ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   الملتقى الاسلامي العام (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=3)
-   -   شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=316452)

ابوالوليد المسلم 29-07-2025 04:33 PM

شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان
 
شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان معرفة شعب الإيمان وفقهها (الحلقة الأولى)


  • إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن عاقل عالي الهمة يبتغي الوصول إلى الرُشد والهداية والعلوّ في درجات الدنيا والآخرة
  • شُعب الإيمان منها ما يزول الإيمان بزوالها إجماعًا كالشهادتين ومنها ما لا يزول بزوالها إجماعا كترك إماطة الأذى عن الطريق
  • اتفق أهل السنة والجماعة وسلف الأمة من الصحابة والتابعين على أن الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي
  • أصل الإيمان الإقرار بما جاءت به الرسل عن الله تصديقًا به وانقيادًا له فهذا هو الأصل الذي من لم يأت به فليس بمؤمن
إن معرفة شُعَب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن عاقل عالي الهمة، يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف كثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شُعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك قمت بشرحها بأسلوب سهل مختصر مدعّم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
معنى «شُعَبُ» لغة: شعب جمع شعبة، والشُّعْبَةُ بالضَّمِّ: الفِرْقَةُ والطَّائِفَةُ من الشَّيْءِ. وفي يَدِه شُعْبَةُ خَيْرٍ مَثَلٌ بِذلِكَ. ويقال: اشْعَبْ لِي شُعْبَةً مِنَ الْمَالِ، أَي أَعْطِنِي قِطْعَةً مِنْ مَالِك. وفي الحديث: «الحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِن الإِيمان» أَي: طَائِفَةٌ مِنْه وقِطْعَة. معنى «الإيمان»: الإيمانُ: مصدر آمَنَ يُؤْمِنُ إيمانًا فهو مُؤْمِنٌ، واتَّفق أَهلُ العلم من اللُّغَويّين وغيرهم: أَن الإيمانَ معناه التصديق، قال الله -تعالى-: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (الحجرات: 14). ومعنى شعب الإيمان: أي أجزاء وطوائف وفرق الإيمان؛ ولهذا نجد الإمام البيهقي جمع هذه الأجزاء والشعب وهي متنوعة ما بين التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والإذعان والانقياد بعمل الجوارح، من هنا نعرف أن الإيمان عند أهل السنة والجماعة له شعب متعددة، وليس كُلًّا لا يتجزأ، ومعلوم أيضًا أنَّ الناس ليسوا في درجة إيمانهم سواء، فإيمان أبي بكر الصديق ليس كإيمان آحاد الناس، وليس كإيمان الأعراب.
حديث شعب الإيمان
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ»، والرواية الأتم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان».
المعنى الإجمالي للحديث
في هذا الحديث بيان أن الإيمان الشرعي اسم لمعنى ذي شعبٍ وأجزاء، له أدنى وأعلى، والاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق بكلّها والحقيقة تقتضي جميع شعبه وتستوفي جملة أجزائه، كالصلاة الشرعية لها شعب وأجزاء والاسم يتعلق ببعضها والحقيقة تقتضي جميع أجزائها وتستوفيها، ويدل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الحياء شعبة من الإيمان»، وفيه إثبات التفاضل في الإيمان وتباين المؤمنين في درجاته. ويدل الحديث على أن التزام الطاعات وضم هذه الشعب، هو من جملة التصديق والدلائل على الإيمان، وأنها خُلق أهل التصديق، فليست خارجة عن اسم الإيمان الشرعي، ولا عن معناه اللغوي، وقد نبه النبيُّ -[- على أن أفضلها: التوحيد المتعين على كل أحد، الذي لا يصح شيء من الشُّعب إلا بعد صحته، وأدناها: ما يتوقع ضرره بالمسلمين من إماطة الأذى عن طريقهم، يبقى بين هذين الطرفين أعداد لو تكلَّف المجتهد تحصيلها بغلبة الظن، وشدة التتبع لأمكنه، وقد فعل ذلك بعض من تقدم، ويصعب الحكم بأن ذلك مراد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم إنه لا يلزم معرفة أعيانها، ولا يقدح جهل ذلك في الإيمان؛ إذ أصول الإيمان وفروعه معلومةٌ محققةٌ، والإيمان بأنها بهذا العدد واجب في الجملة، هذا كلام القاضي عياض.
حرص العلماء على تتبع شعب الإيمان
أمثلة على حرص العلماء على تتبع شعب الإيمان في مصنفاتهم:
  • المثال الأول:
قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح: ثم إن الكلام في تعيين هذه الشعب يطول، وقد صُنِّفَتْ في ذلك مصنفات، ومن أغزرها فوائد كتاب المنهاج لأبي عبدالله الحليمي إمام الشافعيين ببخارى، وكان من رفعاء أئمة المسلمين، وحذا حذوه الحافظ أبو بكر البيهقي -رحمه الله تعالى- في كتابه الجليل الحفيل كتاب: «شعب الإيمان».
  • المثال الثاني:
قال الإمام الحافظ أبو حاتم بن حِبَّان: «تَتَبَّعْتُ معنى هذا الحديث (يعني حديث الإيمان بضع وسبعون شعبة) مدة، وعَدَدْتُ الطاعات، فإذا هي تزيد على هذا العدد شيئًا كثيرًا، فرجعت إلى السنن، فعددت كل طاعة عدّها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الإيمان، فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين، فرجعت إلى كتاب الله -تعالى-، فقرأته بالتدبر، وعددت كل طاعة عدّها الله -تعالى- من الإيمان، فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين، فضممتُ الكتاب إلى السنن، وأسقطت المعاد، فإذا كل شيء عدّه الله -تعالى- ونبيه - صلى الله عليه وسلم - من الإيمان تسع وسبعون شعبة لا تزيد عليها ولا تنقص، فعلمت أن مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن هذا العدد في الكتاب والسنن». «فإذا كان الإيمان أصلًا له شعب متعددة، وكل شعبة منها تسمى إيمانًا، فالصلاة من الإيمان، وكذلك الزكاة، والصوم، والحج، والأعمال الباطنة؛ كالحياء، والتوكل، والخشية من الله، والإنابة إليه، حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة الأذى عن الطريق، فإنه من شعب الإيمان، وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزوالها إجماعًا، كشعبة الشهادتين، ومنها ما لا يزول بزوالها إجماعا، كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتًا عظيمًا، منها ما يقرب من شعبة الشهادة، ومنها ما يقرب من شعبة إماطة الأذى».
ذكر من أحصى خصال الإيمان
«وقد انتدب لعدِّ شعب الإيمان طائفة من العلماء كالحليمي، والبيهقي، وابن شاهين وغيرهم، فذكروا أن كل ما ورد تسميته إيمانًا في الكتاب والسنة من الأقوال، والأعمال، وبلغ بها بعضهم سبعًا وسبعين، وبعضهم تسعًا وسبعين، وفي القطع على أن ذلك هو مراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - من هذه الخصال عسر، كذا قاله ابن الصلاح -وهو كما قال-»، وقد تكلم الراغب في كتاب: «الذريعة» له على حصرها في هذا العدد، ذكره ابن عبدالبر.
مسألة مهمة
مسألة: إذا كانت خصال الإيمان تزيد على البضع والسبعين، فلماذا جاء الحَصْر بهذا العدد؟ ويمكن أن يُجاب عن هذا بأجوبة:
  • أحدها: أن يُقال إن عَدَّ خصال الإيمان عند قول النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ كان منحصرًا في هذا العدد، ثم حدثت زيادة فيه بعد ذلك، حتى كملت خصال الإيمان في آخر حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
  • والثاني: أن تكون خصال الإيمان كلها تنحصر في بضع وسبعين خصلةً، وإن كان أفراد كل نوع تتعدّد كثيرًا، وربما كان بعضها لا ينحصر.(أقول: وهذا قول له وجه).
  • الثالث: أَنَّ ذكر السبعين على وجه التكثير للعدد، لا على وجه الحصر كما في قوله -تعالى-: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (التوبة:80)، والمراد تكثير التعداد من غير حصوله هذا في العدد، ويكون ذكره للبضع يشعر بذلك، كأنه يقول هو يزيد على السبعين المقتضية لتكثير العدد وتضعيفه، وهذا ذكره أهل الحديث من المتقدمين، وفيه نظر.
  • الرابع: أنَّ هذه البضع وسبعين؛ هي أشرف خصال الإيمان وأعلاها، وهو الذي تدعو إليه الحاجة منها، (أقول: وهذا له وجه).
تعريف الإيمان
قبل الشروع في شرح شعب الإيمان شعبةً شعبةً أحببت أن أقدم بمقدمة عن تعريف الإيمان عند أهل السُنَّة والجماعة والفرق المخالفة مع تنبيهات لطيفة أضفتها.
  • أولًا: مذهب أهل السنة والجماعة في مُسمَّى الإيمان
أصل الإيمان هو الإقرار بما جاءت به الرسل عن الله تصديقًا به وانقيادًا له، فهذا الأصل من لم يأت به فليس بمؤمن، ولقد اتفق أهل السنة والجماعة وسلف الأمة من الصحابة والتابعين، على أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي، وأن جميع أعمال الطاعات من الإيمان، وحكى اتفاق السلف على ذلك، جماعة من أهل العلم: كالشافعي، وأحمد، والبخاري، وابن عبدالبر، والبغوي، وغيرهم.
  • ثانيًا: مذاهب المخالفين في مسمى الإيمان
(1) مذهب الخوارج: يرى الخوارج أن الإيمان عبارة عن مجموع أمور ثلاثة: تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، والفرق بينهم وبين السلف، أنهم يرون أن الإيمان كلٌّ لا يُجزَّأ ولا يَتَبَعَّضُ، فإذا ذهب أيٌّ من أموره ذهب كله؛ ولهذا فهو لا يزيد ولا ينقص، وهذا هو أصلهم الذي بنوا عليه قولهم بأن مرتكب الكبيرة كافر في الدنيا خالد مخلد في النار.
(2) مذهب المعتزلة: ذهبت المعتزلة إلى أن الإيمان يتركب من ثلاثة: إقرار باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالأركان، وهو كل عمل خير فرضًا كان أو نافلة، مع ترك المقبحات، فهم يعدون الطاعات بجميع أنواعها إيمانًا، فالمعتزلة يوافقون السلف في تعريف الإيمان من هذه الجهة، وإنما الخلاف بينهم وبين السلف، هو أنهم يجعلون الإيمان كلًّا لا يتجزأ، فإذا ذهب البعض ذهب الكل، فالإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص أبدًا، وهم متفقون في ذلك مع الخوارج؛ ولذا، فقد حكموا بخلود مرتكب الكبيرة في النار، وإن لم يكفروه، وإنما أخرجوه من الإيمان وجعلوه بمنزلةٍ بين المنزلتين، فهو عندهم في الدنيا لا مؤمن ولا كافر، وبهذا فإنهم يوافقون الخوارج في الحكم الأخروي دون الدنيوي؛ إذ الخوارج ينبني على تكفيرهم لمرتكب الكبيرة في الدنيا استحلال دمه وماله وعرضه كما الكافر الأصلي.
(3) مذهب المرجئة: ذهب المرجئة إلى أن الإيمان هو التصديق بالقلب، والقول باللسان، وأنَّه لا يزيد ولا ينقص؛ فمن صدق بالقلب ونطق بالشهادتين فقد استكمل الإيمان، وإن لم يعمل بجوارحه؛ إذ العمل خرج عن مسمى الإيمان عندهم.

(4) مذهب الجهمية: ذهب الجهمية إلى أن الإيمان هو مجرد معرفة الله لا غير، والإيمان عندهم واحد لا يتجزأ، وأهله فيه سواء، فهو لا يزيد، ولا ينقص، وعلى هذا الأساس يكون الشيطان مؤمنًا؛ لأن عنده معرفة بالله، وهذا ضلال كبير لا يقوله عاقل. (5) مذهب الكَرَّامية: وأما الكَرَّامية فإن الإيمان عندهم هو مجرد الإقرار باللسان، ولو من غير تصديق، فإن أقر بأمور الإيمان ظاهرًا فهو مؤمن بإقراره، ولا يلزمه غير ذلك، وهذا قول مردود؛ لأن المنافقين على هذا القول مؤمنون كاملو الإيمان.
(6) مذهب الأشاعرة: اختلفت أقوال الأشاعرة في حقيقة الإيمان: فجمهورهم على أن الإيمان شيء واحد لا يتركب، وهو التصديق بالقلب دون غيره. وإليه ذهب أبو الحسن الأشعري في قوله القديم، وابن الراوندي، والحسين بن الفضل البجلي، قال الباقلاني: «واعلم أن حقيقة الإيمان هو: التصديق».
(7) مذهب الفلاسفة: واشتَهر منهم عند المسلمين إخوان الصفا، وكذا ابن عربي، وابن رشد، وابن سينا، وهم طائفة نظرت في كتب فلاسفة اليونان؛ كأرسطو، وأفلاطون الإسكندري، فآمنوا بما فيها من خزعبلات، ظنا منهم أن الفلاسفة لا يخطئون؛ لأنهم يجرون في بحثهم على مقتضى البرهان، ثم حاولوا -عبثًا وتملقًا إلى المسلمين، وسترًا لزندقتهم- أن يوفقوا بين الفلسفة وعقائد الدين، فأخذوا يتلاعبون بالنصوص بما يوافق فلسفتهم، فضلوا وأضلوا، وقد انبرى كثير من العلماء للرد عليهم والكشف عن تلبساتهم، ولاسيما شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد خالفوا الجميع في حقيقة الإيمان وفي أصول الإيمان: فإيمانهم بالله: يقولون هو موجود لا حقيقة له، ولا ماهية، ولا هو يعلم الجزئيات بأعيانها، ولا يفعل بقدرته ومشيئته، والعالم لازم له أزلًا وأبدًا، وليس مفعولًا، ولا مخلوقًا، ولا مقدورًا عليه. وأما إيمانهم بالكتاب: فالقرآن عندهم فيض فاض من العقل الفعال، على قلب بشر زاكي النفس، طاهر متميز عن النوع الإنساني بثلاث خصائص: (قوة الإدراك وسرعته، وقوة النفس، وقوة التخييل)، وهم بذلك ينفون الرسالات، ويبطلون النبوات، ويزعمون أن الإنسان يمكن أن يصل إلى مرتبة الرسالة بهذه الثلاث صفات. وإيمانهم بالملائكة: قالوا: إن الرسول تخيل القوى الفعلية في أشكال محسوسة، فهي أمور ذهنية لا وجود لها في الخارج. وإيمانهم باليوم الآخر: فهم أشد الناس تكذيبًا له في الأعيان، وعندهم أن كل ما ذكر عن يوم القيامة أمثال مضروبة لتفهم العوام، لا حقيقة لها في الخارج، كما يفهم منها أتباع الرسل.


اعداد: د. عبدالرحمن الجيران



ابوالوليد المسلم 05-08-2025 02:38 PM

شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان
 
شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان .. أسباب زيادة الإيمان وضعفه


  • الإيمان متفاوت في أصله فإيمان آحاد الناس ليس كإيمان جبريل عليه السلام ولا إيمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والقول بأن «الناس في أصل الإيمان سواء» ليس من عقائد السلف!
  • قرّر علماء السلف أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وكان من هديهم تعاهد الإيمان بين فترة وأخرى
  • العلم الصالح يشمل عمل القلب وهو إيمانه وتصديقه وخشيته وتوكله وإنابته لله تعالى كما يشمل عمل اللسان وهو نطقه وإقراره كما يشمل عمل الجوارح كالصلاة والصيام والزكاة والحج وبهذا يكمل إيمان العبد
  • يخطئ خطأ كبيرًا من يقول: إن أهل الكتاب مؤمنون بالله وكيف يكون ذلك وهم لم يقبلوا شرع الله ولم يذعنوا له؟
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن عاقل عالي الهمة، يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي، لذلك قمت بشرحها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
مسألة: هل يتفاوت الإيمان؟
قال الطحاوي: «والإيمان هو: (الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، وجميع ما صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الشرع والبيان كله حقٌّ، والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالخشية، والتقى، ومخالفة الهوى، وملازمة الأولى)»، وهذا التعريف استدرك عليه أهل العلم؛ حيث قال الشيخ محمد بن مانع في تعليقه على متن الطحاوية: «والحق الذي لا إشكال فيه، أن الإيمان متفاوت في أصله، فإيمان آحاد الناس ليس كإيمان جبريل، ولا إيمان رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، والقول بأن الناس في أصل الإيمان سواء، ليس من عقائد أهل السُنَّة». وقال الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله- في تعليقه على متن الطحاوية: «هذا غلط؛ لأن الإيمان ليس واحدًا، وليس أهله سواء، بل الإيمان يتفاضل، ويزيد وينقص، إلا عند المرجئة، والتصديق بالقلب ليس الناس فيه سواء، فليس إيمان أبي بكر الصديق كإيمان الفاسق من المسلمين؛ لأن الفاسق من المسلمين إيمانه ضعيف جدا، وإيمان أبي بكر الصديق يعدل إيمان الأمة كلها؛ فليس الناس في أصله سواء، هذا من ناحية أصله، كذلك من ناحية العمل، الناس يتفاضلون في العمل». الفرق بين الإيمان والتصديق لاحظ العلماء الفرق بين مدلول الإيمان الشرعي، ومدلوله اللغوي، وهذا ملحظ دقيق لهم، يقول العلامة ابن عثيمين: «وأما قولهم: الإيمان في اللغة التصديق ففيه نظر؛ لأنه يقال: آمنت بكذا، وصدقت فلانًا، ولا يقال: آمنت فلانًا، بل يقال: صدَّقه، فصدَّق فعل متعدٍّ، وآمن فعل لازم، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله -تعالى-- باستفاضة في كتابه: كتاب الإيمان. وقولنا: الإيمان المستلزم للقبول والإذعان، احترازًا مما لو أقر لكن لم يقبل، كأبي طالب عم النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث أقر بالنبي -صلى الله عليه وسلم - وأنه صادق، لكن لم يقبل ما جاء به -نسأل الله العافية- ولم يُذعن ولم يتابع، فلم ينفعه الإقرار، فلابد من القبول والإذعان. ولذلك يخطئ خطأ كبيرًا من يقول: إن أهل الكتاب مؤمنون بالله، وكيف يكون ذلك وهم لم يقبلوا شرع الله، ولم يذعنوا له؟ فاليهود والنصارى حين بعث رسول الله كفروا به، وليسوا بمسلمين، ودينهم دين باطل، ومن اعتقد أن دينهم صحيح مساوٍ لدين الإسلام، فهو كافر خارج عن الإسلام، فالإيمان قبولٌ وإذعانٌ». قلت: هذا الفرق بين المفهوم اللغوي للإيمان، والمفهوم الشرعي، الذي ينبني عليه آثار كثيرة، جدير بطالب العلم الاهتمام بها.
الأدلة على زيادة الإيمان
قرر علماء السلف أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وكان من هديهم تعاهد الإيمان بين فترة وأخرى، حتى إن أحدهم ليقول لصاحبه: «تعال بنا نؤمن ساعة»، وهذا دليل على فقههم وحرصهم على ما ينفعهم، فعن الأسود بن هلال قال: قال لي معاذ بن جبل: «اِجْلِسْ بِنَا نُؤْمِن سَاعَة» وفي رواية: «كَانَ مُعَاذ بْن جَبَل يَقُول لِلرَّجُلِ مِنْ إِخْوَانه: اِجْلِسْ بِنَا نُؤْمِن سَاعَة، فَيَجْلِسَانِ فَيَذْكُرَانِ اللَّه -تعالى- وَيَحْمَدَانِه»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الإيمانَ لَيَخْلَقُ في جوف أحدكم كما يَخْلَق الثوب، فاسألوا الله أن يُجَدِّدَهُ». ومن المعلوم أن الفتن تزداد في آخر الزمان، وهذا يستلزم تعاهد المرء لإيمانه، وتفقده له، هل هو في زيادةٍ وثَبَاتٍ، أم هو في نقص وتضعضع؟ وهذه بعض أسباب زيادة الإيمان:
أولًا: العلم بالله -تعالى-
العلم بالله -تعالى-، وتأمل أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وملاحظة أثر معانيها العظيمة على سلوك الفرد وتصرفاته، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا كُلَّهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» وقال -سبحانه-: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (الأعراف:180)، فإذا نظر العبد مثلًا إلى صفة العلم لله -تعالى-، وأن علمه وسع كل شيء، ثم ملأ بها قلبه، ثم أدام استحضارها طوال اليوم، أورثه ذلك الترقي في مدارج الكمال، ويكون حقق معنى قوله -صلى الله عليه وسلم -: «من أحصاها دخل الجنة». وهكذا، فإذا أخذ العبد من أسماء الله -تعالى- وصفاته، أخذ منها معانيها وآثارها، وانعكست على سلوكه وقلبه وروحه، فيكون بحق قد أتى بمعاني العبودية لله -تعالى-.
ثانيًا: تعلم العلم الشرعي وتدبر القرآن
قال -تعالى-: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} (التوبة: 124) وفي هذه الآية دليل على أن زيادة العلم الشرعي تستلزم زيادة الإيمان بالله -تعالى-، وجاء في السنة المطهرة من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ، كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ». ومعنى القوة هنا قوة الإيمان، وقال -صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»، فالفقه في الدين علامة خير، ودليل على اصطفاء الله -تعالى- لعبده بهذا العلم.
ثالثًا: دراسة سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم -
بدراسة سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، يقف المسلم على هَدْي النبي -صلى الله عليه وسلم -، في عبادته، وسلوكه، ودعوته، وصبره، وجهاده، وكيف واجه الفتن المختلفة؟ وكيف ثبت أمامها؟ حتى كان بحق كما قال ربنا -تعالى-: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (الأحزاب: 21)؛ فواجب على كل من أراد -النجاة والسلامة-، التأسي بالنبي -صلى الله عليه وسلم - وتعلم سيرته وهديه.
رابعًا: دراسة سيرة الخلفاء الراشدين
بدراسة سير الصحابة -ولا سيما الخلفاء الراشدون وكبار المهاجرين والأنصار- يعرف المسلم مقدار ما بذلوه من جهد في وقت الشدائد والفتن المدلهمة، وكيف صبروا على ما كُذِّبوا وأُوذوا حتى جاءهم نصر الله، وبذلك يقوى إيمان العبد، وتعلو همته للمطالب العالية، وترك السفاسف والدنايا.
خامسًا: العمل الصالح
وهذا يشمل عمل القلب، وهو إيمانه، وتصديقه، وخشيته، وتوكله، وإنابته لله -تعالى-، كما يشمل عمل اللسان، وهو نطقه وإقراره، كما يشمل عمل الجوارح، كالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وبهذا يكمل إيمان العبد.
سادسًا: التأمل في آيات الله الكونية
لقوله -تعالى-: {وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} (يوسف: 105)، وقال -سبحانه-: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} (الذاريات: 21)، وكلما أكثر الْمَرْءُ من التأمل في الآيات الكونية والإنسانية، وكان لديه العلم الشرعي والبصيرة في الدين، أورثه هذا زيادة في الإيمان قال -تعالى-: {وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} (فاطر: 28)، وهناك أسباب أخرى لزيادة الإيمان ولكننا نكتفي بهذه اختصارًا.
أسباب ضعف الإيمان
الأسباب التي تؤدي إلى ضعف الإيمان وربما إلى زواله بالكلية كثيرة جدا، وهي مبسوطة في مواضعها، وأذكرها هنا اختصارًا وأشير لأهمها، وإن كانت هي في الجملة تعود إلى التهاون في أداء الواجبات، والإفراط في المحرمات، ويمكن إرجاعها إلى أسباب ظاهرة، وأسباب خفية.
أولًا: الأسباب الظاهرة لضعف الإيمان
1 - الشيطان: وهو أصل مادة الشر، وهو عدو للخليقة، كما أخبر -سبحانه-، قال -تعالى-: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} (فاطر: 6)، كما أمرنا -سبحانه- أن نعاديه، ونخالفه، ونحاربه، ونستعيذ بالله منه؛ فالشيطان يحرص على كل المداخل التي ينفذ من خلالها لابن آدم، ليدعوه إلى عذاب السعير، فيغتنمها ليختلس منه شيئًا، قال -تعالى- حكاية عن الشيطان: {ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} (الأعراف: 17). والطريق للنجاة من كيده، الاستعاذة بالله، واللجوء إلى الله، قال -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} (الأعراف: 201).
2 - الجليس السوء: الجليس السوء من أسباب ضعف الإيمان؛ لأن المرءَ على دين صاحبه، قال - صلى الله عليه وسلم -: «المَرءُ على دين خَليله فلينظرْ أحدُكم من يُخاللْ»، وكم من امرئ سَوْءٍ أثَّر في جلسائه حتى أوردهم المهالك! والعكس صحيح، فكم من إنسان صالح أثَّر في جُلسائه حتى أدركوا المعالي، وسبقوا إلى المكارم! وللنجاة من الجليس السوء أسباب من أهمها: اختيار الجليس الصالح، والبعد عن جليس السوء، وتعلم العلم النافع.
3 - فتنة الدنيا: وهذه تنقسم إلى شهوات وشبهات، أما في الشهوات فقال -سبحانه-: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} (مريم: 59)، وهذه الآية تدل على التلازم بين تضييع الواجبات، واتباع الشهوات، ذلك أن النفس البشرية لا يمكن أن تعيش بفراغ، فإذا تركت الواجب انشغلت بالمحرم، أما في الشبهات فقال -تعالى-: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} (آل عمران: 7)، وهؤلاء أهل الزيغ يتركون المُحْكم الواضح، ويعمدون للمتشابه لمرض في قلوبهم، ولأنهم أرادوا الفتنة والتحريف، وما أرادوا الخير والالتزام، ولا يسلم في الغالب أحدٌ من فِتنة الشَّهوة، أو الشُّبْهَة إلا من رحم الله؛ ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ قبل السلام ويقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ»، فجمع في دعائه - صلى الله عليه وسلم - بين الاستعاذة من فتنة الشبهة والشهوة.


اعداد: د. عبدالرحمن الجيران


ابوالوليد المسلم 14-08-2025 05:41 PM

رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان
 



https://al-forqan.net/wp-content/upl.../08/كتاب-0.jpg


شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان .. الأسباب الخفية لضعف الإيمان


  • إن صاحب القلب المريض يُقَدِّمُ الأدنى على الأعلى ويهتم بتوافه الأمور وينسى أعلاها ويُقَدِّمُ العاجلة على الآجلة
  • المعاصي والذنوب من أسباب ضعف الإيمان ونقصه ومنها الكبائر ومنها أكبر الكبائر ومنها الصغائر ومنها اللمم
  • صاحب القلب المريض لا تؤلمه جراحات المعاصي والقبائح التي يرتكبها فلا يزال يعمل القبيح ولا يرعوي ولا يتعظ إذا وُعِظ
  • إن للإيمان علامة يُعرف بها إن كان قويا أو ضعيفًا وهي ترجع إجمالًا إلى سرعة الامتثال لكلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن عاقل عالي الهمة، يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها؛ فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
وكنا قد تحدثنا في الحلقة الماضية عن تفاوت الإيمان وأسباب زيادته والأسباب المؤدية لضعفه واليوم نكمل هذا الموضوع بالحديث عن الأسباب الخفية لضعف الإيمان.
ثانيًا: الأسباب الخفية لضعف الإيمان
1 - الجهل
وهذا يشمل الجهل بالله، والجهل بدينه، والجهل بشؤم المعاصي، وآثارها النفسية، والسلوكية، والمادية وغيرها، قال -تعالى-: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} (النساء: 17)، فكل من عصى الله فهو جاهل بالله.
2 - المعاصي والذنوب
المعاصي والذنوب من أسباب ضعف الإيمان ونقصه، والمعاصي منها الكبائر، ومنها أكبر الكبائر، ومنها الصغائر، ومنها اللمم، أما الكبائر فهي: الزنى، وشرب الخمر، والسحر، والتولي يوم الزحف، وأما أكبر الكبائر؛ فعنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَوْلُ الزُّورِ»، «أما اللمم: وهي الذنوب الصغار، التي لا يصر صاحبها عليها، أو التي يلم بها العبد، المرة بعد المرة، على وجه الندرة والقلة، فهذه ليس مجرد الإقدام عليها مخرجًا للعبد من أن يكون من المحسنين، فإن هذه مع الإتيان بالواجبات وترك المحرمات، تدخل تحت مغفرة الله التي وسعت كل شيء»، قال -تعالى-: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} (النجم: 32)، عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: ما رأيتُ شيئًا أشبه باللمَم مما قال أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «إن الله -تعالى- كتب على ابن آدم حظه من الزنى، أدرك ذلك لامحالة، فَزِنَى العين النظر، وزنى اللسان النطق، والنفس تَمنَّى وتَشْتَهِي، والفرج يُصدِّق ذلك أو يُكَذِّبه».
3 - النفس البشرية
من طبيعة النفس البشرية سلوك دروب الشر، والميل إلى مسالك الشيطان، والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، قال -تعالى-: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (يوسف: 53)، يقول العلامة السعدي في تفسير هذه الآية -رحمه الله تعالى- أي: لكثيرة الأمر لصاحبها بالسوء، أي: الفاحشة، وسائر الذنوب، فإنها مَرْكَب الشيطان، ومنها يدخل على الإنسان، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستعيذ بالله من شرور النفس: «أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه».
4 - الغفلة والإعراض
الغفلة من طبيعة النفس البشرية، ولا يكاد يسلم منها إنسان، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنه ليغان على قلبي؛ فأستغفر الله في اليوم مائة مرة»، وَالْمُرَاد هُنَا مَا يَتَغَشَّى الْقَلْب، قَالَ الْقَاضِي: قِيلَ: الْمُرَاد الْفَتَرَات وَالْغَفَلات عَن الذِّكْر الَّذِي كَانَ شَأْنه الدَّوَام عَلَيْهِ، فَإِذَا أَفْتَرَ عَنْهُ أَوْ غَفَلَ عَدَّ ذَلِكَ ذَنْبًا، فإذا كان هذا حال النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فكيف بحال من دونه من الناس؟! قال -تعالى- عن الغفلة: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} (يونس: 92)، أما الإعراض فقال -تعالى-: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ} (السجدة: 22)، يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: أي: لا أظلم ممن ذَكَّرَه الله بآياته، وبيّنها له ووضحها، ثم بعد ذلك تركها وجحدها وأعرض عنها وتناساها، كأنه لا يعرفها».
5 - النسيان
النسيان إذا كان المقصود به إهمال الأوامر الشرعية فهو فتنة لصاحبه، قال -تعالى-: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (الحشر: 19)، قال الإمام الطبري في تفسيره: «فأنساهم الله حظوظ أنفسهم من الخيرات»، ومعنى هذا؛ أن الإنسان لا يعتني بما ينفعه في الدار الآخرة ويكون همّه الدنيا فقط فلا يعمل لآخرته.
6 - طول الأمل
طول الأمل والأماني مع تحقق الإلف والعادة، يورث قسوة القلب ويعد من غرور الشيطان، ولاسيما مع الغفلة، وإلف العادة، وهي من أسباب ضعف الإيمان، وقسوة القلب، قال -تعالى-: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} (الحديد: 16)، قال الإمام الطبري في تفسيره: ويعني بقوله: {فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ}: ما بينهم وبين موسى -عليه السلام-، وذلك الأمد الزمان، وهذا مشاهد؛ أنه كلما بعُد الناس عن مشكاة النبوة والرسالة، قلّ العلم، وضعف الدين، وظهرت الأقاويل والشبهات، وكلما اقترب الناس من عصر النبوة والرسالة، ظهر العلم، وظهر الدين، وهذا ملموس في الإسلام؛ حيث يلحظ الفرق بين الصدر الأول للإسلام، وبين حال المسلمين في آخر الزمان، قال العلامة السعدي في تفسير قوله -تعالى-: {وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ} أي: ولا يكونوا كالذين أنزل الله عليهم الكتاب الموجب لخشوع القلب والانقياد التام، ثم لم يدوموا عليه، ولم يثبتوا، بل طال عليهم الزمان، واستمرت بهم الغفلة، فاضمحل إيمانهم وزال إيقانهم، وهذا المعنى موافق لما جاء في الحديث الذي يرويه الزُّبَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ: أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنَ الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: اصْبِرُوا؛ فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ - صلى الله عليه وسلم -».
علامة قوة الإيمان
علامة قوة الإيمان سرعة الامتثال لأمر الله ورسوله وتصديق الوحي: إن للإيمان علامة يُعرف بها إن كان قويًا أو ضعيفًا، وهي ترجع إجمالًا إلى سرعة الامتثال لكلام الله -تعالى-، وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم -، قال -تعالى-: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} (الأحزاب:36)، كما أن الرغبة في الصالحات، وإيثار الآخرة على الدنيا، والإيمان بالغيب؛ كلها علامات يُعرف بها قوة إيمان العبد.
أمثلة من السنة المطهرة
وهذه بعض الأمثلة من السنة المطهرة التي تبيّن سرعة الاستجابة، وعدم التردد في الامتثال لأوامر الله -تعالى-.
1 - تصديق أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - للنبي - صلى الله عليه وسلم -
تصديق أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - للنبي - صلى الله عليه وسلم - في حادثة الإسراء: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «لما أسْرِيَ بالنبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد الأقصى، أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتد ناس ممن كان آمنوا به وصدقوه، وسعى رجال من المشركين إلى أبي بكر رضي الله عنه ، فقالوا: هل لك إلى صاحبك, يزعم أنه أُسري به الليلة إلى بيت المقدس، قال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: أوَتصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة، فلذلك سمي أبو بكر الصديق».
2 - ترك متاع الدنيا والإقبال على الآخرة
كما حدث في غزوة أحد لما أخذ الصحابي عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ تمرات ثم سمع رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول: «قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ قَالَ: يَقُولُ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: بَخٍ بَخٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا رَجَاءَةَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا، قَالَ: فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا. فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ، قَالَ: فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ التَّمْرِ ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ».
3 - امتثال النساء لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - لهن بالصدقة
في خطبته - صلى الله عليه وسلم - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْداللَّهِ - رضي الله عنه - قَالَ: «شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الصَّلَاةَ يَوْمَ الْعِيدِ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، ثُمَّ قَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى بِلَالٍ، فَأَمَرَ بِتَقْوَى اللَّه، وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ، وَوَعَظَ النَّاسَ وَذَكَّرَهُمْ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ، فَقَالَ: تَصَدَّقْنَ فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ، فَقَامَتْ امْرَأَةٌ مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ فَقَالَتْ: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَال:َ لِأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، قَالَ: فَجَعَلْنَ يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ يُلْقِينَ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ مِنْ أَقْرِطَتِهِنَّ وَخَوَاتِمِهِنَّ»، وحينما أتت امرأة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعها ابنة لها مَسَكَتان غليظتان من ذهب فقال لها: «أتعطين زكاة هذا»؟ قالت لا: قال: «أيسرك أن يسوّركِ الله بهما يوم القيامة سوارين من نار»؟ فقالت: هما لله ولرسوله.
4 - المسارعة في الصدقات إيثارًا للآخرة على الدنيا
عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن لفلان نخلة، وأنا أقيم حائطي بها، فَمُرْهُ أن يعطيني أقيم حائطي بها. فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أعطها إياه بنخلة في الجنة» فأبى. وأتاه أبو الدحداح فقال: بعني نخلتك بحائطي، قال: ففعل، قال: فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إني قد ابتعت النخلة بحائطي فجعلها له. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كم من عذق رداح لأبي الدحداح في الجنة» مرارًا، فأتى امرأته، فقال: يا أم الدحداح اخرجي من الحائط، فإني بعته بنخلة في الجنة، فقالت: قد ربحت البيع أو كلمة نحوها.
علامة ضعف الإيمان ومرضه
  • أولًا: إن صاحب القلب المريض يُقَدِّمُ الأدنى على الأعلى، ويهتم بتوافه الأمور، وينسى أعلاها، ويُقَدِّمُ العاجلة على الآجلة، قال -تعالى-: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ} (التوبة: 81)، وقال -تعالى-: {إِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} (البقرة: 61)، ولهذا نجد ضعيف الإيمان يؤْثر المعاصي على الطاعات، ويؤْثر الراحة والدَّعة على العمل في القربات.
  • ثانيًا: إن صاحب القلب المريض لا تؤلمه جراحات المعاصي والقبائح التي يرتكبها، ولا يزال يعمل القبيح، ولا يرعوي ولا يتعظ إذا وُعِظ، فهذا قلب محروم من التوفيق بجراح القسوة، قال ابن مسعود ت: هلك من لم يعرف المعروف وينكر المنكر.
  • ثالثًا: إن صاحبه يكره الحق ويضيق صدره به، وأسوأ منه من يجادل في ذلك، قال -تعالى-: {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} (الأنعام: 125).



اعداد: د. عبدالرحمن الجيران










ابوالوليد المسلم 20-08-2025 11:23 AM

رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان
 
شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان .. الأول (مِنْ شُعَبِ الإيمَانِ): الإيمَانُ باللَّهِ -تعالى-


  • الإيمان بالله هو الركن الأول من أركان الإيمان الستة التي وردت مجملة ومفصلة في الكتاب والسنة
  • الخوف من الله تعالى ثمرة من ثمرات الإيمان بالله تعالى في السر والعلن
  • الإيمان به سبحانه عين الشهادة فمن نطق بها موقنًا ومخلصًا قولًا وعملًا دخل الجنة
  • من آمن بالله حقا آثر ما عند الله على ما عند الناس وزهد فيما عندهم
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن عاقل عالي الهمة، يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك قمت بشرحها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
قَالَ: الإِيمَانُ بِاللهِ لِقَوْلِهِ -تعالى-: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} (البقرة: 285)، ولقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ} (النساء: 136)، ثُمَّ ساقَ فِيهِ حَديث أَبِي هُرَيْرَةَ -]- المُتَّفَقُ عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحيْن: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسِ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَ: لا إلَهَ إلاَّ الله، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ، وَمَالَهُ، إلا بِحَقِّه وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ -تعالى-»، وَحَدِيثُ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ - رضي الله عنه - في صَحِيحِ مُسْلِم: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إلاَّ الله، دَخَلَ الْجَنَّة».
الشرح
  • قوله: (الإيمان بالله عز وجل): وهو ركن من أركان أعمال القلب، يزول الإيمان بزواله.
  • قوله -تعالى-: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (البقرة: 285)، وهذه الآية في معرض المدح، قال ابن كثير: «فالمؤمنون يؤمنون بأن الله واحد أحد، فرد صمد، لا إله غيره، ولا رب سواه»، ويقول العلامة السعدي-رحمه الله تعالى-: «يخبر -تعالى- عن إيمان الرسول والمؤمنين معه، وانقيادهم وطاعتهم وسؤالهم مع ذلك المغفرة، فأخبر أنهم آمنوا بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وهذا يتضمن الإيمان بجميع ما أخبر الله به عن نفسه».
قوله -تعالى-:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} (النساء: 136)، وهذه الآية بصيغة الأمر، قال الطبري: «يعني بذلك -جل ثناؤه-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، بمن قبل محمد من الأنبياء والرسل، وصدَّقوا بما جاؤوهم به من عند الله {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ}، يقول: صدِّقوا بالله وبمحمد رسوله، مرسل إليكم وإلى سائر الأمم قبلكم، {وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ}، يقول: وصدّقوا بما جاءكم به محمد من الكتاب الذي نزَّله الله عليه، وذلك القرآن {وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ}، يقول: وآمنوا بالكتاب الذي أنزله الله قبل الكتاب الذي نزله على محمد - صلى الله عليه وسلم -، وهو التوراة والإنجيل».
الدخول في شرائع الإيمان
قال ابن كثير: «يأمر الله -تعالى- عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان، وشعبه، وأركانه، ودعائمه، وليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل من باب تكميل الكامل، وتقريره، وتثبيته، والاستمرار عليه»، يقول العلامة السعدي -رحمه الله تعالى-: «اعلم أن الأمر إما أن يوجه إلى من لم يدخل في الشيء ولم يتصف بشيء منه، فهذا يكون أمرًا له في الدخول فيه، وذلك كأمر من ليس بمؤمن بالإيمان، كقوله -تعالى-: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم} (النساء: 47)، وإما أن يوجه إلى من دخل في الشيء، فهذا يكون أمره ليصحح ما وجد منه، ويحصل ما لم يوجد، ومنه ما ذكره الله في هذه الآية من أمر المؤمنين بالإيمان؛ فإن ذلك يقتضي أمرهم بما يصحح إيمانهم من الإخلاص والصدق، وتجنب المفسدات، والتوبة من جميع المنقصات. ويقتضي أيضًا الأمر بما لم يوجد من المؤمن من علوم الإيمان وأعماله، فإنه كلما وصل إليه نص وفهم معناه واعتقده، فإن ذلك من الإيمان المأمور به، وكذلك سائر الأعمال الظاهرة والباطنة، كلها من الإيمان، كما دلت على ذلك النصوص الكثيرة، وأجمع عليه سلف الأمة».
عصمة الدماء بكلمة التوحيد
ثم ساق فيه حديث أبي هريرة ت المتفق عليه في الصحيحين: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقها وحسابه على الله -تعالى-».
معاني المفردات
  • قوله: (أُمِرْت) أَيْ أَمَرَنِي الله؛ لِأَنَّهُ لَا آمِر لِرَسُولِ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - إِلَّا اللَّه وهي من الصيغ الدالة على الوجوب، وقد جاء لفظ الأمر في غير ما موضع من كتاب الله منها: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} (النحل: 90)، ومنها: {أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} (يوسف: 40)، وقوله: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} (طه: 132)، وكل هذه الأوامر تدل على وجوب المأمور به.
قال: (أقاتل الناس) لم يؤذن له - صلى الله عليه وسلم - بالقتال في أول أمر الدعوة، لكنه كان مأمورًا هو وأصحابه بالصبر والاحتساب حتى أذن له بعد ذلك بالقتال في قوله -تعالى-: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا}؛ (الحج: 39) فقاتل - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه الكفارَ ومشركي العرب، وأدال الله لهم الأمر فَطَهَّرُوا الجزيرة من عبادة غير الله -تعالى-.
لا يجوز القتل إلا بشروط
والمقاتَلَة غير القتل، والقتل: أن يقتل شخصًا بعينه، ولهذا نقول: ليس كلما جازت المقاتلة جاز القتل؛ فالقتل أضيق، ولا يجوز إلا بشروط معروفة، والمقاتلة أوسع، ومثاله قوله -تعالى-: {فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} (الحجرات: 9)، والمقاتلة هنا المدافعة، وليس المقصود القتل المجرد؛ إذ المقصود حملهم على الصلح، ومثاله في السنة في حديث المار بين يَدَيْ المصلي؛ حيث جاء فيه «فإن أبى فقاتله»، وليس المقصود القتل، بل المدافعة والمنع.
  • قوله: (الناس) المقصود بهم الكفار، والدليل قوله -تعالى- في سورة براءة: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (التوبة: 29)، فمن أخل بشيء من هذا، وجب قتاله حتى يصير أمره إلى إحدى خصال ثلاث: إما الإسلام، أو القتل، أو البقاء على دينه مع دفع الجزية.
معنى قوله: (لا إله إلا الله) أي لا معبود بحقٍّ إلا الله.
  • قوله: (عَصَمَ) والعِصْمَةُ: المَنْعُ. يقال: عَصَمَهُ الطعامُ، أي منعَه من الجوع، والعصام: الخيط الذي يشد به فم القربة؛ لمنعه الماء من السيلان.
  • قوله: (إلا بحقه)، إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلامِ هذا استثناء، لكنه استثناء عام، يعني: إلا أن تباح دماؤهم وأموالهم بحق الإسلام، مثل: زنى الثيّب، والقصاص وما أشبه ذلك، يعني: إلا بحق يوجبه الإسلام.
من أتى بالتوحيد فقد دخل الإسلام
ويقول سماحة الشيخ العلامة ابن باز -رحمه الله- في شرح الحديث: من أتى بالتوحيد والإيمان بالرسالة، فقد دخل في الإسلام، ثم يُطالَب بحق الإسلام، فيُطالَب بالصلاة، والزكاة، والصيام والحج، وغير ذلك، فإن أدَّى ما أوجب الله عليه، فهو مسلم حقًا، وإن امتنع عن شيء أخذ بحق الله فيه، وأُجْبِرَ وأُلْزِمَ بحقوق الله التي أوجبها على عباده، وهذا هو الواجب على جميع من دخل في دين الإسلام أن يلتزم بحق الإسلام، فإن لم يلتزم أخذ بحق الإسلام، ثم ساق حديث عثمان بن عفان -]- في صحيح مسلم: «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة».
المعنى الإجمالي
هذا الحديث فيه بيان سعة رحمة الله -تعالى- وفضل كلمة التوحيد، فكل من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله؛ دخل الجنة، ومعنى هذا العموم دخول طوائف كثيرة من الناس الجنة لانطباق الحديث عليها.
معاني المفردات
  • قوله: (مات): الموت عبارة عن زوال القوة الحيوانية، وإبانة الروح عن الجسد.
قوله: (يعلم) الْعِلْمُ الْيَقِينُ، يُقَالُ: عَلِمَ يَعْلَمُ إذَا تَيَقَّنَ. وَجَاءَ بِمَعْنَى الْمَعْرِفَةِ. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة» الحديث على ظاهره، ومعناه: أنه من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة، فإن عُدِم العلم الذي هو التصديق لم يدخل الجنة، وإن نقص علمه تأخر دخوله.
فوائد الإيمان بالله
  • الإيمان بالله هو الركن الأول من أركان الإيمان الستة التي وردت مجملة ومفصلة في الكتاب والسنة، لا يستقيم أمر المؤمن إلا بها مجتمعة.
  • الإيمان بالله إنما هو تأصيل للتوحيد بوصفه حقا ثابتا لله على خلقه أجمعين.
  • الإيمان بالله -تعالى- يحض على الجهاد في سبيله بالمال والنفس، دفاعًا عن الدين القويم، وحماية للعقيدة والتوحيد الخالص.
  • الإيمان به -سبحانه- عين الشهادة، فمن نطق بها موقنًا ومخلصًا قولًا وعملًا، دخل الجنة.
  • الإيمان بالله -تعالى- من عمل السرائر والله أعلم بأهله، وللمسلم أمر الظاهر، ولم يكلف المرء ما لا يطيق من الشق على الصدور أو معرفة خبايا القلوب.
أثر الإيمان بالله -تعالى- على سلوك المسلم
  • من آمن بالله -تعالى- وحده لابد أن يعتقد بأن الله -تعالى- أرسل رسلًا للبشر لهدايتهم للصراط المستقيم؛ إذ إن الله -تعالى- لا يخلق الخلق ويتركهم هملًا بلا أمر ولا نهي، وهذا يحمل المؤمن على الاقتباس من مشكاة النبوة في قوله وفعله وخلقه.
  • الخوف من الله -تعالى- ثمرة من ثمرات الإيمان بالله -تعالى- في السر والعلن.
  • المواظبة على العبادة والاستقامة والسير إلى الله -تعالى- بين الرغبة والرهبة لقوله -تعالى-: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} (الأنبياء: 90).
  • من آمن بالله حقًا آثر ما عند الله على ما عند الناس وزهد فيما عندهم.
  • الإيمان بالله -تعالى- يطهر القلب، ويزكي النفس، فلا تجد مؤمنًا حقًا إلا وهو زكي النفس، طاهر القلب، ظاهرًا وباطنًا، هانئا بمعيشته وحياته مهما كانت ظروفه قاسية وصعبة.



اعداد: د. عبدالرحمن الجيران






ابوالوليد المسلم 26-08-2025 03:52 PM

رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان
 
شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان .. الشعبة الثانية: الإيمَانُ بِرُسُلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ أَجْمَعِيْنَ


  • في الحديث بيان حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم حيث يجلس مع أصحابه ويجلسون إليه وهذا من تواضعه صلى الله عليه وسلم
  • لابد من استشعار علم الله عزوجل وإحاطته بجميع خلقه ومن ذلك قرب الملائكة من بني آدم وإحاطتهم بهم في حياتهم ومماتهم
  • الإيمان بجميع الرسل عليهم السلام واحترامهم وتوقيرهم عقيدة كل مسلم ومسلمة ومن الغريب أن يُرمى المسلمون بالتطرف والغلو وعدم الاعتراف بالآخر
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن عاقل عالي الهمة، يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها؛ فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
الشعبة الثانيةمن شعب الإيمان هي: الإيمَانُ بِرُسُلِ اللهِ -عزوجل-، و-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِمْ وسلم- أَجْمَعِيْنَ؛ لِقَوْلِهِ -تعالى-: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} (البقرة: 285)، وَلِحَدِيثِ عُمَر بنِ الخَطَّابِ - رضي الله عنه - في الصَّحِيحَيْنِ في سُؤَالِ جِبْرِيلَ -عليه السلام- عَن الإيمَانِ فَأَجَابَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَنْ تْؤْمِنَ باللهِ، وَمَلاَئِكَتِهِ، وَكُتُبَهَ، وَرُسُلِهِ... الْحَدِيْثُ». وقوله: «الإيمان برسل الله -عزوجل-، و-صلى الله عليهم وسلم- أجمعين »، أي: تصديقهم بما جاؤوا به عن الله -تعالى- ، وهو ركن من أركان أعمال القلب يزول الإيمان بزواله.
الشرح
قوله: «لقوله -تعالى- {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} (البقرة: 285)، ومعنى الآية الكريمة: يعنى يقولون: آمنا بجميع الرسل، ولا نكفر بأحد منهم، ولا نفرق بينهم، كما فرقت اليهود والنصارى، ويقول العلامة السعدي -رحمه الله تعالى-: «الإيمان بجميع الرسل والكتب، أي: بكل ما أخبرت به الرسل وتضمنته الكتب من الأخبار والأوامر والنواهي، وأنهم لا يفرقون بين أحد من رسله، بل يؤمنون بجميعهم؛ لأنهم وسائط بين الله وبين عباده، فالكفر ببعضهم كفر بجميعهم بل كفر بالله». قوله: «ولحديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في الصحيحين في سؤال جبريل -عليه السلام- عن الإيمان فأجاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله.. الحديث»، ونص الحديث: «عن عمر - رضي الله عنه - قال: «بينما نحن عند رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ذاتَ يومٍ إذ طلع علينا رجلٌ شديدُ بياضِ الثيابِ شديدُ سوادِ الشعرِ، لا نرَى عليه أثرَ السفرِ ولا نعرفُه، حتَّى جلس إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فأسند ركبتَه إلى ركبتِه ووضع كفَّيهِ على فخذِه ثمَّ قال: يا محمدُ أخبرْني عن الإسلامِ، ما الإسلامُ؟ قال: أنْ تشهدَ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهَ وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ وتقيمَ الصلاةِ وتؤتيَ الزكاةَ وتصومَ رمضانَ وتحجَّ البيتَ إنِ استطعتَ إليه سبيلًا، قال: صدقتَ: قال عمرُ: فعجِبنا له يسألهُ ويصدقُه، فقال: يا محمدُ أخبرني عن الإيمانِ ما الإيمانُ؟ قال: الإيمانُ أنْ تؤمنَ باللهِ وملائكتِه وكتبِه ورسلِه واليومِ الآخرِ والقدرِ كلِّه خيرِه وشرِّه، قال: صدقتَ، قال: فأخبرني عن الإحسانِ ما الإحسانُ؟ قال: أنْ تعبدَ اللهَ كأنك تراهُ فإن لم تكنْ تراهُ فإنه يراكَ، فقال: أخبرني عن الساعةِ متى الساعةُ؟ قال: ما المسئولُ عنها بأعلمَ من السائلِ، فقال: أخبرني عن أماراتِها، قال: أنْ تلدَ الأمةُ ربَّتها وأنْ ترَى الحفاةَ العراةَ العالةَ رعاءَ الشَّاءِ يتطاولونَ في البناءِ، قال: ثمَّ انطلقَ الرجلُ، قال عمرُ: لبثتُ ثلاثًا ثمَّ قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: يا عمرُ أتدري من السائلُ؟ قلتُ: اللهُ ورسولُه أعلمُ، قال: فإنه جبريلُ -عليه السلام- أتاكم يعلِّمَكم دينَكم». ومحل الشاهد قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ورسله» أي: أن تؤمن برسل الله، والمراد بالرسل من البشر، وأول الرسل نوح -عليه السلام- وآخرهم محمد - صلى الله عليه وسلم -.
هم أعلى طبقات البشر
والرسل -عليهم الصلاة والسلام- هم أعلى طبقات البشر الذين أنعم الله عليهم، قال الله -تعالى-: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} (النساء: 69). فهذه أربعة أصناف، والرسل أفضلهم خمسة، هم أولو العزم، ذُكروا في قول الله -تعالى-: {إِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} (الأحزاب: 7)، وأفضلهم محمد - صلى الله عليه وسلم - كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنا سيد ولد آدم».
من فوائد شعبة الإيمان بالرسل -عليهم الصلاة والسلام-
(1) أنه لابد من الإيمان بجميع الرسل، فلو آمن أحد برسوله وأنكر من سواه، فإنه لم يؤمن برسوله، بل هو كافر، واقرأ قول الله -تعالى-: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} (الشعراء: 105)، مع أنهم إنما كذبوا نوحًا ولم يكن قبله رسول، ولكن تكذيب واحد من الرسل تكذيب للجميع، وكذلك تكذيب واحد من الكتب في أنه نزل من عند الله، تكذيب للجميع. (2) الإيمان بجميع الرسل -عليهم السلام- واحترامهم وتوقيرهم عقيدة كل مسلم ومسلمة، بخلاف عقيدة اليهود القائمة على السخرية من الرسل، وعقيدة النصارى القائمة على الكفر بالرسل، وعلى رأسهم سيدهم وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - ومن الغريب أن يرمي الكفار المسلمين بالتطرف والغلو وعدم الاعتراف بالآخر، وهذه من المفارقات العجيبة في آخر الزمان التي يروجها الإعلام. (3) هناك من شرائع الرسل ما يعد شريعة لنا ولم ينسخ، ومنها: الصلاة والصيام، إلا أن الصلاة عند الأمم السابقة لا تكون إلا في الصوامع والكنائس، وأما في شريعتنا فيقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة، وأعطيت الشفاعة». وأما الصيام فيقول الرَسُولَ - صلى الله عليه وسلم -: «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ»، وهناك من شرائع الرسل ما نسخ في شريعتنا مثل: عقوبة السارق؛ فعند النصارى يُسترق، وعندنا تقطع يده، إلا أن عقيدة جميع الرسل عقيدة واحدة لم تتغير، قال -تعالى-: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} (البقرة: 285). (4) بيان حسن خلق النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه يجلس مع أصحابه ويجلسون إليه، وهذا من تواضعه - صلى الله عليه وسلم -. (5) بيان جلوس الأصحاب إلى شيخهم ومن يفوقهم، لكن هذا بشرط: إذا لم يكن فيه إضاعة وقت الشيخ ومن يفوقه علمًا؛ لأن بعض الناس يأتي إلى من يحرص على وقته ويستغله في العلم، فيجلس عنده ويطيل الحديث، فالحريص على وقته، يتململ ويوري مثلًا بقِصَر الليل أو ما أشبه ذلك، بينما الآخر -لشدة محبته له والتحدث إليه- يبقى.
الشعبة الثَّالِثة: الإيمَانُ بالْمَلاَئِكَةِ
وذلك لقوله -تعالى- {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} (البقرة: 285))، ولِحَدِيثِ عُمَر بنِ الخَطَّابِ - رضي الله عنه - في الصَّحِيحَيْنِ في سُؤَالِ جِبْرِيلَ -عليه السلام- عَن الإيمَانِ فَأَجَابَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَنْ تْؤْمِنَ باللهِ، وَمَلاَئِكَتِهِ، وَكُتُبَهَ، وَرُسُلِهِ... الْحَدِيْثُ».
الشرح
(الإيمان بالملائكة) هو ركن من أركان أعمال القلب، يزول الإيمان بزواله.
  • المَلَكُ والمَلأكُ: من المَلائكة، والمَلَكُ من الملائكة واحد وجمع، قال الكسائي: أصله مَأْلَكٌ بتقديم الهمزة، من الألوكَة، وهي الرسالة، ثمَّ قُلِبتْ وقدِّمتْ اللام فقيل ملأَكٌ، والملائكة جمع تأنيث بمعنى: الفرق، والطوائف، والجماعات التي مفردها فرقة، وطائفة، وجماعة، ومنهم: ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، وحملة العرش.
يشعر لفظ الملَك بأنه رسول منفذ لأمر مرسله، فليس لهم من الأمر شيء، بل الأمر كله للواحد القهار، قال -تعالى-: { لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} (الأنبياء: 27)، (للآية) يقصد قوله -تعالى-: {وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} (البقرة: 285)، يقول الشيخ السعدي -رحمه الله-: «ويتضمن الإيمان بالملائكة الذين نصَّت عليهم الشرائع جملة وتفصيلًا»، (والحديث) يقصد حديث عمر بن الخطاب -]-، وقد سبق الحديث عنه وفيه: «الإيمان بالملائكة» ويتضمن الإيمان بهم ما يلي: الإيمان بأسماء من علمنا أسماءهم، أن نؤمن بأن هناك ملكًا اسمه كذا، مثل: جبريل -عليه السلام-. أن نؤمن بما لهم من أعمال، مثلًا: جبريل -عليه السلام-: موكل بالوحي، ينزل به من عند الله إلى رسله، وميكائيل: موكل بالقطر، أي: المطر، والنبات، أي: نبات الأرض، وإسرافيل: موكل بالنفخ في الصور، وهؤلاء الثلاثة كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكرهم عندما يفتتح صلاة الليل؛ فيقول: «اللهم ربَّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل» والحكمة من هذا: أن كل واحد منهم موكل بحياة، فجبريل موكل بالوحي وهو حياة القلوب كما قال -تعالى-: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا} (الشورى: 52)، وميكائيل موكل بالقطر والنبات وهو حياة الأرض، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور وهو حياة الناس الحياة الأبدية.
فوائد الإيمان بالملائكة وأثره على المسلم
(1) التخلق بأخلاقهم الكريمة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة». (2) البعد عما يؤذيهم لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من أكل من هذه البقلة (الثوم)، وقال مرة: من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم». (3) الاستحياء منهم لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة». (4) ملاحظة حفظ الله -تعالى- ورعايته للناس؛ حيث لم يتركهم هملًا، بل أوكل من يحفظهم لقوله -تعالى-: { لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} (الرعد: 11). (5) استشعار علم الله -عزوجل- وإحاطته بجميع خلقه، ومن ذلك قرب الملائكة من بني آدم وإحاطتهم بهم في بداية حياتهم ومماتهم، ففي بداية الحياة، وهذا ما بيَّنه حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ، أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ»، وفي ختام الحياة يبينه قول الله -تعالى-: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} (السجدة: 11).


اعداد: د. عبدالرحمن الجيران






ابوالوليد المسلم 03-09-2025 11:11 AM

رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان
 
شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان .. الشعبة الرَّابِعة مِنْ شُعَبِ الإيمَانِ: الإيمَانُ بِالْقُرْآنِ وَجَمِيع الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ قَبْلِهِ


  • الإيمان بالكتب يتضمن أربعة أمور أن نؤمن أنها من عند الله وأن نؤمن بصحة ما فيها من أخبار وأن نؤمن بما فيها من أحكام إذا لم تخالف الشريعة وأن نؤمن بما علمنا من أسمائها مثل: القرآن والتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وصُحف موسى
  • من فوائد الإيمان بالكتب معرفة سماحة الدين الإسلامي فلا رهبانية فيه ولا آصار ولا أغلال كالتي كانت في الشرائع السابقة
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن عاقل عالي الهمة، يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها؛ فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
الشعبة الرابعة من شعب الإيمان هي الإيمان بالقرآن وجميع الكتب المنزلة قبله، ودليله قَوْلِ الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ} (النساء:136) وَلِلْآيَةِ وَالْحَدِيثِ الْمَذْكُوْرَيْنِ أَيْضًا، يعني من حيث أصول الإيمان، فالإيمان بجميع الكتب أصل من أصول الإيمان عند أهل السنة والجماعة، والقرآن هو آخرها، وبه نُسخت جميع الشرائع، فالواجب الإيمان بالقرآن، وجميع الكتب المنزلة قبله، وهو ركن من أركان أعمال القلب، يزول الإيمان بزواله. قوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْل} (النساء: 136)، ومعنى الآية الكريمة: توجيه الخطاب لجميع المكلفين بالدخول في الإيمان أو بتكميل ما نقص منه، وهنا قد يقول قائل: وما وجه دعاء هؤلاء إلى الإيمان بالله ورسوله وكتبه، وقد سماهم «مؤمنين»؟
توجيه بالنقل عن ثلة من أئمة التفسير
  • أولًا: قال أبو جعفر الطبري: يعني ذلك -جل ثناؤه-: «يا أيها الذين آمنوا»، بمن قبل محمد من الأنبياء والرسل، وصدَّقوا بما جاؤوهم به من عند الله «آمِنوا بالله ورسوله»، يقول: صدِّقوا بالله وبمحمد رسوله أنه لله رسولٌ، مرسل إليكم وإلى باقي الأمم قبلكم.
  • ثانيًا: قال الحافظ ابن كثير: يأمر الله -تعالى- عباده المؤمنين بالدخول في شرائع الإيمان وشعبه وأركانه ودعائمه، وليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل من باب تكميل الكامل، وتقريره، وتثبيته، والاستمرار عليه، كما يقول المؤمن في كل صلاة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} (الفاتحة: 6) أي: بَصِّرنا فيه، وزدنا هدى وثبتنا عليه.
  • ثالثًا: قال السعدي: اعلم أن الأمر إما أن يوجه إلى من لم يدخل في الشيء ولم يتصف بشيء منه، فهذا يكون أمرًا له بالدخول فيه، وذلك كأمر من ليس بمؤمن بالإيمان، كقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم} (النساء: 47)، وإما أن يوجه إلى من دخل في الشيء فهذا يكون أمره ليصحح ما وجد منه ويحصل ما لم يوجد.
قوله: (وللآية): يقصد قوله -تعالى-: { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ} (البقرة: 285)، يقول العلامة السعدي في قوله «وكتبه»: الكتب: أي بكل ما أخبرت به الرسل وتضمنته الكتب من الأخبار والأوامر والنواهي. قوله: (والحديث): يقصد حديث عمر بن الخطاب وفيه: «وكتبه»، والكتُب جمع كتاب بمعنى مكتوب، والمراد بها الكتب التي أنزلها الله ﻷ على رسله؛ لأنه ما من رسول إلا أنزل الله عليه كتابًا كما قال الله ﻷ: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} (البقرة: 213) وقال -عز وجل-: {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ} أي: إبراهيم ونوح -عليه السلام-: {وَالْكِتَابَ} (الحديد: 26)، واعلم أن جميع الكتب السابقة منسوخة بالكتاب المهيمن وهو القرآن، قال الله ﻷ: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} (المائدة: 48).
الإيمان بالكتب يتضمن أربعة أمور
  • أولًا: أن نؤمن بأن الله -تعالى- أنزل على الرسل كتبًا، وأنها من عند الله، والكتب الموجودة في أيدي هذه الأمم محرفة، وليست من عند الله لأنها مبدلة، لكن أصل الكتاب المنزل على الرسول نؤمن بأنه حق من عند الله.
  • ثانيًا: أن نؤمن بصحة ما فيها من أخبار، كأخبار القرآن، وأخبار ما لم يبدل أو يحرف من الكتب السابقة، مثلما وجد في رجم الزاني عند اليهود في التوراة.
  • ثالثًا: أن نؤمن بما فيها من أحكام إذا لم تخالف الشريعة على القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا - وهو الحق - إذا لم يرد شرعنا بخلافه.
  • رابعًا: أن نؤمن بما علمنا من أسمائها: مثل القرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم، وصحف موسى.
فوائد الإيمان بالكتب
(1) القيام بشكر الله -تعالى- على إنزاله الكتب، وبيان الشرائع؛ لتعريف البشر طريق الوصول إلى جنته ورضوانه، قال -تعالى-: {إِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} (فاطر: 24). (2) بيان فضل القرآن الكريم وهيمنته على الكتب السابقة: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} (الحجر: 87). (3) معرفة سماحة الدين الإسلامي، فلا رهبانية فيه، ولا آصار، ولا أغلال، كالتي كانت في الشرائع السابقة. (4) ولله كتب غير ما سَمَّى لنا في القرآن، نؤمن بها إجمالًا؛ لقوله -تعالى-: {وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} (النساء: 164) وهؤلاء الرسل الذين جاء ذكرهم؛ جاؤوا بكتب من عند الله -تعالى-. (5) الكتب التي سماها الله هي: التوراة، وأنزلت على موسى، والإنجيل، وأنزل على عيسى -عليه السلام-، والزبور، وأنزل على داود -عليه السلام-، وصحف إبراهيم وموسى ، والقرآن، وأنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم-، وهذه الكتب هي كلام الله حقيقة، ونور وهدى، وما تضمنته حق وصدق، ويجب الإيمان بها، قال -تعالى-: {وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ} (الشورى: 15).


اعداد: د. عبدالرحمن الجيران






ابوالوليد المسلم 18-09-2025 07:26 PM

رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان
 
شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان … الشعبة الخامسة: الْإِيمَانُ بِأَنَّ الْقَدَرَ خَيْرُهُ وَشَرُّهُ مِنْ اللَّهِ عزّ وجل


  • المؤمن لا يجزع عند المصيبة ولا تبطره النعمة ففي حال البلاء يصبر وحال الرخاء يشكر
  • العمل والكسب والسعي واتخاذ الأسباب الموصلة للغايات كل هذا لا ينافي القضاء والقدر وإنما هو داخل فيه
  • الألفاظ الشرعية صحيحة المعاني سالمة من الاحتمالات الفاسدة فلذلك يجب ألا يُعدل عنها نفيًا ولا إثباتًا لئلا يُثبَتَ معنى فاسد أو يُنفَى معنى صحيح
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن عاقل عالي الهمة، يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها؛ فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف كثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعّم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
  • الشعبة الخامسة من شعب الإيمان هي الْإِيمَانُ بِأَنَّ الْقَدَرَ خَيْرَهُ وَشَرَّهُ مِنْ اللَّهِ -عزوجل- لِقَوْلِهِ -تعالى-: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ} (النساء: 78)، ولحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في الصحيحين: «احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، فقال له آدم: يا موسى، اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟!، قال: فحج آدم موسى». وبالإسناد المذكور أنشدنا الإمام أبوبكر البيهقي قال: أنشدني أبو الفوارس جنيد بن أحمد الطبري:
العبد ذو ضَجَرٍ والرب ذو قَدَرٍ
والدهر ذو دُوَلٍ والرزق مقسومُ
والخير أجمع فيما اختار خالقنا
وفي اختيار سواه اللّوم والشُّومُ
الشرح:
قوله: «الإيمان بأن القدر خيره وشره من الله -عزوجل-»: وهو ركن من أركان أعمال القلب يزول الإيمان بزواله، فالإيمان بالقدر: أن يعتقد المؤمن أن كل شيء في هذا الكون مخلوق بقدر -يعني بصفة وزمن-، فلا يقع شيء في هذا الكون -سواء أكان صغيرًا أم كبيرًا-؛ إلا وهو بقضاء الله وقدره، والإيمان بالقدر: (هو التصديق الجازم بأن كل خير وشر فهو بقضاء الله وقدره، وأنه الفعّال لما يريد، لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا مَحيد لأحد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خُط في اللوح المسطور، وأنه خالق أفعال العباد والطاعات والمعاصي، ومع ذلك فقد أمر العباد ونهاهم، وجعلهم مختارين لأفعالهم، غير مجبورين عليها، بل هي واقعة بحسب قدرتهم وإرادتهم، والله خالقهم وخالق قدرتهم، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون.
الإيمان بالقدر خيره وشره
والإيمان بالقدر خيره وشره من الله -تبارك وتعالى-؛ أحد الأركان الستة التي يدور عليها فلك الإيمان، كما دل عليه حديث جبريل وغيره، وكما دلت عليه الآيات الصريحة من كتاب الله -تعالى-، وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملةً وتفصيلًا: فقد كَتَبَ في اللوح المحفوظ ما شاء. وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه، بعث إليه ملكًا، فيؤمر بأربع كلمات، فيقال له: اكتب: رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد. ونحو ذلك... فهذا التقدير قد كان ينكره غلاة القدرية قديمًا، ومنكره اليوم قليل. قوله: لقوله -تعالى-: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ} (النساء: 78)، قال أبو جعفر: القول في تأويل قوله: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ}. يعني -جل ثناؤه- بقوله: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ}، قل يا محمد، لهؤلاء القائلين: إذا أصابتهم حسنة: {هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ}، وإذا أصابتهم سيئة: {هَذِهِ مِنْ عِندِكَ}: كل ذلك من عند الله، دوني ودون غيري، من عنده الرخاء والشدة، ومنه النصر والظفر، ومن عنده الفَلُّ والهزيمة، قال الحافظ ابن كثير: فقوله: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ}، أي: الجميع بقضاء الله وقدره، وهو نافذ في البَرّ والفاجر، والمؤمن والكافر، وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ} أي: الحسنة والسيئة. وكذا قال الحسن البصري.
فحج آدم موسى
قوله: ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين: «احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، فقال له آدم: يا موسى، اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟، قال: فحج آدم موسى».
  • قوله: (احتج) أي تحاجَّ وتناظر.
  • قوله: (خَيَّبْتَنَا): أي أوقعتنا في الخيبة وهي الحرمان.
  • قوله: (وأخرجتنا من الجنة): وهي دار الجزاء في الآخرة وهي مخلوقة قبل آدم.
قوله: (وخط لك بيده): وهي على ظاهرها بأن الله -تعالى- خط له بيده، ولله -تعالى- يد حقيقية تليق بجلاله ولا تشبه يد المخلوق.
صفات الله -تعالى- الخبرية
ولا يقال عن هذه الصفات -أي صفات الله تعالى الخبرية- إنها أعضاء، أو جوارح، أو أدوات، أو أركان، فالألفاظ الشرعية صحيحة المعاني، سالمة من الاحتمالات الفاسدة، فلذلك يجب ألا يُعدل عن الألفاظ الشرعية نفيًا ولا إثباتًا، لئلا يُثبَتَ معنى فاسد أو يُنفَى معنى صحيح، وكل هذه الألفاظ المجملة عرضة للمُحق والمُبطل، (وكان مكحول، والزهري، والأوزاعي، ومالك، وابن المبارك، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، وأحمد، وإسحاق، يقولون فيها وفي أمثالها: أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيف، قال سفيان بن عيينة: كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته، والسكوت عليه، ليس لأحد أن يفسره إلا الله -تعالى- ورسوله). قوله: (على أمر قدره الله)، ويروى قدر الله بدون الضمير، وهي رواية السرخسي والمستملي، والمراد بالتقدير هنا الكتابة في اللوح المحفوظ، أو في صحف التوراة، وإلا فتقدير الله أزلي.
المراد بقوله: أربعين سنة
  • قوله: (بأربعين سنة) قال ابن التين: يحتمل أن يكون المراد بالأربعين سنة ما بين قوله -تعالى-: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} (البقرة: 30)، إلى نفخ الروح في آدم، وقيل: ابتداء المدة؛ وقت الكتابة في الألواح وآخرها ابتداء خلق آدم، وقال ابن الجوزي: المعلومات كلها قد أحاط بها علم الله القديم قبل وجود المخلوقات كلها، ولكن كتابتها وقعت في أوقات متفاوتة، وقد جاء في (الحديث): «إنّ الله قدّر المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة»ا.هـ
  • قوله: (فحجَّ آدم موسى) حجَّ غيره: غلبه بالدليل والبرهان.
  • قوله: (وبالإسناد المذكور): يقصد السند الذي ذكره في مقدمة الكتاب، والذي ينتهي إلى الإمام أبي بكر البيهقي.
  • قوله: (أنشدنا) أنشد الشعر: قرأه.
الإمام أبو بكر البيهقي قال: أنشدني أبو الفوارس جنيد بن أحمد الطبري.
  • قوله: (العبد ذو ضجر) يعني أن العبد قليل الرضى يتضجر من الأمور ويَمَلُّ كثيرًا. قوله: (والرب ذو قدر) فكل ما في هذا الكون بقدر الله وبعلمه.
  • قوله: (والدهر ذو دول) فيه إشارة لقول الله -تعالى-: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} (آل عمران: 140)، ومن الحكم في ذلك؛ أن هذه الدار يعطي الله منها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، فيداول الله الأيام بين الناس، يوم لهذه الطائفة، ويوم للطائفة الأخرى, لأن هذه الدار الدنيا منقضية فانية، وهذا بخلاف الدار الآخرة، فإنها خالصة للذين آمنوا. قوله: (والرزق مقسوم) فيه إشارة لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن أحدكم لن يموت حتى يستكمل رزقه».
معنى الخير فيما اختار الله
  • قوله: (والخير أجمع فيما اختار خالقنا... وفي اختيار سواه اللوم والشوم) فيه إشارة لقول الله -تعالى-: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (البقرة: 216)، ومعنى الخير فيما اختار الله: أن قضاء الله وقدره كله خير وكله حكمة، وليس فيه شر لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «والشرّ ليس إليك» فقضاء الله ﻷ على ثلاثة أنواع؛ فهناك قضاء في اللوح المحفوظ: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ} (يس: 12)، وقضاءٌ حَوْلِيٌّ: بمعنى يكون في السنة مرة، وهو في ليلة القدر التي وصفها الله -تعالى- بأنها سلام إلى مطلع الفجر: {سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} (القدر: 5)، وقضاء يومي: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} (الرحمن: 29)، والمعنى: كل يوم له تدبير وتقدير خاص من الرزق والموت والولادة... إلخ.
ويقول العلامة السعدي -رحمه الله تعالى-: في الآية السابقة، «هذه الآيات عامة مطردة في أن أفعال الخير التي تكرهها النفوس لما فيها من المشقة؛ أنها خير بلا شك، وأن أفعال الشر التي تحبها النفوس -لما تتوهمه فيها من الراحة واللذة-؛ فهي شر بلا شك. وأما أحوال الدنيا، فليس الأمر مطردًا، ولكن الغالب على العبد المؤمن أنه إذا أحب أمرًا من الأمور -فقيض الله له من الأسباب ما يصرفه عنه-؛ أنه خير له، فالأوفق له في ذلك، أن يشكر الله، ويجعل الخير في الواقع، لأنه يعلم أن الله -تعالى- أرحم بالعبد من نفسه، وأقدر على مصلحة عبده منه، وأعلم بمصلحته منه، كما قال -تعالى-: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (البقرة: 232)، فاللائق بكم أن تتمشوا مع أقداره، سواء سرتكم أو ساءتكم».
الإيمان بالقدر يتضمن أربعة أمور
يقول الشيخ العلامة ابن عثيمين: «والإيمان بالقدر يتضمن أربعة أمور:
  • الأول: أن تؤمن بعلم الله المحيط بكل شيء جملة وتفصيلًا، دليل ذلك: عموم الأدلة مثل قول الله -تعالى-: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (البقرة: 282)، وخصوص العلم بالغيب، وقد قال موسى -عليه الصلاة والسلام-: {لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى} (طه: 52)، أي: لا يجهل ولا ينسى ما علم.
  • ثانيًا: الإيمان بأن الله -تعالى- كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء إلى يوم القيامة، قال الله ﻷ: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ} (يس: 12).
  • ثالثًا: أن تؤمن بأن كل ما حدث في الكون فهو بمشيئة الله -تعالى-، فلا يخرج شيء عن مشيئته أبدًا، ولهذا أجمع المسلمون على هذه الكلمة: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فأي شيء يحدث فهو بمشيئة الله، قال الله ﻷ: {لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (التكوير).
  • رابعًا: الخلق: ومعناه: الإيمان بأن الله خلق كل شيء، فنؤمن بعموم خلق الله -تعالى- لكل شيء، قال -تعالى-: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا}(الفرقان: 2).
فوائد الإيمان بالقضاء والقدر وأثره على المسلم
(1) تحقيق هدوء النفس واطمئنان القلب. (2) المؤمن لا يجزع عند المصيبة، ولا تبطره النعمة، ففي حال البلاء يصبر، وحال الرخاء يشكر. (3) القدر سر من الأسرار لا يجوز الخوض فيه، كل هذا فيما لا علم للمرء فيه مخافة أن تزل به القدم. (4) العمل، والكسب، والسعي، واتخاذ الأسباب الموصلة للغايات؛ كل هذا لا ينافي القضاء والقدر، وإنما هو داخل فيه لقول عمر - رضي الله عنه - جوابًا لأبي عبيدة بن الجراح: (نَعَمْ, نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ). (5) التوكل الذي أمر الله -تعالى- به يكون بعد اتخاذ الأسباب، وهذا يؤيده حديث خروج أهل اليمن للحج، وهم على غير زاد، فلما سئلوا قالوا: نحن متوكلون، فنزلت الآية: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}(البقرة: 197).


اعداد: د. عبدالرحمن الجيران






ابوالوليد المسلم 26-09-2025 05:32 PM

رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان
 
شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان: السَّادِسُ مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ الْإِيْمَانُ بِالْيَوْمِ الآخِرِ


  • من فوائد الإيمان باليوم الآخر الاطمئنان واليقين بعدل الله تعالى وأنه سبحانه سوف يجازي الخلائق حتى يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء
  • من فوائد الإيمان باليوم الآخر: قلّة الركون إلى الدنيا والصبر عليها احتسابًا وثقة بما عند الله تعالى من حسن الجزاء والثواب
  • تلقى الصحابة رضوان الله عليهم علوم الغيب دون السؤال والاستفسار اللهم إلا السؤال الذي يقصد به طلب السلامة وملازمة طريق الهدى
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن عاقل عالي الهمة، يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها؛ فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف كثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعّم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
  • السادس من شعب الإيمان هو الإيمان باليوم الآخر لِقَوْلِ اللهِ -تعالى-: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} (التوبة: 29). قَالَ الحليمي: وَمَعْانَهُ التَّصْدِيْقُ بِأَنَّ لأَيَّامِ الدُّنْيا آخِرَ، وأنها منقضيةٌ، وَهَذا العَالَمَ مُنْقَضٍ يَوْمًا ما، فَفي الاعْتِرافِ (بانْتِفائِهِ)، اعْتِرافٌ بِابْتِدائِهِ؛ إذ القَديمُ لا يَفْنَى ولا يَتَغَيَّرُ، وَفِي (الصَّحِيْحَيْنِ) مِنْ حَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتَقُوْمَنَّ السَّاعَةَ، وَ(قَدْ نَشَرَ الرَّجُلاَنِ) ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُما لا يَتَبَايَعَانِهِ ولا يَطْويَانِهِ، ولَتَقُومَنَّ السَّاعَة، وَقَدِ انْصَرفَ الرَّجُلُ بِلبنِ لَقْحَتِهِ من تَحْتِها، وقَدْ رَفَعَ أَكْلَتَهُ إلى فِيهِ لا يَطْعَمُها» الْحَدِيْثُ.
الشرح
(الإيمان باليوم الآخر) وهو ركن من أركان أعمال القلب، يزول الإيمان بزواله، ويظهر أثره على عمل الإنسان، وسمي باليوم الآخر؛ لأنه آخر يوم من أيام الدنيا؛ حيث ينقل الله -تعالى- الخلائق إلى عرصات يوم القيامة، وفي هذا اليوم يأذن الله -تعالى- بدمار الحياة الدنيا، فالسماء تتشقق، والشمس تتكور، والنجوم تُطمس، والجبال تُنسف، والأرض تُبدّل، كما ورد في سور: الواقعة، والقيامة، والنازعات، والتكوير، والانفطار، والمطففين، وغيرها في ذكر أهوال يوم القيامة.
  • قوله: لقول الله -تعالى-: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} (التوبة: 29)، يقول القرطبي في تفسير هذه الآية: «فأَمر ـ بمقاتلة جميع الكفار لإصفاقهم على هذا الوصف، وخص أهل الكتاب بالذكر إكرامًا لكتابهم، ولكونهم عالمين بالتوحيد والرسل».
التصديق بأن لأَيَّامِ الدُّنْيا آخِرَ
  • قوله: قال الحليمي: ومعناه التصديق بأن لأَيَّامِ الدُّنْيا آخِرَ، وأنها منقضيةٌ، أي: أن أيام الدنيا إلى انتهاء وإلى أجل معلوم، وقوله: (وَهَذا العَالَمَ مُنْقَضٍ)، أي: أن الدنيا كلها ستنتهي في اليوم الآخر.
  • قوله: «فَفي الاعْتِرافِ بانْتِفائِهِ اعْتِرافٌ بِابْتِدائِهِ»، أي: أن لكل شيء من المخلوقات نهاية وبداية، وهذا بحق المخلوق، أما الخالق فهو كما قال الله -تعالى-: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (الحديد: 3).
  • قوله: «إذ القَديمُ لا يَفْنَى ولا يَتَغَيَّرُ»، قلت: لفظ القديم إذا كان المقصود به الإخبار عن الله -عز وجل- فهذا لا بأس به، إذ إن باب الإخبار عن الله أوسع من باب الأسماء والصفات، ولكن إن كان المقصود به التسمية بالقديم، فهذا فيه إشكال.
مسألة مهمة: ضابط كون هذا اللفظ من الأسماء الحسنى
وهنا تأتي مسألة وهي: ما ضابط كون هذا اللفظ من الأسماء الحسنى؟
  • يقول الشيخ صالح آل الشيخ: الاسم يكون من أسماء الله الحسنى إذا اجتمعت فيه ثلاثة شروط، أو اجتمعت فيه ثلاثة أمور:
- الأول: أن يكون قد جاء في الكتاب والسنة، يعني نُصَّ عليه في الكتاب والسنة، نُصَّ عليه بالاسم لا بالفعل، ولا بالمصدر. - الثاني: أن يكون مما يُدْعَى الله -عز وجل- به لقوله -تعالى-: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} (الأعراف: 180). - الثالث: أن يكون متضمِّنا لمدحٍ كاملٍ مطلقٍ غير مخصوص.
باب الأسماء أضيق من باب الصفات
وهذا ينبني على فهم قاعدة أخرى من القواعد في منهج أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات وهي: أنَّ باب الأسماء الحسنى، أو باب الأسماء أضيق من باب الصفات، وباب الصفات أضيق من باب الأفعال، وباب الأفعال أضيق من باب الإخبار، وعكس ذلك. فتقول: باب الإخبار عن الله -عز وجل- أوسع، وباب الأفعال أوسع من باب الصفات، وباب الصفات أوسع من باب الأسماء الحسنى، وهذه القاعدة نفهم منها أنَّ الإخبار عن الله -عز وجل- بأنه «قَديمٌ بلا ابتدَاء»، لا بأس به؛ لأنه مشتمل على معنى صحيح، فلما قال: «قَديمٌ بلا ابتدَاء» انتفى المحذور، فصار المعنى حقًا، ولكن من جهة الإخبار، أما من جهة الوصف، وصف الله بالقدم فهذا أضيق؛ لأنه لا بد فيه من دليل.
اجتماع الشروط الثلاثة
وكذلك باب الأسماء، وهو تسمية الله بالقديم، هذا أضيق، فلابد فيه من اجتماع الشروط الثلاثة التي ذَكَرْتُ لك، والشروط الثلاثة غير منطبقة على اسم القديم، وعلى نظائره كالصانع، والمتكلم، والمريد، وأشباههم لأمور:
  • أولا: لم تَرِدْ في النصوص، فليس في النصوص اسم القديم، ولا اسم الصانع، ولا اسم المريد، ولا اسم المتكلم.
  • ثانيًا: اسم القديم لا يُدعى الله -عز وجل- به؛ أي: لا يُتوسل إلى الله به؛ لأنه في ذاته لا يحمل معنىً متعلقًا بالعبد فيسأل الله -عز وجل- به، فلا يقول: يا قديم أعطني، لأنه لا يُتوسل إلى الله بهذا الاسم، كما هي القاعدة في الآية: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} (الأعراف: 180)، فثَمَّ فرق ما بين التّوسل بالأسماء والتّوسل بالصفات.
  • ثالثًا: من الشروط: التي ذكرناها هي أن تكون مشتملة على مدحٍ كاملٍ مطلق غير مختص، وهذا نعني به أنَّ أسماء الله -عز وجل- هي متضمنة لصفات. وهذه الأسماء لابد أن تكون متضمنةً للصفات الممدوحة على الإطلاق، غير الممدوحة في حال، والتي قد تذم في حال، أو ممدوحة في حال وغير ممدوحة في حال، أو مسكوت عنها في حال. وذلك يرجع إلى أنَّ أسماء الله -عز وجل- حسنى، أي: أنها بالغة في الحسن نهايتَه. ومعلوم أن حُسن الأسماء راجع إلى ما اشتملت عليه من المعنى وما اشتملت عليه من الصفة.
الكمال مطلقًا بلا تقييد وبلا تخصيص
والصفة التي في الأسماء الحسنى والمعنى الذي فيها لابد أنْ يكون دالًا على الكمال مطلقًا بلا تقييد وبلا تخصيص، فمثل اسم القديم، هذا لا يدلّ على مدحٍ كامل مطلق، ولذلك لما أراد المصنف أنْ يجعل اسم القديم، أو صفة القِدم مدحًا قال: «قَديمٌ بلا ابتدَاء»، وحتى الدائم هنا قال: «دَائمٌ بلا انْتهاء»، لكن لفظ القديم قيّده بكونه (بلا ابتدَاء)، وهذا يدل على أن اسم القديم بحاجة إلى إضافة كلام حتى يُجعل حقًا وحسنًا ووصفًا مشتملًا على مدح حق. ا.هـ.
  • قوله: وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: «والذي نفس محمد بيده، لتقومن الساعة و«قد نشر الرجلان» ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُما لا يَتَبَايَعَانِهِ ولا يَطْويَانِهِ، ولَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرفَ الرَّجُلُ بِلبنِ لَقْحَتِهِ من تَحْتِها، وقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ إلى فِيهِ لا يَطْعَمُها» الحديث.
اللِّقْحة: الناقة الحلوب الغزيرة اللبن.
المعنى العام للحديث
بيان سرعة قيام الساعة، وأنها تقوم بغتةً تفجأ الناس وهم في حياتهم اليومية، في البيع والشراء والأكل والشرب والزراعة وهكذا.
  • قوله: «ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه»، وللبيهقي في البعث من طريق محمد بن زياد عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: «ولتقومن الساعة على رجلين قد نشر بينهما ثوبًا يتبايعانه، فلا يتبايعانه ولا يطويانه».
  • قوله: «ولتقومن الساعة» قَسَمٌ من النبي - صلى الله عليه وسلم - واللام هنا للقسم. (وهو) أي: الرجل.
  • قوله: «يليط حوضه» بفتح أوله من الثلاثي وبضمه من الرباعي، والمعنى يُصْلِحهُ بالطين والْمَدَر، فيسُدّ شُقوقه ليملأه، ويسقى منه دوابه، يقال: لاط الحوض يليطه، إذا أصلحه بالمدر ونحوه.
  • قوله: «ولتقومن الساعة وقد رفع أُكْلَتَهُ» بالضم، أي: لقمته إلى فيه.
  • قوله: «فلا يطعمها» أي: تقوم الساعة من قبل أن يضع لُقمته في فيه، أو من قبل أن يمضغها، أو من قبل أن يبتلعها.
  • قوله: «ولَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرفَ الرَّجُلُ بِلبنِ لَقْحَتِهِ من تَحْتِها»، وهي الناقة ذات الدَّر، وهذا كله إشارة إلى أن القيامة تقوم بغتة وأسرع من رفع اللقمة إلى الفم.
فوائد الإيمان باليوم الآخر وأثره على المؤمن
  • من آمن باليوم الآخر استعد له، وجدَّ واجتهد في تحصيل ما ينفعه، والبعد عما يضره.
  • الحرص على عدم الانتقال من هذه الدار إلى دار القرار إلا بعمل صالح، وزاد صالح.
  • الاطمئنان واليقين بعدل الله -تعالى-، وأنه -سبحانه- سوف يجازي الخلائق، حتى يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء.
  • الزهد في هذه الدنيا وعدم الحرص عليها، والرغبة فيما عند الله -تعالى- من النعيم المقيم.
  • عدم الحزن على ما يفوت من هذه الدنيا، وكذا عدم الفرح بما يحصل منها، على اعتبار أن هذا وهذا من الله -تعالى-، وهو لاختبار العبد ومعرفة ما يقابل الابتلاء بالمصيبة، وما يقابل الابتلاء بالنعمة.
  • ومما ذكره الحليمي من فوائد الإيمان باليوم الآخر: «قلة الركون إلى الدنيا، والتهاون بأحزانها ومصائبها، والصبر عليها وعلى مضض الشهوات؛ احتسابًا وثقة بما عند الله -تعالى- من حسن الجزاء والثواب».
فوائد الحديث
  • إن أحوال الناس ستبقى كما هي من حيث البيع والشراء ورعاية الأنعام.
  • ظاهر الحديث يشعر أن هؤلاء حثالة الناس كل لكع بن لكع، بدليل انشغالهم بأمور الدنيا مع رؤيتهم لعلامات الساعة الكبرى التي تسبق قيام الساعة، ورغم ورود أحاديث كثيرة في فضل العبادة بأيام الهرج والفتنة.
  • دقة وصف الحديث لحياة الناس وانقضاء أمر الدنيا؛ حيث وصف الرسول - صلى الله عليه وسلم - أدق تفاصيل الحياة اليومية.
  • القسم لتأكيد الأمور المهمة وبيان عظمتها للناس.
  • تلقي الصحابة -رضوان الله عليهم- علوم الغيب دون السؤال والاستفسار، اللهم إلا السؤال الذي يقصد به طلب السلامة وملازمة طريق الهدى، مثلما وقع في سؤالهم عن الصلاة وأوقاتها في اليوم الذي يخرج فيه الدجال، وهو يومٌ كسنةٍ، ومثلما وقع في أسئلة حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - كقوله: كان الناس يسألون عن الخير، وكنت أسأل عن الشر مخافة أن يدركني.



اعداد: د. عبدالرحمن الجيران






ابوالوليد المسلم 02-10-2025 01:42 PM

رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان
 
شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان .. السَّابِعُ مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ .. الْإِيْمَانُ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ


  • يظهر الفرق والتغابن جليا بين الخلائق إذا وقعت الواقعة لأنها ترفع أقواما إلى أعلى عليين وتخفض أقواما إلى أسفل سافلين
  • مع الإيمان بالبعث يترسخ في نفس المؤمن اعتقاده بقدرة الله تعالى الذي يعيد الأرواح بزجرة واحدة
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن عاقل عالي الهمة، يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها؛ فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف كثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعّم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
الشُعَبة السابعة من شعب الْإِيْمَانِ هي: الْإِيْمَانُ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، لِقَوْلِهِ -تعالى-: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ} (التغابن:7)، وَلِقَوْلِهِ -تعالى-: {قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ} (الجاثية:26)، وَلِحَدِيْثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضي الله عه - فِي الصَّحِيْحِ فِي حَدِيْثِ الإْيْمَانِ: الْإِيْمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلاَئِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَبِالْبَعْثِ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ، وَبِالْقَدَرِ كُلِّه.
الشرح
  • قوله: (الإيمان بالبعث بعد الموت)، يعني: اليقين الجازم الذي لا يتطرق إليه شك، بأن الله -تعالى- سوف يبعث الخلائق بعد موتهم عند قيام الساعة، وهو ركن من أركان أعمال القلب، وهو تبع للإيمان باليوم الآخر، لقوله -تعالى-: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ} (التغابن:7). يقول الطبري في تفسيره: القول في تأويل قوله -تعالى-: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} (التغابن:7)، يقول -تعالى- ذكره: زعم الذين كفروا بالله أن لن يبعثهم الله إليه من قبورهم بعد مماتهم. وكان ابن عمر يقول: زعم: كنية الكذب. وقوله: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ}، يقول لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: قل لهم يا محمد: بلى وربي لتبعثن من قبوركم، {ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ}، يقول: ثم لتخبرنّ بأعمالكم التي عملتموها في الدنيا، {وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}، يقول: وبَعْثُكم من قبوركم بعد مماتكم على الله سهل هَيِّنٌ.
ولقوله -تعالى-: {قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ} (الجاثية: 26)، يقول الطبري في تفسيره للآية: يقول -تعالى- ذكره لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - قل يا محمد لهؤلاء المشركين المكذّبين بالبعث، القائلين لك: ائتنا بآبائنا إن كنت صادقًا، اللهُ أيها المشركون يحييكم ما شاء أن يحييكم في الدنيا، ثم يميتكم فيها إذا شاء، ثم يجمعكم إلى يوم القيامة، يعني أنه يجمعكم جميعًا أوّلكم وآخركم، وصغيركم وكبيركم {إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} يقول: ليوم القيامة، يعني أنه يجمعكم جميعًا أحياء ليوم القيامة {لَا رَيْبَ فِيهِ} يقول: لا شكّ فيه: فلا تَشُكُّوا في ذلك، فإن الأمر كما وصفت لكم: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}. يقول: ولكن أكثر الناس الذين هم أهل تكذيب بالبعث، لا يعلمون حقيقة ذلك، وأن الله محييهم من بعد مماتهم ا.هـ. قوله: ولحديث عمر بن الخطاب ت في الصحيح في حديث الإيمان: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث من بعد الموت وبالقدر كله».
  • قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وبالبعث من بعد الموت»، زَادَ فِي التَّفْسِير لفظ «الْآخِر»، وَلِمُسْلِمٍ فِي حَدِيث عُمَر: «وَالْيَوْم الْآخِر» فَأَمَّا الْبَعْث الْآخِر، فَقِيلَ: ذَكَرَ الْآخِر تَأْكِيدًا، كَقَوْلِهِمْ: أَمْس الذَّاهِب، وَقِيلَ: لِأَنَّ الْبَعْث وَقَعَ مَرَّتَيْنِ: الْأُولَى: الْإِخْرَاج مِنْ الْعَدَم إِلَى الْوُجُود، أَوْ مِنْ بُطُون الْأُمَّهَات بَعْد النُّطْفَة وَالْعَلَقَة إِلَى الْحَيَاة الدُّنْيَا، وَالثَّانِيَة: الْبَعْث مِنْ بُطُون الْقُبُور إِلَى مَحَلّ الِاسْتِقْرَار، وَأَمَّا الْيَوْم الْآخِر: فَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ آخِر أَيَّام الدُّنْيَا؛ أَوْ آخِر الْأَزْمِنَة الْمَحْدُودَة، وَالْمُرَاد بِالْإِيمَانِ بِهِ وَالتَّصْدِيق بِمَا يَقَع فِيهِ مِن الْحِسَاب وَالْمِيزَان وَالْجَنَّةِ وَالنَّار. وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيح بِذِكْرِ الْأَرْبَعَة بَعْد ذِكْر الْبَعْث فِي رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ، وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَيْضًا.
أدلة البعث في القرآن
ساق الحليمي أدلة محسوسة على البعث والنشور ومنها: (1) الإحـالـة على القـدرة: فقـوله -تعالى-: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (الأحقاف: 33). (2) الأرض تكون حية تنبت وتثمر وتموت، فتصير إلى ألا تنبت وتبقى خاشعة هامدة. فأما حياتها؛ فإنها تكون عند سخونة الهواء التي جاورتها وإسخانه إياها، وانسياق الماء إليها وترطيبه لها. وأما موتها فإنما يكون عند إسخان الشمس إياها من غير ما تصل إليها؛ لأنها تصير كالفخار. (3) احتج على عباده بقوله -تعالى-: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ} (البقرة: 28). يعني نطفًا في الأصلاب والأرحام، فجعلكم منها بشرًا تنتشرون. وقال: {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (21) إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} (المرسلات). (4) قوله-تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ} (الأنعام: 95) وذلك أن الحب إذا جف ويبس بعد انتهاء تمامه ووقوع الناس من ازدياده. وكذلك النوى إذا تناهى عظمه، وجف ويبس؛ كانا مسببين، ثم إنهما إذا أودعا الأرض الحية فلقهما الله -تعالى-، وأخرج منهما ما يشاهد من النخيل والزرع حبا ينشأ ويثمر. (5) ما أراه إبراهيم -صلوات الله عليه- لما قال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} (البقرة: 260)، فأمره الله أن يأخذ أربعة من الطيور، فيقطعهن، ويجعل على كل جبل منهن جزءًا ثم يدعوهن. فرجع كل جزء إلى مثله، حتى يلتئم جملة ذلك الطير، ويرد الله الحياة إليها، ويأذن له في إحيائه، فيأتينه سعيًا. (6) الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها! وكان معه حمار، وركوة عصير، وسلة تين، على ما جاءت به الأخبار؛ {فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يومًا أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام}. (7) عصا موسى -عليه السلام- فإن الله -تعالى- قال لموسى: {قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} (طه)، ثم إن فرعون جمع له السحرة، فألقوا حبالهم وعصيهم، وخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، فقال الله-تعالى-: {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا} (طه: 69)، فلما ألقاها تلقفت حبالهم وعصيهم، ثم عادت كما كانت. فليس لأحد أن يستبعد مع هذا إحياء الله -تعالى- للأموات وبعثهم. (8) أصحاب الكهف فإنهم كانوا بين ظهرانَي قوم يكذبون بالبعث، فضرب الله على آذانهم في الكهف ثلاثمائة وتسع سنين، ثم أقامهم، وأعثر قومهم عليهم؛ ليعلموا بحفظ الله -تعالى- أجسادهم مع فقدهم الغذاء تلك المدة الطويلة، وصيانة شعرهم وبشرهم مع ذلك عن أن تأكلها الأرض، وكل ذلك خارج عن العادة، دل ذلك على أن الله -تعالى- قادر على إحياء الموتى وإعادة الأجسام الهامدة كما كانت، وإن كان ذلك مفارقًا للعادة. ا.هـ
فوائد الإيمان بالبعث
  • مع الإيمان بالبعث يترسخ في نفس المؤمن اعتقاده بقدرة الله -تعالى-، الذي يعيد الأرواح بزجرة واحدة، والبعث هو إحياء الخلائق جميعًا بعد النفخة الثانية، قال -تعالى-: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} (الزمر: 68).
  • الاستعداد ليوم البعث بالإيمان بالله والعمل الصالح.
  • تعظيم ذلك اليوم في قلب المؤمن والخوف منه، قال -تعالى-: {خَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} (النور: 37).
  • تمييز إيمان المؤمن من عناد الكافرين وإلقائهم لاستبعاد دعوة الرسل -عليهم السلام- حين قالوا: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (الجاثية: 25).
  • يظهر الفرق والتغابن جليا بين الخلائق إذا وقعت الواقعة؛ لأنها خافضة رافعة؛ بحيث يُرفع أقوامٌ إلى أعلى عليين، ويُخفض أقوام إلى أسفل سافلين، والعاقل البصير يحرص على أن يكون في زمرة الأولين من أهل الإيمان والعمل الصالح.




اعداد: د. عبدالرحمن الجيران






ابوالوليد المسلم 08-10-2025 11:44 PM

رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان
 
شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان .. الثَّامِنُ مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: الْإِيْمَانُ بِحَشْرِ النَّاسِ بَعْدَمَا يُبْعَثُوْنَ مِنْ قُبُوْرِهِمْ إِلَى الْمَوْقِفِ


  • أصحاب الكبائر أَمْرُهم إلى الله تعالى فإن عفا عنهم مبتدئًا وإن شاء شفَّع فيهم نبيهم وإن شاء أمر بإدخالهم النار وكانوا معذبين بها مدة
  • وصفَ الله تعالى يوم القيامة بأنه يوم عظيم ويوم مشهود لأن الخلائق كلها تشهد هذا اليوم
  • من فوائد الإيمان بالحشر بعد البعث أن المؤمن لا يتجرأ على عصيان الله تبارك وتعالى
  • السؤال هل الملائكة يحاسبون في الآخرة وهل يثابون؟ فهذه المسائل التي لا ينبني عليها عمل ولم يأمرنا الشرع بها فليست من مسائل الأصول
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
  • الثَّامِنُ مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: الْإِيْمَانُ بِحَشْرِ النَّاسِ بَعْدَمَا يُبْعَثُوْنَ مِنْ قُبُوْرِهِمْ إِلَى الْمَوْقِفِ، لِقَوْلِهِ -تعالى-: {أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (المطففين)، وَلِحَدِيْثِ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ فِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ: «يَقُوْمُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِيْنَ: حَتَّى يَغِيْبُ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ».
الشرح
  • قوله: «الْإِيْمَانُ بِحَشْرِ النَّاسِ بَعْدَمَا يُبْعَثُوْنَ مِنْ قُبُوْرِهِمْ إلَى الْمَوْقِفِ»، الحشر لغة: حشَرَهُم يَحشُرُهم ويحشِرُهم حشرًا: جمعهم والحشْرُ، جمع الناس ليوم القيامة.
  • وقوله: «الإيمان بحشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم إلى الموقف»، يعني: بعد إحياء الموتى من قبورهم، وإعادة الأرواح إلى أجسادهم، يقوم الناس لرب العالمين، ثم يحشرون ويجمعون في مكان واحد، حفاة غير منتعلين، عراة غير مستترين، غرلًا غير مختونين، وهو ركن من أركان أعمال القلب تبع للإيمان باليوم الآخر.
  • قوله: «لقوله -تعالى-: {أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (المطففين)، دليل من القرآن على الحشر، يقول ابن كثير: قال -تعالى- متوعدًا لهم: {أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ} (المطففين، أي: أما يخافُ أولئك من البعث والقيام بين يَدَي من يعلم السرائر والضمائر، في يوم عظيم الهول، كثير الفزع، جليل الخَطْب، من خسر فيه؛ أُدخل نارًا حامية؟!
  • قوله: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}، أي: يقومون حُفاة عراة غُرلًا في موقف صعب حَرج ضيق ضنك على المجرم، ويغشاهم من أمر الله ما تَعْجزُ القوى والحواس عنه.
  • قوله: ولحديث عبدالله بن عمر في صحيح مسلم: «يقوم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه»، الرَّشْحُ نَدَى العَرَقِ على الجَسَد، يقال: رَشَحَ فلانٌ عَرَقًا.
  • قال الإمام مالك: عن نافع، عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه، وقال القاضي: يحتمل أن المراد عرق نفسه وغيره، ويحتمل أن المراد عرق نفسه خاصة.
فوائد الإيمان بالحشر بعد البعث
(1) المؤمن لا يتجرأ على المعاصي؛ لإيمانه بالحشر بعد البعث، في حين أن الكافر يتجرأ على المعاصي؛ حيث إنه غير مؤمن بالبعث والنشور بين يدي الله -تعالى-. (2) شدة يوم القيامة، وشدة الحر، مع شدة الأهوال، حتى إن بعض الناس يغيب في عرقه إلى أنصاف أذنيه. (3) وصف الله -تعالى- يوم القيامة بأنه يوم عظيم، ويوم مشهود؛ لأن الخلائق كلها تشهد هذا اليوم.
مسائل وفوائد ذكرها الحليمي
ومن المسائل والفوائد التي ذكرها الحليمي والمتعلقة بالحشر ما يلي: حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم إلى المواقف التي بيَّن لهم من الأرض؛ فيقومون ما شاء الله -تبارك وتعالى-، فإذا جاء الوقت الذي يريد الله به محاسبتهم، أمر بالكتب التي كتبها الكرام الكاتبون، تذكر فيها أعمال الناس، فمنهم من يُؤتى كتابه بيمينه، أولئك هم السعداء، ومنهم من يؤتى كتابه بشماله، أو وراء ظهره، وهؤلاء هم الأشقياء. وقد أخبر الله -جل ثناؤه- أن المحاسبة تكون بمشهد النبيين والشهداء، فقال -جل وعلا-: {وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} (الزمر: 69). أنواع الناس في الحساب: الحساب -وإن كان الله -تعالى- ذكره جملة، وكذلك جاء ذكره في كثير من الأخبار-، فإن في بعضها دلالة على أن كثيرًا من المؤمنين يدخلون الجنة بغير حساب، وهم المتوكلون، فصار الناس إذًا ثلاث فرق:
  • الأولى: فرقة لا تحاسَب أصلًا.
  • الثانية: فرقة تحاسَب حسابًا يسيرًا.
  • الثالثة: من يكون أدنى إلى رحمة الله فيدخله الجنة بغير حساب، وليس يبعد أن يكون من الكفار من يكون أدنى إلى غضب الله فيدخله النار بغير حساب.
وإذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقرير الأعمال، ليكون الجزاء بحسبها قال -جل ثناؤه-: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} (الأنبياء: 47).
هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟
وأورد هنا مسألة: هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟
  • فيقول الحليمي: ينبغي أن يقال: هل يُعَاقَبُ الكافر المنهمك في السيئات على كفره عقوبة أغلظ مما يعاقب به الكافر المجرِّد للكفر عن تلك السيئات؟، لأن كفره هو الذي حمله على ما اقترفه وجناه، ولا يعاقب على سيئة عقوبة مفردة، هو الذي يليق بأن الكفار مخاطبون بالشرائع.
وأما القول الآخر: فإنه إنما يليق بأن يكونوا غير مخاطبين بالشرائع حتى يؤمنوا، وفي القرآن ما يدل على أنهم مخاطبون بها مسؤولون عنها، محاسبون مجزيون على الإخلال بها؛ لأن الله -تعالى- يقول: {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} (فصلت)، فتوعدهم على منعهم الزكاة، وأخبر عن المجرمين أنه يقال لهم: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ}(المدثر: 42)، فيقولون: {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} (المدثر)، فبان بهذا أن المشركين مخاطبون بالإيمان بالبعث، وبإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأنهم مسؤولون عنها، محاسبون بها، مجزيون على ما أخلوا منها والله أعلم. ا.هـ
وزن الأعمال وطبقات الناس
كما أَورد مسألة أخرى وهي مسألة وزن الأعمال وطبقات الناس، فقال: فإن سأل سائل عن وزن الأعمال كيف يكون؟، فإنما الأعمال حركات الناس، وهي أعمال لا بقاء لها، وقال: كيف تبقى الأعمال إلى يوم القيامة وكيف يمكن وزنها؟ والعلماء بها على قولين:
  • الأول: ما يكون المراد من الوزن مقابلة الأعمال، ويتبين ما ينبغي أن يعامل به بيانًا ظاهرًا للملائكة والنبيين والشهداء، أو قد تدعو الحاجة في الدنيا إلى أن يعرف مقدار عمله، كالذي يحتاج إلى أن يعطي آخر مثله، فيقابل عمله ذلك بأمثاله من غير ميزان يكون التعديل به.
  • الثاني: أنه تكون هناك موازين بالحقيقة، لكل ميزان كفتان، إحداهما من نور والأخرى من ظلمة، كما جاءت به الأخبار، فالكفة المنيرة للحسنات، والكفة المظلمة للسيئات، ثم إن الناس يومئذ ثلاث طبقات:
- الطبقة الأولى: المؤمنون المتقون، وهم الذين يوافون يوم القيامة بلا كبائر الذنوب. - الطبقة الثانية: المؤمنون المخلِّطون، وهم الذين يوافون القيامة بالفواحش والكبائر. - الطبقة الثالثة: الكفار.
مسألة حكم أصحاب الكبائر
ومن المسائل التي أوردها الحليمي: مسألة حكم أصحاب الكبائر: فيقول: «إن سأل سائل عن أصحاب الكبائر من أهل القبلة إذا وافوا القيامة بلا توبة قدموا، ماذا يكون من أمرهم؟ قيل -وبالله التوفيق- أَمْرُهم إلى الله -تعالى-، فإن عفا عنهم مبتدئًا، وإن شاء شفَّع فيهم نبيهم، وإن شاء أمر بإدخالهم النار وكانوا معذبين بها مدة، ثم أمر بإخراجهم منها إلى الجنة، ولا يخلد في النار إلا الكفار. فإن سأل عن الدلائل على ما قلنا؟ أما الدليل على أن غير الكفار لا يخلدون في النار؛ فهو قول الله ﻷ: { بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة: 81)، فأخبر أن التخليد في النار إنما هو لمن أحاطت به خطيَّاته، والمؤمن صاحب الكبيرة والكبائر لم تحط به خطياته، لأن رأس الخطايا هو الكفر، وهو غير موجود منهم، فصح أنه لا يخلد في النار.
الملائكة يحاسبون في الآخرة؟
وأورد الحليمي مسألة: هل الملائكة يحاسبون في الآخرة وهل يثابون؟ والظاهر أن مثل هذه المسائل التي لا ينبني عليها عمل، ولم يأمرنا الشرع بها، فليست من مسائل الأصول، ولا من جملة التكاليف الشرعية المأمور بها كل مكلف، اللهم إلا أن يقال: إن إيراد هذه المسائل من باب تدريب طالب العلم، وتعويده على المسائل الجديدة، وكيفية تأصيلها والرد عليها، فقال الحليمي: «فإن سأل سائل عن الملائكة، هل تكتب أعمالهم ويحاسبون ويثابون؟ قيل له: أما كتابة أعمالهم فما يشبه أن تكون؛ لأن الملائكة هم الذين يكتبون أعمال الناس، ولو كُتِبَتْ أعمال الملائكة لاحتاج كل ملك إلى كاتب أو اثنين، وكذلك الكاتب إلى مثل ذلك إلى ما لا يتناهى، والقول بذلك فاسد، والمحاسبة أيضًا لا معنى لها؛ لأنهم لا يخلطون الحسنات بالسيئات، وما أكثر من لا يحاسب من بني آدم، فلا تكون الملائكة أولًا ولا أدنى منزلة منهم. وأما الإثابة، فقد قيل: يرفع التكليف عنهم؛ فيتنعمون بالراحة، ويتلذذون بالخفض والدعة، وليسوا من أهل المطاعم والمشارب، فيوردون موارد بني آدم من الجنة، ويحتمل أن يكون قد أوضع التكليف غيرهم نعمة أعدها الله لهم، ولا تبلغها أفهامنا وعقولنا، فإنه -تعالى- يقول على لسان الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»، وإذا جاز أن يُعد للناس مثل هذا الثواب المغيب، فأولى أن يكون ذلك للملائكة والله أعلم» ا.هـ كلام الحليمي.


اعداد: د. عبدالرحمن الجيران






ابوالوليد المسلم 15-10-2025 01:28 PM

رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان
 
شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان .. الثَّامِنُ مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: الْإِيْمَانُ بِحَشْرِ النَّاسِ بَعْدَمَا يُبْعَثُوْنَ مِنْ قُبُوْرِهِمْ إِلَى الْمَوْقِفِ


  • المؤذنون والمُلبّون يخرجون يوم القيامة من قبورهم فيؤذن المؤذن ويلبي الملبي وأول من يكتسي من حلل الجنة إبراهيم خليل الله ثم محمد صلى الله عليهما ثم النبيون والرسل صلوات الله عليهم
  • وصفَ الله تعالى يوم القيامة بأنه يوم عظيم ويوم مشهود لأن الخلائق كلها تشهد هذا اليوم
  • من فوائد الإيمان بالحشر بعد البعث أن المؤمن لا يتجرأ على عصيان الله تبارك وتعالى
  • عند طلوع الشمس من مغربها لا ينفع نفسًا إيمانها لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كل شهوة من شهوات النفس وتفتر كل قوة من قوى البدن
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
وقد تحدثنا في الحلقة الماضية عن الشعبة الثامنة من شعب الإيمان وهي الْإِيْمَانُ بِحَشْرِ النَّاسِ بَعْدَمَا يُبْعَثُوْنَ مِنْ قُبُوْرِهِمْ إِلَى الْمَوْقِفِ، لِقَوْلِهِ -تعالى-: {أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (المطففين)، وَلِحَدِيْثِ عبداللهِ بْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- فِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ: «يَقُوْمُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِيْنَ: حَتَّى يَغِيْبُ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ»، وذكرنا كلام الحليمي على مسائل عدة فيها واليوم نستكمل الحديث عن تلك المسائل.
باب طلوع الشمس من مغربها
يقول القرطبي في باب طلوع الشمس من مغربها، وإغلاق باب التوبة: (روى مسلم) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرًا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض». وقال: «وإنما لا ينفع نفسًا إيمانها عند طلوعها من مغربها؛ لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كل شهوة من شهوات النفس، وتفتر كل قوة من قوى البدن، فيصير الناس كلهم لإيقانهم بدنو القيامة في حال من حضره الموت في انقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم، وبطلانها من أبدانهم، فمن تاب في مثل هذه الحال؛ لم تقبل توبته، كما لا تقبل توبة من حضره الموت».
علامات الساعة الكبرى والصغرى
وأورد الحليمي شرحًا وافيًا لعلامات الساعة الكبرى والصغرى، ونذكرها اختصارًا؛ حيث قال: أما انتهاء الحياة الأولى، فإن له مقدمات تسمى أشراط الساعة، وهي أعلامها: منها خروج الدجال، ونزول عيسى -صلوات الله عليه- وقتله الدجال، ومنها خروج يأجوج ومأجوج، ومنها خروج دابة الأرض، ومنها طلوع الشمس من مغربها، فهذه هي الآيات العظام. وأما ما تقدم هذه، من قبض العلم، وغلبة الجهل، واستعلاء أهله، وتتبع الحُكْم، وظهور المعازف، واستفاضة شرب الخمور، واكتفاء النساء بالنساء، والرجال بالرجال، وإطالة البنيان، وزخرفة المساجد، وإمارة الصبيان، ولعن آخر الأمة أولها، وكثرة الهرج، فإنها أسباب حادثة، ورواية للأخبار المنكِرة بها بعدما صار الخبر عيانًا، إلا أنها في الجملة إعلام للساعة.
أول الآيات الخسوفات
ورجَّح القرطبي أن أول الآيات الخسوفات، فإذا نزل عيسى -عليه السلام-، وقتل الدجال، خرج حاجا إلى مكة، فإذا قضى حجه انصرف إلى زيارة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، فإذا وصل إلى قبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أرسل الله عند ذلك ريحًا عنبرية؛ فتقبض روح عيسى -عليه السلام- ومن معه من المؤمنين، فيموت عيسى -عليه السلام- ويدفن مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في روضته، ثم تبقى الناس حيارى سكارى، فيرجع أكثر أهل الإسلام إلى الكفر والضلالة، ويستولي أهل الكفر على من بقي من أهل الإسلام، فعند ذلك تطلع الشمس من مغربها، وعند ذلك يرفع القرآن من صدور الناس ومن المصاحف، ثم تأتي الحبشة إلى بيت الله فينقضونه حجرًا حجرًا، ويرمون بالحجارة في البحر ثم تخرج حينئذ دابة الأرض تكلمهم، ثم يأتي دخان يملأ ما بين السماء والأرض، فأما المؤمن فيصيبه مثل الزكام، وأما الكافر والفاجر فيدخل في أنوفهم فيثقب مسامعهم، ويُضَيِّق أنفاسهم».
النفخ في الصور
يقول الحليمي: «وإذا انقضت الأشراط، وجاء الوقت الذي يريد الله -تعالى- إماتة الأحياء من سكان السماوات والبحار والأرضين، أمر إسرافيل -وهو أحد حملة العرش وصاحب اللوح المحفوظ- ينفخ في الصور، يروى أن -رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: كيف أنعم؟ أو قال كيف أضحك؟، وصاحب القرن قد التقمه، وحَنَى ظهره ينتظر متى يؤمر ينفخ، فإذا نُفِخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض، إلا من شاء الله». وقد سَمَّى الله -تعالى- الصور باسمين: أحدهما الصور، والآخر الناقور، وذلك قوله -تعالى-: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ} (المدثر)، وقول المفسرين: إنه الصور، والظاهر أن الصور وإن كان هو الذي ينفخ فيه النفخات جميعًا؛ فإن الإصعاق يخالف صيحة الإحياء. فإذا مات الأحياء كلهم تُركوا أربعين سنة، ثم نفخ في الصور نفخة الإحياء، واتفقت الروايات على أن بين النفختين أربعين، وقال العلماء: هي أربعون سنة، وذلك -والله أعلم- بعد أن يجمع الله -تعالى- ما تَفَرَّقَ من أجساد الناس من بطون السباع، وحيوانات الماء، وبطن الأرض، وما أصابت النيران منها بالحرق، والمياه، وما أبْلَتْه الشمس، وذرته الرياح، فإذا جمعها وأكمل كل بدن منها ولم يبق إلا الأرواح، جمع الأرواح في الصور، وأمر إسرافيل -صلوات الله عليه- بنفخة من نفث الصور، فأرجع كل روح إلى جسده بإذن الله -تعالى-. فإذا أكمل الله -تعالى جَدُّه- للأجساد على ما هو أعلم به من صفة إكمالها، إلا أنها بعد تراب، ففيه بعض الأخبار: أن الله -تعالى- يمطر عليهم من تحت العرش فتنموا به أجسادهم، وإذا أحيا الله -تبارك وتعالى- الناس كلهم، قاموا بمجلس ينظرون ما يُراد بهم، لقوله: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} (الزمر: 68). وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ، رَاغِبِينَ، رَاهِبِينَ، وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَيَحْشُرُ بَقِيَّتُهُمْ النَّارُ، تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا»، فيحتمل أن يكون قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يحشر الناس على ثلاث طرائق»، إشارة إلى: الأبرار، والمخلصين، والكفار.
سماع الصيحة وهم أموات
يقول الحليمي: «إن سأل سائل عن قول الله -تعالى-: {يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ} (ق: 42)، فقال: إنما تكون الصيحة للخروج وهم أموات، فكيف يسمعونها؟ قيل: إن نفخة الإحياء تميد وتطول، فكانت أوائلها للإحياء، وما بعدها للإزعاج من القبور، فما كان للإحياء فإنهم لا يسمعونه، وما كان للإزعاج فهم يسمعونه، ويحتمل أن تتطاول تلك النفخة كما ذكرت، والناس يحسبون منها أولًا فأول، وكلما حيي واحد سمع ما يحيى به لمن بعده إلى أن يتكامل إحياء الجميع والله أعلم».
أول من يُكسى يوم القيامة
يقول الحليمي: روى عباد بن كثير عن أبي الزبير عن جابر قال: إن المؤذنين والملبين يخرجون يوم القيامة من قبورهم، فيؤذن المؤذن، ويلبي الملبي، وأول من يكتسي من حلل الجنة إبراهيم خليل الله ثم محمد صلى الله عليهما، ثم النبيون والرسل -صلوات الله عليهم-، ثم يكسى المؤذنون، وتتلقاهم الملائكة على نجائب من ياقوت أحمر، أزمتها من زبرجد أخضر رجالها من اللهب، ويشيعهم من قبورهم تسعون ألف ملك إلى المحشر، وفي رواية أخرى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنكم تحشرون حفاة عراة غُرلًا، فأول من يكسى إبراهيم، ثم أوتى بحلة لا يقوم بها البشر».
تبدل الأرض يوم القيامة
يقول الحليمي: «إنها تُبدَّل، بمعنى أن أعراضها وصفاتها تُغَير، فإنها ذات جبال وتلال، وروابي وأكام، وأودية ووهاد، وغدران وأشجار وبنيان، فتُزَال هذه كلها، ويُسَوَّى بعضها ببعض، ثم تُمَدُّ مَدَّ الأديم، فتزيد بذلك سعتها فتتمكن الخلائق -من الأولين والآخرين- من الوقوف عليها، وعلى هذا معنى قوله ﻷ: {وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} (الانشقاق)، قال ابن كثير: «{وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ} أي: بُسطت وفرشت وَوُسِّعَت، و{ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} أي: ألقت ما في بطنها من الأموات، وتخلت منهم».
البحار يوم القيامة
يقول الحليمي: «ووصف الله -تعالى- هذا اليوم بأن البحار تُسجَّر وتُفجَّر منه، فقال في سورة: {وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ} (الانفطار: 3)، فقيل: إن معنى سجرت وفجرت واحد.»
انشقاق السماء
وقد وصف الله -تعالى- هذا اليوم بأن السماء تنشق منه، وتُكَوَّر الشمس فقال -سبحانه-: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا} (الفرقان:25)، يقول السعدي: «يخبر -تعالى- عن عظمة يوم القيامة وما فيه من الشدة والكروب، ومزعجات القلوب، فقال: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ} وذلك الغمام الذي ينزل الله فيه، ينزل من فوق السماوات، فتنفطر له السماوات وتَشقَّق، وتنزل ملائكة كل سماء، فيقفون صفًا صفًا، إما صفًا واحدًا محيطًا بالخلائق، وإما كل سماء يكونون صفًا، ثم السماء التي تليها صفًا وهكذا»، وقيل إن السماء إنما تنشق لما يخلص إليها من حر جهنم، وذلك إذا بطلت المياه، وبرزت النيران، فأول ذلك أنها تصير حمراء صافية كالدهن، وتنشق لما يريده الله -تعالى- من نقص هذا العلم ورفعه.
طي السماوات
يقول الحليمي: وقد أخبر الله -تعالى- أن السماوات يوم القيامة مطويات بيمينه: {وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} (الزمر: 67)، وقال: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} (الأنبياء: 104).
طول يوم القيامة
قال الحليمي: ووردت الأخبار بأن الناس يطول عليهم القيام في ذلك اليوم، فإنه يوم القيامة وقد وصفه الله -تعالى- بذلك، فقال: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (المطففين: 6)، فإذا ضجروا وجهدوا، سألوا أباهم آدم -صلوات الله عليه- أن يشفع إلى الله -جل ثناؤه- فيقضي فيهم قضاءه، فيحيلهم على نوح، ونوح يدلهم على إبراهيم، وإبراهيم يدلهم على موسى، وموسى -عليه السلام- يدلهم على عيسى، وعيسى -عليه السلام- يحيلهم على محمد -صلى الله عليهم وسلم- أجمعين؛ فيسجد نبينا المصطفى تحت العرش، ويحمد الله ويثني عليه بما هو أهله، ولا يزال ساجدًا إلى أن يقال له: ارفع رأسك، وسل تعطى، واشفع تشفع، فيسأل الله -تعالى- أن يحاسب عباده، ويقضي فيهم قضاءه، فيأمر الله -جل ثناؤه- عند ذلك أن يحضر النبيون، وكُتَّاب الأعمال، وهم الكرام الكاتبون والمعنيون بالشهداء، في قوله -تعالى-: {وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ} (الزمر: 69) فحوسب الناس.


اعداد: د. عبدالرحمن الجيران






ابوالوليد المسلم 21-10-2025 05:23 PM

رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان
 
( شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان ) التَّاسِعُ مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: الْإيْمَانُ بِأَنَّ دَارَ الْمُؤْمِنِيْنَ وَمَأْوَاهُمْ الْجَنَّة وَدَارُ الْكَافِرِيْنَ وَمَأْوَاهُم النَّار


  • لـمّا كان الكفار يستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم ويكذبونه أراه الله تعالى النار التي أعدها للمستخفّين به وبأمره تطييبًا لقلبه وتسكينًا لفؤاده
  • المؤمن على يقين بما أعده الله تعالى لعباده الصالحين وهذا يجعله يجتهد في عبادته لله تعالى وإحسانه فيها
  • من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار قد خُلقتا خلافًا للمعتزلة المنكرين لخلقهما
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
التَّاسِعُ مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ هو الْإيْمَانُ بِأَنَّ دَارَ الْمُؤْمِنِيْنَ وَمَأْوَاهُمْ الْجَنَّة وَدَارُ الْكَافِرِيْنَ وَمَأْوَاهُم النَّار، لِقَوْلِهِ -تعالى-: {بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة)، وَلِحَدِيْثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّحِيْحَيْنِ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، يُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ -تعالى- إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
الشرح:
  • قوله: «الإيمان بأن دار المؤمنين ومأواهم الجنة»: وهو ركن تَبَعٌ للإيمان باليوم الآخر من أعمال القلب.
وقوله: (دار) الدار المنزل اعتبارًا بدورانها الذي لها بالحائط، وقيل: دارة وجمعها ديار، ثم تسمى البلدة دارًا، والصِّقع دارًا، والدنيا -كما هي- دارًا، والدار الدنيا، والدار الآخرة، إشارة إلى المَقَرَّينِ في النشأة الأولى، والنشأة الأخرى.
  • قوله: (دار المؤمنين)، أي: مقر المؤمنين في الآخرة.
  • قوله: (ومأواهم): المأوى مصدر أوى يأوى أويا ومأوى، تقول: أوى إلى كذا، انضم إليه، قال ﻷ: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ} (الكهف:10) وقال -تعالى-: {قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ}.
قوله: (الجنة): كل بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرض، والجنان سبعٌ؛ جنة الفردوس، وعدن، وجنة النعيم، ودار الخلد، وجنة المأوى، ودار السلام، وعليون.
  • قوله: (ودار الكافرين ومأواهم النار) أي: مقر الكافرين في الآخرة النار وبئس المصير.
  • قوله: لقوله -تعالى-: {بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة:)، يقول ابن كثير في تفسيره للآية: يقول -تعالى-: ليس الأمر كما تمنيتم، ولا كما تشتهون، بل الأمر: أنه من عمل سيئة وأحاطت به خطيئته، -وهو من وافى يوم القيامة وليس له حسنة، بل جميع عمله سيئات-؛ فهذا من أهل النار، والذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات -من العمل الموافق للشريعة-؛ فهم من أهل الجنة.
  • قوله: «ولحديث ابن عمر في الصحيحين: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله -تعالى- إليه يوم القيامة».
معنى الحديث
يقول العلامة ابن عثيمين في الجنة والنار: «الجنة لغة: البستان الكثير الأشجار، وشرعًا: الدار التي أعدها الله في الآخرة للمتقين، والنار لغة: معروفة، وشرعًا: الدار التي أعدها الله في الآخرة للكافرين، وهما مخلوفتان الآن لقوله -تعالى- في الجنة: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} (آل عمران: 133)، وفي النار: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} (البقرة: 24)، وقد تمَّ الانتهاء منهما؛ لأن الإعداد: التهيئة، ولقوله صلى الله عليه وسلم حين صلى صلاة الكسوف: «إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقودًا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار فلم أر كاليوم منظرًا قط أفظع منها» متفق عليه.
قوله: (عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ)
قال المباركفوري: «أَيْ: أُظْهِرَ لَهُ مَكَانُهُ الْخَاصُّ مِن الْجَنَّةِ وَالنَّارِ»، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: «ثم قيل هذا العرض إنما هو على الرُّوحِ وحده، ويجوز أن يكون مع جزء من البدن، ويجوز أن يكون عليه مع جميع الجسد، فيرد إليه الروح كما ترد عند المسألة حين يقعده الملكان، ويقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، وكيفما كان فإن العذاب محسوس، والألم موجود، والأمر شديد، وقد ضرب بعض العلماء لتعذيب الروح مثلًا في النائم، فإن روحه تعذب أو تنعم في أجواف طير سود بشيء من ذلك». وقال أيضًا: «وهذه حالة مختصة بغير الشهداء، وفي صحيح مسلم عن مسروق قال: سألنا عبدالله بن مسعود عن هذه الآية: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} (آل عمران: 169)، فقال: أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيء نشتهي، ونحن نسرح في الجنة حيث نشاء؟ ففعل بهم ذلك ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يُتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب نريد أن ترجع أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا».
قوله: (إِنْ كَانَ): أَيْ الْمَيِّتُ.
  • قوله: (مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ): قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ: التَّقْدِيرُ. إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمَقْعَدٌ مِنْ مَقَاعِدِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَالْجَنَّةُ. أَيْ فَالْمَعْرُوضُ الْجَنَّةُ.
  • قوله: (هَذَا) أَيْ: الْمَقْعَدُ الْمَعْرُوضُ عَلَيْك. قوله: (مَقْعَدُك حَتَّى يَبْعَثُك اللَّهُ... إِلَخْ)، قَالَ اِبْنُ التِّينِ مَعْنَاهُ: أَيْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ. قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ يَحْيَى ابْنِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ: حَتَّى يَبْعَثَك اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ اِبْنُ عبدالْبَرِّ: وَالْمَعْنَى حَتَّى يَبْعَثَك اللَّهُ إِلَى ذَلِكَ الْمَقْعَدِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إِلَى اللَّهِ، فَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ اِنْتَهَى. وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ: «ثُمَّ يُقَالُ هَذَا مَقْعَدُك الَّذِي تُبْعَثُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، اِنْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ.
حكمة رؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- للجنة والنار
وقد ذكر القرطبي فوائد وحكم مترتبة على رؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- للجنة والنار وهي:
  • الفائدة الأولى: إن الكفار لما كانوا يستهزئون به ويكذبونه في قوله، ويؤذيه أشد الأذى، أراه الله -تعالى- النار التي أعدها للمستخفين به وبأمره، تطييبًا لقلبه، وتسكينًا لفؤاده.
  • الفائدة الثانية: الإشارة في ذلك إلى أن من طيّب قلبه في شأن أعدائه بالإهانة والانتقام، فالأولى أن يطيب قلبه في شأن أوليائه وأحبابه بالتحية والشفاعة والإكرام.
  • الفائدة الثالثة: ويحتمل أن عرضها عليه ليعلم مِنَّة الله -تعالى- حين أنقذهم منها ببركته وشفاعته.
  • الفائدة الرابعة: ويحتمل أنَّ عَرْضها عليه ليكون في القيامة إذا قال سائر الأنبياء: نفسي نفسي، يقول نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- : أمتي أمتي، وذلك حين تسجر جهنم، ولذلك أمر الله ﻷ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - فقال -جل من قائل-: {يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ} (التحريم: 8) الآية.
  • الفائدة الخامسة: أن سائر الأنبياء لم يروا قبل يوم القيامة شيئًا منها، فإذا رأواها جزعوا، وكفت ألسنتهم عن الخطيئة والشفاعة من هولها، وشغلتهم أنفسهم عن أممهم، وأما نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد رأى جميع ذلك فلا يفزع منه، مثل ما فزعوا، ليقدر على الخطبة، وهو المقام المحمود الذي وعده به ربه -تبارك وتعالى- في القرآن المجيد وثبت في صحيح السنة.
  • الفائدة السادسة: فيه دليل فقهي على أن الجنة والنار قد خُلقتا، خلافًا للمعتزلة المنكرين لخلقها، وهو يجري على ظاهر القرآن في قوله -تعالى-: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} (آل عمران: 133) {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} (البقرة: 24)، والإعداد دليل الخلق والإيجاد.
  • الفائدة السابعة: ويحتمل أنه أراه إياها ليعلم خِسَّة الدُّنيا في جنب ما أراه، فيكون في الدنيا أزهد وعلى شدائدها أصبر، حتى يؤديه إلى الجنة، فقد قيل: حبذا محنة تؤدي بصاحبها إلى الرخاء، وبؤسًا لنعمة تردي بصاحبها إلى البلاء.
  • الفائدة الثامنة: ويحتمل أن الله -تعالى- أراد ألا يكون لأحد كرامة إلا يكون لمحمد -صلى الله عليه وسلم- مثلها، ولما كان لإدريس -رحمه الله- كرامة الدخول إلى الجنة قبل يوم القيامة، أراد الله -تعالى- أن يكون ذلك لصفيه ونجيه وحبيبه وأمينه على وحيه محمد - صلى الله عليه وسلم - وكرَّم وعظَّم وبجَّل ووقَّر، قال ذلك جميعه الحافظ ابن دحية -رحمه الله -تعالى- في كتاب: (الابتهاج في أحاديث المعراج).
فوائد الإيمان بالجنة والنار
  • خلق الله -تعالى- الجنة والنار وفرغ منهما -جل وعلا-.
  • إثبات عذاب القبر ونعيمه.
  • المؤمن على يقين بما أعده الله -تعالى- لعباده الصالحين، وهذا يجعله يجتهد في عبادته لله -تعالى- وإحسانه فيها.
  • استمرار عذاب القبر لمن يستحقه إلى يوم القيامة، وذلك من خلال رؤية نار جهنم ومكانه منها، وهذا يجعل المؤمن يخاف من عذاب القبر وأسبابه.
  • استمرار نعيم القبر لمن يستحقه إلى يوم القيامة، وذلك من خلال رؤية الجنة ومكانه منها.

اعداد: د. عبدالرحمن الجيران






ابوالوليد المسلم 04-11-2025 05:14 PM

رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان
 
شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان: الْعَاشِرُ مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: الْإِيْمَانُ بِوُجُوْبِ مَحَبَّةِ اللَّهِ -تعالى-


  • محبّة الله عزوجل تقتضي حُسن الانقياد له تعالى بإيقاع كل حركة على مقتضى تعظيمه وإجلاله والحياء منه وهذا يشمل حركة القلب واللسان والأركان
  • من محبة الله عز وجل اعتقاد أنه سبحانه محمود من كل وجه فلا شيء من صفاته إلا وهو مدح له واعتقاد أنه مُحسن إلى عباده وأنه متفضل عليهم
  • التوبة النصوح هي توثيق بالعزم على ألَّا يعود لمثله قال ابن عباس ]: التوبة النصوح الندم بالقلب والاستغفار باللسان والإقلاع بالبدن والإضمار على ألَّا يعود
  • الإيمان له حلاوة وطعم يُذاق بالقلوب كما يذاق حلاوة الطعام والشراب بالفم فالإيمان غذاء القلوب وقوتها كما إن الطعام والشراب غذاء الأبدان وقوتها
  • التوبة وتكرارها مما يحبه الله تعالى من عباده جميعًا لأنه سبحانه دعاهم إليها جميعًا ورغبهم فيها وحثهم عليها وهي من أسباب محبة الله تعالى
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
الْعَاشِرُ مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: الْإِيْمَانُ بِوُجُوْبِ مَحَبَّةِ اللَّهِ -عز وجل- لِقَوْلِهِ -تعالى-: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ} (البقرة:165)، وَلِحَدِيْثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ -رضي الله عنه - فِي الصَّحِيْحَيْنِ: «ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيْهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاَوَةَ الْإِيْمَانِ، أَنْ يَكُوْنَ اللهُ وَرَسُوْلُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سُوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُوْدَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُوْقَدَ لَهُ نَارٌ فَيُقْذَفَ فِيْهَا، وَبِهِ أَنْبَأَنَا الْبَيْهَقِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عبدالرَّحْمَنِ السُّلْمِيَّ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أبا نَصْر الطُّوسِيّ يقول: سمعت جَعْفَرًا الْخُلدِيَّ يقول: سمعت الْجُنيد يقول: قال رجلٌ لِسَريٍّ السَّقَطِيَّ: كَيْفَ أَنْتَ؟ فَأَنْشْأَ يَقُوْلُ:
مَنْ لَمْ يَبِتْ والْحُب حَشْوُ فُؤَادِهِ
لَمْ يَدْرِ كَيْفَ تُفَتَّتُ الأَكْبَادُ
وَبِهِ أَنْبَأ أبو عبدالرَّحْمَنِ السُّلِمَيّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نَصْرِ مُحَمَّدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيْل قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الشِّيرَازِيّ الْوَاعِظ قَالَ: سَمِعْتُ أَبا دُجَانَةَ يَقُوْلُ: كَانت رَابِعَةُ إذَا غَلَبَ عَلَيْهَا حَالُ الْحُبِّ تَقُوْلُ:
تَعْصِي الإله وأَنْت تُظْهِرُ حُبَّهُ
هذا مُحَالٌ في الفِعَال بَدِيعُ
لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لأطَعْتَهُ
إن المُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ
الشرح:
  • قوله: (الإيمان بوجوب محبة الله -عز وجل-)، في اللغة نقول: وَجَب الشَّيْءُ يَجِب وُجُوبًا لَزِم، واسْتَوْجَبَه اسْتَحَقَّه، والحُبُّ نَقِيضُ البُغْضِ والحُبُّ الودادُ والمَحَبَّةُ، وهو واجب وقد يقع به الشرك مثل قوله -تعالى-: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ} (البقرة: ١٦٥)، وهو من حركة القلب، وتظهر آثارها على الجوارح، فمن أحب الله ظهر أثر ذلك على عمله، ومن أحب غير الله - كحب الأنداد والشركاء- ظهر أثر ذلك على جوارحه أيضًا.
قوله: (قال -تعالى-: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ} (البقرة: ١٦٥)، قال الطبري: يعني -تعالى- ذكره بذلك: أنّ من الناس من يتخذ من دون الله أندادًا له، وأن الذين اتخذوا هذه «الأنداد» من دُون الله، يحبون أندادهم كحب المؤمنين الله. ثم أخبرَهم أن المؤمنين أشد حبًّا لله من متخذي هذه الأنداد لأندادهم، ذلك لأن محبة هؤلاء باطلة من أصلها، وستنقطع يوم القيامة، وتنقلب إلى عداوة قال -تعالى-: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} (البقرة: 166)، وقال: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ} (فاطر: 14)، وقال: {وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا} (العنكبوت: 25).
حقيقة محبة الله -عزوجل-
ومما ذكره الحليمي في محبة الله -عزوجل-:
  • اعتقاد أنه -عز اسمه- محمود من كل وجه لا شيء من صفاته إلا وهو مدح له.
  • اعتقاد أنه محسن إلى عباده وأنه متفضل عليهم.
  • الإحسان الواقع منه أكبر وأجل من أن يقضي قول العبد وعمله.
  • ألا يستقل العبد قضاياه، ولا يستكبر تكاليفه.
  • أن يكون في عامة الأوقات مشفقًا وجلًا من إعراضه عنه وسلبه معرفته التي أكرمه بها، وتوحيده الذي حلاه وزينه به.
  • أن تكون آماله معقودة به، وألَّا يرى في حال من الأحوال أنه غني عنه.
هذا بعض ما ذكره الحليمي في محبة الله -عزوجل-، ومحبة الله -عز وجل- تقتضي حسن الانقياد له -تعالى- بإيقاع كل حركة على مقتضى تعظيمه وإجلاله والحياء منه، وهذا يشمل حركة القلب واللسان والأركان.
  • قوله: (ولحديث أنس بن مالك ت في صحيح مسلم: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن توقد له نار فيقذف فيها»).
المفردات
الحُلْو نقيض المُرّ، والحَلاوَة ضدُّ المَرارة. ولابن رجب كلام نفيس في توضيح معنى حلاوة الإيمان ومتى تكون؟، ومتى لا تكون؟
  • يقول ابن رجب: هذه الثلاث خصال من أعلى خصال الإيمان، فمن كمَّلها فقد وجد حلاوة الإيمان وطَعِم طعمه، فالإيمان له حلاوة وطعم يذاق بالقلوب كما يذاق حلاوة الطعام والشراب بالفم؛ فإن الإيمان هو غذاء القلوب وقوتها، كما إن الطعام والشراب غذاء الأبدان وقوتها، وكما إن الجسد لا يجد حلاوة الطعام والشراب إلا عند صحته، فإذا سقم لم يجد حلاوة ما ينفعه من ذلك، بل قد يستحلي ما يضره وما ليس فيه حلاوة لغلبة السقم عليه، فكذلك القلب إنما يجد حلاوة الإيمان من أسقامه وآفاته، فإذا سلم من مرض الأهواء المضلة، والشهوات المحرمة، وجد حلاوة الإيمان حينئذ، ومتى مرض وسقم لم يجد حلاوة الإيمان.
  • قوله: (وبه أنبأنا البيهقي قال: سمعت أبا عبدالرحمن السُّلَمِيَّ يقول: سَمِعْتُ أبا نَصْر الطُّوسِيّ يقول: سمعت جَعْفَرًا الْخُلدِيَّ يقول: سمعت الْجُنيد يقول: قال رجلٌ لِسَريٍّ السَّقَطِيَّ: كيف أنت فأنشأ يقول:
مَنْ لَمْ يَبِتْ والْحب حَشْوُ فُؤَادِهِ
لَمْ يَدْرِ كَيْفَ تُفَتَّتُ الأَكْبَادُ
أهمية محبة الله
قلت: في هذا البيت من الشعر بيان أهمية محبة الله، وأن من أحب الله على الحقيقة لم يذق مرارة الهوى وانفطار الكبد، وهذا البيت من الشعر والذي يليه ذكرهما الإمام البيهقي بإسناده عن كبار الصوفية، ومعلوم أن بعض الصوفية لهم شطحات كثيرة في العقيدة والعبادة والسلوك، إلا أن النقل عنهم في غير هذه الشطحات لا بأس به، وهذا ما درج عليه علماؤنا. فهذا الشيخ العلامة الألباني-رحمه الله- كثيرًا ما يردد حكمة جاءت من الصوفية -وهي قاعدة أصولية- وهي: من تعجّل الشيء قبل أوانه ابتلي بحرمانه، وهذه الحكمة وإن كان الصوفية يريدون بها حث المريد على أن يصبر مع شيخه ولا يعترض ولا يسأله حتى يحصل على منشور الولاية -وهذا على زعمهم الباطل- إلا إن الألباني -رحمه الله تعالى- يتمثل هذه الحكمة في نصيحة طلاب العلم الشرعي، السائرين على منهاج الكتاب والسنة، ألاّ يتعجلوا بتصدّر المجالس للفتوى؛ بل يصبروا، ويتقوا، ويجتهدوا في التحصيل حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
رد على من يزعم محبة الله -تعالى-
في هذا البيت رد على من يزعم محبة الله -تعالى- وهو قائم على معصية الله -تعالى-، فهذا محال في الفعل الواقع، وفي القياس، أما واقعًا؛ فالمؤمن كامل الإيمان لا يبقى في قلبه ميل لمعصية الله -تعالى-، ومقتضى القياس يقضي بعدم صحة هذه الدعوى، بدليل البيت الثاني، وهو لو كان حبك صادقًا لأطعت الله -تعالى- فيما يأمر ولا نتهيت عما نهاك عنه، إذ إن العرف والعادة تقضي بأن المحب لمن أحب مطيع.
كيف تحصل على محبة الله -عزوجل-؟
هذه طائفة من الخصال والصفات التي يتحصّل بها العبد على محبّة الله -تعالى-، إذا أخلص في هذا وأحسن في العمل، فإن الله -تعالى- لا يضيع أجر من أحسن عملًا، ومن هذه الصفات:
أولًا: الإحسان
جاء في القرآن العظيم ذكر صفات يحبها الله، ومنها الإحسان: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (البقرة: 195)، والإحسان: هو التحقق بالعبودية على مشاهدة حضرة الربوبية بنور البصيرة، أي رؤية الحق موصوفًا بصفاته بعين صفته، فهو يراه يقينًا ولا يراه حقيقة، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «كأنك تراه»، فمن اتصف بهذا الوصف الكريم لا تراه إلا محسنًا في جميع أقواله وأفعاله، وفي الشريعة: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك والإحسان وصف عام يشمل جميع وجوه الإحسان، سواء في عبادة العبد لربه ومولاه، أو معاملته مع الخلق، وإذا اتصف العبد بالإحسان، ولازمَ هذا واستمر عليه في حياته حتى أصبح سجية له وطبعًا وأخلص فيه لله -تعالى-، حاز منشور الولاية لله، وهذا خلق لا يقوى عليه إلا الخواص والأصفياء. يقول العلامة السعدي -رحمه الله تعالى-: «وهذا يشمل جميع أنواع الإحسان، لأنه لم يقيده بشيء دون شيء، فيدخل فيه الإحسان بالمال...، ويدخل فيه الإحسان بالجاه، بالشفاعات ونحو ذلك، ويدخل في ذلك الإحسان بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتعليم العلم النافع، ويدخل في ذلك قضاء حوائج الناس، من تفريج كرباتهم، وإزالة شداتهم، وعيادة مرضاهم، وتشييع جنائزهم، وإرشاد ضالهم، وإعانة من يعمل عملًا، والعمل لمن لا يحسن العمل ونحو ذلك، مما هو من الإحسان الذي أمر الله به، ويدخل في الإحسان أيضًا، الإحسان في عبادة الله -تعالى-، وهو كما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك».
ثانيًا: التوبة، قال -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} (البقرة: 222)
التوبة وتكرارها مما يحبه الله -تعالى- من عباده جميعًا؛ لأنه -سبحانه- دعاهم إليها جميعًا، ورغبهم بها، وحثهم عليها، وهي من أسباب محبة الله -تعالى-، وجاء في معنى التوبة أنها: الرجوع إلى الله بحل عقدة الإصرار عن القلب، ثم القيام بكل حقوق الرب. والتوبة النصوح: هي توثيق بالعزم على ألَّا يعود لمثله، قال ابن عباس - رضي الله عنه -: التوبة النصوح الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، والإقلاع بالبدن، والإضمار على ألَّا يعود. وقيل: التوبة في اللغة: الرجوع عن الذنب، وكذلك التوب، قال الله -تعالى-: {غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ}. وقيل التوب، جمع توبة. والتوبة في الشرع: الرجوع عن الأفعال المذمومة إلى الممدوحة، وهي واجبة على الفور عند عامة العلماء، قال ابن كثير: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} أي: من الذنب، وإن تكرر غشْيانه، فمن أراد محبة الله -تعالى-؛ فليجدد توبته، وليحقق أوبته إلى ربه قبل فوات وقتها، ووقتها العام: هو خروج الشمس من مغربها، ووقتها الخاص؛ إذا بلغت الروح الحلقوم.


اعداد: د. عبدالرحمن الجيران






ابوالوليد المسلم 13-11-2025 02:58 AM

رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان
 
شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان .. الحَادِي عَشَر مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: الْإِيْمَانُ بِوُجُوْبِ الْخَوْفِ مِنَ اللهِ -عز وجل-


  • من رحمة الله تعالى بنا أن أَطْلَع رسوله محمدًا على شيء من الغيب كالجنة والنار ثم أخبرنا - صلى الله عليه وسلم - بما رأى وذلك من أجل الاستعداد وأخذ الزاد والحذر من أسباب الهلاك
  • الخوف يستلزم الإيمان بلقاء الله عزوجل وأن يتجنب الإنسان محارم الله ويقوم بما أوجبه الله عليه خوفًا من عقاب الله تعالى
  • من رحمة الله تعالى أن أخفى علينا كثيرًا من علوم الغيب التي لو اطلعنا عليها لفسدت معايشنا واختلف حالنا
  • اتقاء النار قد يكون بالعمل القليل مع الإخلاص والخوف اللذين إذا اقترنا بالعمل اليسير فإنهما ينمّيانه ويزيدانه فيترتب على ذلك النجاة من المرهوب
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن عاقل عالي الهمة، يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعوم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
الحَادِي عَشَر مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ هو: الْإِيْمَانُ بِوُجُوْبِ الْخَوْفِ مِنَ اللهِ -عزوجل-، لِقَوْلِ الله -تعالى-: {فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (آل عمران: 175)، وَقَوْلِهِ -تعالى-: {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} (المائدة: 44)، وَقَوْلِهِ -تعالى-: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} (البقرة:40). وَقَوْلِهِ -تعالى-: {وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} (الأنبياء: 28)، وَقَوْلِهِ -تعالى-: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} (الأنبياء: 90)، وَقَوْلِهِ -تعالى-: {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} (الرعد: 21)، وقوله -تعالى-: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} (الرحمن: 46)، وَقَوْلِهِ -تعالى-: {ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} (إبراهيم: 14)، وَلِحَدِيْثِ عَدِي بْنِ حَاتِمٍ فِي الصَّحِيْحَيْنِ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشَقِّ تَمْرَةٍ»، وَلِحَدِيْثِ أَنَسٍ وَفِيْهِ: «لَوْ تَعْلَمُوْنَ مَا أَعْلَمُ؛ لَضَحِكْتُمْ قَلِيْلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيْرا»، وَعَاتَبَ رَجُلًا بَعْضُ إِخْوَانِهِ عَلَى طُوْلِ بُكَائِهِ، فَبَكَى ثُمَّ قَالَ:
بَكَيْتُ عَلَى الذُّنُوْبِ لِعِظْمِ جُرْمِي
وَحُقَّ لِكُلِّ مَنْ يَعْصِي الْبُكَاءُ
فَلَوْ كَانَ الْبُكَاءُ يَرُدُّ هَمِّي
لَأُسْعِدَتِ الدُّمُوْع مَعًا دِمَاء
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيْزِ لاَ يَجِفُّ فُوْهُ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ:
وَلاَ خَيْرَ فِي عَيْشِ امْرِئٍ لَمْ يكن
لَهُ مِنَ اللهِ فِي دَارِ الْقَرَارِ نَصِيْبُ
وَسَمَعَ أَبُو الْفَتْحِ الْبَغْدَادِيَّ هَاتِفًا يَهْتِفُ بِالشّونِيزِيَّة:
وَكَيْفَ تَنَامُ الْعَيْنُ وَهِيَ قَرِيْرَةٌ
وَلَمْ تَدْرِ فِي أَيِّ الْمَحَلَّيْنِ تَنْزِلُ
فَذَهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ.
الشرح:
  • قوله: «الإيمان بوجوب الخوف من الله -تعالى-».
الخوف: توقع مكروه عن أمارة مظنونة، أو معلومة. ويضاده: الأمن، ويستعمل ذلك في الأمور الدنيوية والأخروية.. والخوف من الله: يعني استشعار عظمته، والوقوف بين يديه، وأنه يعلم سر العبد وجهره.
الخوف أقسام
الخوف من أفضل مقامات الدين وأجلها، ولكنه في العموم على أقسام:
  • الأول: خوف السر وهو أن يخاف من غير الله أن يصيبه بما يشاء من مرض أو فقر أو قتل ونحو ذلك بقدرته ومشيئته، سواء ادعى أن ذلك كرامة للمخوف بالشفاعة، أو على سبيل الاستقلال؛ فهذا الخوف لا يجوز تعلقه بغير الله أصلًا؛ لأن هذا من لوازم الإلهية، فمن اتخذ مع الله ندا يخافه هذا الخوف فهو مشرك شركا أكبر.
  • الثاني: الخوف الذي يترك به الإنسان ما يجب عليه من الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بغير عذر إلا الخوف من الناس، فهذا محرم، وهو الذي جاء فيه الحديث: «إن الله -تعالى- يقول للعبد يوم القيامة: ما منعك إذا رأيت المنكر ألا تغيره؟ فيقول: يا رب خشيت الناس، فيقول: إياي كنت أحق أن تخشى».
  • الثالث: خوف وعيد الله الذي توعّد به العصاة، وهو الذي قال الله فيه: {ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} (إبراهيم: 14).
  • الرابع: وهو الخوف الطبيعي، كالخوف من عدو وسبع وهدم وغرق ونحو ذلك، فهذا لا يذم وهو الذي ذكره الله عن موسى -عليه الصلاة والسلام- في قوله: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (القصص: 21).
ثم ساق الإمام القزويني الآيات التي تبين الخوف، والخشية، والرهبة من الله -تعالى-، وهي قريبة من حيث المعنى، وها هي أسوقها مع تفسيرها كما أوردها القزويني -رحمه الله تعالى-.
  • قوله: «لقوله -تعالى-: {فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}» يقول العلامة السعدي: أي: فلا تخافوا المشركين أولياء الشيطان، فإن نواصيهم بيد الله، لا يتصرفون إلا بقدره، بل خافوا الله الذي ينصر أولياءه الخائفين منه المستجيبين لدعوته.
  • قوله: «وقوله -تعالى-: {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ}»، أي: لا تخافوا منهم وخافوني.
  • قوله: «وقوله -تعالى-: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}»، أي خافون. والرهب والرهبة: الخوف.
  • قوله: «وقوله -تعالى-: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}». وقال القرطبي: أي يفزعون إلينا فيدعوننا في حال الرخاء، وحال الشدة.
  • وقيل: المعنى يدعون وقت تعبدهم وهم بحال رغبة، ورجاء، ورهبة، وخوف؛ لأن الرغبة والرهبة متلازمان، وقيل: الرغب رفع بطون الأكف إلى السماء، والرهب رفع ظهورها.
  • قوله: «وقوله -تعالى-: {وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ}»، يقول الطبري: «وهم من خوف الله وحذار عقابه أن يحلّ بهم مشفقون، يقول: حذرون أن يعصوه ويخالفوا أمره ونهيه».
  • قوله: «وقوله -تعالى-: {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ}»، أي: يخافونه، فيمنعهم خوفهم منه، ومن القدوم عليه يوم الحساب؛ أن يتجرؤوا على معاصي الله، أو يقصروا في شيء مما أمر الله به خوفًا من العقاب، ورجاء للثواب، وهذا دليل من دلائل الإيمان. يقول القرطبي: «{وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} قيل: في قطع الرحم، وقيل: في جميع المعاصي، {وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ}، سوء الحساب الاستقصاء فيه والمناقشة، ومن نوقش الحساب عُذِّب.
  • قوله: «وقوله -تعالى-: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}»، يقول العلامة ابن عثيمين -رحمه الله تعالى-: «يعني أن من خاف المقام بين يدي الله يوم القيامة، فإن له جنتين.
الخوف يستلزم شيئين
وهذا الخوف يستلزم شيئين:
  • الشيء الأول: الإيمان بلقاء الله -عز وجل-؛ لأن الإنسان لا يخاف من شيء إلا وقد تيقنه.
  • والثاني: أن يتجنب محارم الله، وأن يقوم بما أوجبه الله خوفًا من عقاب الله -تعالى-، فعليه؛ يلزم كل إنسان أن يؤمن بلقاء الله -عز وجل- لقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} (الانشقاق: 6) وقال -تعالى-: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} (البقرة: 223)، وأن يقوم بما أوجبه الله، وأن يجتنب محارم الله، فمن خاف هذا المقام بين يدي الله -عز وجل- فله جنتان».
  • قوله: «وقوله -تعالى-: {ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ}»، أي: وعيدي هذا لمن خاف مقامي بين يدي يوم القيامة، وخشي من وعيدي، وهو تخويفي وعذابي.
  • قوله: «ولحديث عدي بن حاتم ت في الصحيحين: «اتقوا النار ولو بشق تمرة»».وهذا الحديث يفيد أن اتقاء النار قد يكون بالعمل القليل، لكن مع الإخلاص، والخوف، فالإخلاص والخوف إذا اقترنا بالعمل اليسير، فإنهما ينميانه ويزيدانه، فيترتب على ذلك النجاة من المرهوب.
  • قوله: «ولحديث أنس وفيه: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا».
وهذا الحديث يفيد أن من رحمة الله -تعالى- أن أخفى علينا كثيرًا من علوم الغيب التي لو اطلعنا عليها لفسدت معايشنا واختلف حالنا، ومن رحمة الله -تعالى- بنا أن أَطْلَع رسوله محمدًا على شيء من الغيب كالجنة والنار، حيث أخبرنا - صلى الله عليه وسلم - بما رأى، وذلك من أجل الاستعداد وأخذ الزاد والحذر من أسباب الهلاك.
  • قوله: وعاتب رجلًا بعضُ إخوانه على طول بكائه فبكى ثم قال:
بكيت على الذنوب لِعظْمِ جُرمي
وحُقَّ لكل من يعصي البكاءُ
فلو كان البكاء يرد هَمِّي
لأَسْعَدَتِ الدموعَ معًا دماءُ
فسبب بكائه، شعوره بما ارتكب من المعاصي، وخوفه من عقاب الله -تعالى- له، ولو أن البكاء يكشف عنه ما أهمّه من كثرة الذنوب لأسعدت الدماءُ الدموع أي نزلتا مختلطتين معا ولم تتأخر الأولى عن أختها، وهذه الحال هو غاية الحزن والهم والغم والوجد جراء الذنوب والمعاصي!
  • قوله: وكان عمر بن عبد العزيز لا يجف فوه من هذا البيت:
ولا خير في عيش امرىء لم يكن
له من الله في دار القرار نصيب
وكان الخليفة عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - الوَرِعُ شديدَ الخوف، كثيرَ البكاء، وكان يردد هذا البيت الذي يشير إلى أنه لا ينبغي لأحد أن يهنأ إذا لم يكن له في الجنة نصيب، فحياته في الدنيا لا خير فيها مهما ازدانت له الدنيا، ويلي هذا البيت:
فإن تعجب الدنيا أناسًا فإنها
قليل متاع والزوال قريب
  • قوله: وسمع أبو الفتح البغدادي هاتفًا يهتف بالشونيزية:
وكيف تنام العين وهي قريرة
ولم تدر في أي المحلين تنزل
فذهب عنه النوم».
هاتفًا يهتف: أي سمع صوتًا ينادي. الشونيزية: وهي مقبرة ببغداد بالجانب الغربي دفن فيها جماعة من الصالحين. ومعنى البيت كيف ينام الإنسان وهو مطمئن، مغمض الجفنين، وهو لا يدري إن كان مصيره إلى الجنة أم إلى النار، وكان عمر - رضي الله عنه - يقول: «لو نادى مناد كل الناس في الجنة إلا واحدًا، لظننت أني ذلك الواحد».


اعداد: د. عبدالرحمن الجيران






ابوالوليد المسلم 19-11-2025 10:42 AM

رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان
 
شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان: الثاني عشر من شعب الإيمان: الإيمان بوجوب الرجاء من الله -تعالى-


  • يشمل الرجاء العصاة الذين أسرفوا على أنفسهم فقد دعاهم الله تعالى إلى رجاء رحمته وعدم اليأس مهما بلغت ذنوبهم ولو كانت شركًا
  • الجمع بين الخوف والرجاء هو وصف الأنبياء وأتباعهم من الأولياء والأصفياء التزموه وماتوا عليه
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
الثاني عشر من شعب الإيمان: الإيمان بوجوب الرجاء من الله -تعالى-، لِقَوْلِهِ -تعالى-: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} (الإسراء: 57)، وقول الله -تعالى-: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} (الأعراف: 56)، وَقَوْلِ اللهِ -تعالى-: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر: 53)، وَقَوْلِ اللهِ -تعالى-: { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} (النساء: 48 و 116)، وَلِحَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - فِي الصَّحِيْحَيْنِ»لوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الْعُقُوْبَةِ؛ مَا طَمَعَ بِجَنَّتِهِ أَحَد، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ؛ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَد»، وَلِحَدِيْثِ جَابِرٍ - رضي الله عنه - فِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ: «لاَ يَمُوْتُنَّ أَحَدَكُمْ إلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَ بِاللهِ -عزوجل-»، وَحَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - فِي الصَّحِيْحَيْنِ «يَقُولُ اللهُ -عز وجل-: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِيْنَ يَذْكُرُنِي» وَذَكَرَ الْحَدِيْثَ. وأنشد أبو عثمان سعيد بن إسماعيل:
ما بال دينك ترضى أن تُدَنِّسَهُ
هوان ثوبك مغسول من الدَّنَسِ
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها
إن السفينة لا تجري على اليَبَسِ
الشرح:
-قوله: الإيمان بوجوب الرجاء من الله -عزوجل-، الرجاء: لُغَةً: الأَمَلُ وعُرْفًا: تَعَلُّقُ القَلْب بحُصولِ مَحْبوبٍ مُستَقْبَلًا، وقال الراغِب: والرجاء ظن يقتضي حصول ما فيه مسرة، والرجاء والخوف سبيل المؤمن وطريقه في عبادة ربه وفي سَيْرِه في حياته، بل ويشمل الرجاء العصاة الذين أسرفوا على أنفسهم؛ فقد دعاهم الله -تعالى- إلى رجاء رحمته وعدم اليأس مهما بلغت ذنوبهم ولو كانت شركًا، والرجاء يكون مع بذل أسباب النجاة، وليس العكس. وقد اختلف العلماء في أيهما يُغَلَّب: الخوف أم الرجاء؟ هل يُغَلِّبُ العبد جانب الرجاء، أو يُغَلِّب جانب الخوف؟ والتحقيق أن ذلك على حالين:
  • الحال الأولى: الأولى: إذا كان العبد في حال الصحة والسلامة، فإنه إما أن يكون مسددًا مسارعًا في الخيرات، فهذا ينبغي أن يتساوى في قلبه الخوف والرجاء، فيخاف ويرجو؛ لأنه من المسارعين في الخيرات وإذا كان في حال الصحة والسلامة، وكان من أهل العصيان، فالواجب عليه أن يُغَلِّب جانب الخوف حتى ينكف عن المعصية.
  • الحال الثانية: إذا كان في حال المرض المخوف، فإنه يجب عليه أن يعظم جانب الرجاء على الخوف، فيقوم في قلبه الرجاء والخوف، ولكن يكون رجاؤه أعظم من خوفه؛ وذلك لقول النبي -عليه الصلاة والسلام: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه -تعالى-»، وذلك من جهة رجائه في الله -عزوجل-.
مما قيل في الرجاء
  • الرجاء حادٍ يحدو القلوب إلى بلاد المحبوب، وهو الله والدار الآخرة، ويُطَيِّب لها السير.
  • الاستبشار بجود فضل الرب -تبارك وتعالى- والارتياح لمطالعة كرمه -سبحانه-.
  • الثقة بجود الرب -تعالى-.
  • وقيل: النظر إلى سعة رحمة الله.
وهذه المعاني متقاربة من حيث المعنى، وهي من دلائل الإيمان.
  • قوله: لقوله -تعالى-: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا}، قال ابن كثير: لا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء؛ فبالخوف يَنْكَفُّ عن المناهي، وبالرجاء ينبعث على الطاعات، وبهذا يتوازن فعل العبد بلا إفراط ولا تفريط.
  • قوله: وقول الله -تعالى-: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}، يقول القرطبي: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا}، أَمْرٌ بأن يكون الإنسان في حال ترقب وتخوف وتأميل لله -عز وجل-؛ حتى يكون الرجاء والخوف للإنسان كالجناحين للطائر، يحملانه في طريق استقامته، وإن انفرد أحدهما هلك الإنسان، قال الله -تعالى-: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} (الحجر).
فيدعو الإنسان ربه خوفًا من عقابه، وطمعًا في ثوابه، قال الله -تعالى-: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} (الأنبياء: 90)، وقال بعض أهل العلم: ينبغي أن يَغْلبَ الخوفُ الرجاءَ طول الحياة، فإذا جاء الموت غَلَّب الرجاء، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله»، وفي الحديث الآخر عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ»، وهذا يؤيد تغليب الرجاء في حال الاحتضار والموت.
  • قوله: وقول الله -تعالى-: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، يقول العلامة السعدي -رحمه الله تعالى-: «يخبر -تعالى- عباده المسرفين بسعة كرمه، ويحثهم على الإنابة قبل ألا يُمْكِنهم ذلك؛ فقال: {قل} يا أيها الرسول، ومن قام مقامه من الدعاة لدين اللّه، مخبرًا للعباد عن ربهم: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ} باتباع ما تدعوهم إليه أنفسهم من الذنوب، والسعي في مساخط علام الغيوب.
لا تيأسوا منها
لا تيأسوا منها، فتلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وتقولوا قد كثرت ذنوبنا، وتراكمت عيوبنا، فليس لها طريق يزيلها، ولا سبيل يصرفها، فتبقون بسبب ذلك مصرين على العصيان، متزودين ما يغضب عليكم الرحمن، ولكن اعرفوا ربكم بأسمائه الدالة على كرمه وجوده، واعلموا أنه يغفر الذنوب جميعًا من الشرك، والقتل، والزنى، والربا، والظلم، وغير ذلك من الذنوب الكبار والصغار، والمغفرة والرحمة، وصفان لازمان ذاتيان، لا تنفك ذاته عنهما، ولم تزل آثارهما سارية في الوجود، مالئة للموجود، تَسِحُّ يداه من الخيرات آناء الليل والنهار، ويوالي النعم على العباد، والفواضل في السر والجهار، والعطاء أحب إليه من المنع، والرحمة سبقت الغضب وغَلَبَتْه، ولكن لمغفرته ورحمته ونيلهما أسباب إن لم يأت بها العبد، فقد أغلق على نفسه باب الرحمة والمغفرة، أعظمها وأجلها -بل لا سبب لها غيره- الإنابة إلى الله -تعالى- بالتوبة النصوح، والدعاء والتضرع، والتأله والتعبد، فَهَلُمَّ إلى هذا السبب الأجلّ، والطريق الأعظم، فهذه معانٍ عظيمة، من تأملها من العصاة وجد فيها الأمن والملاذ، والسلامة والعافية، في الدين والدنيا.
أسباب مغفرة الذنوب
فالذنوب التي دون الشرك قد جعل الله لمغفرتها أسبابًا كثيرة، كالحسنات الماحية، والمصائب المكفرة في الدنيا، والبرزخ، ويوم القيامة، وكدعاء المؤمنين بعضهم لبعض، وبشفاعة الشافعين، ومن فوق ذلك كله رحمته التي أحق بها أهل الإيمان والتوحيد، وهذا بخلاف الشرك، فإن المشرك قد سد على نفسه أبواب المغفرة، وأغلق دونه أبواب الرحمة، فلا تنفعه الطاعات من دون التوحيد، ولا تفيده المصائب شيئًا، وما لهم يوم القيامة {فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ}»(الشعراء) قال -تعالى-: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا} (الفرقان: 23). قلت: يظهر من كلام العلماء أن الشرك يحتاج إلى توبة خاصة منه حتى يُتاب عليه.
أثر الرجاء على المؤمن
  • الرجاء والخوف يجعلان المؤمن يسير بحياته سيرًا متوازنًا، فلا النعمة تطغيه، ولا الابتلاء يقنطه.
  • الرجاء الصحيح يجعل المؤمن يحافظ على الأوامر ويترك النواهي.
  • الرجاء يتحتم في آخر الحياة وقت الاحتضار والموت؛ حيث يقوى الرجاء، ويزول الخوف حتى يكون الظن بالله حسنًا.
  • الجمع بين الخوف والرجاء هو وصف الأنبياء وأتباعهم من الأولياء والأصفياء، التزموه وماتوا عليه.
  • يقوى رجاء المؤمن حين يتدبر آثار صفة الرحمة لله -تعالى-، وما أعده من الشفاعة العظمى ليوم القيامة.



اعداد: د. عبدالرحمن الجيران






ابوالوليد المسلم 26-11-2025 01:49 PM

رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان
 
شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان.. الثالث عشر من شعب الإيمان: الإيمان بوجوب التوكل على الله-عزوجل-


  • لا يتم الاعتماد على الله حتى يحسن العبدُ ظَنَّهُ بربِّه ويثق به في كفايته وبحسب إيمان العبد يكون توكله فكلما قوي الإيمان قوي التوكل
  • الطِّيَرَةُ مُضَادَّةٌ للفَأْلِ وكانَت العَرَبُ تتطير فأَثْبَتَ النبي - صلى الله عليه وسلم - الفأْلَ واسْتَحْسَنَه وأَبْطَلَ الطَّيَرَةَ ونَهَى عنها
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف كثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
  • الثالث عَشَرَ مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: الإيمان بوجوب التوكل على الله -عزوجل-؛ لِقَوْلِهِ -تعالى-: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (التغابن: 13)، وَقَوْلِهِ -تعالى-: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (آل عمران: 173)، وَقَوْلِهِ -تعالى-: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (المائدة: 23)، وقوله -تعالى-: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} (الطلاق: 3)، ولحديث ابن عباس - رضي الله عنه - في الصحيحين في سؤال أصحابه له عن السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب، في حديث طويل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «هم الذين لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون»، فقام عكاشة بن محصن الأسدي - رضي الله عنه - فقال: أنا منهم يا رسول الله؟ فقال: «أنت منهم»، ثم قام رجل آخر فقال: أنا منهم يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟، فقال: «سبقك بها عكاشة»، وجملة التوكل تفويض الأمر إلى الله -تعالى- والثقة به مع ما قدر له من التسبب.
الحثّ على التوكل والاستغناء عن الناس
ففي الصحيحين أيضًا من حديث الزبير - رضي الله عنه -: «لأن يأخذ أحدكم حبله ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيستغني بها؛ خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه»، وفي صحيح البخاري من حديث المقدام بن معدي كرب - رضي الله عنه -: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يديه، قال: وكان داود لا يأكل إلا من عمل يديه»، وبه أنبأنا البيهقي قال: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني جعفر بن محمد بن نصير قال: حدثني الجنيد قال: سمعت السري يذم الجلوس في المسجد الجامع ويقول: جعلوا المسجد الجامع حوانيت ليس لها أبواب، وبه أنبأنا البيهقي بإسناده عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قال: دينك لمعادك، ودرهمك لمعاشك، ولا خير في امرئ بلا درهم، وبه أنبأنا البيهقي قال: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني جعفر بن محمد الخواص قال: أنبأنا إبراهيم ابن نصر المنصوري قال: سمعت إبراهيم بن بشار -خادم إبراهيم بن أدهم- قال: سمعت أبا علي الفضيل بن عياض يقول لابن المبارك: أنت تأمرنا بالزهد والتقلل والبلغة، ونراك تأتي بالبضائع من بلاد خراسان إلى البلد الحرام كيف ذا وأنت بخلاف ذا؟! فقال ابن المبارك: يا أبا علي: أنا أفعل ذا لأصون بها وجهي، وأكرم بها عرضي، وأستعين بها على طاعة ربي، لا أرى لله حقًا إلا سارعت إليه حتى أقوم به. فقال له الفضيل: يا ابن المبارك ما أحسن ذا إن تم ذا.
الشرح
  • قوله: (الإيمان بوجوب التوكل على الله -عز وجل-)، والتوكل واجب، وقد يقع فيه الشرك، وهو عمل قلبي، ولا ينافي اتخاذ الأسباب، لقول عمر الفاروق -جوابًا لعبد الرحمن بن عوف -: (نَفِرُّ من قدر الله إلى قدر الله)، والإسلام رغَّب في بذل الأسباب، وحث عليها، بل ورتب عليها الأجر، فمن سعى للكسب ليعف نفسه عن السؤال، فهو مأجور على سعيه، قال -تعالى-: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا} (الإسراء: 19).
  • التوكل لغة: إظهار العجز والاعتماد على الغير. وشرعًا: هو الثقة بما عند الله -تعالى-، واليأس مما في أيدى الناس. ويقال: المتوكل على الله، الذي يعلم أن الله كافل رزقه وأمره فيركن إليه وحده ولا يتوكل على غيره. يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب: «التوكل على الله من أعظم واجبات التوحيد والإيمان، وبحسب قوة توكل العبد على الله؛ يقوى إيمانه، ويتم توحيده، والعبد مضطر إلى التوكل على الله والاستعانة به في كل ما يريد فعله أو تركه من أمور دينه أو دنياه.
حقيقة التوكل على الله
  • وحقيقة التوكل على الله: أن يعلم العبد أن الأمر كله لله، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه هو النافع ، المعطي المانع، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، فبعد هذا العلم يعتمد بقلبه على ربه في جلب مصالح دينه ودنياه، وفي دفع المضار، ويثق غاية الوثوق بربه في حصول مطلوبه، وهو مع هذا باذل جهده في فعل الأسباب النافعة. فمتى استدام العبد هذا العلم، وهذا الاعتماد والثقة، فهو المتوكل على الله حقيقة، وليبشر بكفاية الله له ووعده للمتوكلين، ومتى علق ذلك بغير الله فهو مشرك، ومن توكل على غير الله، وتعلق به، وُكِلَ إليه وخاب أمله».
قوله: لقوله -تعالى-: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}
يقول العلامة السعدي -رحمه الله تعالى-: «أي: فليعتمدوا عليه في كل أمر نابهم، وفيما يريدون القيام به، فإنه لا يتيسر أمر من الأمور إلا بالله، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالاعتماد على الله، ولا يتم الاعتماد على الله، حتى يحسن العبدُ ظَنَّهُ بربِّه، ويثق به في كفايته الأمر الذي اعتمد عليه به، وبحسب إيمان العبد يكون توكله، فكلما قوي الإيمان قوي التوكل». قوله: وقوله -تعالى-: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}، قال القرطبي: «أي: كافينا الله، وحسب مأخوذ من الإحساب، وهو الكفاية، قال الشاعر:
فتملَأُ بيتنا أَقِطا وسَمْنا
وحسبك من غنى شبع وري
روى البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال في قوله -تعالى-: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} (آل عمران: 173) إلى قوله: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (آل عمران: 173) قالها إبراهيم الخليل -عليه السلام- حين أُلْقِيَ في النار. وقالها محمد - صلى الله عليه وسلم - حين قال له الناس: إن الناس قد جمعوا لكم».
  • قوله: وقوله -تعالى-: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين}، يقول العلامة السعدي -رحمه الله -تعالى-: «فإن في التوكل على الله تيسيرًا للأمر، ونصرًا على الأعداء، ودل هذا على وجوب التوكل، وعلى أنه بحسب إيمان العبد يكون توكله»، وقوله: وقوله -تعالى-: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ}، قال الطبري: «يقول -تعالى- ذكره: ومن يتق الله في أموره، ويفوّضها؛ إليه؛ فهو كافيه».
سؤال الصحابة عن السبعين ألفًا
  • قوله: (ولحديث ابن عباس - رضي الله عنه - في الصحيحين في سؤال أصحابه له عن السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب في حديث طويل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هم الذين لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن الأسدي ت فقال: أنا منهم يا رسول الله، فقال: أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: أنا منهم يا رسول الله، فقال: سبقك بها عكاشة)، وجاء في شرح الحديث لا يكتوون: الكيّ: إحراق الجلد بحديدة ونحوها، كواه كَيّا، وفي المثل: «آخر الطبّ الكَيّ». واكتوى الرجل: استعمل الكَيّ، ولا يسترقون: ورَقى الراقي يَرْقي رُقْيَةً ورَقْيًا: إذا عَوَّذَه، وصاحِبُه رَقّاءٌ. والمَرْقِيُّ: مسْترقٍ.
ولا يتطيرون: الطِّيَرَةُ مُضَادَّةٌ للفَأْلِ، وكانَت العَرَبُ تتطير، فأَثْبَتَ النبي - صلى الله عليه وسلم - الفأْلَ واسْتَحْسَنَه، وأَبْطَلَ الطَّيَرَةَ ونَهَى عنها، وقال ابنُ الأَثِيرِ: هو مصدر، تَطَيَّرَ طِيَرَةً وتَخَيَّرَ خِيَرَةَ لم يجئ من المصادِرِ هكذا غَيرُهما قال: أَصلُه فيما يقال التّطَيُّرُ بالسّوانِحِ والبَوَارِحِ من الظِّباءِ والطَّيْرِ وغيرهما، وكان ذلك يَصُدُّهم عن مَقَاصِدِهم فنفاه الشَّرْعُ وأَبطلَه، ونهى عنه، وأَخبَرَ أَنه ليس له تأَْثيرٌ في جَلْبِ نَفْعٍ ولا دَفْعِ ضَرَرٍ.


اعداد: د. عبدالرحمن الجيران






ابوالوليد المسلم 02-12-2025 05:40 PM

رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان
 
https://al-forqan.net/wp-content/upl...08/مختصر-0.jpg


شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان… الثالث عشر من شعب الإيمان: الإيمان بوجوب التوكل على الله-عزوجل-(2)


  • تحقيق مقام التوكل بعد بذل الأسباب يجعل المؤمن هادئ النفس مطمئن القلب ينتظر الفرج من عند الله وكُلَّه شوق إليه
  • بذل أسباب السلامة في الدنيا جزء من التوكل وكذلك بذل أسباب السلامة في الآخرة فالمؤمن يعمل لدنياه ويعمل لأخراه
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، فقد عزف كثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعّم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
  • أسباب كراهة الرُقية والكيّ مع التوكل: قال ابن حجر : أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة: أحدها - قاله الطبري والمازري وطائفة: إنه محمول على من اعتقد اعتقاد الطبائعيين، في أن الأدوية تنفع بطبعها، كما كان أهل الجاهلية يعتقدون، وقال غيره: الرقى التي يحمد تركها، ما كان من كلام الجاهلية، وما الذي لا يعقل معناه، لاحتمال أن يكون كفرا، بخلاف الرقى بالذكر ونحوه، وتعقبه القاضي عياض وغيره بأن الحديث يدل على أن للسبعين ألفا مزية على غيرهم وفضيلة انفردوا بها عمن شاركهم في أصل الفضل والديانة، ومن كان يعتقد أن الأدوية تؤثر بطبعها، أو يستعمل رقى الجاهلية ونحوها فليس مسلما؛ فلم يسلم هذا الجواب.
  • ثانيها - قال الداودي وطائفة: إن المراد بالحديث الذين يجتنبون فعل ذلك في الصحة خشية وقوع الداء، وأما من يستعمل الدواء بعد وقوع الداء به فلا، وهذا اختيار ابن عبد البر.
  • ثالثها - قال الحليمي: يحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المذكورين في الحديث؛ من غفل عن أحوال الدنيا وما فيها من الأسباب المعدّة لدفع العوارض؛ فهم لا يعرفون الاكتواء ولا الاسترقاء، وليس لهم ملجأ فيما يعتريهم إلا الدعاء والاعتصام بالله، والرضا بقضائه؛ فهم غافلون عن طب الأطباء ورُقى الرقاة، ولا يحسنون من ذلك شيئا، والله أعلم.
  • رابعها - أن المراد بترك الرقى والكي، الاعتماد على الله في دفع الداء، والرضا بقدره، لا القدح في جواز ذلك، لثبوت وقوعه في الأحاديث الصحيحة، وعن السلف الصالح، لكن مقام الرضا والتسليم أعلى من تعاطي الأسباب، وإلى هذا نحا الخطابي ومن تبعه؛ قال ابن الأثير: هذا من صفة الأولياء المعرضين عن الدنيا وأسبابها وعلائقها، وهؤلاء هم خواصّ الأولياء.
النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في أعلى مقامات التوكل
ولا يَرِدُ على هذا وقوع ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلًا وأمرًا؛ لأنه كان في أعلى مقامات العرفان، ودرجات التوكل، فكان ذلك منه للتشريع وبيان الجواز، ومع ذلك فلا ينقص ذلك من توكله؛ لأنه كان كامل التوكل يقينًا، فلا يؤثر فيه تعاطي الأسباب شيئا، بخلاف غيره ولو كان كثير التوكل، لكن من تَرَكَ الأسباب، وفَوَّضَ وأخلص في ذلك، كان أرفع مقاما. قال الطبري: قيل: لا يستحق التوكل إلا من لم يخالط قلبه خوف من شيء البتة، حتى السبع الضاري والعدو العادي، ولا من لم يسع في طلب رزق ولا في مداواة ألم، والحقُّ، أن من وثق بالله وأيقن أن قضاءه عليه ماض؛ لم يقدح في توكله تعاطيه الأسباب اتباعًا لسنته وسنة رسوله، فقد ظاهر -صلى الله عليه وسلم - في الحرب بين درعين، ولبس على رأسه المغفر، وأقعد الرماة على فم الشِّعب، وخندق حول المدينة، وأَذِن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، وهاجر هو، وتعاطى أسباب الأكل والشرب، وادَّخَر لأهله قوتهم، ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء، وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك، وقال الذي سأله: أعقل ناقتي أو أدعها؟ قال: «اعقلها وتوكل»، فأشار إلى أن الاحتراز لا يدفع التوكل، والله أعلم» انتهى كلام ابن حجر -رحمه الله تعالى-.
تفويض الأمر إلى الله -تعالى-
  • قوله: «وجملة التوكل تفويض الأمر إلى الله -تعالى-، والثقة به مع ما قدر له من التسبب، ففي الصحيحين أيضًا من حديث الزبير - رضي الله عنه -: «لأن يأخذ أحدكم حبله، ثم يأتي الجبل، فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيستغني بها، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه»، وقال سهل بن عبد الله: «التوكل حال النبي -صلى الله عليه وسلم - والكسبُّ سنته، فمن بقي على حاله، فلا يتركن سنتَّه»، أي أن التوكل حاله - صلى الله عليه وسلم - القلبي والإيماني، والكسب سنته الفعلية العملية، وفي حديث الزبير - رضي الله عنه - «حثٌّ على التعفف، وتفضيل الكسب والسبب على البطالة، وجمهور المحققين -كابن جرير وأتباعه- على أن السبب لا ينافي التوكل؛ حيث كان الاعتماد على الله لا على السبب».
  • قوله: وفي صحيح البخاري من حديث المقداد بن معديكرب: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يديه، قال: وكان داود لا يأكل إلا من عمل يديه»، وفي هذا الحديث يوضح النبي -[- أن أفضل طعام يأكله الإنسان هو الذي يأكله نتيجة كسبه وعمله، سواء كان نوع العمل حقيرًا أم عظيمًا، سواء أكان مقدار الأجر كثيرًا أم قليلًا، بل الذي عليه مدار الأمر أن يكون حلالًا لا شبهة فيه.
حال الأنبياء -عليهم السلام-
وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: كان آدم عليه السلام حرّاثًا، ونوح نجّارًا، وإدريس خيّاطًا، وإبراهيم ولوط زرَّاعيْن، وصالح تاجرًا، وداود زرَّادًا، وموسى وشعيب ومحمد -صلوات الله عليهم- رعاة، وأما الآثار.. فروي أن لقمان الحكيم قال لابنه: يا بني استعن بالكسب الحلال؛ فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال: رقةٌ فى دينه، وضعفٌ فى عقله، وذهاب مروءته، وأعظم من هذه الخصال استخفاف الناس به. وقيل لأحمد بن حنبل: ما تقول في رجل جلس في بيته أو مسجده وقال: لا أعمل شيئًا حتى يأتيني رزقي؟ فقال أحمد: هذا رجل جهل العلم، أما سمع قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي»، وقال حين ذكر الطير: «تغدو خماصًا وتروح بطانًا»، أي وقع من الطير سعي وحركة.
ذم الجلوس في المسجد الجامع للتسول
  • قوله: «وبه أنبأنا البيهقي قال: أنبأنا أبو عبدالله الحافظ قال: أخبرني جعفر بن محمد بن نصير قال: حدثني الجنيد قال: سمعت السري يذم الجلوس في المسجد الجامع، ويقول: جعلوا المسجد الجامع حوانيت ليس لها أبواب»، «يذم الجلوس في المسجد الجامع»: يقصد الجلوس أمام أبواب المساجد للتسوّل، «ويقول: جعلوا المسجد الجامع حوانيت ليس لها أبواب» أي: دكاكين ليس لها أبواب.
  • قوله: (وبه أنبأنا البيهقي بإسناده عن أبي بكر الصديق قال: دينك لمعادك، ودرهمك لمعاشك، ولا خير في امرئ بلا درهم)، وفي هذه العبارة يحث أبو بكر الصديق على المحافظة على الدين؛ فهو ما ينفع في الآخرة، والسعي للعمل، فهو ما ينفع في الحياة الدنيوية.
  • قوله: (وبه أنبأنا البيهقي قال: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني جعفر بن محمد الخواص قال: أنبأنا إبراهيم بن نصر المنصوري قال: سمعت إبراهيم بن بشار -خادم إبراهيم بن أدهم- قال: سمعت أبا علي الفضيل بن عياض يقول لابن المبارك: أنت تأمرنا بالزهد والتقلل والبلغة، ونراك تأتي بالبضائع من بلاد خراسان إلى البلد الحرام، كيف ذا وأنت بخلاف ذا؟ فقال ابن المبارك: يا أبا علي أنا أفعل ذا لأصون بها وجهي، وأكرم بها عرضي، وأستعين بها على طاعة ربي، لا أرى لله حقًا إلا سارعت إليه حتى أقوم به. فقال له الفضيل: يا ابن المبارك ما أحسن ذا إن تم ذا!).
أهمية العمل والتجارة
هنا يُبيِّنُ ابن المبارك أهمية العمل والتجارة، وذكر لها فوائد شتى منها: (1) صيانة النفس عن السؤال. (2) المحافظة على العرض والكرامة. (3) الاستعانة بها على طاعة الله. (4) المسارعة في الخيرات والحرص على الصدقات. (5) سد حاجة المعوزين.
أثر التوكل على سلوك المسلم
  • تحقيق مقام التوكل بعد بذل الأسباب، يجعل المؤمن هادئ النفس، مطمئن القلب، ينتظر الفرج من عند الله وكُلَّه شوق إليها.
  • التعلق التام بالله -تعالى-، والثقة به، وعدم التأثر بالأسباب المادية.
  • برد اليقين يجده المؤمن بقلبه والسكينة تملأ جوارحه، وهو يخوض غمار هذه الحياة متوكلا على الله معتمدا على فضله وعطائه ومواهبه التي لا تعد ولا تحصى، بخلاف غير المؤمن الذي يحفه القلق من كل جانب.
  • بذل أسباب السلامة في الدنيا جزء من التوكل، وكذلك بذل أسباب السلامة في الآخرة جزء من التوكل؛ فالمؤمن يعمل لدنياه ويعمل لأخراه.
- ترك الأسباب بالكلية ينافي التوكل، وهذا مسلك دخل على الإسلام من الصوفية، وأيده أعداء الإسلام حتى أبطلوا الجهاد في سبيل الله -تعالى-.


اعداد: د. عبدالرحمن الجيران






ابوالوليد المسلم 11-12-2025 02:55 PM

رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان
 
https://al-forqan.net/wp-content/upl...08/مختصر-0.jpg


شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان .. الرابع عشر من شعب الإيمان: الْإِيْمَانُ بِوُجُوْبِ مَحَبَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم


  • من أحبّ النبي - صلى الله عليه وسلم - اتَّبع أوامره جميعًا سواء الواجب أو المستحب في عبادته وسلوكه ومعاملته
  • من أحبّ النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا إلى سنته وحفظها ورغّب الناس فيها ووضحها لهم وحارب البدعة وكَرَّهَ الناس فيها
  • من أحبّ النبي - صلى الله عليه وسلم - دافع عنه وعن سنته ورد على شبهات المعترضين بحسب القدرة والاستطاعة وهذا دليل الحب
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، فقد عزف كثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعّم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
  • الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: الْإِيْمَانُ بِوُجُوْبِ مَحَبَّةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، لِحَدِيْثِ أَنَسٍ - رضي الله عنه - الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُوْنَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ وَالِدِه وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِيْنَ»، وَلِحَدِيْثِ أَنَسَ - رضي الله عنه - فِي الصَّحِيْحَيْنِ: «ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيْهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاَوَةَ الْإِيْمَانِ: أَنْ يَكُوْنَ اللهُ وَرَسُوْلُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا...» الْحَدِيْثُ، وَلِحَدِيْثِهِ فِيْهِمَا أَيْضًا قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ فَقَالَ: «مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ فَقَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَثِيْرَ صِيَامٍ وَلاَ صَدَقَةٍ، إلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُوْلَهُ، قَالَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ».
الشرح
  • قوله: (الإيمان بوجوب محبة النبي): محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - ركن يتبع التصديق برسالته ونبوته، ويجد بها العبد حلاوة الإيمان، وهي درجة يكون بها النبي - صلى الله عليه وسلم - مقدما على النفس، والوالد، والولد، والناس أجمعين، كما أن من آثارها وبركاتها: بلوغَ المنازل العليا في جنات النعيم، فالمرء مع من أحب.
  • قوله: (لحديث أنس - رضي الله عنه - المتفقُ على صحته: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده، وولده، والناس أجمعين»)، يقول ابن رجب: «محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - من أصول الإيمان، وهي مقارنة لمحبة الله ﻷ وقد قرنها الله بها، وتوعَّد من قَدَّم عليها شيئًا من الأمور المحبوبة طبعًا مثل: الأقارب، والأموال، والأوطان، وغير ذلك، فقال -تعالى-: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} (التوبة: 24).
ولما قال عمر - رضي الله عنه - للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال: «لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك» فقال عمر: والله أنت الآن أحب إلي من نفسي، قال: «الآن يا عمر»، فيجب تقديم محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - على النفوس، والأولاد، والأقارب، والأهلين، والأموال، وغير ذلك مما يحبه الناس غاية المحبة، وإنما تتم المحبة بالطاعة كما قال -تعالى-: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} (آل عمران: 31).
حقيقة المحبة وعلامتها
وسُئل بعضهم عن المحبة، فقال: الموافقة في جميع الأحوال، فعلامة تقديم محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - على محبة كل مخلوق، أنه إذا تعارض طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أوامره، وداع آخر يدعو إلى غيرها من هذه الأشياء المحبوبة، فقدم المرء طاعة الرسول وامتثال أوامره على ذلك الداعي؛ كان دليلًا على صحة محبته للرسول - صلى الله عليه وسلم - وتقديمها على كل شيء، وإن قدم على طاعته وامتثال أوامره شيئًا من هذه الأشياء المحبوبة طبعًا؛ دلَّ ذلك على عدم إتيانه بالإيمان التام الواجب عليه. وكذلك القول في تعارض محبة الله، ومحبة داعي الهوى والنفس، فإن محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - تبع لمحبة مُرْسِلِهِ عز وجل. هذا كله في امتثال الواجبات، وترك المحرمات، فإن تعارض داعي النفس، ومندوبات الشريعة، وبلغت المحبة بصاحبها على تقديم المندوبات على دواعي النفس؛ كان ذلك علامة كمال الإيمان وبلوغه إلى درجة المقربين والمحبوبين المتقربين بالنوافل بعد الفرائض، وإن لم تبلغ هذه المحبة إلى ذلك فهي درجة المقتصدين أصحاب اليمين الذين كملت محبتهم ولم يزيدوا عليها»، وقوله: (ولحديث أنس - رضي الله عنه - في الصحيحين: «ثلاث من كنّ فيه وجد بهنّ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما...». الحديث)
معنى وجود حلاوة الإيمان
معنى وجود حلاوة الإيمان هو: استلذاذ الطاعات وتحمل المشقات فيما يرضى الله -تعالى-، ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وإيثار ذلك على عَرَضِ الدنيا، رغبة في نعيم الآخرة، الذى لا يبيد ولا يفنى، ورُوِيَ عن عتبة الغلام أنه قال: كابدتُ الصلاة عشرين سنة، ثم تلذذتُ بها باقي عمري، وعلامة محبة العبد لخالقه هي التزام طاعته، والانتهاء عن معاصيه لقوله -تعالى-: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} (آل عمران: 31)، وكذلك علامة محبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي التزام شريعته، واتباع طاعته، ولما لم نصل إلى الإيمان إلا بالرسول، كانت محبته من الإيمان، وقد سُئل بعض الصالحين عن المحبة ما هي؟ فقال: مواطأة القلب لمراد الرب، أن توافق الله -تعالى-؛ فتحب ما أحب، وتكره ما كره.
  • قوله: (ولحديثه فيهما أيضًا قال: جاء رجل إلى النبي فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ فقال: «ما أعددتَ لها»؟ «فقال: يا رسول الله ما أعددتُ لها كثير صيام ولا صدقة، إلا أني أحب الله ورسوله. قال: «أنت مع من أحببت»).
  • قوله: (مَا أَعْدَدْت لَهَا): قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: سَلَكَ مَعَ السَّائِل أُسْلُوب الْحَكِيم، وَهُوَ تَلَقِّي السَّائِل بِغَيْرِ مَا يَطْلُب مِمَّا يُهِمّهُ أَوْ هُوَ أَهَمُّ.
  • قوله: (أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْت)، زَادَ سَلَّام بْن أَبِي الصَّهْبَاء عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ: «إِنَّك مَعَ مَنْ أَحْبَبْت، وَلَك مَا احْتَسَبْت» أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم... وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيق أَشْعَث عَنْ الْحَسَن عَنْ أَنَس: «الْمَرْء مَعَ مَنْ أَحَبَّ، وَلَهُ مَا اكْتَسَبَ» وَمَنْ طَرِيق مَسْرُوق عَنْ عبدالله «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْت، وَعَلَيْك مَا اِكْتَسَبْت، وَعَلَى اللَّه مَا احْتَسَبْت».
أثر محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - على سلوك العبد
  • من أحبّ النبي - صلى الله عليه وسلم - اتَّبع أوامره جميعًا، سواء الواجب، أو المستحب في عبادته وسلوكه ومعاملته.
  • من أحبّ النبي -صلى الله عليه وسلم - ترك نواهيه جميعًا، سواء كان النهي للتحريم أو الكراهية.
  • من أحبّ النبي -صلى الله عليه وسلم - صدّقه بكل ما أخبر من علم الغيب، سواء السابق أو اللاحق.
  • من أحبّ النبي -صلى الله عليه وسلم - دافع عنه وعن سنته ورد على شبهات المعترضين بحسب القدرة والاستطاعة وهذا دليل الحب.
  • من أحب النبي -صلى الله عليه وسلم - دعا إلى سنته وحفظها، ورغب الناس فيها ووضحها لهم، وحارب البدعة، وكَرَّهَ الناس فيها.
  • من آثار حبه -صلى الله عليه وسلم - كثرة الصلاة والسلام عليه، ولا سيما عند ذكره الشريف -صلى الله عليه وسلم -.
  • من آثار حبه حب أصحابه وأحبابه وأزواجه وذرياته وآله -عليه وعليهم الصلاة والسلام- أجمعين.



اعداد: د. عبدالرحمن الجيران






ابوالوليد المسلم 16-12-2025 12:50 PM

رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان
 
شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان.. الخامس عشر من شعب الإيمان: الْإِيْمَانُ بِوُجُوْبِ تَعْظِيْمِ النَّبِيِّ وَتَبْجِيْلِهِ وَتَوْقِيْرِه


  • تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفوس المسلمين تابعٌ لتعظيم الله تعالى له ومن هذا التعظيم عدم رفع الصوت فوق صوته وعدم مناداته باسمه مُجرَّدًا
  • من تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم - الدعاء له بعد سماع الأذان والصلاة عليه يوم الجمعة مع الإكثار منها وكذا الوصاية خيرًا بأهل بيته وقرابته المستقيمين على شرعه
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، فقد عزف كثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعّم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
الْخَامِس عَشَرَ مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَان: «الْإِيْمَانُ بِوُجُوْبِ تَعْظِيْمِ النَّبِيِّ وَتَبْجِيْلِهِ وَتَوْقِيْرِهِ»، لِقَوْلِهِ -تعالى-: {وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} (الفتح: 9)، وَقَوْلِهِ -تعالى-: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ} (الأعراف: 157)، وَالتَّعْزِيْرُ هَاهُنَا التَّعْظِيْمُ بِلاَ خِلاَفٍ، وَقَوْلِهِ -تعالى-: {لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا} (النور: 63) أَيْ: لاَ تَقُوْلُوْا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، يَا أَبَا الْقَاسِم، بَلْ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، يَا نَبِيَّ اللهِ!، وَلِقَوْلِهِ -تعالى-: {لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} (الحجرات: 1)، وَقَوْلِهِ -تعالى-: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} (الحجرات: 2) الآيات (الحجرات 2- 5)، وَبِهِ أَنْبَأَنَا الْبَيْهَقِيَّ قَالَ: وَهَذِهِ مَنْزِلَةٌ فَوْقَ مَنْزِلَةِ الْمَحَبَّةِ؛ إذْ لَيْسَ كُلُّ مُحِبِّ مُعَظِّمًا، كَمَحَبَّةِ الأَبِ لِوَلَدِهِ، وَالسَّيِّدِ لِعَبْدِهِ مِنْ غَيْرِ تَعْظِيْمٍ بِخَلاَفِ الْعَكْسِ.
الشرح
  • قوله: (الإيمان بوجوب تعظيم النبي وتجبيله وتوقيره) وهو ركن من أركان الإيمان، يفوت الإيمان بفواته لقوله -تعالى-: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ}(التوبة: 65).
  • وقوله: لقوله -تعالى-: {وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ}، يقول العلامة السعدي -رحمه الله تعالى-: «أي: تعزروا الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتوقروه أي: تعظموه وتجلوه، وتقوموا بحقوقه، كما كانت له المنة العظيمة برقابكم»، وقوله: وقوله -تعالى-: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ}، والتعزير ها هنا التعظيم بلا خلاف.
يقول الطبري: «القول في تأويل قوله: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، يقول -تعالى- ذكره: فالذين صدَّقوا بالنبي الأمي - صلى الله عليه وسلم - وأقرُّوا بنبوّته «وعزَّروه»، يقول: وَقَّروه وعظموه وحَمَوه من الناس، وعن ابن عباس: «وعزروه»، يقول: حَمَُوه ووقَّروه. وعن مجاهد: «وعزروه ونصروه»: «عزَّروه»، سدَّدوا أمره، وأعانوا رَسُوله.
  • وقوله: «نصروه»، يقول: وأعانوه على أعداء الله وأعدائه، بجهادهم ونصب الحرب لهم، واتبعوا النور الذي أنزل معه، يعني: القرآن والإسلام {أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، يقول: الذين يفعلون هذه الأفعال التي وصف بها جل ثناؤه أتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - هم المنجحون المدرِكون ما طلبُوا ورجَوْا بفعلهم ذلك، والصحابة ي حازوا قصب السبق في هذا المضمار.
تأديب الله للمؤمنين
  • قوله: (وقوله -تعالى-: {لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا} أي: لا تقولوا له: يا محمد، يا أبا القاسم، بل: يا رسول الله، يا نبي الله!)، يقول الحافظ ابن كثير: «وقال مقاتل في قوله: {لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا} يقول: لا تُسَمّوه إذا دَعَوتُموه: يا محمد، ولا تقولوا: يا ابن عبدالله، ولكن شَرّفوه فقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله، وهذا أدبٌ أدَّبَ الله -تعالى- به المؤمنين في مخاطبة نبيهم - صلى الله عليه وسلم-، وقال مالك، عن زيد بن أسلم في قوله: {لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا} قال: أمرهم الله أن يشرِّفوه. هذا قول، وهو الظاهر من السياق، كما قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا} (البقرة: 104)، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} إلى قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (الحجرات: 2 - 5)، فهذا كله من باب الأدب في مخاطبة النبي - صلى الله عليه وسلم- والكلام معه وعنده، كما أمروا بتقديم الصدقة قبل مناجاته.
والقول الثاني في ذلك، أن المعنى في: {لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا} أي: لا تعتقدوا أن دعاءه على غيره كدعاء غيره، فإن دعاءه مستجاب، فاحذروا أن يدعو عليكم فتهلكوا. حكاه ابن أبي حاتمٍ، عن ابن عباس، والحسن البصري، وعطية العَوفي، - والله أعلم -».
الأدب مع الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم-
  • قوله: ولقوله -تعالى-: {لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}، يقول العلامة السعدي -رحمه الله تعالى-: «هذا متضمن للأدب، مع الله -تعالى-، ومع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- والتعظيم له، واحترامه، وإكرامه، فأمر (الله) عباده المؤمنين، بما يقتضيه الإيمان، بالله وبرسوله، من امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وأن يكونوا ماشين خلف أوامر الله، متبعين لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في جميع أمورهم، و(أن) لا يتقدموا بين يدي الله ورسوله، ولا يقولوا، حتى يقول، ولا يأمروا، حتى يأمر، فإن هذا حقيقة الأدب الواجب مع الله ورسوله، وهو عنوان سعادة العبد وفلاحه، وبفواته، تفوته السعادة الأبدية، والنعيم السرمدي، وفي هذا، النهي (الشديد) عن تقديم قول غير الرسول - صلى الله عليه وسلم- على قوله؛ فإنه متى استبانت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ وجب اتباعها، وتقديمها على غيرها، كائنًا ما كان». ويقول ابن القيم معلقا على هذه الآية الكريمة: فإذا كان رفع أصواتهم فوق صوته سببا لحبوط أعمالهم فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياساتهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها عليه؟! أليس هذا أولى أن يكون محبطا لأعمالهم؟!.
أدب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في خطابه
  • قوله: وقوله -تعالى-: {َيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} (الحجرات: 2)، يقول العلامة السعدي -رحمه الله تعالى-: «وهذا أدب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في خطابه، أي: لا يرفع المُخَاطِب له، صوته معه فوق صوته، ولا يجهر له بالقول، بل يغض الصوت، ويخاطبه بأدب ولين، وتعظيم وتكريم، وإجلال وإعظام، ولا يكون الرسول - صلى الله عليه وسلم- كأحدهم، بل يميزوه في خطابهم، كما تميز عن غيره في وجوب حقه على الأمة، ووجوب الإيمان به، والحب الذي لا يتم الإيمان إلا به، فإن في عدم القيام بذلك محذورًا، وخشية أن يحبط عمل العبد وهو لا يشعر، كما أن الأدب معه، من أسباب حصول الثواب وقبول الأعمال».
  • قوله: (وبه أنبأنا البيهقي قال: وهذه منزلة فوق منزلة المحبة، إذ ليس كل محب معظمًا، كمحبة الأب لولده، والسيد لعبده، من غير تعظيم بخلاف العكس)، التعظيم درجة أعلى من درجة المحبة، فهو محبة من الأدنى إلى الأعلى، أما المحبة من الأعلى إلى الأدنى، فليس فيها تعظيم، كمحبة الولد لولده، ومحبة السيد لعبده.
أثر تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم- في قلب المؤمن
  • مَنْ عَظَّم النبي - صلى الله عليه وسلم- تلذذ بمتابعته له في سنته، ولم يلتفت إلى المُعَوِّقات.
  • ومن تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم-؛ إظهار سنته، سواء كانت في العبادة أو المعاملة ليقتدي بها الناس.
  • من عَظَّم النبي - صلى الله عليه وسلم- واقتدى به ظاهرًا وباطنًا، ظاهرًا في الهدي والسمت والسلوك، وباطنًا بالإخلاص ومحبة الله -تعالى- والرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا وترك ما في أيدي الناس؛ ظَهَرَ أثر ذلك على أقواله وأفعاله، فلا يقول إلا خيرًا، ولا يفعل إلا برًا، فلا يُضْمِر الشر، ولا يفعله، مقتديا بالنبي - صلى الله عليه وسلم -.
  • تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم- في نفوس المسلمين تابعٌ لتعظيم الله -تعالى- له، ومن هذا التعظيم؛ عدم رفع الصوت فوق صوته، وعدم مناداته باسمه مُجرَّدًا، كما يفعل الجهلة وضعاف الإيمان.
  • ومن تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم-؛ الدعاء بعد سماع الأذان، والصلاة عليه يوم الجمعة مع الإكثار منها، وكذا الوصاية خيرًا بأهل بيته وقرابته المستقيمين على شرعه، من غير تمييز بينهم، واختيار بعضهم، وترك أغلبهم، كما يفعل بعض جهلة الناس اليوم.



اعداد: د. عبدالرحمن الجيران






ابوالوليد المسلم 26-12-2025 05:36 PM

رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان
 
شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان… السادس عشر من شعب الإيمان: شُحُّ المرء بدينه حتى يكونَ القذفُ في النار أحبَّ إليه من الكفر


  • الحبّ لله وفيه هو من لوازم محبة ما يُحبّ الله ولا تستقيم محبّة ما يحبّ الله إلا بالحبّ فِيه وله سبحانه
  • معرفة شُعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية في الدنيا والآخرة
  • لا ينبغي لنا أن ندع أهل الكفر وأهل الفسوق وندعهم للشياطين تلعب بهم بل نؤلفهم ونجذبهم إلينا بالمال واللّين وحُسن الخُلق حتى يألفوا الإسلام
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، فقد عزف كثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعّم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
  • السادس عشر من شُعب الإيمان: «شُحُّ المرء بدينه حتى يكونَ القذفُ في النار أحبَّ إليه من الكفر»، لحَدِيث أنس الْمُتَّفق عَلَيْهِ: (ثَلَاثٌ من كُنّ فِيهِ وجَد بِهنَّ حلاوة الإيمان» ثمَّ قَالَ: «وأنْ يُلقى فِي النَّار أحبُّ إليه من أنْ يَرجعَ إلى الْكفْر بعد أنْ أنقذه اللهُ مِنْهُ»، وجاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَالرَّجُلُ يُحِبُّ الرَّجُلَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلهِ، وَالرَّجُلُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا»، ولحديثه أَيْضًا فِي صَحِيح مُسلم: «إن رجلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَأعْطَاهُ غنمًا بَين جبلين، فَأتى قومه فَقَالَ: أَسْلمُوا، فوَ الله إِن مُحَمَّدًا ليعطي عَطاء رجل لَا يخَاف الْفَاقَة. فَقَالَ أنس: وَإِن كَانَ الرجل يجِيء إلى النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - مَا يُرِيد إِلَّا الدُّنْيَا، فَمَا يُمْسِي حَتَّى يكونَ دينُه أحبَّ إليه وأعزَّ من الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا».
الشرح
المعنى الإجمالي للحديث: «شُحّ المرءِ بدينه حتى يكونَ الإحراقُ بالنار أحبَّ إليه من أن يعود إلى الكفر»؛ هذا دليل على قوة الإيمان وحلاوته في قلب صاحبه، ودليل على يقينه بالغيب؛ فالإنسانُ الذي يُسْلِم وجُلّ همّه الدنيا فحسب، ثم تنصلح نيّتُه طمعًا في الآخرة، فيزهد في الدنيا الفانية وما فيها، ويطمع بما عند الله؛ تَحَوُّله هذا دليلٌ على قوة إيمانه؛ لأن الحياةَ الآخرةَ للمؤمن بعد الموت أفضلُ له وأحبُّ من هذه الحياة القصيرة.
معاني المفردات
  • الشُّحُّ: البخل مع حرص. تقول: شحِحت بالكسر تشحّ.
  • قوله: (شُحّ المرء بدينه) أيْ: حرص المرء على دينه كما يحرص على عدم دخوله النار.
  • كره أن يقذف في النار: أيْ يستوي عنده الأمران.
  • قوله لحديث أنس: «ثلاثٌ من كنّ فيه وجد بهنّ حلاوةَ الإيمان».
  • قوله: (ثلاثٌ) هو مبتدأ، والجملة الخبر.
  • قوله: (كنّ) أيْ (حصلْن)، فهي تامة.
  • قوله: (حلاوة الإيمان) بيان لحقيقة عظيمة من حقائق الإيمان وهو حصول حلاوة حقيقة في قلب المؤمن, يجدها ويشعر بها، ويلتذ بطعمها كما يجد حلاوة السكر في فمه.
أنواع المحبة
هنا أربعة أنواع من المحبة يجب التفريق بينها، وإنما ضلّ من ضلّ؛ لعدم التمييز بينها:
  • النوع الأول: محبة الله، ولا تكفي وحدَها في النجاة من الله ومن عذابه والفوز بثوابه؛ فإن المشركين وعبّادَ الصليب واليهودَ وغيرَهم يزعمون أنهم يحبّون الله، قال علماء التفسير: زعم اليهود والنصارى محبة الله فأمتحنهم الله بهذه الآية الكريم: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (آل عمران:31).
  • النوع الثاني: محبة ما يحبّ اللهُ، وهذه هي التي تدخل العبدَ في الإسلام وتخرجه من الكفر، فأحبُّ الناس إلى الله أقومُهم بهذه المحبة وأشدهم فيها.
  • النوع الثالث: الحب لله وفيه، وهو من لوازم محبة ما يحب اللهُ، ولا تستقيم محبة ما يحب اللهُ إلا بالحب فيه وله.
  • النوع الرابع: المحبة مع الله. وهي المحبة الشركية، وكل من أحب شيئًا مع الله، لا لله، ولا من أجله، ولا فيه؛ فقد اتخذه ندًّا من دون الله، وهذه محبة المشركين.
قوله: (وأن يكره أن يعود في الكفر) هذه الكراهة حقيقية يشعر بها المؤمن، وتشبيهها بكراهة القذف بالنار؛ ليتضح المقصود من العَود إلى الكفر بعد أن أنقذه الله -تعالى- منه.
  • قوله: (فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ). أَيْ: كَثِيرَةً كَأَنَّهَا تَمْلَأُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْنِ.
  • قوله: (فَقَالَ أَنَسٌ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلَّا الدُّنْيَا فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الْإِسْلَامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا).
هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ فَمَا يُسْلِمُ، وَفِي بَعْضِهَا فَمَا يُمْسِي، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ، وَمَعْنَى الْأَوَّلِ: فَمَا يَلْبَثُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى يَكُونَ الْإِسْلَامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ أوَّلًا لِلدُّنْيَا لَا بِقَصْدٍ صَحِيحٍ بِقَلْبِهِ ثُمَّ مِنْ بَرَكَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَنُورِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَلْبَثْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى يَنْشَرِحَ صَدْرُهُ بِحَقِيقَةِ الْإِيمَانِ وَيَتَمَكَّنَ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»، وفي هذا دليل أيضًا على نقاء المجتمع في الصدر الأول من الإسلام وسلامة فطرته، بخلاف حالنا اليوم؛ حيث يبقى الإنسانُ حينًا من الدهر دون أن تتغيرَ حالُه إلى الأحسن.
  • قال الشيخ ابن عثيمين: «ويؤخذ من هذا الحديث وأمثاله: أنه لا ينبغي لنا أن نبتعد عن أهل الكفر وعن أهل الفسوق، ولا أن ندعهم للشياطين تلعب بهم؛ بل نؤلفهم، ونجذبهم إلينا بالمال واللين وحسن الخلق حتى يألفوا الإسلام، فها هو ذا الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعطي الكفار، يعطيهم حتى من الفيء، بل إن الله جعل لهم حظًا من الزكاة، نعطيهم لنؤلفهم على الإسلام، حتى يدخلوا في دين الله، والإنسان قد يسلم للدنيا، ولكن إذا ذاق طعم الإسلام رغب فيه، فصار أحب شيء إليه».
فوائد شُحّ المرء بدينه
  • الحرص على أداء الواجبات كاملة غير منقوصة.
  • إكمال النواقص منها بكثرة النوافل والاستغفار.
  • البعد عن مواطن الشبهات والشهوات.
  • السؤال عما أشكل من أمور الدين.
  • الاستبراء للدين والعرض.
أثر شُحّ المرء بدينه على سلوك المسلم:
  • الخوف والخشية من الله.
  • الرجاء فيما أعده الله -تعالى- ثوابًا للصابرين.
  • الخشوع في أداء الصلوات وسؤال الله -تعالى- القَبول.
  • متابعة العبادة تلو العبادة مع تنويعها.
  • محاسبة النفس على التقصير.



اعداد: د. عبدالرحمن الجيران






ابوالوليد المسلم 01-01-2026 04:03 PM

رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان
 


شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان.. السابع عشر من شُعب الإيمان: طلبُ العلم


  • علم النبوة هو معرفة حقيقة النبوة وشروطها وخصائصها وضرورة العباد إليها ومعرفة صفات النبي وتمييزه عمّن يشتبه به من المدعين والكذابين والمتنبئين
  • العلم بالله سبحانه وتعالى على خمس مراتب: العلم بذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه وتنزيهه عما لا يليق به والعلم بدينه
  • طلب العلم الذي يحتاجه المسلم للقيام بما يجب عليه من عبادة ربه فرض عليه وما زاد على ذلك فتحصيله من باب فروض الكفايات
  • إشهاده سبحانه وتعالى أهل العلم يتضمن ذلك تزكيتهم وتعديلهم وأنهم أمناءُ على ما استرعاهم عليه
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
السابع عشر من شُعب الإيمان، طلبُ العلم، وَهُوَ معرفَة الْبَارِي -تعالى- وَمَا جَاءَ من عِنْد الله، وَعلم النُّبُوَّة، وَمَا يُمَيَّزُ بِهِ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - عَن غَيره، وَعلم أحكام الله -تعالى- وأقضيته، وَمَعْرِفَة مَا تطلب الأحكام مِنْهُ، كالكتاب وَالسّنة وَالْقِيَاس، وشروط الِاجْتِهَاد، وَالْقرآن والْحَدِيث مشحونان بفضيلة الْعلم وَالْعُلَمَاء، قال الله -تعالى-: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، وقال -تعالى-: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ} (آل عمران: 18)، وقال -تعالى-: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} (النساء: 113)، وقال -تعالى-: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة: 11)، وقال -تعالى-: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} (الزمر: 9)، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث عبدالله بن عَمْرو بن الْعَاصِ - رضي الله عنه - «إِن الله لَا يقبض الْعلم انتزاعًا ينتزعه من النَّاس، وَلَكِن يقبض الْعلم بِقَبض الْعلمَاء، حَتَّى إِذا لم يُبْقِ عَالمًا اتخذ النَّاسُ رؤوسًا جُهَّالًا، فسئلوا، فأفتوا بِغَيْر علم؛ فضلّوا وأضلّوا». وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة - رضي الله عنه -: «من نفّس عَن مُؤمن كربَة من كرب الدُّنْيَا نفس الله عَنهُ كربَة من كرب يَوْم الْقِيَامَة، وَمن يسّر على مُعسر يسّر الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا والآخرة، وَمن ستر مُسلمًا ستره الله فِي الدُّنْيَا والآخرة، وَالله فِي عون العَبْد مَا كَانَ العَبْد فِي عون أخيه، وَمن سلك طَرِيقًا يلْتَمس فِيهِ علمًا سهّل الله لَهُ بِهِ طَرِيقًا إلى الْجنَّة، وَمَا اجْتمع قومٌ فِي بَيت من بيُوت الله، يَتلون كتاب الله وَيَتَدَارَسُونَهُ بَينهم؛ إِلَّا نزلت عَلَيْهِم السكينَة، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَة، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَة، وَذكرهمُ الله فِيمَن عِنْده، وَمن بطأ بِهِ عمله لم يسْرع بِهِ نسبه».
الشرح
المعنى الإجمالي: بيان أهمية العلم الشرعي، والحث عليه، والترغيب فيه، وخطورة تصدر الجهلاء للإفتاء، وبيان عاقبة الإفتاء بغير علم، وضرر ذلك على كل من المفتي والمستفتي.
معاني المفردات
نزع: نَزَعْتُ الشيءَ من مكانه أَنْزِعُهُ نَزْعًا: قلعته. وقولهم: فلانٌ في النَزْعِ، أيْ في قَلْعِ الحياةِ. ونَزَعَ فلان إلى أهله يَنْزِعُ نِزاعًا، أيْ اشتاق. وبعيرٌ نازِعٌ وناقةٌ نازِعَةٌ، إذا حَنَّتْ إلى أوطانها ومرعاها. قال جميل: فقلت لهم لا تَعْذِلونِيَ وانْظروا، إلى النازِعِ المَقْصورِ كيف يكون قبض: قَبَضَ الشيء أخذه، والقَبْضُ أيضا ضدّ البسط، وقُبِضَ فلان على ما لم يسم فاعله فهو مقْبُوضٌ أيْ مات. جهل: الجَهْلُ: ضد العلم، وتَجَاهَل: أرى من نفسه ذلك وليس به، واسْتَجْهَلَهُ: عدّه جاهلًا واستخفه أيضًا، والتَّجْهِيلُ: النسبة إلى الجهل، والمَجْهَلةُ بوزن المرحلة: الأمر الذي يحمل على الجهل، ومنه قولهم: الولد مجهلةٌ، والمَجْهَلُ: المفازة لا أعلام فيها. ضلوا: الضَّلاَلُ ضد الرشاد، وقد ضَلَّ يضِلّ بالكسر ضَلاَلًا وضَلاَلَةً، قال الله -تعالى- {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِ} (سبأ:50)، قال ابن السكيت: أضْلَلْتَ بعيري إذا ذهب منك وضَلَلْتُ المسجد والدار إذا لم تعرف موضعهما وكذا كل شيء مقيم لا يهتدى له، قال وأَضَلَّهُ الله فَضَلَّ، تقول إنك تهدي الضَّالَّ ولا تهدي المُتَضَالَّ، وتَضْلِيلُ الرجل أن تنسبه إلى الضلال، وقوله -تعالى-: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ} (القمر: 47) أيْ في هلاك.
أقسام العلم
جاء في مخطوطة الشرح: «والعلم إذا أطلق يُعنَى به علم الدين، وهو أقسام منها: علم الأصول، وهو معرفة الباري -تعالى- وقد تقدم القول على فصول منه. ومنها: معرفة ما جاء عن الله -تعالى-، ودخل فيها علم النبوة، ومنها: ما يطلب علم الأحكام منه، وهو الكتاب بأقسامه والسنة بأقسامها، ويدخل فيه معرفة الناسخ والمنسوخ، ومراتب النصوص، والاجتهاد في استنباط المعاني منها، وتمييزُ وجوه القياس وشروطه ومعرفة أقاويل السلف إجماعًا واختلافًا، ومنها: معرفة ما به يمكن طلب الأحكام وغيرها، وهو علم لسان العرب وعادتها في مخاطباتها، وتمييز مراتب الكلام لينزَلَ كل منها منزلته، ثم من العلم ما هو فرض كفاية، كالعلم بأدلة وجود الباري، وقِدمه، ووحدانيته، وقدسه؛ قدر ما يخرج به في معرفة الله من التقليد، ويتمكن من الدعوة إلى سبيله، والذب عن دينه، وبأدلة النبوة ولوازمها، وبوجوب الخطاب من الكتاب والسُنَّة، فإذا عرف الأكثر من (ذلك)، ومما قاله الناس في تأويله، والأشبه بأن يكون هو المراد؛ فلا عليه من الباقي، فإن الإحاطة بعلم الكتاب لم تكن إلا لمن أنزل عليه.
علوم الكتاب
وعلوم الكتاب كثيرة، منها: علم ألفاظه وما أريد بها، ويدخل فيه (القراءات) والتفسير، ومنها: علم المكي والمدني وأسباب النزول، ومنها: علم المحاجات التي أودعها الله -تعالى- إياه...، ومنها: علم الأحكام... ومنها: علم الأمثال المضروبة، ومنها: علم القصص و(فوائدها)، ومنها: علم ما فيه الاعتصام بالله -تعالى- و(الالتجاء) في (النوائب) إليه والاحتراس من شياطين الإنس والجن، ومنها: علم الأخبار بالعواقب، ومنها: علم إعجازه. وجميع هذه توجد في السنة إلا الإعجاز فإنه من خصائص الكتاب, وتختص السنة بالانقسام إلى: متواتر، ومستفيض، وخبر، وآحاد، ومسند، ومرسل، ومتصل، ومنقطع... إلى غير ذلك مما هو مبيّن في موضعه؛ ولا غنى للمفتي عن دراية الأكثر الأظهر مما ذكرناه من أقاويل السلف إجماعًا واختلافًا».
من شُعب الإيمان طلبُ العلم
  • قوله: (من شُعب الإيمان طلبُ العلم): «طلب العلم، الذي يحتاجه المسلم للقيام بما يجب عليه من عبادة ربه، فرض واجب عليه، وما زاد على ذلك فتحصيله من باب فروض الكفايات»، والعلم المقصود في الآيات والأحاديث هو العلم الشرعي المستفاد من الكتاب والسُنَّة، أمّا العلوم الكونية والطبيعية والدنيوية فإن ما يحتاج إليه المسلمون منها، ولم يقم به أحد غيرهم فإنه يكون من باب فروض الكفايات وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّه».
  • قوله: (وهو معرفة الباري -تعالى- وما جاء من عند الله)، قال الإمام ابن القيم في مدارج السالكين: «فصل في مراتب إياك نعبد علمًا وعملًا: للعبودية مراتب بحسب العلم والعمل، فأما مراتبها العلمية فمرتبتان: إحداهما العلم بالله، والثانية العلم بدينه، فأما العلم به -سبحانه- فخمس مراتب: العلم بذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه وتنزيهه عما لا يليق به، والعلم بدينه مرتبتان:
  • إحداهما: دينه الأمري الشرعي، وهو الصراط المستقيم الموصل إليه.
  • والثانية: دينه الجزائي، المتضمن ثوابه وعقابه، وقد دخل في هذا العلم: العلمُ بملائكته، وكتبه، ورسله».
وقال أيضا:
والعلمُ أقسامٌ ثلاثةٌ ما لها
من رابع، والحقُّ ذو تبيانِ
علمٌ بأوصاف الإله وفعله
وكذلك الأسماءُ للرحمنِ
والأمرُ والنهيُ الذي هو دينُه
وجزاؤه يومُ المعاد الثاني
  • قوله: (وعلم النبوة وما يُميَّز به النبيُّ عن غيره): وهو معرفة حقيقة النبوة وشروطها وخصائصها وضرورة العباد إليها، ومعرفة صفات النبي وتمييزه عمّن يشتبه به من المدعين والكذابين والمتنبئين، وإدراك الفرق بين الآيات التي يؤيد الله بها الأنبياء وهي التي تسمى بالمعجزات، وبين الخوارق التي تجري على يد الدجالين والسحرة والمشعوذين، وهي من قبل الشيطان وجنده!
  • قوله: (وعلم أحكام الله -تعالى- وأقضيته، ومعرفة ما تطلب الأحكام منه، كالكتاب، والسنة، والقياس، وشروط الاجتهاد): فـ «أحكام الله -تعالى-» المقصود بها الأحكام التكليفية، المنصوص عليها في الكتاب والسنة، كالحكم الواجب، والمحرّم، والمكروه، والمندوب، والمباح. «ومعرفة ما تطلب الأحكام منه» بالدليل من الكتاب والسنة، فإن لم يجد الدليل، فيأخذ -مجتهدا- بالقياس الشرعي، مستحضرا شروط الاجتهاد المعروفة عند السلف.
فضيلة العلم والعلماء
  • قوله: (والقرآنُ والحديثُ مشحونان بفضيلة العلم والعلماء)، فالقرآن الكريم والسنة النبوية ذَكرا أدلة كثيرة على فضل العلم والعلماء ومنزلتهم عند الله -تعالى-، ومن هذه الأدلة قوله -تعالى-: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (فاطر: 28)، قال الإمام السعدي: «فكلُّ من كان بالله أعلمَ، كان أكثرَ له خشية، وأَوجبتْ له خشيةُ الله الانكفافَ عن المعاصي، والاستعدادَ للقاء من يخشاه، وهذا دليل على فضيلة العلم؛ فإنه داعٍ إلى خشية الله، وأهلُ خشيته هم أهلُ كرامته»، فالخشية رأس الإحسان، وليست لأحد إلا لمن قدَر اللهَ حق قدره، ومن جاء بها فقد جاز القنطرة في العلم، والعبادة معا، فالعلم بالله وما هو عليه من كبرياء وعظمة، وجبروت؛ يثمر الخشية ويولّد الخوف، وذلك مدعاة إلى الإحسان في القول والعمل.
خصوصية عظيمة للعلماء
  • قوله: وقال الله -تعالى-: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (فاطر: 28)، قال ابنُ عثيمين: «أيْ العلماء به، وبأسمائه، وصفاته، وبأحكامه. هذه هي هداية العلم؛ لأنهم إذا علِموا خشوا الله، ولم يكرهوا شريعته، ولم يكبر ذلك عليهم، ولم يشقّ».
  • قوله: وقال الله -تعالى-: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ}، قال ابنُ كثير: «قرن شهادة ملائكته وأولي العلم بشهادته، فقال: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ}، وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام»، قال الشيخ السعدي: «وفي هذه الآية دليل على شرف العلم من وجوه كثيرة، منها: أن الله خصهم بالشهادة على أعظم مشهود عليه دون الناس، ومنها: أن الله قرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، وكفى بذلك فضلا، ومنها: أنه جعلهم أولي العلم، فأضافهم إلى العلم، إذ هم القائمون به المتصفون بصفته، ومنها: أنه -تعالى- جعلهم شهداء وحجة على الناس، وألزم الناس العمل بالأمر المشهود به، فيكونون هم السبب في ذلك، فيكون كل من عمل بذلك نالهم من أجره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ومنها: أن إشهاده -تعالى- أهل العلم يتضمن ذلك تزكيتهم وتعديلهم، وأنهم أمناءُ على ما استرعاهم عليه».
  • قوله: وقال -تعالى-: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} (النساء: 113)،قال الفخر الرازي: فسمّى العلم عظيمًا، وسمّى الحكمة خيرًا كثيرًا؛ فالحكمة هي العلم، وقال أيضًا: {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ} (الرحمن)؛ فجعل هذه النعمة مقدمة على جميع النعم؛ فدل على أنه أفضل من غيره.

اعداد: د. عبدالرحمن الجيران






ابوالوليد المسلم 13-01-2026 02:43 PM

رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان
 
شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان.. السابع عشر من شُعب الإيمان: طلبُ العلم (٢)


  • إذا عزم العبد على التعاون مع أخيه في أمر من الأمور فيه دفعُ شرّ عنه أو جلبُ خير له قولًا كان أو فعلاً فلا ينبغي له أن يتردد عن إنفاذه
  • من أبواب الخير التي يمكن التعاون فيها طلب العلم والمراد به العلم الشرعي ويشترط أن يقصد به وجه الله تعالى
  • رفعة الدرجات تشمل المعنوية في الدنيا بعلوّ المنزلة وحسن الصيت والحسية في الآخرة بعلوّ المنزلة في الجنة
  • ذهاب العلم إنما هو بذهاب العلماء قال ابن مسعود يوم مات عمر رضي الله عنهما: إني لأحسب تسعة أعشار العلم اليوم قد ذهب!
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
واليوم نستكمل الحديث عن الشعبة السابعة عشرة وهي طلب العلم، وَهُوَ معرفَة الْبَارِي -تعالى- وَمَا جَاءَ من عِنْد الله، وَعلم النُّبُوَّة، وَمَا يُمَيَّزُ بِهِ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - عَن غَيره، وَعلم أحكام الله -تعالى- وأقضيته، وَمَعْرِفَة مَا تطلب الأحكام مِنْهُ، كالكتاب وَالسّنة وَالْقِيَاس، وشروط الِاجْتِهَاد، وَالْقرآن والْحَدِيث مشحونان بفضيلة الْعلم وَالْعُلَمَاء.
فضل أهل العلم
  • قوله: قال الله -تعالى-: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة: 11)، أخرج ابن المنذر عن ابن مسعود قال: ما خص الله العلماء في شيء من القرآن ما خصهم في هذه الآية، فضّل الله الذين آمنوا وأوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم، قال الإمام السعدي: «وفي هذه الآية فضيلة العلم، وأن زينته وثمرتَه التأدبُ بآدابه والعملُ بمقتضاه»، و«كان مطرف بن عبدالله بن الشِّخِّير يقول: فضل العلم أحبّ إليّ من فضل العبادة، وخيرُ دينكم الورع، وكان عبدالله بن مطرف يقول: إنك لتلقى الرجلين أحدهما أكثر صومًا وصلاة وصدقة، والآخر أفضل منه بونًا بعيدًا، قيل له: وكيف ذاك؟ فقال: هو أشدّهما ورعًا لله عن محارمه».
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة: 11): في دينهم إذا فعلوا ما أمروا به»، ورفعة الدرجات تدل على الفضل؛ إذ المراد به كثرة الثواب، وبها ترتفع الدرجات، ورفعتها تشمل المعنوية في الدنيا بعلوّ المنزلة وحسن الصيت، والحسية في الآخرة بعلوّ المنزلة في الجنة.
تنبيه عظيم على فضيلة العلم
  • قوله: وقال -تعالى-: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} (الزمر: 9)، فهو تنبيه عظيم على فضيلة العلم، وقد بالغنا في تقرير هذا المعنى في تفسير قوله -تعالى-: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} (البقرة: 31)، قال صاحب (الكشاف): «أراد بالذين يعلمون: الذين سبق ذكرهم وهم القانتون، وبالذين لا يعلمون: الذين لا يأتون بهذا العمل، كأنه جعل القانتين هم العلماء، وهو تنبيه على أن من لا يعمل فهو غير عالم، ثم قال: وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ثم لا يقنتون، ويفتنون فيها ثم يفتنون بالدنيا، فهم عند الله جهلة.
تفاوت عظيم
ثم قال -تعالى-: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} (الزمر: 9) يعني هذا التفاوت العظيم الحاصل بين العلماء والجهال لا يعرفه إلا أولو الألباب، قيل لبعض العلماء: إنكم تقولون العلم أفضل من المال، ثم نرى العلماء يجتمعون عند أبواب الملوك، ولا نرى الملوك مجتمعين عند أبواب العلماء، فأجاب العالم بأن هذا أيضًا يدل على فضيلة العلم؛ لأن العلماء علموا ما في المال من المنافع فطلبوه، والجهال لم يعرفوا ما في العلم من المنافع فلا جَرَم تركوه»، «أيْ: الذين يعلمون أن ما وعد الله به من البعث والثواب والعقاب حق والذين لا يعلمون ذلك، أو الذين يعلمون ما أنزل الله على رسله والذين لا يعلمون ذلك، أو المراد العلماء والجهال، ومعلوم عند كل من له عقل أنه لا استواء بين العلم والجهل، ولا بين العالم والجاهل. قال الزجَّاج: أي كما لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، كذلك لا يستوي المطيع والعاصي. وقيل المراد بالذين يعلمون: هم العاملون بعلمهم، فإنهم المنتفعون به؛ لأن من لم يعمل بمنزلة من لم يعلم».
قبض العلم بقبض العلماء
  • قوله: «وفي الصحيحين من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنه -: «إِنَّ اللهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»، وقوله: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس»، «أيْ: محوًا من الصدور، والمراد به علم الكتاب والسنة وما يتعلق بهما، يعني: لا يقبض العلم من الناس بأن يرفعه من بينهم إلى السماء، «ولكن يقبض العلم» أيْ يرفعه و «يقبض العلماء» أيْ بموتهم وقبض أرواحهم «حتى إذا لم يترك» أيْ: الله -تعالى- «اتخذ الناس رؤوسًا»، وفي الحديث الحث على حفظ العلم والتحذير من ترئيس الجهلة، وفيه أن الفتوى هي الرياسة الحقيقية وذمّ من يقدم عليها بغير علم».
قال بدر الدين العيني: «إن الله لا يقبض العلم من بين الناس على سبيل أن يرفعه من بينهم إلى السماء أو يمحوه من صدورهم، بل يقبضه بقبض أرواح العلماء وموت حمَلته، وقال ابن بطال: معناه أن الله لا ينزع العلم من العباد بعد أن يتفضل به عليهم، ولا يسترجع ما وهب لهم من العلم المؤدي إلى معرفته وبث شريعته، وإنما يكون انتزاعه بتضييعهم العلم، فلا يوجد من يخلف من مضى، فأنذر بقبض الخير كله، وكان تحديث النبي - صلى الله عليه وسلم- بذلك في حجة الوداع كما رواه أحمد والطبراني من حديث أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: لما كان في حجة الوداع قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: خذوا العلم قبل أن يُقبض أو يرفع. فقال أعرابي: كيف يرفع؟ فقال: ألا إن ذهاب العلم ذهاب حمَلته ثلاث مرات».
ذهاب العلم بذهاب العلماء
قال ابن القيّم في دار السعادة: «فذهاب العلم إنما هو بذهاب العلماء قال ابن مسعود يوم مات عمر - رضي الله عنه -: إني لأحسب تسعة أعشار العلم اليوم قد ذهب، وقد تقدم قول عمر - رضي الله عنه -: «موت ألف عابد أهون من موت عالم بصير بحلال الله وحرامه»، قال الإمام النووي: «هذا الحديث يبين أن المراد بقبض العلم في الأحاديث السابقة المطلقة ليس هو محوَه من صدور حفاظه، ولكن معناه أنه يموت حمَلتُه، ويتخذ الناس جهّالا يحكمون بجهالاتهم، فيَضِلّون ويُضِلّون».
حديث عظيم
  • قوله: قال رسول لله - صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا، يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ»، قال ابن دقيق العيد في شرح الحديث: «هذا الحديث عظيم، جامع لأنواع من العلوم والقواعد والآداب، فيه فضل قضاء حوائج المسلمين، ونفعهم بما يتيسر من علم أو مال أو معاونة أو إشارة بمصلحة أو نصيحة أو غير ذلك، ومعنى تنفيس الكربة: إزالتها».
من ستر مسلمًا
  • قوله: (من ستر مسلمًا)؛ الستر عليه أن يستر زلاته، والمراد به الستر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس معروفا بالفساد، وهذا في ستر معصية وقعت وانقضت، أما إذا عُلم معصيتُه وهو متلبّس بها، فيجب المبادرة بالإنكار عليه ومنعه منها، فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر إن لم يترتب على ذلك مفسدة، فالمعروف بذلك لا يستر عليه؛ لأن الستر على هذا يطمعه في الفساد والإيذاء وانتهاك المحرمات وجسارة غيره على مثل ذلك، بل يستحب أن يرفعه إلى الإمام إن لم يَخَف من ذلك مفسدة، وكذلك القول في جرح الرواة والشهود والأمناء على الصدقات والأوقاف والأيتام ونحوهم، فيجب تجريحهم عند الحاجة، ولا يحل الستر عليهم إذا رأى منهم ما يقدح في أهليتهم، وليس هذا من الغيبة المحرمة، بل من النصيحة الواجبة.
إجمال وإيجاز بليغ
  • قوله: (والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه)، هذا الإجمال والإيجاز البليغ يمكن توضيح بعضٍ من مفهومه العام؛ فالعبد إذا عزم على التعاون مع أخيه في أمر من الأمور، فيه دفعُ شرّ عنه، أو جلبُ خير له، قولا كان أو فعلا؛ فلا ينبغي له أن يتردد أو يجبن عن إنفاذه، مادام مؤمنا بأن الله -تعالى- في عونه، ومن أبواب الخير التي يمكن التعاون فيها (طلب العلم)، ففي الحديث الحث على فضل التيسير على المعسر، وفضل السعي في طلب العلم، ويلزم من ذلك فضل الاشتغال بالعلم، والمراد: العلم الشرعي، ويشترط أن يقصد به وجه الله -تعالى- وإن كان شرطًا في كل عبادة.
فضل الاجتماع على تلاوة القرآن
  • قوله: قال - صلى الله عليه وسلم-: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم»، هذا دليل على فضل الاجتماع على تلاوة القرآن في المساجد، و(السكينة) ها هنا قيل: المراد بها الرحمة، وهو ضعيف لعطف الرحمة عليها، وقال بعضهم: السكينة الطمأنينة والوقار، وهذا أحسن، وفي قوله: (وما اجتمع قوم) هذا نكرة شائعة في جنسها، كأنه يقول: أيّ قوم اجتمعوا على ذلك كان لهم ما ذكره من الفضل كلية، فإنه لم يشترط - صلى الله عليه وسلم- هنا فيهم أن يكونوا علماءَ ولا زهادًا ولا ذوي مقامات. ومعنى: (حفتهم الملائكة) أيْ: حافتهم، من قوله ﻷ: {حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ} (الزمر: 75) أيْ: محدقين محيطين به مطيفين بجوانبه، فكأن الملائكة قريب منهم قربًا حفتهم حتى لم تدع فرجة تتسع لشيطان، وقوله: (وغشيتهم الرحمة) لا يستعمل (غشي) إلا في شيء شمل المغشي من جميع أجزائه، قال الشيخ شهاب الدين بن فرج: والمعنى في هذا فيما أرى أن غشيان الرحمة يكون بحيث يستوعب كل ذنب تقدم إن شاء الله -تعالى-.
قوله: (وذكرهم الله فيمن عنده) يقتضي أن يكون ذكر الله -تعالى- لهم في الأنبياء وكرام الملائكة والله أعلم، وقوله: (سهل الله له طريقًا إلى الجنَّة) أي في الآخرة أو في الدنيا، بأن يوفقه للأعمال الصالحة الموصلة إلى الجنة، وفيه بشارة بتسهيل العلم على طالبه؛ لأن طلبه من الطرق الموصلة إلى الجنة، قوله: وقال، أيْ الله ﻷ وهو معطوف على قوله؛ لقول الله: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ} (فاطر: 28)، قال الإمام النووي -رحمه الله تعالى-: في هذا الحديث: فضل المشي في طلب العلم، ويلزم من ذلك الاشتغال بالعلم الشرعي، بشرط أن يقصد به وجه الله -تعالى-، وإن كان هذا شرطًا في كل عبادة، العلماء يقيدون هذه المسألة؛ لكونه قد يتساهل فيه بعض المبتدئين ونحوهم.
فوائد طلب العلم
1- البصيرة في الدين. 2- التحصّن من الفتن. 3- الحذرُ من الشرك والبدع. 4- التقرّب إلى الله -تعالى- بطلب العلم ونشره. 5- رفع الجهل عن طالب العلم وعن المسلمين.
  • أثر طلب العلم على سلوك المسلم:
1- التعبدُ لله -سبحانه- بأسمائه الحسنى وصفاته العلا. 2- نصحُ الأمة، والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 3- شكرُ الله -تعالى- على نعمة العلم والهداية، وسؤاله الثباتَ عليها. 4- نشرُ العلم، والحرص على تعليم الناس ما ينفعهم. 5- الانكفاف عن المعاصي.


اعداد: د. عبدالرحمن الجيران







الساعة الآن : 04:18 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 273.11 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 272.14 كيلو بايت... تم توفير 0.98 كيلو بايت...بمعدل (0.36%)]