يريد ثواب الله يوما بطعنــة … غموس كشدق العنبري بن سالم أبيت وسربالي دلاص حصينة … ومغفرها والسيف فوق الحيـازم إن النفس البشرية مهما تطرفت في رفضها للحياة، لابد وأن تكون غريزة حب البقاء تشدها، وهذا يتمثل في قول عمران ابن حطان يخاطب زوجته جمرة: إن كنت كارهة للموت فارتحلي … ثم اطلبي أهل أرض لا يموتونا فلست واحدة أرضا بها بشـر … إلا يروحون أفواجا ويغدونا إلى القبور فما تنفك واحــدة … تدني سريرا إلى لحد يمشونـا يا جمر قد مات مرداس وأخوتـه… وقبل موتهم مات النبيونــا يا جمر لو سلمت نفس مطهـرة … من حادث لم يزل يا جمر يعنينا ويقول عمران في قصيدة ثانية يعجب فيها لمتمسك بهذه الحياة الفانية فيقول: أرى أشقياء الناس لا يسأمونها … على أنهم فيها عراة وجـوع أراها وإن كانت تحب فإنهـا … سحابة صيف عن قليل تقشع لقد كفّر الخوارج مخالفيهم، ووصفوهم بالإلحاد والفجور والفسق، ولم يكن الخوارج يفرقون بين مخالفيهم فالكل عندهم سواء، فكل من لا يرى رأيهم ولا يقول بقولهم هو العدو جاز حربه وقتله. يقول قطري بن الفجاءة في يوم دولاب: فلو شهدتنا يوم ذاك وخيلنـا … تبيح من الكفار كل حريم رأت فتية باعوا الإله نفوسهم … بجنات عدن عنده ونعيـم ويحث أحد أصحاب قطري ليثبت في وجه المهلب، ويتساءل عن سبب فراره منه وهو - أي قطري - من الأولياء الصالحين وهو على الحق، بينما المهلب كافر وهو على ضلال: أيا قطري الخير إن كنت هاربا … ستلبسنا عارا وأنت مهاجر إذا قيل قد جاء المهلب أسلمت… له شفتاك الفم والقلب طائر لقد نبذت الخوارج العصبية، فلا افتخار إلا بالدين وحده، كما يقول شاعرهم نهار بن توسعة اليشكري: دعي القوم ينصر مدعيــه … ليلحقه بذي الحسب الصميم أبي الإسلام لا أب لي سواه … إذا افتخروا بقيس أو تميــم لقد كانت أشعار الخوارج صورة فنية معبرة عن أخبارهم وملاحمهم ومكامن شخصيتهم، فهذه قصيدة عمرو بن الحصين التي قالها في معركة قديد، واصفا أخلاق الخوارج وطباعهم وتمسكهم بدينهم وحالاتهم: متأوهين كأن في أجوافهـم … نارا تسعرها أكف حواطب تلقاهم فتراهم من راكــع… أو ساجد فتضرع أو ناحب يتلو قوارع تمتري عبراتــه… فيجودها مري المري الحالب سبر لجائفة الأمور أطبــة … للصدع ذي النبأ الجليل وائب ومبرئين من المعايب أحرزوا … خصل المكارم أتقياء أطايـب متسربلي حلق الحديد كأنهم … أسد على لحق البطون سلاهب |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (33) محمد فاروق الإمام أشهر شعراء الخوارج الشاعر عمران بن حطان هو عمران بن حطان بن طبيان.. بن سدوس بن شيبان بن ذهل.. بن بكر بن وائل. ويكنى أبا شهاب. شاعر فصيح من شعراء (الشراة) ودعاتهم والمقدمين في مذهبهم. وكان من القعد - القاعدون عن القتال - لأن عمره طال فضعف عن الحرب وحضورها، فاقتصر على الدعوة والتحريض بلسانه. وكان قبل أن يفتن بالشراة مشتهرا بطلب العلم والحديث، ثم بلي بذلك المذهب فضل وهلك.. وقد أدرك صدرا من الصحابة، وروى عنهم، وروى عنه أصحاب الحديث. وأصل عمران من البصرة، فلما اشتهر بهذا المذهب طلبه الحجاج فهرب إلى الشام، فطلبه عبد الملك فهرب إلى عمان، وكان يتنقل إلى أن مات في تواريه. تزوج عمران بن حطان جمرة بنت عمه ليردها عن مذهب الشراة فذهبت به إلى رأيهم، فجعل يقول فيها الشعر. اجتمعت الشعراء عند عبد الملك بن مروان فقال لهم: أبقي أحد أشعر منكم ؟ قالوا: لا. فقال الأخطل: كذبوا يا أمير المؤمنين، قد بقي من هو أشعر منهم. قال: ومن هو ؟ قال: عمران بن حطان. قال: وكيف صار أشعر منهم ؟ قال: لأنه قال وهو صادق ففاقهم، فكيف لو كذب كما كذبوا. اجتمع عند مسلمة بن عبد الملك ناس من سماره، فيهم عبد الله بن عبد الأعلى الشاعر، فقال مسلمة: أي بيت قالته العرب أوعظ وأحكم ؟ فقال له عبد الله قوله: صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه … فلما علاه قال للباطل أبعد فقال مسلمة: إنه والله ما وعظني شعر قط كما وعظني شعر ابن حطان حيث يقول: فيوشك يوم أن يقارن ليلة … يسوقان حتفا راح نحوك أوغدا فقال بعض من حضر: والله لو سمعته أجل الموت ثم أفناه، وما صنع هذا غيره. فقال مسلمة: وكيف ذاك ؟ قال: قال: لا يعجز الموت شيء دون خالقه … والموت فان إذا ما ناله الأجـل وكل كرب أمام الموت متضـع … للموت، والموت فيما بعده جلل فبكى مسلمة حتى اخضلت لحيته، ثم قال: رددهما علي، فرددهما عليه حتى حفظهما. طلب الحجاج عمران بن حطان السدوسي، وكان من قعد الخوارج، فكتب فيه إلى عماله وإلى عبد الملك. وخرج عمران بن حطان هاربا من الحجاج، ولم يزل يتنقل في أحياء العرب، ثم لحق بالشام فنزل عند روح بن زنباع الجذامي، فقال له روح: ممن أنت ؟ قال: من الأزد، أزد السراة. وكان روح مرة يسمر عند عبد الملك، فقال له ليلة: يا أمير المؤمنين، إن في أضيافنا رجلا ما سمعت منك حديثا قط إلا حدثني به وزاد فيه ما ليس عندي. قال: ممن هو ؟ قال: من الأزد. قال: إني لأسمعك تصف صفة عمران بن حطان، لأنني سمعتك تذكر لغة نزارية وصلاة وزهدا ورواية وحفظا، وهذه صفته. فقال روح: وما أنا وعمران ! ثم دعا بكتاب الحجاج فإذا فيه: (أما بعد، فإن رجلا من أهل الشقاق والنفاق، قد أفسد علي أهل العراق، وحببهم بالشراة، ثم إني طلبته، فلما ضاق عليه عملي تحول إلى الشام، فهو يتنقل في مدائنها، وهو رجل ضرب طوال أفوه أروق. قال روح: هذه والله صفة الرجل الذي عندي. ثم أنشد عبد الملك يوما قول عمران يمدح عبد الرحمن بن ملجم بقتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه: يا ضربة من كريم ما أراد بها … إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني لأفكر فيه ثم أحسبــه … أوفي البرية عند الله ميزانـــا ثم قال عبد الملك: من يعرف منكم قائلها ؟ فسكت القوم جميعا، فقال لروح: سل ضيفك عن قائلها. قال: نعم، أنا سائله، وما أراه يخفى على ضيفي ولا سألته عن شيء قط فلم أجده إلا عالماً به. وراح روح إلى أضيافه فقال: إن أمير المؤمنين سألنا عن الذي يقول: يا ضربة من كريم ما أراد بها… ثم ذكر الشعر، وسألهم عن قائله، فلم يكن عند أحد علم. فقال عمران: هذا قول عمران بن حطان في ابن ملجم قاتل علي بن أبي طالب. قال: فهل فيها غير هذين البيتين تفيدنيه ؟ قال: نعم: له در المرادي الذي سفكت … كفاه مهجة شر الخلق إنسانا أمسى عشية غشاه بضربتـه… مما جناه من الآثام عريانــا فغدا روح فأخبر عبد الملك، فقال: من أخبرك بذلك ؟ فقال: ضيفي. قال: أظنه عمران بن حطان. فأعلمه أني قد أمرتك أن تأتيني به. قال: أفعل. فراح روح إلى أضيافه، فأقبل على عمران فقال له: إني ذكرتك لعبد الملك فأمرني أن آتيه بك. قال: كنت أحب ذلك منك، وما منعني من ذكره إلا الحياء مني، وأنا متبعك، فانطلق. فدخل روح على عبد الملك فقال له: أين صاحبك ؟ فقال: قال لي إني متبعك. قال: أظنك والله سترجع فلا تجده. فلما رجع روح إلى منزله إذا عمران قد مضى، وإذا هو قد خلف رقعة في كوة عند فراشه، وإذا فيها يقول: يا روح كم من أخي مثوى نزلت به … قد ظن ظنك من لخم وغسـان حتى إذا خفته فارقت منزلــــه … من بعد ما قيل عمران بن حطـان قد كنت ضيفك حولا لا تروعـني … فيه الطوارق من أنس ولا جان حتى أردت بي العظمى فأوحشني … ما أوحش الناس من خوف ابن مروان فاعذر أخاك، ابن زنباع، فإن لــه … في الحادثات هنات ذات ألـــوان يوما يمان إذا لاقيت ذا يمــــن … وإن لقيت معديا فعدنــــــاني لو كنت مستغفرا يوما لطاغيـــة… كنت المقدم في سري وإعلانــــي لكن أبت ذاك آيات مطهــــرة… عند التلاوة في طه وعمـــــران ثم أتى عمران بن حطان الجزيرة، فنزل بزفر بن الحارث الكلابي بقرقيسيا، فجعل شباب بني عامر يتعجبون من صلاته طولها، وانتسب لزفر أوزاعيا. فقدم على زفر رجل من أهل الشام قد كان رأى عمران بن حطان بالشام عند رح بن زنباع، فصافحه وسلم عليه، فقال زفر للشامي: أتعرفه ؟ قال: نعم، هذا شيخ من الأزد. فقال له زفر: أزدي مرة وأوزاعي أخرى ! إن خائفا أمناك، وإن كنت عائلا أغنيناك. فقال: إن الله هو الغني، وخرج من عنده وهو يقول: إن التي أصبحت يعيا بها زفــر … أعيت عياء على روح بن زنباع أمسى يسألني حولا لأخبــــره … والناس من بين مخدوع وخداع حتى إذا انجذمت مني حبائلــه … كف السؤال ولم يولع بإهلاعي فاكفف لسانك عن هزي ومسألتي … ماذا تريد إلى شيــخ لأوزاع أكرم بروح بن زنباع وأسرتــه … قوما دعا أولهم للعلا داعــي جاورتهم سنة فيما دعوت بـــه … عرضي صحيح ونومي غير تهجاع فاعمل فإنك منعي بحادثــــة … حسب اللبيب بهذا الشيب من ناعي ثم خرج ابن حطان فنزل بعُمان بقوم يكثرون ذكر أبي بلال - مروان بن مرداس بن أدية - ويثنون عليه، ويذكرون فضله، فأظهر فضله ويسر أمره عندهم. وبلغ الحجاج بن يوسف الثقفي - والي العراق - مكانه فطلبه، فهرب فنزل في روذ ميسان، فلم يزل به حتى مات. كان عمران زاهدا عابدا، من الخطباء المعدودون عند الجاحظ، وقد اشتهر أيضا بالفقه والحديث، وهناك رواية تقول: أن لحجاج قبض على ابن حطان، وهم بقتله، ولكنه عفا عنه بعد حوار دار بين الرجلين، وكان الحجاج يشتمه، فيرد عليه عمران قائلا: بئس ما أدبك أهلك يا حجاج، كيف أمنت أن أجيبك بمثل ما لقيتني به ؟ أبعد الموت منزلة أصانعك عليها ؟ ويقدر الحجاج الموقف فيعفو عنه ويطلق سراحه. |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (34) محمد فاروق الإمام الشاعر الفارس قطري بن الفجاءة هو الفارس الشاعر والخطيب المعدود الذي قاد الخوارج في حربهم ضد جنود الدولة الأموية مدة ثلاثة عشر عاما، ولقب بأمير المؤمنين، واقترن اسمه باسم أم حكيم الخارجية رغم اختلاف الروايات في ذلك. هاجم قطري القعدة، واتهمهم بالتقصير والذنب كما فعل مع سميرة بن الجعد سمير الحجاج عندما عرف مكانه فكتب إليه أبيات منها: لشتان ما بين ابن جعد وبيننـــا … إذا نحن رحنا في الحديد المظاهر نجاهد فرسان المهلب كلنــــا … صبور على وقع السيوف البواتر وراح يجر الخز عند أميــــره … أمير بتقوى ربه غير آمـــر أبا الجعد: أين العلم والحلم والنهى … وميراث آباء كرام العناصـر ؟ ألم تر أن الموت لا شك نــازل … ولا بد من بعث الألى في المقابر حفاة عراة والثواب لربهـــم … فمن بين ذي ربح وآخر خاسر فإن الذي قد نلت يفنى، وإنمـا … حياتك في الدنيا كوقعة طائــر فراجع أبا جعد ولاتك مفضيـا … على ظلمة أعشت جميع النواظـر وتب توبة تهدى إليك شهـادة … فإنك ذو ذنب ولست بكافــر وسر نحونا تلق الجهاد غنيمــة … تفدك ابتياعا رابحا غير خاســر هي الغاية القصوى الرغيب ثوابها … إذا نال في الدنيا الغنى كل تاجـر كذلك بعث قطري بشعر إلى أبي خالد القناعي يؤنبه على قعوده ويحثه على الجهاد فيقول: أبا خالد يا أنفر فلست بخالـد … وما جعل الرحمن عذرا لقاعد أتزعم أن الخارجي على الهدى … وأنت مقيم بين لص وجاحـد وكانت دعوة قطري تلقى الاستجابة أحيانا كما فعل سميرة، أو يعتذر صاحبها كما فعل أبو خالد. لقد كان لقطري غزلا رقيقا غير ما تعودنا عليه، فغزله كان فخرا كعادة الفرسان الذين يودون مشاهدة محبوباتهم لهم وهم يخوضون غمرات الحروب، لينالوا إعجابهن وودهن. فهاهو يتمنى رؤية أم حكيم، لا ليشبع شوقه أو ليروي ظمأه لرؤيتها، ولكن لتراه وهو في غمرات الحرب يجندل الشجعان ويطعن الفرسان فيقول: لعمرك إني في الحيــــاة زاد … وفي العيش ما ل ألق أم حكيم ولو شهدتني يوم دولاب أبصرت … طعان فتى في الحرب غير ذميم فلو شهدتنا يوم ذاك وخيلنــا … تبيح من الكفار كل حريــم كذلك كانت لقطري أشعار في الحماسة، تنبع من حماسته للعقيدة والموت في سبيلها، ومن رباطة جأشه وشجاعته واندفاعه ليغشى غمرات الموت دون هياب للسيوف والرماح وهي تعتوره، فنراه يقول: إلى كم تعاريني السيوف ولا أرى … معارتها تدعو إلى حماسيــا أقارع عن دار الخلـود ولا أرى … بقاء على حال لمن ليس باقيا ويقول في قصيدة أخرى: لا يركنن أحد إلى الإحجــام … يوم الوغى متخوفا لحمــام فلقد أراني للرماح دريئـــة … من عن يميني تارة وشمـــالي حتى خضبت بما تحدر من دمـي… أكناف سرجي أو عنان لجامي ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب… جذع البصيرة قارح الإقـدام متعرضا للموت أضرب معلمــا… بهم الحروب مشهر الأعـلام أدعو الكماة إلى الـنزال ولا أرى… نحر الكريم على القنا بحــرام |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة (35) محمد فاروق الإمام شعراء الخوارج الشاعر الطرماح بن حكيم هو الطرماح بن حكيم، من طيء. ويكنى أبا نفر، وأبا ضبينة. والطرماح: الطويل القامة. وكان من فحول الشعراء الإسلاميين وفصحائهم. ومنشؤه بالشام، وانتقل إلى الكوفة بعد ذلك مع من وردها من جيوش أهل الشام، واعتقد مذهب الشراة الأزارقة. قدم الطرماح بن حكيم الكوفة، فنزل في تيم اللات بن ثعلبة، وكان فيهم شيخ من الشراة له سمت وهيئة، وكان الطرماح يجالسه ويسمع منه، فرسخ كلامه في قلبه، ودعاه الشيخ إلى مذهبه فقبله واعتقده أشد اعتقاد وأصحه، حتى مات عليه. ومن شعره في مذهب الشراة قوله: لله در الشراة إنهــــم … إذا الكرى مال بالطلى أرقوا يرجعون الحنين آونـــة … وإن علا ساعة بهم شهقـوا خوفا تبيت القلوب واجفة … تكاد عنها الصدور تنفلـق كيف أرجي الحياة بعدهم … وقد مضى مؤنسي فانطلقوا قوم شماح على اعتقادهـم … بالفوز مما يخاف قد وثقـوا وكان الطرماح هجاء حيث يقول: لو حان ورد تيم ثم قيل لهـــا … حوض الرسول عليه الأزد لم ترد أو أنزل الله وحيا أن يعذبهـــا … إن لم تعد لقتال الأزد لم تعــد لا عز نصر امرئ أضحى له فرس … على تميم يريد النصر من أحــد لو كان يخفى على الرحمن خافيـة … من خلقه خفيت عنه بنو أســد كان يزعم الأصمعي في بيتين للطرماح على أنه فيهما أشعر الخلق: مجتاب حلة برجد لسراته … قددا واخلف ما سواه البرجـد يبدو وتضمره البلاد كأنه … سيف على شرف يسل ويغمد مر الطرماح بن حكيم في مسجد البصرة، وهو يخطر في مشيته. فقال رجل: من هذا الخطار؟ فسمعه فقال: أنا الذي أقول: لقد زادني حبا لنفسي أننـي … بغيض إلى كل امرئ غير طائل وإني شقي باللئام ولا تـرى … شقيا بهم إلا كريم الشمائـل إذا ما رآني قطع اللحظ بينـه … وبيني فعل العارف المتجاهـل ملأت عليه الأرض حتى كأنها … من الضيق في عينيه كفة حابل دخل الطرماح على خالد بن عبد الله القسري فأنشده قوله: وشيبني ما لا أزال مناهضــا … بغير غنى أسمو به وأبــوع وأن رجال المال أضحوا ومالهم … لهم عند أبواب الملوك شفيع أمخترمي ريب المنون ولم أنـل … من المال ما أعصي به وأطيع فأمر له خالد بعشرين ألف درهم وقال: امض الآن فاعص بها وأطع. لقد كانت أمنية الطرماح أن يموت شهيدا، فهذه قصيدته يعبر من خلالها عن هذه الأمنية فيقول: وإني لمقتاد جوادي وقــاذف … به وبنفسي العام إحدى المقاذف لأكسب مالا أو أؤول إلى الغنى … من الله يكفيني عدات الخلائف فيارب إن حانت وفاتي فلا تكن… على شرجع يعلى بخضر المطارف ولكن قبري بطن نسر مقيلــه… بجو السماء في نور عواكــف وأمسي شهيدا ثاويا في عصابـة… يصابون في فج من الأرض خائف فوارس من شيبان ألف بينهـم … تقى الله نزالون عند التزاحـف إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى … وصاروا إلى ميعاد ما في المصاحف عمل الطرماح مؤدبا للصبيان في الكوفة، وغادرها إلى فارس، وفي مدينة الري جلس يؤدب الصبيان، يقول الجاحظ: (رأيت الطرماح مؤدبا بالري، فلم أر أحدا آخذ لعقول الرجال ولا أجذب لأسماعهم إلى حد فيه منه، ولقد رأيت الصبيان يخرجون من عنده وكأنهم قد جالسوا العلماء). وكان شعر الطرماح - رغم كثرته - بعيدا عن الروح الخارجية، وأميل إلى الهجاء والمدح والفخر بالنفس، وكان بعكس الخوارج متعصبا لأهله وعشيرته.وهناك قصيدة له - تكاد تكون الوحيدة - يصف فيها إخوانه الشراة: لله در الشراة إنهــــم … إذا الكرى مال بالطلى أرقوا يرجعون الحنين آونـــة … وإن علا ساعة بهم شهقـوا خوفا تبيت القلوب واجفة … تكاد عنها الصدور تنفلـق كيف أورجي الحياة بعدهم … وقد مضى مؤنسي فانطلقوا قوم شماح على اعتقادهـم … بالفوز مما يخاف قد وثقـوا |
رد: الخوارج تاريخ وعقيدة
الخوارج تاريخ وعقيدة -36- والأخيرة محمد فاروق الإمام الشاعر عمران بن الحصين العنبري الشاعر عمران هو مولى بني تميم من أتباع الإباضية، أبعده مذهبه عن شرور التعصب، فأبدع في وصف الشخصية الخارجية وأجاد في تصوير حالتهم، وأطال في قصائده على عكس شعراء الخوارج فبلغت إحدى قصائده وهي الرائية خمسة وخمسين بيتا. ومعظم شعره متصل بوقائع الإباضية وخاصة وقعة قديد، التي انتصر فيها حمزة الخارجي على جيش الدولة الأموية. فيقول: ما بال همك ليس عنك بعازب … يمري سوابق دمعك المتساكب وتبيت تكتلئ النجوم بمقلـة … عبرى تسر بكل نجم دائــب حذر المنية أن تجيء بداهـة … لم أقض من تبع الشراة مآربـي متأوهون كأن في أجوافهـم … نارا تسعرها أكف حواطــب تلقاهم فتراهم من راكــع … أو ساجد متضرع أو ناحــب يتلو قوارع تمتري عبراتــه … فيجودها مري المري الحالــب ومبرئين من المعايب أحزروا … خصل المكارم أتقياء أطايــب سائل بيوم قديد عن وقعاتها … تخبرك عن وقعاتها بعجائـــب الشاعر سميرة بن الجعد هو من شعراء الخوارج القعدة، اتخذه الحجاج بن يوسف الثقفي سميرا له، فلم يك يطلب شيئا من الحديث إلا وجد عنده منه علما، وكان من أصحاب قطري بن الفجاءة، وكان قطري يومئذ يحارب المهلب، فبلغ قطريا مكان سميرة من الحجاج فكتب إليه بأبيات يلومه على قعوده. فلما قرأ سميرة كتاب قطري بكى وركب فرسه واخذ سلاحه، ولحق بقطري، وطلبه الحجاج فلم يقدر عليه، ولم يشعر الحجاج إلا وكتاب قد بدر منه فيه شعر قطري الذي كان كتب به إليه، وفي أسفل الكتاب إلى الحجاج أبيات شعر كتبها سميرة بن الجعد، منها: فمن مبلغ الحجاج أن سميـــرة … قلا كل دين غير دين الخـوارج رأى الناس إلا من رأى مثل رأيـه … ملاعين تراكين قصد المخـارج فأقبلت نحو الله بالله واثقــــا … وما كربتي غير الإله بفــارج إلى عصبة، أما النهار فإنهــــم … هم الأسد أسد الغيل عند التهايج وأما إذا ما الليل جن فإنهــــم … قيام كانواح النساء النواشــج ينادون للتحكيم، تالله إنهــــم … رأوا حكم عمرو كالريح الهوائج وحكم ابن قيس مثل ذاك فأعصموا … بحبل شديد المتن ليس بناهــج ولسميرة بن الجعد العديد من القصائد الشعرية يضمنها روح الخوارج ومن بعضها قوله: عجبت لحالات البلاء وللدهـر … وللحين يأتي المرء من حيث لا يدري وللناس يأتون الضلالة بعدمــا … أتاهم من الرحمن نور من البــدر ولله لا يخفى عليه صنيعنـــا … حفيظ علينا في المقام وفي السفـر علا فوق عرش فوق سبع، ودونه … سماء يرى الرواح من دونها تجـري شاعرة الخوارج الفارعة بنت طريف بن الصلت، التغلبية الشيبانية شاعرة خارجية من الفوارس. كانت تركب الخيل وتقاتل، وعليها الدرع والمغفر. وهي أخت الوليد بن طريف الخارجي، اشتهرت بقصيدة لها ترثي أخاها الوليد بن مطرف، وكانت تسلك سبيل الخنساء في مراثيها لأخيها صخر. وهذه بعض أبيات من قصيدتها: أيا شجر الخابور مالك مورقا … كأنك لم تجزع على ابن طريف فتى لا يحب الزاد إلا من التقى… ولا المال إلا من قنا وسيـوف كأنك لم تشهد هناك ولم تقم… مقاما على الأعداء غير خفيف ولها أيضا: ذكرت الوليد وأيامــه … إذ الأرض من شخصه بلقع فأقبلت أطلبه في السماء … كما يبتغي أنفه الأجــدع أضاعك قومك فليطلبوا … إفادة مثل الذي ضيــعوا |
| الساعة الآن : 08:20 PM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour