ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى حراس الفضيلة (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=103)
-   -   مكارم الأخلاق (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=314491)

ابوالوليد المسلم 25-05-2025 02:40 PM

مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق (1)


- حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (السلسلة الصحيحة)، كأنما يحصر النبي -صلى الله عليه وسلم - بعثته في إكمال أفضل الأخلاق، وهذا المنطق يستغله بعض من لا يريد الالتزام بالعبادات، الصلاة والصيام والحج، يحتج بأن (الدين الأخلاق)!
كنت وصاحبي بانتظار الطائرة في رحلة قصيرة إلى لبنان بعد انقطاع استمر أكثر من خمس سنوات.
- هذا لا يريد أن يرى الحق، إنما يتبع هواه، ولا أضل ممن اتبع هواه، لا تنفع معه الحجة ولا المنطق ولا الواقع، وأظن أن الإعراض عن نقاشه خير.
- ولكن لنفرض أن أحدهم قالها عن جهل، ويريد معرفة الحق.
- نعم لقد بعث الله النبي - صلى الله عليه وسلم - لإتمام مكارم الأخلاق وفي رواية (صالح الأخلاق)، وذلك أن الأخلاق أساس عظيم من أسس الشريعة، وإذا أردنا التوسع في المعنى، يمكن أن نقول: إن الأخلاق هي الدين، بمعنى التخلق مع الله، ومع الأنبياء ومع أوامر الله، وهذا هو الدين، ولكن لنتحدث عن الأخلاق بمعناها المعروف.
(الخلق)، بضم (الخاء) و(اللام)، الطبع والسجية، (ابن منظور)، وقيل (السلوك السائد) للإنسان، وقيل (حال للنفس راسخة، تصدر منها الأفعال من خير أو شر من غير حاجة إلى فكر وروية)، ويقال في مدح الشخص: إنه (ذو خلق)، مما يدل على أن الغالب فيها هو (السلوك الحسن)! وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لأتمم»، إما أن يتمم ما جاء به من سبقه من الأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام-، أو ليتم ما كان عليه العرب فيثبت ما كان من أخلاق حسنة، ويزيل ما كان من سيئ الأخلاق.
انضم إلينا (أبو مساعد) ثالثنا في هذه الرحلة، تأخر لاضطراره أن يتأكد من حالة أحد مرضاه في المستشفى قبل السفر، أخذ حاجته من القهوة، واسترخى في مقعده.
- تابِعا الحديث:
- كنا نتحدث عن (مكارم الأخلاق).
- موضوع جميل يهمله كثير من الناس، حتى من يلتزم بالعبادات! هكذا كان تعليق صاحبنا لمجرد أن عرف موضوع حديثنا.
- نعم، يغفل كثير من الناس أهمية الأخلاق في دين الله، فكما أن العبد يدرك المنازل العليا في الجنة بحفظ كتاب الله، والجهاد في سبيل الله، والدعوة إلى الله، فإنه يستطيع أن يدرك الفردوس بحسن خلقه.
لم يخف صاحبي إعجابه بهذه العبارة.
- زدنا توضيحا:
- في الحديث عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال: «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم» (صحيح أبي داود) وحديث أبي أمامة - رضي الله عنه - أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه» (صحيح أبي داود)، وماذا في أعلى الجنة؟ الفردوس، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم - عن درجات الجنة (والفردوس أعلى الجنة وأوسطها) (صحيح الترمذي).
علق (أبومساعد)، مستحسنا ما سمع:
- مع أني أعرف هذه الأحاديث إلا إنها المرة الأولى التي أنتبه إلى هذا المعنى، حسن الخلق، سبيل لنيل الفردوس!
- نعم هي كذلك، والحديث الآخر عن جابر بن عبدالله -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقا، وإن من أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون! قال: المتكبرون» (صحيح الترمذي).
- أحاديث جميلة.
- أشار صاحبي إلى الشاشة التي تظهر مواعيد الإقلاع مع البوابات.
- أمامنا ربع ساعة لبدء دخول البوابة.
- هذه الأحاديث وغيرها تبين أن العبد المؤمن ينبغي أن يبذل الجهد؛ ليحسن خلقه، مع الناس جميعا، فلئن كان حسن الخلق لا ينفع المشرك، وتارك الصلاة، كذلك سوء الخلق يحبط أجر الأعمال الصالحة، وإن عظمت، وتعرفون حديث المفلس.
- هلا بحثت لنا عن نصه وتخريجه؟
- لك ذلك، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لصحابته: «أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال - صلى الله عليه وسلم -: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار» (مسلم).
- أعوذ بالله من محبطات الأعمال.
- نعم، هذا رجل سيئ الخلق، ولكنه يصلي ويصوم ويزكي، كثير العبادات، تفنى حسناته بسبب سوء خلقه.
- لقد كان لنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة في كل جانب من جوانب حياته - صلى الله عليه وسلم -، ومن أهمها أخلاقه - صلى الله عليه وسلم -؛ فهو كما قال عنه رب العزة: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم:4)، وكان - صلى الله عليه وسلم - (خلقه القرآن)، كما وصفته أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها وعن أبيها- (المسند)، حتى قبل بعثته، كان (الصادق الأمين)، وبعد بعثته، (أتم مكارم الأخلاق) - صلى الله عليه وسلم -.



اعداد: د. أمير الحداد






ابوالوليد المسلم 04-06-2025 10:49 PM

رد: مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق (2)


في مطار بيروت، كانت الأمور طبيعية، أنهينا إجراءات الدخول، وأخذنا حقائبنا، أنهى صاحبنا إجراءات تأجير المركبة في طريقنا إلى المنزل في (عجلتون)، كنا نتابع مناظر البلد، بيوتها، إعلاناتها، شرفات المنازل، لم يتغير شيء، كأنما توقف الزمن عندهم، منذ عشر سنين، مع انتشار غطاء من الاكتئاب والحزن في سماء المدينة، رغم أن الطقس كان جميلا، مع زخات خفيفة من الأمطار.
في المساء اجتمعنا على عشاء خفيف في (زيت وزعتر). تابعنا حديثنا عن (مكارم الأخلاق).
  • لا شك أن حسن الخلق، ينفع العبد في دنياه وآخرته، فإن لم يكن مؤمنا بالله، بمعنى كان مشركا، ولكن ذا خلق حسن، من الكرم والصدق والشجاعة والأمانة والمروءة وحسن التعامل، فإنه ينال جزاءه في الدنيا (بحسن الذكر)، و(تخليد الاسم)، أما في الآخرة فإن حسن الخلق لا ينفع مع الشرك بالله، كما في حديث عدي بن حاتم الطائي (مضرب المثل في الكرم)، وكان صحابيا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أتى النبي -صلى الله عليه وسلم - فقال له: «يا رسول الله إن أبي كان ليصل القرابة ويحمل الكلّ ويطعم الطعام قال: هل أدرك الإسلام (هل أسلم؟) قال: لا، قال: إن أباك كان يحب الذكر (فناله)» وفي رواية الإمام أحمد «إن أباك طلب شيئا فأصابه» (حسنه الأرنؤوط).
  • وماذا عن حديث النبي -صلى الله عليه وسلم -: «إن خلق الإسلام الحياء»؟
  • نعم هذا الحديث يرويه عبدالله بن عباس - رضي الله عنه - قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «إن لكل دين خلقا وإن خلق الإسلام الحياء» (صحيح الجامع).
فالحياء رأس كل خلق حسن، ولا يأتي الحياء إلا بخير، ويكفي في الحياء هذا الحديث، فهو خلق الإسلام؛ ولذلك من فقد (الحياء) لا يتورع عن ارتكاب كل ذنب، كما في الحديث عن عقبه بن عامر] قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فافعل ما شئت» (البخاري) ففيه تهديد ووعيد (افعل ما شئت)! ومعنى (من كلام النبوة الأولى)، من كلام الأنبياء وما أتوا به من شرائع لم تنسخ وتتفق مع ما جاءت به شريعة الإسلام، وأن ما من نبي إلا وقد حثّ على الحياء.
  • وحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق» (صحيح المسند)، وفي رواية: «إن الله يبغض الفاحش المتفحش البذيء»، وحديث النبي -صلى الله عليه وسلم -: «إن الله كريم يحب الكرم، ويحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها» السلسلة الصحيحة يقول العلامة المناوي: أي: رديئها وحقيرها وفاسدها، فمن تخلق بمكارم الأخلاق أحبه الله ومن كانت أخلاقه رديئة أبغضه الله!
وضع الشاب المكلف بخدمتنا الطلب، مناقيش زعتر وطبق من الخيار والطماطم وصفيحة جبن مع الزعتر، وإبريق شاي!
  • إن مكارم الأخلاق لها مكانة عظيمة في دين الله، وهكذا ينبغي أن تكون عند كل مسلم، وعلى العبد أن يحافظ على ما وهبه الله من خلق حميد، ويكتسب ما ينقصه.
  • وهل الأخلاق فطرية أم مكتسبة؟
  • قد تكون فطرية، وقد تكون مكتسبة، ولكنها من التكاليف التي يثاب عليها العبد ويحاسب عليها يوم القيامة، في الحديث عن الوازع بن عامر] يقول: عندما قدمنا المدينة -وفد عبد القيس- مسلمين جعلنا نتبادر من رواحلنا (نستعجل بالذهاب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) نسلم عليه ونقبل يده، إلا المنذر الأشج، أتى راحلته فلبس ثوبيه، ثم أتى النبي -صلى الله عليه وسلم - في ثياب حسنة، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم -: «إن فيك خلتين، أو خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة، قال: يا رسول الله، أنا أتخلق بهما أم الله جبلني عليهما؟ قال: بل الله جبلك عليهما، فقال: الحمدلله الذي جبلني على خلّتين يحبهما الله ورسوله» (صحيح أبي داود)؛ فالمسلم يبحث في أخلاقه، يثبت الحسن منها، ويتخلص من السيء، ويكتسب ما ينقصه، حتى يكون (أكمل ما يستطيع)، في الأخلاق الحسنة كما قال -صلى الله عليه وسلم -: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا».
والحديث الآخر: «خياركم أحاسنكم أخلاقا، الموطؤون أكنافا، وشراركم الثرثارون المتفيهقون المتشدقون» (صحيح الجامع).
سأل أبو مساعد:
  • (الموطؤون أكنافا)، ما معناها؟
  • لغة (الكنف) هو جانب البهيمة ودابة موطأة الكنف: أي سهلة الركوب، والمقصود أن المؤمن سهل لين سمح كما في حديث ابن مسعود قال - رضي الله عنه -: «ألا أخبركم بمن يحرم على النار، وبمن تحرم عليه النار؟ على كل قريب هيّن سهل» (صحيح الترمذي).
وفي رواية: «حرم على النار كل هين لين سهل قريب من الناس» (المسند - صحيح).
أكملنا الحديث ونحن نستمتع بأول وجبة لنا في لبنان!
  • وفي الحديث عن أسامة بن شريك رضي الله عنه : «قالوا: يا رسول الله ما خير ما أعطي العبد؟ قال: خلق حسن» (صحيح ابن ماجه.
وفي المقابل سوء الخلق يحبط العمل ويفسده، كما في حديث عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما-قال -صلى الله عليه وسلم -: «وإن سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل» (السلسلة الصحيحة)».



اعداد: د. أمير الحداد






ابوالوليد المسلم 04-06-2025 10:50 PM

رد: مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق (3)


- لا شك أن مكارم الأخلاق تُبلِّغ صاحبها المنازل العلا من الجنة، فما شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق، وأقرب المؤمنين منزلة من النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسنهم أخلاقا؛ ولذلك وجب على العاقل أن يتعب نفسه لاكتساب مكارم الأخلاق ويتخلص من سيئها.
- وهل الأخلاق تكتسب؟
- دون شك؛ لذلك كانت سببا في الفوز بالحسنات أو خسارتها، ودخول الجنة أو الحرمان منها.
كنت وصاحبي في عيادة أخ لنا اضطُّر لدخول المستشفى ليلا لألم مفاجئ في بطنه، علمنا فيما بعد أنه التهاب (الزائدة)، وقد خضع لعملية لاستئصالها فورا.
- وهل يمكن أن نصنف الأخلاق كالعبادات، واجبات ونوافل؟
- ربما نستطيع أن نصنفها وفق الأحاديث، الأهم فما دونه، مثلا: أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم - التي تصف أخلاق المنافقين: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصله فيهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر» (متفق عليه)، وفي الرواية الأخرى: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» (متفق عليه).
فهذه أخلاق ينبغي على المسلم أن يتخلق بها، الصدق والوفاء وحفظ العهد وأداء الأمانة والعدل.
- قبل أن نخوض في الأمور الشرعية، دعنا نمهد لذلك بمفاهيم لغوية، كيف عرف أهل اللغة (الأخلاق)؟
- (الخلق) بضم الخاء، واللام أو سكونها، هو الطبع والسجية، وحقيقته أنه لصورة الإنسان الباطنة! وذلك أن الخَلْق (بالفتح) صورته الظاهرة و(الخُلق) بالضم، صورته الباطنة، وهي الأهم، قال الراغب الاصبهاني: «والخَلق والخُلق في الأصل واحد، كالشُّرب(تجرع الماء) والشِّرْب(النَّصِيبُ مِنَ المَاءِ)، ولكن خص الخلق (بالفتح) بالهيئات والأشكال والصور المدركة بالبصر، وخص الخلق (بالضم) بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة. (مفردات ألفاظ القرآن).
وحيث إن الصورة الظاهرة لا يملك المرء تغييرها؛ فهي ما خلقه الله عليها، لن يحاسب عليها، أما الباطنة، يستطيع المرء تغييرها إن كانت سيئة ويزيدها إن كانت حسنة، فكانت مناط الثواب والعقاب؛ فالعبد مأمور بأن يتخلق بالأخلاق الحسنة؛ فيثاب عليها، ومأمور أن يترك سيئ الأخلاق فلا يعاقب عليها، فأصبحت من التكاليف الشرعية التي بينها الله -عز وجل- في الكتاب والسنة.
في الحديث: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (السلسلة الصحيحة)؛ فأصبحت الأخلاق الحسنة هي التي حسنها الشرع، والأخلاق السيئة هي التي قبحها الشرع؛ فلا ينبغي لعبد أن يجتهد في تحسين شيء أو تقبيحه.
وصلنا المكان الذي نريد، سألنا عن الجناح والغرفة، لم يكن صاحبنا قد تعافى من آلام العملية، كان نائما، وحمَّلنا ابنه سلامنا ودعاءنا له، وعدنا إلى مركبتنا.
- هل تذكر عدد الملائكة الذين يصحبون من يعود مريضا؟
- كلا، ولن أضمن، ذكرني به.
- الحديث عن علي - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا عاد الرجل أخاه المسلم، مشى في خرفة الجنة حتى يجلس، فإذا جلس غمرته الرحمة، فإذا كان غدوه صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإذا كان مساء صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح» (السلسلة الصحيحة) (خرفة الجنة - جناها وثمرها).
- أسأل الله أن ننال هذا الأجر العظيم! لنرجع إلى موضوعنا.
- نعم كنا نتكلم عن تعريف (الأخلاق) لغة، قال الطاهر بن عاشور: «خلق بضمتين، السجية المتمكنة في النفس باعثة على عمل يناسبها من خير أو شر، فيقال: خلق حسن، ويقال في ضده خلق ذميم، فإذا أطلق عن التقييد انصرف إلى الخلق الحسن والخلق في الاصطلاح: ملكة (بالفتح)، أي كيفية راسخة في النفس متمكنة في الفكر تصدر بها عن النفس أفعال صاحبها دون تأمل».
- أعتقد أن المهم في الموضوع: أن يعلم العبد أن الأخلاق تؤخذ من القرآن والسنة، ومن أسس شريعة الله، أن يحاسب العبد على تلك الأخلاق، فيثاب بالحسنات، أو يعاقب بالسيئات.
- نعم هي كذلك، وثوابها عظيم عند الله -عز وجل- كما أن سيفها عقابه شديد.
- وكيف نرتبها من حيث الواجب منها والنافلة؟
- كما قلنا سابقا، الواجب ترك الأسوأ منها، وهي أخلاق المنافقين، الكذب والغدر والخيانة وفي كتب الأخلاق يذكر العلماء مجموعها منها: دون ترتيب: «مكارم الأخلاق عشرة: صدق الحديث، وصدق البأس، وحفظ اللسان، وإعطاء السائل، والمكافأة بالصنائع، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، والإحسان إلى الجار، وحسن الصحبة، وإقراء الضيف، ورأسهن الحياء».
وأظن أن تتبع الأحاديث يغني كل ترتيب، فكما قلنا: إن أسوأها هي أخلاق المنافقين، وأفضلها ما ورد في حديث أبي أمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، وبيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه» (صحيح أبي داود) و(حسّن) خلقه أي أتعب نفسه في نيل الأخلاق الحسنة، كأنه هو الذي (حسّن) خلقه.



اعداد: د. أمير الحداد






ابوالوليد المسلم 25-06-2025 01:37 PM

رد: مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق (4) صدق الحديث


هل يمكن أن نصنف الأخلاق إلى: فرائض وواجبات وسنن؟
- لم أطلع على كتاب يصنفها بهذه الطريقة، ولكن لا شك بعضها أهم من بعض؛ فالصدق والأمانة أهم من التغافل وقبول الأعذار، وكلها مهم للمسلم.
والرسول - صلى الله عليه وسلم - ذكر لنا بعض أخلاق المنافقين، حتى نحرص أشد الحرص بألا نتخلق بها، كما في الحديث، «آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»، وفي رواية: «وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم» (متفق عليه).
وفي الحديث الآخر: «أَرْبَعٌ مَن كُنَّ فيه كانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، ومَن كَانَتْ فيه خَصْلَةٌ منهنَّ كَانَتْ فيه خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حتَّى يَدَعَهَا: إذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وإذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وإذَا خَاصَمَ فَجَرَ». (متفق عليه)؛ فهذه الأخلاق أول ما ينبغي على المسلم أن تكون فيه.
صاحبي كثير السفر إلى الشارقة، ابنه وابنته يدرسان هناك، البنت صيدلة والولد طب أسنان، استأجر لهما شقة في منطقة مميزة، يذهب كل شهر للاطمئنان عليهما وللراحة والاستجمام! يدعوني لمرافقته؛ لأنه اعتاد النزول في فندق مطل على (بحيرة خالد).
- إن اكتساب الأخلاق الحميدة والتخلص من الأخلاق الذميمة من أفضل العبادات التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم؛ فهي أهم من نوافل العبادات كالصلاة والصيام والصدقة والعمرة، ومع ذلك لا ينتبه لها كثير من الناس.
- دعنا نفصل في خلق (صدق الحديث).
- ونحن نتكلم هنا عن صدق الحديث مع البشر، وإلا فصدق القلب ركن وأساس للدخول في الإسلام؛ فمن كان كاذبا في القلب فهو منافق نفاقا أكبر: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (المنافقون).
وهؤلاء -والعياذ بالله- في الدرج الأسفل من النار! صدق الحديث: هو أن يتحرى العبد ألا يقول إلا حقا، ولاسيما إذا ترتب على ذلك بيان حق وإثبات ملك أو ضياعه، كما في الشهادة عند القاضي؛ وذلك أن الكذب في الشهادة يسمى زورا، كما في حديث أبي بكرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟! قلنا بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئا فجلس؛ فقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور، ألا وقول الزور وشهادة الزور! فما زال يقولها حتى قلت: لا يسكت» (البخاري)، وفي رواية: «حتى قلنا: ليته سكت»، من شدة ما حذر منها.
فالمؤمن يتحرى الصدق في كل حديثه، ولاسيما إذا كان ينقل حديثا عن غيره أو واقعة شهدها؛ حتى لا يترتب على ما يقول مفسدة. و«التحلي بالصدق» يُكتسب بالممارسة، والمران، كما في حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق، حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب! فإنه يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب، حتى يكتب عند الله كذابا» (متفق عليه واللفظ من صحيح الترمذي). المراد هنا (يتحرى الصدق) يجتهد أن يكون دقيقا صادقا في نقله للأحداث والأقوال، لا يزيد ولا ينقص، ومن لم يكن دقيقا فلا ينبغي أن ينقل كلام غيره! ففي ذلك مفسدة عظيمة.
قاطعني صاحبي.
- صدقت، لدي أخت -هداها الله- رغم صفاء نيتها، ونقاء سريرتها إلا أن نقلها للأحاديث غير دقيق؛ فتسبب مشكلات بين الإخوان، وأحيانا بين الأزواج، دون أن تقصد، حتى ثبت عندنا ألا نأخذ كلامها أنه حق إلا بعد التثبت!
- إن اكتساب الصدق لا يتحقق إلا بالممارسة، حتى يصبح الصدق سجية وخلقا، فلا يكذب وإن كان مازحا!
كنا بانتظار وصول المطعم العائم، قارب يقدم وجبة العشاء مع رحلة هادئة في البحيرة.
بحث صاحبي في هاتفه.
- اسمع هذا الحديث عن الحسن بن علي بن أبي طالب -رضي الله عنهما- قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك؛ فان الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة». (صحيح الترمذي).
- كم كان عمر الحسن بن علي، عندما توفي النبي -صلى الله عليه وسلم -؟
- كان في الثامنة، مما يدل على فطنته وحذقه وضبطه للحديث!
- نعم، ومن الأمور التي ينبغي أن يعود العبد نفسه عليها، ألا يتحدث بكل ما يسمع، فإنه عرضة أن يقع في الخطأ، في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما يسمع» (مسلم)؛ وذلك أنه وإن كان صادقا فيما يحدث به، قد يكون مصدره كاذبا، أو غير دقيق في نقله، فلا عذر له في نقل كلام خطأ من أصله، كما في حديث أبي قلابة عبدالله بن زيد - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «بئس مطية الرجل زعموا» (صحيح أبي داوود)، فهو شريك في هذه الكذبة لعدم تثبته فيما نقل!
- إن الحديث عن خلق (صدق اللسان) لا ينتهي، ولكنه خلق يجب على المؤمن اكتسابه، ذلك أن الكذب -وإن لم يكن عن قصد- خلق سيئ، يحبط العمل ويمحو الأجر.
دعني أنقل لك بعض ما جمعت عن الصدق.
قسم الله -سبحانه- الناس إلى صادق ومنافق؛ فقال: {لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا} (الأحزاب:24)، والإيمان أساسه الصدق، والنفاق أساسه الكذب؛ فلا يجتمع كذب وإيمان إلا وأحدهما محارب للآخر، وأخبر -سبحانه- أنه في يوم القيامة لا ينفع العبد وينجيه من عذاب الله إلا صدقه، قال -تعالى-: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (المائدة: 119).
وكان لأبي بكر الصديق -رضى الله عنه وأرضاه-: ذروة سنام الصديقية سمي الصديق على الإطلاق، والصديق أبلغ من الصدوق، والصدوق أبلغ من الصادق، فأعلى مراتب الصدق، مرتبة الصديقية، وهي كمال الانقياد للرسول مع كمال الإخلاص.
وقد أمر الله -تعالى- رسوله - صلى الله عليه وسلم -: أن يسأله أن يجعل مدخله ومخرجه على الصدق فقال: {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا} (الإسراء:80)، وأخبر عن خليله إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- أنه سأله أنه يهب له لسان صدق في الآخرين فقال: {وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} (الشعراء:84)، وبشر عباده فقال -تعالى-: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ} (يونس:2)، وقال: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} (القمر)؛ فهذه خمسة أشياء: مدخل الصدق، ومخرج الصدق، ولسان الصدق، وقدم الصدق، ومقعد الصدق.



اعداد: د. أمير الحداد






ابوالوليد المسلم 08-07-2025 02:27 PM

رد: مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق (5) أداء الأمانة

- إن مما ينبغي أن يكون المؤمن حريصا عليه -بعد أداء الواجبات- أن يتحلى بمكارم الأخلاق، وأولها ألا يتصف بأخلاق الكفار والمنافقين. - هل لنا بمزيد بيان لهذه العبارة الأخيرة؟ - نعم، في كتاب الله آيات تصف الكافرين، وآيات تصف المنافقين، وآيات تصف اليهود، يريد الله منا أن نتجنب هذه الصفات والأخلاق والتصرفات، مثلا يقول الله -تعالى-: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ} (آل عمران:156). ويقول -سبحانه-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا} (الأحزاب:69)، ويقول -تعالى-: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} (النساء:142). وفي الحديث، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان» (متفق عليه)، وفي زيادة (مسلم): «وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم». فالمؤمن يكره هذه الفئات من البشر، ولا يريد أن يصنف ضمنها، أو أن ينتمي لها بأي شكل من الأشكال؛ لذا يحرص ألا يخون الأمانة، تنفيذا لأمر الله -تعالى- للمؤمنين بأداء الأمانات، فهو بين اتباع أمر الله -عز وجل- ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وبين البعد عن صفات المنافقين، كل ذلك يدفعه إلى أداء الأمانة كما يحب ربنا ويرضى. كنت وصاحبي في جلسة هادئة بعد صلاة المغرب، وقد خلا المسجد من المصلين، جلسنا في المكتبة ننتظر صلاة العشاء. - هل تذكر حديث «رفع الأمانة؟». - لا أحفظه ولكن أستطيع أن أستخرجه في هاتفي، وبالفعل وجدت الحديث، عن حذيفة بن اليمان، قال: حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثين، قد رأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن وعلموا من السنة، ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: «إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة، وحدثنا عن رفعها قال: ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوَكْت، ثم ينام النومة فتقبض فيبقى فيها أثرها مثل أثر المَجْل، كجمر دحرجته على رجلك فنَفَط، فتراه منتبرا وليس فيه شيء»، ثم أخذ حصاة فدحَرجه على رجله «فيصبًح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلا أمينا، ويقال للرجل: ما أعقله وما أظرفه وما أجلده! وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان» (متفق عليه). - هذا الحديث يحتاج إلى شرح: - أتفق معك، دعنا نبحث في «المكتبة الشاملة» عن شرح هذا الحديث: قوله: «جذر» وهو أصل الشيء و«الوكت» الأثر اليسير و«المجل» تنفط في اليد ونحوها من أثر عمل وغيره. قوله: «منتبرا»: مرتفعا. يعني: أن الأمانة نزلت في القلوب بالفطرة، ثم نزل القرآن شفاء من الجهل، نور على نور ولا تقبض الأمانة إلا بسوء العمل. حين يضعف الدين وتغلب الشهوات وتسيطر المادية، فإن الأمانة ترتفع من النفوس، كما يرتفع النور من القلوب، ويحل محل هذا النور الإلهي الران والغشاوة، وينكت في القلب نكتة سوداء، وستقل الأمانة، حتى لا يكاد الأمين يوجد، وحتى تسري بذكره الركبان. قال صاحب التحرير معنى الحديث: أن الأمانة تزول عن القلوب شيئا فشيئا، فإذا زال أول جزء منها زال نورها، وخلفته ظلمة كـ(الوكت)، وهو اعتراض لون مخالف للون الذي قبله؛ فإذا زال شيء آخر صار كـ(المجل)، وهو أثر محكم لا يكاد يزول إلا بعد مدة، وهذه الظلمة فوق التي قبلها، ثم شبه زوال ذلك النور بعد وقوعه في القلب وخروجه بعد استقراره فيه واعتقاب الظلمة إياه بجمر، يدحرجه على رجله حتى يؤثر فيها، ثم يزول الجمر، ويبقى التنفط، وأخذه الحصى ودحرجته إياه، أراد به زيادة البيان وإيضاح المذكور. وهذا المعنى ذكره النووي في شرح صحيح مسلم. قال الله -تعالى-: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} (الأحزاب:72). قال صاحب التحرير الأمانة المذكورة في الحديث هي الأمانة المذكورة في الآية، وهي عين الإيمان، فإن استمكنت في القلب قام بأداء ما أمر به، واجتنب ما نهي عنه. وقال ابن التين: الأمانة كل ما يخفى ولا يعلمه إلا الله من المكلف، وعن ابن عباس: هي الفرائض التي أمروا بها ونهوا عنها، وقيل: هي الطاعة، وقيل: هي التكاليف. فالأمانة في قول جميعهم: الطاعة والفرائض التي يتعلق بأدائها الثواب وبتضييعها العقاب. وما الأمانة في الأموال إلا جزئية من جزئيات الأمانة في معناها الشرعي العام. ومن علامات الساعة رفع الأمانة بين الأفراد، وإهدارهم حقوق بعضهم بعضا، وقد ورد في هذا الصنف قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة قيل: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» (البخاري)، وفي حديث حذيفة يربط الأمانة بقوة الإيمان؛ فحيث نزل الإيمان في القلوب وثبت في النفوس، واستوثق بقراءة القرآن والتفقه فيه، ورسخ بالسنة والعمل بها تحققت الأمانة، وتمكنت، وأصبح الدين مانعا من الخيانة، وحائلا بين شهوات النفس والشيطان وبين حقوق الآخرين.



اعداد: د. أمير الحداد






ابوالوليد المسلم 16-07-2025 08:23 PM

رد: مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق (6) الوفاء بالعهد

- ثالث صفة للمنافقين في الحديث: «إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» (متفق عليه)، إخلاف الوعد، عن قصد وسبق نية! - ولماذا يعد، إذا كان ينوي ألاّ يفي؟ - لأنه منافق!، هذا الصنف من البشر الذي توعّده الله بالدرك الأسفل من النار: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} (النساء:145).
وبالطبع هم المنافقون نفاقا اعتقاديا، آمنوا بأفواهم ولم تؤمن قلوبهم! هم أحقر خلق الله، وأشدهم على دين الله؛ لذا يحرص المؤمن الصادق ألا تكون فيه أي صفة من صفاتهم فضلا عن أخلاقهم وأعمالهم. صاحبي حساس جدا، عاطفي، يتأثر بسرعة، سلبًا وإيجابًا.
هاتفني على غير العادة قبل المغرب بساعة تقريبا، استأذن أن يزورني في مكاننا المعتاد (مكتبتي)، وافقت دون تردد فهو من خاصّة الإخوان.
وجدته مهموما، مكتئبا، حزينا. رحّبت به، كان يريد أن يتحدث وأسمع له. - تعرف فلان، لقد وعدني بكذا وكذا، منذ أكثر من عام، وهو يماطل واليوم صدمني بأنه لن يفي بما وعد! تركت صاحبي يقول كل ما عنده، فلما سكت اقتربت منه، وضعت يدي على منكبه.
وقلت: - يا أبا أحمد، لا تهتم كثيرا، الهمّ والحزن يُذهبان العافية، وكثير من الناس -أيامنا هذه- يُكثر الوعد ولا يفي بها، مع أن إخلاف الوعد من صفات المنافقين، والوفاء بالعهد من مكارم الأخلاق، هوّن عليك، ولا تتوقع من الناس كل ما تأمل فيهم. رفع رأسه وقال: - ألم يوصِنا الله -عز وجل-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (المائدة:1)، ألم يقل -سبحانه-: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} (الإسراء:34)، ألم يقل -سبحانه-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} (الصف).
- بلى، كل ذلك معلوم والأحاديث في ذلك كثيرة، ولكن قليلاً من الناس من يعمل بها، فلا تجعل الهمّ يثقل كاهلك.
دعني أقرأ لك شيئا عن الوفاء بالعهد، في صحيح أبي داود عن سليم بن عامر (رجل من حِمْيَر) قال: كان بين معاوية وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم، حتى إذا انقضى العهد غزاهم؛ فجاء رجل على فرس أو بِرْذَوْن وهو يقول: الله أكبر الله أكبر وفاء لا غدر؛ فنظروا فإذا هو عمرو بن عبسة؛ فأرسل إليه معاوية فسأله: فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من كان بينه وبين قوم عهد، فلا يشدّ عقدة ولا يحلّها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء»، بمعنى ألا ينقضي العهد ويفي به، أو يخبرهم بانتهاء العهد والاتفاق بينهما، وهل تعرف قصة (مواعيد عُرقوب)؟ ابتسم صاحبي، وقال: أخبرني ما قصتها؟ - كان عُرقوب رجلاً من العماليق، فأتاه أخ له يسأل شيئا فقال له عرقوب: إذا أَطْلَعَ نخلي، فلما أطلع أتاه، فقال إذا أبلح، فلما أبلح أتاه، فقال: إذا أرطب، فلما أرطب أتاه، فقال: إذا أتمر، فلما أتمر جَدّه ولم يعطه شيئا، فضرب به العرب المثل في خلف الوعد، وقيل: عرقوب جبل مكلل دائما بالسحاب ولا يمطر شيئا.. أراحتني ابتسامة صاحبي، تابعت الحديث: - وفي كتاب (الكبائر) ذكر (الكبيرة الثالثة والخمسون): عدم الوفاء بالعهد ولا شك أن المرء قد يعد بشيء ثم «يعجز» عن الوفاء به فهذا له عذر، فقد جاء في حديث زيد بن أرقم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا وعد الرجل أخاه ومن نيته أن يفي له فلم يف ولم يجئ للميعاد فلا إثم عليه» (رواه أبو داود والترمذي وضعفه الألباني).
الشاهد أن صفة المنافق تبييت النية بإخلاف الوعد فهذا خلقه وديدنه، وهؤلاء تجنب التعامل معهم. - وماذا عن حديث: «ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة»؟ - أحسنت يا أبا أحمد، هذا الحديث عن أنس - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لكل غادرٍ لواء يوم القيامة يعرف به» (متفق عليه)، وفي رواية الإمام أحمد: «لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به عند استه» وفي زيادة «بقدر غدرته»؛ فهذا يفتضح يوم القيامة أشنع فضيحة، ويعرف الناس جميعا أن كان يغدر العهد، وينقض المواثيق، ويخون المواعيد، وما أشدها من ذلك على رؤوس الأشهاد يوم القيامة! ولما أسرت قريش حذيفة بن اليمان وأباه -رضي الله عنهما- أطلقوهما وعاهدوهم ألا يقاتلاهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكانوا خارجين إلى بدر فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «انصرفا نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم» ( الصحيحة )، وثبت عنه أنه قال لأبي رافع وقد أرسلته إليه قريش فأراد المقام عنده وأنه لا يرجع إليهم فقال: إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البرد، ولكن ارجع إلى قومك فإن كان في نفسك الذي فيها الآن فارجع.
وثبت عنه أنه ردّ إليهم أبا جندل للعهد الذي كان بينه وبينهم أن يرد إليهم من جاءه منهم مسلما، ولم يرد النساء، وجاءت سبيعة الأسلمية مسلمة فخرج زوجها في طلبها فأنزل الله -عز وجل-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} (الممتحنة:11)، فاستحلفها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يخرجها إلا الرغبة في الإسلام، وأنها لم تخرج لحدث أحدثته في قومها، ولا بغضا لزوجها؛ فحلفت فأعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زوجها مهرها ولم يردها عليه فهذا حكمه الموافق لحكم الله.



اعداد: د. أمير الحداد






ابوالوليد المسلم 23-07-2025 05:32 PM

رد: مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق (7) الحياء

عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن لكل دين خلقاً وإن خلق الإسلام الحياء» (صحيح ابن ماجه)، وفي زيادة عن ابن عبدالبر برواية معاذ بن جبل: «من لا حياء له لا دين له». - هذا الخلق العظيم الذي كاد أن ينعدم أيامنا هذه، مع اتخاذ وسائل التواصل الاجتماعي لجني الأموال وتحقيق الثروات، ولاسيما عند النساء، نسأل الله العافية. كان صاحبي يعبر عن استيائه من صعوبة السيطرة على الأحفاد وانجرافهم وراء ثقافة لا تمت إلى الإسلام بصلة. - تبقى ثوابت الدين هي الأصلح، وإن كثر الخبيث وانتشر، فإنه زبد: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} (الرعد:17)، (الحياء) خلق هذا الدين الكامل الذي اختاره الله -تعالى- لنا وبعث به محمدا - صلى الله عليه وسلم -، و(الحياء) رأس الفضائل، من تركه ترك خيرا كثيرا، كما في حديث الصحيحين: «الحياء لا يأتي إلا بخير»، وعند مسلم «الحياء خير كله» في طريقنا لأداء صلاة العصر في المقبرة. - يقول ابن القيم -رحمه الله- في مدارج السالكين: «حياة القلوب يكون فيه قوة خلق الحياء، وقلة الحياء من موت القلب والروح؛ ولهذا كان خلق الحياء مشتقا من الحياة اسما وحقيقة؛ فأكمل الناس حياة أكملهم حياء، ونقصان حياء المرء من نقصان حياته؛ فإن الروح إذا ماتت لم تحس بما يؤلمها من القبائح فلا تستحيي منها...»، ويقول في (مفتاح دار السعادة): «ثم تأمل هذا الخلق الذي خص الله به الإنسان دون الحيوان، وهو خلق الحياء الذي هو أفضل الأخلاق وأجلها وأعظمها قدرا وأكثرها نفعا، بل هو خاصة الإنسانية! فمن لا حياء فيه ليس معه من الإنسانية إلا اللحم والدم وصورتهم الظاهرة، كما أنه ليس معه من الخير شيء». - صدق والله ابن القيم، وكما في الحديث عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إن لم تستح فاصنع ما شئت» (البخاري)، والحياء من الإيمان، كما في الحديث: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، الحياء شعبة من الإيمان» (صحيح الترغيب)؛ بل عند الإمام أحمد: «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة». استدرك علي صاحبي: - الحديث عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر على رجل من الأنصار يعظ أخاه في الحياء فقال له - صلى الله عليه وسلم -: «دعه فإن الحياء من الإيمان» (متفق عليه)، والحديث الآخر: «الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة والبذاء من الجفاء والجفاء في النار» (السلسلة الصحيحة». كان الطقس حارا، جافا، ولكننا التزمنا بالذهاب لاتباع جنازة أحد رواد المسجد، وأداء أحد حقوقه علينا! - المشكلة أن العامة لا يفرقون بين الخجل والحياء؛ فالأول منقصة، والثاني منقبة، ذاك الخلق الذي يبعث صاحبه على اجتناب القبيح ويمنع التقصير في حق ذي الحق، وقيل الحياء ضد الوقاحة ولا شك أنه خلق يوجد مع الفطرة السليمة، من فقده يفقد المروءة، وعز النفس، والنخوة، بل ويفقد من دينه على قدر ما يفقد من الحياء! دعني أقرأ لك ما تيسر في الشبكة العنكبوتية العالمية عن الحياء: الحياء من صفات الرب -سبحانه-، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن ربكم حيي كريم، يستحيي من عبده أن يرفع إليه يديه، فيردهما صفرا، أو خائبتين» (صحيح - رواه ابن ماجه). قال ابن القيم - رحمه الله-: «وأما حياء الرب -تعالى- من عبده فنوع آخر لا تدركه الأفهام، ولا تكيفه العقول؛ فإنه حياء كرم وبر وجود؛ فإنه -تبارك وتعالى- حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا، ويستحيي أن يعذب ذا شيبة شابت في الإسلام». والحياء من خلق الملائكة قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في عثمان - رضي الله عنه -: «ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة؟» (رواه مسلم). والحياء زينة الأخلاق لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما كان الفحش في شيء إلا شانه، وما كان الحياء في شيء إلا زانه» (صحيح - رواه الترمذي وابن ماجه) وفي بيان التطبيق العملي للحياء قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «استحيوا من الله حق الحياء». قالوا: إنا لنستحيي والحمد لله. قال: «ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى، وتتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء» (حسن - رواه الترمذي). وعن سعيد بن يزيد الأزدي؛ أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أوصني، قال: «أوصيك أن تستحيي من الله -عز وجل-؛ كما تستحيي من الرجل الصالح من قومك». (صحيح - رواه أحمد). ومن الحياء ستر العورات لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله -عز وجل- حيي ستير، يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر» (صحيح) استوقفني صاحبي: - هذه، هذه التي تخلى عنها الناس لأجل المال والشهرة، لا يسترون عورة، ولا خصوصية، ولا فاحش الكلام. وماذا عن شرح قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أن تستحيي من الله كما تستحيي من الرجل الصالح...» (الحديث). إليك شرحه: قال ابن جرير: هذا أبلغ موعظة وأبين دلالة بأوجز إيجاز وأوضح بيان؛ إذ لا أحد من الفسقة إلا وهو يستحيي من عمل القبيح عن أعين أهل الصلاح وذوي الهيئات والفضل أن يراه وهو فاعله، والله مطلع على جميع أفعال خلقه؛ فالعبد إذا استحيا من ربه استحياءه من رجل صالح من قومه، تجنب جميع المعاصي الظاهرة والباطنة، فيا لها من وصية ما أبلغها وموعظة ما أجمعها!، ولذلك لا يستحيي من الحيوان ولا من الأطفال ولا من الذين لا يميزون، ويستحيي من العالِم أكثر مما يستحيي من الجاهل، ومن الجماعة أكثر ما يستحيي من الواحد، والذين يستحي منهم الإنسان ثلاثة: البشر ثم نفسه ثم الله -تعالى-، ومن استحيا من الناس ولم يستحي من نفسه، فنفسه عنده أخس من غيره، ومن استحيا منها ولم يستحي من الله؛ فلعدم معرفته بالله؛ ففي ضمن الحديث حث على معرفة الله -تعالى-.



اعداد: د. أمير الحداد







ابوالوليد المسلم 29-07-2025 03:37 PM

رد: مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق (٨)

قضاء الحاجات

- يحتار المرء فيم يقّدم أو يؤخر من مكارم الأخلاق، وإن كنا نتفق على أن أهمها، صدق الحديث، وأداء الأمانة، والوفاء بالعهد، وعكس ذلك من صفات المنافقين، ولكن ماذا بعد هذه الأولويات، الرفق، أم كظم الغيظ، أم الإحسان إلى الجار، أم العفو عن المسيء، أم ستر المسلمين، أم إصلاح ذات البين؟ قاطعته: - وما المانع أن يأتي بها كلها؟ وهناك أعمال تحتاج إلى قدرات يجب أن تتوفر عند العبد، مثلا قضاء حاجات الناس، هذه لا يستطيع كل أحد أن يفعلها، بل تتطلب شخصية ذات مقومات.
كنت وصاحبي في طريقنا لزيارة أخ لنا في مخيمه بمنطقة (السالمي) -تبعد عن العاصمة مئة كيلو متر تقريبا-، دعانا لقضاء مساء في الصحراء مع إبله. انطلقنا بعد صلاة العصر.
- أعتقد أن المرء يستطيع أن يكتسب أي خلق يمرن نفسه عليه. - نعم هذا صحيح، ولكن ينبغي أن يصل إلى مرحلة يؤدي فيها الطاعة وهو (راغب) فيها ومحب لها، ومقبل عليها، وقضاء حاجات المسلمين من الأعمال التي يعطي الله عليها جزيل الثواب.
دعني اقرأ لك ما يظهر لي من أحاديث في هذا الباب من هاتفي: عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أحب الناس إلى الله -تعالى- أنفعهم للناس وأحب الأعمال إلى الله -عز وجل- سرور يدخله على مسلم، أو يكشف عنه كربة، أو يقضي عنه دينا، أو يطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة، أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد (يعني: مسجد المدينة) شهرا، ومن كفّ غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له، أثبت الله قدمه يوم تزلُّ الأقدام» وإن سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل» (السلسلة الصحيحة).
وعن جابر - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خير الناس أنفعهم للناس» (صحيح الجامع).
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -: «من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (رواه مسلم).
- لذلك أظن أن العلماء قالوا: «إن العبادة المتعدية إلى الآخر أفضل من العبادة القاصرة على الفرد» - نعم.. هذه قاعدة جميلة في باب أعمال الخير. قال المناوي: «وفيه حث على قضاء حوائج الخلق ونفعهم بما تيسر من علم أو مال أو جاه، أو إشارة أو نصح أو دلالة على خير، أو إعانة أو شفاعة أو غير ذلك» (انتهى).
- لا شك أنها نعمة عظيمة من الله -عز وجل- بها على العبد أن يجعله سببا في قضاء حاجات الناس، سواء بمكانته في المجتمع وجاهه، أو مركزه، أو معارفه، ولكن ينبغي أن يستحضر قبل كل ذلك أنه يعمل لوجه الله -تعالى-؛ فيخلص النية دائما لوجه الله -تعالى-، لا ليقال فلان كريم وفلان ذو جاه وفلان وفلان.
- نعم هذا شرط أساسي في كل عمل، أن يجدد العبد نيته أو يعمل لوجه الله -تعالى-، وابتغاء مرضاة الله -عز وجل-، لا لأجل دنيا وسمعة وشهرة، وغير ذلك وهذا الخلق (أعني إخلاص النية لله)، ينبغي أن يربي العبد نفسه عليه؛ لأنه يدخل في جميع أبواب الخير، وأحوج ما يكون إليه العبد في الأعمال التي يعملها لأجل الآخرين؛ فإنه يأخذ من وقته، وجهده وربما من اعتداده بنفسه ومكانته، ليسعى عند الآخرين لقضاء حوائج الناس، هذه تحتاج إلى مجاهدة؛ لذلك فإن أجرها عظيم عند الله -تعالى-.
في الحديث أيضا، عن أبي موسى الأشعري قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «على كل مسلم صدقة، قيل أرأيت إن لم يجد؟ قال: يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق، قيل أرأيت إن لم يستطع؟! قال: يأمر بالمعروف أو الخير، قيل أرأيت إن لم يفعل؟ قال يمسك عن الشر فإنها صدقة» (متفق عليه).
- إن مما يدفع المرء إلى قضاء حاجة إخوانه ممن يستطيع أن يعينهم، حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا، فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما، ستره الله يوم القيامة» (متفق عليه)، هذا دافع عظيم ليسعى العبد في قضاء حوائج إخوانه، ويفرج عنهم كرباتهم؛ فإن الله يقضي حاجاته، ويفرج عنه من كرب يوم القيامة وأهوالها العظيمة، فهو في سعيه لنفع إخوانه إنما ينفع نفسه منفعة أعظم، وهذا مثل الدعاء للإخوان في ظهر الغيب، كما في حديث أبي الدرداء قال:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل» (مسلم).


اعداد: د. أمير الحداد




ابوالوليد المسلم 05-08-2025 01:42 PM

رد: مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق (9) ستر العورات

- في حديث ماعز بن مالك الذي أقام عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - حد الزنا عجا! - ماذا تعني؟! - دعني أقرأ عن تفاصيل الحدث كما ورد في مسند الإمام أحمد. روى أحمد عن وكيع حدثنا هشام بن سعد أخبرني يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه (هزال بن يزيد الأسلمي) قال: كان ماعز بن مالك في حجر أبي، فأصاب جارية من الحي؛ فقال له أبي ائت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فأخبره بما صنعت لعله يستغفر لك، وإنما يريد بذلك رجاء أن يكون له مخرج، فأتاه فقال: يا رسول الله، إني زنيت فأقم علي كتاب الله، فأعرض عنه، ثم أتاه الثانية فقال: يا رسول الله، إني زنيت فأقم علي كتاب الله، ثم أتاه الثالثة فقال: يا رسول الله، إني زنيت فأقم علي كتاب الله، ثم أتاه الرابعة فقال يا رسول الله، إني زنيت فأقم علي كتاب الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: إنك قد قلتها أربع مرات فبمن؟ قال بفلانة، قال هل ضاجعتها؟ قال: نعم. قال: هل باشرتها؟ قال: نعم. قال: هل جامعتها؟ قال: نعم. قال: فأمر به أن يرجم، قال: فأخرج به إلى الحرة، فلما رجم فوجد مس الحجارة جزع؛ فخرج يشتد، فلقيه عبدالله بن أنيس وقد أعجز أصحابه؛ فنزع له بوظيف بعير فرماه به فقتله، قال: ثم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم- فذكر ذلك له؛ فقال: هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه. قال هشام فحدثني يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال لأبي حين رآه: «والله يا هزال لو كنت سترته بثوبك كان خيرا مما صنعت به».
(حديث صحيح لغيره) عندما أقيم على ماعز الحد هرب، فلقيه عبدالله بن أنيس فضربه بوظيف بعير (وهو عظم فوق الرسغ من ساق البعير)، فقتله، فلمّا علم النبي - صلى الله عليه وسلم- كأنه عاتب من فعل ذلك فقال: «هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه»، والأعجب من ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم- عندما لقي هزال قال له: «والله يا هزال لو كنت سترته بثوبك كان خيرا مما صنعت به»! أي لو لم تنصحه أن يأتي ويعترف بجرمه ويصر على ذلك، لو سترته ونصحته بالتوبة لكان خيرا من أن يقام عليه الحد!. لم يخف صاحبي إعجابه بهذه الملاحظة.
- أول مرة أنتبه إلى هذه النقطة في حديث ماعز المشهور، الستر مع التوبة خير من الإقرار بالذنب للحاكم وإقامة الحد! - نعم هذا لمن لم يكن من المجاهرين بالمعاصي، الناشرين للرذيلة، الداعين إلى الفاحشة، الله -سبحانه- يحب الستر، ومن أسمائه الحسنى (الستير)، والأحاديث التي تحث على ستر عورات المسلمين وعثراتهم وزلاتهم كثيرة، منها: روى الشيخان عن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة». وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة».
وروى أبو داود عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته» (صحيح أبي داود).
وروى أبو داود عن راشد بن سعد عن معاوية بن أبي سفيان قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول: «إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم، فقال أبو الدرداء كلمة سمعها معاوية من رسول الله نفعه الله -تعالى- بها» (صحيح أبي داود).
وروى الشيخان عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه».
وفي تفسير الطاهر بن عاشور عند قوله -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (النور:19).
من أدب هذه الآية أن شأن المؤمن ألا يحب لإخوانه المؤمنين إلا ما يحب لنفسه، فكما أنه لا يحب أن يشيع عن نفسه خبر سوء، كذلك عليه ألا يحب إشاعة السوء عن إخوانه المؤمنين. قال ابن القيم: «للعبد ستر بينه وبين الله، وستر بينه وبين الناس فمن هتك الستر الذي بينه وبين الله، هتك الله الستر الذي بينه وبين الناس» (الفوائدص64).
قاطعني صاحبي: - كل هذه الأحاديث جميلة، وتبين جانبا من كمال الشريعة، ولكن بعض الناس يسكت والمعصية تقع أمام عينه، ويجالس أهل المعاصي ولا ينكر عليهم، ولا يبلغ عنهم، ألا يكون ذلك مثل قول الله -تعالى-: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} (المائدة).
- أحسنت يا أبا الوليد، الناس في المعاصي قسمان، مستور لا يعرف بشيء من المعاصي، ومجاهر مشتهر بالمعاصي، أما من ستر نفسه، إن اطلعت عليه يرتكب المعصية، استره وربما تنصحه فيما بينك وبينه، ولا تتحدث عن معصيته.
عن أحمد بن حنبل: قال المروذي: قلت لأبي عبدالله أحمد بن حنبل: اطلعنا من رجل على فجور، وهو يتقدم يصلي بالناس، أخرج من خلفه؟ قال: اخرج من خلفه خروجا لا تفحش عليه.
قال الإمام النووي: المعروف بالأذى والفساد يستحب ألا يستر عليه، بل ترفع قضيته إلى ولي الأمر إن لم يخف من ذلك مفسدة، هذا كله في ستر معصية وقعت وانقضت. أما معصية رآه عليها وهو بعد متلبس بها، فتجب المبادرة بإنكارها عليه ومنعه منها على من قدر على ذلك، ولا يحل تأخيرها؛ فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر إذا لم تترتب على ذلك مفسدة.
إذا كان الواجب عليه ستر عيوب عامة الناس الذين لا يجاهرون بالمعاصي، فإن العلماء وولاة الأمور أولى الناس بستر العيوب.
روى أبو داود عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود» (صحيح أبي داود).
قال صاحب كتاب عون المعبود: اعفوا عن أصحاب المروءات والخصال الحميدة، وذوي الوجوه من الناس، الذين لا يجاهرون بالمعاصي، ولكن تقع منهم بعض الزلات.
روى أحمد عن عياض بن غنم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: «من أراد أن ينصح لسلطان بأمر فلا يبد له علانية، ولكن ليأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك وإلا كان قد أدى الذي عليه له» (المسند)(حسن لغيره).
وخلاصة الأمر يا أبا الوليد أن كل ابن آدم خطاء، وليس من أحد إلا وله خطأ لا يحب أن يطلع عليه أحد من الناس؛ ولذلك كان الستر على الناس خلقا وهديا نبويا؛ لما فيه من حفظ عورات المسلمين وسترهم والإمساك عما يسوؤهم.



اعداد: د. أمير الحداد






ابوالوليد المسلم 14-08-2025 04:47 PM

رد: مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق (10) ‏بذل السلام وحُسن الكلام

‏بينما كنت والإمام نناقش بعض شؤون المسجد، اقترب منا شاب التزم صلاة الجماعة منذ سنة تقريبا.
‏لدي سؤال: ‏قالها بعد أن سلم وقبّل رأس الإمام. ‏تفضل يا (بدر). ‏سمعت حديثا ولم أفهم معناه أو مدى صحته: «أن شرّ الناس من يتركه الناس بسبب فحشه هذا معناه»
‏تولى أمامنا الرد عليه: ‏نعم هذا الحديث متفق عليه ترويه أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت استأذن رجل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا عنده فقال - صلى الله عليه وسلم -: «بئس ابن العشيرة أو أخو العشيرة! ثم أذن له فألان له القول، أي حدّثه بكلام جميل ليّن، فلما خرج، قلت يا رسول الله: قلت عنه ما قلت ثم ألنت له القول! فقال: يا عائشة إن من شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه» وفي البخاري «فلما جلس الرجل تطلق النبي - صلى الله عليه وسلم - في وجه وانبسط له». ‏
هذا الحديث أورده العلماء في باب تجنب الفاحش من الكلام، وهذا الرجل كان معروفا بسوء الكلام والمعاملة؛ فذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - بما كان يعرف به، فهو من الذين يتجنبه الناس لسوء كلامه وفحشه، ومع ذلك أذن له النبي - صلى الله عليه وسلم - واستقبله بطلاقة وجه وحسن كلام.
حسن الكلام وبذل السلام، من مكارم الأخلاق التي بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - ليتممها! شكره (بدر)، تابعت جلستى مع الإمام. - موضوع جميل يصلح لخطبة الجمعة.
- نعم، دعنا نبحث قليلا في الأحاديث المتعلقة به. عن أبي شريح (أو أبى سرح)، قلت يا رسول الله، أخبرني بشيء يوجب لي الجنة، قال: «طيب الكلام (طيِّب الكلام) وبذل السلام وإطعام الطعام» (صحيح الترغيب)، وفى رواية أخرى عن أبي سرح: «قلت يا رسول الله، دلني على عمل يدخلني الجنة، قال: إن من موجبات المغفرة بذل السلام وحسن الكلام» (السلسلة الصحيحة). ( بذل السلام)، نشره وإفشاؤه، كما في الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» (مسلم).
وعن عبدالله بن عمرو - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اعبدوا الرحمن وأطعموا الطعام وأفشوا السلام، تدخلوا الجنة بسلام» (السلسلة الصحيحة)، وفي رواية: «أطعموا الطعام وأفشوا السلام تورثوا الجنان» (السلسلة الصحية).
وعن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أفشوا السلام تسلموا» (السلسلة الصحيحة).
عقبت على كلام صاحبي. - أحاديث أسمعها أول مرة. - وهكذا طالب العلم، كلما ازداد علما ازداد علما بجهله! وأزيدك حديثا آخر عن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إني أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام» (صحيح الترمذي).
وآخر حديث عجيب عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «السلام اسم من أسماء الله، وضعه الله في الأرض؛ فأفشوه بينكم؛ فإن الرجل المسلم إذا مر بقوم فسلّم عليهم فردوا عليه، كان له عليهم فضل درجة بتذكيرهم إياهم (السلام)، فإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم وأطيب» (صحيح الجامع).
يقول الإمام مجاهد كان «عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- يأخذ بيدي فيخرج إلى السوق يقول: إني لأخرج ومالي حاجة إلا لأسلم ويسلّم علي! فأعطي واحدة وآخذ عشرا، يا مجاهد إن (السلام) من أسماء الله -تعالى-، فمن أكثر السلام أكثر ذكر الله».
وفي بيان أجر من أطاب الكلام وأفشى السلام، حديث عبدالله بن عمرو - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن في الجنة غُرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها؛ فقال أبو مالك الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وبات قائما والناس نيام» (صحيح الترغيب). استوقفت صاحبي..
- حديث: (أفشوا السلام تسلموا)، هل قرأت شيئا في شرحه؟ - نعم، إليك الشرح مباشرة من كتب السنة: أي تسلموا من الإثم أو من نكبات الدنيا ومن أهوال الآخرة، وفضل الله واسع أي تسلموا من كل ما يضركم في الدنيا والآخرة! - أحاديث جميلة في (السلام)، قليل من يعمل بمقتضاها؛ بل إذا عمل بها أحدنا ينكر عليه عامة الناس: (لماذا يمشي ويسلم؟)، نسأل الله العافية.
أراد صاحبي أن يختم حديثنا: - عموما المؤمن لا يصدر منه إلا الكلام الطيب، وكما قال عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا بالفاحش ولا بالبذيء» (الصحيحة)، كلام المؤمن لين، طيب، خير مع الجميع، حتى مع المخالفين، كما أمر الله -عز وجل- نبيه موسى -عليه السلام- مع فرعون: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} (طه:44).



اعداد: د. أمير الحداد






ابوالوليد المسلم 27-08-2025 03:48 PM

رد: مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق (11) إصلاح ذات البين

فصل الصيف في الكويت الأشد على وجه الأرض، ويمتد لأكثر من أربعة شهور، من منتصف مايو إلى سبتمبر! ويسمى فصل الصيف عندنا (القيظ)، ولم أجد أصلا لهذه الكلمة، أما الأقسى في هذه الفترة فهي (جمرة القيظ)، وتمتد من نهاية يوليو إلى الأسبوع الثالث من أغسطس! مع هذه الأجواء الملتهبة، تتعكر النفسيات، وتكثر المشكلات بمختلف أنواعها.

كنت وصاحبي نتريض في أحد مراكز التسوق صباحا قبل أن يبدأ النشاط التجاري للمحلات ويزدحم (المول)؛ لأنه ملاذ الكثيرين في الصيف وإن لم تكن لهم حاجة في السوق! - هل نجحت في الإصلاح بين (أبى خالد) و(أبى محمد)؟! - (أبو محمد) يستجيب، وأبو خالد يتعنت، ولكن لا زلت آمل أن تصفى القلوب وتصدق النيات حتى تتم الألفة بينهما.
- المحزن أنهما من رواد المسجد الذين لا تفوتهم صلاة، الآن كل واحد منهما يصلي في مسجد مختلف.
- إن المرء عندما يقرأ أحاديث السعي في الإصلاح بين الناس لا يملك إلا أن يجتهد في هذا (العمل العظيم)؛ بل الله -عز وجل- أمر المسلمين أن يصلحوا بين المتخاصمين؛ فقال -عز وجل-: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (الأنفال:1).
عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: «هذا تحريج من الله على المؤمنين أن يتقوا الله وأن يصلحوا ذات بينهم»، أي لا مساغ للناس سوى التقوى والإصلاح؛ فالمؤمن مطالب قدر جهده أن يصلح بين المتخاصمين سواء كانوا جيرانا، أو أقارب، أو أزواجا، أو أبناء.
هذه سمة عامة بين المسلمين، وهي السعي في الإصلاح بين الناس؛ فهي عبادة عظيمة، إن صدقت النية. في الحديث عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟ قالوا: بلى، قال: إصلاح ذات البين؛ فإن إفساد ذات البين الحالقة» (صحيح الترغيب)، وفي رواية: «لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين» (صحيح لغيره).
وعن أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه -: «ألا أدلك على تجارة؟ قال: بلى، قال - صلى الله عليه وسلم -: صل بين الناس إذا تفاسدوا، وقرب بينهم إذا تباعدوا» (صحيح الترغيب)، وفي رواية: «ألا أدلك على عمل يرضاه الله ورسوله؟ قال: بلى، فذكره».
- جزاك الله خيرا على سعيك، دعني أشاركك الأجر، وأجمع بينهما في بيتي في الأيام المقبلة، ولكن دعنا نمهد لذلك، فنخبر أبا محمد أن أبا خالد نادم على ما قال: ونخبر أبا خالد أن أبا محمد يذكره بخير، حتى نلين القلوب وتذهب البغضاء. - ذكرتني بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، عن أم كلثوم بنت عقبة امرأة عبدالرحمن بن عوف وأخت عثمان بن عفان لأمه -رضي الله عنهم- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: « ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا، أو يقول خيرا » (صحيح الأدب المفرد).
(فينمى)، نقل الحديث بين الناس وبلغه، ومنه النميمة التي نهى عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
- الأحاديث في الإصلاح بين الناس كثيرة، ويتأكد الإصلاح كلما كانت العلاقة أقرب، كالإصلاح بين الأب وابنه والزوج والزوجة، والأخ وأخيه، والجار وجاره، وهكذا.
- بل وآيات الكتاب تدعو إلى الإصلاح وتنهى عن الإفساد كما في قوله -تعالى-: {لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} (النساء:١١٤).
أي: لا خير في كثير مما يتناجى به الناس ويتخاطبون، وإذا لم يكن فيه خير فإما لا فائدة فيه كفضول الكلام المباح ، وإما شر ومضرة محضة كالكلام المحرم بأنواعه.
ثم استثنى -تعالى- فقال: {إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ} من مال أو علم أو أي نفع كان، بل لعله يدخل فيه العبادات القاصرة كالتسبيح والتحميد ونحوه، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة» الحديث.
{أَوْ مَعْرُوفٍ} وهو الإحسان والطاعة وكل ما عرف في الشرع والعقل حسنه، وإذا أطلق الأمر بالمعروف من غير أن يقرن بالنهي عن المنكر دخل فيه النهي عن المنكر؛ وذلك لأن ترك المنهيات من المعروف، وأيضا لا يتم فعل الخير إلا بترك الشر، وأما عند الاقتران فيفسر المعروف بفعل المأمور، والمنكر بترك المنهي. {أَوْ إِصْلاحِ بَيْنَ النَّاسِ} والإصلاح لا يكون إلا بين متنازعين متخاصمين، والنزاع والخصام والتغاضب يوجب من الشر والفرقة ما لا يمكن حصره، فلذلك حث الشرع على الإصلاح بين الناس في الدماء والأموال والأعراض، بل وفي الأديان كما قال -تعالى-: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} وقال -تعالى-: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} الآية.
وقال -تعالى-: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} والساعي في الإصلاح بين الناس أفضل من القانت بالصلاة والصيام والصدقة، والمصلح لا بد أن يصلح الله سعيه وعمله.
وكمال الأجر وتمامه بحسب النية والإخلاص؛ ولهذا قال: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}؛ فلهذا ينبغي للعبد أن يقصد وجه الله -تعالى- ويخلص العمل لله في كل وقت وفي كل جزء من أجزاء الخير؛ ليحصل له بذلك الأجر العظيم؛ وليتعود الإخلاص فيكون من المخلصين، وليتم له الأجر، سواء تم مقصوده أم لا؛ لأن النية حصلت واقترن بها ما يمكن من العمل.



اعداد: د. أمير الحداد






ابوالوليد المسلم 03-09-2025 01:38 PM

رد: مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق (12) الصبر

- لا يمكن أن تستقيم حياة أي فرد دون (الصبر)، هذا الخلق يحتاجه المسلم والكافر، التقي والعاصي، إنه عمل قلبي وخُلق أساسي، فلا حياة لمن لا صبر له!ّ - وهل يفهم الكفار معنى الصبر؟ - ربما يضعونه في إطار تجاوز النكبات والمصائب، ولكن المسلم يعلم أنه (عبادة) عظيمة، أجرها لا حدود له، كما قال -تعالى-: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} (الزمر:10).
إنما العبد يحتاج إلى الصبر في جميع أحواله، وتزداد هذه الحاجة حال المصيبة، ويحتاج العبد إلى الصبر لأداء الطاعات، وترك المنكرات، والتعامل مع البشر، والدعوة إلى الله، وتقلبات الدنيا، فإذا كان ملازما للصبر، متخلقا به، وجده معه حال المصيبة الكبرى (مصيبة الموت)! كنت وصاحبي آيبين من رحلة قصيرة إلى (رأس الخيمة) نشارك أخا لنا توفي والده، استغربنا كثرة بكائه عند القبر! - أظن أن (أبا ناصر) كان متعلقا كثيرا بوالده.
- نعم كان كذلك، فقد لازمه في السنوات الخمس الأخيرة، لدرجة أنه ترك بيته وسكن مع والده، ونقل مركز عمله من الشارقة إلى رأس الخيمة؛ ليكون بجانب والده، ولا يكاد يفارقه؛ بل ويعتني بكل احتياجاته من أكل وشرب وتغيير ملابس وحتى قضاء الحاجة والاستحمام. - جزاه الله خيرا، نعم الولد! وأما بكاؤه فلا أظن أن فيه شيئا مخالفًا للشرع؛ فهو لم يصرخ ولم يشق جيبا ولم يلطم خدًّا.
- ما أكثر أنواع الصبر التي ذكرت في كتاب الله؟! - أظنه الصبر في الدعوة إلى الله -تعالى-، والأذى الذي يلحق المرء إذا هو سلك هذا الدرب؛ فقد أمر الله الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالصبر، كما قال -تعالى-: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ} (الأحقاف:35)، وقال -سبحانه-: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى} (طه:130). وورد الصبر أكثر من مائة مرة في كتاب الله، أمرا وبيانا لحسن العاقبة، وتبشيرا بالأجر، ووعدا بحسن الجزاء في الآخرة! على غير العادة كانت رحلتنا جوا، وذلك لضيق الوقت؛ حيث بلغنا الخبر ليلا فحجزنا أول طائرة في الصباح الباكر؛ لندرك الجنازة. قدم لنا المضيف طبق الفاكهة، وقنينة الماء.
- ماذا قال الشافعي في الصبر؟ - تقصد قوله عن سورة العصر؟ - نعم.
- قال -رحمه الله-: «لو لم ينزل إلى الناس إلاهي لكفتهم»، والمعنى لكفتهم في موضوع الصبر، لا شك في الشريعة جميعها، وذلك أن هذه السورة وصفت جميع البشر بالخسران إلا من اتصف بالإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، والمرء يحتاج إلى الصبر في الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق. ومن الأحاديث التي لم أكن أعرفها، حديث معقل بن يسار - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أفضل الإيمان: الصبر والسماحة» (السلسلة الصحيحة)، في شرح هذا الحديث أن الإيمان إذا أطلق يراد به الدين كله، يحتاج العبد إلى الصبر فيما يتعلق بالله -عز وجل-، والسماحة فيما يتعلق بالخل. والحديث الآخر تعرفه، عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال - صلى الله عليه وسلم -: «الذي يخالط الناس فيؤذونه فيصبر على أذاهم، أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» (صحيح الجامع).
- دعني أقرأ لك شيئا مما خزنته في هاتفي من كتب ابن القيم.
يقول -رحمه الله- في كتابه (الوابل الصيب) باب (السعادة في ثلاث: شكر النعمة والصبر على البلاء والاستغفار من الذنب): محن من الله -تعالى- يبتلي بها العبد؛ ففرضه فيها (الصبر) والتسلي، والصبر حبس النفس عن التسخط بالمقدور، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن المعصية، كاللطم وشق الثياب ونتف الشعر ونحوه؛ فمدار الصبر هذه الأركان الثلاثة؛ فإذا قام به العبد كما ينبغي انقلبت المحنة في حقه منحة، واستحالت البلية عطية، وصار المكروه محبوبا، فإن الله -سبحانه وتعالى- لم يبتله ليهلكه، وإنما ابتلاه ليمتحن صبره وعبوديته؛ فإن لله -تعالى- على العبد عبودية الضراء، وله عبودية عليه فيما يكره، كما له عبودية فيما يحب، وأكثر الخلق يعطون العبودية فيما يحبون، والشأن في إعطاء العبودية في المكاره تتفاوت فيه مراتب العباد، وبحسبه كانت منازلهم عند الله -تعالى-.
- كلام جميل، وسؤال خطر على بالي للتو، هل الصبر (صفة أم خلق)؟ أجبته بابتسامة: - هذا سؤال شكلي؛ لأن الصبر درجات ينبغي أن يرتقي العبد فيها ليكتسب لقب (صابر وصبور)، كما أخبر الله -عز وجل- عن عباده المتقين: {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} (آل عمران).
ومن تصبر، صبرّه الله، فمن لم يكن لديه هذا الخلق، فعليه أن يكتسبه باتباع أوامر الله -تعالى-. - هل تعلم أن لابن القيم -رحمه الله- كتابا بعنوان: (عدّة الصابرين)؟ - نعم ولكن لم أطلع عليه. - دعني أقرأ لك شيئا من مقدمته: «أما بعد فإن الله -سبحانه- جعل الصبر جوادا لا يكبو وصارما لا ينبو، وجندا لا يهزم وحصنا حصينا لا يهدم ولا يثلم؛ فهو والنصر أخوان شقيقان؛ فالنصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، والعسر مع اليسر، وهو أنصر لصاحبه من الرجال بلا عدة ولا عدد، ومحله من الظفر كمحل الرأس من الجسد، ولقد ضمن الوفي الصادق لأهله في محكم الكتاب أنه يوفيهم أجرهم بغير حساب، وأخبره أنه معهم بهدايته ونصره العزيز وفتحه المبين؛ فقال -تعالى-: {وأصبروا ان الله مع الصابرين}؛ فظفر الصابرون بهذه المعية بخير الدنيا والآخرة، وفازوا بها بنعمة الباطنة والظاهرة، وجعل -سبحانه- الإمامة في الدين منوطة بالصبر واليقين فقال -تعالى- وبقوله اهتدى المهتدون {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} (السجدة:24).
وأخبر أن الصبر خير لأهله، مؤكدا باليمن؛ فقال -تعالى-: {وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ} (النحل:126)، وأخبر أن مع الصبر والتقوى لا يضر كيد العدو ولو كان ذا تسليط؛ فقال -تعالى-: {إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} (آل عمران:120)



اعداد: د. أمير الحداد






ابوالوليد المسلم 18-09-2025 06:24 PM

رد: مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق (١٣) أَحبَّ لأخيك ما تحب لنفسك

- من الفطرة أن يحب المرء الخير لنفسه، وأن يستأثر بكل ميزة ومنفعة دنيوية لذاته، وهذا الشعور لا شيء فيه؛ بل هو خلق في الجنس البشري كما لوازم الحياة الأخرى من الأكل والشرب والنوم، وجاء الإسلام ليهذب هذه الخصلة الفطرية حتى لا تطغى، فتصبح حسدا، أو عدوانا وظلما، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (متفق عليه)، وفي حديث خالد بن عبدالله القسري عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أتحب الجنة؟ قلت نعم، قال - صلى الله عليه وسلم -: أحب للناس ما تحب لنفسك» (السلسلة الصحيحة)، وينبغي التنبيه هنا إلى أن لفظ (لا يؤمن)، و(لا يدخل الجنة)، لا تعني أنه كافر، أو أنه يخلد في النار؛ بل إيمانه لا يكمل، وأنه لا يدخل الجنة ابتداء، دون حساب أو عذاب، فهو نفي لكمال الإيمان، وليس لكل الإيمان. كنت وصاحبي في مسجد في منطقة (صباح الناصر)، أدركتنا صلاة المغرب في طريقنا إلى سوق الخضار الجديد، قررنا البقاء لسماع الخاطرة التي بادر الإمام إلى إلقائها، تابع -جزاه الله خيرا-: - في رواية في مسند أحمد: «حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير»، وهذه خصلة من خصال الإيمان، وخلق من مكارم الأخلاق التي تنبغي أن يدرب المسلم نفسه عليها. و(حب الخير للآخر)، ينبغي أن يتعدى حدود أخوة الرحم، وأخوة الجيرة، وأخوة المسجد؛ ليشمل أخوة الإسلام؛ فيحب لجميع المسلمين ما يحب لنفسه، فهذا الخلق فيه درجات كثيرة يرتقي بها المؤمن بحسب إيمانه، ففي الحديث عن عبدالله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «فمن سره أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يأتوا إليه» (صحيح ابن ماجه).
والمرء يستطيع أن يقيس هذه الخصلة في نفسه إن كان صادقا، وذلك بأن يرى مدى سروره إذا أصاب الخير غيره، وإذا نال الترقية زميله، وإذا رزق الله جاره، مالا كثيرا أو منزلا أو حظا وافرا من الدنيا، هل يفرح له كما يفرح لو أنه هو من نال ذلك؟ أظن أن كثيرا منا يتردد أن يقول نعم، ولا بأس بذلك، ولكن إياك وأن تحسده على ذلك! أقول هذا المقياس في الفرح لنيل أخيك شيئا، أحد مقاييس الإيمان في قلبك، عن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: «ما نزل غيث بأرض إلا فرحت بذلك وليس لي فيها شاة ولا بعير، ولا سمعت بقاض عادل إلا دعوت الله له، وليس لي عنده قضية، ولا مررت بآية من كتاب الله إلا أحببت أن يعلم الناس منها ما أعلم».
بعد انتهاء الخاطرة أدينا سنة المغرب، وتابعنا حديثنا في المركبة. - لقد كانت خاطرة مميزة، رزقنا الله إياها.
- الحمدلله. - إن خلق (حب الخير للآخر)، ربما يبدأ بأن يدرب العبد نفسه ألا يدخل قلبُه شيء من تمني ما يناله الآخرون، بأن يذكر نفسه أن ما ناله غيره إنما كان بأمر الله وقضائه، ولاسيما إذا كان ينافس غيره على مال أو منصب، فما فاته لم يكن مكتوبا له ابتداء، وما ناله غيره كان مقدرا له قبل خلق السماوات والأرض ثم يرتقي، بعد ذلك بأن يبارك لغيره ويدعو له، بصدق، فإن الدعوة للآخرين بالخير، بصدق يزيل ما في القلب من بقايا حسد أو غيره، ويعين على ذلك أن يعلم أن دعوته لأخيه بالخير، ترجع عليه بالخير، كما في الصحيحين يقول الملك (آمين، ولك بمثل).
استدرك علي صاحبي - أظن أن أول قضية ينبغي أن يذكر العبد نفسه بها، أن خزائن الخير كلها بيد الله، يقسمها -سبحانه- بعلمه وحكمته ولطفه، على من يشاء من عباده، فمن أراد الخير، فلينظر إلى السماء، لا إلى ما في أيدي الناس، وليدع الله بما يرد من خير الدنيا والآخرة، ولا ينشغل بما عند الآخرين، وإذا علم أن غيره نال خيرا فليفرح له وليدع له بالبركة والتوفيق، فيكون تعامل العبد مع الخالق لا مع الخلق، وإلا فبداية الحسد، النظر لما عند الآخر، وتمني نيله، ثم ينحدر إلى تمني زواله من غيره ليناله هو، وهذه هي الحالقة، (تحلق الدين) والعياذ بالله. وشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يذكر الكبائر فيقول: هي كل ذنب رتب عليه الشارع عقوبة خاصة؛ فكل ذنب لعن النبي - صلى الله عليه وسلم - فاعله فهو من الكبائر، وكل ذنب فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة فهو من الكبائر، وكل ذنب فيه نفي إيمان مثل: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، فهو من الكبائر (أسباب رفع العقوبة- لابن تيمية).
ويقول -رحمه الله- في (رسالة في أمراض القلوب وشفاؤها). وقد قال -تعالى-: {وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا (72) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا} (النساء).
كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما، فهؤلاء المبطئون لم يحبوا لإخوانهم المؤمنين ما يحبون لأنفسهم، بل إن أصابتهم مصيبة فرحوا باختصاصهم! وإن أصابتهم نعمة لم يفرحوا لهم بها، بل أحبوا أن يكون لهم منها حظ؛ فهم لا يفرحون إلا بدنيا تحصل لهم أو شر دنيوي ينصرف عنهم؛ لأنهم لا يحبون الله ورسوله والدار الآخرة، ولو كانوا كذلك لأحبوا إخوانهم، وأحبوا ما وصل إليهم من فضله، وتألموا بما يصيبهم من المصيبة، ومن لم يسره ما يسر المؤمنين ويسوؤه ما يسوء المومنين فليس منهم.



اعداد: د. أمير الحداد






ابوالوليد المسلم 26-09-2025 04:57 PM

رد: مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق (14) الامتنان

- هو الاعتراف الصادق بالجميل، يبدأ بالقلب ويمر على اللسان، ويترجم بالأفعال، خلق رفيع ينبغي أن يتحلى به المؤمن على الدوام، فيكون ممتنا لله -عز وجل- أولا، ولرسول الله -[- ثانيا، ولكل من له يد عليه، من والدين، وزوج وأخ وقريب أو بعيد، نقيضه النكران، وهو أقبح ما يمكن للعبد أن يتخلق به تجاه من أحسن إليه! وهو خلق اللئام كما قال المتنبي:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
- أظن حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في النساء يمثل هذا الخلق.
- أي حديث تعني؟ - حديث ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أُريتُ النار فإذا أكثر أهلها النساء، يكفرن، قيل: أيكفرن بالله؟ قال -[-: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان! لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط!» (متفق عليه).
- أحسنت، نعم خير مثال لجحود خير الآخر.
علّق صاحبي مبتسما: - أراك، أعجبك هذا الحديث! - بل كل أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - تعجبني، وكلها حق نؤمن به.
كنت وصاحبي، في طريقنا لزيارة أحد المسؤولين نشكره على مدرسة إسلامية في تنزانيا.
- كما إن الإمتنان مطلوب؛ فالمنّة مذمومة؛ فلا ينبغي لأحد أن يمنّ على أحد إذا عمل له المعروف، كما قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} (البقرة:264).
استدركت على صاحبي - والآيتان قبلها تكملان المعنى. - {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ} (البقرة).
- نعم الشاهد أن العبد ينبغي أن يعترف بإحسان من أحسن إليه ويقر بهذا في قلبه، ويشكره بلسانه، ويكافئه بعمله، كما في حديث ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من سأل بالله فأعطوه، ومن استعاذ بالله فأعيذوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه؛ فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه» (صحيح أبي داود)، وأقله أن يقول له: «جزاك الله خيرا» بصدق، كما في الحديث عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من صُنع إليه معروف فقال لفاعله جزاك الله خيرا، فقد أبلغ في الثناء» (السلسلة الصحيحة).
وهذا الشكر للناس، إنما هو جزء من شكر الله -عز وجل-، وهدي في سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن مكارم الأخلاق، كما في حديث أبي سعيد الخدري قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من لم يشكر الناس لم يشكر الله» في رواية أخرى: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» (صحيح أبي داود).
- نعم، وشكر الناس والاعتراف لهم بإحسانهم يورث المحبة والرضا عند الناس، ونكران الجميل يورث القطيعة والكُره بين الناس ولا ينكر المعروف إلا لئيم مكابر، فاقد لمكارم الأخلاق، التي أمرنا بها.
وصلنا إلى مكتب صاحبنا الذي نريد، لم تدم زيارتنا له أكثر من عشر دقائق، بكل ما فيها من ضيافة وترحيب، أبدى تقديره لزيارتنا وترحيبه بأي مساعدة أخرى يستطيع أن يقوم بها.
- إن شعور الامتنان يملأ القلب راحة وطمأنينة، ورضا وقناعة، ابتداء من شعور الامتنان لله -عز وجل- بما تفضل به علينا من نعم لا نحصيها، ينبغي أن يذكر أحدنا نفسه كل يوم بنعم الله عليه، يستيقظ بهذا الشعور، ويأوي إلى فراشة بهذا الشعور، ويعيش يومه كله ممتنا لله -عز وجل- على نعمه، ويشعر بالامتنان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن كان سببا للهداية إلى الحق، والنجاة من النار، والفوز بالجنة، ولا تزال سنته سببا للثبات على الحق، ويوم القيامة، تتم النعمة بشفاعته - صلى الله عليه وسلم - وكذلك الشعور بالامتنان للوالدين، وشكرهما مقرون بشكر الله.
{وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} (لقمان:14)، وللزوجة أولى الناس بشعور الامتنان هو زوجها، فتحذر أن تكون ممن يكفرن العشير.
- وماذا عن قول الله -تعالى-: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} (آل عمران:164)؟ وَجْهُ مَنِّهِ -تعالى- بالرسول ظاهر؛ لأنه داع إلى ما ينجيهم من المخاوف، وهاد إلى ما هو محبوهم، ووجه الامتنان بكون الرسول من أنفسهم عُلِمَ مما مر آنفا من سهولة فهم نبوته وأخذ شريعته وجميع أحواله؛ فالامتنان هنا بشيئين: أصل الرسالة والمجانسة، بل فيه إشارة إلى أعظمية المجانسة في المنّة؛ لما ذكر من أن المقصود بالإفادة في الكلام المقيد هو باعتبار قيده {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} ليهديهم إلى صراط سوي {ويزكيهم} يطهرهم من نجس الكفر ودنس المعصية، ووسخ الخبائث، وفحش الطباع، وسوء الاعتقاد.
ولابن القيم كلام رصين في (الفوائد)؛ إذ يقول: «النعم ثلاثة: نعمة حاصلة يعلم بها العبد، ونعمة منتظَرَة يرجوها، ونعمة هو فيها ولا يشعر بها».
وتمام النعمة الأولى يكون بالشكر عليها، أما الثانية فيكون بالدعاء والاجتهاد بالطاعة، في حين أن الثالثة هي خلاصة الامتنان، وثمرة باطنة بين العبد وربه.
حين تستشعر الامتنان فإن أداءك للفرائض لا يعكس امتثالا للشريعة فحسب، بل يصبح سعيا نحو المزيد من القرب، وتغذية الروح بما ترمي إليه الجوارح من معاني المحبة والتذلل والخضوع، وحين يغمرك الامتنان يتملك نفسك توق شديد للتضحية بكل شيء في سبيل مرضاته -تعالى-، ولا يكون حالك في الدنيا إلا كحال الراكب استظل بظلّها ثم ارتحل! وأكد الله -سبحانه- في سورة الرحمن بالآية المباركة: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}، قاعدة عامة في الامتنان، لا جزاء للإحسان إلا بالإحسان.
اعداد: د. أمير الحداد




ابوالوليد المسلم 08-10-2025 10:46 PM

رد: مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق (١٤) الرجوع إلى الحق


  • قليل من الناس من يتراجع عن مواقفه، إن كانت خطأ، حتى بعد أن تقام عليه الحجة البينة، ويعد ذلك نوعا من (الضعف)، الذي لا يرضاه لنفسه.
  • بل هو (الكبر)، والعياذ بالله، بصريح حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الكبر بطر الحق وغمط الناس»، عن ابن مسعود (رواه مسلم). لو أقسم المسلم على أمر ورأى خيرا منه، يرجع عن قسمه كما في الحديث المتفق عليه: «وإذا حلفت على فإنه يمين فرأيت غيرها خيرا منها، فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير». هكذا هو هدي نبينا - صلى الله عليه وسلم - وشريعتنا، (الرجوع إلى الحق، وقبوله، والعمل بمقتضاه).
  • مع الأسف، يغفل عن هذا من يأخذ الدين تقليدا، وعادة دون علم وتربية وفق شريعة الله -تعالى-.
كنت وصاحبي نتحاور بعد أن أخبرني أن أحد معارفه حلف ألا يجتمع مع إخوانه، ولا يدخل بيتهم؛ لأن والدته تنازلت عن منزلها لأصغر الإخوان، وأتمت نقل ملكيته قبل وفاتها!
  • إن المرء قد يجانب الحق جهلا، فإذا ذكّر وتعلم رجع، ولكن من يترك الحق كِبرا، لا يرجع وإن ذكر، تعرف حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في صحيح مسلم عن ذاك الرجل الذي أكل بشماله عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: «كُل بيمينك»؛ فقال الرجل: لا أستطيع (قالها تكبرا) فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا استطعت»، فما رفعها إلى فيه (فمه)، شلت يده.
  • أعوذ بالله من التمادي في الباطل والإعراض عن الحق، كما قال -تعالى-: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} (النمل)، هذا العناد، أدى بهم إلى الكفر، ثم الخلود في جهنم والعياذ بالله-. هل حاولت التواصل مع ذاك الذي قاطع إخوانه؟! - نعم، والحادثة مضى عليها أكثر من عام كامل، وهو مُصرٌّ على موقفه، يقول: «لن أكسر كلمتي»! مع أنه لا يترك صلاة، ولا تفوته جمعة!
  • عسى الله أن يهديه، ويشرح صدره للحق، والرجوع إليه، فإن الإصرار على الباطل، خلق سيئ يذهب الحسنات، ويبعد المرء عن طاعة الله، وفي الحديث عن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» (متفق عليه)، وهنا تحضرني خاطرة في واقعة الإفك التي برأ الله فيها أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، ذلك أن أحد الذين شاركوا في نشر تلك الأقوال الباطلة، مسطح بن أثاثة، وكان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - ينفق عليه، فأقسم أبو بكر ألا ينفق عليه بعد ما نزل من القرآن في براءة ابنته، فنزل قول الله -تعالى-: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (النور:22)، فقال - رضي الله عنه -: «بلى والله إني لأحب أن يغفر لي»، وكفرّ عن يمينه وأرجع النفقة إلى مسطح وقال: «والله لا أنزعها منه أبدا».
  • لا شك أن الصحابة وقافون عند كتاب الله -تعالى- وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - هكذا رباهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، والأمثلة على ذلك كثيرة؛ ففي البخاري أن عيينة بن حصن نزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر - رضي الله عنه -؛ فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، هل لك وجه عند هذا الأمير فتستأذن لي عليه؟ قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس - رضي الله عنه -: فاستأذن لعيينة؛ فلما دخل عليه قال: يا ابن الخطاب، والله ما تعطينا الجزل وما تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر - رضي الله عنه - حتى همّ بأن يقع به، فقال الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله -تعالى- قال لنبيه {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (الأعراف:199)، وإن هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافا عند كتاب الله»، وهكذا كان جميع الصحابة -رضي الله عنهم-، ربما يغفل أحدهم ولكنه إذا ذكر رجع إلى الحق، ولم يتعداه. إن التسليم بالخطأ شاق على النفس، يحتاج إلى تجرد لله وصدق وإخلاص، وتذكير بالأجر والثواب، والإثم والعقاب، وتعوذ من الشيطان الرجيم، الذي يغوي ابن آدم ويغريه، ألا يتنازل عن مواقفه.
  • إن كتاب الله -تعالى- وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - مليئة بأمثلة للرجوع إلى الحق، والاعتراف بالذنب، فهذا أبونا آدم وزوجه، اعترفا بالخطيئة وتابا: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (الأعراف:23)، وهذا نبي الله يونس -عليه الصلاة والسلام- يعترف بخطئه: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} (الأنبياء:87)، وسحرة فرعون لما تبين لهم الحق، سجدوا مباشرة، إيمانا بالله: {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} (الشعراء) مع أنهم قبل ذلك قالوا. {فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ} (الشعراء:44).
أما الكفار والمعاندون والجاحدون فلا يرجعون إلى الحق، وإن تبين لهم بل قوله كما في سورة الأنفال: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31) وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (الأنفال)، وكان الأولى والأعقل والمنطقي أن يقولوا: «إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه واشرح صدورنا له»! وأمثله ذلك في السنة النبوية كثيرة جدا؛ فها هو ذا النبي - صلى الله عليه وسلم - معلم البشرية ومربيها -على مثل هذه الآداب والفضائل - يرجع إلى قول امرأة يهودية، بعد أن تبين له بالوحي صحة قولها: «بأن أهل القبور يفتنون في قبورهم، عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعندي امرأة من اليهود وهي تقول: هل شعرت أنكم تفتنون في القبور؟ قالت: فارتاع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: «إنما تفتن يهود». قالت عائشة: فلبثنا ليالي. ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «هل شعرت أنه أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور؟» قالت عائشة: فسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد يستعيذ من عذاب القبر» (رواه مسلم)، وعندما رأى ابن مسعود - رضي الله عنه - خبابا - رضي الله عنه - وعليه خاتم من ذهب - قال له: ألم يأن لهذا الخاتم أن يلقى؟ فقال خباب: أما إنك لن تراه علي بعد اليوم فألقاه» (رواه البخاري). كان خباب - رضي الله عنه - يعتقد أن النهي عن لبس الرجال خاتم الذهب للتنزيه ، فنبهه ابن مسعود - رضي الله عنه - على تحريمه، فرجع إليه مسرعا. ومثل هذا؛ ما جاء من رجوع عمر - رضي الله عنه - وتسليمه بحديث الاستثذان ثلات، فإن أذن لك؛ وإلا فارجع» (رواه البخاري). بعد أن أنكره على أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -، فلما تثبّت عُمرُ من الخبر، وجاءه أبو سعيدٍ - رضي الله عنه - وأخْبره بِصِحة ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال عُمرُ - رضي الله عنه -: «ما كُنْتُ علِمْتُ هذا» (صحيح - رواه الترمذي).


اعداد: د. أمير الحداد






ابوالوليد المسلم 29-10-2025 12:52 PM

رد: مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق .. ترك الجدال

لأكثر من اثنتي عشرة سنة، اعتزلت (الدواوين) العامة، وهي مجالس اشتهر بها أهل الكويت، يجتمعون مرة أو مرتين في الأسبوع، يتحدثون عن كل شيء، والكل يدلي بدلوه في القضايا العامة والأحداث المحلية والإقليمية والعالمية، وفي نهاية الأمر يذهب كل واحد إلى حال سبيله! كانت الدواوين سابقا -أعني قبل ثلاثين أو أربعين سنة- محدودة، وتقتصر على فئة لها ثقلها في المجتمع، أما الآن فأصبح كل مجموعة من الشباب يجتمعون كل أسبوع في مجلس أحدهم، يلعبون، ويشاهدون المباريات، ويتجادلون، وربما يقضون الليل كله إلى ما بعد الفجر، دون فائدة.
في هذه المجالس، تجد دائما نمطا للحاضرين، بعضهم يستمع لا يتحدث، وبعضهم يكثر من النكت ليضحك الآخرين، وبعضهم يناقش ويجادل في المواضيع المطروحة، ولا يرضى إلا أن يثبت صواب رأيه، وبعضهم يتحدث فيما يعلم ويسكت فيما لا يعلم، وبعضهم يحضر للأكل والشرب.
صاحبي من النوع الثالث، يجادل في كل شأن، حتى أقعده المرض، فاعتزل هذه المجالس في السنتين الأخيرتين، زرته في منزله وكان قد أخذ الجرعة الثانية من العلاج الكيماوي! - هل تعرف يا (أبا معاذ) أكثر ما أندم عليه؟! أندم على الساعات الطويلة التي كنت أقضيها في جدال الآخرين، بالحق والباطل، في فترة مرضي استمعت إلى القرآن والأحاديث، ولاسيما في السنة الأولى التي قضيتها في العلاج، وأتحسر كم فاتني من الأجر! وكم جمعت من الوزر! - لا عليك يا (أبا ناصر)، كنت تنقل كلام من تسمعهم من مختصين يحضرون للتسجيل في برنامجك الإذاعي.
- هذا صحيح، ولكن الجدال لا ينبغي، سمعت شيخا يذكر حديثا صحيحا عن أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه - يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة، لمن ترك المراء وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه».
- نعم هذا الحديث في صحيح أبي داود وأورده الألباني في السلسلة الصحيحة.
- وأنا ربما كنت أكثر الحضور جدالا مع الأسف! أسأل الله العفو والمغفرة، لقد كان طبعا سيئا، حتى مع إخواني وربما مع والدي ووالدتي أحيانا، أجادلهم في كل شيء، ولكن الله نبهني قبل فوات الأوان، فمنذ عرفت بمرضي، عاهدت الله -تعالى- أن أترك كل ما لا يرضيه، وألتزم بما يرضيه، قدر استطاعتي، وإني صادق -إن شاء الله-.
- إن الله يعلم صدقك، ويقبل عذرك، وأسأله أن يتم عليك الشفاء والعافية، والأحاديث في ترك الجدال كثيرة، ولاسيما في القضايا الشرعية؛ فلا ينبغي أن يجادل فيها الإنسان أو يماري إلا أن يكون نقاشا علميا على أسس شرعية، يقول عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه -: «لا تعلموا العلم لثلاث: لتماروا به السفهاء، وتجادلوا به العلماء، ولتصرفوا به وجوه الناس إليكم، وابتغوا بقولكم ما عند الله فإنه يدوم ويبقى وينفد ما سواه».
وعن أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم تلا: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ}» (صحيح الترغيب).
وفي اللغة (المراء)، من مريت الشاة، إذا حلبتها واستخرجت لبنها، و(الجدل)، اللد في الخصومة والقدرة عليها وجادله أي خاصمه، قال الجرجاني: «الجدل: دفع المرء خصمه عن إفساد بحجة أو شبهة»، و(المراء) الجدال: والمماراة المجادلة على مذهب الشك والريبة، وهو كثرة الملاحاة للشخص لبيان غلطه وإفحامه والباعث على ذلك الترفع. قاطعني (أبو ناصر).
- هذه الأخيرة أظنها الأقرب إلى الصواب؛ لأن دافع كل طرف أن يبين غلط الآخر، ويترفع عليه! وأسأل الله العفو والمغفرة.
- وفي الحديث الآخر، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «المراء في القرآن كفر» (صحيح الترغيب).
وعن جندب بن عبدالله - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اقرؤوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا عنه» (متفق عليه).
قال النووي: «والأمر بالقيام عند الاختلاف في القرآن محمود عند العلماء على اختلاف لا يجوز أو اختلاف يوقع فيما لا يجوز، كاختلاف في القرآن نفسه أو في معنى منه لا يسوغ الاجتهاد فيه، أو اختلاف يوقع في شك أو شبهة أو فتنة أو خصومة أو شجار أو نحو ذلك». وفي تفسير السعدي عند قوله -تعالى-: {فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا} (الكهف:22).
أي لا تجادل وتحاج فيها إلا مبنيا على العلم واليقين، ويكون أيضا فيه فائدة: أن المماراة المبنية على الجهل والرجم بالغيب أو التي لا فائدة منها ولا تحصل فائدة دينية بمعرفتها كعدد أصحاب الكهف ونحو ذلك، فإن كثرة النقاش فيها تضييع للوقت.
وقد كان السلف الصالح يحذرون جدال أهل البدع والجلوس إليهم! أما الدعوة إلى الله أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان الحق لبيان الحق لا لمحض الجدال والمغالبة، فإن ذلك مطلوب ليس مذموما، ولكن ينبغي أن يكون بالأسلوب الأفضل، كما أرشد القرآن الكريم إليه {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل:125)، {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (العنكبوت: 46), وهكذا كان أسلوب النبي - صلى الله عليه وسلم - مع كل من يدعوه من قريش وغيرهم كما هو معلوم.
وفي الحديث عن جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة، الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون، قالوا: قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون» (السلسلة الصحيحة).



اعداد: د. أمير الحداد






ابوالوليد المسلم 04-11-2025 04:12 PM

رد: مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق .. كفّ الأذى

هناك بعض الأشخاص يتجنبهم الناس لسوء خُلقهم وسلاطة ألسنتهم؛ فطلبت من خطيبنا أن يكون موضوع خطبته (كف الأذى)؛ فكان مما ذكره -جزاه الله خيرا-: - إن كف الأذى عن كل مسلم عبادة جليلة، دلّ الكتاب والسنة على فضلها وعِظم منزلتها، عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: قلنا يا رسول الله أي الإسلام أفضل؟ قال - صلى الله عليه وسلم-: «من سلم المسلمون من لسانه ويده» (متفق عليه) وفي صحيح الترمذي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يتناجى اثنان دون واحد؛ فإن ذلك يؤذي المؤمن، والله -عز وجل- يكره أذى المؤمن» (صححه الألباني)، والشاهد (أن الله -عز وجل- يكره أذى المؤمن). كانت خطبة قصيرة ماتعة، اجتمعنا بعدها في مكتبة (أبو عبدالله) كعادتنا عقب كل جمعة. - لقد أجاد وأصاب أبو عمر في خطبته.
- لعل هؤلاء يتعظون، دعونا نسترجع بعض ما ورد في الخطبة. عن أبي ذر قال: قلت: يا نبي الله أي العمل أفضل قال - صلى الله عليه وسلم -: «الإيمان بالله والجهاد في سبيله، قال: قلت: أي الرِقاب أفضل يا نبي الله؟ قال: أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا، قال: قلت: أرأيت إن لم أفعل، قال: تعين ضعيفا أو تصنع لأخرق، قال: قلت: أرأيت إن ضعفت، قال: تكف شرك عن الناس فإنه صدقة منك على نفسك» (متفق عليه) وفي الصحيحين: «من سلم المسلمون من لسانه ويده».
- كف الأذى عبادة يؤجر عليها العبد، كما أنه يأثم إذا آذى إخوانه، وحديث الصوامة القوامة معروف رواه الإمام أحمد في مسنده، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «قال رجل يا رسول الله، إن فلانة يذكر من كثرة صلاتها وصدقتها وصيامها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال - صلى الله عليه وسلم -: هي في النار، قال: يا رسول الله، فإن فلانة يذكر من قلة صيامها وصلاتها وأنها تتصدق بالأثوار من الإقط ولا تؤذي جيرانها، قال: هي في الجنة» (صحيح الترغيب).
شاركنا المجلس مؤذننا (أبو أحمد)، قبل أن يأخذ مجلسه، أدلى بدلوه، وحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: صعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المنبر فنادى بصوت رفيع فقال: «يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جَوف رَحله»، ونظر ابن عمر -رضي الله عنهما- إلى الكعبة فقال: «ما أعظمك وما أعظم حرمتك! والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك!» الترمذي (صححه الألباني).


- أحسنت يا أبا أحمد، وحديث المفلس يعرفه الجميع، وهو في صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:« أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا؛ فيُعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار».
- المشكلة أن الأذى المعنوي أشد من الأذى البدني، أذى اللسان أشد من أذى اليد، الغيبة والنميمة والسب والقذف والسخرية وشهادة الزور واللغو، كل هذا مصدره اللسان، وهي من الذنوب التي لا تغفر يوم القيامة، وإنما مدارها على المقاصة كما في حديث المفلس، وهي من الذنوب التي لا ينتبه لها كثير من المسلمين؛ وبذلك نفهم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -، في حديث معاذ، قال: كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير؛ فقلت يا نبي الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجلِ فِي جوفِ الليلِ، ثم قرأ قوله -تعالى-: { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، ثم قال ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ فقلت: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، ثم قال: ألا أخبرك بمِلاك ذلك كله؟ فقلت له: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه فقال: كف عليك هذا؛ فقلت: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس على وجوههم في النار، أو قال: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟» (السلسلة الصحيحة).
قال ابن عثيمين في (مكارم الاخلاق): أما حُسن الخلق مع المخلوق فعرّفه بعضهم بأنه كفّ الأذى، وبذل الندى، وطلاقة الوجه.
ويذكر ذلك عن الحسن البصري -رحمه الله-، معنى كف الأذى: أن يكف الإنسان أذاه عن غيره سواء كان هذا الأذى بالمال، أو يتعلق بالنفس، أو يتعلق بالعرض، فمن لم يكف أذاه عن غيره فليس بحسن الخلق، بل هو سيئ الخلق، وقد أعلن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حرمة أذية المسلم بأي نوع من الإيذاء، وذلك في أعظم مجمع اجتمع فيه بأمته؛ حيث قال: «إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا» (البخاري).
إذا كان رجل يعتدي على الناس بأخذ المال، أو يعتدي على الناس بالغش، أو يعتدي على الناس بالخيانة، أو يعتدي على الناس بالضرب والجناية، أو يعتدي على الناس بالسب والغيبة والنميمة، لا يكون هذا حسن الخلق مع الناس؛ لأنه لم يكف أذاه، ويعظم إثم ذلك كلما كان موجها إلى من له حق عليك أكبر، فالإساءة إلى الوالدين مثلا أعظم من الإساءة إلى غيرهما، والإساءة إلى الأقارب أعظم من الإساءة إلى الأباعد، والإساءة إلى الجيران أعظم من الإساءة إلى من ليسوا جيرانا لك؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن! قالوا: من يا رسول الله؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه» (متفق عليه).
معنى بذل الندي: الندى هو الكرم والجود، يعني: أن تبذل الكرم والجود، والكرم ليس كما يظنه بعض الناس أنه بذل المال فقط، بل الكرم يكون في بذل النفس وفي بذل الجاه، وفي بذل المال، وفي بذل العلم. وعن الحسن البصري أنه كان بمكة وكثر الناس عليه؛ فقال: أيها الناس، إن سرّكم أن تسلموا ويسلم لكم دينكم، فكفوا أيديكم عن دماء الناس، وكفوا ألسنتكم عن أعراضهم، وكفوا بطونكم عن أموالهم.
واعلم: أن حسن الخلق مع المرأة ليس كفّ الأذى عنها فحسب، بل باحتمال أذاها، والحلم على طيشها وغضبها! وذلك اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ففى (الصحيحين)، من حديث عمر - رضي الله عنه - أن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - كن يراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل. والحديث مشهور.



اعداد: د. أمير الحداد






ابوالوليد المسلم 13-11-2025 01:55 AM

رد: مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق .. التواضع

«رأس التواضع أن تضع نفسك عند من هو دونك في نعمة الدنيا؛ حتى تعلمه أن ليس لك بدنياك عليه فضل، وأن ترفع نفسك عمن هو فوقك في نعمة الدنيا حتى تعلمه أنه ليس له بدنياه عليك فضل» عبدالله المبارك.
- عبارة جميلة، لإمام عالم عامل، ولأم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: «إنكم لتغفلون عن أفضل العبادة: التواضع»، وعن يحيى بن أبي كثير: «أفضل الأعمال الورع وأفضل العبادة التواضع»، وفي بيان قول الله -تعالى-: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا} (الفرقان:63)، يقول ابن القيم -رحمه الله-: «أي سكينة ووقارا متواضعين غير أشرين».
كنت وصاحبي أستاذ الشريعة، في طريقنا لقضاء حاجة صبيحة يوم السبت، قررنا أن نتناول طعام (الصبحية) في أحد المجمعات.
- عجبت لأمر هذا الإنسان، ينقلب حاله بين يوم وليلة؛ لأنه عيّن في منصب رفيع، أو أزيل من هذا المنصب، ألم تلاحظ ذلك في بعض الناس الذين تعرفهم؟! - بلى ولا نستطيع التعميم، ولكن نعم هذا حال كثير من الناس، يرى نفسه من خلال ماله، أو منصبه، أو عشيرته، أو غير ذلك من أمور الدنيا، ويستثنى من ذلك عباد الله المؤمنين! - إن التواضع عبادة عظيمة، يبدأ بالتواضع لأوامر الله -عز وجل-، وكتاب الله -تعالى-، وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويكون خلقا مع الناس جميعا ولاسيما من هم أضعف، وقد أمر الله -تعالى- به هذه الأمة من خلال خطاب نبيه - صلى الله عليه وسلم -: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} (الحجر:88)، قال القرطبي: «ألن جانبك لمن آمن بك، وتواضع لهم».
- بلغنا المكان الذي نريد، مطعم إفطار تركي متكامل، بخمسة دنانير للشخص، لا حاجة أن تطلب شيئا سوى طريقة عمل البيض.
تابعنا حديثنا: - وكذلك قوله -تعالى في وصف المؤمنين-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} (المائدة:54).
في تفسير ابن كثير: «هذه صفات المؤمنين الكمل، أن يكون أحدهم متواضعا لأخيه ووليه»، وكذلك في وصف الفائزين يوم القيامة.


{تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (القصص:83).
- وماذا عن حديث من تواضع رفعه الله؟ - نعم هذا الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله -عز وجل-» (مسلم)، يقول الشيخ ابن باز -رحمه الله-: «والتواضع وعدم التكبر من أسباب الرفعة في الدنيا والآخرة».
ويقول القاضي عياض: «فيه وجهان: أحدهما أن الله -تعالى- يمنحه ذلك في الدنيا جزاء على تواضعه، فيثبت له في القلوب محبة ومكانة وعزة، والثاني: أن يكون ذلك ثوابه في الآخرة على تواضعه»، وقول الشيخ ابن باز -رحمه الله- أشمل؛ ففضل الله واسع! وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه خطبهم فقال: «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا؛ حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد».
- وهل الحديث في ترك اللباس الثمين للتواضع والزهد صحيح؟! - نعم، الحديث عن معاذ بن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من ترك اللباس تواضعا لله وهو يقدر عليه، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق، حتى يخيره أي حلل الإيمان شاء يلبسها» (رواه الترمذي وقال الألباني: حسن لغيره).
- سبحان الله! لم أكن متأكدا من هذا الحديث. - في (تطريز رياض الصالحين)، في هذا الحديث فضيلة ترك الفاخر من اللباس تواضعا لله، (أي بنية التواضع لله والزهد في الدنيا)، وهذا مثل قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارثي قال: ذكر أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يوما عنده الدنيا فقال - صلى الله عليه وسلم -: «ألا تسمعون ألا تسمعون؟ إن البذاذة من الإيمان، إن البذاذة من الإيمان» (صحيح أبي داود).
استدركت على صاحبي: - وكيف نوفق بين هذا وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله يحب أن يُرى أثر نعمته على عبده»، عن عبدالله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- (صحيح البخاري). - في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله يحب أن يرى»: بصيغة المجهول أي يبصر ويظهر أثر نعمه: أي إحسانه وكرمه -تعالى- على عبده: فمن شكرها إظهارها، ومن كفرانها كتمانها.
قال المظهر: «يعني إذا آتى الله عبدا من عباده نعمة من نعم الدنيا فليظهرها من نفسه، بأن يلبس لباسا يليق بحاله، لإظهار نعمة الله عليه، وليقصده المحتاجون لطلب الزكاة والصدقات، وكذلك العلماء يظهرون علمهم ليستفيد الناس منهم» اهـ. فإن قلت: أليس قد حث على البذاذة؟ قلت: إنما حث عليها لئلا يعدل عنها عند الحاجة، ولا يتكلف للثياب المتكلفة كما هو مشاهد في عادة الناس، حتى في العلماء والمتصوفة، فأما من اتخذ ذلك ديدنا وعادة مع القدرة على الجديد والنظافة، فلا؛ لأنه خسة ودناءة، ويؤيد ما ذكرنا ما رواه البيهقي، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عنه - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله -تعالى- يحب المؤمن المتبذل الذي لا يبالي ما لبس» (رواه الترمذي): وكذا الحاكم عن ابن عمر.
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: «وهذا يعني أن الإنسان إذا كان بين أناس متوسطي الحال لا يستطيعون اللباس الرفيع، فتواضع وصار يلبس مثلهم، لئلا تنكسر قلوبهم، ولئلا يفخر عليهم، فإنه ينال هذا الأجر العظيم، أما إذا كان بين أناس قد أنعم عليهم، ويلبسون الثياب الرفيعة لكنها غير محرمة، فإن الأفضل أن يلبس مثلهم؛ لأن الله -تعالى- جميل يحب الجمال، ولا شك أن الإنسان إذا كان بين أناس رفيعي الحال، يلبسون الثياب الجميلة، ولبس دونهم فإن هذا يعدّ لباس شهرة؛ فالإنسان ينظر ما تقتضيه الحال».



اعداد: د. أمير الحداد






ابوالوليد المسلم 19-11-2025 10:28 AM

رد: مكارم الأخلاق
 


مكارم الأخلاق .. النُّصح لكل مسلم

- ما معنى «نصح» في اللغة؟ - «النصح» كلمة تحمل معاني كثيرة، منها الإخلاص والصدق والنقاء والصفاء؛ فتقول: «نصحت له» أي أخلصت وصدقت، ويقال: «نصح المعدن» أي صفا ونقي، وكذلك تحمل هذه الكلمة معنى الإصلاح والنماء، يقال: «نصح الغيث البلاد نصحا»، إذا اتصل نبتها فلم يكن فيه فضاء ولا خلل (لسان العرب).
وقال ابن الأثير: النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة «إرادة الخير للمنصوح له».
صاحبي مولع باللغة العربية رغم أنه طبيب جراح؛ بل استشاري متميز في مجال عمله، ولكنه يعشق اللغة والشعر، يتحدث كما أهل الاختصاص.
تابعت حديثي معه: - لقد بيّن الله -تعالى- أن (النصح) وظيفة الأنبياء، وهو من مكارم الأخلاق التي بعث نبينا - صلى الله عليه وسلم - ليتممها، وهي وظيفة أتباع الأنبياء والصالحين في كل أمة.
قال -تعالى عن نوح عليه الصلاة والسلام-: {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (الأعراف:62)، وعن هود -عليه السلام-: {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} (الأعراف:68)، وعن صالح -عليه السلام-: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} (الأعراف:79). قاطعني: - هذه كلها في سورة الأعراف، وفي غيرها؟ سؤال جميل دعني أبحث لك: وردت كلمة (نصح) ومشتقاتها أربع عشرة مرة في القرآن الكريم، منها: في سورة يوسف {قَالُوا يَا أَبَانَا مَالَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} (يوسف:11)، وفي سورة القصص: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} (القصص:12)، وأيضا في القصص: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} (القصص:20)، وفي سورة التوبة: {لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (التوبة:91)، وفي سورة التحريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} (التحريم:8).
- نعم هذه الآيات تحمل المعاني المتعددة لكلمة (نصح).
كنت وصاحبي نتحاور بانتظار اثنين من الإخوة، أحدهما مسلم ألماني يزور الكويت لأول مرة، بدعوة من أبي محمد (مرافقه)؛ كان قد تعرف عليه أثناء وجوده للعلاج في ألمانيا قبل سنتين.
- والنصيحة (عبادة) ينبغي أن يحرص عليها المسلم ويؤديها وفق هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يبايع أصحابه على النصح لكل مسلم، في حديث جرير بن عبدالله البجلي - رضي الله عنه - قال: «بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة، والنصح لكل مسلم» (متفق عليه).
- أظن أن الحديث الآخر، أشمل: «الدين النصيحة»! - أحسنت سبقتني إليه كما تفعل دائما! نعم هذا الحديث يرويه تميم الداري - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (مسلم).
قال ابن الجوزي: «اعلم أن النصيحة لله -عز وجل-: المناضلة عن دينه، والمدافعة عن الإشراك به وإن كان غنيا عن ذلك، ولكن نفعه عائد على العبد، وكذلك النصح لكتابه: الذب عنه والمحافظة على تلاوته، والنصيحة لرسوله: إقامة سنته والدعاء إلى دعوته، والنصيحة لأئمة المسلمين: طاعتهم، والجهاد معهم، والمحافظة على بيعتهم، وإهداء النصائح إليهم دون المدائح التي تغر، والنصيحة لعامة المسلمين: إرادة الخير لهم، ويدخل في ذلك تعليمهم وتعريفهم اللازم، وهدايتهم إلى الحق» (كشف المشاكل من حديث الصحيحين).
وهذا الحديث أحد الأحاديث الأربعة التي عليها مدار الإسلام.
استدرك علي: - وما الأحاديث الثلاثة الأخرى؟ - حديث عمر - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات» (متفق عليه).
وحديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (متفق عليه)، وحديث النعمان بن بشير - رضي الله عنه -: «الحلال بيّن والحرام بيّن» (متفق عليه).
وبعضهم اكتفى بهذه الأحاديث الثلاثة دون الحديث الذي نتحاور حوله.
- وهل النصيحة للمسلم واجبه، أم هي من نافلة العمل؟ - للإمام أحمد (إمام أهل السنة) أن النصح للمسلم واجب وإن لم يسأله، وفي حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: «حق المسلم على المسلم ست وفيه: فإذا استنصحك فانصح له»؛ فالنصيحة بين هذا وهذا .
وفي شرح رياض الصالحين للشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (باب النصيحة) النصيحة: هي بذل النصح للآخر، والنصح معناه أن الشخص يحب لأخيه الخير، ويدعوه إليه، ويبينه له، ويرغبه فيه، وضد النصيحة المكر والغش والخيانة والخديعة. ثم صدر المؤلف هذا الباب بثلاث آيات.
الآية الأولى: قوله -تعالى-: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةَ} (الحجرات:10)، أي: إذا تحقق فيهم الأخوة واتصفوا بها، فإنه لابد أن تكون هذه الأخوة مثمرة للنصيحة، أما الآية الثانية: فهي قول نوح -عليه السلام- (وهو أول الرسل)، يقول لقومه -حين دعاهم إلى الله تعالى-: {وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} (لأعراف: 62)، يعني لست بغاش لكم، ولا بخادع، ولا بغادر، ولكني ناصح. أما الآية الثالثة: فقول الله -تعالى- عن هود -عليه السلام-: {وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} (لأعراف: 68)، وعلى كل حال يجب على المرء أن يكون لإخوانه ناصحا مبديا لهم الخير، داعياً لهم إليه، حتى يحقق بذلك الأخوة الإيمانية، والله الموفق.
وصل (أبومحمد) وصاحبه الألماني، مرتديا الثياب الكويتية، كاملة مع الغترة والعقال، بلحية شقراء وعيون زرقاء! بعد الترحاب اللازم، ولاسيما بالضيف الألماني، أردنا أن ننهي نقاشنا.
فالنصيحة واجبة لعموم المسلمين وهي في حق الأرحام أوجب من غيرهم وفي حق الجار آكد من البعيد.
وقد توجد النصيحة، وقد يبذلها ناصح مشفق أمين، ومع ذلك لا تجد أفئدة مصغية، ولا آذانا مصيخة؛ بل إن هناك من يردها ويزري بمن أسداها، وربما أساء الظن بالناصح، وناصبه العداء، وأضمر له الشر.
ومع ذلك فلا ينبغي للمرء ترك النصح، بل عليه أن يستمر عليه، وأن ينوع في أساليبه؛ فالنصيحة واجبة كما مر، ويدفع الله بها من البلاء ما لا يعلمه إلا هو؛ فقد يرتدع المنصوح، وقد يخف شره.
وإذا لم تُجدِ النصيحة مع شخص ما فلا يعني أنها لا تجدي مع كل أحد، ثم إن على المنصوح أن يتقبل النصيحة بقبول حسن، وأن يحسن الظن بمن نصح له، وأن يشكره على حرصه ومبادرته، بل عليه أن يتلقى من يهدي إليه شيئاً من عيوبه بالبشر والفرح، وأن يضمر له المحبة والمودة؛ فإصلاح النفس لا يتأتى بتجاهل عيوبها، ولا بإلقاء الستار عليها، والعاقل اللبيب يفرح بالنقد الهادف كفرحه بالثناء الصادق.



اعداد: د. أمير الحداد






أبــو أحمد 19-11-2025 10:49 AM

رد: مكارم الأخلاق
 
جزاك الله خير وبوركت جهودك
دمتم في حفظ الله

ابوالوليد المسلم 19-11-2025 06:47 PM

رد: مكارم الأخلاق
 
وإياكم ،وفى جهودكم بارك
اسأل الله أن يبلغنا وإياكم رمضان
ويبارك لنا ولكم فيه .

ابوالوليد المسلم 26-11-2025 12:48 PM

رد: مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق .. ادفع بالتي هي أحسن!

- هذه قاعدة ربانية، قليل من يطبقها: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} (فصلت:35).
هكذا أراد ضيفنا أن يختم خاطرته، في تجمع الأربعاء عند (أبي عبدالرحمن)، هاتفني صاحب الديوان، وأصر أن أحضر ضيفي من المملكة؛ ليلتقي مجموعة من الشباب بعد صلاة العشاء، مع أن -الضيف- أخبرني برغبته أن تكون زيارته للاسترخاء والراحة، وبالفعل قضينا يومين في رحلة بحرية، وأخرى نتجول في أسواق المباركية، قبل ضيفي الدعوة، وكانت خاطرة قصيرة دون سابق تحضير، في طريق عودتنا، كنا ثلاثة نفر بعد الحوار (أبو عاصم): - هذه خصلة صعبة على كثير من الناس، وأنا منهم، حتى مع أقرب الناس لي، أن أردّ السيئة بالحسنة، وصدق الله العظيم في قوله: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} (فصلت:35)، تحتاج إلى صبر، وتوفيق من الله -تعالى-.
استدرك الشيخ على صاحبي: - كثير من مكارم الأخلاق يصعب نيلها، ولكن مع الصدق والإصرار والاستمرار ودعاء الله يصل المرء إلى مبتغاه، كما في الحديث: «ومن يتصبر يصبره الله» (صحيح النسائي)، «وإنما الحلم بالتحلم» (صحيح الجامع).
- وأولى الناس أن تتعامل معهم بهذا الأسلوب (رد السيئة بالحسنة) الأرحام من الإخوان؛ لأنهم أكثر من تقع منهم الإساءة، في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - «أن رجلا قال يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عليهم ويجهلون علي، فقال: إن كنت كما قلت، فكأنما تسفّهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك» (صحيح مسلم).
- أظن أن المرء ينبغي أن يكتسب خلق (الصبر) أولا، حتى يتمكن من رد السيئة بالحسنة! - في شرح رياض الصالحين للشيخ (ابن عثيمين) -رحمه الله-: «أما الأدب الإسلامي، فإن الله -تعالى- يقول: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت:34)، -سبحان الله-!
إنسان بينك وبينه عداوة، أساء إليك، ادفع بالتي هي أحسن؛ فإذا دفعت بالتي هي أحسن يأتيك فورا الثواب والجزاء، وقوله: {ولي حميم}، أي قريب صديق في غاية ما يكون من الصداقة والقرب، والقائل هو الله -عز وجل- مقلب القلوب، ما من قلب من قلوب بني آدم إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن -عز وجل- يصرفه كيف يشاء! فهذا الذي كان عدوا لك ودافعته بالتي هي أحسن، فإنه ينقلب بدل العداوة صداقة {كأنه وليّ حميم}.
وقال ابن عثيمين (مكارم الاخلاق): وقال -تعالى-: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} (الشورى:40)، وكل إنسان يتصل بالناس فلابد أن يجد من الناس شيئا من الإساءة، فموقفه من هذه الإساءة أن يعفو ويصفح، وليعلم علم اليقين أنه بعفوه وصفحه ومجازاته بالحسنى، سوف تنقلب العداوة بينه وبين أخيه إلى ولاية، ومحبة، وصداقة، قال -تعالى-: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت:34)، وتأملوا أيها العارفون باللغة العربية، كيف جاءت النتيجة بإذا الفجائية؛ لأن (إذا) الفجائية تدل على الحدوث الفوري في نتيجتها {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت:34)، ولكن ليس كل أحد يوفق لذلك قال: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظِّ عَظِيمٍ} (فصلت:35).
هل نفهم من هذا أن العفو عن الجاني محمود مطلقا ومأمور به؟ وقد يفهم بعض الناس من الآية هذا الكلام، ولكن ليكن معلوما أن العفو إنما يحمد إذا كان العفو أحمد، فإن كان الأخذ أحمد فالأخذ أفضل؛ ولهذا قال -تعالى-: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} (الشورى:40)؛ فجعل العفو مقرونا بالإصلاح.
فالعفو أحيانا قد لا يكون فيه إصلاح، فقد يكون هذا الذي جنى عليك واجترأ عليك رجلا شريرا معروفا بالشر والفساد، فلو عفوت عنه لتمادى في شره وفساده؛ فالأفضل في هذا المقام أن تأخذ هذا الرجل بجريرته؛ لأن في ذلك إصلاحا. قال شيخ الإسلام ابن تيميه: «الإصلاح واجب، والعفو مندوب؛ فإذا كان في العفو فوات الإصلاح فمعنى ذلك أننا قدمنا مندوبا على واجب، وهذا لا تأتي به الشريعة» وصدق -رحمه الله-.
تنبيه مهم
وإنني بهذه المناسبة أود أن أنبه على مسألة يفعلها كثير من الناس بقصد الإحسان، وهي أن تقع حادثة من شخص؛ فيهلك بسببها شخص آخر؛ فيأتي أولياء المقتول فيسقطون الدية عن هذا الجاني الذي فعل الحادث، فهل إسقاطهم للدية محمود ويعدّ من حُسن الخلق؟ أم في ذلك تفصيل؟ في ذلك تفصيل، فلابد أن نتأمل ونفكر في حال هذا الجاني الذي وقع منه الحادث، هل هو من الناس المعروفين بالتهور وعدم المبالاة؟ هل هو من الطراز الذي يقول: أنا لا أبالي أن أدهس شخصا؛ لأن ديته في الدرج -والعياذ بالله-!!.
أم إنه رجل حصلت منه هذه الحادثة مع كمال التعقل وكمال الاتزان، ولكن الله -تعالى- قد جعل لكل شيئا قدرًا؟، إن كان من هذا الطراز الأخير فالعفو في حقه أولى. وكمال الإنسان أن يعفو عمن ظلمه، ولكن العفو إنما يكون عند القدرة على الانتقام، فأنت تعفو مع قدرتك على الانتقام لأمور:
1- رجاء مغفرة الله -عز وجل- ورحمته؛ فإن من عفا وأصلح فأجره على الله.
2- لاستدامة الود بينك وبين صاحبك؛ لأنك إذا قابلت إساءته بإساءة، استمرت الإساءة بينكما، وإذا قابلت إساءة بإحسان، عاد إلى الإحسان إليك وخجل. قال -تعالى-: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت:34) .
فالعفو عند المقدرة من مكارم الأخلاق، لكن بشروط:
أن يكون العفو إصلاحا؛ فإن تضمن العفو إساءة، فإنه لا يندب إلى ذلك؛ لأن الله اشترط، فقال: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ} (الشورى:40)، أي كان في عفوه إصلاح، أما من كان في عفوه إساءة أو كان سبباً للإساءة، فهنا نقول: لا تعف! مثل أن يعفو عن مجرم، ويكون عفوه هذا سببا لاستمرار هذا المجرم في إجرامه؛ فترك العفو هنا أفضل، وربما يجب ترك العفو حينئذ، فإذا ما دفع الآخر بالتي هي أحسن، انقلبت العداوة إلى مودة، والبغضة والوحشة إلى محبة وألفة.
وهذه الأمور ليس بالسهل تحصيلها، وليس بمقدور كل إنسان أن ينالها، بل تحتاج إلى توفيق، وتدريب وصبر وشجاعة: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظِّ عَظِيمٍ} (فصلت:35).
فإذا أساء إليك أحد من جيرانك، فادفع بالتي هي أحسن؛ فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم؛ فذلك من دلائل مروءتك، ومن علامات سؤددك.
ولهذا قيل: «مروءة الرجل صدق لسانه، واحتمال عثرات جيرانه، وبذل المعروف لأهل زمانه، وكفه الأذى عن أباعده وجيرانه».
ومن الأمثلة التي يناسب ذكرها في هذا المقام، لبيان معنى قوله -تعالى-: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت:34).
قصة ثمامة بن أثال - رضي الله عنه - روى أبو هريرة - رضي الله عنه -، قال: «بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي خير يا محمد إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل ما شئت، فترك حتى كان الغد، ثم قال له: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد، فقال: ما عندك يا ثمامة؟ قال: عندي ما قلت لك. فقال: أطلقوا ثمامة؛ فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الأديان إليّ، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة، قال له قائل: صبوت؟ قال: لا والله، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا والله، لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة، حتى يأذن فيها النبي - صلى الله عليه وسلم -» (البخاري ومسلم).
وتأمل في ذلك حالَ النَّبِيِّ -عليه السلام- كما قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: كَأَنِّي أنْظُرُ إلى النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فأدْمَوْهُ، وهو يَمْسَحُ الدَّمَ عن وجْهِهِ ويقولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي؛ فإنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ» وقيل: إنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- في هذا الحديثِ هو الحاكي والمحْكيُّ عنه.


اعداد: د. أمير الحداد






ابوالوليد المسلم 02-12-2025 04:38 PM

رد: مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق .. ولا تجسسوا..

- سورة الحجرات هي (سورة الأخلاق)، ثماني عشرة آية، أرست مبادئ التعامل البشري، ابتداء من الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وإلى المؤمنين والبشر جميعا، وختمت بالتعامل مع الله -عز وجل-. ‏
كنت أناقش وصاحبي موضوع الخطبة في مجلسنا المعتاد بعد صلاة الجمعة.
- ‏بين النبي - صلى الله عليه وسلم - مبدأ حسن الظن بعباد الله، بقوله في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إياكم والظن! فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا»، الشرارة الأولى هي سوء الظن بعباد الله، هذا الظن السيء، يؤدي إلى كل ما بعده من التجسس والتباغض والتدابر. كان المجلس أكثر من المعتاد، وقد شاركنا بعض رواد المسجد.
- أعجبني حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ظننتم فلا تحققوا، وإذا حسدتم فلا تبغوا، وإذا تطيرتم فامضوا وعلى الله توكلوا، وإذا وزنتم فأرجحوا» (السلسلة الصحيحة) ذلك أني أسمعه لأول مرة.
- نعم؛ حديث جميل، ذكر الداء والدواء، يزول الظن بعدم الاستجابة له، ويزول الحسد بعدم البغي، ويزول التشاؤم بالمضي والتوكل على الله.
إن مؤذننا أبا إبراهيم هو الذي يدير النقاش، ‏علق أبو إسحاق طالب في السنة النهائية في الشريعة. ‏نعم قد يعرض في قلب المؤمن ظن بأخيه لرؤيته في مكان أو سماع كلام أو غيره فيما يوجب الريبة، فلا ينبغي أن يتتبع هذا الظن السيئ ويتجسس ليتحقق من صحته، بل يحسن الظن بأخيه ويوجد له الأعذار وينتهي، أما حديث «احترس من الناس بسوء الظن» (الطبراني في الأوسط والبيهقي وغيرهما)، فهو حديث ضعيف جدا كما ذكر الألباني -رحمه الله-، كان ابن عبدالبر في كتاب (بهجة المجالس) قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه -: «لا يحل لامرئ مسلم يسمع من أخيه كلمة يظن بها سوءا، ويجد لها في شيء من الخير مخرجًا».
‏تركنا الحديث لأبي إسحاق؛ لما لديه من علم شرعي. ‏تابعت حديثه: ‏في (أنيس الجليس): الواجب على العاقل لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس، بل عليه الاشتغال بإصلاح عيوب نفسه؛ فإنّ من اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره أراح بدنه، ولم يتعب قلبه، فكلما اطلع على عيب لنفسه هان عليه ما يرى مثله من أخيه، وإن من اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه عمي قلبه وتعب بدنه، وتعذر عليه ترك عيوب نفسه، وإن من أعجز الناس من عاب الناس بما فيهم، وأعجز منه من عابهم بما فيه.
والتجسس من شعب النفاق، كما إن حسن الظن من شعب الإيمان، و العاقل يحسن الظن بإخوانه، وينفرد بغمومه وأحزانه، كما إن الجاهل يسيء الظن بإخوانه، ولا يفكر في جناياته وأشجانه.
وأمر -سبحانه وتعالى- المؤمنين باجتناب كثير من الظن، وهو كل ظن لم يقم عليه دليل، وإن بعض الظن إثم، قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا} (الحجرات: 12).
قال ابن كثير -رحمه الله-: «يقول -تعالى- ناهياً عباده المؤمنين عن كثير من الظن وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله؛ لأن بعض ذلك يكون إثماً محضاً، فليجتنب كثير منه احتياطاً.»
وهنا نورد قصة عمر بن الخطاب مع سعيد بن عامر الجمحي (واليه على حمص)؛ إذ قدر الله لعمر أن يزور هذه البلدة، ويسأل أهلها كيف وجدتم عاملكم؟ فيشكونه له، وكان يقال لأهل حمص: الكوفية الصغرى لشكايتهم عمالهم قائلين: نشكو أربعاً: لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار، قال: أعظم بهذا! وماذا؟ قالوا: لا يجيب أحدا بليل، قال وعظيمة! وماذا؟ قالوا: وله يوم في الشهر لا يخرج فيه إلينا، قال عظيمة!
وماذا؟ قالوا: يغنط الغنطة بين الأيام (أي يغمى عليه ويغيب عن حسه) فلم يفصل عمر في الأمر، إلا بعد أن جمع بينهم وبينه، ودعا ربه قائلا: «اللهم لا تُفيِّل (تُخيب) رأيي فيه»، وكان عمر حسن الظن به، وبدأت المحاكمة؛ فقال عمر لهم أمامه: ما تشكون منه؟ قالوا: لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار قال: ما تقول؟ قال: والله إن كنت لأكره ذكره: ليس لأهلي خادم فأعجن عجيني، ثم أجلس حتى يختمر، ثم أخبز خبزي، ثم أتوضأ، ثم أخرج إليهم؛ فقال: ما تشكون منه؟ قالوا: لا يجيب أحدا بليل قال: ما تقول؟ قال: إن كنت لأكره ذكره: إني جعلت النهار لهم والليل لله -عز وجل-، قال: وما تقول؟ قال: ليس لي خادم يغسل ثيابي ولا لي ثياب أبدلها فأجلس حتى تجف ثم أدلكها ثم أخرج إليهم من آخر النهار، قال: ما تشكون منه؟ قالوا: يغنط الغنطة بين الأيام قال: ما تقول؟ قال: شهدت مصرع خبيب الأنصاري بمكة وقد بضعت قريش من لحمه ثم حملوه على جذعة فقالوا: أتحب أن محمدا مكانك؟ فقال: والله ما أحب أنى في أهلي وولدي وأن محمدا - صلى الله عليه وسلم - شيك بشوكة، ثم نادى يا محمد؛ فما ذكرت ذلك اليوم وتركي نصرته في تلك الحال وأنا مشرك لا أومن بالله العظيم، إلا ظننت أن الله -عز وجل- لا يغفر لي بذلك الذنب أبداً فتصيبني تلك الغنطة؛ فقال عمر بعد أن أظهر براءته أمامهم الحمد لله الذي لم يفيل فراستي، وبعث إليه بألف دينار وقال: استعن بها على أمرك... ففرّقها». في التفسير: {وَلا تَجَسَّسُوا} التجسس: هو البحث عن عيوب الناس؛ فنهى الله -تعالى- عن البحث عن المستور من أمور الناس وتتبع عوراتهم؛ حتى لا يظهر ما ستره الله منها، وفي الحديث عن نافع عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورات المسلمين، يتتبع الله عورته، ومن يتتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله».
(صحيح الترغيب)؛ ولا يمكن ان نتحدث عن حسن الظن بالمسلمين دون ذكر حادثة الإفك والفتنة العظيمة التي وقعت بسبب بعض المنافقين ومن أساء الظن من المؤمنين: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} (النور: 12).



اعداد: د. أمير الحداد






ابوالوليد المسلم 16-12-2025 11:47 AM

رد: مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق .. غضّ البصر


  • خلق عظيم يدل على التقوى وخشية الله بالغيب، ذلك أنه إذا كان المسلم في خلوة، غض بصره عما حرّم الله.
  • وهل هذا يشمل ما يشاهده المرء في الهاتف أو التلفاز؟
  • بالطبع، فالأمر متعلق بما تشاهده، لا أين تشاهد! ذلك أن إطلاق البصر فيما حرّم الله يورث آثارا سيئة في القلب، وإذا لم ينته العبد فإن هذا المرض -إطلاق البصر- يزداد مع العمر، حتى لا يستطيع منعه ولا التخلص منه.
يقول الشيخ ابن عثيمين في شرح رياض الصالحين عند قوله -تعالى-: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} (النور:٣٠). في هذه الآية دليل على وجوب التوبة من عدم غضّ البصر وحفظ الفرج؛ لأن غض البصر يعني: قصره وعدم إطلاقه؛ ولأن ترك غض البصر وحفظ الفرج كل ذلك من أسباب الهلاك وأسباب الشقاء وأسباب البلاء، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء». (البخاري)، وهذا هو الواقع؛ لذلك قال -تعالى- عقب الأمر بغض البصر: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (النور:٣١)، وقوله -عز وجل-: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا} يدل على أنه ينبغي لنا -بل يجب علينا- أن نتواصى بالتوبة وأن يتفقد بعضنا بعضا هل الإنسان تاب من ذنبه أو بقي مصرا عليه؟ فالخطاب موجه للجميع (جميعا أيها المؤمنون). كنت وصاحبي في مجلس الأربعاء -ديوان الملا- يستضيفون متحدثا كل شهر غالبا ما يكون أستاذا في الشريعة أو شيخا متميزًا، الحضور خليط من كل الفئات العمرية، مراهقون- ومن تجاوزوا الستين، تابع الضيف حديثه:
  • يقول ابن تيمية: «فجعل الله -سبحانه- غضّ البصر وحفظ الفرج هو أزكى للنفس، وبين أن ترك الفواحش من زكاة النفوس» (العبودية ج1 ص33)، وفي الفتاوى عند قوله -تعالى-: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} «وأمره بالتوبة مما لا بد أن يدرك ابن آدم من ذلك، وقال أبو عبدالرحمن السلمي: سمعت أبا حسين الوّراق يقول: من غض بصره عن محرم أورثه الله بذلك حكمة على لسانه، يهتدي بها ويهدي بها إلى طريق مرضاته؛ وهذا لأن الجزاء من جنس العمل؛ فإذا كان النظر إلى محبوب فتركه لله عوضه الله ما هو أحبّ إليه منه».
استأذن أحد الحضور بسؤال:
  • حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «النظرة سهم مسموم من سهام إبليس»، صحيح؟
  • هذا الحديث عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعني عن ربه -عز وجل-: «النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، من تركها من مخافتي، أبدلته إيمانا يجد حلاوته في قلبه» (قال الألباني: ضعيف جدا)، وأورده الحاكم في المستدرك عن حذيفة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة، فمن تركها من خوف الله أثابه الله -عز وجل- إيمانًا يجد حلاوته في قلبه» (قال الذهبي: حديث صحيح ولم يخرجاه).
فالحديث القدسي عن ابن مسعود ضعيف جدا، ورواية حذيفة صحهها الذهبي، وأنا أقول المعنى صحيح، ولست بمن يعلق على الألباني أو الذهبي! ذلك أن الذي يغض بصره، يورثه الله حلاوة إيمان في قلبه وتقوى بصيرته، وينور الله وجهه، ذلك أنه يغلق بابا عظيما من أبواب الشيطان إلى قلب ابن آدم، بل هو دليل على مراقبة الله وخشيته، سئل الجنيد بما يستعان على غض البصر؟ قال: بعلمك أن نظر الله إليك أسبق إلى ما تنظر إليه! فالعين مرآة القلب، وإطلاق البصر يورث المعاطب، وغض البصر يورث الراحة، والعبد إذا غض بصره في شبابه، حفظ الله -تعالى- عليه نعمة البصر، وإذا أطلق بصره، ربما أصبح شيخا هرما، وهو ينظر إلى محارم الله ولا يستطيع أن يقضي حاجته! وأظن أن الجميع يعرف الحديث المتفق عليه: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذى يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيدنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددى عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته». فلا ينظر إلا إلى ما يرضى الله -تعالى-، ولا يبطش إلا في رضا الله -عز وجل-، ولا يسمع إلا في طاعة الله -تعالى-، هذا خلق أولياء الله الذين يحبهم، وفي الحديث عن أبي أمامة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اكفلوا لي بست أكفل لكم الجنة: إذا حدث أحدكم فلا يكذب، وإذا وعد فلا يخلف، وإذا اؤتمن فلا يخن، وغضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم، وكفوا أيديكم» (صحيح الجامع ). قال ابن تيمية: «فقد كفل بالجنة لمن أتى بهذه الخصال الست، فالثلاثة الأولى تبرئة من النفاق، والثلاثة الأخرى تبرئة من الفسوق، والمخاطبون مسلمون؛ فإذا لم يكن منافقا كان مؤمنا، وإذا لم يكن فاسقا كان تقيا؛ فيستحق الجنة». (مجموع الفتاوى 15/396). وقال ابن القيم: «والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان؛ فالنظرة تولد خطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة تقوى فتصير عزيمة حازمة؛ فيقع الفعل ولا بد، ما لم يمنع منه مانع، وفي هذا قيل: الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده» (الجواب الكافي 1-106). وفي الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا؛ فهو مدرك ذلك لا محالة، العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطى، والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه» (متفق عليه واللفظ لمسلم)؛ فالعبد ينبغي أن يتوب عما يقع فيه من هذه الذنوب، ولا يتبع النظرة النظرة، ولا السمع السمع، ولا البطش البطش، وإلا وقع في المحظور الأكبر والله أعلم.


اعداد: د. أمير الحداد






ابوالوليد المسلم 26-12-2025 04:34 PM

رد: مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق .. لا تغضب!

رجل لا تفوته صلاة جماعة في المسجد، ولا يختلط كثيرا مع المصلين، ولكن له مكانه المعتاد في الجانب الأيمن من الصف الأول، له كرسي وضع عليه مصحفا كبير الحجم، يقرأ منه قبل صلاة الظهر، والعصر، وبعد صلاة الفجر والمغرب. قررت أن أمكث في المسجد بين العشاءين، السبت الفائت بعد أن خلا المسجد من المصلين، أتاني أبو سعد، بدت عليه علامات عدم الارتياح والضيق، بعد السلام استأذن أن يتحدث معي. - حياك الله يا (حمامة المسجد)، كلّي آذان صاغية، لم يتفاعل مع ترحيبي. - دعني أدخل في الموضوع مباشرة، كنت يوم الخميس صائما، دخلت البيت قبل الأذان بساعة، فإذا ابنتي ذات الخمس عشرة سنة ترقص مع أختها الأصغر، على أنغام تصدر من هاتفها! لم أتمالك نفسي، صرخت موبخا! أخذت الهاتف، ورميته بشدة على الحائط، أريد كسره، خرجت أمهم إثر الصراخ، ونالت نصيبها من التوبيخ أيضا! وكذلك أخوهم، لم أترك أحدا، وخرجت من البيت، تفطرت في المسجد، وتعشيت في أحد المطاعم، ولم أكلم أحدا إلى اليوم. سكت (الرجل)؛ فبادرته: - والآن؟ - لا أدري. - اسمع مني يا أخي، أنت -ولله الحمد- من أحرص الناس على الصلاة وتعاليم الكتاب والسنة، وفيك خير كثير، ولكن بصراحة -ولا تغضب مني- أنت سريع الغضب! - استغرب الرجل! وتابعت حديثي: - لقد رأيتك قبل فترة وأنت تعنف ملاحظ المسجد؛ لأنه لم يكن قد أفرغ سلة المهملات، وكنت شديدا عليه! لو أنك فقط تملك نفسك حال الغضب، الكل في المسجد يعرف فيك هذه الخصلة؛ ولذلك لا يختلطون معك كثيرا. - وهل يتحدثون عن ذلك؟ - كلا، ولكنه الشعور العام، والتصرف العام، والمعروف لدى أكثر المصلين. - أستغفر الله، إذًا هذه خصلة فيَّ وظاهرة للناس، وأنا الوحيد الذي لا أعرفها؟! - كلنا لدينا من النواقص ما لدينا، ولكن نجتهد أن نتعامل معها، وفق مراد الله ورضاه، هذا هدفنا جميعا، والأحاديث في (عدم الغضب) كثيرة. - هات شيئا منها؛ لعلي أذكر نفسي (الغضوب)! - أظن أقوى حديث أحفظه لنفسي وأذكره دائما، حديث عبدالله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما يباعدني من غضب الله -عز وجل-، قال: لا تغضب» وهو في (صحيح الترغيب والترهيب)، وفي شرح هذا الحديث كلام جميل. في الطبراني من حديث سفيان بن عبدالله الثقفي «قلت يا رسول الله، قل لي قولا أنتفع به وأَقْلِل، قال: لا تغضب، ولك الجنة»، وفيه عن أبي الدرداء «قلت: يا رسول الله، دلني على عمل يدخلني الجنة، قال: لا تغضب»، وفي حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- عند أبي يعلى «قلت يا رسول الله، قل لي قولا وأقلل لعلي أعقله قال: لا تغضب!». (فردد مرارا ) أي ردد السؤال يلتمس أنفع من ذلك أو أعم فلم يزده على ذلك. في رواية أبي كريب «كل ذلك يقول: لا تغضب!». وزاد أحمد وابن حبان في رواية عن رجل لم يسمه قال: «تفكرت فيما قال فإذا الغضب يجمع الشر كله». وفي الحديث عند أنس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر بقوم يصطرعون! فقال: ما هذا؟ قالوا: فلان ما يصارع أحدا إلا صرعه، قال: أفلا أدلكم على من هو أشد منه؟ رجل كلمه رجل فكظم غيظه فغلبه وغلب شيطانه وغلب شيطان صاحبه». وفي حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - عند مسلم وأوله: «ما تعدون الصرعة فيكم؟ قالوا: الذي لا يصرعه الرجال، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». وفي رواية أحمد من حديث رجل لم يسمه شهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الصرعة كل الصرعة -كررها ثلاثا- الذي يغضب فيشتد غضبه ويحمر وجهه فيصرع غضبه». وقيل لابن المبارك: اجمع لنا حسن الخلق في كلمة، قال: ترك الغضب. قوله - صلى الله عليه وسلم - لمن استوصاه: لا تغضب! يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون مراده الأمر بالأسباب التي توجب حسن الخلق من الكرم والسخاء والحلم والحياء والتواضع والاحتمال وكف الأذى، والصفح والعفو، وكظم الغيظ، والطلاقة والبشر، ونحو ذلك من الأخلاق الجميلة؛ فإن النفس إذا تخلقت بهذه الأخلاق، وصارت لها عادة أوجب لها ذلك دفع الغضب عند حصول أسبابه. والثاني: أن يكون المراد لا تعمل بمقتضى الغضب إذا حصل لك، بل جاهد نفسك على ترك تنفيذه والعمل بما يأمر به؛ فإن الغضب إذا ملك ابن آدم كان الآمر والناهي له، فإذا لم يمتثل الإنسان ما يأمره به غضبه، وجاهد نفسه على ذلك، اندفع عنه شر الغضب، وربما سكن غضبه، وذهب عاجلا، فكأنه حينئذ لم يغضب، وإلى هذا المعنى وقعت الإشارة في القرآن بقوله -عز وجل-: {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} (الشورى: 37 ). كان صاحبي منصتا هادئا، كأنما يسمع شيئا جديدا.. مع أنى لا أشك أنه يعرف كل هذه الأحاديث. - وهل يسكت المرء على معصية في بيته ومن أبنائه؟! - كلا، ولكن يعالج المشكلة بهدوء؛ حتى لا تقع مشكلة أكبر، القصد أن يتصرف المرء بوعي وروية، لا تحت تأثير الغضب؛ فإذا أصاب المرء الغضب، يجب أن يتخلص منه أولا قبل أن يتكلم أو يتصرف؛ ففي الحديث عن سليمان بن حدد قال: «استب رجلان عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسب صاحبه مغضبا قد احمر وجهه! فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقالوا للرجل: لا تسمع ما يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: إني لست بمجنون» (متفق عليه). تخيل هذا من شدة غضبه لم يستجب لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -! قاطعني قائلا: - تذكرت حديثا: «إن الغضب من الشيطان». - نص الحديث كما يلي يا أخي: عن عطية بن عروة السعدي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما يطفئ النار الماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ» رواه أبو داود لكن (ضعفه الألباني).



اعداد: د. أمير الحداد







ابوالوليد المسلم 01-01-2026 02:58 PM

رد: مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق .. وأعرض عن الجاهلين!


  • مكارم الأخلاق لا تعدو أن تكون عفوًا عن اعتداء، أو غضًا عما لا يلائم، أو فعل خير واتساما بفضيلة، وهذه الثلاثة اجتمعت في قول الله -تعالى-: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (الأعراف:199)، قال جعفر بن محمد: «في هذه الآية أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها».
كنا في طريقنا إلى المنطقة الشمالية من الكويت؛ حيث مزارع (العبدلي) القريبة من الحدود العراقية؛ نلبي دعوة أخ لوليمة عشاء بمناسبة تخرج ابنه من (كلية الشرطة). المتحدث شيخنا (أبو جراح) يجيب عن سؤال صاحبي، الذي كان يشتكي من جاره، كثير الأذى، سليط اللسان، والذي لا يراعي كبار السن ولا الجيران، ولا يتورع عن ضرب خدم جيرانه إذا هم ارتكبوا أي خطأ، أو تجاوزوا شيئا بحسب وجهة نظره.
  • هذا ترفع أمره إلى الجهات الرسمية إذا اعتدى على أحد..
  • قمنا بذلك مرات عدة، ويتعهد ثم يعود، حتى قررنا جميعا أن نتجاهله، ولا نتعامل معه ولا مع أبنائه، إنه من الجاهلين!
في صحيح البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة؛ فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر - رضي الله عنه -، وكان القراء أصحاب مجلس عمر - رضي الله عنه - ومشاورته كهولا وشبانا؛ فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه؛ فاستأذن؛ فأذن له عمر؛ فلما دخل قال: هي يا ابن الخطاب! فو الله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل؛ فغضب عمر - رضي الله عنه - حتى هم أن يوقع به؛ فقال له الحر: يا أمير المؤمنين إن الله -تعالى- قال لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (الأعراف: 199)، وإن هذا من الجاهلين! والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافا عند كتاب الله -تعالى-.
قال ابن عثيمين في شرح رياض الصالحين:
«لما قال الرجل هذا الكلام لعمر - رضي الله عنه -: إنك لا تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل، غضب - رضي الله عنه - غضبا حتى كاد يوقع به، أي: يضر به أو يبطش به، ولكن ابن أخي عيينة الحر بن قيس قال له: يا أمير المؤمنين، إن الله -تعالى- قال لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (الأعراف: 199)، وإن هذا من الجاهلين؛ فوقف عمر - رضي الله عنه - ولم يتجاوزها؛ لأنه كان وقافا عند كتاب الله - رضي الله عنه - فوقف، وما ضرب الرجل وما بطش به ؛ لأجل الآية التي تليت عليه، وانظر إلى أدب الصحابة -رضي الله عنهم- عند كتاب الله؛ لا يتجاوزونه، إذا قيل لهم هذا قول الله وقفوا، مهما كان؛ فقوله -تعالى-: {خذ العفو} أي: خذ ما عفا من الناس وما تيسر، ولا تطلب حقك كله؛ لأنه لا يحصل لك، فخذ منهم ما عفا وسهل.
  • وقوله: {وأمر بالعرف} أي: الأمر بما عرفه الشرع وعرفه الناس، ولا تأمر بمنكر، ولا بغير العرف؛ لأن الأمور ثلاثة أقسام:
1- منكر يجب النهي عنه. 2- وعرف يؤمر به. 3- وما ليس بهذا ولا بهذا فإنه يسكت عنه.
  • وأما لقوله: {وأعرض عن الجاهلين} فالمعني: أن من جهل عليك وتطاول عليك فأعرض عنه، ولاسيما إذا كان إعراضك ليس ذلا وخنوعا. مثل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فإن إعراضه ليس ذلا ولا خنوعا، فهو قادر على أن يبطش بالرجل الذي تكلم، لكن امتثل هذا الأمر وأعرض عن الجاهلين.
والجهل له معنيان:
  • أحدهما: عدم العلم بالشيء.
  • والثاني: السفه والتطاول، ومنه قول الشاعر الجاهلي:
أَلا لا يَجهَلَن أَحَدٌ عَلَينا فَنَجهَلَ فَوقَ جَهلِ الجاهِلينا
أي لا يسفه علينا أحد ويتطاول علينا فنكون أشد منه، لكن هذا شعر جاهلي! أما الأدب الإسلامي فإن الله -تعالى- يقول: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت: 34)، سبحان الله! إنسان بينك وبينه عداوة قد أساء إليك، ادفع بالتي هي أحسن، فإذا دفعت بالتي هي أحسن وفورا يأتيك الثواب والجزاء: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت: 34)، وقوله: (ولى حميم) أي قريب صديق في غاية ما يكون من الصداقة والقرب، والذي يقول هو الله -عز وجل- مقلب القلوب، ما من قلب من قلوب بني آدم إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن -عز وجل- يصرفه كيف يشاء.
الإعراض عن الجاهلين فمن أعرض عن الجاهلين: حمى عرضه وأراح نفسه، وسلم من سماع ما يؤذيه. وقال الشافعي:
إذا سبني نذل تزايدت رفـعــة وما العيب إلا أن أكون مساببه
ولو لم تكن نفسي علي عزيزة لمكنتها من كل نذل تحــاربـــه
كان شرح شيخنا مسهبا، ممتعا، وقد آنسنا طوال المسافة.
  • هل يدخل حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا»؟!
  • بالتاكيد هذا جزء من حديث أبى هريرة.. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع عبد إلا رفعه الله» (صحيح مسلم)، كان (أبو طارق) هو الذي يتولى قيادة المركبة، ويتتبع إرشادات خرائط (جوجل).
  • دعوني أقرأ لكم ما ورد في تفسير السعدي لهذه الآية.. {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}.
هذه الآية جامعة لحسن الخلق مع الناس؛ فالذي ينبغي أن يعامل به الناس، أن يأخذ العفو أي ما سمحت به أنفسهم، وما سهل عليهم من الأعمال والأخلاق، فلا يكلفهم ما لا تسمح به طبائعهم، ويتجاوز عن تقصيرهم ويغض طرفه عن نقصهم، ولا يتكبر على الصغير لصغره، ولا ناقص العقل لنقصه، ولا الفقير لفقره، بل يعامل الجميع باللطف والمقابلة بما تقتضيه الحال وتنشرح له صدورهم.
  • {وأمر بالعرف} أي: بكل قول حسن وفعل جميل، وخلق كامل للقريب والبعيد، فاجعل ما يأتي إلى الناس منك إما: تعليم علم أو حث على خير أو معاونة على بر وتقوى، أو زجر عن قبيح، أو إرشاد إلى تحصيل مصلحة دينية أو دنيوية، ولما كان لا بد من أذية الجاهل أمر الله -تعالى- أن يقابل الجاهل بالإعراض عنه وعدم مقابلته بجهله؛ فمن آذاك بقوله أو فعله لا تؤذه، ومن حرمك لا تحرمه، ومن قطعك فصله، ظلمك فاعدل فيه.
وفي صحيحي البخاري ومسلم عن عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه - قال: لما كان يوم حنين آثر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ناسا من أشراف العرب في القسمة فقال رجل: والله إن هذه قسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله؛ فقلت: والله لأخبرن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأتيته فأخبرته بما قال، فتغير وجهه حتى كان كالصرف! ثم قال: فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ ثم قال: يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر، قلت: (الصرف) بكسر الصاد المهملة وإسكان الراء وهو صبغ أحمر.


اعداد: د. أمير الحداد






ابوالوليد المسلم 13-01-2026 01:49 PM

رد: مكارم الأخلاق
 


مكارم الأخلاق.. توقير العلماء

يتعجب بعض أقاربي من شربي الشاي والقهوة دون سكر. - بدأت هذه العادة (الحسنة) منذ أكثر من أربعين سنة أثناء إنهائي لمرحلة الدكتوراة؛ لعدم توفر السكر في المكاتب المشتركة لطلبة الدراسات العليا؛ فأعددت قهوتي واستمتعت بمذاقها (المرّ)، وأصبحت عادة بعد ذلك وتأصلت باتباع الإرشادات الصحية باجتناب (السمّ الأبيض) كما يقولون، السكر والملح. كان اجتماع العائلة الأسبوعي، يوم الخميس مع أن الالتزام به أصبح أقل بكثير مما كان عليه في حياة الوالدة -رحمها الله- قبل ثلاثة أعوام. سألت شقيقتي: - سمعت أحد المشايخ يقول: إن حديث قراءة سورة الكهف يوم الجمعة (ضعيف)، هل هذا الكلام صحيح؟ قبل أن أرد عليها تدخل (أبو أحمد)، -ولا اهتمام له بالعلم الشرعي: - وما لنا ولهذا الشيخ وغيره؟ قراءة القرآن فيها أجر عظيم، لماذا نسمع آراء فلان وفلان؟! لم يعجبني رده وحافظت على هدوئي. - قبل أن نتحدث عن حديث قراءة سورة الكهف يوم الجمعة يجب أن نبين قضية أهم بكثير وهي (توقير العلماء). قاطعني: - أنا لا أهتم لرأي أحد، الدين واضح، ولا أحتاج أن أعرف أقوال (الألباني)، و(ابن باز)، و(ابن عثيمين)، ولا غيرهم. أدركت أنه يحتاج إلى توضيح! - لك أن تفعل ما تشاء، ولكن دعني أبين للباقي قضية مهمة، يقول الله -تعالى-: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (آل عمران:18)، وفي الحديث: «إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهما، إنما ورثوا العلم؛ فمن أخذه أخذ بحظ وافر» (صحيح الترمذي)؛ ففي الآية قرن الله -عز وجل- شهادتهم بشهادته -سبحانه وتعالى- وهذا تشريف لا تشريف بعده، وفي الحديث بيّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم يحملون ميراث النبوة؛ العلم، ولا شك أن هذا تشريف عظيم. العلماء هم الذين ينقلون لنا الصحيح من دين الله، منذ عهد الصحابة وإلى يوم القيامة فهم الذين يحفظون الدين نقيًا، ويبينون الصواب من الخطأ فلا يمكن لمرء يريد الهداية أن يستغني عنهم؛ بل الواجب توقيرهم واحترامهم دون مغالاة ولا مجافاة؛ فمكانتهم محفوظة بحفظ الله لها: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} (الزمر:9)؛ فمن التقرب إلى الله، ومن أخلاق المؤمن التي بينها النبي - صلى الله عليه وسلم - توقير العلماء كما في الحديث, عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس منا من لم يجلّ كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه» (صحيح الترغيب). - وكيف نتبعهم، وهم يختلفون! وهم أحيانا يخطئ بعضهم بعضا؟ - الاختلاف من طبيعة البشر، والعلماء بشر يجتهدون، وهم أهل للاجتهاد، والمجتهد إذا أصاب له أجران وإذا أخطأ له أجر! قاطعني مرة أخرى: - كل واحد يأتي ويفتي ويتكلم في دين الله، وفي الأحاديث، حتى أن بعضهم، قال: إن (صحيح البخاري) لا يؤخذ به! - ليس كل من زعم قولا، يؤخذ بقوله، العالم هو من شهد له علماء زمانه بعلمه، يقول الإمام مالك: «ما جلست للفتوى حتى شهد لي سبعون شيخا من أهل العلم أنى موضع لذلك»؛ فالعلماء يشهد بعضهم لبعض، اجتمع (ابن باز) و(ابن عثيمين) و(الألباني) في الحج ذات سنة، وأكبرهم (ابن باز)، فتم تقديم الألباني للصلاة بهم قال: كلنا يحفظ كتاب الله وأنت أعلمنا بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -! هكذا هم العلماء، ينبغي أن يكون للعلماء مكانة عند المسلم بحيث يعرف قدرهم ويتبعهم، ولا يقدسهم، وهذه هي تعاليمهم هم: قال أبو حنيفة: «إذا صح الحديث فهو مذهبي». وقال مالك: «إنما أنا بشر أخطئ وأصيب؛ فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وإلا فاتركوه». وقال الشافعي: «ما من أحد إلا وقد تذهب عليه سنة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمهما قلت من قول أو أصّلت من أصل فيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلاف ما قلت، فالقول ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو قولي»؛ فيجب موالاة العلماء ومحبتهم: فهم أولى الناس بالموالاة وأحقهم بالمحبة في الله بعد الأنبياء؛ قال شيخ الإسلام: «يجب على المسلمين بعد موالاة الله -تعالى-، ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، موالاة المؤمنين خصوصا العلماء الذين هم ورثة الأنبياء ...», قال الشافعي -رحمه الله- للإمام أحمد: «أنتم أعلم بالحديث مني، فإذا صحّ عندكم الحديث فقولوا لنا حتى آخذ به». قال ابن تيمية: «كل أمة قبل مبعث نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فعلماؤها شرارها، إلا المسلمين، فإن علماءهم خيارهم؛ فإنهم خلفاء الرسول في أمته، والمحيون لما مات من سنته» (رفع الملام عن الائمة الأعلام 1-8», قال ابن القيم -رحمه الله-: «إن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة، قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور، بل ومأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يتبع فيها، ولا يجوز أن تهدر مكانته ومنزلته في قلوب المسلمين»، وإذا كانت زلة العالم هذه غير ذات أثر على الناس، فالواجب سترها لعله يرجع عنها. (إعلام الموقعين 3-283). قاطعتني شقيقتي (أم فيصل): - لقد نسينا سؤالنا الأول عن قراءة سورة الكهف يوم الجمعة؟ ابتسمت. - معك حق، ولكن موضوع توقير العلماء أهم، أما الجواب عن سؤالك فهو من أقوال العلماء وليس مني وإليك ما قالوا: روى الحاكم في المستدرك مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين» (صححه الألباني)، هذا أصح ما ورد، مع أن بعض أهل العلم ضعّف هذا الحديث وذكره موقوفا، ولكني أقول: إن الألباني أعرف بالأحاديث من غيره في عصرنا، والله أعلم.



اعداد: د. أمير الحداد






ابوالوليد المسلم 27-01-2026 05:15 PM

رد: مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق.. اتقوا الشُحّ!

صاحبي لا يحب السفر بالطائرة، وأنا لا أحب السفر برًا؛ ذلك أن التعب والانتظار عند المراكز الحدودية، مع عدم توفر خدمات مميزة على الطريق تجعل -بالنسبة لي- كلفة السفر برًا أعلى. - لنذهب إلى البحرين ليلة واحدة، نزور (أبا ليلى).
بعد نقاش وتأكيد أنه لن نواجه أي تأخير في الحدود، وأنه وسائقه سيتوليان القيادة، وافقت. انطلقنا بعد صلاة الفجر وقبل الشروق، يوم الثلاثاء، وبالفعل كانت عملية العبور إلى المملكة ثم الدخول إلى البحرين ميسّرة، كما وعد صاحبي، في الطريق كان لدينا الوقت للحديث عن أمورة كثيرة. - بعض من يسافر معي برًا يستكثر أن يشارك في مصاريف الرحلة، مع أني لا أنتظر من أحد المشاركة، ولا يزدني ولا ينقصني ذلك شيئا، ولكن أستغرب كيف يستثقل أن يدفع ثمن وجبة غداء أو تعبئة وقود أو ثمن غرفة في استراحة على الطريق! - ربما يظن أنه ضيف معك، وعلى المضيف أن يكرم ضيفه. - كلا، هذا طبعه دائما حتى وهو في البلد، يضيق صدره إذا زاره أحد، وإذا خرج لا يأخذ حافظة النقود والبطاقات معه! - ربما يكون بخيلا، يحب جمع المال، وربما يكون قليل المال! - بل الأولى يا (أبا حاتم). قالها صاحبي مبتسما.
- إن الشح خُلق رديء لا ينبغي أن يكون في المسلم؛ ففي حديث جابر بن عبدالله بن حرام - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشحّ فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم» (مسلم). قاطعني: - وما الفرق بين الشح والبخل؟ - الشح أشد من البخل، وهو الحرص الشديد على اكتساب المال وجمعه، بينما البخل منع المال بعد الحصول عليه؛ فالبخل نتيجة للشح! وقيل: إنهما يجتمعان في المعنى إذا تفرقا ويختلفان في المعنى إذا اجتمعا، وقيل البخل منع الواجب، والشح منع حتى المستحب. - توقفنا بعد أن دخلنا أراضي المملكة، نرتاح لوجبة الإفطار، أخذنا مكان مميزا على كثبة رملية تناثرت عليها بعض النباتات الصحراوية، توليت والسائق تهيئة المكان، بينما تولى صاحبي إعداد القهوة والشاي، تابعنا حديثنا أثناء الأكل. - لنرجع إلى الأحاديث في ذم البخل والشح! - نعم عن أبي سعيد الخدري قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق» (صحيح الترمذي)، وعن ابن عمرو قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، ويهلك آخرها بالبخل والأمل» (السلسلة الصحيحة).
والحديث المعروف عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين، عليهما جُنّتان من حديد، قد اضطرت أيديهما إلى ثدييهما وتراقيهما؛ فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه حتى تغشي أنامله وتعفو أثره وجعل البخيل كلما همّ بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة مكانها، قال: فأنا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول بإصبعه في جيبه، فلو رأيته يوسعها ولا توسع» (متفق عليه). - أعتقد هذا الحديث يحتاج إلى توضيح. - هو تشبيه للبخيل والمتصدق برجلين ألبسا درعين من حديد من الصدر إلى أدنى الرقبة (الترقوة)، فإذا تصدق الرجل اتسع الدرع ونزل عن صدره، حتى ينزل إلى أطراف قدميه ويمحو أثر مشيه، والبخيل كلما امتنع عن البذل ضاق عليه الدرع وضيقت على صدره، ولعل التشبيه يبين أن الصدقة تشرح الصدر وتزيل الذنب، والبخل يضيق الصدر ويتعب البخيل في الدنيا والآخرة. - ربما قرأت في بعض كتب ابن القيم -رحمه الله- أن العبد (مجبول على الشح)، وذلك -أظن- عند قول الله -تعالى-: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
- دعني أبحث لك في المكتبة الشاملة التي أحملها في هاتفي. وفي أقل من دقيقة استخرجت ما يريد صاحبي. قال ابن القيم: والمتصدق كلما تصدق بصدقة، انشرح لها قلبه وانفسح بها صدره؛ فهو بمنزلة اتساع تلك الجُبّة عليه فكلما تصدق اتسع وانفسح وانشرح وقوي فرحه وعظم سروره، ولو لم يكن في الصدقة إلا هذه الفائدة وحدها لكان العبد حقيقا بالاستكثار منها والمبادرة إليها، وقد قال -تعالى-: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (التغابن:16)، و كان عبدالرحمن بن عوف، أو سعد بن أبي وقاص، يطوف بالبيت وليس له دأب إلا هذه الدعوة: ربّ قِني شح نفسي رب قني شح نفسي؛ فقيل له: أما تدعو بغير هذه الدعوة؟ فقال: إذا وقيت شَح نفسي فقد أفلحت. (الوابل الصيب), {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر:9)؛ فالإيثار ضد الشح؛ فإن المؤثر على نفسه تارك لما هو محتاج إليه، والشحيح حريص على ما ليس بيده؛ فإذا حصل بيده شيء شحّ عليه وبخل بإخراجه؛ فالبخل ثمرة الشح والشح يأمر بالبخل. (مدارج السالكين).
- لقد أصبحت خبيرًا في استخدام الهاتف للوصول إلى جميع الكتب، أغبطك على ذلك؛ فأنا لا أجيد إلا استخدامه للمكالمات والرسائل! دعني أقرأ من بعض الأحاديث في هذا الباب: عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن (أو تملأ) ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حُجة لك أو عليك، كل الناس يغدو؛ فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها» (مسلم), وأما اقتران البرهان بالصدقة فهو أن الله -تعالى- جبل الإنسان على الشح وقال: { إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} (المعارج:19)، يعني في أصل نشأته {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} (المعارج)، وقال {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ}؛ فنسب الشح لنفس الإنسان وأصل ذلك أنه استفاد وجوده من الله؛ ففطر على الاستفادة لا على الإفادة؛ فما تعطي حقيقته أن يتصدّق، فإذا تصدق كانت صدقته برهاناً على أنه قد وُقي شُح نفسه، الذي جبله الله عليه؛ فلذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: «الصدقة بُرهان»، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «شرّ ما في رجل شح هالع وجبن خالع» (صحيح الترغيب).



اعداد: د. أمير الحداد






ابوالوليد المسلم 29-01-2026 05:09 PM

رد: مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق – فليَقل خيرًا.. أو ليصمت


- لا شك أن اللسان باب عظيم إلى النار أو إلى الجنة، يغفل عنه كثير من الناس، مع إن الجميع يعرف حديث النبي -صلى الله عليه وسلم -: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم» (البخاري)، وصاحب الأخلاق يزن كل كلمة يقولها، وإلا لزم الصمت، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت».
كنت وصاحبي على متن الطائرة لأداء العمرة، اتخذنا القرار بعد صلاة الجمعة، وأتممنا جميع الحجوزات ساعتها، على أن نعتمر السبت ونرجع الأحد!
- فضل عظيم وتيسير من الله أن نتمكن من أداء العمرة خلال يوم واحد.
- نعم، الحمدلله على هذه النعمة العظيمة.
تابعنا حديثنا عن حفظ اللسان.
- قوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} (الأحزاب)، هذه الآية التي يذكرها إمامنا كل جمعة في مقدمة خطبته، فيها أمر عظيم من الله لأهل الإيمان؛ فمن مقتضيات تقوى الله، القول السديد، عن ابن عباس -]- قال: قولا سديدا، صوابا، صدق، وفي التفسير: «الغرض النهي عن الخوض فيما لا يعنيهم، والحث على حفظ اللسان في كل باب؛ فإنه رأس الخير كله، والمعنى: راقبوا الله -تعالى- في حفظ ألسنتكم وتسديد قولكم».
- وماذا عن حديث: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»؟.
- أحسنت يا أبا أحمد، هذا حديث عظيم رواه الترمذي عن أبي هريرة، وعده بعض أهل العلم ربع الدين، وبعضهم ثلث الدين! قال ابن القيم -رحمه الله- جمع النبي -صلى الله عليه وسلم - الورع كله في هذا الحديث! وبالطبع ليس المعنى أن يترك المرء شؤون المسلمين وهموم الأمة لا يهتم إلا بشأنه! بل على العكس من ذلك، عليه أن يأتي كل ما ينفع الإسلام والمسلمين، ويعرض عما لا ينفع في الدين والدنيا كالإعراض عن اللغو، وهو الباطل، ابتداء من الشرك وانتهاء بما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال.
أعلن مذياع الطائرة أننا سنمر على الميقات بعد ثلاثين دقيقة؛ ذلك ليلبس المحرم إحرامه، ويستعد، وكنت وصاحبي قد أتممنا هذا الأمر قبل الصعود إلى الطائرة.
إن الأحاديث التي تحض على حفظ اللسان كثيرة؛ ذلك أن أكثر الذنوب إنما تقع من اللسان كما في حديث معاذ - رضي الله عنه - عن النبي -صلى الله عليه وسلم -: «ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟» (صحيح الترمذي).
جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم - فقال: عِظني وأوجز، فقال -صلى الله عليه وسلم -: «إذا قمت في صلاتك؛ فصلّ صلاة مودع، ولا تكلم بكلام تعتذر منه غدًا، واجمع الإياس مما في أيدي الناس». (السلسلة الصحيحة)، وعن ثوبان - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «طوبى لمن ملك لسانه ووسعه بيته، وبكى على خطيئته» (صحيح الترغيب)، وعن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: «قلت يا رسول الله ما النجاة؟ قال أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك» (صحيح الترغيب)، وعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: «قلت يا رسول الله: أي المسلمين أفضل؟ قال: «من سلم المسلمون من لسانه ويده» (البخاري).
وفي شرح رياض الصالحين لابن عثيمين -رحمه الله-: «فإن الذي تتكلم به -خيرا كان أو شرا مُعلناً أم سِرًا، فإنه يكتب لك أو عليك؛ كما قال الله -تبارك وتعالى-: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} (ق: 18)؛ فراقب هذا الأمر ، وإياك أن تخرج من لسانك قولاً تحاسب عليه يوم القيامة، اجعل لسانك دائما يقول الحق أو يصمت، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليقل خيراً أو ليصمت».
وقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}؛ فأمر الله -تعالى- بأمرين: بتقوى الله، وأن يقول الإنسان قولا سديدا، أي صوابا. وقد سبق الكلام عن التقوى، وإنها فعل أوامر الله واجتناب نواهيه، أما القول السديد فهو قول الصواب وهو يشمل كل قول فيه خير سواء كان من ذكر الله، أو من طلب العلم، أو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو من الكلام الحسن الذي يستجلب به الإنسان مودة الناس ومحبتهم، أو غير ذلك، ويجمعه قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت».
وضد ذلك القول غير السديد، وهو القول الذي ليس بصواب، بل خطأ إما في موضوعه، وإما في محلّه؛ أما في موضوعه: بأن يكون كلاما فاحشا، يشتمل على السب والشتم والغيبة والنميمة وما أشبه ذلك. أو في محله: أي أن يكون هذا القول في نفسه هو خير، لكن كونه يقال في هذا المكان فذلك ليس بخير؛ لأن لكل مقام مقالا ، فإذا قلت كلاما هو في نفسه ليس بشر ، لكنه يسبب شرا إذا قلته في هذا المحل فلا تقله؛ لأن هذا ليس بقول سديد، ففي هذا الموضوع لا يكون قولا سديدا، بل خطأ وإن كان ليس حرامًا بذاته؛ فمثلا، لو فرض أن شخصا رأى إنسانا علي منكر ونهاه عن المنكر ، لكن نهاه في حال لا ينبغي أن يقول له فيها شيئا، أو أغلظ له في القول، أو ما أشبه، لعد هذا قولا غير سديد، فإذا اتقى الإنسان ربه وقال قولا سديدا، حصل على فائدتين: {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} (الأحزاب:71)؛ فبالتقوى صلاح الإيمان ومغفرة الذنوب، وبالقول السديد صلاح الأعمال ومغفرة الذنوب. وعلم من هذه الآية أن من لم يتق الله ويقل قولا سديدا، فإنه حري بألا يصلح الله له أعماله، ولا يغفر له ذنبه؛ ففيه الحث على تقوى الله وبيان فوائدها.



اعداد: د. أمير الحداد






ابوالوليد المسلم 04-02-2026 04:15 PM

رد: مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق .. الجُود والكرم

- من أسماء الله الحسنى (الجواد)، ودليله حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله -تعالى- جواد يحب الجُود، ويحب معالي الأخلاق، ويكره سفاسفها» (السلسلة الصحيحة، وكذلك (الكريم)، كما في قوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} (الانفطار:6)، وغيرها من الآيات، وكذلك في الحديث عن سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «إن الله -عز وجل- كريم يحب الكرم ومعالي الأخلاق، ويبغض سِفسافها» (السلسلة الصحيحة).
- وما الفرق بين السخاء والجود والكرم؟ - هذه مترادفات تختلف في المعنى إذا اجتمعت، قيل: السّخاء هو العطاء بعد السؤال، والجود هو عطاء من غير سؤال، والكريم يشمل العطاء وغيره؛ فهو في عموم الأخلاق وليس في العطاء فقط! كما في كتاب الله -تعالى-: {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} (يوسف:31)، وكذلك: {قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} (النمل:29)، وكذلك، من ذلك يوصف الله -عز وجل- بـ(الجود) وبـ(الكرم)، ولا يوصف بـ(السخاء)، وكذلك في وصف النبي-صلى الله عليه وسلم -: «كان -صلى الله عليه وسلم - أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، حتى ينسلخ فيأتيه جبريل فيعرض عليه القرآن؛ فإذا لقيه جبريل -عليه السلام- كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم - أجود بالخير من الريح المرسلة» (متفق عليه).
- إن حب المال غريزة عند ابن آدم؛ بل إن الله -تعالى- قرن في آيات كثيرة بين المال والنفس: {لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} (التوبة:44)، وآيات كثيرة مثلها، ولكن لا ينبغي أن يبلغ حب المال درجة (البخل)، وربما يزيد إلى درجة (الكنز)، ومنع الزكاة.
- إن الكرم خلق عظيم، ينبع من قلب مؤمن بالله، يحسن الظن بالله، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: «والصدقة برهان» (مسلم)، والكريم يحبه أهل السماء وأهل الأرض، وأجره لا يعلمه إلا الله -عز وجل- ويبقى أثره بعد موته، ويدعو له أهل السماء وأهل الأرض.
استدركت على صاحبي: - كثير من الناس يظن أنه ليس من أهل الكرم والإنفاق، ذلك أنه لا يملك مالا كثيرا؛ فيستصغر النفقة القليلة (الدينار) و(الدينارين) و(الخمسة)، ويظن أن الإنفاق يكون بمبالغ معتبرة، ونسي حديث النبي -صلى الله عليه وسلم -: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب-، فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل» (صحيح الجامع). تناول صاحبي هاتفه.
- إليك هذه الأحاديث في باب الجود والكرم: عن أبي قتادة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «يا أيها الناس ابتاعوا أنفسكم من الله من مال الله؛ فإن بخل أحدكم أن يعطي ماله للناس فليبدأ بنفسه، وليتصدق على نفسه، فليأكل وليكتس مما رزقه الله -عز وجل-». (السلسلة الصحيحة).
عن أبي ذر قال: انتهيت إليه وهو يقول في ظل الكعبة: «هم الأخسرون ورب الكعبة، هم الأخسرون ورب الكعبة»، قلت: ما شأني؟ أيرى في شيءٌ؟ ما شأني؟ فجلست إليه وهو يقول، فما استطعت أن أسكت، وتغشاني ما شاء الله، فقلت: من هم بأبي أنت وأمى يا رسول الله؟ قال: «الأكثرون أموالا، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا» (البخاري).
حدثنا والله أبو ذر بالربذة، كنت أمشي مع النبي -صلى الله عليه وسلم - في حرة المدينة عشاء استقبلنا أحد؛ فقال: «يا أبا ذر، ما أحب أن أحدا لي ذهبا يأتي علي ليلةٌ أو ثلاثٌ عندي منه دينار، إلا أرصده لدين، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا»، وأرانا بيده. ثم قال: «يا أبا ذر».
قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله، قال: «الأكثرون هم الأقلون إلا من قال هكذا وهكذا» (البخاري).
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي -صلى الله عليه وسلم - دخل على بلال وعنده صبرة من تمر فقال: «ما هذا يا بلال»؟ «قال: شيء ادخرته لغد»؛ فقال: «أما تخشى أن ترى له غدا بخارا في نار جهنم يوم القيامة؟ أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا» (صححه الالباني) وأيضا هذه مجموعة أخرى من الآيات والأحاديث المعينة على تجاوز (البخل) وحب المال: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} (سبأ:39)، {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} (النور:33)، {وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} (البقرة:272). {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة:274). وعن عبدالله عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: اعلموا إنه ليس منكم أحد إلا ومال وارثه أحب إليه من ماله، مالك ما قدمت، ومال وارثك ما أخرت» (رواه مسلم).
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» (مسلم)، عن مطرف عن أبيه قال: أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم - وهو يقرأ{ألهاكم التكاثر}، قال: «يقول ابن آدم: مالي مالي! (قال): وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟» (مسلم).





اعداد: د. أمير الحداد






ابوالوليد المسلم 12-02-2026 11:58 AM

رد: مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق .. جبـر الخـواطـر

كل أحد يتعرض للحظة ضعف أو انكسار أو قلة حيلة، يحتاج فيها إلى من يواسيه، ويجبر خاطره. - أليس الجبر نقيض الكسر؟! ومنه الجبيرة التي توضع للعظم إذا انكسر؟ - بلى، هو كذلك، و(الخاطر) هو القلب أو النفس، ولا شك أن (جبر الخواطر) أحب إلى الله من (جبر العظم)، ويكون (جبر الخواطر) بالمواساة، وإدخال السرور بالتعويض عن مفقود، أو سد حاجة، أو إعانة، أو تقوية، بكلمة طيبة، أو تذكير بآية. صاحبي (عادل)، هين، لين، حبيب إلى القلب، لم تصدر منه كلمة أو تصرف يزعج أحدا من رواد المسجد منذ تجاورنا لأكثر من عشرين سنة، وقد اعتاد أن يذهب كل نهاية شهر إلى منطقة (الصليبية)، ويأخذ معه مواد غذائية وأظرفا فيها نقود يوزعها هناك على أسر محتاجة، لم يخبرني بعمله هذا ولكن سمعت من طرف ثالث. - هل لي أن أذهب معك في زيارتك القادمة لـ(الصليبية)، استغرب معرفتي بالأمر، تابعت حديثي: - لا تسألني كيف علمت بالأمر، ولكن لدي أموال زكاة أود توزيعها. وبالفعل، ذهبنا؛ فوجدنا بيوتا متلاصقة، نصفها مبني بالطوب والنصف الآخر معدني رخيص، وطرقا ترابية، وأولادا يلعبون حفاة بكرة قديمة، أدينا المهمة، وفي طريق عودتنا: - هل تعلم الأجر العظيم في جبر الخواطر المكسورة؟ في حديث عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله -عز وجل-، سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخ لي في حاجة، أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد-يعني مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - في المدينة- شهرا، ومن كف عضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجته حتى تتهيأ له أثبت الله قدمه (على الصراط) يوم تزل الأقدام» (صحيح الترغيب). - هذا من فضل الله علي، وهو خلق اكتسبته من والدي -رحمه الله-؛ كنت أراه يسعى على الفقراء والأرامل، ولم يكن كثير مال؛ فكان يأخذ من مؤونتنا المنزلية ويوزعها على من يعرف من المحتاجين، وإذا طرق أحد باب منزلنا، لا يتركه حتى يقضي حاجته ما استطاع، ولو بكلمة طيبة، كان دائما يردد قول الله -تعالى-: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا} (الإسراء:28)، يقول والدي -رحمه الله- هذه تعاليم الله -عز وجل- لرسوله - صلى الله عليه وسلم -، إن لم يكن لديك ما تعطيهم فقل لهم قول لطيفا برفق ووعد بالجميل عند سنوح الفرصة، واعتذر عن عدم تمكنك من مساعدتهم في الوقت الحاضر، لتجبر خواطرهم! أعجبني تخلقه الجميل بأخلاق والده. - رحم الله والدك، لقد غرس فيك خلقا جميلا، وبهذا أمر الله -عز وجل- رسوله - صلى الله عليه وسلم - في سورة الضحى: {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}. قال ابن قدامة -رحمه الله-: «وكان من توجيهات ربنا -سبحانه وتعالى- لنبيه - صلى الله عليه وسلم -، فكما كنت يتيما يا محمد -صلى الله عليه وسلم - فآواك الله، فلا تقهر اليتيم، ولا تذله، بل طيب خاطره، وأحسن إليه، وتلطف به، واصنع به كما تحب أن يصنع بولدك من بعدك؛ فنهى الله عن نهر السائل وتقريعه؛ بل أمر بالتلطف معه، وتطييب خاطره، لا يذوق ذل النهر مع ذلك السؤال» (تفسير ابن كثير)، {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}. فانظر روعة العطاء المستمر في هذه الآية حتى يصل بالمسلم لحال الرضا؛ فهذه الآية رسالة إلى مهموم ومغموم، وتسليه لصاحب الحاجة، وفرج لكل من وقع ببلاء وفتنة، أن الله يجبر كل قلب لجأ إليه بصدق، ويجبر الله كل الخلق، ويجبر من يدعوه باستجابة الدعاء وكشف الضر؛ كما قال -تعالى-: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} (النمل:٦٢). - نعم، إن الله يجبر خاطر من لجأ إليه بصدق؛ فمن معاني اسم الله (الجبار)، (جبر الرحمة) فهو -عز وجل- يجبر خاطر المنكسرين؛ فللعبد أن يدعوه -سبحانه- (يا جبار.. اجبر كسري)، فهو ملجأ الضعفاء والمنكسرين والمظلومين -سبحانه-. كان صاحبي هو الذي يتولى القيادة. - دعني أقرأ لك ما ورد في تفسير السعدي لآيات سورة (الضحى): {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى} أي: وجدك لا أم لك، ولا أب، بل قد مات أبوه وأمه وهو لا يدبر نفسه، فآواه الله، وكفله جده عبد المطلب، ثم لما مات جده كفله الله عمه أبا طالب، حتى أيده بنصره وبالمؤمنين. {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} أي: وجدك لا تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فعلمك ما لم تكن تعلم، ووفقك لأحسن الأعمال والأخلاق. {وَوَجَدَكَ عَائِلًا} أي: فقيرًا {فَأَغْنَى} بما فتح الله عليك من البلدان، التي جبيت لك أموالها وخراجها. فالذي أزال عنك هذه النقائص، سيزيل عنك كل نقص، والذي أوصلك إلى الغنى، وآواك ونصرك وهداك، قابل نعمته بالشكران. ولهذا قال: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ} أي: لا تسئ معاملة اليتيم، ولا يضق صدرك عليه، ولا تنهره، بل أكرمه، وأعطه ما تيسر، واصنع به كما تحب أن يصنع بولدك من بعدك. {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} أي: لا يصدر منك إلى السائل كلام يقتضي رده عن مطلوبه، بنهر وشراسة خلق، بل أعطه ما تيسر عندك أو رده بمعروف وإحسان.



اعداد: د. أمير الحداد






ابوالوليد المسلم 25-02-2026 11:44 AM

رد: مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق {والكاظمين الغيظ}

- لا شك أن الأصل في الأخلاق أنها مكتسبة، وأنها من عمل العبد وكسبه؛ ولذلك يثاب عليها أو يعاقب! - ولكن بعض الناس أخلاقهم حسنة بالفطرة. - هذا صحيح كما في حديث الأشجّ عبد القيس، إذ قال له الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحِلم والأناة، فقال: أخلقين تخلقت بهما؟ أم خُلقين جُبلت عليهما؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: بل خلقين جبلت عليهما، فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله»، وهذا الحديث دليل على أن المرء يكتسب معظم أخلاقه، ومن كان لديه خلق حسن بالفطرة فليشكر الله -عز وجل-، وليحافظ على هذا الخلق؛ لأنه نعمة عظيمة، والحديث الآخر عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما العلم بالتعلم وإنما الحِلم بالتحلم ومن يتحرَّ الخير يعطه، ومن يتق الشر يوقه»، وعن أبي سعيد الخدري: «ومن يستعفف يعفه الله -عز وجل-، ومن يتصبر يصبره الله» ؛ فهذه الأحاديث وغيرها تبين أن المرء يسعى لاكتساب الأخلاق الحميدة ويجاهد نفسه عليها، ويعينه الله على ذلك، ويعمل كل ذلك بإخلاص رجاء الثواب العظيم لمن حسن خلقه. صاحبي أكثر الناس هدوءًا، لم أره يومًا يغضب على أحد، ولا يرفع صوته على أحد، أغبطه على حلمه! - في أشهر الصيف (6، 7، 8، 9)، تصل درجة الحرارة إلى أرقام قياسية في الكويت، حتى تكون أحيانًا- ودون مبالغة- أسخن بقعة على سطح الأرض، كما تطلب الجهات المسؤولة الاقتصاد في استهلاك الكهرباء؛ فنخفف درجة التكييف والإضاءة في المسجد. بعد صلاة العصر، شعرت أن إمامنا منزعج، جلست معه وصاحبي (الحليم)، بعد أن غادر المصلون أخبرني أن أحد المصلين أتى مبكرا وأخذ يوبخ المكلف بالنظافة في المسجد وكاد يضربه، تدخلت، رفع صوته عليّ، ونهرني بكلمات شديدة لتخفيف التكييف وعدم الإضاءة بشكل كامل، كظمت غيظي ولم أجبه؛ فغادر المسجد وتعهد ألا يصلي معنا! وسيشكونا إلى المسؤولين! - متى حصل ذلك؟ - قبل الصلاة، هذه الصلاة، صلاة العصر. - ابتداء، جزاك الله خيًرا على كظم غيظك وعدم الرد، واحتسب ذلك عند الله، وفي كل مسجد تجد أحدهم يتصرف بهذه الطريقة. - تدخل صاحبي (الحليم). - أنت أحفظ منا لكتاب الله {والكاظمين الغيظ}، وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (صحيح الأدب المفرد). وأخذ صاحبي يورد ثواب كظم الغيظ. - أولها ما أعده الله: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمران). قاطعته:
  • ما الأصل اللغوي لـ(كظم الغيظ)؟
- (الكظم) هو الإمساك والحبس للشيء ومنعه من الخروج، قال القرطبي: (كظم الغيظ)، رده في الجوف، وعدم إظهاره، والغيظ أول الغضب.
  • والثانية حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - عن معاذ بن أنس - رضي الله عنه- قال - صلى الله عليه وسلم -: «من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله -سبحانه- على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين ما شاء» (صحيح الترغيب).
  • والثالثة (حسن الخلق، كظم الغيظ لله)؛ فكأن كظيم الغيظ هو أساس حسن الخلق، كما تقول (الحج عرفة)، ومن حسن خلقه نال جزاء الصائم القائم!, وفي صحيح ابن ماجه، عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما جرع عبد جرعة أعظم أجرا من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله -عز وجل-».
سألت إمامنا: - هل رددت عليه بشيء؟! - كلا بل بقيت صامتًا أتعوذ بالله من الشيطان الرجيم في نفسي. - خيرا فعلت، فهذه وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا غضب أحدكم فليسكت» (صحيح الجامع). في تفسير ابن عاشور: الصفة الثَّانية: الكاظمون الغيظ. وكظم الغيظ إمساكه وإخفاؤه حتى لا يظهر عليه، وهو مأخوذ من كظم القربة إذا ملأها وأمسك فمها، قال المبرد: فهو تمثيل للإمساك مع الامتلاء، ولا شك أن أقوى القوى تأثيرا على النفس القوة الغاضبة، فتشتهي إظهار آثار الغضب، فإذا استطاع إمساك مظاهرها، مع الامتلاء منها، دلّ ذلك على عزيمة راسخة في النفس، وقهر الإرادة للشهوة، وهذا من أكبر قوى الأخلاق الفاضلة.
  • الصفة الثالثة : العفو عن النَّاس فيما أساؤوا، وهي تكملة لصفة كظم الغيظ بمنزلة الاحتراس؛ لأن كظم الغيظ قد تعترضه ندامة؛ فيستعدي على من غاظه بالحق، فلما وصفوا بالعفو عمن أساء إليهم، دل ذلك على أن كظم الغيظ وصف متأصل فيهم، مستمر معهم، وإذا اجتمعت هذه الصفات في نفس سهل ما دونها لديها.
وبجماعها يجتمع كمال الإحسان؛ ولذلك ختك الآية بقوله تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}؛ لأنه دال على تقدير أنهم بهذه الصفات محسنون والله يحبّ المحسنين.


اعداد: د. أمير الحداد






ابوالوليد المسلم 11-03-2026 03:02 PM

رد: مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق .. ويُؤثرون على أنفسهم!

(أبو فراس) بدأ يرتاد مسجدنا منذ شهر تقريبًا، يصلي في الصف الأول، في الجهة اليمنى خلف الإمام، ولكنه كثيرا ما يتنازل عن مكانه لغيره ممن يأتي متأخرا؛ فيبتعد أكثر عن الإمام، قررت أن أكلمه، في أول فرصة، وبالفعل وبعد صلاة العشاء، سألني عن قوله -تعالى-: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} (الإسراء:78)، أجبته: - لدي ملاحظة يا أبا فراس، رأيتك أكثر من مرة تتنازل عن مكانك في الصلاة لغيرك، لم ينكر ملاحظتي، قال: - نعم، من باب المحبة والإيثار -قالها مبتسمًا-، ولزيادة المودة مع الإخوان. - هذه نية طيبة، ولكن الإيثار لا يكون في أعمال البر والتقرب إلى الله؛ بل في أمور الدنيا. استغرب صاحبي مقولتي! - دعني أبين لك، يقول الله -تعالى-: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} (آل عمران:133)، ويقول -تعالى-: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} (البقرة:148)، ويقول -تعالى-: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} (الحديد:21)، ويقول -سبحانه-: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} (المطففين:26)، هذه الآيات كلها تحث على التنافس والتسابق، في أمور الآخرة، مغفرة الله، والجنة، والفوز بالآخرة، وفي الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه» (متفق عليه). قاطعني: - ذات مرة دخلت المسجد وقت أذان العصر، لم يكن المؤذن موجودا، فلم يؤذن أحد، وصلينا العصر دون أذان! لا أدري لم تحرجنا جميعا من رفع الأذان؟ - هذا يحدث في كثير من المساجد، يتحرج الناس من رفع الأذان والتقدم للإمامة إذا تأخر المؤذن والإمام، مع ما في هذا العمل من أجر عظيم، لنرجع إلى موضوعنا. - فالإيثار لا يكون في أعمال الآخرة، مثل: الأذان، والتبكير إلى الصلاة، والصف الأول، وحفظ القرآن، والصدقات، إلخ، وإنما في نيل الدنيا، ومع ذلك الحديث عندما جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني مجهود (ضعيف متعب جائع)!، فأرسل إلى بعض نسائه - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: والذي بعثك بالحق نبيا ما عندي إلا ماء! ثم أرسل إلى أخرى؛ فقالت: مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك! فقال - صلى الله عليه وسلم -: «من يُضيف هذا الليلة رحمه الله؟» فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله؛ فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته: «هل هناك شيء؟» قالت: لا، إلا قوت صبياني، فقال الأنصاري: فعلليهم بشيء، فإذا دخل ضيفنا فأضيئي السراج وأريه أنا نأكل فإذا أهوى ليأكل قومي إلى السراج حتى تطفئيه، قال: فقعدوا وأكل الضيف فلمّا أصبح غدا على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لقد عجب الله من صنيعكما الليلة» . وفي الإيثار يقول الله -تعالى-: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} (الإنسان). قاطعني: - والله هذه أول مرة أفهم المعنى الصحيح (للإيثار)، لم أكن أعرف الفرق بين الحالين! - كلنا نتعلم كل يوم، حتى قراءة الفاتحة بصورة صحيحة، نتعلمها! والأنصار ضربوا أروع الأمثال في الإيثار، وشهد الله لهم بذلك كما في آيات الحشر, {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر:9). في تفسير السعدي: من جملة أوصاف الأنصار الجميلة أنهم {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} وهذا لمحبتهم الله ولرسوله أحبوا أحبابه، وأحبوا من نصر دينه, {وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا} أي: لا يحسدون المهاجرين على ما آتاهم الله من فضله وخصهم به من الفضائل والمناقب التي هم أهلها، وهذا يدل على سلامة صدورهم وانتفاء الغل والحقد والحسد عنها. وأخبر أن الأنصار لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا. وقوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} أي: ومن أوصاف الأنصار التي فاقوا بها غيرهم، وتميزوا بها على من سواهم، الإيثار، وهو أكمل أنواع الجود، وهو الإيثار بمحاب النفس من الأموال وغيرها، وبذلها للآخر مع الحاجة إليها، بل مع الضرورة ،والخصاصة وهذا لا يكون إلا من خلق ذكي، ومحبة الله -تعالى- مقدمة على محبة شهوات النفس ولذاتها، ومن ذلك قصة الأنصاري الذي نزلت الآية بسببه، حين آثر ضيفه بطعامه وطعام أهله وأولاده وباتوا جياعا، والإيثار عكس الأثرة، فالإيثار محمود، والأثرة مذمومة؛ لأنها من خصال البخل والشحّ، ومن رزق الإيثار فقد وقي شحّ نفسه {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، ووقاية شح النفس، يشمل وقايتها الشح، في جميع ما أمر به فإنه إذا وقي العبد شح نفسه، سمحت نفسه بأوامر الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، ففعلها طائعًا منقادًا منشرحًا بها صدره وسمحت نفسه بترك ما نهى الله عنه، وإن كان محببا للنفس، وتدعو إليه، وتتطلع إليه، وسمحت نفسه ببذل الأموال في سبيل الله وابتغاء مرضاته، وبذلك يحصل الفلاح والفوز، بخلاف من لم يوق شح نفسه، بل ابتلي بالشحّ ،بالخير الذي هو أصل الشر ومادته. وفي إثبات مكانة الأنصار التي وصلوا إليها بالايثار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تمنى أن يكون منهم كما في الحديث: عن عبدالله بن زيد بن عاصم قال: لما أفاء الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم، ولم يعط الأنصار شيئا، فكأنهم وجدوا؛ إذ لم يصبهم ما أصاب الناس فخطبهم فقال: «يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي؟». كلما قال شيئا قالوا الله ورسوله أَمَنُّ. قال: «ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -». قال: كلما قال شيئا قالوا الله ورسوله أَمَنُّ. قال «لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا. أترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير ، وتذهبون بالنبي - صلى الله عليه وسلم - إلى رحالكم، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار والناس دثار، إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض».



اعداد: د. أمير الحداد






ابوالوليد المسلم 10-04-2026 09:53 PM

رد: مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق .. الرِّفـق..

أتيت المسجد قبل صلاة الظهر بنصف ساعة، فإذا بأحد المصلين يمسك بطفل يعنفه، وينهره، ويصرخ عليه!، ولما رآني كأنه شعر بحرج، فتركه وهو يتوعده بسوء العاقبة!!. - خير يا (فلان) ماذا حصل؟ - هؤلاء الأطفال، يلعبون الكرة في ساحة المسجد، صرخت عليهم فهربوا إلا هذا وقف مكانه.
استغربت شدته مع أن هؤلاء الأطفال! يصلون معنا، وهم أبناء المؤذن، وجيران المسجد! - دعهم يلعبون في هذه الساحة، فذلك آمن لهم من الخارج، ولا ضرر على المسجد أو المصلين من لعبهم الكرة هنا.. أخذت (فلان) من يده، دعنا نتمشى قليلًا حتى يحين موعد الأذان. - أجابني إلى طلبي مُحرجًا.
- يا (أبا سعد)، هؤلاء أطفال صغار يحتاجون من يعاملهم برفق ولين، إنك لا تدري عن أحوالهم في بيوتهم، ولكن الرفق سمة المؤمن، ولاسيما مع الضعيف والصغير وكبير السن، والرفق خير من العنف دائمًا، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله» ، وفي حديث عائشة - رضي الله عنها -، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» .
قاطعني: - صدقت يا أبا عبدالله، واللهِ إني أعلم كل ذلك، ولكني أصابتني كآبة وضيق نفس وكدر، من مشكلات في العمل وفي البيت، أتيت المسجد لأصلي وأدعو الله، وأقرأ القرآن، لعل الله يذهب عني، كل ذلك.
- ونِعم بالله! والعبد المؤمن يلتزم مكارم الأخلاق، ولاسيما عند مكاره المواقف، مطلوب منا الصبر، عند الصدمة الأولى، والرفق حال ضيق الصدر، والحلم، حال الغضب، والرفق من أجمل الأخلاق التي ينبغي أن يجاهد العبد نفسه أن يكتسبها؛ ففي صحيح مسلم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من يحرم الرفق يحرم الخير كله»، وفي رواية: «من أُعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير»، والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان أرفق الناس بالصبيان، كان - صلى الله عليه وسلم - يزور الأنصار ويسلم على صبيانهم ويمسح على رؤوسهم. - نعم، أحتاج أن أذكر نفسي بهذه الأحاديث، وأجاهد نفسي أن أكتسب هذا الخُلق، تقول زوجتي: إن أسلوبي وطريقة حديثي مع الأطفال شديدة ولم أكن أشعر بذلك؛ بل أظنها طبيعية، هكذا تربيت في بيت والدي، ولكن يبدو أنني أحتاج إلـى إعادة تأهيل، وفي موضوع الرفق خاصة. كان (فلان) يتحدث بصوت خافت كأنما يحدّث نفسه.
- إن الأخلاق الحسنة يمكن اكتسابها بمجاهدة النفس، وتربيتها والمحاولة، بعد المحاولة، ودعاء الله -تعالى-، ومن يسعَ لنيل خُلق حسن، يُعنْه الله، وييسرْ عليه.
- زدني من هذه الأحاديث في باب الرفق، لا زال أمامنا ربع ساعة إلى الأذان.
- الأحاديث في الرفق كثيرة، مثلاً من يصلي بالناس يجب أن يخفف ويرفق بهم، كما في حديث معاذ، عندما كان يصلي بالناس وقرأ سورة البقرة أو النساء وأطال، فترك أحدهم الصلاة وكانت معه ناضحتان، ثم بلغه أن معاذا نال منه، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - يشكو معاذًا، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «أفتّان أنت يا معاذ؟! أفتّان أنت يا معاذ؟ أفتان أنت يا معاذ؟ فلولا صليت بـ{سبح اسم ربك} {والشمس وضحاها} {والليل إذا يغشى}؛ فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة» ، وعن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إني لأدخل الصلاة أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي فأخفف من شدة وجد أمه به»، وحديث ذلك الذي تكلم في الصلاة، وهو معاوية بن الحكم السلمي يقول: بينما أنا أصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله (وهو يصلي)، فرماني القوم بأبصارهم؛ فقلت في نفسي: «واثكل أمي»، ما شأنكم تنظرون إلي؟! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني سكتُّ! فلما فرغ النبي - صلى الله عليه وسلم - بأبي هو وأمي! -ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه-؛ فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني: قال لي: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن»، وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد؛ فقال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مه مه! قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تُزرموه دَعُوه، فتركوه حتى بال ثُمَّ إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعاه، فقال له: «إنَّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنَّما هي لذكر الله -عزَّ وجلَّ- والصلاة وقراءة «القرآن»، أو كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال فأمر رجلا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنَّه عليه، في شرح رياض الصالحين لابن عثيمين -رحمه الله-: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناسُ فيُفرض عليهم» ، وعنها -رضي الله عنها- قالت: «نهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الوِصال رحمة بهم؛ فقالوا: إنك تواصل! قال: إني لست كهيئتكم، إني أبيتُ يُطعمني ربي ويسقيني» ، معناه يجعله في قوة من أكل وشرب.
  • الشرح: قال المؤلف رحمه الله تعالى - فيما نقله عن عائشة -رضي الله عنها- في باب الرفق بالمسلمين والشفقة عليهم، قالت عائشة -رضي الله عنها-: «إن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ليدع العمل وهو يحب أن يفعله؛ خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم، قولها: «إن كان» «إن» هذه مخففة من الثقيلة، وأصلها « إنّ»، ويقول النحويون: إن اسمها محذوف ويسمونه ضمير الشأن، وجملة (كان ليدع) خبرها. فالجملة هنا ثبوتية وليست سلبية. والمعنى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يترك العمل وهو يحب أن يفعله، لئلا يعمل به الناس، فيفرض عليهم، فيشق عليهم.
ومن ذلك ما فعله في رمضان - صلى الله عليه وسلم - صلى في رمضان ذات ليلة، فعلم به أُناسٌ من الصحابة، فاجتمعوا إليه وصلوا معه، وفي الليلة الثانية صلوا أكثر، وفي الثالثة أكثر وأكثر، ثم ترك الصلاة في المسجد، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «أما بعد فإنه لم يخف على مكانكم» يعني ما جرى منهم من الاجتماع «ولكني كرهت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها» فترك هذا القيام جماعة؛ خوفاً من أن يفرض على الأمة، وهذا من شفقته - صلى الله عليه وسلم -، وكان يقول: «لو لا أن أشق على أمتي لفعلت كذا وكذا، أو لأمرت بكذا وكذا»، مثل قوله: «لولا أن أشق على أمتي لأمرته بالسواك عند كل صلاة». مثله قوله - صلى الله عليه وسلم - حين تأخر في صلاة العشاء حتى ذهب عامة الليل، فقال: «إنه لوقتها» يعني آخر الوقت. ثم قال: «لولا أن أشق على أمتي» فهو - صلى الله عليه وسلم - كان يدع العمل ويدع الأمر بالعمل؛ خوفاً من أن يشق على الأمة. وكذا من ولي أمر المسلمين شيئاً، ينبغي أن يرفق بهم كما في الحديث عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به» .


اعداد: د. أمير الحداد






ابوالوليد المسلم 20-04-2026 12:33 PM

رد: مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق .. حُسن العِشرة

- لا يمكن أن تصف (أبا عبدالله) إلا بأنه حسن العشرة، يألف ويؤلف، يردّ الحسنة بأحسن منها، ولا يردّ السيئة بمثلها؛ بل يعفو ويغفر؛ لا يشتكي من أحد، ولا يتذمر من شيء، خير صديق في سفر، وأفضل جليس في حضر، هكذا وصف صاحبي (أبو أحمد)، صديقنا. - صدقت، كلما خالطت (أبا عبدالله) اكتشفت فيه خصلة حسنة، في رحلتنا الأخيرة إلى مكة، كان أكثر الرفقة خدمة لنا، مع وجود الخادم معنا، إلا أنه كان لا يدع الخادم وحده، بل يمتثل حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم؛ فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلّفوهم ما يغلبهم؛ فإن كلفتموهم فأعينوهم» (البخاري)، وحديث أنس - رضي الله عنه -: «خدمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله لمَ لمْ تفعله» . دعنا نقرأ شيئا مما ورد في حسن العشرة. كنت وصاحبي ننتظر العشاء الأخير في مكتبة المسجد. «وأقل درجات حُسن الصحبة (كف الأذى)، وهو واجب، كما في الحديث «المؤمن من أمنه الناس، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر السوء، والذي نفسي بيده، لا يدخل الجنة عبد لا يأمن جاره بوائقه». قاطعني: قول الله -تعالى-: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} (آل عمران:159)، فيه وصف للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأمر لأمته من بعده: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (الأحزاب:21). آسف على المقاطعة، تابع حديثك، قالها معتذرا بابتسامة، تابعت قراءتي: وأولى الناس بحسن العشرة أقربهم الأبوان، والزوجة، والأبناء، والأرحام، والجيران، والأصدقاء، وعامة المسلمين، وعامة البشر، والحديث في الوالدين معروف، «جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال ثم من؟ قال أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك»، ثم الزوجة التي قال عنها النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»، استدرك علي بعد أن استأذن.
  • والآيات في الوالدين كثيرة : {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} (الإسراء).
أحسنت.
  • وثاني درجات حسن الصحبة، إقالة العثرات، والصفح عن الزلات، وهذه لا بد منها، حتى تدوم العشرة، وهي مع الأقارب أولى، ولاسيما بين الأزواج، ويحتاجها الرجل أكثر من المرأة؛ لأن القوامة بيده، فلا يؤاخذ المرأة على زلاتها.
  • وثالث الدرجات في حسن العِشرة، الثناء والشكر على المعروف، ذلك أن نكران الجميل يفسد المودة، والحديث في ذلك عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من لم يشكر الناس لم يشكر الله»، وفي رواية أخرى:، «لا يشكر الله من لا يشكر الناس».
والدرجة الرابعة، ألا يحسد أحدًا على ما أعطاه الله -عز وجل-؛ بل يفرح له، ويدعو له بالخير، وهذا الأدب يرجع على المرء بالنفع، وذلك أنه يخلصه من الحسد، والحسد مفسدة عظيمة للدين، كما في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يجتمعان في قلب عبد مؤمن: الإيمان والحسد» ، والحديث الآخر، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين» . - ماذا عن الحديث: «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب). بحثت سريعا، في المكتبة الشاملة. - ذكر الألباني هذا الحديث في السلسلة الضعيفة، وضعيف الجامع تابعت قراءتي. - ومن حسن العشرة عدم مواجهة المخطئ مباشرة، بل التلميع والتنويه كما كان يفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، كان إذا بلغه عن الرجل شيء: لم يقل: ما بال فلان؟ ولكن يقول: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟ وفي رواية عند مسلم، رخص النبي - صلى الله عليه وسلم - في أمر فتنزه عنه ناس من الناس فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فغضب حتى بان الغضب في وجهه، ثم قال: ما بال أقوام يرغبون عما رخص لي فيه؟ فوالله لأنا أعلمهم بالله وأشدهم له خشية» . ومن حسن العشرة الدلالة على الخير، والنصح بالمعروف، وذلك من باب حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير»، سواء من خير الدنيا أو الآخرة, ومن متطلبات حسن العشرة، إحسان الظن وإيجاد المخرج الحسن لكلام الإخوة، وحمله على أفضل المعاني وأحسن النيات. توقفت عن القراءة، لرفع أذان العشاء، بعد الأذان بدء صاحبي الحديث: أظن من الأخطاء التي يقع فيها كثير من المصلين أنهم لا يعرفون أسماء بعضهم، فقط نعرف الكنى (أبو عمر، أبو محمد، أبو خالد)، ولو سألته عن الاسم لم يعرفه، وهذه عادة سيئة عندما في الكويت، نكتفي بالكُنى، مع إن حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الناس معادن كمعادن الفضة والذهب، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، والأرواح جنود مجندة؛ فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» . - في شرح هذا الحديث أن أهل الخير تتآلف أرواحهم وإن كانوا لا يعرف بعضهم بعضا شخصيا، وأهل الشر تجتمع أرواحهم وإن كانوا لا يعرفون بعضهم، وهذا من الأمور الغيبية والحديث الآخر: «إذا آخى الرجل الرجل فليسأله عن اسمه واسم أبيه، فإنه أوصل للمودة» وهو حديث ضعفه الألباني في ضعيف الترمذي، ولكن نعم أتفق معك أن معرفة الأسماء تزيد من القرب والمودة، وهذا ملاحظ ملموس في واقعنا، ولا أعرف لم الحرج من السؤال عن الاسم عندنا في الكويت؟!


اعداد: د. أمير الحداد






ابوالوليد المسلم 22-04-2026 01:42 PM

رد: مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق .. التغـافـل..

- من عجائب الأخلاق أن الغفلة مذمومة، لكن استعمالها محمود أحيانا؛ وإنما ذلك لأن من هو مطبوع على الغفلة يستعملها في غير موضعها، وفيما يجب التحفظ، وهو مغيب عن فهم الحقيقة، فدخلت تحت الجهل فذمت لذلك، وأما المتيقظ الطبع، فإنه لا يضع الغفلة إلا في موضعها الذي يذم فيه البحث والتقصي والتغافل، فهما للحقيقة، وإضرابا عن الطيش، واستعمالا للحلم، وتسكينا للمكروه؛ فلذلك حمدت حال التغافل وذمت الغفلة.
- عبارة جميلة، من أين اقتبستها؟! - من كتاب الأخلاق والسير، لابن حزم الأندلسي. - (ابن حزم)، شيخ الأندلس، ومذهب الظاهرية، قرأت له كتاب (طْوق الحمامة) و(الفصل في الملل والنحل)، و(درّ القواعد في فقه الظاهرية). كنت وصاحبي في مكتبة المسجد، بعد صلاة ظهر الخميس، صيامًا. - كل هذه الكتب التي تزيد على ألف كتاب، ثم جمعها في قرص أصغر من البنصر.
- هذه نعمة من رب العالمين، جعلت البحث أسهل والوصول إلى المعلومة أسرع وأدق.
- ماذا عن التغافل؟ أظن أن أحتاج أن أدرب نفسي عليه، أشعر أني دقيق في كل شيء، وأحب أن أجد تفسيرا منطقيا لكل تصرف. - لم أكن أعلم أنك كذلك.
- نعم، لدي هذا الطبع، معظم الأوقات. - التغافل، يريح النفس، ويبقي المودة، ويسهل التعامل مع الآخرين، وهو مطلوب وبشدة، مع الأقرب، الزوجة، والإخوان، وغيرهم.
- روى البيهقي في شعب الإيمان في مناقب الإمام أحمد بن عثمان بن زائدة قال: العافية عشرة أجزاء، تسعة منها في التغافل؛ فحدثت به أحمد بن حنبل فقال العافية عشرة أجزاء كلها في (التغافل).
ينبغي على المرء أن يغض الطرف، ويتجاهل، الزلات، والأخطاء، والعيوب، وألا يدقق، ويتابع، ويحاسب على كل شيء، (فيمرر) الأمور التي قد تضايقه، كأنها لم تُقل، ولم تقع، ويقبل الغدر، ويقيل العثرة، ينسب إلى الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال: «شرط الصحبة، إقالة العثرة ومسامحة العشرة، والمواساة في العُسرة».
شاركنا المجلس مؤذن مسجدنا (أبو حفص)، دخل في الحوار مباشرة.
- ألم يرد في البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن المشركين كانوا يسبون النبي - صلى الله عليه وسلم - فيقول - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: «ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم؟ يشتمون مذمما ويلعنون مذمما، وأنا محمد», وكذلك في حادثة سلام اليهود عليه - صلى الله عليه وسلم - في المدينة من حديث عائشة -رضي الله عنها-: «جاء أناسٌ من اليهودِ إلى النبيِّ -صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ- فقالوا : السَّامُ عليك يا أبا القاسمِ.
فقلتُ : السَّامُ عليكم ، وفَعَلَ اللهُ بكم وفعل.
فقال عليه السلامُ : مَهْ يا عائشةُ! فإنَّ اللهَ لا يُحبُّ الفحشَ ولا التفحشَ.
فقلتُ : يا رسولَ اللهِ ، ألستَ ترى ما يقولون؟! فقال : ألستِ تَرَيْنَ أَرُدُّ عليهم ما يقولون ، أقولُ : وعليكم؛ فنزلتْ هذه الآيةُ : {بما لم يُحَيِّكَ به اللهُ}؛ أي : إنَّ اللهَ سلَّم عليْكَ ، وهم يقولون : السَّامُ عليك » (متفق عليه).
عقب صاحبي: وهل يكون التغافل مع الأعداء أيضا؟! قالها مستغربًا: نعم، إن كانت هناك مصلحة، ولا يقع أذى من فعلهم! - قال النووي في شرح هذا الحديث، قول النبي - صلى الله عليه وسلم - مهلا يا عائشة، استحباب تغافل أهل الفضل عن سفه المبطلين إذا لم يترتب عليه مفسدة.
- يقول الإمام ابن القيم في التغافل: «من أساء إليك ثم جاء ليعتذر من إساءته، فإن التواضع يوجب عليك قبول معذرته حقا كان أو باطلا وتكل سريرته إلى الله» (مدارج السالكين)، وذلك أن قبول الأعذار من التغافل.
عقب أبو حفص: وفي كتاب الله -تعالى- في وصف عباد الرحمن: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} (الفرقان:63)، وكذلك: {إِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} (القصص:55). وفي قصة يوسف -عليه السلام- عندما قال إخوته: {قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} (يوسف:77).
وفي وصف ابن الاثير لصلاح الدين الأيوبي: «كان -رحمه الله- حليما حسن الأخلاق متواضعا صبورا على ما يكره، كثير التغافل عن ذنوب أصحاب يسمع من أحدهم ما يكره ولا يعلمه بذلك ولا يتغير عليه» وكانت العرب تردد: ليس الذكي بسيد في قومه لكن سيد قومه المتغابي أي المتغافل عن زلاتهم! - نعم، إن حسن الخلق، يتطلب الفطنة والتغافل.
- لعل معظم مشكلات المتزوجين حديثا،- ولاسيما الشباب- ناتجة عن تتبع الزلات والمحاسبة، والتدقيق، مع أن الحياة الزوجية أحوج ما تكون إلى التغافل، الكل يقع منه التقصير- ولا سيما المرأة حديثة الزواج- فإن لم يتغافل الزوج عن تقصيرها لا تدوم العشرة! حتى وإن طالت العشرة، ينبغي على الزوج أن يكون حليما، رفيقا، متغافلاً، مقيلاً للعثرات، وإن لم تعتذر الزوجة! في الحديث «كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -عِندَ بَعضِ نِسائِه، فأرسَلَت إحدى أُمَّهاتِ المُؤمِنينَ بصَحفةٍ فيها طَعامٌ، فضَرَبَتِ التي النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في بَيتِها يَدَ الخادِمِ، فسَقَطَتِ الصَّحفةُ فانفَلَقَت، فجَمَع النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِلَقَ الصَّحفةِ، ثُمَّ جَعَلَ يَجمَعُ فيها الطَّعامَ الذي كان في الصَّحفةِ، ويقولُ: غارَت أُمُّكُم. ثُمَّ حَبَسَ الخادِمَ حتَّى أُتيَ بصَحفةٍ مِن عِندِ التي هو في بَيتِها، فدَفَعَ الصَّحفةَ الصَّحيحةَ إلى التي كُسِرَت صَحفَتُها، وأمسَكَ المَكسورةَ في بَيتِ التي كَسَرَت». ولأحمد وأبي داود والنسائي من حديث عائشة -رضي الله عنها-: « قالت : ما رأيتُ صانعةً طعامًا مثلَ صفيةَ ، أهدتْ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إناءً فيه طعام ٌ، فما ملكْتُ نفسي أن كسرتُه فقلتُ : يا رسولَ اللهِ ما كفَّارتُه ؟ قال : إناءٌ كإناءٍ وطعامٌ كطعامٍ ».
ولو حصلت هذه الحادثة عند أحد شباب اليوم لطلق زوجته في حينها! - إليكم بعض الأقوال في التغافل: قال بعض الحكماء: وجدت أكثر أمور الدنيا لا تجوز إلا بالتغافل، وقال أكثم بن صيفي: من شدد نفر، ومن تراخى تألف، والشرف في التغافل.
وقال شبيب بن شيبة الأديب: العاقل هو الفطن المتغافل. وقيل لبعض العارفين: ما المروءة؟ قال التغافل عن زلة الإخوان.



اعداد: د. أمير الحداد






ابوالوليد المسلم 07-05-2026 08:35 PM

رد: مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق.. {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}

اتفقت وصاحبي أن نخرج لتناول العشاء مساء الأربعاء؛ فصليت العشاء في مسجدهم، واستوقفه أحدهم ونحن نغادر المسجد، ابتعدت قليلا، لأعطيهم فرصة الحديث. توليت القيادة، وبدأ هو الحديث: - أصبحت الاستدانة هذه الأيام وسيلة سهلة للحصول على المال، حتى لا يكاد أحد يسدد الدَّيْن؛ لذلك اتخذت شعارا بيني وبين نفسي أن من أدينه، أعلم أنه لن يسدد الدَّيْن مع أنه يكتب ورقة بالمبلغ وموعد السداد ويُشهد على ذلك اثنين! كان صاحبي متضايقا بعض الشيء.
- كلامك صحيح، ولكن لا نستطيع التعميم؛ فربما يمر أحدهم بضائقة مالية نتيجة حادث سير، أو مرض مفاجئ، أو مصيبة في تجارة؛ فيضطر إلى الاستدانة، والإنسان وقت الحاجة، يعطي كل المواثيق، والعهود، ووقت السداد يثقل عليه الأمر، وربما يعجز عنه صدقا.
- إن (الدَّيْن)، شأنه عظيم في شريعتنا، ولاسيما في الآخرة، كما في حديث سهل بن حنيف، قال - صلى الله عليه وسلم -: «أول ما يهراق من دم الشهيد يغفر له ذنبه كله إلا الدَّيْن»، فلا يسقط حق الدائن حتى يستوفيه من المدين ولو بالحسنات يوم القيامة! - ومع ذلك فإن الله -عز وجل- حث الدائن أن ييسر على المدين، وأن يُنظره: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة:280)، والأحاديث في إنظار المعسر، كثيرة، عن قتادة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من نفس عن غريمه أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة» ، وفي رواية: «من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه» .
قاطعني: هذا إن كان المدين صادقا، عندما طلب الدَّيْن ينوي أداءه، ويسعى بصدق لأدائه ببذل الأسباب، لا من ينوي أن يستدين ولا يرد الدَّيْن! - نحن لا نتدخل في النيات يا (أبا أحمد)، علينا بالظاهر من أحوال الناس، وتعرف حديث ذلك الرجل، قال - صلى الله عليه وسلم -: «كان رجل يداين الناس فكان يقول لفتيانه إذا أتيتم معسرا فتجاوزوا عنه لعل الله يتجاوز عنا، فلقي الله، فتجاوز عنه»، وعن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يقول: من أنظر معسرا فله بكل يوم مثله صدقة، ثم سمعته يقول: من أنظر معسرا فله بكل يوم مثليه صدقة، قلت: يا رسول الله، سمعتك تقول من أنظر معسرا فله بكل يوم مثله صدقة، ثم سمعتك تقول من أنظر معسرا فله بكل يوم مثليه صدقة، قال - صلى الله عليه وسلم - له بكل يوم مثله صدقة قبل أن يحل الدَّيْن، فإذا حل الدَّيْن فأنظره فله بكل يوم مثليه صدقة» .
- هذا الحديث أول مرة أسمعه! يعني له أجر الصدقة بمبلغ الدَّيْن، كل يوم؟ ثم بمثليه كل يوم بعد حلول سداد الدَّيْن؟ هذا أجر عظيم، مع أن الدَّيْن قائم.
- نعم هو كذلك، والحديث صحيح؛ لذا يحتسب الدائن الأجر من الله طيبة نفسه، دون تذمر أو شكوى، أو إلحاح، أو ضيق نفس، ولاسيما إذا كان ممن أنعم الله عليه بالمال؛ فهذا باب عظيم من أبواب الخير، كما في الحديث عند مسلم: «حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان يخالط الناس، وكان موسرا، وكان يأمر غلمانه أنه تجاوزوا عن المعسر، قال الله -عز وجل-: نحن أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه». قاطعني: - طبعا، هذا الرجل أتى بالتوحيد وتجنب الشرك، وأتى بالواجبات، ولكن لم يكن له من أعمال البر الأخرى إلا (التجاوز عن المعسر).
- وربما كان مقصرا في بعض الواجبات، فهذا العمل العظيم رجح كفة حسناته على سيئاته، فكان من أهل الجنة! - وعلى المدين أن يكون صادقا لحظة الاستدانة، وأن ينوي إرجاع الدَّيْن حتى يعينه الله على ذلك... كما في الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله عليه», «جاءَ أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يتقاضاهُ دَينًا كانَ عليْهِ فاشتدَّ عليْهِ حتَّى قالَ لَهُ: أحرِّجُ عليْكَ إلَّا قضَيتَني! فانتَهرَهُ أصحابُهُ، وقالوا: ويحَكَ! تدري من تُكلِّمُ؟ قالَ إنِّي أطلبُ حقِّي؛ فقالَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: هلَّا معَ صاحبِ الحقِّ كنتُم! ثمَّ أرسلَ إلى خَولةَ بنتِ قيسٍ فقالَ لَها: إن كانَ عندَكِ تمرٌ فأقرِضينا حتَّى يأتيَنا تمرُنا فنَقضِيَك؛ فقالت: نعَم، بأبي أنتَ يا رسولَ اللَّهِ، قالَ: فأقرضَتْهُ فقضى الأعرابيَّ وأطعمَهُ! فقالَ: أوفيتَ أوفى اللَّهُ لَكَ؛ فقالَ: أولئِكَ خيارُ النَّاسِ إنَّهُ لا قُدِّست أمَّةٌ لا يأخذُ الضَّعيفُ فيها حقَّهُ غيرَ متَعتَعٍ » .
وعن ابي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما يسرني أن لي أحدا ذهبا، تأتي علي ثالثة وعندي منه دينار إلا دينار أرصده لدين علي», وعن أنس بن مالك الله - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ: ألا أعلمك دعاء تدعو به لو كان عليك مثل جبل أحد دينا لأداه الله عنك؟ قل يا معاذ: اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء وتذل من تشاء، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، تعطيهما من تشاء وتمنع منهما من تشاء، ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك» .



اعداد: د. أمير الحداد








ابوالوليد المسلم 10-05-2026 02:41 PM

رد: مكارم الأخلاق
 
مكارم الأخلاق .. السَّماحة..

رافقت صاحبي إلى سوق (المباركية)؛ ليشتري الطيب والبخور كعادته كل عام، يتزود لنفسه وللمسجد، تكفل لأكثر من عشر سنوات بلوازم تطييب المسجد.
- سوف نشتري من محلنا المعتاد.
وبالفعل، رحب بنا البائع، عرف صاحبي، طلب منه (نصف كيلو) ..لفت البائع انتباه صاحبي إلى زيادة السعر.
- لقد زادت الأسعار قليلا، هذا العام. - لن أدفع أكثر مما دفعته في المرة السابقة!!.
- كم أخذت نصف الكيلو؟! - دفعت خمسمئة دينار، ولن أزيد!.
- أصبحت الآن ستمئة، زادت رسوم الشحن والجمارك في بلد المنشأ.
- هي خمسمائة، لا غير.
- أخذ صاحبي يجادل البائع، إلى أن أخذ ما أراد بالسعر الذي أراد! غادرنا المحل..
- هل تعرف المصطلح اللغوي لنقاشك مع البائع حول السعر؟! - كلا، في الكويت نسميه (مكاسرة)، (يكاسر).
- في اللغة (مماكسة)! - أول مرة أسمع هذه الكلمة.
- هي كذلك، وهي من الأمور التي تذكر في كتب الفقه، وأنها جائزة، ويستدلون على ذلك بحديث جابر بن عبدالله بن حرام يقول: «كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر، فأعيا جملي، فأردت أن أسيبه، فلحقني الرسول - صلى الله عليه وسلم - ودعا له، وضربه، فسار سيرا لم يسر مثله من قبل، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: بعنيه بأوقية، قلت: لا، قال: بعنيه بوقية، قلت لا، قال: بعنيه، قلت: فعلت، واستثنيت حملانه إلى المدينة، فلما بلغنا المدينة، أتينه بالجمل، وانتقدت ثمنه ثم رجعت، فأرسل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: أتراني إنما ماكستك لآخذ جَملك؟ خُذ جملك، ودراهمك».
وفي رواية النسائي: عن جابر بن عبدالله قال كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر وكنت على جمل فقال: «مالك في آخر الناس؟ قلت: أعيا بعيري فأخذ بذنبه ثم زجره؛ فإن كنت إنما أنا في أول الناس يهمني رأسه؛ فلما دنونا من المدينة قال: ما فعل الجمل؟ بعنيه قلت: لا؛ بل هو لك يا رسول الله، قال: لا بل بعنيه، قلت: لا بل هو لك، قال: لا بل بعنيه قد أخذته بأوقية اركبه فإذا قدمت المدينة فأتنا به فلما قدمت المدينة جئته به؛ فقال لبلال يا بلال زِن له أوقية وزده قيراطا، قلت هذا شيء زادني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يفارقني فجعلته في كيس فلم يزل عندي حتى جاء أهل الشام يوم الحرة فأخذوا منا ما أخذوا».
والبائع كان سمحا معك، يبدو أنه ذو خلق ودين! - نعم، أحسبه كذلك هو حريص على الصلاة، وكثيرًا ما يذكر لي حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - عن جابر - رضي الله عنه -: «رحم الله عبدا سمحًا إذا باع سمحا، وإذا اشترى سمحًا، وإذا اقتضى سمحا».
قبل أن نصل مركبتنا، مررنا على مطعم صغير، اقترح عليّ صاحبي أن نتناول عشاء خفيفا، وافقت دون تردد؛ فقد بدرت الفكرة لي قبل أن يتكلم صاحبي! - إن السماحة خلق كريم؛ ولاسيما في مواطن الشحّ، في الصحيحين عن أبى هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اشترى رجل من رجل عقارا، فوجد الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب؛ فقال للبائع: خذ ذهبك أنا اشتريت منك الأرض ولم أشتر الذهب، وقال الذي باع له الأرض: إنما بعتك الأرض وما فيها؛ فتحاكما إلى حكيم فقال لهما: ألكما ولد؟ قال أحدهما: نعم، وقال الآخر: لي جارية (بنت)، قال: أنكحا الغلام الجارية وأنفقا على أنفسهما منه، فقبلا!» ، والسماحة تكون أثناء البيع، وبعد البيع، إذا تراجع أحدهما، وفي طلب الثمن، وفي دفع الثمن: عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر فكنت على بكر صعب لعمر؛ فكان يغلبني فيتقدم أمام القوم فيزجره عُمر ويرده ثم يتقدم فيزجره عُمر ويرده؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر: (بعنيه) قال: هو لك يارسول الله! قال: (بعنيه) فباعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: هو لك يا عبدالله بن عمر فاصنع به ما شئت».
وعن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: «كان لرجل على النبي - صلى الله عليه وسلم - سنّ من الإبل فجاء يتقاضاه فقال: أعطوه فلم يجدوا إلا سنا فوق سنه قال أعطوه؛ فقال أوفيتني فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن خياركم أحسنكم قضاء».
- إن المرء يطلب البَرَكة- سواء كان بائعا أو مشتريا- والبركة لا تأتي إلا بالصدق والإخلاص كما في حديث حكيم بن حزام، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «البيعان بالخيار ما لم يفترقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا، محقت بركة بيعهما».
- لا شك أن المؤمن يطلب البركة في كل شؤونه؛ بل حتى بعد أن تتم البيعة وأراد المشتري أن يتراجع؛ فمن الكمال إقالة البيعة كان في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أقال مسلما بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة» وفي شرح رياض الصالحين: فكان البيع أمرًا ضروريًا لحاجة بني آدم، ولكن من الناس من يبيع بالعدل، ومن الناس من يبيع بالظلم، ومن الناس من يبيع بالإحسان، الناس ثلاثة أقسام، قسم يبيع بالعدل لا يظلم ولا يظلم، وقسم يبيع بالجَور والظلم كالغشاش والكذاب وما أشبه ذلك، وقسم يبيع بالفضل والإحْسان فيكون سمحا في البيع وفي الشراء، إن باع لم يطلب حقه وافيا بل ينزل من الثمن ويمهل في القضاء، وإن اشترى لا يهمه أن يزيد عليه الثمن ويبادر بالوفاء فيكون محسنا. وقد دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - للمتسامحين في البيع والشراء فقال: «رحم الله امرأ سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى، سمحًا إذا قضى سمحًا إذا اقتضى»؛ فالإنسان كلما كان سمحا في بيعه وشرائه وتأجيره واستئجاره ورهنه وارتهانه وغير ذلك فإنه أفضل، وقال الله -تعالى- عن شعيب :إنه قال لقومه: {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}، أوفوا المكيال أي: ما تبيعونه كيلًا والميزان ما تبيعونه وزنا أو فوه ولا تنقصوا منه شيئا، وهذا دليل على أن الوفاء في العقود مما جاءت به الشرائع السماوية السابقة.
- إن التجارة باب عظيم من أبواب الرزق فيه خير كثير لمن راقب الله فيه، في الحديث: «عليكم بالتجارة فإن فيها تسعة أعشار الرزق».
- قاطعت صاحبي: هذا الحديث لا يصحّ، رواه سعيد بن منصور في سننه مرسلا، وذكره الألباني في السلسلة الضعيفة، والحديث الصحيح هو: عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن جده -رضي الله عنهما- أنه خرج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون فقال: «يا معشر التجار، فاستجابوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه؛ فقال: إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى وصدق».
وعن قيس بن أبي غرزة قال: كنا نسمى في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السماسرة فمّر بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسمّانا باسم هو أحسن منه؛ فقال: «يا معشر التجار، إن البيع يحضره اللغو والحلف فشوبوه بالصدقة».



اعداد: د. أمير الحداد






ابوالوليد المسلم 20-05-2026 12:06 PM

رد: مكارم الأخلاق
 
اشفعوا.. تؤجروا!

صدر قرار بإعفاء من بلغ الستين عاما من بعض الوظائف. بعد صلاة المغرب والأذكار والسنة، اقترب مني، سألني إن كنت فلان؟ أجبته نعم، بعد مقدمة قصيرة، طلب مني أن أكلم وكيل الوزارة للتمديد له سنة واحدة، يسوي خلاله وضعه، سألته لم أنا؟ فأنا لا أعرف الوكيل ولا علاقة لي معه؟ أجاب، سمعت أنك تساعد الناس! وعدته أخيرا. كان صاحبي يروي لي ما حصل معه ونحن في طريقنا لمسجد (الزبن) لمحاضرة الشيخ، د.صالح السميحي. - سوف أبحث عن أحد يعرف وكيل الوزارة أو أذهب بنفسي لعل الله يوفقني أن أنجز لهذا المؤذن حاجته. التفتُّ إليه، مبتسما: - أغبطك على هذه السمعة، (أنك تساعد الناس)؛ فالسعي في قضاء الحاجات من أعظم العبادات؛ بل أحب إلى الله من الجلوس في المسجد للاعتكاف والذكر وقراءة القرآن، والحديث في الصحيحين: «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته..». - الحمدلله، أنا أسعى، والله المستعان. قررنا الذهاب مشيا إلى المحاضرة؛ فالمسجد يبعد كيلو متر واحد عن مسجدنا. - وكان النبي - صلى لله عليه وسلم - إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال: «اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما أحب». في الشرح: «اشفعوا» لأرباب الحوائج المباحة: كدفع ظلم وتخليص عطاء ونحوهما، وكذا في العفو عن ذنب ليس فيه حد من حدود الله، إذا لم يكن المذنب مصرا وإلا فلا يجوز؛ ليرتدع عن الذنب والإصرار، وقيل: معناه اشفعوا في قضاء حوائج أخيكم «تؤجروا» بمجرد الشفاعة قبلت أو لا بلا توقف على القبول، «ويقضي الله» يحكم «على لسان رسوله» من الأمر «ما شاء»، يعني أن قضاء حاجة من شفع بتقديره -تعالى- كما أن عدمه كذلك. - أنا أذكر دائما حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-، قال رسول الله - صلى لله عليه وسلم -: «أحب الناس إلى الله -تعالى- أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله -عز وجل- سرور يدخله على مسلم، أو يكشف عنه كربة، أو يقضي عنه دينا، أو يطرد عنه جوعا، ولَأَنْ أمشي مع أخ في حاجة أحب إلى من أن أعتكف في هذا المسجد (مسجد المدينة) شهرا، ومن كف غضبه ستر الله عورته ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له، أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام». - هذا حديث عظيم في مكارم الأخلاق. - نعم، وقال الحسن البصري في ذلك: الشفاعة الحسنة يجري أجرها لصاحبها ما جرت منفعتها! وعن معاوية - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى لله عليه وسلم -: «اشفعوا إلي لتؤجروا؛ إني أريد الأمر وأؤخره كي تشفعوا إلي فتؤجروا». والعجب أن كثيرا من الناس، إذا شفعت لهم وقضيت حاجتهم، يرسلون إليك هدية، من باب الشكر، مع أن هذا الأمر منهي عنه. استغرب صاحبي مقولتي. - أهو منهي عنه؟! - نعم، في الحديث عن أبي أمامة، أن رسول الله - صلى لله عليه وسلم - قال: «من شفع لأحد شفاعة فأهدى له هدية عليها فقبلها، فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا». - سبحان الله! مع أن هذا الأمر يقع مع أغلب الناس. وجاء نصراني إلى الإمام الأوزاعي وكان يسكن في بيروت؛ فقال: إن والي بعلبك ظلمني وأريد أن تكتب فيّ إليه، وأتاه بقلة عسل -هدية معه-؛ فقال: إن شئت رددت عليك قلتك وأكتب إليه، وإن شئت أخذتها ولا أكتب؟ أنت بين أمرين إما أن تأخذ هديتك وأكتب لك، وإلا لا أكتب لك ولا أقبل هديتك؟ فقال النصراني: بل اكتب لي وأردها؛ فكتب له أن ضع عنه من خراجه، فشفّعه الوالي فيه، وحط له عن جزيته ثلاثين درهما. أي: كان قد أخذ أكثر من الجزية الشرعية. - وبالطبع، لا تجوز الشفاعة في حد من حدود الله، بمعنى إذا رفع الأمر إلى الوالي وهناك حد ليقام لا تجوز الشفاعة لإيقاف هذا الحد، كما في حديث المخزومية، عن عائشة -رضي الله عنها-: «أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله -صلى لله عليه وسلم -، فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حب رسول الله -صلى لله عليه وسلم -، فكلمه أسامة! فقال -صلى لله عليه وسلم -: أتشفع في حد من حدود الله؟! ثم قام فخطب: .. إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد! وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها», وفي (رياض الصالحين): عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قصة بريرة وزوجها. قال: قال لها النبي - صلى لله عليه وسلم -: «لو راجعتِهِ؟» قالت: يا رسول الله، تأمرني؟ قال: «إنما أشفع» قالت: لا حاجة لي فيه», والشفاعة: هي التوسط للآخر؛ لجلب منفعة أو دفع مضرة. مثال الأول: أن تتوسط لشخص عند آخر في أن يساعده في أمر من الأمور. ومثال الثاني: أن تشفع لشخص عند آخر في أن يسامحه ويعفو عن مظلمته حتى يندفع عنه الضرر. ومثال ذلك في الآخرة، أن النبي -صلى لله عليه وسلم - يشفع في أهل الموقف ليقضى بينهم، حين يصيبهم من الكرب والغم ما لا يطيقون، فهذه شفاعة في دفع مضرة, ومثالها في جلب منفعة؛ أن النبي -صلى لله عليه وسلم - يشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة, والمراد بالشفاعة: الشفاعة في الدنيا وهي أن يشفع الإنسان لشخص عند آخر؛ يتوسط له لجلب المنفعة له أو دفع المضرة عنه. والشفاعة أقسام:
  • القسم الأول: شفاعة محرمة لا تجوز، وهي أن يشفع لشخص وجب عليه الحدّ بعد أن يصل إلى الإمام؛ فإن هذه الشفاعة محرمة لا تجوز؛ مثال ذلك: رجل وجب عليه حدّ في قطع يده في السرقة، فلما وصلت إلى الإمام أو نائب الإمام أراد إنسان أن يشفع لهذا السارق ألا تقطع يده، فهذا حرام أنكره النبي - صلى لله عليه وسلم - إنكارا عظيما.
وعن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- قال -صلى لله عليه وسلم -: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره»، وقال -صلى لله عليه وسلم -: «إذا بلغت الحدود السلطان؛ فلعن الله الشافع والمشفع». ولما سرق رداء صفوان بن أمية وكان قد توسده في المسجد، فجاء رجل فسرقه، فأمر النبي -صلى لله عليه وسلم - أن تقطع يد السارق. انظر ماذا سرق؟ سرق رداء، فأمر النبي -صلى لله عليه وسلم - أن تقطع يده؛ فقال: يا رسول الله؛ أنا لا أريد ردائي، يعني أنه رحم هذا السارق وشفع فيه ألا تقطع يده فقال النبي -صلى لله عليه وسلم -: «هلا كان ذلك قبل أن تأتيني به». يعني لو عفوت عنه قبل أن تأتيني به لكان ذلك لك، لكن إذا بلغت الحدود السلطان؛ فلابد من تنفيذها، وتحرم فيها الشفاعة.
  • القسم الثاني: أن يشفع في شيء محرم، مثل أن يشفع لإنسان معتد على أخيه، أو رجل يريد أن يخطب امرأة مخطوبة من قبل، والمرأة المخطوبة لا يحل لأحد خطبتها، فذهب رجل ثان إلى شخص وقال: يا فلان أحب أن تشفع لي عند والد هذه المرأة يزوجنيها، وهو يعلم أنها مخطوبة، فهنا لا يحل له أن يشفع؛ لأن هذه شفاعة في محرم.



اعداد: د. أمير الحداد







الساعة الآن : 12:36 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 257.23 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 255.54 كيلو بايت... تم توفير 1.69 كيلو بايت...بمعدل (0.66%)]