روائع قرآنية
روائع قرآنية د.محمود طباخ الرائعة القرآنية الأولى: قال تعالى :(من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون .)النحل/97 اذن طريق السعادة والحياة الطيبة لكل من الذكر والأنثى بالإيمان والعمل الصالح لا غير لكن ما يشد انتباهنا (فلنحيينه)بالإفراد لتؤكد أن السعادة والطمأنينة هي في داخل النفس وقد لا يطلع أقرب الناس عليها وانما يرى ما ظاهره الفقر والبؤس والشقاء لكن الحقيقة هي الأنس بالله والرضا عنه . أما (ولنجزينهم) فجاءت بالجمع لأن دخول الجنة يكون على زمر وجماعات .(وسيق الذين اتقوا ربهم الى الجنة زمرا) ولذا جاءت (خالدين فيها) بالجمع فقط في حق المؤمنين وكأنها تقول :ليس هناك نعيم حقيقي مع الوحدة والانفراد. بينما جاءت (خالداً وخالدين ) في حق أهل النار . وكأنها تقول لهم: لدينا في النار حبس إفرادي وحبس جماعي وقد فعل الظلمة سجونهم كذلك ولكن على المؤمنين لا على المجرمين . حفظنا الله وإياكم من كل سوء ومكروه . ووفقنا للعمل الذي يسعدنا وينجينا . فما أروع البيان في آي القرآن؟! الرائعة القرآنية الثانية : قال الله تعالى :(قالوا حرّقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين. قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين .) الأنبياء / 68ـ 70وقال سبحانه : (قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم فأرادوا به كيداً فجعلناهم الأسفلين ) الصافات / 97 ، 98 إنها إذن قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام حين غلب بحجته الطاغية النمرود ، فكان لا بد لهذا الطاغية من أن ينتصر لهزيمته ، بإحراق خصمه ، كما يفعل الطواغيت على مَرّ الزمان عندما يُهزمون. لكنهم في النهاية يخسرون ويسقطون.لكن الذي يشد انتباهنا روعة الاختيار في : (فجعلناهم الأخسرين) ، (فجعلناهم الأسفلين) حيث جاءت (الأخسرين)مع ( وانصروا آلهتكم ) ، لأن الذي يقابل النصر إنما هو الخسران المبين . أما (فجعلناهم الأسفلين) فإنها جاءت لتناسب (ابنوا له بنياناً) وقد أرادوا لهذا البناء أن يعلو ويرتفع فناسب أن يقابله (فجعلناهم الأسفلين) ، لتكون كل كلمة في مكانها المناسب لسياقها ، تعشقه ولا ترضى بديلاً عنه .فما أروع البيان في آي القرآن ؟! الرائعة القرآنية الثالثة : قال الله تعالى : (يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها )النور/27 (تستأنسوا) أي تسلموا . لكن لماذا كانت( تستأنسوا) بدل تستأذنوا ؟ لعله والله أعلم لما في (تستأنسوا) من اضافة على الاستئذان وهي اشراقة الأنس والبشر التي يحسن أن ترتسم على محيا المضيف والضيف يستأذنه ليدخل وهو منشرح النفس مرتاح الضمير لأنه قد يسمع ( تفضل ) ثم يقرأ الحرج في وجه صاحبه الذي منعه الحياء من الاعتذار . وليت من يدعون الإسلام ويباغتون البيوت وأهلها فيها نيام أن يلتزموا منهج القرآن في الاستئذان ! فما أروع البيان في آي القرآن ! الرائعة القرآنية الرابعة : قال تعالى (وأوحينا الى موسى أن أسر بعبادي )الشعراء/52 ثم قال سبحانه :(فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى انا لمدركون) الشعراء/61 لسائل أن يسأل لماذا اختلفت تسمية بني اسرائيل فكانت (عبادي)مرة و(أصحاب موسى ) أخرى ذلك والله أعلم لأنهم كانوا في الأولى على أعلى درجات الإيمان فاستحقوا وسام الشرف(عبادي)واختارهم ربي للنجاة من الطاغية فرعون . لكن لما وصلوا النيل واهتز ايمانهم وثقتهم بنصر الله لما رأوا فرعون ورآهم فرعون وأدركوا أنه لامفر لهم منه عندها سلبوا وصف(عبادي) وتحول اسمهم الى (أصحاب موسى)ليتأكد لنا أن القرآن الكريم يختار كلماته بعناية فائقة فيضع اللفظ المناسب في مكانه المناسب .والله أعلم بمراده . فما أروع البيان في آي القرآن ؟! |
رد: روائع قرآنية
روائع قرآنية(2) د.محمود طباخ قال الله تعالى :(قالوا حرّقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين. قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين .) الأنبياء / 68ـ 70 وقال سبحانه : (قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم فأرادوا به كيداً فجعلناهم الأسفلين ) الصافات / 97 ، 98 إنها إذن قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام حين غلب بحجته الطاغية النمرود ، فكان لا بد لهذا الطاغية من أن ينتصر لهزيمته ، بإحراق خصمه ، كما يفعل الطواغيت على مَرّ الزمان عندما يُهزمون. لكنهم في النهاية يخسرون ويسقطون. لكن الذي يشد انتباهنا روعة الاختيار في : (فجعلناهم الأخسرين) ، (فجعلناهم الأسفلين) حيث جاءت (الأخسرين) مع ( وانصروا آلهتكم ) ، لأن الذي يقابل النصر إنما هو الخسران المبين . أما (فجعلناهم الأسفلين) فإنها جاءت لتناسب (ابنوا له بنياناً) وقد أرادوا لهذا البناء أن يعلو ويرتفع فناسب أن يقابله (فجعلناهم الأسفلين) ، لتكون كل كلمة في مكانها المناسب لسياقها ، تعشقه ولا ترضى بديلاً عنه . فما أروع البيان في آي القرآن ؟! |
رد: روائع قرآنية
روائع قرآنية(3) د.محمود طباخ الرائعة القرآنية الثالثة : قال الله تعالى : (يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها .) [النور/27] تشير الآية الكريمة إلى أدب رفيع نلحظه في قوله سبحانه : (تستأنسوا) أي : تستأذنوا . لكننا إذا أردنا أن نصغي إلى حديث ابن مسعود رضي الله عنه : ((احرثوا هذا القرآن)) أي فتّشوه وثوّروه . كما في النهاية لغريب الحديث والأثر لابن الأثير ، وغريب الحديث لابن الجوزي [حرث] ، وغيرهما ، فإننا سوف نجد بعد الحرث في (تستأنسوا) بعداً لغوياً يضيء لنا إشراقة جديدة تنطوي عليها تلك الكلمة ، ولا نجدها في : تستأذنوا ، حيث تفوح رائحة الأنس من تستأنسوا، وهي التي يتمناها كل زائر حين يستأذن ، فقد يسمع كلمة : تفضل التي توحي بالإذن ، لكنه يحس الحرج في وجه مضيفه ، وكأنه يردد بداخله ليته جاءني في غير هذه الساعة ، لكن حياءه منعه من الاعتذار . لذا فهو يريد أن يطفح وجه مضيفه بالبشر، وتعلو محياه علامات الأنس والسرور ، ليكون الإذن مشفوعاً بكل الأنس والبهجة والارتياح ، ولعل هذه الإشراقة تزيد في ألفة المتزاورين، وتجعلهم أكثر حباً وتقديراً ، وبعداً عن مقالة السوء في غيبتهم . ومن هنا ندرك روعة الاختيار لكلمة (تستأنسوا) مكان (تستأذنوا) والله سبحانه أعلم . وليت من يدعون الإسلام ويباغتون البيوت وأهلها فيها نيام أن يلتزموا منهج القرآن في الاستئذان ! فما أروع البيان في آي القرآن ؟! |
رد: روائع قرآنية
روائع قرآنية(4) د.محمود طباخ الرائعة القرآنية الرابعة ما أجمل أن يعيش المسلم في ظلال القرآن في رمضان ! قال الله تعالى : (وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون ) الشعراء / 52 ثم قال سبحانه : (فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون . قال كلا إن معي ربي سيهدينِ )الشعراء/61 لسائل أن يسأل لماذا اختلفت تسمية بني إسرائيل في الآيتين ، فكانت بلفظ (عبادي)في الأولى ثم صارت (أصحاب موسى) في الثانية؟ ذكرنا أن القرآن الكريم يختار ألفاظه بعناية فائقة، فيضع كل لفظة في مكانها الذي لا يصلح فيه غيرها ، وعلى هذا فإنه لما كانت قلوب بني إسرائيل عامرة بالإيمان ، واستحقوا أن ينجيهم الله من فرعون وعمله ، وصفهم بقوله (عبادي) وهو أعلى وسام يحصل عليه المؤمن ، وقد حصل عليه سيد الكائنات صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به : (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً) لكن في الآية الثانية حين وصل موسى عليه السلام بهم إلى ضفاف النيل ، ورأوا فرعون الذي كان قد لحقهم ، وعلموا أنه قد رآهم ، وأيقنوا أنه سيدركهم لا محالة ويهلكهم . هنا تحركت بشريتهم وتغلبت على إيمانياتهم التي كانوا عليها يوم خرجوا ، فعبَّروا عن ضعف إيمانهم بقولهم (إنا لمدركون) عندها لم يعد الوصف الإيماني الرائع (عبادي) يناسبهم ، واستحقوا أن يطلق عليهم وصف(أصحاب موسى) لتكون كل كلمة في مكانها الذي تصلح له دون سواه . والله أعلم . فما أروع البيان في آي القرآن ! أما موسى عليه السلام الذي امتلأ قلبه إيماناً ويقيناً بربه ، فقد استنكر مقولة قومه ، وعبر عما بداخله بقوله : (كلا إن معي ربي سيهدين) فكانت نجاته وقومه من فرعون طاغية مصر الذي أهلكه الله بالغرق ، ثم شاء أن يخرجه وينجيه ببدنه بعد موته ، ليرى الناس هذا الطاغية الذي نصب نفسه إلهاً عليهم واستعبدهم ، كيف أنه عجز عن إنقاذ نفسه من الغرق ، ليكون لمن خلفه آية . ولما كان التاريخ يعيد نفسه فإننا نهيب بشعبنا السوري البطل الذي ابتلي بأعتى طغاة العصر، ألا يتزعزع إيمانه بنصر الله لأنه مظلوم مقهور ، وعدوه ظالم متجبر متكبر متغطرس ، ومعه قوى الشر في العالم أجمع ، وحاشاه سبحانه أن ينصر الظالم ويخذل المظلوم ، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب ، فكيف إذا كانت من صائم لا ترد دعوته ؟! |
رد: روائع قرآنية
روائع قرآنية(5) د.محمود طباخ الرائعة القرآنية الخامسة : قال الله تعالى:(ووصَّينا الإنسان بوالديه حسناً)العنكبوت/8 وقال سبحانه:(ووصَّينا الإنسان بوالديه إحساناً)الأحقاف/15 تثير الآيتان فينا أربعة قضايا أرجو أن يتسع صدركم لذكرها:
ثم أمر آخر استدعى التفريق بين الوصيتين ، وهو أن الوالدين في الأولى كانا كافرين ، بينما كانا في الثانية مؤمنين وبذا يتضح لكل منصف أن القرآن الكريم يختار ألفاظه بعناية فائقة إذ يضع في كل سياق اللفظ الذي يناسبه دون سواه . فما أروع البيان في آي القرآن ؟! |
رد: روائع قرآنية
روائع قرآنية(6) د.محمود طباخ الرائعة القرآنية السادسة : قال الله تعالى : أ- (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل . إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم . ولَمَن صبر وغفر إن ذلك لَمِن عزم الأمور ) الشورى/41-43 ب- (يا بُنَيَّ أقم الصلاة وامر بالمعروف وانْهَ عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ) لقمان/17 تثير فينا هذه الآيات أربع وقفات : 1-المظلوم من حقه أن يغضب ويدفع الظلم عن نفسه وينتصر لكرامته، حتى لا يستعذب الطغاة ظلم الناس وقهرهم إذا لم يجدوا إلا الخنوع والاستسلام . وهذا حق مشروع لا يماري فيه إلا الظلمة ومن وقف نفسه وعلمه لخدمتهم. (ولَمَن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل.) 2- وإذا كان لا بد من توجيه اللوم لأحد الطرفين، فيجب أن يتوجه إلى الظالم الجلاد،لا إلى المظلوم الضحية(إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق ) 3- إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لا يستسيغه من أخذته العزة بالإثم بل يرفضه . لذا فهو قد يتخذ من ذلك ذريعة لظلمه وأذاه ، فليعلم من أخذ على نفسه العهد في الدعوة أن الأذى سيلحقه ، فليوطّن نفسه لاحتماله الصبر عليه، لأنه نتيجة حتمية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 4- لكن لما كان هذا النوع من الصبر ، من أجل الدعوة وفي سبيلها ، يبدو عذباً مستساغاً، وكأنه لم يكن ، وكأنه بلا غريم لأن الداعية بأمره ونهيه هو الذي صنع هذا الغريم ، وقد حسب وتوقع لأذاه كل حساب ، وهو طامع بعظيم الثواب . لذا فإن هذا الصبر لن يكون صعباً على النفس كسابقه ، حين كان الظلم لمجرد الظلم ، أو لمجرد الانتقام لأحقاد دفينة وثارات مفتعلة موهومة . من أجل ذلك لم يكن التوكيد باللام مع هذا النوع من الصبر كسابقه بل كان (إن ذلك من عزم الأمور) ، وليس : لمن عزم الأمور، والله أعلم . وذلك لتتأكد حقيقة أن القرآن قد اختيرت ألفاظه بعناية فائقة، فكانت كل لفظة في مكانها الذي يناسبها دون سواه . فما أروع البيان في آي القرآن ! |
رد: روائع قرآنية
روائع قرآنية(7) د.محمود طباخ الرائعة القرآنية السابعة : قال الله تعالى : ( فإذا جاءت الصاخة . يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه . وصاحبته وبنيه . لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه . ) عبس/33-37وقال سبحانه : ( يُبصَّرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومِئذ ببنيه . وصاحبته وأخيه . وفصيلته التي تؤويه . ومن في الأرض جميعاً ثم ينجيه ) المعارج/11-14 إن ما يشد انتباهنا في سورة عبس أن المرء لشدة أهوال يوم القيامة يفر حتى من أمه وأبيه ، وفي الوقت نفسه والأهوال هي الأهوال نجد المجرم يود أن يفتدي نفسه من العذاب ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه ، دون أن يقدم أمه وأباه ليفتدي بهما نفسه ، لأنه والله أعلم يعلم أن ذلك يسخط ربه ويغضبه ، لأن رضا الله في رضا الوالدين ، وهو في أمس الحاجة في هذا الموقف العصيب ، إلى استرضاء ربه واستعطافه ، فمع أنه المجرم إلا أنه تأدب مع والديه ، فلم يقدمهما فداء له من النار . فهل يليق بأبناء المسلمين أن يكونوا أقل أدباً وبراً بآبائهم من هذا المجرم ؟! اللهم هل بلغت ؟ اللهم فاشهد ! |
رد: روائع قرآنية
روائع قرآنية(8) د.محمود طباخ الرائعة القرآنية الثامنة : قال الله تعالى : (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ) [آل عمران/103] عملاً بوصية ابن مسعود رضي الله عنه((احرثوا هذا القرآن)) أي فتشوه وثوّروه ، كما في النهاية لغريب الحديث والأثر، وغريب الحديث لابن الجوزي ، فإننا نجد أنفسنا مدفوعين لمعرفة سبب اختيار (واعتصموا) مكان وتمسكوا إذا كان معناهما واحداً ؟والجواب والله أعلم أن (واعتصموا) فيها أبعاد لغوية لا نجدها في :وتمسكوا . فالاعتصام : الإمساك ، ومنه سمي المعصم لإمساكه السوار. والاعتصام : الامتناع، لقوله تعالى):والله يعصمك من الناس) أي يمنعك . والاعتصام : الملازمة، ومنه قيل للقلادة :العصمة ، وللحناء: العُصم ، لملازمته الكف . وعلى هذا فيمكن القول:بأن الله حين أمرنا بالاعتصام بحبله ، كأنه أرادنا أن نعي هذه الأبعاد اللغوية في الاعتصام ، بمعنى أن على المعتصم أن يدرك بأن عليه أن يتمسك بدين الله ، وأن يعتقد بأن الله سيمنعه من عدوه ويحفظه ، كما أن عليه أن يفهم أن تمسكه بدين الله يجب أن يلازمه ولا يفارقه ، تحت أي ظرف إلا ما سمح به الشارع من الضرورات ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) ، وبذا ندرك أن (واعتصموا) لا يمكن أن تحل محلها وتمسكوا ، لما حوته من الأبعاد اللغوية الهامة ، لتتأكد حقيقة أن القرآن قد اختيرت ألفاظ بعناية فائقة ، بحيث لا تغني كلمة عن غيرها في موضعها الذي اختارها الله فيه دون سواه . فما أروع البيان في آي القرآن ! أما عن قوله سبحانه(ولا تفرقوا )بعد(جميعاً)فهو لغرض نبيل قد يغيب عن بعضهم حين يظن أنه إذا تمسك المسلمون بدين الله جميعاً ولو كانوا متفرقين ، فإنه وحده كاف لتحقيق مطالب الأمة وتطلعاتها في نصرها وتمكينها ونيل حريتها وكرامتها ، لكن مجيء (ولا تفرقوا ) بعد (جميعاً) جعلنا ندرك أن تمسك المسلمين ولو كانوا جميعاً بدينهم غير كاف إلا إذا كان تمسكهم جميعاً وهم مجتمعون غير متفرقين . (جميعاً ولا تفرقوا) فكيف إذا كان مع الفرقة نزاع وخصومة نسأل الله السلامة ؟ عندها علينا ألا نعجب من الفشل وذهاب الريح(ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) أسأل الله سبحانه وقد دخلنا في عشر المغفرة من رمضان، أن نغتنمها فرصة لنعمل بمنطوق (واعتصموا) بكل أبعادها ومراميها ، ليحقق الله لنا ما وعدنا من النصر والمنعة والتمكين ، إنه وحده دون سواه وليّ ذلك والقادر عليه . اللهم هل بلغت ؟ اللهم فاشهد ! |
رد: روائع قرآنية
روائع قرآنية(9) د.محمود طباخ الرائعة القرآنية التاسعة : قال الله تعالى :(وردَّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال . وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقاً تقتلون وتأسرون فريقاً) [الأحزاب/25،26] ، الصياصي:الحصون، سميت بذلك لامتناعهم بها،ومنه سميت قرون البقر:صياصي. لنا أربع وقفات مع هاتين الآيتين : 1-الله وحده هو الفعال المطلق ، فهو الذي ردّ الذين كفروا في غزوة الأحزاب دون قتال ، وهو الذي أنزل يهود بني قريظة من حصونهم أذلة ، وهو الذي ألقى الرعب في قلوبهم فمن سواه يستحق اللجوء إليه وقت المصائب والنكبات ؟! 2-نقض يهود بني قريظة عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واصطفوا مع الأحزاب ، لتتأكد حقيقة أن ملة الكفر واحدة ، وأنها على استعداد أن تدوس كل المعاهدات والمواثيق بقدمها حين ترى فرصة سانحة لذلك ، فلا عجب إن رأينا اليوم تكالب الصهيونية والصليبية على الإسلام الناصع الساطع وأهله، ولو خالفوا كل الأعراف والمعاهدات. 3- معلوم أن إلقاء الرعب في قلوب بني قريظة سابق لنزولهم من صياصيهم ، لأن سبب النزول هو الرعب ، فلماذا كان هذا التقديم ؟ ذلك لأن سرور المؤمنين بنزولهم أعظم وإخبارهم به أهم ، والله أعلم . 4-تقدم المفعول (فريقاً) على فعله (تقتلون)للاهتمام بذكره ، لأن ذلك الفريق هم رجال القبيلة الذين بقتلهم يتم الاستيلاء على الأرض والأموال والأسرى ، بينما لم يقدم مع الأسرى، فكان على أصله (وتأسرون فريقاً) لأن الأسر مع هذا الفريق من الذراري والنساء هو الأهم ، وقيل غير ذلك ، والله أعلم. 5- ولنا أن نلاحظ استخدام المضارع في حادثة ماضية، فبعد أن كان الحديث في الماضي :(وردَّ اللهُ)،(وأنزل )،(وقذف) تحول الحديث إلى لغة المضارع:( تقتلون وتأسرون)، وهذا يسمى حكاية الحال ، بمعنى أنه إذا كان الحدث الماضي مهماً فإنه يجعل بصيغة المضارع ليصير وكأنه شاخص مشاهد تجري أحداثه الآن . وذلك كي يشاهد المؤمنون كلما مروا بهذه الآية بأعينهم إلى الذين خانوا وغدروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وقت شدته من يهود بني قريظة ، وهم ينزلون من حصونهم المنيعة مستسلمين مذعنين لحكم الله الذي نطق به حليفهم سعد ابن معاذ رضي الله عنه ليقتلوا جزاء غدرهم وخيانتهم ، كما يشاهدون ذراريهم ونساءهم وهم يساقون أسرى كالنعاج بأيدي المؤمنين أمام أعينهم كذلك . فما أروع البيان في آي القرآن ! |
رد: روائع قرآنية
روائع قرآنية(10) د.محمود طباخ الرائعة القرآنية العاشرة : قال الله تعالى : (حتى إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون . وقالوا لجلودهم لِمَ شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون .) [ فصلت/20، 21] لنا ثلاث وقفات مع هاتين الآيتين : 1-الضمير في (جاؤوها) يعود على جهنم ، ولا بد لكل عاقل فضلاً عن المؤمن أن يدرك بأن جهنم مسألة حتمية يوم القيامة ، لأنه لابد من معاقبة المجرمين المفسدين في الأرض بها، إذا لم يحاسبوا في الدنيا لحكمة يعلمها الله ، ليتحقق العدل الإلهي ، حتى إنه ليقاد من الشاة القرناء للشاة الجمّاء ، لذا وجب ألا يمر المؤمن على ذكر النار مرور الغافلين . 2- في يوم القيامة لا يجرؤ أحد مهما بلغت إساءته وبلغ مكره أن يخفي جرائمه ، لأن الله سيفضحه ، حين يجعل أعضاءه تنطق بالشهادة عليه رغماً عنه ، فليحسب الطغاة حسابهم لهذا الموقف ، وليعلموا أنه لا مكان لأي حجة لهم ما دامت أعضاؤهم هي التي ستنطق عن جرائمهم بما ارتكبت . 3- حين تشهد الأسماع والأبصار والجلود على أفعال المجرمين يوم القيامة ، فإنهم يتوجهون باللوم إلى جلودهم فقط مع أن أسماعهم وأبصارهم قد شهدت عليهم أيضاً ، فهل لذلك من دلالة ؟ نعم وكأن المجرم يعاتب جلده قائلاً :كيف شهدت عليّ ؟ مع أنك أنت الذي ستذوق العذاب دون سواك ، لأن فيك أعصاب الحس، التي بسببها يكون الإحساس بالألم، ولعل هذا هو السبب الذي من أجله يبدل الله جلود المعذبين في جهنم كلما تلفت ، ليستمر العذاب عليهم ولا يتوقف ، كما قال سبحانه (إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ناراً كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزاً حكيماً)[النساء/ 56]، لأن كلما تفيد الاستمرارية . وهذا الذي أشار إليه القرآن الكريم من وجود أعصاب الحس في الجلد كما أشارت إليه الآيتان هو ما تم اكتشافه حديثاً . فلله در القرآن ! ما أروع بيانه ! وما أعظم إعجازه ! |
رد: روائع قرآنية
روائع قرآنية(11) د.محمود طباخ الرائعة القرآنية الحاديةَ عشرةَ : قال الله تعالى : ( وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى ) [طه/18] وقال سبحانه:(فلما قضينا عليه الموتَ ما دلهم على موته إلا دابّةُ الأرض تأكل مِنْسَأتَهُ)[سبأ/14] المنسأة : العصا العظيمة ولنا أن نتساءل عن سبب تسمية العصا بالمنساة في قصة سليمان عليه السلام ، ذلك والله أعلم لما في المنساة من معنى الزيادة وهو النسيء . والسياق في القصة يشير إلى زيادة توهمتها الجن في عُمْر سليمان عليه السلام ، فبقيت تعمل بدأب ونشاط حتى نخرت دويبة الأرض العصا، وخرَّ سليمان ميتاً ، لتتأكد حقيقة أن الجن لا يعلمون الغيب ، وما يدعيه السحرة من خلاف ذلك ، هو تدليس على الناس يجب الحذر منه ) فلما خرّ تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ) ، وسبب آخر لهذا الاختيار أيضاً والله أعلم هو أن في المنسأة بعد لغوي آخر قوّى هذا الاختيار، وهو أن نسّأ الدابة : ساقها وزجرها ، فالمنسأة تُزجر بها الإبل لتسوقها ، فكأن منسأة سليمان هي التي كانت تسوق الجن إلى العمل بثباتها وهو متكئ عليها مع أنه قد فارق الحياة وهي تعمل ، ولوعلمت الجن بموته لتوقفت عن العمل. فلله در القرآن ! ما أدق تعبيره وأروع بلاغته وأنصع بيانه ! إذ يختار لكل سياق اللفظ الذي يناسبه ، وكأنه في اختياراته الرائعة هذه ، يريد أن يغرس في المسلمين قيمة ثمينة ، وهي أنّ على المسلم أن يكون في تعامله مع واقعه مرناً ، فيحسن اختيار ألفاظه وعباراته وشعاراته ولافتاته وتصرفاته حسب كل المستجدات ، مقدماً مصلحة الإسلام والمسلمين على مصلحته الشخصية والحزبية والفئوية ، لكن ليس على حساب الثوابت ، فيكون مدركاً لأبعاد ما يدبر له ، فطناً لكل ما ينسج حوله من خيوط التآمر، حتى ينجو من الفِخاخ التي لا يهدأ الماكرون لحظة من نصبها ليوقعوه فيها ليوفر المسلمون جهودهم في النهضة والبناء والإنماء ، بدل أن تضيع في معارك جانبية مفتعلة ، تأكل طاقاتهم ، وقد تأتي على أخضرهم ويابسهم قبل نضجهم وصلابة عودهم . اللهم هل بلغت ؟ اللهم فاشهد ! |
رد: روائع قرآنية
روائع قرآنية(15) د.محمود طباخ الرائعة القرآنية الخامسة عشرة : قال الله تعالى : ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط .) [ آل عمران /17] لو قيل لأحدنا ما أعظم ما ورد في كتاب الله في فضل العلم والعلماء ؟ لقال : حسب العلم منزلة أنه صفة الله سبحانه ( وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون) [ الأنعام/3 ] وحسبه رفعة أن الله عز وجل امتن به على حبيبه صلى الله عليه وسلم في قوله :( وأنزل عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم ) [النساء /114] ويكفيه إكراماً أنه جل جلاله جعل أهل العلم أهل خشيته في قوله : (إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ) [ فاطر/ 28 ] ويكفيه إجلالاً قوله عز من قائل : ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) [ الزمر /8 ] وقد يضيف أحدهم فيقول : بل يكفيه شرفاً أن يرتقي الكلب إذا تعلم ليصير صيده حلالاً طيباً بعد أن كان نجساً خبيثاً أيام جهله (يسألونك ماذا أُحل لهم قل أُحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مُكَلّبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه) [ المائدة/4 ] هذا كله يذكره أحدنا وقد يغيب عن باله ما هو أعظم من ذلك في تعظيم العلم وتكريم العلماء،وهوما نلحظه في آية (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم) حيث لم يرد فيها ذكر الأنبياء مع من شهدوا بالوحدانية ، فهل لأنهم لم يشهدوا فعلاً وهذا محال ، أم أن فهمنا قصر عن فهم الحقيقة ؟وحقيقة الأمر أن الأنبياء أدرجوا في ثنايا أولي العلم بل هم في طليعة أولي العلم . وبذا يعطي القرآن الكريم أعظم وسام شرف لأهل العلم حين أدرج الله في ثناياهم أنبياءه ورسله . وبذا ينال أهل العلم الربانيّون فقط الذين يهتمون بأمتهم ويعيشون آلامها وآمالها ، ينالون حصانة تجعل من العسير على من ينتسب إلى الإسلام أن يقترب من حماهم بالنيل من شرفهم أو الوقوع في غيبتهم وعرضهم ، كما يحلو للجهلة وأنصاف المتعلمين اليوم من الوقيعة فيهم مالم يسيروا في ركابهم وينضووا تحت لوائهم، بل ويبايعوا وينقادوا لأميرهم. أما علماء سلاطين البغي والجور فقد أسقطوا هم عن أنفسهم حق الحصانة وأصبحوا في حكم من يروّجون لهم بغيهم وظلمهم سواء بسواء (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) أسأل الله أن يبصرنا في ديننا ، وأن يعجّل بالفرج عن أمتنا إنه أكرم مسؤول وأفضل مجيب . اللهم هل بلغت ؟ اللهم فاشهد ! |
رد: روائع قرآنية
روائع قرآنية(16) د.محمود طباخ الرائعة القرآنية السادسة عشرة : قال الله تعالى : ( قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة مَن إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون ) القصص/71 وقال سبحانه : (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة مَن إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ) القصص/75 إن هاتين الآيتين تثير فينا ثلاث قضايا : 1-قضية أن الله وحده هو الفعال المطلق في خلقه دون سواه، ولا يمكن أن يحدث في الكون شيء إلا إذا أراده ، لكن هذا الذي يريده قد لا يرضاه ، كما قال سبحانه : ( ولا يرضى لعباده الكفر) مع أنه أراده . فما على المؤمن إذا ضاقت عليه الدنيا إلا أن يحسن ظنه بربه الذي أمرُه بين الكاف والنون . 2- قضية التحدي الأكبر لمن طغى وتجبر ، مع أنه محكوم بالقوانين الإلهية رغم أنفه ، ولا حيلة له أن يطيل الليل أو أن يمد النهار ولو للحظة واحدة إذا احتاج إليها لعمله أو لنومه و راحته . لكن الحكيم الخبير وحده يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل بحكمة بالغة ، ليعمل الإنسان نهاره ، ويسكن ويرتاح ليله (وجعلنا الليل لباساً وجعلنا النهار معاشاً) فما بال هذا الإنسان يتعامى عن هذه الحقيقة وهذه حاله ، فيتكبر على عباد الله ويتصرف وكأنه الإله ، ولا متصرف في الكون سواه . فما أغباه ؟! 3- ثم تأمل روعة البيان في حسن اختيار كل كلمة في مكانها الذي تعشقه حيث جاءت (أفلا تسمعون) مع (الليلَ سرمداً) لأن طريق الاستدلال للإنسان في الليل هو السمع لا غير . لكن لما كانت الحالة (النهارَ سرمداً) ناسب قوله سبحانه( أفلا تبصرون) لأن آلة الاستدلال في النهار هي البصر ، فناسب. فما أروع البيان في آي القرآن !! |
رد: روائع قرآنية
روائع قرآنية(17) د.محمود طباخ الرائعة القرآنية السابعة عشرة : قال الله تعالى : 1- (رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلاً .) المزمل/9 2- (خلق الإنسان من صلصال كالفخار . وخلق الجان من مارج من نار . فبأي آلاء ربكما تكذبان . رب المشرقين ورب المغربين . فبأي آلاء ربكما تكذبان . مرج البحرين يلتقيان .) الرحمن/14-19 3- (كلا إنا خلقناهم مما يعلمون . فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون .) المعارج / 39 ، 40 4- (رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق إنّا زيّنّا السماء الدنيا بزينة الكواكب) الصافات/5 لدى التأمل في هذه الآيات نجد أربع قضايا : ا- لا تعارض بين الإطلاقات الثلاث : المشرق والمشرقين والمشارق . فهو المشرق باعتبار الجهة ، وهما المشرقان باعتبار بداية أماكن الشروق وانتهائها على امتداد العام . وهي المشارق باعتبار اختلاف الشروق في كل أيام السنة . ولما كان كل شروق يقابله غروب كانت المغارب كذلك . 2- لكن ما يلفت انتباهنا تنوع استعمال المشرق إفراداً وتثنية وجمعاً، وما ذاك إلا لمناسبة السياق ، كما كررنا سابقاً. فحالة الإفراد جاءت لتناسب ما قبلها : ( يأيها المزمل) وما بعدها: (لا إله إلا هو ) ، وحالة التثنية جاءت لتناسب ما قبلها:(خَلَقَ الإنسانَ ...وخَلَقَ الجانَّ) فهما الثقلان إذن ، ولتناسب ما بعدها : (مرج البحرين يلتقيان) ، أما حالة الجمع فجاءت لتناسب ما قبلها : (كلا إنا خلقناهم مما يعلمون) وما بعدها: (إنا لقادرون) 3- وما يلفت انتباهنا أكثر وأكثر في الآية الرابعة قضية ذكر المشارق فقط وغياب المغارب في هذا الموطن فقط من القرآن ، وما ذاك والله أعلم إلا لمناسبة ما بعدها : ( إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب) حيث إن الزينة لا يناسبها الغروب وإنما الشروق ، وكل الذين يتحدثون بالتفاؤل وإدخال السرور يتحدثون عن الشروق بلغات مختلفة فتارة ستشرق شمس الحرية ، وأخرى لا بد لليل الظلم والقهر أن ينجلي ، ولا بد للأمل الباسم أن يضيء نهاره وتسطع شمسه. فما أروع البيان في آي القرآن !! 4- ولما كان القرآن يهدي للتي هي أقوم (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) في كل جانب من جوانب الحياة الفاعلة، فما أجمل أن يكون لحروفه وكلماته وعباراته ونَظمه وتوجيهاته ومراعاته لكل مناسب ، أن يكون لها الأثر العظيم في اختيار ألفاظنا وتحديد مواقفنا وسلوكياتنا ، لتكون مناسبة للموقف الذي يواجهنا حرباً وسلماً ومداراة ورخصة وعزيمة ثم ليكون لها بالغ التأثير في مراعاة مشاعر بعضنا وبخاصة أهل العلم والفضل حضروا أو ذكروا، لتتناغم مع جلال الموقف وروعة المشهد فينا ، بحيث تغيب الألفاظ السيئة والتصرفات المشينة إذا. اللهم هل بلغت ؟ اللهم فاشهد ! |
رد: روائع قرآنية
روائع قرآنية(17) د.محمود طباخ الرائعة القرآنية الثامنة عشْرة : قال الله تعالى : ( كُتِب عليكم القتال وهو كُره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) من سورة البقرة / 216 وقال سبحانه : (فإن كرهتموهنَّ فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعلَ الله فيه خيراً كثيراً) النساء / 19 إذا تأملنا هاتين الآيتين فيمكننا أن نتحدث عن ثلاث قضايا: 1-(كُتِب عليكم القتال) أي فُرض ، وال في (القتال) للجنس ، فهو عام لكن عموماً عرفياً ، فهولا يكون إلا للأعداء ، وفي حدود ما شرعه الله ، وليس قتالاً مفتوحاً لشهوة القتال ، كما يحلو لبعض الجهلة اليوم من قتال أهل الإيمان، أوغيرهم من بني الإنسان تحت مسميات ومعتقدات بعيدة عن هدي القرآن. فالقتال لم يأذن به الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ابتداء، ثم أَذن للمظلومين بذلك (أُذِنَ للذين يُقاتَلون بأنهم ظُلموا وإنّ الله على نصرهم لقدير) الحج/39، فهو إذْنٌ للمظلومين بالقتال دون الأمر به ، ثم كان الأمر به ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا) من سورة البقرة /190. فأنت يا شعبنا السوري قد أَذن الله لك بقتال من قاتلوك وعذبوك وقهروك ، ثم جاءك الأمر بوجوب قتال من قاتلوك ، وقد فعلت ما أمرت به ، ولم تكن معتدياً بفعلك هذا ، بل قمت بواجبك المقدس . أسأل الله القادر على نصرك أن يعجل لك بالنصر . 2- (وهو كُرْهٌ لكم ) يتبادر إلى الذهن كيف يأمر الله بما هو مكروه وبغيض ؟ والجواب أنه مع كره النفس للقتال إلا أنه يحمل في طياته الخير العميم إذ بدونه تغيب المصالح وينتشر الفساد في الأرض التي أُمر المؤمنون بإعمارها ( هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها). وما تسلُّط الأعداء اليوم وتكالبهم على المسلمين لاستعبادهم ونهب خيراتهم ، إلا لتقصيرهم بواجب الجهاد والإعداد.لذا كان التعقيب ضرورياً لإزالة هذا اللبس (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم) فعليكم أن تمتثلوا أمر العليم الخبير في قتال عدوكم المعتدي، لأنه سبحانه أعلم بما يصلحكم (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) 3- لكن الرائعة التي ننتظر فوق هذا كله هي في أننا وجدنا في آية الطلاق (فإن كرهتموهنَّ فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعلَ الله فيه خيراً كثيراً) ولم يذكر سبحانه الحالة الثانية وهي : وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم ، كما ذكر الحالتين في آية القتال ، وما ذاك والله أعلم إلا لأن الكراهة في آية القتال طبيعية فطرية تحتاج إلى المساواة بين طرفي المعادلة ، بينما في آية الطلاق الكراهة عرضية طارئة تحتاج الى معالجة خاصة ، فالكاره لزوجته ليس بحاجة لأن يذكر له الطرف الآخر من المعادلة ، لأنه كاره وكفى ، وهو يبحث عمن يؤيده على قراره في الطلاق فحسب. لذا وجب تذكيره بالتروي لأن الكراهية الطارئة قد تتبدل أو تكون مبعث خير عميم لم ندركه ( ويجعلَ الله فيه خيراً كثيراً) فما أروع البيان في آي القرآن !! |
رد: روائع قرآنية
روائع قرآنية(19) د.محمود طباخ الرائعة القرآنية التاسعة عشرة : قال الله تعالى :( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ) الأنبياء / 18 هذه الآية تمثل لنا صورة رائعة لمعركة تدور بين الحق والباطل على مر الزمان ، فالحق والباطل معقولان معنويان استعير لهما ماديان محسوسان، وهما القذف والدمغ ليُظهرا المشهد وكأنه يدور أمام أعيننا، حين نتخيل الحق كجسم قوي عنيف ، يتحول إلى قذائف حارقة خارقة ، تخترق جسم الباطل النحيف الضعيف ، ليرزح تحت وطأة الحق ذليلاً مهيناً بعد أن مَرَّغ أنفه في التراب (فيدمغه) وكأن القذيفة حققت هدفها ، فأصابت الباطل في دماغه فشلته عن الحركة ليعبث به الحق كيفما شاء ، بعد أن كسّر عظام باطله في رأسه المتكبر المتغطرس فحطمها ، ليقول له بعدها ساخراً مستهزئاً:(ذق إنك أنت العزيز الكريم) ثم لتزهق روحه نادمة على كل ما مضى من كبريائها ، متحسرة على كل ما فات من ظلمها وغطرستها ، لأن زهوق النفس يعني أن تفيض أسفاً ، لتترك جسدها بعد ذلك جثة هامدة ، وأثراً بعد عين (فيدمغه فإذا هو زاهق) هذا فوق ما ينتظر تلك النفس المغرورة من العذاب الأليم يوم تقف بين يدي ربها فتُسأل عن كل قطرة دم سالت ، وعن كل دمعة ثكلى ذرفت ، وعن كل صرخة رضيع انفجرت على أمه التي لا يستسيغ غير لبنها ، ولا يطيق غير حضنها ، وعلى كل أنّة يتيم تسللت خفية خشية أن يسمعها مأجور فيحز رأسه ويركله بقدمه إلى سيده ليرضى عنه ويعلي شأنه. فما أروع البيان في آي القرآن !! |
رد: روائع قرآنية
روائع قرآنية(20) د.محمود طباخ الرائعة القرآنية العشرون : قال الله تعالى : 1- (رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلاً .) المزمل/9 2- (خلق الإنسان من صلصال كالفخار . وخلق الجان من مارج من نار . فبأي آلاء ربكما تكذبان . رب المشرقين ورب المغربين . فبأي آلاء ربكما تكذبان . مرج البحرين يلتقيان .) الرحمن/14-19 3- (كلا إنا خلقناهم مما يعلمون . فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون .) المعارج / 39 ، 40 4- (رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق إنّا زيّنّا السماء الدنيا بزينة الكواكب) الصافات/5 لدى التأمل في هذه الآيات نجد أربع قضايا : ا- لا تعارض بين الإطلاقات الثلاث : المشرق والمشرقين والمشارق . فهو المشرق باعتبار الجهة ، وهما المشرقان باعتبار بداية أماكن الشروق وانتهائها على امتداد العام . وهي المشارق باعتبار اختلاف الشروق في كل أيام السنة . ولما كان كل شروق يقابله غروب كانت المغارب كذلك . 2- لكن ما يلفت انتباهنا تنوع استعمال المشرق إفراداً وتثنية وجمعاً، وما ذاك إلا لمناسبة السياق ، كما كررنا سابقاً. فحالة الإفراد جاءت لتناسب ما قبلها : ( يأيها المزمل) وما بعدها: (لا إله إلا هو ) ، وحالة التثنية جاءت لتناسب ما قبلها:(خَلَقَ الإنسانَ ...وخَلَقَ الجانَّ) فهما الثقلان إذن ، ولتناسب ما بعدها : (مرج البحرين يلتقيان) ، أما حالة الجمع فجاءت لتناسب ما قبلها : (كلا إنا خلقناهم مما يعلمون) وما بعدها: (إنا لقادرون) 3- وما يلفت انتباهنا أكثر وأكثر في الآية الرابعة قضية ذكر المشارق فقط وغياب المغارب في هذا الموطن فقط من القرآن ، وما ذاك والله أعلم إلا لمناسبة ما بعدها : ( إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب) حيث إن الزينة لا يناسبها الغروب وإنما الشروق ، وكل الذين يتحدثون بالتفاؤل وإدخال السرور يتحدثون عن الشروق بلغات مختلفة فتارة ستشرق شمس الحرية ، وأخرى لا بد لليل الظلم والقهر أن ينجلي ، ولا بد للأمل الباسم أن يضيء نهاره وتسطع شمسه. فما أروع البيان في آي القرآن !! 4- ولما كان القرآن يهدي للتي هي أقوم (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) في كل جانب من جوانب الحياة الفاعلة، فما أجمل أن يكون لحروفه وكلماته وعباراته ونَظمه وتوجيهاته ومراعاته لكل مناسب ، أن يكون لها الأثر العظيم في اختيار ألفاظنا وتحديد مواقفنا وسلوكياتنا ، لتكون مناسبة للموقف الذي يواجهنا حرباً وسلماً ومداراة ورخصة وعزيمة ثم ليكون لها بالغ التأثير في مراعاة مشاعر بعضنا وبخاصة أهل العلم والفضل حضروا أو ذكروا، لتتناغم مع جلال الموقف وروعة المشهد فينا ، بحيث تغيب الألفاظ السيئة والتصرفات المشينة إذا. اللهم هل بلغت ؟ اللهم فاشهد ! |
رد: روائع قرآنية
روائع قرآنية(21) د.محمود طباخ الرائعة القرآنية الحادي والعشرين : قال الله تعالى : ( كُتِب عليكم القتال وهو كُره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) من سورة البقرة / 216 وقال سبحانه : (فإن كرهتموهنَّ فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعلَ الله فيه خيراً كثيراً) النساء / 19 إذا تأملنا هاتين الآيتين فيمكننا أن نتحدث عن ثلاث قضايا: 1-(كُتِب عليكم القتال) أي فُرض ، وال في (القتال) للجنس ، فهو عام لكن عموماً عرفياً ، فهولا يكون إلا للأعداء ، وفي حدود ما شرعه الله ، وليس قتالاً مفتوحاً لشهوة القتال ، كما يحلو لبعض الجهلة اليوم من قتال أهل الإيمان، أوغيرهم من بني الإنسان تحت مسميات ومعتقدات بعيدة عن هدي القرآن. فالقتال لم يأذن به الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ابتداء، ثم أَذن للمظلومين بذلك (أُذِنَ للذين يُقاتَلون بأنهم ظُلموا وإنّ الله على نصرهم لقدير) الحج/39، فهو إذْنٌ للمظلومين بالقتال دون الأمر به ، ثم كان الأمر به ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا) من سورة البقرة /190. فأنت يا شعبنا السوري قد أَذن الله لك بقتال من قاتلوك وعذبوك وقهروك ، ثم جاءك الأمر بوجوب قتال من قاتلوك ، وقد فعلت ما أمرت به ، ولم تكن معتدياً بفعلك هذا ، بل قمت بواجبك المقدس . أسأل الله القادر على نصرك أن يعجل لك بالنصر . 2- (وهو كُرْهٌ لكم ) يتبادر إلى الذهن كيف يأمر الله بما هو مكروه وبغيض ؟ والجواب أنه مع كره النفس للقتال إلا أنه يحمل في طياته الخير العميم إذ بدونه تغيب المصالح وينتشر الفساد في الأرض التي أُمر المؤمنون بإعمارها ( هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها). وما تسلُّط الأعداء اليوم وتكالبهم على المسلمين لاستعبادهم ونهب خيراتهم ، إلا لتقصيرهم بواجب الجهاد والإعداد.لذا كان التعقيب ضرورياً لإزالة هذا اللبس (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم) فعليكم أن تمتثلوا أمر العليم الخبير في قتال عدوكم المعتدي، لأنه سبحانه أعلم بما يصلحكم (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) 3- لكن الرائعة التي ننتظر فوق هذا كله هي في أننا وجدنا في آية الطلاق (فإن كرهتموهنَّ فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعلَ الله فيه خيراً كثيراً) ولم يذكر سبحانه الحالة الثانية وهي : وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم ، كما ذكر الحالتين في آية القتال ، وما ذاك والله أعلم إلا لأن الكراهة في آية القتال طبيعية فطرية تحتاج إلى المساواة بين طرفي المعادلة ، بينما في آية الطلاق الكراهة عرضية طارئة تحتاج الى معالجة خاصة ، فالكاره لزوجته ليس بحاجة لأن يذكر له الطرف الآخر من المعادلة ، لأنه كاره وكفى ، وهو يبحث عمن يؤيده على قراره في الطلاق فحسب. لذا وجب تذكيره بالتروي لأن الكراهية الطارئة قد تتبدل أو تكون مبعث خير عميم لم ندركه ( ويجعلَ الله فيه خيراً كثيراً) فما أروع البيان في آي القرآن !! |
رد: روائع قرآنية
روائع قرآنية(22) د.محمود طباخ الرائعة القرآنية الثاني والعشرون: قال الله تعالى :( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ) الأنبياء / 18 هذه الآية تمثل لنا صورة رائعة لمعركة تدور بين الحق والباطل على مر الزمان ، فالحق والباطل معقولان معنويان استعير لهما ماديان محسوسان، وهما القذف والدمغ ليُظهرا المشهد وكأنه يدور أمام أعيننا، حين نتخيل الحق كجسم قوي عنيف ، يتحول إلى قذائف حارقة خارقة ، تخترق جسم الباطل النحيف الضعيف ، ليرزح تحت وطأة الحق ذليلاً مهيناً بعد أن مَرَّغ أنفه في التراب (فيدمغه) وكأن القذيفة حققت هدفها ، فأصابت الباطل في دماغه فشلته عن الحركة ليعبث به الحق كيفما شاء ، بعد أن كسّر عظام باطله في رأسه المتكبر المتغطرس فحطمها ، ليقول له بعدها ساخراً مستهزئاً:(ذق إنك أنت العزيز الكريم) ثم لتزهق روحه نادمة على كل ما مضى من كبريائها ، متحسرة على كل ما فات من ظلمها وغطرستها ، لأن زهوق النفس يعني أن تفيض أسفاً ، لتترك جسدها بعد ذلك جثة هامدة ، وأثراً بعد عين (فيدمغه فإذا هو زاهق) هذا فوق ما ينتظر تلك النفس المغرورة من العذاب الأليم يوم تقف بين يدي ربها فتُسأل عن كل قطرة دم سالت ، وعن كل دمعة ثكلى ذرفت ، وعن كل صرخة رضيع انفجرت على أمه التي لا يستسيغ غير لبنها ، ولا يطيق غير حضنها ، وعلى كل أنّة يتيم تسللت خفية خشية أن يسمعها مأجور فيحز رأسه ويركله بقدمه إلى سيده ليرضى عنه ويعلي شأنه . فما أروع البيان في آي القرآن !! |
رد: روائع قرآنية
روائع قرآنية(23) د.محمود طباخ الرائعة القرآنية الثالثة والعشرون : قال الله تعالى : (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغَماً كثيراً وسعة ) [النساء / 100] لنا مع هذه الآية وقفتان : 1-(ومن يهاجر) إنها الهجرة إذن ، لكنها الهجرة في سبيل الله حصراً ، ولا يندرج تحتها أي لون من ألوان الهجرة التي تكون لأغراض دنيوية بحتة . لقوله صلى الله عليه وسلم : ((ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه ))البخاري/إيمان-41، ومسلم/إمارة-155، فإذا توفر في الهجرة شرط كونها خالصة لله ، تحقق الجواب بأن يجد المهاجر : 2- (مراغماً كثيراً وسعة) وتستوقفنا (مراغَماً) لِمَ كانت دون سواها ؟ والجواب والله أعلم لما فيها من الأبعاد اللغوية التي ليست لغيرها. جاء في تفسير القرطبي:[المراغم: المتزحزح ..والمتحوَّل...والمهاجَر..والمبتغى للمعيشة] وقيل : المندوحة عما يكره ، وقيل غير ذلك ، لكن المعنى الرائع الذي يشد انتباهنا ويبهرنا هو ما ذكره القرطبي أيضاً [ والمراغم موضع المراغمة ، وهو أن يرغم كل واحد من المتنازعين أنف صاحبه بأن يغلبه على مراده ، فكأن كفار قريش أرغموا أنوف المحبوسين بمكة ، فلو هاجر منهم مهاجر لأرغم أنوف قريش لحصوله في منعة منهم ] فالمهاجر في سبيل الله الذي تخلص من قبضة الطواغيت في دنيانا اليوم مع كثرة العملاء والمخبرين ، وانتشار الحراس المتيقظين قد وجد مندوحة عما يكره ، فمرَّغ أنوف خصومه في التراب وأذلهم مرتين : مرة لأنه خيَّب آمالهم في القبض عليه وسجنه أو قتله ، ومرة لأنه وجد في البلد المضياف من النعمة والرزق والخير ما جعل خصومه الذين فاتهم يتميزون من الغيظ ، فيقلّبون أيديهم ويضربون وجوههم وأدبارهم ، فرغمت بذلك أنوفهم. فسبحان الله ما أروع البيان في القرآن ! الرائعة القرآنية الرابعة والعشرون قال تعالى :( ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً مأواهم جهنم كلما خَبَتْ زدناهم سعيراً ) الإسراء/97 الآية ترسم مشاهد رائعة لصورة الحشر المخزية التي يكون عليها المجرمون يوم يحشرون . تتجلى في ثلاثة مواقف : 1-(نحشرهم) الحشر: جمع الناس من مواضع متفرقة ، ولما كان ذلك يستدعي مشيهم عُدّي الحشر بحرف على لتضمينه معنى يمشون. جاء في تفسير النسفي:[وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يمشون على وجوههم ؟ قال : إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم.] وفي تفسير ابن عاشور : [والمقصود من ذلك الجمع بين التشويه والتعذيب لأن الوجه أرق تحملاً لصلابة الأرض من الرِّجل وهذا جزاء مناسب للجرم لأنهم روجوا الضلالة في صورة الحق، ووسموا الحق بسمات الضلال فكان جزاؤهم أن حولت وجوههم أعضاء مشي عوضاً عن الأرجل.]فتأمل! 2- (عمياً وبكماً وصماً) في هذه الكلمات الثلاث ، وبهذا الترتيب خلافاً لترتيبها في المواضع الأخرى من القرآن حيث كانت (صم بكم عمي) نجد صورة رائعة أخرى تتجلى في هذا الترتيب البديع للكلمات بما يتناسب والسياق ، ذلك أنه لما كان السائر حاجته إلى البصر ليرى طريقه أهم عنده من السمع والكلام ناسب تقدم (عمياً) ، ولما صاروا عمياً صاروا أحوج إلى الكلام ليسألوا عن الطريق لعلهم يهتدون ، فناسب مجيء (بكماً) ليمتنعوا عن الكلام ، ثم جاءت الأقل أهمية وحاجة وهي (صُمّاً) حتى لا يسمعوا شيئاً أبداً ربما يصدر من أي مكان ، حتى يبقوا في غَيهم يعمهون . 3- ثم تأمل (كلما خبت زدناهم سعيراً) والسعير لهب النار، وهنا إشكال وهو أن نار جهنم لا تخبو أي لا يخف لهيبها ، لأنه لو حدث ذلك لخف العذاب على المجرمين من أهل النار، والله يقول (فلا يخفف عنهم العذاب) لكن هذا الإشكال يزول حين نقرأ (زدناهم) وليس زدناها مع أن الحديث عن النار(خبت)، وهذا يعني أن الذي يخبو هو النار المنبعثة من المجرمين المحترقين وقود النار ، فإذا أحرقتهم النار زال اللهب الذي كان متصاعداً من أجسامهم ، فلا يلبثون أن يُعادوا كما كانوا ، فيعود الالتهاب لهم ، فالخبوّ وازدياد الاشتعال بالنسبة إلى أجسادهم لا في أصل النار. وهنا لك أن تتخيل فظاعة المشهد في هذه اللوحة الفنية الأخاذة ، إذ تشدك وتبهرك، وتدفعك أن تصرخ من أعماقك : سبحانك ربي ما أعدلك ! أن صيَّرت المجرمين إلى هذه الحال ، وشفيت صدور المعذبين في الأرض . فما أروع البيان في آي القرآن ! |
رد: روائع قرآنية
روائع قرآنية(24) د.محمود طباخ الرائعة القرآنية الرابع والعشرون: قال الله تعالى : (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأً ومن قتل مؤمناً خطأً فتحرير رقبة مؤمنة ودية مُسلَّمة إلى أهله إلا أن يصَّدَّقوا ..... ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدَّ له عذاباً عظيماً ) النساء/92،93 لنا مع الآيتين أربع وقفات : 1-(وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأً) والمعنى : ما ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأً ، فقوله (وما كان) ليس على النفي وإنما على التحريم والنهي ، ولو كان على النفي لما وجد مؤمن قتل مؤمناً قط ، لأن ما نفاه الله فلا يجوز وجوده ، كقوله تعالى(ما كان لكم أن تُنبتوا شجرها)أي لا يقدر العباد أن ينبتوا شجرها أبداً. 2- تغليظ حرمة دماء المسلمين حتى إن قتل الخطأ يوجب تحرير رقبة ودية تُسلَّم إلى أهل المقتول . قال صلى الله عليه وسلم : ((قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا )) [ينظر تفسير القرطبي:ج5/201] 3- ثم تأمل(ومن قتل مؤمناً خطأً)،(ومن يقتل مؤمناً متعمداً) حيث استعمل الماضي (قتل) مع الخطأ ، واستعمل المضارع (يقتل) مع العمد ، وذلك لأن قتل الخطأ ليس من شأنه أن يتكرر ، بل هو خطأ ولا يعود صاحبه إليه ، بل يحذره ويحترس منه . بينما قاتل العمد مُصرٌّ على فعله ، غارق في إجرامه . بل لعل القتل بمزيد القتل يغريه ، وعن فظاعة جريمته وعظيم عقوبته يُعميه. لذا كان التعبير عن قتل العمد بصيغة المضارع(يقتل) التي تفيد الاستمرار والتكرار . فما أروع البيان في آي القرآن ! 4- وعلى هذا فلا بد لمن تلطخت أيديهم بدماء المسلمين وهم يدّعون الإسلام أن يتأملوا ما توعدَّهم به المنتقم الجبار في قوله : (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنمُ خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً أليماً) إذ هي عقوبة غنية عن التعليق . فعلى من أعمتهم قوتهم الموهومة ، وخدعتهم أسلحتهم وذخيرتهم المزعومة ، أن يعيدوا حساباتهم مع أنفسهم ، وأن يراجعوا مواقفهم ويعرضوها على القرآن قبل فوات الأوان. اللهم هل بلغت ؟ اللهم فاشهد ! |
رد: روائع قرآنية
روائع قرآنية(25) د.محمود طباخ الرائعة القرآنية الخامسة والعشرون: قال الله تعالى :(وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار) إبراهيم/34 وقال سبحانه :(وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم) النحل/18 لنا وقفتان : 1- لماذا (إن الإنسان لظلوم كفار) في إبراهيم ، و(إن الله لغفور رحيم) في النحل؟ لأنه والله أعلم إذا حصلت النعم فالإنسان الآخذ له وصفان : ظلوم وكفّار ، والله المعطي يقابل الظلم بالغفران والكفر بالرحمة . فناسب كل لفظ مكانه اللائق به أروع مناسبة . 2- ولكن لماذا خُصت إبراهيم بوصف المنعَم عليه وهو الإنسان ، وخُصت النحل بوصف المنعِم وهو الله سبحانه ؟ لأن السياق في إبراهيم في وصف الإنسان وما جبل عليه (وجعلوا لله أنداداً ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا ....) بينما السياق في النحل في وصف الله تعالى وإثبات أُلوهيته وتحقيق صفاته (هو الذي أنزل من السماء ماءً...ينبت لكم به الزرع والزيتون والأعناب... وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ...أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكّرون. وإن تعدوا ...) فسبحان الله ما أروع البيان في آي القرآن ؟! وشكراً لصبركم عليّ حتى أوضحت جانباً من هذا البيان ! |
رد: روائع قرآنية
روائع قرآنية(26) د.محمود طباخ الرائعة القرآنية السادسة والعشرين : قال الله تعالى :
1-إهلاك القرى كان بسبب الظلم مما يدل على عظم جريمته. فليعلم الظلمة أنهم هالكون لا محالة وأن الله يمهل ولا يهمل. 2- الظلم في الآيات الثلاثة الأولى نسب إلى القرية ، أما في الآية الرابعة حيث كانت القرية هي مكة المكرمة نسب الظلم إلى أهلها وليس إليها ، تعظيماً لها وتشريفاً لقدرها ، فقال: (القرية الظالم أهلها)وذلك ليعلِّم المؤمنين كيف يكون الأدب مع شعائر الدين ، وأرباب هذه الشعائر من العلماء العاملين ، والدعاة المخلصين حتى لا تلوكهم الألسنة باتهامات باطلة لمجرد أنهم خالفوهم في انتماءاتهم أو انتقدوهم في أسلوبهم . 3- الدعوة وبقوة إلى القتال في سبيل الله في ظل ضوابطه الشرعية ، ما دام في الأوطان مستضعفون مقهورون . |
رد: روائع قرآنية
روائع قرآنية(27) قال الله تعالى : (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) النمل/30 لنا مع الآية ثلاث وقفات :د.محمود طباخ الرائعة القرآنية السابعة والعشرين : 1-لماذا قدم سليمان عليه السلام اسمه على اسم الله تعالى ؟ والجواب والله أعلم لأنه يعلم أن الملكة بلقيس تعرفه وتعرف عظمة ملكه ، فهي تهابه أكثر من هيبتها لله سبحانه ، فخشي أن تزدري اسم الله وتحتقره فتهينه لجهلها به، كما قال تعالى: (لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون)الحشر/13، أو أن اسم سليمان كان على الغلاف والرسالة في الداخل تحمل اسم الله الرحمن الرحيم. 2- من العبث أن نخوف الكفرة بالله تعالى، كما يفعل بعض الجهلة حين يخاطبونهم، يودون استعطافهم نصرة لقضاياهم، لأنهم لا يحسبون لله حساباً ، ولا يقيمون له وزناً ، لعدم إيمانهم به أصلاً . 3- الكفرة ماديون لا يرهبون إلا القوة المحسوسة التي أوجب الله على المسلمين الأخذ بها قدر الوسع والاستطاعة (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) فهي واجبة على الكفاية بحيث إذا قام بهذا الواجب من يفيه حقه سقط الإثم عن الباقين، وإلا أثموا جميعاً ، وذلك كله حتى يرهبهم عدوهم فلا يطمع بهم، ويهنؤوا بعيشهم كغيرهم، ويكونوا أحراراً فوق أرضهم، سعداء بخيراتهم . |
رد: روائع قرآنية
روائع قرآنية(28) د.محمود طباخ الرائعة القرآنية الثامن والعشرون : قال الله تعالى : (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) النمل/30 لنا مع الآية ثلاث وقفات : 1-لماذا قدم سليمان عليه السلام اسمه على اسم الله تعالى ؟ والجواب والله أعلم لأنه يعلم أن الملكة بلقيس تعرفه وتعرف عظمة ملكه ، فهي تهابه أكثر من هيبتها لله سبحانه ، فخشي أن تزدري اسم الله وتحتقره فتهينه لجهلها به، كما قال تعالى: (لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون)الحشر/13، أو أن اسم سليمان كان على الغلاف والرسالة في الداخل تحمل اسم الله الرحمن الرحيم. 2- من العبث أن نخوف الكفرة بالله تعالى، كما يفعل بعض الجهلة حين يخاطبونهم، يودون استعطافهم نصرة لقضاياهم، لأنهم لا يحسبون لله حساباً ، ولا يقيمون له وزناً ، لعدم إيمانهم به أصلاً . 3- الكفرة ماديون لا يرهبون إلا القوة المحسوسة التي أوجب الله على المسلمين الأخذ بها قدر الوسع والاستطاعة (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) فهي واجبة على الكفاية بحيث إذا قام بهذا الواجب من يفيه حقه سقط الإثم عن الباقين، وإلا أثموا جميعاً ، وذلك كله حتى يرهبهم عدوهم فلا يطمع بهم، ويهنؤوا بعيشهم كغيرهم، ويكونوا أحراراً فوق أرضهم، سعداء بخيراتهم . |
رد: روائع قرآنية
روائع قرآنية(29) د.محمود طباخ الرائعة القرآنية التاسع والعشرون : قال الله تعالى:( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ) وقال سبحانه : (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد) الكهف/18 لنا ثلاث وقفات: 1- في الآية الأولى أهلك الله الطاغية أبرهة وجنده الذين جاؤوا لهدم الكعبة مغرورين بكثرتهم وعتادهم بطير ضعيف من جنده وهي الأبابيل التي رمتهم بحجارة من سجيل فجعلتهم كعصف مأكول ، ليكونوا لمن خلفهم آية . 2- المعجزة في نجاة الفتية أصحاب الكهف من طاغية عصرهم ، حيث ألجأهم الله إلى كهف ناموا فيه أكثر من ثلاثمائة سنة مفتحة عيونهم وهم أحياء من غير طعام ولا شراب ، ليعتبر المؤمنون بحالهم ويوقنوا بأن الله ينصر المستضعفين من عباده إما بإهلاك طاغيتهم وجنده كما في أصحاب الفيل ، وإما بنجاتهم منه كما في فتية أهل الكهف . 3- لكن ما يشد انتباهنا أكثرهو إضافة قوم أبرهة الذين قدموا لهدم الكعبة إلى الفيل فقال ( بأصحاب الفيل ) ولم يقل: بفيلهم لأن الفيل كان أفضل منهم وأشرف فنسبهم إليه . بينما نسب الكلب إلى الفتية أهل الكهف فقال (وكلبهم) تكريماً له لصحبته لهم . وهكذا تفعل الصحبة الصالحة إذ ترفع وتنفع . من عاشر الأشراف عاش مشرفاً=ومعاشر الأنذال غير مشرَّفِ أوَما رأيت الجلد صار مقبَّلاً=بالثغر لمّا صار جلد المصحفِ |
رد: روائع قرآنية
روائع قرآنية(30) د.محمود طباخ https://islamsyria.com/portal/upload...9%87%D9%85.jpg الرائعة القرآنية الثلاثون: قال الله تعالى : (ولَئِن مسَّتهم نفحة من عذاب ربك ليقولُنَّ يا ويلنا إنا كنا ظالمين ) الأنبياء/46 في الآية تصوير لحال الكافرين الظالمين سواء أكان ظلمهم لأنفسهمم أو كان لغيرهم ، كما ذكر ذلك صاحب تنوير الأذهان من تفسير روح البيان ج2 /464 ، والصورة تبين أنه بمجرد أن يتعرض هؤلاء المجرمون لأقل ما يمكن من العذاب ، فإنهم يدعون على أنفسهم بالهلاك، لعدم قدرتهم على تحمله مع أنه أخف العذاب وأهونه ، وما أصابهم إلا بسبب ظلمهم ، الذي لم يكن لهم بد من الاعتراف به بعد أن تكشَّفت الحقائق ، وزال التزوير واختفى التطبيل والتزمير . فلنتأمل روعة القرآن يصور أقل العذاب وأهونه لنجدها في : 1-(مستهم) وليس أصابتهم ، والمس أقل الإصابة . 2- (نفحة)وهي اسم للمرة الواحدة ، وهي تستخدم للقليل ، كما يقال : نفح المسك أي القليل منه، ثم هي بالتنكير للتحقير. 3- (من عذاب) حيث (من) للتبعيض فهو بعض العذاب. 4- (ربك) الرب وليس المنتقم ولا الجبار من أسمائه سبحانه. 5- ثم تقدمت الآية بالقسم على ذلك كله (ولَئِن) ليؤكد سبحانه هذه الحقيقة أعظم توكيد. فإذا كان أقل العذاب وأهونه لم يستطع المجرمون الظالمون تحمله ، وتمنوا الهلاك بسببه ، فليوطنوا أنفسهم وليستعدوا لما هو أشد وأنكى ! |
رد: روائع قرآنية
روائع قرآنية(31) د.محمود طباخ الرائعة القرآنية 31 قال تعالى : (أفرأيتم ما تحرثون ءَأَنتم تزرعونه أم نحن الزارعون . لو نشاء لجعلناه حطاماً فظلتم تفكهون ) الواقعة/64-65 جاءت هذه الآية في سياق آيات تريد أن ترسخ عقيدة أن الله وحده هو الفعال المطلق لا سواه ، ليسلم المؤمن أمره إليه بعد أن يبذل وسعه فيما أمره به ، فهو خالق الإنسان وهو قادر على إماتته ( أفرأيتم ما تمنون . ءَأَنتم تخلقونه أم نحن الخالقون . نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين)وهو منبت طعامه وهو قادر على أن يجعله حطاماً(أفرأيتم ما تحرثون ...) وهو منزل الماء الذي به شرابه وحياته وهو قادر على أن يجعله غير صالح للانتفاع به ( أفرأيتم الماء الذي تشربون ءَأَنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون . لو نشاء جعلناه أجاجاً فلولا تشكرون) وهو خالق الشجر الذي تكون منه النار لطهي الطعام ، ولتكون مصدر دفئه في الأيام الباردة من الزمان. وكأن الله يقول: أيها العبيد أنتم جميعاً وكل وسائل عيشكم بل وفي كل أموركم، في حلكم وترحالكم، وفي سلمكم وحربكم ، في قبضتي وتحت رحمتي ، ولا يكون منها إلا ما أريد . وبعد هذا فلا بد لنا من وقفتين : 1-اقترن جواب (لو) باللام في قضية الزرع دون غيرها من قضايا الخلق أو الماء :(أفرأيتم ما تحرثون... لو نشاء لجعلناه حطاماً) ذلك والله أعلم لتنقية عقيدة المؤمن وصناعته صناعة متميزة تجعله يعترف بفضل الله وحده ولا ينسب لنفسه شيئاً مع الله حتى ولو كانت له صنعة بارزة فيه ، فلما كانت قضية الزرع مظنة أن يقول فيها الزارع أنا حرثت وألقيت البذر ووضعت السماد وسقيت الأرض وحصدت الثمر إذن أنا فاعله وموجده ؟! فجاء الجواب بالتأكيد باللام على قدرة الله على تحطيم الزرع في هذا الموضع فقط ، ولو كان الزارع هو فاعله في الصورة والمظهر (لو نشاء لجعلناه حطاماً) 2- نلحظ في قضية النار (أفرأيتم النار التي تورون . ءَأَنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤون . نحن جعلناها تذكرة ومتاعاً للمقوين . فسبح باسم ربك العظيم) نلحظ غياب التهديد بإتلاف النار وإطفائها كما فعل سبحانه في كل ما سبق وذلك والله أعلم لأن الله أراد للنار أن تبقى تذكرة ومتاعاً للمسافرين وحتى تبقى كذلك لا يناسب أن يهدد بإطفائها وقد أراد بقاءها للتذكرة والعظة (نحن جعلناها تذكرة ومتاعاً للمقوين.) فسبحان الله العظيم ما أروع البيان في القرآن ! فما رأيكم أحبتي أن نعيد النظر في علاقتنا مع الله الفعال لما يريد والذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ، لتكون أحسن حالاً مما كانت، لنجني ثمار ذلك نصراً وعزاً وتمكيناً وحرية وكرامة. وسامحوني على الإطالة لأن عرض هكذا قضايا يتطلب ذلك. |
رد: روائع قرآنية
روائع قرآنية(31)والأخيرة د.محمود طباخ الرائعة القرآنية 32: قال الله تعالى : (إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون . إن الذين كفرو وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملءُ الأرض ذهباً ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين) آل عمران/ 90،91 نلحظ في الآيتين العقوبة المغلظة للكافرين مما يجعل الإنسان يراجع حساباته قبل أن يدركه الأجل حتى لا يكون في صف الكفار بحال ، ولا يقاتل من أجلهم ولا يضحي في سبيلهم ، إلا أننا نجد في الأولى (لن تقبل توبتهم) بدون التوكيد والمبالغة بالفاء ، بينما في الثانية دخلت الفاء للتوكيد (فلن يقبل من أحدهم ملءُ الأرض ذهباً ولو افتدى به) وما ذاك والله أعلم إلا لأنه سبحانه ذكر في الثانية موتهم على الكفر (وماتوا وهم كفار) فناسب هذا التأكيد بالفاء مع الموت على الكفر ، ثم غلظ سبحانه الأمر حين ذكر أن الفدية ولو وصلت إلى أعظم ما يمكن تصوره وهو ملء الأرض ذهباً فإنها لن تنجي صاحبها من هذا العذاب الأليم . وكأن الله يذكر الإنسان ما دام حياً أن يتفكر ويبتعد عن الكافرين وعن الانجرار إلى صفوفهم والمقاتلة تحت رايتهم ، حتى لا يموت على ما يموتون عليه ، فلا تنفعه عندئذ توبة ولا فدية ، بل إن عليه أن يتثبت من أمره ، لأنه لن يعذر بجهله ، وبخاصة إذا كانت القضية تتعلق بدماء الأبرياء من أبناء الأمة ، وليعلم مَن هذه حاله أن الذين اصطف معهم من الكفار ، وتبنى أفكارهم وحمل رايتهم وبندقيتهم ، ومات على ما ماتوا عليه ، لن تنفعه أموالهم التي يغدقونها عليه بلا حساب في دنياه مهما بلغت، ولا المناصب التي يعدونه بها إذا استقر الأمر لهم ، كما أنهم لن يستطيعوا أن يقدموا له حماية ولا نصراً يوم يفد على ربه فرداً ، فضلاً عن أن يقدموا ذلك لأنفسهم (أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين) فالحذرَ الحذرَ والخوفَ الخوفَ من أن يكون أحد مع الكفر ويقاتل في سبيله ويموت على ذلك وهو لا يدري ! اللهم هل بلغت ؟ اللهم فاشهد ! |
| الساعة الآن : 11:14 AM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour