ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   رمضانيات (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=23)
-   -   البرنامج اليومي لشهر رمضان (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=312241)

ابوالوليد المسلم 02-03-2025 01:53 PM

البرنامج اليومي لشهر رمضان
 
القنديل الأول

في استقبال الشهر الكريم

د. صغير بن محمد الصغير


إضاءة قنديل: "إذا دعوتَ الله أن يبلِّغك رمضان فلا تنسَ أن تدعوه أن يبارك لك فيه، فليس الشأن في بلوغه، وإنما الشأن في ماذا ستعمل فيه"[1].

في استقبال الشهر الكريم:
الحمد لله حمدًا كثيرًا كما يليق بجلاله وعظيم سُلطانه، وأصلِّي وأسلِّم على النبي المصطفى، والرسول المجتبى صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين انتشَر فضلُهم في الورى، وسلم تسليمًا.

أيها الإخوة، ها هي قناديل رمضان أضاءت الكون، وها هي الصدور المؤمنة تنشرِح لاستقباله قائلةً: لقد أظلَّنا شهر الخير والبركات والمغفرة والرحمات، ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ [البقرة: 185]، وعَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «‌إِذَا ‌جَاءَ ‌رَمَضَانُ ‌فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ»[2].

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أُعْطِيَتْ أُمَّتِي خَمْسَ خِصَالٍ فِي رَمَضَانَ، لَمْ تُعْطَهَا أُمَّةٌ قَبْلَهُمْ: خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَتَسْتَغْفِرُ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يُفْطِرُوا، وَيُزَيِّنُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كُلَّ يَوْمٍ جَنَّتَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: يُوشِكُ عِبَادِي الصَّالِحُونَ أَنْ يُلْقُوا عَنْهُمُ الْمَئُونَةَ وَالْأَذَى وَيَصِيرُوا إِلَيْكِ، وَيُصَفَّدُ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، فَلَا يَخْلُصُوا فِيهِ إِلَى مَا كَانُوا يَخْلُصُونَ إِلَيْهِ فِي غَيْرِهِ، وَيُغْفَرُ لَهُمْ فِي آخِرِ لَيْلَةٍ"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنَّ الْعَامِلَ إِنَّمَا يُوَفَّى أَجْرَهُ إِذَا قَضَى عَمَلَهُ»[3]، قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "‌وإنما ‌تُفْتَّحُ ‌أبوابُ ‌الجنة ‌في ‌هذا ‌الشهرِ ‌لِكَثْرَةِ ‌الأعمالِ الصَالِحَةِ وتَرْغِيبًا للعَاملِينْ، وتُغَلَّقُ أبوابُ النار لقلَّة المعاصِي من أهل الإِيْمان، وتُصَفَّدُ الشياطينُ فَتُغَلُّ فلا يَخْلُصونُ إلى ما يَخْلُصون إليه في غيرِه"؛ اهـ[4].

فهنيئًا لك أيها الأخ المبارك بلوغُ هذا الشهر المبارك، فقدِّر هذه النعمة حقَّ قدرِها من الشكر والمسارعة في الخيرات، وحِفظ الجوارح عن المحرمات.

اللهم كما بلَّغتنا أول رمضان، فبلِّغنا نهايته وبارِك لنا فيه، واجعلنا من عبادك المتقين، واغفِر لنا ولوالدينا وللمسلمين، وأعنَّا على ذِكرك وشكرك وحُسن عبادتك، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

[1] تُنسَب للشيخ ابن سعدي رحمه الله، ولم أقِف عليها في كتبه، ولعل بعض طلبته نقلوها عنه.

[2] أخرجه البخاري (3103)، ومسلم (1079).

[3] أخرجه أحمد في المسند (2/292)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (586)، وقال: "ضعيف جدًّا".

[4] مجالس شهر رمضان (ص8).



ابوالوليد المسلم 02-03-2025 02:06 PM

رد: البرنامج اليومي لشهر رمضان
 
البرنامج اليومي لشهر رمضان



د. صغير بن محمد الصغير



القنديل الثاني

(1) تنويع العبادة



إضاءة قنديل: "الزمن يتسارع، والأذهان شاردة، والمادة طاغية، والروحانية للعبادة تتلاشى إلا ما شاء الله، كثيرٌ منا ملأ الأسواق ضجيجًا استعدادًا لأيام وليالي الشهر، وللعيد السعيد، حسنًا! وهل ملأتَ النفسَ اشتياقًا للساعات الرمضانية كما يخطِّط المحبُّ للقاء حبيبه..".

في البرنامج اليومي لشهر رمضان (1) تنويع العبادة.
الحمد لله الكريم الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ومَن تبِعه بإحسان إلى يوم نلقاه.

أيها الإخوة، المؤمن العاقل يُدرك أن ساعات هذا الشهر ولحظاته لا يُمكن أن تُعوَّض، وكلما نظَّم المؤمن وقته وعبادته أنتَج أكثرَ، ورمضان من أغلى الأوقات ثمنًا، نوِّع بين العبادات فلا يدري المؤمن بأيِّهما يَرفَع الله درجاته ويُعلي منزلته، ذات مرة لَما صلَّى النبي صلى الله عليه وسلم الصبح التفتَ على أصحابه، فقال: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ صَائِمًا؟»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ عَادَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ»؛ أخرجه مسلم[1].

وعند الطبراني في الكبير: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى اسْتَعْلَى بِهِ الضَّحِكُ، ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا جَمَعَهُنَّ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ إِلا مُؤْمِنٌ، وَإِلا دَخَلَ بِهِنَّ الْجَنَّةَ»[2].

فلننظر أيها الأخوة كيف وفَّق الله أبا بكر رضي الله عنه للجمع بين عدَّة عباداتٍ في زمن قصير جدًّا، فهكذا يكون المؤمن في ساعات ليله ونهاره خاصةً في هذا الشهر المبارك، فإن الحسنة تَعظُم في مثل هذه الأوقات وتتضاعف، قال السيوطي الحنبلي رحمه الله: "وتضاعُف الحسنة والسيئة بمكان فاضل كمكة والمدينة وبيت المقدس وفي المساجد، وبزمان فاضلٍ كيوم الجمعة، والأشهر الحُرم ورمضان، أما مضاعفة الحسنة، فهذا مما لا خلاف فيه، وأما مضاعفة السيئة، فقال بها جماعة تبعًا لابن عباس وابن مسعود ... وقال بعضُ المحققين: قول ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم في تضعيف السيئات، إنما أرادوا مضاعفتها في الكيفية دون الكمية"[3]؛ ا هـ.

فلنَحرِص على مضاعفة الحسنات وترك السيئات، خاصةً في مثل هذه الأوقات الفاضلات، فرُبَّما لا تعود إلينا مرة أخرى.

اللهم استعمِلنا في طاعتك، واجعَلنا من خاصة أوليائك، واغفِر لنا ولوالدينا والمسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

[1] أخرجه مسلم (1028).

[2] المعجم الكبير للطبراني (7826)، قال الهيثمي: "وفيه عبيدالله بن زحر وفيه كلام وقد وثِّق"؛ مجمع الزوائد (ص136).

[3] مطالب أولي النهى (2 /385).


ابوالوليد المسلم 04-03-2025 12:50 AM

رد: البرنامج اليومي لشهر رمضان
 
البرنامج اليومي لشهر رمضان



د. صغير بن محمد الصغير

القنديل الثالث

البرنامج اليومي لشهر رمضان (2) بركة السحور



إضاءة قنديل:
«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ»[1]؛ متفق عليه.

في البرنامج اليومي لشهر رمضان (2) بركة السحور.
الحمد لله الكريم المنَّان، والصلاة والسلام على أكرم خلق الله محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة، ضبط أوقات الصيام، وضبط أوقات الصلوات، بل حتى استحباب تعجيل الفطر وتأخير السحور في رمضان؛ مما يؤصِّل جانب الاهتمام بالوقت للمسلم، فيبدأ المسلم يومه بالسحور؛ قال فيه صلى الله عليه وسلم: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»[2]؛ متفق عليه.

وعلاوةً على بركة السحور وفضله، فإنَّ فيه اقتداءً بالمصطفى صلى الله عليه وسلم، فقد جاء عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ»، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالسَّحُورِ؟"، قَالَ: «قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً»[3]؛ رواه البخاري.

قال ابن أبي جمرة: "كان صلى الله عليه وسلم ينظر ما هو الأرفق بأمَّته فيفعله؛ لأنه لو لم يتسحر لاتَّبعوه فيشقُّ على بعضهم، ولو تسحَّر في جوف الليل لشق أيضًا على بعضهم ممن يغلب عليه النوم، فقد يُفضي إلى ترك الصبح، أو يحتاج إلى المجاهدة بالسهر"[4]؛ اهـ.

وعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَكْلَةُ السَّحَرِ»[5]، وأثنى صلى الله عليه وسلم على سحور التمر، فقال: «نِعْمَ سَحُورُ الْمُؤْمِنِ التَّمْرُ»[6] وقال صلى الله عليه وسلم: «السَّحُورُ أَكْلُهُ بَرَكَةٌ، فَلَا تَدَعُوهُ، وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جُرْعَةً مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ»[7].

"‌وللصائم ‌أن ‌يأكلَ ‌ويشربَ ‌ولو ‌بَعْد ‌السُّحورِ ‌ونيَّةِ ‌الصيام؛ حتى يَتيقَّنَ طلوعَ الفجر؛ لقوله تعالى: ﴿ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ﴾ [البقرة: 183].

ويُحكَمُ بطلوعِ الفجرِ إما بمشاهَدَتِهِ في الأُفقِ، أو بخَبَرٍ موثوقٍ به بأذانٍ أو غيرِه، فإذا طلع الفجرُ أمْسَكَ وينوي بقلبِه، ولا يَتلفَّظ بالنيةِ؛ لأنَّ التلفظ بها بدعةٌ"[8].

اللهم اجعَلنا من المتَّبعين لسُنة نبيك صلى الله عليه وسلم، اللهم اغفر لنا وارحَمنا ووالدينا والمسلمين.

اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.

[1] أخرجه البخاري (6)، ومسلم (2308).

[2] أخرجه البخاري(1923)، ومسلم (1095).

[3] أخرجه البخاري (1921).

[4] فتح الباري (4/116).

[5] أخرجه مسلم (1096).

[6] صحيح؛ أخرجه أبو داود (2345)، من حديث أبي هريرة، وصححه الألباني في "الصحيحة" (562).

[7] حسن؛ أخرجه أحمد في المسند (11086)، من حديث أبي سعيد الخدري، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير(3683).

[8] مجالس شهر رمضان لابن عثيمين (76).





ابوالوليد المسلم 04-03-2025 05:04 PM

رد: البرنامج اليومي لشهر رمضان
 
البرنامج اليومي لشهر رمضان



د. صغير بن محمد الصغير



القنديل الرابع

البرنامج اليومي لشهر رمضان

(3) في الحرص على الصلاة جماعة في المسجد خاصة الفجر



إضاءة قنديل:وجِّه نفسك وأهل دارك مع بداية رمضان أن تَقْلب شاشة التلفاز على الجدار، وتُغْلق وسائل التواصل الإلكترونية المضيِّعة للوقت، واعمُر أوقاتك بالطاعات، وأخبرنا يوم العيد بالنتيجة! (وتذكَّر أن رمضان شهرٌ واحد فقط).

في البرنامج اليومي لشهر رمضان (3) في الحرص على الصلاة جماعة في المسجد خاصة الفجر.
الحمد لله الذي أنِس الموحِّدون بذكره وشكره، فأعانهم على عبادته، ثم الصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعباد محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فمن صفات المؤمن أنه كثيرُ التَّرداد على المساجد، قلبه معلقٌ فيها، لا يتخلف عن صلاة الجماعة، يدركُ وجوبها وأمر الله بها؛ كيف لا! وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للَرجُل الأَعْمَى ولَيْسَ لِه قَائِدٌ يَقُودُه إِلَى الْمَسْجِدِ: (هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟)، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (فَأَجِبْ)[1] ؛ رواه مسلم.

المؤمن حريصٌ على صلاة الفجر وراتبتها؛ روى مسلم عن جُنْدَب بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَن صَلَّى الصُّبحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ، فَلا يَطلُبَنَّكُمُ اللَّهُ مِن ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَيُدرِكَهُ فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ»[2].

قال النووي في شرح مسلم: "الذِّمَّة هنا: الضمان، وقيل الأمان"؛ اهـ[3].

قال الطيبي رحمه الله: "وإنما خصَّ صلاة الصبح بالذكر؛ لما فيها من الكلفة والمشقة، وأداؤها مظنة خلوص الرجل، ومنه إيمانه، ومن كان مؤمنًا خالصًا، فهو في ذمة الله تعالى وعهده"[4].

قال البيضاوي: "ويحتمل أن المراد بالذمة الصلاة المقتضية للأمان، فالمعنى: لا تتركوا صلاة الصبح ولا تتهاونوا في شأنها، فينتقض العهد الذي بينكم وبين ربكم، فيَطلبَكم الله به، ومَن طلَبه الله للمؤاخذة بما فرَّط في حقه أدرَكه، ومن أدرَكه كبَّه على وجهه في النار، وذلك لأن صلاة الصبح فيها كلفة وتثاقُل، فأداؤها مِظنة إخلاص المصلي، والمخلص في أمان الله"؛ اهـ[5].

وفي صحيح مسلم من حديث عثمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَن صَلَّى العِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصفَ الَّليلِ، وَمَن صَلَّى الصُّبحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى الَّليلَ كُلَّهُ»[6]، وروى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَلَو يَعلَمُونَ مَا فِي العَتمَةِ وَالصُّبحِ لَأَتَوهُمَا وَلَو حَبوًا»[7].

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ‌لَأَنْ ‌أَشْهَدَ ‌صَلَاةَ ‌الصُّبْحِ ‌فِي ‌جَمَاعَةٍ ‌أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُومَ لَيْلَةً[8].

ربَّنا تقبَّل منا إنَّك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا إنك أنت التواب الرحيم.

اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد.

[1] أخرجه مسلم (653)، من حديث أبي هريرة.

[2] أخرجه مسلم (657).

[3] شرح النووي على صحيح مسلم (5/ 158).

[4] شرح مشكاة المصابيح، للطيبي (2/ 184).

[5] فيض القدير (6/ 164).

[6] أخرجه مسلم (656).

[7] أخرجه البخاري (615)، ومسلم (1473).

[8] الاستذكار (2/ 147).




ابوالوليد المسلم 05-03-2025 02:08 PM

رد: البرنامج اليومي لشهر رمضان
 
البرنامج اليومي لشهر رمضان



د. صغير بن محمد الصغير




القنديل الخامس

البرنامج اليومي لشهر رمضان

(4) في الحرص على الذكر بعد صلاة الفجر والجلوس في المسجد إلى أن تطلع الشمس



إضاءة قنديل: (إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ جِلَاءً، وَإِنَّ جِلَاءَ الْقُلُوبِ ذِكْرُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ)؛ أبو الدرداء رضي الله عنه[1].

في البرنامج اليومي لشهر رمضان (4) في الحرص على الذكر بعد صلاة الفجر والجلوس في المسجد إلى أن تطلع الشمس.
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 41]، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، كان يذكُر الله في كل أحيانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبِعه إلى يوم الدين، أما بعد:
فحين يَفرُغ المؤمن من سحوره، ويشتغل بالاستغفار والدعاء، ثم يصلي الفجر مع الجماعة، فمن أعظم الحسنات بعد ذلك: ذكر الله حتى تطلُع الشمس، ففي صحيح مسلم وغيره عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسَنًا»[2]، وفي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ»؛ رواه الترمذي، وحسَّنه الشيخ الألباني رحمه الله [3].

وفي فتاوى الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: سُئل فضيلة الشيخ: سمعت حديثًا وهو: "من صلى الفجر في جماعة، ثم جلس يذكر الله حتى تطلُع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة تامة، تامَّة، تامة"، السؤال: هل هذا الحديث صحيح أو ضعيف؟ وجزاكم الله خيرًا.

فأجاب فضيلته بقوله: هذا الحديث له شاهدٌ في صحيح مسلم وهو أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس حسنًا، لكن الذي في الصحيح ليس فيه ذكر أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي بعد ذلك، والحديث الذي ذكره السائل لا بأس به، إسناده حسن"[4]؛ اهـ.

وبالجملة فبقاءُ الإنسان في المسجد للذكر والطاعة، أو لانتظار الصلاة، كل ذلك من الأعمال الصالحة، والقربات النافعة، فقد روى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ»[5].

ذكرُ الله أيها الأخ المبارك من أيسر الأمور وأعظمها أجرًا، ذات مرة جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ شَرَائِعَ الإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ، قَالَ: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ»؛ رواه الترمذي، وصحَّحه الألباني[6].

اللهم اجعَلنا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، اللهم صلِّ على نبينا محمد.

[1] أخرجه البيهقي في الشعب (520).

[2] أخرجه مسلم (670).

[3] أخرجه الترمذي (586)، وحسنه الألباني في المشكاة (971).

[4] فتاوى الشيخ ابن عثيمين (14 /299).

[5] أخرجه البخاري (445)، ومسلم (649).

[6] أخرجه الترمذي (3375)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (7695).







ابوالوليد المسلم 06-03-2025 11:05 AM

رد: البرنامج اليومي لشهر رمضان
 
البرنامج اليومي لشهر رمضان



د. صغير بن محمد الصغير




القنديل السادس

البرنامج اليومي لشهر رمضان

(5) في الحرص على كثرة قراءة القرآن


إضاءة قنديل: (كان خُلقه صلى الله عليه وسلم القرآن)[1]؛ عائشة رضي الله عنه.

مَن لم يؤثر القرآن في أخلاقه وهو حافظٌ له، فليراجع نفسَه وتدبُّرَه.

في البرنامج اليومي لشهر رمضان (5) في الحرص على كثرة قراءة القرآن.
الحمد لله القائل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ﴾ [فاطر: 29]، والصلاة والسلام على نبي الله القائل: «‌خَيْرُكُمْ ‌مَنْ ‌تَعَلَّمَ القرآن وَعَلَّمَهُ»[2]، أما بعد:

فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْمَاهِرُ بِالقرآن مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ القرآن وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ، لَهُ أَجْرَانِ»[3].

وعَنْ أَبِي مُوسَى الأشعري رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «‌مَثَلُ ‌الْمُؤْمِنِ ‌الَّذِي ‌يَقْرَأُ ‌القرآن مَثَلُ الْأُتْرُجَّةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ القرآن مَثَلُ التَّمْرَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ»[4].

وعن أَبُي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «اقْرَؤُوا القرآن فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ»[5].

وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ، أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الْإِبِلِ»[6]، وعن عَبْدِ اللَّهِ بْن مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ»[7].

هذا أيها الإخوة في كل وقت، فكيف في شهر رمضان؟
بعض السلف رحمهم الله في رمضان يترك التحديث ويَعمُر وقته بالقرآن! ‏ونحن للأسف نَعجِز عن ترك القنوات ووسائل التواصل.

بعض الصالحين رحمهم الله يختم كلَّ ثلاث في رمضان، وبعضهم كل يومين، بل نُقل عن الشافعي رحمه الله ستون ختمة في رمضان واحدة في الليل، وواحدة في النهار، وقيل: كان الإمام ابن عساكر يحاول اللحاق بالشافعي رحمهما الله، فاعتكَف بالمنارة البيضاء، فلم يستطع أن يختم إلا تسعًا وخمسين ختمة!

‏القرآن يَسيرٌ على مَن يسَّره الله عليه، من المعاصرين من أصحاب الهمم العالية مَن يختم حدرًا في حوالي ست ساعات في الأوقات الفاضلة، وورود النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث (ليال)، المقصودُ به المداومة على ذلك، فأما في الأوقات والأزمان الفاضلة، فيُستحب الإكثار، وهذا قول أحمد وإسحاق..

أيها المبارك، "‏فرصتُك أيها المذنب المفرِّط الظالم لنفسه - وكلنا ذاك المقصر - فرصتك اسكُب عَبراتك، ورتِّب أوراقك، فأنت لا زلتَ في العشر الأُوَل من شهر الغفران!".

اللهم اجعَلنا من أهل القرآن الذين هم أهلكُ وخاصَّتُك، اللهم صلِّ على محمد.

[1] أخرجه مسلم (746)، بلفظ: «فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ الْقُرْآنَ».

[2] أخرجه البخاري (5027)، من حديث عثمان بن عفان.

[3] أخرجه مسلم (798).

[4] أخرجه البخاري (5427)، ومسلم ((797).

[5] أخرجه مسلم (804).

[6] أخرجه مسلم (803).

[7] صحيح؛ أخرجه الترمذي (2910)، وصحَّحه الألباني في الصحيحة (2137).







ابوالوليد المسلم 08-03-2025 11:13 AM

رد: البرنامج اليومي لشهر رمضان
 
البرنامج اليومي لشهر رمضان



د. صغير بن محمد الصغير



القنديل السابع

في الحرص على ترك مفطرات الصيام المعنوية




إضاءة قنديل: ".. يسأل عن الغبار هل يفطر؟! ‏وصُحفه مليئة بالغيبة والنميمة والنظر والسماع المحرَّم والنوم، وترك الصلاة في نهار رمضان".

في الحرص على ترك مفطرات الصيام المعنوية:
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك العزيز الوهاب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث بأَجَلِّ العبادات وأكمل الآداب، صلى الله عليه وعلى جميع الآل والأصحاب، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم المآب، وسلم تسليمًا؛ أما بعد:
فاحذر أيها المبارك أن يَخدش صومك أيَّ شيء مما حرَّم الله ورسوله من الأقوال والأفعال، فاحذَر الكذب؛ «فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا»[1].

واجتنِب ذكرَك أخاك بما يَكره في غيبته، فإنَّ المغتاب كآكل لحم أخيه ميتًا، وتأمل معي هذا الحديث؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ، قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ"[2].

واعلم أنَّه «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ»[3]، ومن المؤسف أن بعضنا يزداد ولعُه بآلات اللهو والطرب والغناء الفاحش في رمضان؛ صح عن ابن مسعود أنه سُئل عن قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [لقمان: 6]، فقال: والله الذي لا إله غيره هو الغناء، وصحَّ أيضًا عن ابن عباس وابن عمر، وذكره ابن كثير عن جابر وعكرمة وسعيد بن جُبَيْر ومجاهد، وقال الحسن: نزلت هذه الآية في الغناء والمزامير[4]، فلنحذَر من تلك المفطرات المعنوية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»[5]، قال جابر: قَالَ جَابِرٌ: «إِذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ وَلِسَانُكَ عَنِ الْكَذِبِ وَالْمَآثِمِ، وَدَعْ أَذَى الْخَادِمِ وَلْيَكُنْ عَلَيْكَ وَقَارٌ وَسَكِينَةٌ يَوْمَ صِيَامِكَ، وَلَا تَجْعَلْ يَوْمَ فِطْرِكَ وَيَوْمَ صِيَامِكَ سَوَاءً»[6].

اللهم احفَظ علينا ديننا، وكفَّ جوارحنا عما يُغضبك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

[1] أخرجه البخاري (5743)، ومسلم (2607).

[2] أخرجه أبو داود (4878)، مختصرًا، من حديث أنس بن مالك، وأخرجه البخاري (7517)، ومسلم (162) مطولًا.

[3] أخرجه البخاري (6056)، بلفظ: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ» ومسلم (105) "واللفظ له".

[4] انظر تفسير ابن كثير (6/ 331).

[5] أخرجه البخاري (5710).

[6] ضعيف، أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (8880)، والبيهقي في الشعب (3374)، وفي سنده انقطاع.







ابوالوليد المسلم 10-03-2025 10:19 AM

رد: البرنامج اليومي لشهر رمضان
 
البرنامج اليومي لشهر رمضان



د. صغير بن محمد الصغير





القنديل الثامن

الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ


إضاءة قنديل: «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ»[1]

في الحرص على الصدقة والأعمال التطوعية في رمضان:
الحمد لله المجيب لكل سائل، التائبِ على العباد، فليس بينه وبين العباد حائلٌ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تنزَّه عن الشريك وعن الشبيه والمماثل، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ أما بعد:
فمن حكم الصيام أن الغني يَعرِف به قدرَ نعمة الله عليه بالغنى، ويذكر بذلك أخاه الفقير الذي ربما يَبيت طاويًا جائعًا، فيجود عليه بالصدقة يكسو بها عورتَه، ويسد بها جوعته، ولذلك «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ»[2].

و"أفضل الصدقة أن تصدَّق وأنت صحيحٌ شحيح، تأمُل الغنى وتخشى الفقر، ولا تَمهَّل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، ألا وقد كان لفلان"، وقال صلى الله عليه وسلم: «الصَّدَقَةُ عَلَى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ"[3].


﴿ هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ [محمد: 38]، ومن أجمل صور الصدقة في رمضان: إطعام الطعام وعون المحتاج، ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ﴾ [الإنسان: 8 - 12]، وفي الحديث: «أَيُّمَا مُؤْمِنٍ أَطْعَمَ مُؤْمِنًا عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَقَى مُؤْمِنًا عَلَى ظَمَأ سَقَاهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ»[4].

وقال بعض السلف: "لأن أدعو عشرة من أصحابي، فأُطعمهم طعامًا يشتهونه، أحب إلي من أن أعتِق عشرة من ولد إسماعيل... وكان كثير من السلف يؤثر بفطوره وهو صائم، منهم عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما - وداود الطائي ومالك بن دينار، وأحمد بن حنبل، وكان ابن عمر لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين[5]، ومن السلف من كان يُطعم إخوانه وهو صائمٌ، ويجلس يخدمهم ويروِّحهم، منهم الحسن وابن مبارك، وقال أبو السَّوَّارِ الْعَدَوِي: "كان رجال من بني عدي يصلون في هذا المسجد، ما أفطر أحدٌ منهم على طعام قط وحده، إن وجد من يأكل معه أكَل، وإلا أخرج طعامه إلى المسجد، فأكله مع الناس وأكل الناس معه.."[6]، ولنتأمَّل هذا الفضل العظيم في قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا»[7]؛ قال ابن رجب: "وذكر أبو بكر بن أبي مريم عن أشياخه أنهم كانوا يقولون: إذا حضر شهر رمضان، فانبسطوا فيه بالنفقة، فإن النفقة فيه مضاعفة كالنفقة في سبيل الله، وتسبيحة فيه أفضلُ من ألف تسبيحة في غيره.."[8].

ربنا تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم وتُبْ علينا إنك أنت التواب الرحيم..

[1] أخرجه الترمذي (664)، وابن ماجه (4210)، وابن حبان (3309) واللفظ له، من حديث أنس، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (7983).

[2] أخرجه البخاري (6)، مسلم (2308).

[3] أخرجه الترمذي (658)، والنسائي (2582)، وابن ماجه (1844)، وصححه الألباني في المشكاة (1939).

[4] ضعيف، أخرجه الترمذي(2449)، وأبو داود (1682)، من حديث أبي سعيد الخدري، وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي (278).

[5] انظر تفسير ابن رجب الحنبلي (2/ 176).

[6] الكرم والجود للبرجلاني (ص53).

[7] أخرجه الترمذي (807)، والنسائي (3316)، وابن ماجه (1746)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6415).

[8] لطائف المعارف لابن رجب (ص151).










ابوالوليد المسلم 12-03-2025 11:35 PM

رد: البرنامج اليومي لشهر رمضان
 
البرنامج اليومي لشهر رمضان



د. صغير بن محمد الصغير

القنديل التاسع

الحرص على أداء الزكاة الواجبة




إضاءة قنديل: "والله، لو منعونِي عِقَالًا مما أَخَذَ منهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم لقاتلتهُم عليه، وكان يأخذُ مع البعيرِ عِقَالًا ثم قرأ: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ [آل عمران: 144].

في الحرص على أداء الزكاة الواجبة:
الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله الغني الجواد، مَنَّ بالعطاء الواسع وأفسَح، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي جاد لله بنفسه وماله، وأبان الحقَّ وأوضح، صلى الله عليه وعلى أصحابه والتابعين لهم بإحسان، وسلم تسليمًا؛ أما بعد:
أيها المبارك، الأدلةفي وجوب الزكاة وفَرْضِيَّتها كثيرة ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾ [البقرة: 43]، وأما الأحاديث، فمنها ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسَةٍ، عَلَى أَنْ يُوَحَّدَ اللهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَالْحَجِّ»، فَقَالَ رَجُلٌ: الْحَجُّ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، قَالَ: «لَا، صِيَامُ رَمَضَانَ، وَالْحَجُّ»[1]، فالزكاة أحد أركان الإسلام، وهي قرينة الصلاة في مواضع كثيرة من كتاب الله عز وجل، وقد أجمع المسلمون على فرضيتها إجماعًا قطعيًّا، ومما تجب فيه الزكاة ما يلي:
الأول: الخارج من الأرض من الحبوب والثمار؛ قال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ»[2]، ولا تجب الزكاة فيه حتى يبلغ نصابًا، وهو خمسة أوْسق؛ لقول النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيْسَ فِي حَبٍّ وَلَا تَمْرٍ صَدَقَةٌ، حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ»[3]، والوَسَق ستون صاعا بصاع النبي صلى الله عليه وسلم الذي تبلغ سَعته؛ أي: الصاع بالملل لتر 3000 آلاف؛ أي: ما يعادل ثلاث لترات[4]، ولا زكاة فيما دونها، ومقدار الزكاة فيها العُشْر كاملًا فيما سُقِيَ بدون كُلْفة، ونصفه فيما سُقِيَ بكلفة، ولا تجب الزكاة في الفواكه والخَضْروات والبِطِّيخ ونحوها؛ لقول عمر: ليس في الخضروات صدقة[5]، وقول علي: ليس في التفاح وما أشبه صدقة[6]، ولأنها ليست بحبٍّ ولا ثمر، لكن إذا باعها بدراهم وحال الحول على ثمنها، ففيه الزكاة.

الثاني: بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم ضأنًا كانت أم معزًا، إذا كانت سائمة وأُعِدَّت للدَّر والنسل، وبلغت نصابًا، وأقل النصاب في الإبل خمس، وفي البقر ثلاثون، وفي الغنم أربعون، وإن أُعِدَّت للتكسب بالبيع والشراء والمناقلة فيها، فهي عروضُ تجارةٍ تُزَكَّى زكاةَ تجارةٍ، سواء كانت سائمة أو معلفة، إذا بلغت نصاب التجارة بنفسها أو بضمِّها إلى تجارته، وللحديث بقية في القنديل العاشر إن شاء الله تعالى.

ربَّنا أعنَّا على أداء حقوقك وحقوق خَلْقك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين..

[1] أخرجه مسلم (16).

[2] أخرجه البخاري (1483).

[3] أخرجه البخاري (1390)، مسلم (979).

[4] هذا ما تبيَّن لي بعد مراجعة بعض القياسات بالسند إلى زيد رضي الله عنه.

[5] أخرجه يحيى بن آدم في الخراج (549)، وابن عبد الرزاق في مصنفه (4 /118).

[6] أحرجه أبو عبيد في الأموال (1508).







ابوالوليد المسلم 12-03-2025 11:36 PM

رد: البرنامج اليومي لشهر رمضان
 
البرنامج اليومي لشهر رمضان



د. صغير بن محمد الصغير



القنديل العاشر: تتمة إضاءة القنديل في الزكاة الواجبة



إضاءة قنديل: "نصابُ الأوراقِ النقديَّة هو أَدنى النِّصابينِ مِنَ الذَّهَبِ أو الفضَّة، وبهذا صدَرَت المجامع الفقهية"



تتمة إضاءة القنديل في الزكاة الواجبة


الحمد لله كثيرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى أصحابه والتابعين لهم بإحسان، وسلم تسليمًا؛ أما بعد:
فمِن صور الزكاة أيضًا التي أجمع المسلمون على فرضيتها إجماعًا قطعيًّا ما يلي:
الثالث: الذهب والفضة على أي حال كانت لقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [التوبة: 34]، وعن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ»[1].

وتجب الزكاة في الذهب والفضة؛ سواء كانت نقودًا أو تبرًا، أو حليًّا يُلْبَس أو يُعَار، أو غير ذلك، على الصحيح لعموم الأدلة الدالة على وجوب الزكاة فيهما بدون تفصيلٍ، ولا تجب الزكاة في الذهب حتى يبلغ نصابًا وهو عشرون دينارًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذهب: «لَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا»[2].

المراد الدينار الإسلامي الذي يبلغ وزنُه مثقالًا، وزِنة المثقال أربعة غرامات ورُبع، فيكون نصابُ الذهب خمسة وثمانين غرامًا.

ولا تجب الزكاة في الفضة حتى تبلغ نصابًا وهو خمسُ أواقٍ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ»[3]، والأوقيَّة أربعون درهمًا إسلاميًّا، والنصاب في الفضة يُعادل خمسمائةً وخمسةً وتسعين غرامًا، تعادل ستة وخمسين ريالًا عربيًّا من الفضة، ومقدار الزكاة في الذهب والفضة رُبع العشر فقط.

وتجب الزكاة في الأوراق النقدية؛ لأنها بدل عن الفضة فتقوم مقامَها، فإذا بلغت نصاب الفضة وجَبت فيها الزكاة، وتجب الزكاة في الذهب والفضة والأوراق النقدية، سواء كانت حاضرة عنده أم في ذِمم الناس، وعلى هذا فتجب الزكاة في الدَّيْن الثابت، سواء كان قرضًا، أم ثمن مبيع، أم أجرة، أم غير ذلك، إذا كان على مليء باذلٍ، فيُزَكِّيهِ مع ماله كلَّ سنة، أو يؤخِّر زكاته حتى يَقبضه، ثم يزكِّيه لكل ما مضى من السنين، فإن كان على معسر أو مُماطل يَصعُب استخراجه منه، فلا زكاة عليه فيما قبلها من السنين.

الرابع: مما تجب فيه الزكاة عروض التجارة، وهي كل ما أعدَّه للتكسُّب والتجارة؛ من عقار وحيوان وطعام وشراب وسيارات، وغيرها من جميع أصناف المال، فيُقَوِّمها كلَّ سنة بما تساوي عند رأس الحول، ويُخرج رُبع عُشْر قيمتها، سواء كانت قيمتها بقدر ثمنها الذي اشتراها به، أم أقل أم أكثر.

ولا زكاة فيما أعدَّه الإنسان لحاجته من طعام وشراب، وفرشٍ ومسكن، وحيوانات وسيارة ولباس، سوى حُلي الذهب والفضة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ»[4].

ولا تجب الزكاة فيما أُعِدَّ للأجرة من عقارات وسيارات ونحوها، وإنما تجب في أُجرتها إذا كانت نقودًا وحال عليها الحول، وبلغَت نصابًا بنفسها أو بضمِّها لِما عنده من جنسها.

تقبَّل الله من الجميع، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين[5].

[1] أخرجه مسلم (987).

[2] أخرجه أبو داود (1574)، والترمذي (620)، والنسائي (2477)، وابن ماجه (1790)، والبيهقي في الصغرى(1198) واللفظ له، وقد صحح الألباني ما أخرجه أبو داود في صحيح أبي داود (2)، وما أخرجه البيهقي في الصغرى، ففي سنده ضعف، لكن له شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن، فيكون حجة، وقد أخذ به عامةُ أهل العلم.

[3] أخرجه البخاري (1340)، ومسلم (979)، من حديث أبي سعيد الخدري.

[4] أخرجه البخاري (1395)، ومسلم (982)، من حديث أبي هريرة.

[5] مختصر من مجالس شهر رمضان للشيخ ابن عثيمين رحمه الله.






ابوالوليد المسلم 12-03-2025 11:37 PM

رد: البرنامج اليومي لشهر رمضان
 
البرنامج اليومي لشهر رمضان



د. صغير بن محمد الصغير



القنديل الحادي عشر

أهل الزكاة


إضاءة قنديل: "عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللهَ، وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ»[1]".

في أهل الزكاة:
الحمد لله، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أحكم ما شرَع وأبدَع ما صنَع، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى جميع آله وأصحابه ما سجد مُصَلٍّ وركع، وسلم تسليمًا.

أيها المبارك؛ قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 60].

في هذه الآية الكريمة بَيَّن الله تعالى مصارف الزكاة وأهلها المستحِقِّين لها، بمقتضى علمه وحكمته وعدله ورحمته..

فالصنف الأول والثاني: الفقراء والمساكين، وهم الذين لا يجدون كفايتهم، وكفاية عائلتهم؛ قال العلماء: فيُعْطَوْن من الزكاة ما يَكفيهم وعائلتهم مدة سنة كاملة، حتى يأتي حول الزكاة مرة ثانية، ويُعطى الفقير لزواجٍ يحتاج إليه ما يكفي زواجَه، وطالب العلم الفقير لشراء كُتبٍ يحتاجها، ويُعطى مَن له راتبٌ لا يكفيه وعائلته من الزكاة ما يُكَمِّل كفايتهم؛ لأنه ذو حاجة..

الصنف الثالث من أهل الزكاة: العاملون عليها، وهم الذين يُنَصِّبهم ولاة الأمور لجباية الزكاة من أهلها وحِفظها وتصريفها، فيُعْطَوْن منها بقدر عملهم وإن كانوا أغنياءَ، وأما الوُكلاء لفرد من الناس في توزيع زكاته، فليسوا من العاملين عليها، فلا يستحقون منها شيئًا من أجل وكالتهم فيها، لكن إن تبرَّعوا في تفريقها على أهلها بأمانة واجتهادٍ كانوا شركاءَ في أجرها..

الصنف الرابع: المؤَلَّفة قلوبهم، وهم ضعفاء الإيمان، أو مَن يُخْشَى شرُّهم، فيُعطون من الزكاة ما يكون به تقوية إيمانهم أو دفْع شرِّهم إذا لم يَندفع إلا بإعطائهم.

الصنف الخامس: وفي الرقاب وهم الْأَرِقَّاء المكاتَبون الذين اشتروا أنفسهم من أسيادهم، فيُعطون من الزكاة ما يوفون به أسيادهم؛ ليحرِّروا بذلك أنفسهم، ويجوز أن يُشْتَرَى عبدٌ فيُعْتَق، وأن يُفَكَّ بها مسلمٌ من الأسْر؛ لأن هذا داخلٌ في عموم الرقاب.

الصنف السادس: الغارمون الذين يتحمَّلون غرامة وهم نوعان:
أحدهما: مَن تحمَّل حَمالة لإصلاح ذات البين وإطفاء الفتنة، فيُعطى من الزكاة بقدر حمالته تشجيعًا له على هذا العمل النبيل الذي به تأليف المسلمين، وإصلاح ذات بينهم، وإطفاء الفتنة، وإزالة الأحقاد والتنافر، عن قبيصة الهلالي قال: «تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «أَقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا»، ثُمَّ قَالَ: "يَا قَبِيصَةُ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، فَسَأَلَ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ..»[2]، وذكر تمام الحديث.

الثاني: من تحمَّل حمالة في ذمَّته لنفسه، وليس عنده وفاء، فيُعْطَى من الزكاة ما يُوَفِّي به دَينَه وإن كثُر، أو يوفي طالبه وإن لَم يُسلَّم للمطلوب؛ لأن تسليمه للطالب يحصُل به المقصود من تبرئة ذمة المطلوب.

الصنف السابع: في سبيل الله، وهو الجهاد في سبيل الله الذي يُقْصَد به أن تكون كلمة الله هي العليا لا لحمية ولا لعصبية..

الصنف الثامن: ابن السبيل وهو المسافر الذي انقطَع به السفر، ونَفِدَ ما في يده، فيُعْطَى من الزكاة ما يوصله إلى بلده، وإن كان غنيًّا فيها، ووجَد مَن يُقرضه..[3].

ربَّنا تقبَّل منا، وتُبْ علينا، وارْحَمنا ووالدينا والمسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

[1] أخرجه البخاري (1405)، ومسلم(1040).

[2] أخرجه مسلم (1640).

[3] ملخص من مجالس شهر رمضان للشيخ ابن عثيمين رحمه الله.







ابوالوليد المسلم 16-03-2025 05:58 PM

رد: البرنامج اليومي لشهر رمضان
 
البرنامج اليومي لشهر رمضان



د. صغير بن محمد الصغير




القنديل الثاني عشر

في خطورة النوم عن الصلاة الواجبة




إضاءة قنديل: "عن طلحةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْه، قال: جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من أهلِ نَجدٍ ثائرَ الرَّأسِ، يُسمَعُ دَويُّ صوتِه ولا يُفقَهُ ما يَقولُ، حتى دَنَا، فإذا هو يسألُ عن الإسلامِ، فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: خمسُ صلواتٍ في اليومِ واللَّيلةِ، فقال: هل عليَّ غيرُها؟ قال: لا، إلَّا أنْ تَطوَّعَ"[1].


في خطورة النوم عن الصلاة الواجبة:
الحمد لله مدبِّر الليالي والأيام، وأشهد أن لا إله إلا الله الذي لا تُحيط به العقولُ والأوهام، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل الأنام، صلى الله عليه وعلى سائر آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان على الدوام، وسلم تسليمًا؛أما بعد:
فما أعظم عطايا الرب لخلقه، وأعظم العطايا التي ألزَمنا فيها، تَحمِل الخير والنفع العظيم لنا، ولكن للأسف أن كثيرًا منَّا هداهم الله قد قصَّروا فيها ولم يَعرِفوا قِيمتها، بل أصبحوا يتثاقلونها، فهم لم يَذوقوا حلاوتها ولم يتنعَّموا بها، إن النوم عن الصلاة معصية عظيمة وكبيرة من كبائر الذنوب.

إن النائم عن الصلاة مُهمل ومفرِّط في أداء رُكن من أركان الإسلام، ولهذا استحقَّ العقوبة في البرزخ وبعد قيام الساعة، بل إن المفرِّط في الصلاة يُنبئ عن قلة الإيمان المنغرس في قلبه، حتى عُدَّ في ميزان الشرع من المنافقين، ومما توعَّد الله به النائم عنها قوله تعالى: ﴿ ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾ [مريم: 59]، والنائم عن الصلاة ممن أضاع الصلاة، ومعنى )غَيًّا): قال ابن عباس رضي الله عنهما: "خسرانًا"، وقال قتادة: "شرًّا"، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "وادٍ في جهنَّم بعيدُ القعر خبيثُ الطعم"، وقال سبحانه متوعدًا أهلَ التفريط والإهمال، ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾ [الماعون: 4 - 7]، قال ابن مسعود: "ذلك أي: ذلك الوعيد على مواقيتها؛ يعني عن تأخيرها عن وقتها، قالوا: ما كنا نرى يا أبا عبد الرحمن ذلك إلا على ترْكها"[2].

ومن العقوبات التي توعَّد بها الذي ينام عن الصلاة: ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث سمرة بن جندب قال صلى الله عليه وسلم في رؤياه التي رآها في المنام، ومُروره على المعذبين في البرزخ، حتى قال: وإنهما قالا لي انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجلٍ مضطجع، وإذا آخر قائمٌ عليه بصخرةٍ، وإذا هو يَهوي بالصخرة لرأسه، فيَثلَغُ رأسه، فيَتدهَده الحجر ها هنا، فيَتبع الحجرَ فيأخُذه، فلا يرجع إليه حتى يَصِحَّ رأسُه كما كان، ثم يعود عليه، فيفعَل به مثل ما فعل المرة الأولى، قال: قلت لهما: سبحان الله، ما هذا؟ قال: قالا لي: انطلق، انطلق، وقد فسَّرها في نهاية الرؤيا بقوله: أما إنَّا سنُخبرك، أما الرجل الأول الذي أَتيت عليه يَثلَغُ رأسَه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيَرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة"[3].

عباد الله، مع ما يُكتب للعبد من عقوبة عندما ينام عن الصلاة المكتوبة، فإنه قد فرَّط في أجور كثيرة؛ فإن الشكاية في النوم عن الصلاة، إنما هي صلاة الفجر والعصر غالبًا، وإن النائم عنهما يكون قد فرَّط في أجرٍ عظيم، فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ الفَجْرِ وَصَلاَةِ العَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ"[4].

فكم من مسلمٍ جاءت الملائكة للصلاة، فوجَدتْه نائمًا وتركَتْه وهو نائمٌ، والنائمُ قد فرَّط في آخر مَعقِل مِن مَعاقل الإيمان؛ فعن أنس رضي الله عنه قال: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمُ الْأَمَانَةُ، وَآخَرَ مَا يَبْقَى الصَّلَاةُ»[5].

اللهم أعنَّا على أسباب مَرضاتك، وجنِّبنا أسبابَ سَخَطِك[6].

[1] أخرجه البخاري (46)، ومسلم (11).

[2] انظر: تفسير ابن كثير (5/245).

[3] أخرجه البخاري (7047)، ومسلم (2275).

[4] أخرجه البخاري (555)، ومسلم (632).

[5] أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق (171)، والقضاعي في الشهاب (216)، وصحَّحه لشواهده الألباني في الصحيحة (1739).

[6] ملخص من خطبة للدكتور خالد الشايع.







ابوالوليد المسلم 18-03-2025 11:54 PM

رد: البرنامج اليومي لشهر رمضان
 
البرنامج اليومي لشهر رمضان



د. صغير بن محمد الصغير




القنديل الثالث عشر

في العوامل المساعدة على الاستيقاظ للصلاة




إضاءة قنديل: "مَن بذل المجهود وتوكَّل على المعبود، وأتى الأمور من أبوابها - أدرَك المقصود، فإن لم يُدركه كله أدرَك بعضه، فإن لم يدرك منه شيئًا لم يَلُم نفسه"[1].

في العوامل المساعدة على الاستيقاظ للصلاة
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ أما بعد:
فيَشتكي بعضُ الناس من كثرة نومه عن الصلاة مع حرصه، ويرغَب في حل لهذه المشكلة، وهذا يجب عليه أمور؛ منها: أن يعلم المسلم عظمةَ مكانة صلاة الفجر عند الله عز وجل، وخطورة تفويت صلاة الفجر؛ كما في الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كُنَّا إِذَا فَقَدْنَا الرَّجُلَ فِي الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ، أَسَأْنَا بِهِ الظَّنَّ»؛ رواه الطبراني[2].

كما يجب أن يُضيف إلى ذلك جانبًا عمليًّا في علاج هذه الشكاية؛ كالتبكير في النوم، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يَكره النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها، وقد بيَّن أهلُ العلم سببَ كراهية الحديث بعدها، فقالوا: لأنه يؤدي إلى السهر، ويُخاف مِن غلبة النوم عن قيام الليل، أو عن صلاة الصبح في وقتها الجائز، أو المختار أو الفاضل، والمكروه من الحديث بعد صلاة العشاء كما قال الشُّرَّاح: هو ما كان في الأمور التي لا مَصلحة راجحة فيها، أما ما كان فيه مصلحة وخير، فلا يُكره؛ كمدارسة العلم، ومعرفة سِيَر الصالحين وحكايتهم، ومحادثة الضيف، ومُؤانسة الزوجة والأولاد ومُلاطفتهم، ومحادثة المسافرين بحفظ متاعهم وأنفسهم، إلى آخر ذلك من الأسباب المباحة.

ويجب الحرصُ على الطهارة وقراءة الأذكار التي قبل النوم، فإنها تُعين على القيام للصلاة، وكذلك صدق النية والعزيمة عند النوم على القيام، ولا نَنسى ذكر الله تعالى عند الاستيقاظ مباشرة، فإذا بادَر المرء بذكر الله أولَ استيقاظه، انحلَّت عقدة من عُقد الشيطان، ولا بد من الاستعانة على القيام للصلاة بالأهل والصالحين، والتواصي في ذلك، ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ﴾ [طه: 132]، ثم لا بد أن يلتزم العبدُ دعاءَ ربه أن يوفِّقه للاستيقاظ لأداء صلاة الفجر مع الجماعة، فإن الدعاء من أكبر وأعظم أسباب النجاح والتوفيق في كل شيء.

ثم يستخدم وسائلَ التنبيه، ومن الأمور المعينة - كما في الحديث - نضحُ الماء في وجه النائم[3]؛ رواه الإمام أحمد في المسند، وعدم الانفراد في النوم، فلقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يَبيت الرجل وحدَه[4]؛ رواه الإمام أحمد، وعدم النوم في الأماكن البعيدة التي لا يَخطُر على بال الناس أن فلانًا نائمًا فيها، وعدم إكثار الأكل قبل النوم، فإن الأكل الكثير من أسباب النوم الثقيل، ومن أكل كثيرًا تعِب كثيرًا ونام كثيرًا، فخسِر كثيرًا، ومن الأشياء المعينة: اتِّباع الهدي النبوي في كيفية الاضطجاع عند النوم، بحيث ينام على جنبه الأيمن، ويضَع خدَّه الأيمن على كفِّه اليمنى، فإن هذه الطريقة تيسِّر الاستيقاظ، وخيرُ الهدي هديُ محمد صلى الله عليه وسلم، بخلاف النوم بكيفيَّات أخرى، فإنها تؤثِّر في صعوبة القيام.

ومن الأشياء المعينة على الاستيقاظ لصلاة الفجر مع الجماعة: أن يستعين بالقيلولة في النهار، فإنها تُعينه، وتجعل نومَه في الليل معتدلًا ومتوازنًا.

وألا ينام بعد العصر، ولا بعد المغرب؛ لأن هاتين النومتين تسبِّبان التأخر في النوم، ومن تأخَّر نومُه تعسَّر استيقاظُه.

وأخير أذكِّر نفسي وإياكم بالإخلاص لله تعالى، فهو خيرُ دافع للإنسان للاستيقاظ للصلاة، وهو أميرُ الأسباب والوسائل المعينة كلها، فإذا وُجد الإخلاصُ الذي يُلهب القلب ويوقِظ الوجدان، فهو كفيلٌ بإذن بإيقاظ صاحبه لصلاة الصبح مع الجماعة، ولو نام قبل الفجر بدقائقَ معدودات[5].

أعاننا الله وإياكم على ذِكره وشكره وحُسن عبادته..

[1] يُنسب إلى الشيخ ابن سعدي رحمه الله، ولم أقِف عليها في كتبه، ولعلَّ بعض طلبته نقَلوها عنه.

[2] أخرجه الطبراني في الكبير (13085)، وابن أبي شيبة في مصنفه (3353)، وابن خزيمة في صحيحه (1485)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (417).

[3] حسن أخرجه أبو داود (1308)، والنسائي (1610)، وابن ماجه (1336)، وأحمد (7410)، من حديث أبي هريرة بلفظ: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإِنْ أَبَتْ، نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ، وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَإِنْ أَبَى، نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ»، وحسنه الألباني في المشكاة.

[4] صحيح، أخرجه أحمد (5650)، وصححه الألباني في الصحيحة (60).

[5] مختصر من كتاب مشكلات وحلول.







ابوالوليد المسلم 20-03-2025 06:12 PM

رد: البرنامج اليومي لشهر رمضان
 
البرنامج اليومي لشهر رمضان



د. صغير بن محمد الصغير


القنديل الرابع عشر

في بعض الأحكام الفقهية للصائمين (1)




إضاءة قنديل:
"صيام رمضان رُكنٌ من أركان الإسلام، وإذا سقَط ركنٌ سقط البنيان".

في بعض الأحكام الفقهية للصائمين (1)
الحمد لله على فضائله سرًّا وعلنًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً نرجو بها الفوز بدار النعيم والهنا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى سائر آله وأصحابه الكرام الأُمناء، وسلم تسليمًا.

إخواني، من المعلوم رُكنية صيام شهر رمضان للمسلم البالغ العاقل المقيم القادر السالم من الموانع، فيجب عليه صومُ رمضان أداءً في وقته لدلالة الكتاب والسُّنة والإجماع على ذلك، وثمة أحكام أخرى تخصُّ بعض الناس في رمضان، فالصغير مثلًا لا يجب عليه الصيام حتى يبلغ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ المُبْتَلَى حَتَّى يَبْرَأَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَكْبُرَ"[1]، لكن يأمُره وليُّه بالصوم إذا أطاقه تمرينًا له على الطاعة؛ ليألَفها بعد بلوغه اقتداءً بالسلف الصالح رضي الله عنهم، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يُصَوِّمُون أولادهم وهم صغار، ويذهبون إلى المسجد فيجعلون لهم اللعبة من العِهْن (يعني الصوف أو نحوه)، فإذا بَكَوْا مِن فقْد الطعام أَعطوهم اللعبة يَتَلَهَّوْنَ بها[2].

والمجنون، وهو فاقدُ العقل فلا يجب عليه الصيام، بالإجماع.

وأمَّا الْهَرِم الذي بلغ الهذيان وسقَط تمييزُه، فلا يجب عليه الصيام ولا الإطعام عنه؛ لسقوط التكليف عنه بزوال تمييزه، فَأَشْبَهَ الصبي قبل التمييز، فإن كان يُميز أحيانًا ويَهذي أحيانًا، وجب عليه الصومُ في حال تمييزه دون حال هذيانه، والصلاة كالصوم لا تلزَمه حال هذيانه وتَلزَمه حال تَمييزه.

وأما العاجز عن الصيام عجزًا مستمرًّا لا يُرجى زوالُه؛ كالكبير والمريض مرضًا لا يُرجى برؤه، فلا يجب عليه الصيام؛ لأنه لا يستطيعه، لكن يجب عليه أن يُطعم بدل الصيام عن كلِّ يوم مسكينًا؛ لأن الله سبحانه جعل الإطعام معادلًا للصيام حين كان التخيير بينهما أول ما فُرِضَ الصيام، فتعيَّن أن يكون بدلًا عن الصيام عند العجز عنه؛ لأنه مُعادلٌ له.

ويُخَيَّر في الإطعام بين أن يُفرِّقه حبًّا على المساكين، لكل واحدٍ مُدٌّ من البُّر، رُبع الصاع النبوي[3]، وبين أن يُصْلِح طعامًا، فيدعو إليه مساكين بقدر الأيام التي عليه، قال البخاري - رحمه الله -: وأما الشيخ الكبير إذا لم يُطِق الصيام، فقد أطعَم أنس بعدما كبر عامًا أو عامين كلَّ يوم مسكينًا خبزًا ولحمًا وأفطَر، وقال ابن عباس رضي الله عنهما في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا[4].

أيها الإخوة، الشرع حكمةٌ من الله تعالى ورحمة رَحِمَ الله بها عباده؛ لأنه شرعٌ مبني على التسهيل والرحمة وعلى الإتقان والحكمة.

اللهم إنَّا نَسألك أنا نشهَد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلِد ولم يولَد، ولم يكن له كفوًا أحدٌ، يا ذا الجلال والإكرام، يا منَّان، يا بديع السماوات والأرض، يا حيُّ يا قيُّوم، نسألك أن توفِّقنا لِما تُحب وترضى، وأن تجعلنا ممن رضِي بك ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم نبيًّا، ونسألك أن تثبِّتنا على ذلك إلى الممات، وأن تَغفر لنا الخطايا والسيئات، وأن تَهَب لنا منك رحمةً إنك أنت الوهاب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين[5].

[1] صحيح؛ أخرجه أبو داود (4398)، والنسائي (3432)، وابن ماجه (2041)، من حديث علي، وصححه الألباني في المشكاة (3287).

[2] أخرجه البخاري (1960)، ومسلم (1136).

[3] سبق بيانه.

[4] البخاري (6/ 25).

[5] ملخص من مجالس شهر رمضان للشيخ ابن عثيمين رحمه الله.







ابوالوليد المسلم 24-03-2025 05:53 PM

رد: البرنامج اليومي لشهر رمضان
 
البرنامج اليومي لشهر رمضان



د. صغير بن محمد الصغير



القنديل الخامس عشر

إضاءة قنديل: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ»[1]

في بعض الأحكام الفقهية للصائمين (2)

الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الرحيم بالعباد، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث إلى جميع الخلق في كل البلاد، صلَّى الله عليه وعلى جميع الآل والأصحاب، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم التناد، وسلم تسليمًا.

أيها الأحبة، ثمة أحكام أخرى تخصُّ بعض المسلمين في الصيام، فمثلًا المسافر إذا لم يقصد بسفره التَّحَيُّل على الفطر، فيُشرع له الفطر في رمضان؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ [البقرة: 184]، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى المُفْطِرِ، وَلاَ المُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ»[2]، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ، وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ ضَعْفًا، فَأَفْطَرَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ»[3].

والأفضل للمسافر فعلُ الأسهل عليه من الصيام والفطر، فإن تساوَيَا فالصوم أفضل؛ لأنه أسرع في إبراء ذمته، وأنشط له إذا صام مع الناس، ولأنه فِعلُ النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما في حديث أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ، إِلَّا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ»[4]، وأفطر صلى الله عليه وسلم مراعاة لأصحابه، حين بلغه أنهم شق عليهم الصيام، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ، حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ[5].

وإذا كان المسافر يشق عليه الصوم، فإنه يُفطر ولا يصوم في السفر، ففي حديث جابر السابق أن النبي صلى الله عليه وسلم لَما أفطر حين شقَّ الصوم على الناس، قيل له: إن بعض الناس قد صام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ»[6].

وعَنْ جَابِرِ أيضًا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟»، فَقَالُوا: صَائِمٌ، فَقَالَ: «لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ»[7].

وإذا قدِم المسافر إلى بلده في نهار رمضان مفطرًا، لم يصِحَّ صومه ذلك اليوم؛ لأنه كان مفطرًا في أول النهار، والصوم الواجب لا يصِح إلا من طلوع الفجر، ولكن هل يلزَمه الإمساك بقية اليوم؟ اختلف العلماء في ذلك فقال بعضهم: يجب عليه أن يُمسك بقية اليوم احترامًا للزمن، ويجب عليه القضاء أيضًا لعدم صحة صوم ذلك اليوم، وهذا المشهور من مذهب أحمد رحمه الله..

تقبَّل الله منا ومنكم، وغفر لنا ولكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد..

[1] صحيح أخرجه أحمد (5873)، من حديث ابن عمر، وصحَّحه الألباني في إرواء الغليل في تخريج أحاديث المنار (3/ 9).

[2] أخرجه البخاري (1947)، ومسلم (1118).

[3] أخرجه مسلم (1116).

[4] البخاري الصوم (1843)، مسلم الصيام (1122)، أبو داود الصوم (2409)، ابن ماجه الصيام (1663)، أحمد (5 /194).

[5] أخرجه مسلم (1114).

[6] أخرجه مسلم (1114).

[7] أخرجه البخاري (1844)، ومسلم (1115).







ابوالوليد المسلم 25-03-2025 11:32 AM

رد: البرنامج اليومي لشهر رمضان
 
البرنامج اليومي لشهر رمضان



د. صغير بن محمد الصغير



القنديل السادس عشر

إضاءة قنديل: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [البقرة: 286]

في بعض الأحكام الفقهية للصائمين (3) (المريض الذي يُرجى برؤه).


الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه وصلاةً وسلامًا على أشرف خلقه وآله وصحبه؛ أما بعد:
فمِن أحكام الصائمين ما يخصُّ المريض الذي يُرجى بَرؤه، وله ثلاث حالات كما ذكر الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
إحداها: ألا يَشُقَّ عليه الصوم ولا يضرَّه، فيجب عليه الصوم لأنه ليس له عذرٌ يُبيح الفطر.

الثانية: أن يشق عليه الصوم ولا يضرُّه فيُفطر؛ لقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ [البقرة: 184].

الحال الثالثة: أن يضرَّه الصوم، فيجب عليه الفطر، ولا يجوز له الصوم؛لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [النساء: 29].

وإذا حدث له المرض في أثناء رمضان وهو صائم، وشقَّ عليه إتمامُه، جاز له الفطر لوجود المبيح للفطر، وإذا بَرِئَ في نهار رمضان وهو مفطر، لم يَصِحَّ أن يصوم ذلك اليوم؛لأنه كان مفطرًا في أول النهار، والصوم لا يَصِح إلا من طلوع الفجر، ولكن هل يَلزَمه أن يُمسك بقية يومه؟ فيه خلاف بين العلماء سبق ذكره في المسافر إذا قدِم مفطرًا.

وإذا ثبَت بالطب أن الصوم يَجلب المرض أو يؤخِّر بَرءَه، جاز له الفطرمحافظةً على صحته واتقاء للمرض، فإن كان يُرْجى زوال هذا الخطر انتظَر حتى يزول، ثم يقضي ما أفطَر، وإن كان لا يُرجى زواله فحكمُه حكمُ القسم الخامس، يُفطر ويُطعم عن كل يوم مسكينًا.

اللهم وفِّقنا للعمل بما يُرضيك، وجنِّبنا أسبابَ سَخطك ومعاصيك، واغفِر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.





ابوالوليد المسلم 25-03-2025 06:10 PM

رد: البرنامج اليومي لشهر رمضان
 
البرنامج اليومي لشهر رمضان



د. صغير بن محمد الصغير





القنديل السابع عشر

إضاءة قنديل: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ»[1]

في بعض الأحكام الفقهية للصائمين (4) (ما يَخص النساء)



الحمد لله وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، المتفرِّد بالخلق والتدبير،وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل الأنبياء الأطهار، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، خصوصًا المهاجرين والأنصار، وسلَّم تسليمًا.

إخواني، ثمة أحكامٌ تَخص بعض النساء في رمضان:
فالحائض يَحرُم عليها الصيام ولا يصح منها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في النساء: مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ»، قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ»، قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: «فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ»، قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: «فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا»[2].

وإذا طهُرت من الحيض في أثناء نهار رمضان لم يَصح صومها بقية اليوم لوجود ما ينافي الصيام في حقها في أول النهار، ويلزَمها الإمساك بقية اليوم على مذهب الإمام أحمد، وجمعٍ مِن أهل العلم.

والنُّفساء كالحائض، ويجب عليهما القضاء بعدد الأيام التي فاتتهما؛ لقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 185]، وسُئلت عائشة رضي الله عنها: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ، فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ، قَالَتْ: «كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ»[3].

والمرأة إذا كانت مُرضعًا أو حاملًا، وخافت على نفسها أو على الولد من الصوم، فإنها تفطر لحديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنِ الْمُسَافِرِ وَالْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ، أَوِ الصِّيَامَ»[4]، ويلزمها القضاء بعدد الأيام التي أفطرت حين يتيسَّر لها ذلك، ويزول عنها الخوف كالمريض إذا برَأَ.

والْأَوْلَى المبادرة بالقضاء من حين زوال العذر؛ لأنه أسبق إلى الخير وأسرع في إبراء الذمة.

ولا يجوز تأخير القضاء إلى رمضان الثاني بدون عذرٍ؛ لقول عائشة رضي الله عنها: «كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلَّا فِي شَعْبَانَ»[5]،[6].

اللهم اغفِر لنا ذنوبًا حالت بيننا وبين ذِكرك، واعفُ عن تقصيرنا في طاعتك وشُكرك، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

[1] أخرجه البخاري (1925)، ومسلم (1147)، من حديث عائشة.

[2] أخرجه البخاري (298)، ومسلم (80).

[3] أخرجه مسلم (335).

[4] صحيح؛ أخرجه أبو داود (2408)، والترمذي (715)، والنسائي (2275)، وابن ماجه (1667)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (2083).

[5] أخرجه البخاري (1950)، ومسلم (1146).

[6] مختصر من مجالس شهر رمضان لابن عثيمين رحمه الله.







ابوالوليد المسلم 27-03-2025 01:56 PM

رد: البرنامج اليومي لشهر رمضان
 
البرنامج اليومي لشهر رمضان



د. صغير بن محمد الصغير




القنديل الثامن عشر

إضاءة قنديل: ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ﴾ [الحج: 40]

في غزوة بدر




الحمد لله، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المصطفى على العالمين، المنصور ببدر بالملائكة المنزلين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا.

في مثل هذا الأيام، ليلة السابع عشر من رمضان في السنة الثانية للهجرة، كان يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، يوم أعزَّ الله فيه جندَه، ونصَر فيه عبده، يوم قال فيه صلى الله عليه وسلم: "لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ"[1].

خرج صلى الله عليه وسلم مع ثلاثمائة وبضعة رجلًا من المهاجرين والأنصار، من أفضل الخلق يومئذ، خرجوا بعد ما أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين قائلًا: هذه عيرُ قريش فيها أموالهم، فاخرُجوا إليها لعل الله يُنفِلكُمُوها.

قسَّم صلى الله عليه وسلم جيشه إلى كتيبتين:
1- كتيبة المهاجرين، وأعطى علمها علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين.

2- كتيبة الأنصار، وأعطى علمها سعد بن معاذ رضي الله عنهم أجمعين.

ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الجيش غير المتأهِّب، حتى قَرُب من الصفراء، وهنالك بعث بعض مَن يَرقُب عِيرَ قريش، وفي المقابل فقد بلغ أبا سفيان خروجُ المسلمين لملاقاة القافلة، فبعث رجلًا اسمه ضَمْضَم الغفاري إلى مكة يَستصرخ قريشًا أن يَنفِروا لحماية تجارتهم، فنهَضوا مسرعين، وخرجوا من ديارهم كما قال عز وجل: ﴿ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [الأنفال: 47].

ثم إن أبا سفيان انحرَف إلى ساحل البحر، فنجت القافلة، وكتب إلى قريش أن ارجعوا، فإنما خرجتم لتحرِّزوا تِجارتكم، فأتاهم خبرُه فهمَّوا بالرجوع، فانبعث أشقاهم أبو جهل، فقال: والله لا نرجع حتى نَقدمَ بدرًا فنُقيم فيها، نُطعم مَن حضرنا، ونسقي الخمر، وتَعزِف علينا القِيَان، يعني المغنيات، وتسمع بنا العرب، فلا تزال تهابنا أبدًا وتَخافنا.

ولَما بلغ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خبرُ خروج قريش استشار أصحابه، فتكلم أبو بكر ثم عمر ثم المقداد رضي الله عنهم فأحسنوا، ثم استشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس مرة أخرى، فعلم الأنصار أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما يَعنيهم، فقال سعد بن معاذ: كأنك تُعرِّض بنا يا رسول الله، وكأنك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقًّا عليها ألا تَنصُرَك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأُجيب عنهم: فامضِ بنا حيث شئتَ، وصِل حبلَ مَن شئت، واقطَع حبلَ مَن شئتَ، وخُذ من أموالنا ما شئتَ، وأعطِنا منها ما شئتَ، وما أخذتَ منها كان أحبَّ إلينا مما تركتَ، فوالله لئن سرتَ بنا حتى تبلغ البَرْك من غمدان - أقصى الجزيرة - لنَسيرنَّ معك، ووالله لئن استعرَضتَ بنا هذا البحر لخُضناه معك، ثم تكلَّم المقداد بمثل ذلك، فأشرق وجهُ الرسول بما سَمِعَ منهم، وقال: ((سِيروا وأَبشِروا، فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، وإني قد رأيتُ مَصارع القوم)).
أولئك آبائي فجِئني بمثْلهم https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
إذا جمعتنا يا جريرُ المجامعُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


هذا وللحديث عن هذه الملاقاة وتلك الغزوة بقيَّة.

نسأل الله أن يَجمَعَنا ووالدينا بمحمد صلى الله عليه وسلم وصحْبه في جنات ونهرٍ، في مَقعد صدقٍ عن مليك مقتدر...[2].

[1] أخرجه البخاري (4890)، ومسلم (2494)، من حديث علي.

[2] مختصر من: الرحيق المختوم 1/ 144، وزاد المعاد 3/ 155.






ابوالوليد المسلم 27-03-2025 05:40 PM

رد: البرنامج اليومي لشهر رمضان
 
البرنامج اليومي لشهر رمضان



د. صغير بن محمد الصغير


القنديل التاسع عشر

إضاءة قنديل: «اللهُمَّ إِنْ تَهْلَكَ هَذِهِ الْعِصَابَةُ فَلَنْ تُعْبَدَ فِي الْأَرْضِ»[1]

في غزوة بدر (2)


الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى صحْبه ومَن تَبِعه بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد:
فلا زال الحديث حول ما جرى في غزوة بدر، فلقد سار النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه حتى نزل بأدنى ماء من مياه بدر إلى المدينة، فقال الحباب بن المنذر رضي الله عنه: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل أهو مَنزل أنزلَكه الله، فليس لنا أن نتقدَّم عنه أو نتأخر، أم هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل هو الحرب والرأي والمكيدة، فقال الحباب: فليس هذا بمنزلٍ فانْهَض بنا حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فنَنزله ونغور ما وراءه من الآبار، فاستحسَن النبي صلى الله عليه وسلم رأي الحباب، ومضى بأصحابه حتى نزل بالعُدوة الدنيا مما يلي المدينة، وجيش قريش بالعدوة القصوى مما يلي مكة، وأنزل الله مطرًا كان شديدًا ووحلًا زلقًا على المشركين، وكان طلًّا خفيفًا على المسلمين، طهَّرهم به ووطَّأ لهم الأرض، وثبَّت به الأقدام، وبنى المسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشًا على تلٍّ مُشرف على موضع المعركة.

ونزَل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسوَّى صفوف أصحابه، ومشى في أرض المعركة يُشير إلى مصارع القوم، إلى المواضع التي سيُقتل فيها زعماء المشركين؛ يقول: هذا مصرع فلان إن شاء الله، فو الله ما جاوَز أحدٌ منهم الموضعَ الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم، قُتلوا في تلك المواضع التي عيَّنها النبي صلى الله عليه وسلم.

والتقى الفريقان، وقام النبي صلى الله عليه وسلم بين يدي ربه يدعو ويُلح في الدعاء، ويتضرَّع بين يدي ربه ويَستغيث به، يقول: اللهم أنْجِز لي ما وعدتني، اللهم هذه قريش قد أتت بخيْلها وخُيلائها تَصُد عن دينك وتُحارب رسولك، ثم يقول عن أصحابه: اللهم إن تَهلِك هذه العصابة فلن تُعبَد في الأرض.

واستجاب الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، وهُزمت قريش برجالاتها وخَيلها وصناديدها، وقُتل مِن المشركين سبعون، وأُسِر سبعون، وجُمع مِن القتلى أربعةٌ وعشرون من صناديد المشركين، فأُلقي بهم في قَليب مِن قُلبان بدر، منهم أبو جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، وغيرهم من رؤوس الكفر وصناديد المشركين.


وبعد ثلاث ليال أقامها النبي صلى الله عليه وسلم ببدر، انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعند انصرافه، وقَف على القليب ونادى أولئك الصناديد بأسمائهم وأسماء آبائهم، يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، لقد وجَدنا ما وعَدنا ربُّنا حقًّا، فهل وجدتُم ما وعد ربُّكم حقًّا، فقال له عمر الفاروق: أتنادي أجسادًا قد بَلِيت يا رسول الله، فقال: والله ما أنتم بأسْمع لكلامي منهم، ذلك أن الله عز وجل أسْمَعهم نداءَ نبيه في تلك اللحظة.


أيها الإخوة، من أعظم عِبر يوم بدر أن الإسلام كلمة الله الباقية، ورسالته الخالدة، باقية ما بقِي الزمان وتعاقَب المكان، يُرفَع شعارُها، ويُقدَّس منارُها بعزِّ عزيزٍ وذلِّ ذليلٍ، هذا الإسلام الذي كتَب الله العزةَ لمن والاه، وكتب الذِّلة والصَّغار على مَن عاداه، كلمة باقية ورسالة خالدة زاكية.


ومِنْ عِبَر يوم بدر أن الصبر مِفتاح الفرج، ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا ﴾ [آل عمران: 125]، فإن وجدت عبدًا من عباد الله قد صُبَّت عليه المحن والبلايا من الله، ونصَب وجهَه صابرًا لله، فبشِّره بحسن العاقبة والمآل من الله.


نَعَمْ، الصبر والتقوى سبيل النصر للمؤمنين ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا ﴾، فصبرًا أهل الإسلام في زمان عظُمت كُرَبُه، في زمان اشتدَّت بلاياه ومِحَنُه، إن وراء الليل فجرًا، إن تحت الرماد نارًا، صبرٌ جميل، لعل الله أن يأتي بالفرج الجليل.


لا إله إلا الله، فسبحان مَن أعزَّهم وهم أذِلاءُ، سبحان من أغناهم وهم فقراءُ، سبحان مَن رفَعهم وهم وُضَعاءُ. ربَّنا اغفر لنا ولوالدينا ومَن نُحب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

[1] أخرجه مسلم (1763) بلفظ: «اللهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ».







ابوالوليد المسلم 27-03-2025 05:41 PM

رد: البرنامج اليومي لشهر رمضان
 
البرنامج اليومي لشهر رمضان



د. صغير بن محمد الصغير




القنديل العشرون



إضاءة قنديل: ﴿ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ ﴾ [الصف: 14].

رمضان شهر الانتصارات


الحمد لله وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقامةً لذكره، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث بالبر إلى الخلق في برِّه وبحره، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما جاد السحاب بقَطْره، وسلم تسليمًا.

أيها الأحبة، رمضان شهرُ الجهاد والمجاهدة، والصبر والمصابرة، والفتوحات والانتصارات، رَمَضَانُ مَولِدٌ لِلإِسلامِ، ومُبتَدَأُ نَصرٍ لِلمُسلِمِينَ، وَمَشرِقُ فَتحٍ مُبِينٍ، وَمِفتَاحُ مَجدٍ كَرِيمٍ، في رمضان كانت غزوة بدر الكبرى التي فرَّق الله بها بين الحق والباطل، وهو أولُ مَشهد شهِده رسول الله، ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون ﴾ [آل عمران: 123]، وفي رمضان كان الفتحُ الأعظم مكة الذي بشَّر الله به محمدًا فقال - مُمتنًّا عليه -: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ [الفتح: 1]، ففتح الله لرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم القلوب بنزول القرآن في رمضان، وفتح له مكة التوحيد بالجهاد في رمضان.

في رمضان هُدِمَ هُبَلُ وَمَعَهُ أَكثَرُ مِن ثَلاثِمِائةٍ وَسِتِّينَ صَنَمًا حَولَ الكَعبَةِ المُشَرَّفَةِ، في رمضان بَعثَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم خَالِدَ بنَ الوَلِيدِ لِيَهدِمَ العُزَّى فَهَدَمَهَا، وَفِيهِ بَعثَ عَمرَو بنَ العَاصِ لِيَهدِم سُوَاعًا فَهَدَمَهُ، وَفِيهِ بَعَثَ سَعدَ بنَ زَيدٍ لِيَهدِمَ مَنَافًا فَهَدَمَهُ، في رمضان عودة النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك واستغرَقت هذه الغزوة خمسين يومًا، في رمضان فُتحت قلاع المجوس بقيادة الصحابي البطل المثنى بن حارثة رضي الله عنه، في رمضان سيَّر الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه حملة بقيادة عبدالله بن أبي السرح لفتح جنوب إفريقيا ونشْر الإسلام في البلاد النصرانية، في رمضان أول أسطول بحري يغزو البحر، نام رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا في بيت عبادة بن الصامت، فاستيقَظ وهو يضحك، فقالت أم حرام بنت ملحان زوجة عبادة: ما يُضحكك يا رسول الله؟ قال: «نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا البَحْرِ، مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ، فقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»[1]؛ أخرجه البخاري.

وتحقَّقت هذه البشارة حين وَلِيَ عثمان الخلافة حين كتَب إليه معاوية يَستأذنه في غزو البحر، فخرج معه جماعة من الصحابة فيهم أبو ذر وأبو الدرداء وشداد بن أوس، وعبادة بن الصامت وزوجه أم حرام بنت ملحان، وكان أول أسطول بحري في الإسلام، ففُتحت قبرص‏،‏ وعقب الغزوة سقطت أم حرام الأنصارية ‏مِن بغلتها فاندقَّ عُنقها، فماتت شهيدةً ببشارة النبي لها، في رمضان انطلَق قائدُ المسلمين طارق بن زياد بجيش لا يتجاوز اثني عشر ألف، فوجد ملك إسبانيا قد جمع له مائة ألف، واتَّصلت الحرب بينهم، فهزم الله المشركين، ونصر الله المسلمين نصرًا لا كفاءَ له، في رمضان صرخت امرأة في الأسر "وامعتصماه"، فهبَّ الخليفة المعتصم في صبيحة الجمعة من رمضان، وصاح في قصره "النفير النفير"، فسار وحاصر عمورية حتى انهدَّت حصونها ودخلوا المدينة قهرًا، وتفرَّقت الروم وأخذ المسلمون أموالًا لا تُحَدُّ ولا تُوصَف، في يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر رمضان، التقى قائدُ المسلمين المظفر قطز بجحافل التتار في عين جالوت، ولَما رأى قطز عصائبَ التتار قال لمن معه: لا تُقاتلوهم حتى تزول الشمس وتَفيء الظلال وتَهَب الرياح، ويدعو لنا الخطباء والناس في صلاتهم، والتَقى الصفان وتبارَز الشجعان، واقتتَل الفريقان قتالًا عظيمًا، فعُقِر جوادُ السلطان قطز، فترجَّل وبقي واقفًا على الأرض ثابتًا، وظهرت بوادرُ النصر وأعزَّ الله المسلمين، وأخزى التتر الملحدين، وكسر شوكتهم، ولم تقُم لهم بعدها قائمة، في هذا الشهر المبارك انتصر قائد المسلمين صلاح الدين على الصليبين في معركة حطين المدوية، واستردَّ بعدها بيت المقدس وضرَب الجزية عليهم، وفي رمضان سنة سبعمائة واثنين من الهجرة كانت موقعة "شقحب" التي شارك فيها شيخ الإسلام ابن تيمية، وكانت الغلبة فيها للمسلمين..

أيها الإخوة، إذا كان الأوائل في رمضان فتحوا القلوب بالقرآن، والبلدان بنشْر الإسلام، فما ذا عمَّن لا يَقوى أن يوقِظ نفسه لفريضة الصلاة، أو يَختم القرآن كل ثلاث أو سبع، أو يُخرس لسانه عن دعوة ونصيحة للمسلمين.. هذه شرائط العزة والنصر والتمكين؛ قال جرير بن عبد الله: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ»[2]؛ متفق عليه[3].

﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 286].

[1] أخرجه البخاري (7001)، ومسلم (1912).

[2] أخرجه البخاري (2714)، ومسلم (56) واللفظ له، من حديث جرير بن عبد الله.

[3] مختصر من خطبة للدكتور عبدالعزيز حمود التويجري بعنوان: رمضان شهر الانتصارات.








الساعة الآن : 02:58 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 107.53 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 106.63 كيلو بايت... تم توفير 0.89 كيلو بايت...بمعدل (0.83%)]