الصالون الأدبي
الصالون الأدبي (مع عُقَاب العربية.. الأستاذ محمود محمد شاكر) (1) كتبه/ ساري مراجع السنقري الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فَأَفْضَلُ ما أَفْتَتِحُ به هذا الصَّالُونَ الأَدَبِيَّ هو ما كَتَبَهُ علّامةُ العربيّةِ أحمدُ فارس الشِّدياق (1804 - 1887) في تقديمِه الطبعة الأولى مِن "لسان العرب"، في أواخر القرن التّاسع عشر؛ إذ قال: "وبَعْدُ؛ فقد اتَّفَقَتْ آراءُ الأمم، العرب منهم والعجم، الذين مارسوا اللغات ودروا ما فيها مِن الفُنُون والحِكَم، وأساليبِ التَّعبيرِ عن كُلِّ معنًى يجري على اللسان والقَلَم، على أنّ لُغَةَ العربِ أوسَعُها وأسنَعُها، وأخلَصُها وأنصَعُها، وأشرَفُها وأفضَلُها، وآصَلُها وأكمَلُها؛ وذلك لِغزارةِ مَوادِّها واضْطِرادِ اشتقاقِها، وسَرادةِ جُوادِها واتِّحادِ انتساقِها... ممّا لا تَجِدُ له في غيرها مِن لُغَاتِ العجمِ شبيهًا" (انتهى). وفي بدايةِ هذا الصَّالُونِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ حديثُنا عن شَيْخِ العربيّةِ وعُقَابِها الأستاذ محمود شاكر -رحمه الله-، لا سيَّما وأنّه تُوجَد محاولاتٌ كثيرةٌ الآن لتغييب هؤلاء الأفذاذ، الذين كان لهم دَوْرٌ بارزٌ في حمايةِ تُرَاثِ الأُمَّةِ وثَغْرِهَا الفِكْريّ. ولَم تَكُنْ طريقةُ الحفاظِ على تُرَاثِ الأُمَّةِ وثقافتِها طريقةً اخترعها الأستاذُ محمود شاكر، بل هي طريقةُ علماءِ الأُمَّةِ مِن يومِ أنْ نَزَلَ فيها الوَحْي؛ فالأصلُ هو الحِفَاظُ على تُرَاثِ الأُمَّةِ وثقافتِها، والطَّارئُ هو البُعْدُ عن هذا التُّرَاثِ وعن هذه الثَّقَافَة؛ فكان الأستاذ محمود شاكر امتدادًا لِجِيلِ العُظَمَاءِ المُرابِطِينَ على هذا الثَّغْر. ولا أَجِدُ في ذلك أَفْضَلَ ممّا وَصَفَهُ به الأديبُ المُفَكِّرُ فتحي رضوان (1911 - 1988م) إذ قال: "كان محمود شاكر مُرابِطًا على ثَغْرِ الأُمَّةِ الفِكْرِيّ"؛ فقد كان الأستاذ محمود شاكر مِن أهمِّ مَن واجهوا العاصفةَ الفاجرةَ التي تُسمَّى بالتَّحديث والتَّنوير -وهي في الأصل عاصفةُ التَّدمير والتَّخريب-، ومِن أهمِّ كُتُبِه في ذلك: كتاب "أباطيل وأسمار"، وكتاب "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا"؛ وسنتناولُهما بالدِّراسة والتَّحليل عند الكلام عن مُؤلَّفَاتِه -إن شاء الله-. وقد وصفتُه بعُقَابِ العربيّةِ مُقلِّدًا في ذلك تلميذَه الشَّاعرَ الأستاذَ الدُّكتور أبا همّام عبد اللطيف عبد الحليم (1945 - 2014)، وكان أبو همّام -رحمه الله- أستاذًا في كُليّة دار العلوم بجامعة القاهرة. وقد وَصَفَهُ أبو همّام بذلك لأن العُقَابَ مَلِكُ الطُّيُور، والعِقَابُ: المَرَاقِي الصَّعْبةُ مِن الجبالِ؛ فقد قال إبراهيمُ عبد القادر المازني (1889 - 1949) في "ديوانه": يَطِيرُ كُلُّ صَدًى عَنْ كُلِّ شَاهِقَةٍ كَمَا تَطِيرُ عَنِ الْعِقْبَانِ عِقْبَانُ ونَبْدَأُ رِحْلَتَنا مع الأستاذِ محمود شاكر بِذِكْرِ ترجمةٍ له -رحمه الله-: هو محمود بن محمد شاكر بن أحمد بن عبد القادر، مِن أسرة أبي عَلْيَاء مِن أشراف جِرْجَا بصعيد مصر، وينتهي نسبُه إلى الحسين بن عليّ -رضي الله عنهما-. وُلِدَ في الإسكندريّة، في ليلة عاشوراء الاثنين عاشر المحرم لسنة 1327 للهجرة، الموافق أول فبراير لسنة 1909 الميلادية. وانتقل إلى القاهرة في صيف عام 1909م، بعد تعيين والده الشيخ محمد شاكر -رحمه الله- وكيلًا لِلْجامع الأزهر. والتحق بمدرسة والدة أمِّ عبّاس بالصَّلِيبة بالقاهرة في سنة 1916م، وكان النظام الذي تسير عليه المدارس وقتها هو نظام دوجلاس دنلوب، ودوجلاس دنلوب (1861 - 1937) هو مُبشِّر اسكتلنديّ، عيَّنَه اللورد كرومر عام 1890م مستشارًا لوزارة المعارف لفرض التَّعليم الاستعماري. وكان مِن أثر الدِّراسة في هذه المدارس وبهذا النظام على الأستاذ محمود شاكر أنه كَرِهَ اللغةَ العربيّةَ كُرْهًا شديدًا، مع أنّه قد نشأ في بيتِ عِلْمٍ وشِعْرٍ وفصاحةٍ وديانةٍ؛ فقد كان لنظام دنلوب الأثرُ السَّلْبِيُّ الكبير على كُلِّ شابٍّ مِصريٍّ درس بهذا النِّظام، مِن جهة احتقار اللغةِ العربيّةِ ومُعَلِّمِيها. وبعد ثورة 1919م انتقل إلى مدرسة القِرَبِيَّة بدَرْب الجَمَامِيز، لِقُرْبِها مِن بيتِه، وكان يَتَرَدَّدُ على بيتِ والدِه العلماءُ والمُفكِّرون، والوزراءُ والمُثقَّفون، وكثيرٌ مِن الشَّباب، ومِن أمثال هؤلاء: الرَّافِعِي، والمَازِنِي، وكِبارُ رجالِ صحيفتَي: الأهرامِ والمُقطَّمِ، وكانتا أشهرَ صحيفتَين في ذلك الوقت. ومع هذا فلَم يُؤثِّر هذا الجَوُّ الخَصْبُ مِن المعرفةِ والثَّقافةِ في ترغيبِ الأستاذ محمود شاكر في اللغةِ العربيّةِ، إذْ كان لِنظامِ دنلوب أثرٌ سلبيٌّ عليه فاق هذا الأثَرَ الإيجابيَّ النَّاتجَ عن مجالسِ العِلْمِ والمعرفةِ التي كانت تُعقَد في بيتِ والدِه، ولكنْ كان لهذه المجالس أثرٌ في نُمُوِّ فِكْرِه وثقافتِه بصورةٍ عامّة، لا سيَّما بعد قيام ثورة 1919م، التي مَنَحَتْهُ حُرِّيَّةً في الذِّهابِ إلى الجامع الأزهر في هذه السِّنِّ المُبكِّرة، كي يستمع لِلخُطَبِ التي كانت تُلْقَى في ظِلِّ هذه الأجواءِ السَّاخنة. ثُمَّ تَبدَّل الحالُ، وصار يَعشَقُ اللغةَ العربيّةَ بعد أنْ كان يَكرَهُها؛ فكيف حَدَثَ هذا؟ وأين؟ هذا ما سَنَذْكُرُهُ في المَقَالِ القَادِمِ -إن شاء الله-. والحَمْدُ للهِ على تَوفيقِه وامتِنانِه. |
رد: الصالون الأدبي
الصالون الأدبي (مع عُقَاب العربية.. الأستاذ محمود محمد شاكر) (2) كتبه/ ساري مراجع السنقري الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ ثُمَّ تَبَدَّلَ الحالُ، وصار الأستاذُ محمود شاكر يَعشَقُ اللغةَ العربيّةَ بعد أنْ كان يَكرَهُها كُرْهًا شديدًا. وذلك بَعْدَ أنْ تَعَرَّفَ على مجموعةٍ مِن الشَّبابِ في سِنِّ السَّادسةَ عشرةَ والسَّابعةَ عشرةَ، مِن طلبةِ الأزهرِ وكُلِّيَّةِ الحُقُوقِ وغيرها، وقد كانوا يُلْقُونَ الخُطَبَ في الجامِعِ الأزهرِ في أيَّامِ الثَّورة، وكان بعضُهم يَتردَّد على بيتِ والدِه الشَّيخ محمد شاكر. وكان هؤلاء الشَّبابُ يَحفظُونَ الشِّعْرَ ويَتناشَدُونَه، والأستاذُ محمود يَستَمِعُ إليهم ولا يُلقِي لهم بالًا، لِكراهتِه لِلُّغَةِ العربيّةِ كما ذَكَرْنَا آنفًا. وفي يومٍ مِن الأيّامِ كان الأستاذُ محمود يَحْضُرُ مع إخْوَتِه مَجْلِسًا في رِوَاقِ السُّنَّارِيَّةِ بالْجَامِعِ الأزهر، وهو رِوَاقٌ خاصٌّ بالطُّلَّابِ الوافدين مِن إقليم سُنَّار في السُّودان، وكان هذا المجلس في غُرفةِ الأستاذِ الشَّيخِ محمد نُور الحَسَن (1889 - 1971)، الذي صار فيما بَعْدُ وكيلًا لِلْجَامِعِ الأزهر؛ وقد قال الشَّيخِ محمد نُور الحَسَن في مُذكِّراتِه: (وعندما قامت الثَّوْرَةُ المِصْرِيَّةُ بزعامةِ سعد باشا زغلول ضِدَّ الإنجليز كانت غُرْفَتِي في رِوَاقِ السُّنَّارِيَّةِ في الأزهرِ مَرْكَزًا لِقِيَادَةِ الثَّوْرَةِ في الأزهرِ الشَّرِيف)، وكانوا يقرؤون في هذا المجلسِ في ديوان المُتَنَبِّي، وكان هذا الاسْمُ جديدًا على أُذُنِ الأستاذِ محمود. وكان لِلأستاذِ محمود قريبٌ عنده نُسْخَةٌ مِن ديوان المُتَنَبِّي الذي سمع شِعْرَهُ في مجلس السُّنَّارِيَّة، وكان على النُّسْخَةِ شَرْحُ الأديبِ الشَّاعِرِ اللُّبْنانِيِّ ناصيف اليازجي (1800 - 1871)، وكانت نُسْخَةً جميلةً مَضْبُوطَةً مُعْجَمَةً إعجامًا كاملًا. وكان قريبُه كثيرَ اللَّهْوِ، فطَلَبَ مِن الأستاذِ محمود أنْ يَسْأَلَ عمَّتَه -التي هي أُمُّ الأستاذِ محمود- أنْ تُعطِيَه شيئًا مِن المال، فوافق الأستاذُ محمود، لكن بشرط أنْ يَأخُذَ منه ديوانَ المُتَنَبِّي، فوافق قريبُه. فَعَكَفَ الأستاذُ محمود على الدِّيوان، وكان في السَّنَةِ الرَّابعةِ الابتدائيةِ، لِدَرَجَةِ أنّه كان يَدْخُلُ به الحَمَّامَ، فَحَفِظَهُ مِن أَوَّلِهِ إلى آخِرِه. فَانْقَلَبَ الحالُ، وحَدَثَتْ رَدَّةُ فِعْلٍ عنيفةٌ مِن الأستاذِ محمود شاكر، فَبَعْدَ أنْ كان يَكْرَهُ اللُّغةَ العربيّةَ كُرْهًا شديدًا أصبح بَعْدَ قراءةِ ديوانِ المُتَنَبِّي يُحِبُّهَا حُبًّا شديدًا، وبَعْدَ أنْ كان أضعفَ طالبٍ في المدرسةِ في اللُّغةِ العربيّةِ وأقوى طالبٍ في المَوَادِّ الأخرى أصبح أقوى طالبٍ في اللُّغَةِ العربيّة، وقد قرأ ديوانَ البارودي في نفس العام أيضًا؛ فقد كان يَقرأُ الشِّعْرَ دون أنْ يَفْهَمَ مَعَانِيَه. وظَلَّ الأستاذُ محمود يُتابِعُ حِفْظَ الشِّعْرِ وقراءةَ الكُتُب، فقرأ في السَّنةِ الأولى مِن الثَّانويّةِ كتابَ "لسان العرب" لابن منظور -ت 711- مِن أوَّلِه إلى آخِرِه. وكان قد دَخَلَ القِسْمَ العِلْمِيَّ مِن الثَّانويّةِ العامَّةِ لِحُبِّهِ لِمادَّةِ الرِّياضيّات. وصار يُحِبُّ اللغةَ والأدبَ حُبًّا جَمًّا بعد تَوسُّعِ قراءاتِه في هذا الباب، وبخاصَّة مِن سنة 1921 إلى سنة 1925 م، فقد قرأ على كِبَارِ شُيُوخِ اللُّغةِ والأدبِ في هذا الوقت، مِثْلَ الشَّيخ سيِّد بن علي المَرْصَفِي، أستاذِه وأستاذِ أستاذَيْه طه حسين (1889 - 1973) وأحمد حسن الزَّيَّات (1885 - 1968) (صاحب مجلّة الرِّسالة). فقد قرأ على شيخِه المَرْصَفِي كتابَ "الكامل في اللغة والأدب" للمُبرِّد -ت 285-، وكتابَ "ديوان الحماسة" لأبي تمّام -ت 231-، وجزءًا مِن كتابِ "الأمالي" لأبي عليٍّ القالي -ت 356-. وفي الوقتِ الذي نال فيه شهادةَ البكالوريا (الثَّانويّة العامَّة) صَدَرَ مَرْسُومٌ (11 مارس 1925 م) بقانونِ إنشاءِ الجامعةِ الحكوميّةِ باسمِ الجامعةِ المِصْريَّةِ، وتَكَوَّنَتْ مِن أَرْبَعِ كُلِّيَّاتٍ، هي الآدَابُ، والعُلُومُ، والطِّبُّ، والحُقُوقُ، وفي العام نَفْسِهِ ضُمَّتْ مدرسةُ الصيدلةِ لِكُلِّيَّةِ الطِّبّ. ووقتَها بَدَأَ التَّحَوُّلُ الكاملُ لِلأستاذِ محمود شاكر في شُعُورِه نَحْوَ عُلُومِ الرِّياضيّاتِ والجامعاتِ التي تَتْبَعُها مِن طِبٍّ وهندسةٍ وغيرِها، وشَعَرَ بأنّه لا يَصْلُحُ لها ولا يُرِيدُها. والتحق بِكُلِّيَّةِ الآداب، وكان أَوَّلَ مَن يلتحق بِكُلِّيَّةِ الآدابِ مِن القِسْمِ العِلْمِيِّ في البكالوريا، وكان هذا بفضل الله أَوَّلًا ثُمَّ بفضل الدُّكتور طه حسين، وبعضِ الأساتذةِ الكبار أمثال المُفكِّرِ الأديبِ الأستاذِ مصطفى عبد الرَّازق (1885 - 1947) (شَغَلَ مَنْصِبَ شيخِ الجامعِ الأزهر، كما أنّه تَولَّى وزارةَ الأوقافِ ثمانيَ مرَّات، وكان أَوَّلَ أزهريٍّ يَتولَّاها)؛ لأنَّهم كانوا يَعْرِفُونَ الأستاذَ محمود شاكر، ويَعْرِفُونَ اشتغالَه الكاملَ بقراءةِ ودراسةِ الأدب. وفي التحاقِه بِكُلِّيَّةِ الآدابِ قِصَّةٌ، ستكون بدايةَ حديثِنا في المقالِ القادمِ -إن شاء الله-. والحمدُ للهِ ربِّ العالَمِين. |
رد: الصالون الأدبي
الصَّالون الأدبي.. مع عُقَابِ العربية: الأستاذ محمود محمد شاكر (3) كتبه/ ساري مراجع الصنقري الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ ففي التحاق الأستاذ محمود محمد شاكر بكُلِّيَّةِ الآدابِ قِصَّةٌ، مِن الجميل أنْ نَذكُرَها، وهي: أنّ الأستاذَ محمود شاكر عندما طلب الالتحاقَ بكُلِّيَّةِ الآدابِ رفض هذا الأمرَ مُدِيرُ الجامعةِ الأستاذُ أحمد لطفي السيِّد (1872 - 1963)؛ لأنّ الكُلِّيَّةَ لا تقبل إلا مَن تَخرَّج مِن القِسْمِ الأدبيِّ مِن البكالوريا. فتَوسَّط له الدُّكتور طه حسين، وكان هناك اختبارٌ باللُّغةِ الفرنسيّة، فقال له الدُّكتور طه: هل تُحسِنُ اللُّغةَ الفرنسيّةَ -يا محمود-؟ فقال له: أُحسِنُها كتابةً ولا أُحسِنُها كلامًا، ولكن أُتْقِنُ اللُّغةَ الإنجليزيّةَ كتابةً وكلامًا؛ فقال له: هذا لا يَنفَع -يا محمود-، ولكنْ إنْ سألوك بالفرنسيّةِ: هل تَستطِيعُ أنْ تُجِيبَ بالإنجليزيّة؟ فقال له: نعم؛ فأنا أعلم ما سيَقُولُونَه لي بالفرنسيّة، وأستطيعُ أنْ أُجِيبَهم بالإنجليزيّة، ولكن لا أستطيعُ أنْ أُجَارِيَهم في الفرنسيّة. فامتحن الأستاذُ محمود، ونجح في الامتحان، وتَحَقَّقَتْ رغبتُه في الالتحاقِ بكُلِّيَّةِ الآداب. وكما كان مُتَوقَّعًا فقد فَاقَ الأستاذُ محمود أقرانَه في الكُلِّيَّة، وكان مستواه يَتقدَّم عليهم بمراحل، بسبب الثَّروةِ الأدبيّةِ الثَّقافيّةِ التي كان يملكها قبل التحاقِه بالجامعة. فقد كان يَقُولُ عن نَفْسِه: (لا أُحِبُّ أنْ أُثْنِيَ على نَفْسِي، ولكن في الحقيقةِ أنا كنتُ أُحِسُّ أنَّنِي فَضْلَةٌ في الجامعة). وكيف لا يَمْلِكُ مِثْلَ هذه الثَّروةِ وهو الذي قرأ مع "لسان العرب" كتابَ "الأغاني" لِأَبِي الفَرَجِ الأَصْفَهَانِيّ -ت ???-، وقد جاوز كتابُ "الأغاني" العِشْرينَ مُجلَّدًا كما هو معروف، هذا لِوَحْدِهِ وهو في الثَّانيةَ عشرةَ مِن عُمْرِه؟! فقد قال الأديبُ الدُّكتور عبدُ القُدُّوس أبو صالح (1932 - 2022) -رحمه الله-: (رأيتُ عند الأستاذِ محمود شاكر بعضَ العلاماتِ في كتابِ "لسان العرب"، فقلتُ له: ما هذه العلاماتُ -يا أستاذَنا-؟ قال: رحمةُ اللهِ على أخي أحمد، فقد كان يُعَلِّمُ لي علاماتٍ، ويقول لي: تُسَمِّعُ لي ما عند هذه العلاماتِ بعد ذلك، وتَقرأُها عليّ). فهذا شابٌّ نَشَأتْ بَرَاعِمُهُ في بيئةٍ أتَاحَتْ له أنْ يَكُونَ واعيًا بقضايا أُمَّتِه، وفي واحةٍ غَمَرَهُ نَسِيمُها بمعرفةِ اللُّغةِ والأدبِ والثَّقافة. وكان قَبْلَ دخوله الجامعةِ مباشرةً (في سنة 1925) قد أعطاه أستاذُه الأديبُ أحمد تيمور باشا (1871 - 1931) عددًا مِن مجلَّةِ الجمعيَّةِ الآسيويَّةِ الملكيَّة، وقال له: (يا محمود؛ خُذْ هذه المجلَّة، فيها مقالٌ لِمرجليوث عن الشِّعر الجاهليّ؛ فانْظُرْ فيها)، ثُمَّ راجَعَه بعدها وقال له: ماذا وجدتَ -يا محمود-؟ فقال الأستاذُ محمود: (وجدتُ أعجميًّا غَثًّا باردًا صَفِيقَ الوجهِ، يُشكِّكُ في نسبةِ الشِّعر الجاهليِّ إلى أهلِه، ويَدَّعِي أنّ أَكْثَرَهُ مَنْحُولٌ!). فكان المُستَشرِقُ دي?يد صمويل مرجليوث (1858 - 1940) يَدَّعِي أنّ الشِّعرَ الجاهليَّ حديثُ الولادةِ، وأنّ الذي أنشأه هم قومٌ مُسلِمون، وأنّهم كانوا يُحاكُونَ القُرآنَ بهذا! وأراد مرجليوث بهذا الادِّعاءِ الخبيثِ هَدْمَ فِكْرَةِ إعجازِ القرآنِ الكريم. فاختبأ ما قرأه الأستاذُ محمود شاكر في هذه المجلّة في ذاكرتِه، وفي السَّنةِ الثَّانيةِ مِن الجامعةِ (سنة 1926) وَجَدَ صدى ادِّعاءِ مرجليوث على لسان أستاذِه طه حسين، ولكن طه حسين كان يَدَّعِي نَفْسَ ادِّعاءِ مرجليوث مِن التَّشْكِيكِ في نسبةِ الشِّعرِ الجاهليِّ إلى أهلِه، دون أنْ يَنْسِبَ هذا الادِّعاءَ إلى قائلِه مرجليوث، بل يَنسِبُه لِنَفْسِه! وهنا تَبيَّن لِلأستاذِ محمود شاكر أنّ أستاذَه طه حسين سطا على مقالةِ مرجليوث، فثارتْ نَفْسُه، وحَزَنَ حُزْنًا شديدًا، لكن؛ لَم يكن الأستاذُ محمود يُصرِّح بهذا في العلانيةِ أمام أستاذِه طه حسين وزملائِه في الكُلِّيَّة، تَأدُّبًا مع أستاذِه طه حسين، الذي كان له الفَضْلُ عليه بعد فَضْلِ اللهِ -عزّ وجلّ- في دُخُولِه كُلِّيَّةِ الآدابِ مِن القِسْمِ العِلْمِيِّ في البكالوريا -كما ذَكَرْنا-، وهذا لا يَمنَعُ مِن أنّ الأستاذَ محمود شاكر كان يَحكِي في هذا الموضوعِ مع بعضِ زملائِه، وكان كلامُه يَصِلُ إلى أستاذِه طه حسين، فكان يَسْكُتُ عنه أحيانًا، ويُعَنِّفُه أحيانًا، ويَحتَضِنُه أحيانًا، لكن لا يتراجع عن نسبةِ هذا الادِّعاءِ لِنَفْسِه لا لِقائلِه مرجليوث. وكان الدُّكتور طه حسين يَستَدعِي تلميذَه الأستاذَ محمود شاكر بعد المُحاضَراتِ إلى مَكتَبِه، وكان يَتهرَّبُ مِن فِكْرَةِ أنّ كلامَه هذا قد أخذه عن المُستَشْرِقِ مرجليوث، وكان يَعِدُ الأستاذَ محمود شاكر بأنْ تَمُرَّ السَّنةُ في الكُلِّيَّةِ دون امتحانات، ومَكانةُ الدُّكتور طه حسين في الجامعةِ كانت تُتِيحُ له أنْ يَفْعَلَ ذلك، ولكن الأستاذ محمود شاكر كان مُصِرًّا على أنْ يُعلِنَ الدُّكتور طه ويُصرِّحَ أمام الجميعِ بأنّ كلامَه عن الشِّعْرِ الجاهليِّ قد أخذه عن المُستَشْرِقِ مرجليوث، والدُّكتور طه كان يَرفُضُ هذا بالطَّبْع، بل كان يَنْفِي هذا مِن الأساس. فوجد الأستاذُ محمود شاكر نَفْسَهُ أمام قضيَّةِ سرقةٍ أدبيةٍ، وأنّ الجامعةَ تَعتَمِدُ في تدريسِها على مناهجِ المُستَشْرِقِينَ الفاسدةِ، فاتَّخَذَ قرارًا غريبًا، نَذْكُرُهُ في المقالِ القادمِ -إن شاء الله-. والحمدُ للهِ ربِّ العالَمِين. |
رد: الصالون الأدبي
الصَّالون الأدبي (مع عُقَاب العربية.. الأستاذ محمود محمد شاكر) (4) كتبه/ ساري مراجع الصنقري الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فقد أصبح الأستاذُ محمود شاكر قَلِقًا في الجامعة، بعد أنْ رأى هذا الرَّأيَ غيرَ النَّاضجِ وغيرَ المفهومِ مِن أستاذِه طه حسين تجاه الشِّعْرِ الجاهليّ، فضلًا عن اقتناعِه بسرقةِ أستاذِه لِمقالةِ مرجليوث -كما فَصَّلْنا في المقال السَّابق-. وقد ذُكِرَ أن مرجليوث قال في مقالٍ له: (تَوصَّل كُلٌّ منا -أي: هو وطه حسين- مستقلًا عن الاخَر تمامًا إلى نتائج متشابهة)؛ وأمّا ثبوت هذا الكلام عن مرجليوث مِن عدمه، وغرض مرجليوث من هذا الكلام -إن صحَّت نسبتُه إليه-؛ فكل هذا يحتاج إلى تفصيل، ليس موضعه الآن، ولعلّنا نذكره في مقال مستقل -إن شاء الله-. وهُدِمَتْ قيمةُ الجامعةِ في نَفْس الأستاذ محمود شاكر، فاتَّخَذَ القَرارَ بترك الجامعة، وكان هذا القَرارُ صعبًا، وقد ذكرنا في المقال السابق قِصَّةَ التحاقِه بكُلِّيَّةِ الآدابِ والمعاناة التي وجدها في ذلك. فسبحان الله! فأستاذُه الذي ساعده في الالتحاق بِكُلِّيَّةِ الآدابِ كان هو السَّبب في تركها! وقد حاول الكثيرون في إقناعِه بالتَّرَاجُعِ عن قراره، ومِنْهم والدُه الشَّيخ محمد شاكر، وأساتذتُه، وأيضًا بعضُ المستشرقين، مِثْل: المستشرق الإيطاليّ كارلو ألفونسو نَلِّينُو (1872 - 1938م)، والمستشرق الإيطاليّ إغناطيوس (إينياتْسيُو) جوِيدي (1844 - 1935م)، ولكن باءت كُلُّ هذه المحاولاتِ بالفَشَل. ولِلأستاذِ محمود شاكر كلامٌ نفيسٌ في هذه الواقعةِ، في مُقدِّمةِ كتابِه: "مَداخِل إعجاز القُرآن"؛ حيثُ قال: "فلمَّا فَارَقْتُ المدرسةَ الثَّانويَّةَ إلى الجامعةِ لِأَوَّلِ نشأتِها غمرتني ثَرْثَرَةٌ مُدمِّرةٌ، كان لها أَبْلَغُ الأثرِ في حياتي، هي ثرثرةُ الحديثِ عن (الشِّعْرِ الْجَاهليّ)، وأنّ الذي في أيدينا منه ممَّا -يُسمَّى شِعْرًا جاهليًّا- مَصْنُوعٌ مَوْضُوعٌ، مَنْحُولٌ كُلُّه، صَنَعتْه الرُّوَاةُ في الإسلام، وأنّ هذا الذي عندنا منه (لا يُمَثِّلُ شيئًا، ولا يَدُلُّ إلا على الكذبِ والانتحال)؛ وهذا لفظُ صاحبِ الرَّأيِ بِنَصِّه. سَمِعْتُ هذه الثرثرةَ بِأُذُنَيَّ طالبًا في الجامعة، وقَرَأتُها يومئذٍ مِرارًا بِعَيْنَيَّ. وعلى أنَّها لَم تَزِدْ قَطُّ على أنْ تَكُونَ ثرثرةً فارغةً -كما استيقنتُ ذلك فيما بَعْدُ-؛ إلا أنَّها كانت ثرثرةً صَادَفَتْ قَلْبًا غَضًّا، وفِكْرًا غريرًا، ونَفْسًا مَغْمُوسَةً في ضُرُوبٍ مختلفةٍ مِن ثرثرةِ زمانِها، فَأَحْدَثَتْ في جميعِها رَجَّةً مُمَزِّقَةً مُدَمِّرَةً. وبَعْدَ لَأْيٍ ما نَجوتُ مِن شَرِّها غريبًا وحيدًا مُسْتَوْحِشًا، أُعَانِي في سِرِّ نَفْسِي مِن الغُرْبَةِ والوَحْدَةِ والوَحْشَةِ ما أُعَانِي، وشَرُّ ما لَم أَزَلْ أُعَانِيه حتى اليوم هو القَلَقُ الكاملُ تحت الاطمئنان، والحَيْرَةُ المُستَخْفِيَةُ مِن وراءِ اليقين، والتَّرَدُّدُ المُستَكِنُّ في ظِلِّ العزيمة، وهذه الثَّلاثةُ هي التي تَلِدُ الهَيْبَةَ المُفْضِيَةَ إلى الإرجاءِ والتَّأخير. ومع أنَّ هذا التَّشكِيكَ في صِحَّةِ ما بين أيدينا مِن الشِّعْرِ الجَاهِليِّ لَم يَكُنْ في حقيقتِه سوى ثرثرةٍ فارغةٍ، إلا أنَّها منذ بَدأتْ رَمَتْ بي في الأمر المَخُوف، وهو النَّظَرُ في شأنِ (إعجازِ القُرآن)؛ لأن أصحابَ هذا الشِّعْرِ الجَاهِليِّ هم الذين نزل عليهم القُرآنُ العظيم، وهم السَّابقون الذين آمنوا بأن هذا كلامُ اللهِ -سبحانه-، وبأن التَّالِيه عليهم هو رَسُولُ اللهِ إليهم، وإلى النّاسِ كافَّةً -صلّى الله عليه وسلّم-" (انتهى). فقد رَمَتْ هذه الواقعةُ بالأستاذِ محمود شاكر في أحضانِ موقعةٍ أخرى، وهي: النَّظَرُ في شأنِ إعجازِ القُرآنِ الكريم؛ وذلك لِلارتباطِ الوَثيقِ -كما ذكرنا في المقال السَّابق- بين فكرةِ التَّشكِيكِ في الشِّعْرِ الجَاهِليِّ ومحاولةِ هَدْمِ إعجازِ القُرآنِ العظيم. وهنا يَصْدُقُ قَوْلُ النَّاقدِ الدُّكتور شكري عيَّاد (1921 - 1999م)؛ إذْ قال: "إنّ حادثةَ تَرْكِ محمود شاكر لِلْجَامعةِ كانت نُقطةَ تَحَوُّلٍ في تاريخِنا الثَّقافِيّ"، وكأنّ الأستاذَ محمود شاكر كان يَحْمِلُ مِشْعَلَ الدَّعوةِ منذ شبابِه الباكر، في حرارةِ إيمانٍ، ومَضاءِ عَزْمٍ، وصراحةِ قَوْل. وفي المقال القادم -إنْ شاء اللهُ- سَنَذْكُرُ بالتَّفصيلِ الأثرَ الإيجابيَّ على تاريخِنا الثَّقافيِّ بِتَرْكِ الأستاذِ محمود شاكر لِلْجَامِعَة. والحمدُ للهِ الذي يسَّر وأعان. |
رد: الصالون الأدبي
الصَّالون الأدبي (مع عُقَابِ العربيّةِ: الأستاذ محمود محمد شاكر) (5) كتبه/ ساري مراجع الصنقري الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فينبغي لنا أنْ ننقلَ روايةَ الأستاذِ محمود شاكر نَفْسِه لِقِصَّة صِراعِه في الجامعة مع أستاذِه الدُّكتور طه، التي عزم بسبِبها على أن يُفَارِقَ مِصْرَ كُلَّهَا، غَيْرَ مُبَالٍ بإتمامِ دراستِه الجامعيَّة، والتي حكاها لنا بأسلوبِه الشَّائِقِ، في المُقدِّمةِ الجديدةِ لِكتابِه: "المُتَنَبِّي". قال الأستاذُ محمود شاكر -رحمه الله-: "كان ما كان، ودخلنا الجامعة، بدأ الدُّكتور "طه" يُلقي محاضراتِه التي عُرفت بكتاب: "في الشِّعر الجاهلي". ومحاضرة بعد محاضرة، ومع كُلِّ واحدةٍ يرتد إليَّ رَجْعٌ مِن هذا الكلامِ الأعجميِّ الذي غاص في يَمِّ النِّسيان! وثارت نفسي، وعندي الذي عندي مِن المعرفةِ بخبيئةِ هذا الذي يقوله الدُّكتور "طه"، عندي الذي عندي مِن هذا الإحساس المُتَوَهِّجِ بمذاق الشِّعر الجاهلي، كما وصفتُه آنفًا، والذي استخرجتُه بالتَّذَوُّقِ، والمقارنةِ بينه وبين الشِّعر الأُمَويّ والعبّاسيّ. وأخذني ما أخذني من الغيظ، وما هو أكبر وأشنع من الغيظ، ولكنِّي بَقِيتُ زمنًا لا أستطيع أن أتكلَّم. تتابعت المحاضراتُ، والغيظُ يفور بي، والأدبُ الذي أدَّبَنا به آباؤنا وأساتذتُنا يُمسكني، فكان أحدُنا يَهابُ أن يُكَلِّمَ الأستاذَ، والهيبةُ معجزة، وضاقت عليَّ المذاهبُ، ولكن لَم تَخْلُ أيّامي يومئذٍ في الجامعة مِن إثارةِ بعض ما أَجِدُ في نفسي، في خُفُوتٍ وتَرَدُّد. وعرفتُ فيمَن عرفتُ مِن زملائِنا شابًّا قليلَ الكلامِ، هادئ الطِّباعِ، جَمَّ التَّواضُعِ، وعلى أنّه مِن أترابِنا، فقد جاء مِن الثانويَّةِ عارفًا بلُغَاتٍ كثيرةٍ، وكان واسعَ الاطِّلاعِ، كثيرَ القراءةِ، حَسَنَ الاستماعِ، جَيِّدَ الفَهْمِ، ولكنّه كان طالبًا في قِسْمِ الفلسفةِ، لا في قِسْمِ اللُّغَةِ العربيَّةِ. كان يَحضُرُ معنا محاضراتِ الدُّكتور، وكان صَفْوُهُ ومَيْلُهُ وهَوَاهُ مع الدُّكتور "طه"؛ ذلك هو الأستاذُ الجَلِيلُ "محمود محمد الخضيري". نشأت بيني وبينه مَوَدَّةٌ فَصِرْتُ أُحَدِّثُهُ بما عندي، فكان يُدَافِعُ بِلِينٍ ورِفْقٍ وفَهْمٍ، ولكن حِدَّتِي وتَوَهُّجِي وقَسْوَتِي كانت تَجعلُه أحيانًا يَستمعُ ويَصْمُتُ فلا يَتَكَلَّمُ. كنّا نَقْرَأُ معًا، وفي خلال ذلك كنتُ أَقْرَأُ له مِن دواوينِ شُعَراءِ الجاهليَّةِ، وأَكْشِفُ له عمّا أَجِدُ فيها، وعن الفُرُوقِ التي تُميِّزُ هذا الشِّعْرَ الجاهليَّ مِن الشِّعْرِ الأُمَوِيِّ والعبّاسيِّ. وجاء يَوْمٌ ففاجأني "الخضيري" بأنّه يُحِبُّ أن يُصَارِحَني بشيءٍ وعلى عادتِه مِن الهُدُوءِ والأنَاةِ في الحديث، ومِن توضيح رأيه مُقسمًا مُفصلًا، قال لي: إنّه أصبح يُوافِقُني على أربعةِ أشياءَ: الأوَّل: أنّ اتِّكاءَ الدُّكتور على "ديكارت" في محاضراتِه، اتِّكاءٌ فيه كثيرٌ مِن المُغالَطة، بل فيه إرادةُ التَّهويلِ بذِكْرِ "ديكارت الفيلسوف"، وبما كتبه في كتابِه: "مقال عن المنهج"، وأنّ تطبيقَ الدُّكتور لهذا المنهج في محاضراتِه، ليس مِن منهجِ "ديكارت" في شيء. الثّاني: أنّ كُلَّ ما قاله الدُّكتور في محاضراتِه، كما كنتُ أقُولُ له يومئذٍ، ليس إلا سَطْوًا مُجَرَّدًا على مقالةِ "مرجليوث"، بعد حذفِ الحُجَجِ السَّخِيفَةِ، والأمثلةِ الدَّالَّةِ على الجَهْلِ بالعربيَّةِ التي كانت تَتَخَلَّلُ كلامَ ذاك الأعجميِّ، وأنّ ما يَقُولُه الدُّكتور لا يَزِيدُ على أن يكونَ حاشيةً وتعليقًا على هذه المقالة. الثّالث: أنّه على حداثةِ عهدِه بالشِّعر وقِلَّةِ معرفتِه به، قد كان يَتَبَيَّنُ أنّ رأيي في الفُرُوقِ الظَّاهرةِ بين شِعْرِ الجاهليَّةِ وشِعْرِ الإسلامِ، أصبح واضحًا له بعضَ الوُضُوحِ وأنّه يكاد يُحِسُّ بما أُحِسُّ به وأنا أَقْرَأُ له الشِّعْرَ وأُفَاوِضُهُ فيه. الرابع: أنه أصبح مُقْتَنِعًا معي أنّ الحديثَ عن صِحَّةِ الشِّعْرِ الجاهليِّ، قَبْلَ قراءةِ نُصُوصِه قراءةً متنوِّعةً مُستوعبةً، لَغْوٌ باطلٌ، وأنّ دراستَه كما تُدْرَسُ نُقُوشُ الأُمَمِ البائدةِ واللُّغَاتِ الميِّتةِ، إنّما هو عَبَثٌ مَحْضٌ" (انتهى). |
رد: الصالون الأدبي
الصَّالون الأدبي (مع عُقَابِ العربية: الأستاذ محمود محمد شاكر) (6) كتبه/ ساري مراجع الصنقري الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فيُواصِلُ الأستاذُ محمود شاكر حكايتَه بقلمِه، وأَوَّلُ ما يَرُوعُكَ منه لفظُه المُونِقُ، وأسلوبُه المُشْرِقُ، الذي تَضِيقُ عن معانيه ألفاظُه كما تَضِيقُ شُطئانُ الرَّمْلِ عن الفيضانِ الجائشِ المُزْبِد. فقال -رحمه الله-: "فالدُّكتور "طه" أستاذي، وله عليَّ حَقُّ الهيبة؛ هذا أدبُنا. ولِلدُّكتور "طه" عليَّ يدٌ لا أنساها، كان مُديرُ الجامعةِ يومئذٍ "أحمد لطفي السيد" يرى أنّ لا حَقَّ لحامل "بكالوريا" القسم العلمي في الالتحاق بالكُلِّيّات الأدبية، مُلتزمًا في ذلك بظاهر الألفاظ! فاستطاع الدُّكتور "طه" أن يحطم هذا العائقَ بشهادتِه لي، وبإصرِاره أيضًا، فدخلتُ يومئذٍ بفضلِه كُلِّيَّةَ الآدابِ، قسم اللغة العربية، وحِفْظُ الجميلِ أدبٌ لا ينبغي التَّهاونُ فيه. وأيضًا، فقد كنتُ في السابعة عشرة من عمري، والدُّكتور طه في السابعة والثلاثين، فهو بمنزلة أخي الكبير، وتَوْقِيرُ السِّنِّ أدبٌ ارْتَضَعْنَاهُ مع لِبَانِ الطُّفُولَة... ظَلِلْتُ أَتَجَرَّعُ الغيظَ بحتًا، وأنا أُصْغِي إلى الدُّكتور "طه" في محاضراتِه، ولكنِّي لا أستطيعُ أن أَتَكَلَّمَ، لا أستطيعُ أن أُنَاظِرَهُ كِفاحًا، وَجْهًا لِوَجْهٍ، وكُلُّ ما أقُولُه، فإنّما أقُولُه في غَيْبَتِه، لا في مَشْهَدِه. تتابعت المحاضراتُ، وكُلَّ يومٍ يزداد وُضُوحُ هذا السَّطْوِ العُريان على مقالةِ "مرجليوث"، ويزداد في نَفْسِي وَضَحُ الفَرْقِ بين طريقتِي في الإحساس بالشِّعر الجاهليّ، وبين هذه الطريقةِ التي يَسْلُكُها الدُّكتور "طه" في تزييفِ هذا الشِّعر. وكان هذا "السَّطْوُ"، خاصَّة ممّا يَهُزُّ قواعد الآداب التي نشأتُ عليها هَزًّا عنيفًا، بدأت الهيبةُ مع الأيّامِ تَسْقُطُ شيئًا فشيئًا، وكِدتُ أُلْقِي حِفْظَ الجميلِ وَرَائِي غيرَ مُبالٍ، ولَم يَبْقَ لِتَوْقِيرِ السِّنِّ عندي معنىً. فجاء حديثُ الخضري، مِن حيث لا يريد أو يتوقَّع، لِينسفَ في نَفْسِي كُلّ ما التزمتُ به من هذه الآداب، وعَجِبَ الخضري يومئذٍ؛ لأنِّي استمعتُ لحديثه، ولَم أَلْقَهُ لا بالبَشاشةِ ولا بالحَقارةِ التي يَتوقَّعُها، وبَقِيتُ ساكنًا، وانصرفتُ معه إلى حديثٍ غيره. وفي اليَوْمِ التّالي جاءت اللَّحْظَةُ الفَاصِلَةُ في حياتِي؛ فبعد المحاضرةِ طلبتُ من الدُّكتور "طه" أن يَأْذَنَ لي في الحديث، فَأَذِنَ لي مُبْتَهِجًا، أو هكذا ظننتُ. وبدأتُ حديثي عن هذا الأسلوبِ الذي سمَّاه: "مَنْهَجًا" وعن تطبيقِه لهذا "المنهجِ" في محاضراته، وعن هذا "الشَّكِّ" الذي اصطنعه، ما هو؟ وكيف هو؟ وبدأتُ أُدَلِّلُ على أنّ الذي يَقُولُه عن "المنهجِ"، وعن "الشَّكِّ" غَامِضٌ، وأنّه مُخَالِفٌ لما يَقُولُه "ديكارت"، وأنّ تطبيقَ منهجِه هذا قائمٌ على التَّسليمِ تسليمًا يداخله الشَّكُّ، برواياتٍ في الكتب هي في ذاتها مَحْفُوفَةٌ بالشَّكِّ! وفُوجِئ طلبةُ قِسْمِ اللُّغَةِ العربيَّةِ، وفُوجِئ الخضيري خاصَّة. ولمّا كدتُ أَفْرَغُ مِن كلامي، انتهرني الدُّكتور "طه" وأسكتني، وقام وقُمْنا لِنَخْرُج. وانصرف عنِّي كُلُّ زملائي الذين استنكروا غضابًا ما واجهتُ به الدُّكتور "طه"، ولَم يَبْقَ معي إلا محمود محمد الخضيري، مِن قِسْمِ الفلسفةِ كما قلتُ. وبعد قليلٍ أرسل الدُّكتور "طه" يُناديني، فدخلتُ عليه وجعل يُعاتِبُني، يَقْسُو حينًا ويَرْفُقُ أحيانًا، وأنا صامتٌ لا أستطيعُ أن أَرُدَّ؛ لَم أستطعْ أن أُكَاشِفَهُ بأنّ محاضراتِه التي نسمعها كلّها مَسْلُوخَةٌ من مقالة "مرجليوث"، لأنّها مُكَاشَفَةٌ جارحةٌ مِن صغيرٍ إلى كبيرٍ، ولكنِّي على يقينٍ مِن أنّه يَعْلَمُ أنِّي أَعْلَمُ، مِن خلال ما أسمعُ مِن حديثِه، ومِن صوتِه، ومِن كلماتِه، ومِن حركاتِه أيضًا! وكتمانُ هذه الحقيقةِ في نَفْسِي كان يزيدني عَجْزًا عن الرَّدِّ، وعن الاعتذارِ إليه أيضًا، وهو ما كان يَرْمِي إليه. ولَم أَزَلْ صامتًا مُطرقًا حتى وجدتُ في نَفْسِي كأنِّي أَبْكِي مِن ذُلِّ العَجْزِ، فقُمتُ فجأةً وخرجتُ غيرَ مُوَدِّعٍ ولا مُبَالٍ بشيء" (انتهى). ونُكْمِلُ الحكايةَ في المقالِ القادمِ -إن شاء الله-. واللهُ -سبحانه- المُوَفِّقُ لِلصَّواب. |
رد: الصالون الأدبي
الصَّالون الأدبي (مع عُقَاب العربية: الأستاذ محمود محمد شاكر) (7) كتبه/ ساري مراجع الصنقري الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فقد اختتم الأستاذُ محمود شاكر حكايتَه في الجامعةِ، في هذه المقدمةِ التاريخيةِ الأدبيةِ بكلماتٍ ظهرتْ فيها فورةُ العاطفةِ، وحِدَّةُ التَّعبيرِ، وعنفُ الهجومِ؛ فكأنّه يكتبُ والسَّيفُ في يمينِه، وأساليبُ اللُّغةِ العربيَّةِ كُلُّها طَوْعُ بيانِه. وقد جاءت هذه الكلماتُ بعد أن عَرَضَ أمرَ إعلانِ مُعارَضَتِه لِلدُّكتور طه على المبادئِ الخُلُقِيَّةِ أيَليقُ به ذلك أم لا يَليقُ؟ ثم عرضه على مبادئَ عامّةٍ وكُلِّيّاتٍ ثابتةٍ عنده يُؤمِنُ بها كُلَّ الإيمانِ؛ ولَم يعرض أمرَه على المنطقِ أخطأٌ هو أم صوابٌ؟ لأنَّه كان يُؤمِنُ بأنّه على حقٍّ مَحْضٍ والدُّكتور طه على باطلٍ مَحْضٍ. فقال -رحمه الله-: "وقُضِيَ الأمرُ! ويَبِسَ الثَّرَى بيني وبين الدُّكتور "طه" إلى غيرِ رَجْعَةٍ! ومِن يومئذٍ لَم أَكُفَّ عن مناقشةِ الدُّكتور في المحاضراتِ أحيانًا بغير هَيْبَةٍ، ولَم يَكُفَّ هو عن استدعائي بعد المحاضراتِ، فيأخذني يمينًا وشمالاً في المُحَاوَرَةِ، وأنا مُلتزمٌ في كُلِّ ذلك بالإعراضِ عن ذِكْرِ سَطْوِهِ على مقالةِ "مرجليوث"، صارفًا همِّي كلّه إلى موضوعِ "المنهج" و"الشَّك"، وإلى ضرورةِ قراءةِ الشِّعْرِ الجاهليِّ والأُمَويِّ والعبّاسيِّ قراءةً مُتذوِّقةً مُستوعبةً؛ لِيَسْتَبِينَ الفَرْقُ بين الشِّعْرِ الجاهليِّ والشِّعْرِ الإسلاميِّ قَبْلَ الحديثِ عن صِحَّةِ نسبةِ هذا الشِّعْرِ إلى الجاهليَّةِ، وأنّ التماسَ الشَّبَهِ لِتَقْرِيرِ أنّه باطلٌ بالنِّسْبَةِ، وأنّه موضوعٌ في الإسلامِ، مِن خلال رواياتٍ في الكتب هي في حَدِّ ذاتِها مُحْتَاجَةٌ إلى النَّظَرِ والتَّفْسِير. ولكنِّي مِن يومئذٍ أيضًا لَم أَكُفَّ عن إذاعةِ هذه الحقيقةِ التي أَكْتُمُهَا في حديثي مع الدُّكتور "طه"، وهي أنّه سطا سَطْوًا كَرِيهًا على مقالةِ المُسْتَشْرِقِ الأعجميِّ، فكان بلا شَكٍّ يَبْلُغُهُ ما أُذِيعُهُ بين زملائي. وكَثُرَ كلامي عن الدُّكتور "طه" نَفْسِه، وعن القَدْرِ الذي يَعْرِفُهُ مِن الشِّعْرِ الجاهليِّ، وعن أسلوبِه الدَّالِّ على ما أَقُول. واشْتَدَّ الأمرُ، حتى تَدَخَّلَ في ذلك، وفي مُناقَشَتي، بعضُ الأساتذةِ كالأستاذ "نلّينو"، والأستاذ "جويدي" مِن المُسْتَشْرِقِينَ، وكنتُ أُصَارِحُهُمَا بالسَّطْوِ، وكانا يَعْرِفَانِ، ولكنّهما يُدَاوِرَانِ. وطال الصِّراعُ غيرُ المُتكافِئِ بيني وبين الدُّكتور "طه" زمانًا، إلى أن جاء اليوم الذي عزمتُ فيه على أن أُفَارِقَ مِصْرَ كُلَّهَا؛ لا الجامعةَ وَحْدَهَا، غيرَ مُبَالٍ بإتمامِ دِرَاسَتِي الجامعيَّةِ، طالبًا لِلْعُزْلَةِ، حتى أَسْتَبِينَ لِنَفْسِي وَجْهَ الحَقِّ في "قضيَّةِ الشِّعْرِ الجاهليِّ" بعد أن صارت عندي قضيَّةً مُتَشَعِّبَةً كُلَّ التَّشَعُّبِ) (انتهى). فعمل الأستاذُ محمود شاكر على إنهاءِ ذلك الموقفِ المُعَقَّدِ، بأن اتَّخَذَ القرارَ الأكثرَ تعقيدًا، وهو: تَرْكُ الجامعةِ بلا رَجْعَةٍ، بل عزم على أن يُفارِقَ مِصْرَ كُلَّهَا، كي يُنْقِذَ نَفْسَهُ مِن أَزْمَةٍ كانت مَخْشِيَّةَ العَواقِب. فلا عَجَبَ أنْ يَصْدُرَ هذا القَرارُ مِن شابٍّ يرى نَفْسَه مِن القادرين على النَّجاحِ والتَّغيير، أَحَبَّ الحقيقةَ حُبًّا جَمًّا، فسعى إليها في مَظانِّها بهِمَّةٍ عاليةٍ، ورغبةٍ عارمةٍ، وشُمُوخٍ كبير. ولا رَيْبَ أنّ ذلك الصِّراعَ الفكريَّ والمنهجيَّ كان له أثرٌ كبيرٌ في تكوين شخصيَّتِه وبناءِ تاريخِه، فقد أورثه قُدرةً على البحثِ والمُناظَرةِ، أخذتْ تنمو وتقوى وتزدادُ حتى استوت وصارت بعد ذلك مَلَكَاتٍ راسخةً. وفي المقالِ القادمِ نَتَناولُ -إن شاء الله- مرحلةً جديدةً في حياةِ الأستاذِ محمود شاكر. ونَسألُ اللهَ -سبحانه- التَّوفِيق. |
رد: الصالون الأدبي
الصَّالون الأدبي (مع عُقَابِ العربيَّة: الأستاذ محمود محمد شاكر) (8) كتبه/ ساري مراجع الصنقري الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فبعد أن رأى هذا الشَّابُّ أنّه مِن القادرين على النَّجاحِ والتَّغيير، وأنّه ينبغي عليه ألَّا يَعْرِفَ إلا ما يراه حقًّا، وألَّا يُرْغِمَهُ شيءٌ على تَعَلُّمِ ما لا يُعْجِبُه، فارق الجامعةَ، بل عزم على مُفارقةِ مِصرَ كُلِّها. وشرع يعد أوراقَه التي تُتِيحُ له السَّفرَ إلى خارجِ مِصرَ، مِثْل شهادة الموقف مِن الخدمة العسكرية، وجواز السَّفر، وغيرها مِن الأوراق، ولكن لا تزال محاولاتُ والدِه الشَّيخِ محمد شاكر مستمرةً في محاولةِ إقناعِه بالرُّجُوعِ عن قرارِ تركِ الجامعة. فيَقُولُ الأستاذُ محمود عن هذه المحاولات: "أخبرني والدي أنّ الأستاذَ نلِّينو جاء نائبًا عن الدُّكتور طه، وأنّ الدُّكتور طه استحسن ذلك؛ لأنه كان أستاذَه، وهو اليوم أستاذي أيضًا. وقال: إنّه دعا الأستاذَ نلِّينو والأستاذَ جويدي على الغداءِ عندنا بعد غدٍ. جاء هذا الغَدُ، وعُدتُ إلى البيتِ بعد الظُّهر، لِأجدَ الأستاذَين نلِّينو وجويدي ومعهما أكثرُ مِن عشرينَ ضَيْفًا كُلُّهم كان يَعرِفُني، وهم مِن الأساتذةِ في دارِ العُلُومِ، ومدرسةِ القضاءِ الشَّرعيّ، وفي الأزهرِ، وآخَرينَ مِن أساتذتِنا الكبارِ في ذلك العهدِ. وبعد الغداءِ وقعتُ بين المِطْرَقة والسَّنْدان، كُلٌّ يَتكلَّمُ مُسَفِّهًا لي ضِمْنًا أو علانيةً، وأنا أَرُدُّ مرَّةً وأسكتُ مرَّاتٍ حتى بلغ منِّي الجهد. وأخيرًا: وقف الأستاذُ نلِّينو فجأةً ووجَّه الحديثَ إلى أبي، وقال: إنّ واجبه ديانةً (غريبة!) أن يمنعَ ولدَه مِن السَّفر، فقال له أبي -رحمه الله-: لا آمُرُ ولدي على شيء، وقد حاولتُ أن أُقْنِعَهُ بالحُجَّةِ بعد الحُجَّةِ فلَم يقتنع، وها هو ذا بين يديك، فإن استطعتَ أن تَبلُغَ في إقناعِه ما لَم أَبلُغْ فقد شفيتَ صدري وأرَحْتَني، أمّا القَسْرُ فلا قَسْرَ عندي -يا أستاذ نلِّينو-. فالتفتُّ إلى نلِّينو، وأَطْبَقَ عليَّ إطباقًا خانِقًا، فلَم أَجِدْ لي مخلصًا مِن قَبْضَتِه إلا المصارحة، فقلتُ له: نعم أنا مُقتنِعٌ بكُلِّ ما تَقولُه عنِّي وعن تَسَرُّعِي وتَهَوُّرِي ومُخاطَرتِي بمستقبلي، ولكنِّي لَم أَكُنْ كما وصفتَ إلا لِشيءٍ واحدٍ، وهو أنّ معنى "الجامعةِ" في نفسي قد أصبح أنقاضًا ورُكامًا، فإن استطعتَ أن تُعِيدَ لي البِناءَ كما كان فأنا أَوَّلُ ساكنٍ يَدخُلُه لا يُفارِقُه، فقال: ما هذا؟ ماذا تعني؟ قلتُ: أنت تَعلَمُ أنِّي بقيتُ معك في الجامعةِ سنتَين لَم أبرح، وتَعلَمُ ما كنتُ أَقُولُه عن "مسألةِ الشِّعر الجاهليّ" التي نَسمَعُها في مُحاضَراتِ الدُّكتور طه، وأنّ هذا الذي نَسمَعُه ليس إلا سَطْوًا مُجَرَّدًا على مقالةِ مرجليوث، وأنت وجميعُ الأساتذةِ تَعلَمُون صِحَّةَ ذلك، وفي خلال السَّنةِ الماضيةِ نُشرت كتبٌ ومقالاتٌ في الصحف تكشف ذلك أَبْيَنَ كَشْفٍ، ولكن لَم يكن لهذا الكشفِ عندكم في الجامعةِ صدًى إلا الصَّمْت، فهذا الصَّمْتُ إقرارٌ مِن الجامعةِ وأساتذتِها بهذا المبدأ، مبدأ السَّطْو. قد مضت عليَّ سنتانِ صابرًا، أمّا الآن لَم أَعُدْ قادرًا على التَّوفيقِ بين معنى "الجامعةِ" في نَفْسِي وبين هذا المبدأِ الذي أَقْرَرْتُمُوه" (انتهى). ونكمل الحكايةَ في المقالِ القادمِ -إن شاء الله-. ونسأل الله التوفيق. |
رد: الصالون الأدبي
الصَّالون الأدبي (مع عُقَابِ العربية: الأستاذ محمود محمد شاكر) (9) كتبه/ ساري مراجع الصنقري الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فيُواصل الأستاذُ محمود شاكر حوارَه مع أساتذتِه، الذين دعاهم والدُه الشيخ محمد شاكر على الغداء، لمحاولة إقناعِه بالرُّجُوعِ عن قرار تركِ الجامعة، فيَقُولُ -باسطًا فكرَه في لُغةٍ رائقةٍ مُتدفِّقةٍ مُنسابةٍ، لا عنتَ فيها، ولا تَكلُّفَ، ولا مَشقَّةَ-: "فتَقوَّضَ معنى "الجامعة" وأصبح حُطامًا؛ فكيف تُطالبونني بأن أعيشَ سنواتٍ أخرى بين الحُطامِ والأنقاضِ؟ وأيّ خيرٍ أَرجُوه أو تَرجُونَه منِّي إذا أنا فعلتُ ذلك راضيًا أو غيرَ راضٍ؟ شيءٌ واحدٌ: أن يُعلِنَ الدُّكتور طه أنّ الذي يَقُولُه في "مسألة الشِّعر الجاهليّ" هو قَوْلُ مرجليوث بِنصِّه، وليقل بعد ذلك إنّه يُؤيِّدُه ويُناصِرُه ويَحتَجُّ له، أو لا يقل، فإذا فعل فستجدني غدًا أَوَّلَ طالبٍ يُرابِطُ في فِناءِ الجامعةِ قبل أن تُشرِقَ الشَّمسُ، أمّا مع هذا الصَّمتِ فإنّ نَفْسِي لا تُطِيقُ أن تَسكُنَ الدِّيارَ الخَرِبَة! وَجَمَ نلِّينو، وأحسستُ بنظراتِ العُيونِ تنفذ كالسِّهامِ في جميع أعضائي، وبغتةً قال الشيخ عبد الوهاب النجار -رحمه الله-: إنّ هذا الفتى كان في رأسِه أربعة وعشرون بُرجًا، فطارت ولَم يبقَ إلا بُرجٌ واحدٌ، عسى أن ينتفعَ به يومًا ما، فيسترد الأبراجَ التي طارت! وسكتَ، وحيَّرَتْني كلماتُه، ولَم أدرِ ما عناه، أهو راضٍ عمّا قلتُ أم غيرُ راضٍ؟ ثم بدأ نلِّينو يتكلَّم مرّةً أخرى هادئًا مُعرِضًا عنِّي، وعرض على والدي حَلًّا آخرَ لإنقاذي، ولكنِّي لَم أستجب لهذا الحَلِّ، وبعد يومَين كنتُ على ظَهْرِ الباخرةِ التي تُقِلُّنِي إلى مدينةِ جُدَّة. فنزلتُها، وشددتُ الرِّحالَ إلى بيتِ اللهِ الحرامِ، فقضيتُ عُمرَتي، ثم عُدتُ إلى جُدَّة بعد أيامٍ، فأجد أوَّلَ رسالةٍ تلقَّيتُها مِن أبي، وفي آخرها يقول: زارني في عصر اليوم الذي سافرتَ فيه إلى السويس، الأستاذُ نلِّينو والدُّكتورُ طه حسين. ولَم يزد على ذلك شيئًا، وختم الرِّسالة" (انتهى). فعندما رأى الأستاذُ محمود شاكر هذه الرُّدُودَ الهزيلةَ مِن أساتذتِه على استفساراتِه، لَم يُعيهِ اتخاذُ القرارِ بتركِ الجامعةِ والسَّفرِ إلى خارجِ مِصرَ، وجاء رَدُّهُ عليهم واضحًا، وكان فِعْلُهُ قاطعًا. ومع أنّه وَقَعَ بين هؤلاءِ الأساتذةِ الكِبارِ، فكما كان يقول: "وقعتُ بين المِطْرَقَةِ والسَّنْدان"؛ إلا أنّك تَشْعُرُ بأنّ اللهَ -عزّ وجلّ- قد مَنَّ عليه بحكمةٍ بالغةٍ، وبصيرةٍ نافذةٍ، فكان له لِكُلِّ مقامٍ مقالٌ، ولِكُلِّ عقلٍ خطابٌ، ولِكُلِّ سؤالٍ جوابٌ. وكأنّه يُعطِينا درسًا في أنّ الفارسَ الحقيقيَّ هو مَن يَظَلُّ يَحمِلُ رايتَه، مُنافِحًا دُونَها، بعينٍ يقظةٍ، وحِسٍّ غَيُورٍ، لا يخشى في اللهِ لومةَ لائِم. ورايتُه هي العربيَّةُ، لُغةُ القرآنِ، ولُغةُ العِلْمِ، ولُغةُ التَّواصُلِ، التي قال عنها اللُّغَوِيُّ الأديبُ الدُّكتور مازن المُبارَك: "اللُّغَةُ صِفَةُ الأُمَّةِ في الفردِ، وآيةُ الانتسابِ إلى القومِ.. فَمَنْ أضاع لُغتَه؛ فَقَدَ نَسَبَهُ، وأضاع تاريخَه". فقد عاش لها منذ شبابِه الباكرِ حتى الرَّمَقِ الأخيرِ، وأعطاها كُلَّ عُمرِه وجُهدِه. |
رد: الصالون الأدبي
الصَّالون الأدبي (مع عُقَابِ العربيّةِ: الأستاذ محمود محمد شاكر) (10) كتبه/ ساري مراجع الصنقري الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فقد ركب الأستاذُ محمود الباخِرةَ مسافرًا إلى الحجاز في نهايات سنة 1927م، بعد أن ترك الجامعةَ مباشرةً، باحثًا عن الحقيقة؛ فقد كان يسعى -كما كان يقول- إلى تحقيق شيئَين: الأوَّل: تحقيق نقاء عقيدته في داخله، والثَّاني: تحقيق عُرُوبته في داخله. فنزل في مدينة جُدَّة، لِعلاقتِه بالشَّيخ محمد نصيف (1885 - 1971م)، وهو أحد أعيان مدينة جُدَّة، وكان له علاقةٌ طيِّبةٌ بوالدِه الشَّيخ محمد شاكر أيضًا. ثم شَدَّ الرِّحالَ إلى بيتِ اللهِ الحرامِ، وقضى عُمرتَه، ثم عاد إلى جُدَّة بعد أيام، وبعد ما عاد مِن العُمرةِ تلقّى أَوَّلَ رسالةٍ مِن أبيه، يقول له في آخرها: (زارني في عصر اليوم الذي سافرتَ فيه إلى السويس الأستاذُ نلِّينو والدُّكتور طه حسين)، ولَم يزد والدُه على هذه الكلماتِ شيئًا، وختم رسالتَه، وعاش هناك عامَين، وأُنْشِئَتْ مدرسةُ "جُدَّة السُّعودية الابتدائية"، فعَمِلَ مُديرًا لِلْمدرسةِ، وكان يحاول أن يُعِيدَ نَمَطَ التَّعليمِ كما يَراهُ هو -رحمه الله-. يَقُولُ الأستاذُ محمود عن هذه الرِّحلةِ: (لمّا فتح ابنُ سعود شمالَ الجزيرةِ العربيَّةِ كنتُ أَظُنُّ في ذلك الوقتِ أنّه بدأ تحقيقُ شيءٍ عظيمٍ من أحلامي؛ وهو: نهضة العربية نهضة كاملة، ونهضة العقيدة الصَّحيحة المبنية على ترك الوثنيات وما إليها، الدَّاخلة علينا، على أصحاب هذا الدِّين؛ فانبعثتُ بكُلِّ قُواي للخروج من مِصر، مع شُعُوري بالقلق في الجامعة، لِخلافي مع د. طه، مع فَضْلِ رَجُلٍ عظيمٍ عليَّ وهو مُحِبُّ الدِّين الخطيب (1886 - 1969م)، ورَجُلٍ آخَرَ وهو أحمد تيمور باشا (1871 - 1930م)، الذي سدَّد خُطاي في كل ما كنتُ قَلِقًا إليه في ذلك الوقت. فاتَّجهتُ اتِّجاهًا كاملًا لِأَنْ أعملَ عملًا جديدًا، وهذا بالطَّبع ثورةٌ مِن ثوراتِ الشَّبابِ، فخرجتُ مُهَاجِرًا، لا مُسَافِرًا ولا مُرْتَزِقًا، حيث إنّ جزيرةَ العربِ لَم تَكُنْ في ذلك الوقتِ مَصْدَرًا لِلْمال، بل كانت مَصْدَرًا لِلْبُؤْس، حتى إنّه في مَرَّةٍ بَقِيتُ تسعةَ أَشْهُرٍ لَم أَقْبِضْ فيها مُرَتَّبًا، وإنّما كان يأتيني مِن أبِي ما أستطيعُ أن أعيشَ به. ومع ذلك فالنّاسُ أكرموني هناك أَشَدَّ الإكرامِ، وخاصَّة السيد محمد نَصِيف، وهو رَجُلٌ مِن عُظَمَاءِ هذه الأُمَّةِ، وعنده مكتبةٌ لا مثيلَ لها في العالَمِ العربيّ) (انتهى). ثم ألمَّت بأهلِه في مِصرَ مُلِمَّةٌ، وهي مرضُ أختِه صفية، وبدأ يَتلقّى رجاءَ الأهلِ والأساتذةِ بالعودةِ إلى مِصرَ، فرجع إلى مِصر. وباللهِ التَّوفيق. |
رد: الصالون الأدبي
الصَّالون الأدبي (مع عُقَابِ العربية: الأستاذ محمود محمد شاكر) (11) كتبه/ ساري مراجع الصنقري الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فلا شكَّ أنَّنا أمامَ رَجُلٍ أعاد إلينا ثقةً في ماضِينا الغابِر، وثقةً في حاضرِنا الرَّاهِن؛ فمنذ شبابِه الباكرِ وحمايةُ تُراثِ الأُمَّةِ وثقافتِها هو هدفُه الأعلى، واتِّجاهُه الأسمى. وقد رأينا في المقالِ السَّابقِ كيف كان يبحثُ عن نقاءِ عقيدتِه، وتحقيقِ عُرُوبتِه! ولا عَجَبَ في هذا مِن رَجُلٍ تَرَبَّى في بيتِ عِلْمٍ ودِيانةٍ، وإيمانٍ واستقامةٍ؛ فتَحَوَّلَتْ عقيدةُ أهلِ السُّنَّةِ دمًا في عُرُوقِه، وعَصَبًا في رأسِه؛ فقد قال تلميذُه الدُّكتور محمود الطَّناحي (1935 - 1999م) في "مقالاته" (2/ 523): "ولَعَلَّ الذي زهَّد شيخَنا في الجاحِظِ هو مُيولُه الاعتِزاليَّةُ، والشَّيخُ كما هو مَعروفٌ مِن أهلِ السُّنَّةِ والأثَرِ") (انتهى). وقال الشَّيخُ محمود شاكر نَفْسُه في حقِّ محمَّدِ بنِ عَبدِ الوهَّابِ -كما في "جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر" (2/ 1202 - 1203) لتلميذه الدُّكتور عادل سليمان جمال-: "وفَتَح عينَيه على ما يَعُمُّ نَجْدًا والبِلادَ التي زارها مِن البِدَعِ التي حدَثَت، وما غَمَر العامَّةَ والخاصَّةَ مِنَ الأعمالِ والعقائِدِ الحادِثةِ، والتي تُخالِفُ ما كان عليه سَلَفُ الأُمَّةِ مِن صَفاءِ عَقيدةِ التَّوحيدِ، وهي رُكْنُ الإِسلامِ الأكبَرُ، فلمَّا عاد إلى نجدٍ لَم يَقنَعْ بتأليفِ الكُتُبِ، ورأى أنَّ خَيْرَ الطُّرُقِ هو أن يَتَّجِهَ إلى عامَّةِ النَّاسِ في نَجدٍ؛ لِيرُدَّهُم عن البِدَعِ المُستحدَثةِ، ويَسلُكَ بهم طريقَ السَّلَفِ في العَمَلِ والعَقِيدةِ" (انتهى). ويقول ابنُه الدُّكتور فِهْر محمود شاكر: "كانت الحِدَّةُ شيئًا أساسيًّا في طِباعِه -رحمه الله-، لكنَّها كانت تَظهرُ في مَواقفَ مُعيَّنةٍ، حينما يَقرأُ أو يَسمعُ ما يَمَسُّ أيًّا ممّا يُؤمِنُ به وما وَهَبَ حياتَه له، كأنْ يَقرأَ تَطاوُلاتٍ على الإسلامِ أو العربيَّةِ، أو يَقرأَ خَوْضًا في حياةِ وسِيَرِ الصَّحابةِ ورجالِ التَّاريخِ الإسلاميّ" (انتهى). وقبل أن أَطْوِيَ هذه الصفحةَ مِن صفحاتِ حياتِه الحافلةِ بالأحداثِ، أُحِبُّ أن أَذْكُرَ قِصَّةً قصيرةً حدثت له في أثناءِ هذه الرِّحلةِ، ذكرها في مجلسٍ مِن مَجالسِه العامرةِ في عاشوراء المحرم (1404 - أكتوبر 1983)؛ فقد قال -رحمه الله-: "أنا كنتُ صغيرًا، كنت مُهاجرًا، خرجتُ من مِصرَ بعد أن تركتُ الجامعةَ في سبيلِ قضيَّةٍ لا يَعلَمُ خَبَاياها إلا اللهُ -تعالى-، وأقمتُ بين جُدَّة ومكة سنتَين، وخرجتُ مِن مِصرَ مُهاجرًا على ألّا أَعُودَ إليها. ولَم تَكُنْ جزيرةُ العربِ في ذاك الوقتِ مُغْرِيَةً لا بالمالِ ولا بشيءٍ، فكانت هجرةً مِن القلب. ومِن الغرائبِ: أنِّي كان لي صديقٌ، وهو الأستاذُ حسين نصيف، ابنُ محمد أفندي نصيف عظيم جُدَّة، وكانت بيني وبينهم مَوَدَّةٌ، فحَمَلُونِي على أن أَتَزَوَّجَ، في سنة 1929، فخطبتُ امرأةً مِن الحجاز، ولكن حَدَثَتْ حادثةٌ وأنا في السُّعوديَّةِ جعلتْني أَعْزِمُ فَوْرًا على أن أَعُودَ إلى مِصرَ كما عَزَمْتُ على أن أُهَاجِرَ منها قبل ذلك على خلافِ إرادةِ والدِي وأساتذتِي جميعًا في الجامعةِ وفي غير الجامعة. فعدتُ إلى مِصرَ في سنة 1929، وهي السَّنةُ التي وُلِدَتْ فيها أُمُّ فِهْرٍ، وهي الحفيدةُ الصُّغْرى مِن أحفادِ الشَّيحِ حسن الكفراوي (ت 1202هـ - 1788م)، شارحِ الآجُرُّومِيَّة...) (انتهى). والحمدُ للهِ ربِّ العالَمِين. |
رد: الصالون الأدبي
الصَّالون الأدبي (مع عُقَابِ العربيّةِ: الأستاذ محمود محمد شاكر) (12) كتبه/ ساري مراجع الصنقري الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ وقفاتٌ مع هجرةِ الأستاذِ محمود شاكر مِن مِصرَ، وعودتِه إليها: الوقفةُ الأُولَى: عِنَايةُ الأستاذِ بتلميذِه، وحِرْصُهُ عليه؛ وقد ظهر هذا في محاولاتِ أساتذتِه المُتكرِّرةِ في إقناعِه بالرُّجُوعِ عن قَرارِه بتركِ الجامعةِ، وقد فصَّلْنا في هذا بما يُغنِي عن الإعادة. الوقفةُ الثَّانيةُ: تَفَقُّدُ الصَّديقِ صديقَه إذا غاب، وتَعاهُدُه، والسُّؤالُ عن أحوالِه؛ وأَفْضَلُ مثالٍ لهذا: ما فَعلَه معه صديقُه محمود محمد الخضيري بعد ما انقطع عن الجامعةِ؛ فقد قال محمود شاكر -كما في "جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر" (2/ 1108) لِتلميذِه الدُّكتور عادل سليمان جمال-: (وذاتَ يومٍ في الصَّباحِ الباكرِ دخل عليَّ زميلي وصديقي الأستاذُ محمد الخضيري، يَستطلِعُ أمرَ غَيْبَتِي عن الجامعةِ، وكان قد سأل عنِّي مرّاتٍ بالهاتفِ ولَم يَجِدْنِي. فلمّا جلس أفضيتُ إليه بالأمرِ كُلِّه، ففَزِعَ قائمًا، وكاد يبكي، فلمّا أخبرتُه بجميعِ ما في نَفْسِي أَطْرَقَ وسكن، وبقي قليلًا ثم انصرف) (انتهى). ومِن جميلِ ما يُذكَر: أنّ الأحاديثَ التي دارت بين محمود شاكر وزميلِه محمود الخضيري كان لها أثرٌ كبيرٌ، حتى على الخضيري نَفْسِه؛ فيقول الأستاذُ محمود شاكر في مُقدِّمتِه الجديدةِ (1397 / 1977) على كتابِه "المتنبي" (ص 14): (كان مِن أَثَرِ هذه الأحاديثِ بيننا: أنْ بدأ الخضيري مِن يومئذٍ في ترجمةِ كتابِ ديكارت "مقال عن المنهج"، ونَشَرَهُ بعد ذلك سنة 1930 في المطبعة السَّلَفيَّة). وكان مِن أَثَرِهَا أيضًا: أنْ لَخَّصَ الخضيري مقالةَ مرجليوث، ونَشَرَهَا في مَجَلَّةِ "الزَّهراء"، التي يُصْدِرُهَا صاحبُ المطبعةِ السَّلَفيَّةِ، في عددِ ذي الحِجَّةِ سنة 1346 - إبريل 1928) (انتهى). الوقفةُ الثَّالثةُ: وفاءُ التِّلميذِ لِأساتذتِه، ولِكُلِّ مَن أَسْدَى إليه معروفًا، وحِفْظُ الجَمِيلِ لهم، وذِكْرُهُم بالخَيرِ دائمًا؛ وكانت هذه أخلاقَ محمود شاكر، فقد رأينا قَبْلَ ذلك ما قاله في حَقِّ أستاذِه د. طه حسين، على الرَّغْمِ مِن الاختلافِ معه؛ فكان يقول: (فالدُّكتور طه أستاذي، وله عليَّ حَقُّ الهَيْبَةِ، هذا أدبُنا، ولِلدُّكتور طه عليَّ يدٌ لا أنساها... فدخلتُ يومئذٍ بفضلِه كُلِّيَّةَ الآدابِ، قسم اللغة العربية، وحِفْظُ الجميلِ أدبٌ لا ينبغي التَّهاونُ فيه. وأيضًا فقد كنتُ في السابعة عشرة من عمري، والدُّكتور طه في السابعة والثلاثين، فهو بمنزلة أخي الكبير، وتَوْقِيرُ السِّنِّ أدبٌ ارْتَضَعْنَاهُ مع لِبَانِ الطُّفُولَة). ومِن مظاهرِ الوفاءِ في أثناءِ هجرةِ الحِجازِ: ذِكْرُهُ الشَّيخَ "فوزان السَّابق" بالخَيرِ، وتَرَحُّمُهُ عليه، وهو الذي أعانَه على استخراجِ جَوازِ السَّفرِ الذي مَكَّنَه مِن الهجرةِ إلى الحِجازِ؛ فيقول الأستاذُ محمود شاكر -كما في "جمهرة مقالات الأستاذ محمود شاكر" (2/ 1107، 1108): (انقطعتُ عن الذَّهابِ إلى الجامعةِ فجأةً، لَم أَرَ أحدًا مِن زملائي البتَّة، وعزمتُ على أن أُسَافِرَ إلى مَكَّةَ والمدينةِ طَلَبًا لِلْعُزلَةِ، ولَم أُخْبِرْ أحدًا قَطُّ بعَزِيمَتِي إلا رَجُلًا واحدًا، كان قد أطال المُقامَ في مِصرَ، وصار بَعْدُ سَفِيرًا لِلسُّعُوديَّةِ، وهو الشَّيخُ "فوزان السَّابق" -رحمه الله-، كان صديقًا لأبِي وإخوتِي، وكان يَعْرِفُنِي أَوْثَقَ معرفةٍ. استمع الرَّجُلُ إليَّ، وكان وَدِيعًا طَيِّبَ النَّفْسِ، فبَعْدَ لَأْيٍ قَبِلَ أنْ يُعِينَنِي، وأخذتُ عليه العهدَ أن لا يُخْبِرَ أحدًا مِن أهلي بما عزمتُ عليه. ورُحْتُ أسعى سَعْيًا حَثِيثًا حتى استخرجتُ شهادةَ الإعفاءِ مِن الخدمةِ العسكريَّةِ، بَعْدَ دفعِ رُسُومِ "البَدَلِيَّة" -كما كانوا يُسَمُّونَها-، وأعانني الشَّيخُ فوزان حتى استخرجتُ جَوازَ سَفَرٍ بعد جَهْدٍ جَهِيد) (انتهى). ونُكمِلُ هذه المَظاهرَ، وهذه الوقفاتِ، في المقالِ القادمِ -إن شاء الله-. وباللهِ التَّوفِيق. |
رد: الصالون الأدبي
الصَّالون الأدبي (مع عُقَابِ العربية الأستاذ محمود محمد شاكر) (13) كتبه/ ساري مراجع الصنقري الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فقد كان الأستاذُ محمود شاكر مِن الأوفياءِ، الذين يَعتَدُّونَ بالذِّكرى الحَسَنةِ، ويُقدِّرُونَ المَودَّةَ والصَّداقةَ؛ فمِن مَظاهرِ هذا الوفاءِ: وفاؤُه لِأساتذتِه في حياتِهم، وبعد مماتِهم، ومِن أهمِّ هؤلاءِ الأستاذُ: أحمد تيمور باشا، الذي قال عنه -كما ذكرنا في مقالٍ سابقٍ-: "مع فَضْلِ رَجُلٍ عظيمٍ عليَّ وهو مُحِبُّ الدِّين الخطيب، ورَجُلٍ آخَرَ وهو أحمد تيمور باشا، الذي سدَّد خُطاي في كُلِّ ما كنتُ قَلِقًا إليه في ذلك الوقت". فكان يَحتفِي بأحمدَ تيمور كثيرًا، ولِمَ لا يَحتفِي به ويُخَلِّدُ ذِكْراه وله عليه يَدٌ لا تُنسَى؟! حينما أَمَدَّه بمقالةِ مرجليوث قبل التحاقِه بالجامعةِ، فأصبحت الشَّرارةَ التي أوقَدتْ نارَ الصِّراعِ في الجامعةِ، التي لَم تَنطفِئ في حياتِه، ولا بعد وفاتِه. وقد سَطَرَ الأستاذُ محمود حكايتَه مع أستاذِه أحمد تيمور في مُقدِّمتِه الجديدةِ على كتابِه "المُتنبِّي"، وضمَّنَها هُجُومَه المُدَمِّرَ على الاستشراقِ والمُستشرقينَ، بكلماتٍ لا تَصْدُرُ إلا عن كاتبٍ فَذٍّ، لا يَعْرِفُ اللَّغْوَ، والذي تَصْدُرُ عنه الكتابةُ عادةً مُستحكِمةً وطبيعةً مُلازِمةً، فالفكرُ عميقٌ، والأسلوبُ رائقٌ شائقٌ دقيقٌ، والألفاظُ مُنتقاةٌ مُتخيَّرةٌ، تَقَعُ مِن النُّفُوسِ مَوقِعَ الماءِ الباردِ مِن ذي الغُلَّةِ الصَّادي، وتَصِلُ إلى القُلُوبِ دون أن يَحْجُبَها حِجابٌ، أو تُغْلَقَ دونها أبوابٌ. فقال: "وبهذا التَّذَوُّقِ المُتَتابعِ الذي أَلِفْتُه، صار لِكُلِّ شِعْرٍ عندي مَذاقٌ وطَعْمٌ وشَذًا ورائحةٌ، وصار مَذاقُ الشِّعْرِ الجاهليِّ وطعمُه وشذاهُ ورائحتُه بيِّنًا عندي، بل صار تَمَيُّزُ بعضٍ مِن بعضٍ دالًّا يَدُلُّنِي على أصحابِه. بمثل هذا الحديثِ كنتُ أفاوضُ الشُّيوخَ الكبارَ ممّن عَرَفْتُهم ولَقِيتُهم، وكان هذا الحديثُ هِجِّيرَاي -أي دأبي وعادتي مِن فَرْطِ النَّشْوة-، فكان يُعرِضُ عنِّي مَن أعرض، ويُرَبِّتُ على خُيلاءِ شبابي مَن رَبَّتَ بيدٍ لطيفةٍ حانيةٍ. كان مِن هؤلاءِ شيخٌ ساكنُ الهَيْبةِ، رقيقُ الحاشيةِ، ساحرُ الابتسامةِ، رفيقُ اليدِ واللِّسانِ، حُلْوُ المَنْطِقِ، خفيضُ الصَّوتِ، ذَكِيُّ العَيْنَيْنِ، هو أستاذُنا أحمد تيمور باشا -رحمه الله-، فاستمع إلى نَشْوتِي بالشِّعْرِ الجاهليِّ استماعَ مَن طَبَّ لِمَن حَبَّ، كما يُقَالُ في المَثَل. حدَّثتُه مِرارًا، ثمّ جاء يومٌ فالتقَينا، على عادتِنا يومئذٍ (سنة 1925م)، في المكتبةِ السَّلفيَّةِ عند أستاذِنا مُحِبِّ الدِّينِ الخَطِيبِ، فلَم يَكَدْ يجلسُ حتى مَدَّ يدَه إليَّ بعددٍ مِن مَجَلَّةٍ إنجليزيَّة، (عدد يوليه 1925م مِن مَجَلَّةِ الجمعيَّةِ المَلَكِيَّةِ الآسيويَّة)، وقال لي وهو يَبتسِمُ: اقرأْ هذه! فإذا فيها مقالةٌ لِلْأعجميِّ المُستشرقِ مرجليوث، تَسْتَغْرِقُ نَحْوَ اثنتَينِ وثلاثينَ صفحةً مِن هذه المَجَلَّةِ، بعنوانِ: "نشأةِ الشِّعْرِ العربيّ"؛ كنتُ خبيرًا بهذا الأعْجَمِيِّ التَّكوينِ، التَّكوينِ البدنيِّ والعقليِّ، منذ قرأتُ كتابَه عن محمَّدٍ رسولِ اللهِ -صلّى الله عليه وسلّم-. أخذتُ المَجَلَّةَ وانصرفتُ، وقرأتُ المقالةَ، وزاد الأعجميُّ سُقُوطًا على سُقُوطِه؛ كان كُلُّ ما أراد أن يَقُولَه: إنّه يَشُكُّ في صِحَّةِ الشِّعْرِ الجاهليِّ، لا، بل إنّ هذا الشِّعْرَ الجاهليَّ الذي نَعْرِفُه، إنّما هو في الحقيقةِ شِعْرٌ إسلاميٌّ وضعه الرُّوَاةُ المُسْلِمُونَ في الإسلامِ، ونَسَبُوهُ إلى أهلِ الجاهليَّةِ، وسُخْفًا في خلالِ ذلك كثيرًا؛ ولأنِّي عرفتُ حقيقةَ الاستشراقِ، لَم أُلْقِ بالًا إلى هذا الذي قرأتُ، وعندي الذي عندي مِن هذا الفَرْقِ الواضحِ بين الشِّعْرِ الجاهليِّ والشِّعْرِ الإسلاميّ" (انتهى من مقدمة المتنبي). ونُكمِلُ الحكايةَ في المقالِ القادمِ -إن شاء الله-. فاللهمّ يَسِّرْ وأَعِنْ. |
رد: الصالون الأدبي
الصَّالون الأدبي (مع عُقَابِ العربيّةِ: الأستاذ محمود محمد شاكر) (14) كتبه/ ساري مراجع الصنقري الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فنُكمِلُ حكايةَ محمود شاكر مع أستاذِه أحمد تيمور باشا، والتي ضمَّنَها هُجُومَه المُدِّمِرَ على الاستشراقِ والمستشرقينَ، بكلماتٍ صدرت عن رَجُلٍ نذر حياتَه لِلدِّفاعِ عن الحقِّ، وتنَفَّس به العُمرُ في ميدانِ الجهادِ، وتمَرَّس بشدائدِ الحياةِ، واستَعذَب الآلامَ في سبيلِ تحقيقِ رسالتِه، ورَاضَ نَفْسَه على أدبِ اللِّسانِ والقلم. قال -رحمه الله-: "ثمّ بعد أيامٍ لَقِيتُ أحمد تيمور باشا، وأعدتُ إليه المَجَلَّةَ، فسألني: ماذا رأيتَ؟ قلتُ: رأيتُ أعجميًّا باردًا شديدَ البُرُودَةِ، لا يَستحِي كعادتِه! فابتسَمَ وتلألأتْ عيناه، فقلتُ له: أنا بلا شَكٍّ أعرفُ مِن الإنجليزيَّةِ فوق ما يَعرِفُه هذا الأعجَمُ مِن العربيَّةِ أضعافًا مُضاعَفةً، بل فوق ما يُمكِنُ أن يَعرِفَه منها إلى أن يَبلُغَ أرذَلَ العُمرِ، وأستطيعُ أن أتَلعَّبَ بنشأةِ الشِّعرِ الإنجليزيِّ منذ شوسر إلى يَومِنا هذا تَلعُّبًا هو أفضلُ في العقلِ مِن كُلِّ ما يَدخُلُ في طاقتِه أن يكتبَه عن الشِّعرِ العربيِّ، ولكن ليس عندي مِن وقاحةِ التَّهَجُّمِ وصَفاقةِ الوجهِ ما يُسوِّلُ لي أن أَخُطَّ حرفًا واحدًا عن نشأةِ الشِّعرِ الإنجليزيِّ؛ ولكن صُرُوفُ الدَّهْرِ التي تَرفَعُ قومًا وتَخفِضُ آخَرينَ، قد أنزلتْ بنا وبِلُغَتِنا وبِأدَبِنا ما يُتِيحُ لِمِثْلِ هذا المسكينِ وأشباهِه مِن المُستَشرقِينَ أن يَتكلَّموا في شِعْرِنَا وأدبِنا وتاريخِنا ودِينِنا، وأن يَجِدُوا فينا مَن يَستمِعُ إليهم، وأن يَجِدُوا أيضًا مَن يَختارُهُم أعضاءً في بعضِ مَجامعِ اللُّغةِ العربيَّةِ! وأَغْضَى أحمد تيمور وهو يَبتسِم. ومرَّت الأيامُ وغَاصَ كلامُ هذا الأعجميِّ في لُجَجِ النِّسيانِ، لأنّ هذا الأعجَمَ وأشباهَه يَدرُسُونَ آدابَنا وشِعْرَنا وتاريخَنا كأنّه نَقْشٌ على مَقبرةٍ عاديةٍ قديمةٍ، مكتوبٌ بِلُغَةٍ ماتت ومات أهلُها وطَمَرَها ترابُ القُرُون! والأسبابُ الدَّاعيةُ لهم إلى ركوبِ هذا المنهجِ كثيرةٌ، أهونُها شأنًا: الأهواءُ والضَّغَائِنُ المُتوارَثة، ولكن أوغلُها أثرًا: أنّ تَوجُّهَهُم إلى هذا المَسلكِ -مَسلكِ الاستشراقِ-؛ هو: أنّ جَمهَرتَهم غيرُ قادرةٍ أصلًا على تَذوُّقِ الآدابِ تَذوُّقًا يَجعلُها حَيَّةً في نُفُوسِهم قبل أن يَكتُبوا. وهم أيضًا مَسلُوبُو القُدرةِ على أن يَبلُغُوا في لسانِهم الذي ارتضَعُوه مع لِبانِ أُمَّهاتِهم مَبلغًا مِن التَّذوُّقِ، يُعِينُهم على التَّعبيرِ عنه تعبيرًا يُتِيحُ لِأحدِهم أن يَكُونَ له شأنٌ يُذكَرُ في آدابِ لسانِه؛ ولهذا العَجزِ آثَرُوا أن يَكُونَ لهم ذِكْرٌ بالكتابةِ في شأنِ لُغاتٍ أخرى يَجهلُها أقوامُهم، وهذا الجهلُ يَستُرُ عوراتِهم عند مَن يقرأ ما يَكتُبون مِن بني جِلْدَتِهم. ولأنِّي خبرتُ ذلك فيما يَكتُبونَ، وفيما يَقولُونَه بألسنتِهم، لَم يَكُنْ لِمِثْلِ هذه الآراءِ في الشِّعْرِ الجاهليِّ وغَيْرِه وَقْعٌ في نَفْسِي يُثِيرُني، اللهمّ إلا ما يُثِيرُ تَقَزُّزِي، فما أَسرعَ ما أُسقِطُ ما أَقرأُ مِن كلامِهم جُملةً واحدةً في يَمِّ النِّسيان" (انتهى). واللهُ المُستعانُ، وبِهِ التَّوفِيق. |
رد: الصالون الأدبي
الصَّالون الأدبي (مع عُقَابِ العربية الأستاذ محمود محمد شاكر) (15) كتبه/ ساري مراجع الصنقري الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فمن أساتذة الأستاذ محمود شاكر؛ الذين خلَّد ذِكْرَاهُم، واحتفى بهم: أستاذُه مُحِبُّ الدِّينِ الخَطِيب. ومحب الدين الخطيب هو محب الدين بن أبي الفتح محمد عبد القادر صالح الخطيب، وُلِدَ بدمشق وتعلَّم بالآستانة. حضر إلى القاهرة 1909، وعَمِلَ في جريدة المُؤيَّد، ثمّ قصد العراقَ فاعتقله الإنجليزُ سبعةَ أشهرٍ، ثم ذهب إلى مَكَّةَ المُكرَّمةِ عند إعلانِ الثَّورةِ العربيَّةِ 1916، فحكم عليه الأتراكُ بالإعدامِ غيابيًّا، ثمّ استَقرَّ في مِصرَ سنة 1920، وعَمِلَ مُحرِّرًا في الأهرام، وأنشأ مَجَلَّتَي: الزَّهراءِ والفتحِ، وأنشأ المَطبعةَ السَّلفيَّةَ ومكتبتَها، ونشر كُتُبًا كثيرةً مِن تأليفِه؛ توفي 1969. وقد احتفى به الأستاذُ محمود شاكر كثيرًا في كتاباتِه؛ سأكتفي بِنَقْلِ كلامِه مِن مقالَينِ له: الأوَّل: يَقُولُ الأستاذُ محمود في مقالٍ له في "مَجَلَّةِ العُصُور" (العدد الثاني / 9 ديسمبر 1938 / ص: 44): (لَم يَزَلْ هذا القلبُ يُكلِّفُني مِن عواطفِه يومًا بعد يومٍ، ويُطالِبُني أن أَجْزِيَ عن كُلِّ إحسانٍ بما يُعجِزُني ويُعجِزُه. وحين أصدرتُ العددَ الأَوَّلَ مِن "العُصُور" تَجَلَّتْ له عواطفُ أصحابِه وأحبابِه، وأشرق عليه مِن بِشْرِهِم وترحيبِهِم ما لا وفاءَ لي ولا له ببعضِ مِثْلِه. ومَن حيّاني سِرًّا فأنا أَرُدُّ تَحِيَّتَهُ هنا علانيةً، ومَن قَدَّمَ إليَّ مِن مَعْرُوفِه علانيةً، فأنا أحفظُ له الشُّكْرَ في نَفْسِي ما بَقِيتُ. وأَخُصُّ في هذا المكانِ أستاذيَ الأَوَّلَ ومُرْشِدي وصديقي الأستاذَ مُحِبَّ الدِّينِ الخطيب، صاحبَ "المكتبةِ السَّلفيَّةِ"، و"مَجَلَّةِ الفتح"، وأستاذي وصديقي الأستاذَ أحمد حسن الزَّيّات، صاحبَ "الرِّسالةِ" و"الرِّوايةِ"؛ أَخُصُّهُمَا بِكُلِّ ما أَمْلِكُ مِن هذه الدُّنيا التي يَتنازَعُ عليها الطُّغَاةُ البُغَاةُ، أَخُصُّهُمَا بقلبي وإنْ قَلَّ) (انتهى). الثَّاني: يَقُولُ الأستاذُ محمود في مقالِه "جمعيَّة الشُّبَّان المُسلِمِين"، في "مجلة الفتح" (العدد 401، السنة التاسعة، 16 من ربيع الأول 1353، 29يونيو 1934): (وكنتُ حين تَفَجَّرَ النُّورُ مِن منبعِه الصَّافي، مع أخي -الذي أَشْرَقَتْ عليه- عبد السَّلام هارون، في طريقِنا إلى المطبعةِ السَّلفيَّةِ، يَدفَعُنا الشَّبابُ، وتَثُورُ بنا الفِكْرةُ المُنبعِثةُ مِن الآلامِ التي لَقِينَاهَا حين سَمِعْنَا خبرَ جمعيَّةِ الشُّبّانِ المَسِيحِيَّة. وكانت دارُ المطبعةِ السَّلفيَّةِ -ولَم تَزَلْ- نَبْعَ القُلُوبِ الصَّادِيَةِ، تَرِدُهَا مِن الشَّبابِ فئةٌ قليلةُ الصَّبْرِ على ضَيْمٍ ينزل بِالأُمَّةِ العربيَّةِ مِن ظُلْمِ الاستعمارِ، وعصبيَّةِ الاستعمار. ففي المطبعةِ السَّلفيَّةِ قُلِّدَ السَّيفَ صاحبُه؛ ذلك المُجاهِدُ الرَّابِضُ في مكتبةٍ، يُواصِلُ اللَّيلَ بالنَّهارِ، عاملًا لِأشياءَ قد استَقرَّتْ في نَفْسِهِ فصارت إيمانًا، ودارَتْ على لِسَانِهِ فأصبحت تسبيحًا، وتَرامَتْ عن قَلَمِهِ فكانت جهادًا؛ ذلك هو مُحِبُّ الدِّينِ الخَطِيب) (انتهى). ونُكمِلُ رحلةَ وفاءِ الأستاذِ محمود لِأساتذتِه، ولِكُلِّ مَن أسدى إليه معروفًا، مع سائرِ وقفاتِ هجرتِه إلى الحجازِ وعودتِه منها، في المقالِ القادمِ -إن شاء الله-. وباللهِ التَّوفِيق. |
رد: الصالون الأدبي
الصَّالون الأدبي (مع عُقَابِ العربيّةِ: الأستاذ محمود محمد شاكر) (16) كتبه/ ساري مراجع الصنقري الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فمِن الذين كان محمود شاكر شديدَ الوفاءِ لهم: السَّيِّدُ محمد نَصِيف؛ الذي استضافه في مدينةِ جُدَّة. فقد قال الأستاذُ محمود في مقالِه "الشَّريف الكِتّانيّ"، الذي نَشرتْه مَجَلَّةُ "المُقتطَف" (المجلد 82/ إبريل 1933 / ص: 483 - 486): (هُمَا رَجُلانِ أَلَانَ اللهُ لهما مِن صَخْرَتِي أَوَّلَ ما رأيتُهما: السَّيِّدُ الجليلُ "محمد نصيف"، كبيرُ جُدَّة، وعِمادُ الحجاز، والأملُ المُمتَدُّ في جزيرةِ العرب. وهذا السَّيِّدُ المُبارَكُ، مُحَقِّقُ العالَمِ الإسلاميّ، وعُمدَةُ التّاريخِ العربيّ "محمد عبد الحيّ بن عبد الكبير الكِتّانيّ الإدريسيّ"، واحِدُ فاس، وكبيرُ مَراكِش، والعَلَمُ الشّامخُ بين أعلامِ الأُمَّةِ الإسلاميَّةِ في هذا العَصْرِ ما بينَ الصِّينِ إلى رباطِ الفَتْحِ مِن المَغْرِبِ الأقصى) (انتهى). وقال أيضًا في مقالِه "مقاليد الكتب"، الذي نَشرتْه مَجَلَّةُ "المُقتطَف" (المجلد 83 / أكتوبر 1933 / ص: 359): (<ماضي الحجازِ وحاضِرُه>: الجُزءُ الأَوَّلُ: تأليف "حسين بن محمد نصيف" بجُدَّة الحجاز، مطبعة خُضير؛ كان غيري أحقَّ بالكتابةِ عن هذا الكتابِ، فإنّ لِلأخِ "حسين" ووالدِه عندي نِعَمًا مَشْكُورَةً ما بَقِيتُ، وأنّ الصَّداقةَ التي بيني وبينه لَتَجْعَلُ بعضَ أخطائِهِ في نَفْسِي بمنزلةٍ مِن الصَّواب) (انتهى). وقد ذكرنا في مقالٍ سابقٍ أنّه قال عن مكتبتِه: لا مَثِيلَ لها في العالَمِ العربيّ. قال خيرُ الدِّينِ الزِّرِكْلِي (ت: 1396) في "الأعلام" (ج 6 / ص: 107، 108): "محمد بن حسين بن عمر بن عبد الله بن أبي بكر بن محمد نصيف: عالِمُ جُدَّة، وصَدْرُها في عصره؛ وُلِدَ بها، وتُوفِّي مُستَشفِيًا بالطَّائفِ، ودُفِنَ بِجُدَّة". مات والدُه وهو صَغِيرٌ، فربّاه جَدُّهُ عُمَر؛ وأُولِعَ بالكُتُبِ فجمع مكتبةً عظيمةً، ونشر كُتُبًا سلفيَّةً وأعان على نشر كثيرٍ منها، وكَتَبَ في الرُّدُود. وكان مَرْجِعًا لِلْباحثِينَ؛ قال أمينُ الرَّيحانِيُّ في "ملوك العرب": "هو دائرةُ معارفَ ناطِقةٌ، يجيب على السُّؤالاتِ التي تُوَجَّهُ إليه، ويَهدِي إلى مَصادِرِ العُلُومِ الأدبيَّةِ والتَّاريخيَّةِ والفقهيَّة". ومِن خَطِّ الشَّيخِ ابنِ مانعٍ، قال: "لَم نَعلَمْ في الحِجَازِ رَجُلًا يُساوِيه في الكَرَمِ وحُسْنِ الخُلُق؛ وفي 25 شبعان سنة 1376 كنتُ في بيتِه بجُدَّة، وسألتُه عن أَصْلِ نَسبِه، فأجاب: الأصلُ مِن صعيدِ مِصرَ، وجماعتُنا في الصَّعيدِ يَدَّعُونَ أنَّهم مِن قبائلِ حَرْبٍ، ولكن جَدِّي عمر كان يرى أنَّهم ليسوا مِن العرب". وكان بيتُه مُلتَقى الفُضلاءِ القَادمِينَ مِن مُختَلفِ البلادِ؛ كتب السَّيِّدُ محمد رشيد رضا في "المَنارِ" فَصْلًا عنوانُه: "محمد نَصِيف، نِعْمَ المُضِيف". وكان حُلْوَ الحديثِ، قَوِيَّ الذَّاكِرَةِ، لا يكاد يَصْدُرُ كتابٌ ممّا يَرُوقُهُ إلا اشترى مِنْهُ نُسَخًا وأهداها إلى المكتباتِ العامَّةِ وبعضِ مَعَارِفِه، وخَلَّفَ مكتبةً حافلةً بالمخطوطاتِ والمطبوعات) (انتهى). وقال الشَّيخُ محمد رشيد رضا (ت 1354) في فَصْلِهِ الذي كَتَبَهُ في "المَنَارِ": (نزلتُ بجُدَّة في دار السَّيِّدِ محمد نصيف، وهي كأنَّها مَجمعٌ علميٌّ يحتوي على مكتبةٍ عامرةٍ، يَؤُمُّهُ جميعُ أقطابِ جُدَّة وأشرافِها. والسَّيِّدُ محمد نصيف عالِمٌ مُحَقِّقٌ، ورَجُلٌ شَرِيفٌ يَزُورُهُ جميعُ مَن يَمُرُّ بجُدَّة مِن العُلَماءِ والنُّبَلاءِ قَبْلَ ذَهَابِهم إلى مكّة) (انتهى). وقال الدُّكتور محسن جمال الدِّين (1918 - 1988) -وكان أستاذًا بكُلِّيَّةِ الآدابِ ببغداد- في رثائِه -وقد زار محمد نصيف عام 1389-: "وهو مِن مَشْهُورِي السُّمْعَةِ الأدبيَّةِ والثَّقافيَّةِ.. ولَم يُتْعِبْنِي البحثُ عن دارِه، فهي معروفةٌ مشهورةٌ، فَالْكُلُّ يعرفونه بـ (الأفندي).. فوجدتُه بيتًا قديمًا عاليًا، أمامه ساحةٌ صغيرةٌ تُؤدِّي إلى سُوقٍ شَعْبِيٍّ، تَقَعُ في مَحَلَّةِ اليَمَنِ، بناها جَدُّهُ عمر أفندي نصيف عام 1295، مُؤلَّفةٌ مِن أربعةِ أدوارٍ، وأمامها شجرةٌ يُقَالُ إنَّها أَوَّلُ شجرةٍ غُرِسَتْ في جُدَّة" (انتهى). ونُكمِلُ وقفاتِ هجرةِ الأستاذِ محمود شاكر إلى الحجازِ وعودتِه منها، في المقالِ القادمِ -إن شاء الله-. ونَسألُ اللهَ التَّوفِيق. |
رد: الصالون الأدبي
الصَّالون الأدبي (مع عُقَابِ العربية.. الأستاذ محمود محمد شاكر) (17) كتبه/ ساري مراجع الصنقري الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فمِن الوقفاتِ مع هجرةِ الأستاذِ محمود شاكر مِن مِصرَ، وعودتِه إليها: الوقفةُ الرَّابعةُ: وَلاؤُه الشَّديدُ لِأَرضِ الجَزيرةِ، وهو الذي دفعه إلى الهجرةِ إليها؛ فقد قال عنها في مقالِه "مقاليد الكتب"، الذي نَشرتْه مَجَلَّةُ "المُقتطَف" (المجلد 84 / يناير 1934، ص 111، 112): (2- قَلْبُ جَزيرةِ العربِ): تأليفُ "فؤاد حمزة"، المطبعة السَّلفيَّة ومكتبتها، سنة 1352 - 1933. وهذه الجزيرةُ -على ما فيها مِن الضَّعفِ- هي مادَّةُ هذا التَّناصُرِ، وهي مَهوى قُلُوبِ الأممِ العربيَّةِ والإسلاميَّةِ، وهي مَعقِدُ الآمالِ، وهي حِصْنُ العربِ، وإليها تُحْشَدُ القُوى الأعجميَّةُ وتُدَبَّرُ الدَّسَائِسُ، وفيها تُلْقَى الفِتَنُ وتُوقَدُ نِيرَانُ العَداوةِ بين أهلِيها). الوقفةُ الخامسةُ والأخيرةُ: حالةُ القَلقِ المُستَمِرَّةُ التي كان يَعِيشُها الأستاذُ محمود بسببِ حادثةِ الجامعةِ وخلافِه مع د. طه، وقد اعتَرفَ بهذا غيرَ مرَّةٍ، كما ذَكَرْنا سابقًا. ومِن مظاهر ذلك: أوَّلًا: التَّرَدُّدُ الذي ظهر عليه حينما أقصى جميعَ كُتُبِ د. طه حينما بدأ في إعدادِ العُدَّةِ لِهجرةِ الحِجازِ، ثمّ اشتراها مرَّةً أخرى حينما استَقرَّ في جُدَّة؛ فقد قال في مقالِه "المُتَنَبِّي لَيتَنِي ما عَرَفتُه"، الذي نَشرتْه مَجَلَّةُ "الثَّقافة" (السنة الخامسة / العدد 60 / 1978 / ص 4 - 19): (وبدأتُ أُعِدُّ العُدَّةَ، وجمعتُ جميعَ كُتُبِي وعبَّأتُها، ولكن مِن الطَّريفِ أنِّي أقصيتُ منها جميعَ كُتُبِ الدُّكتورِ طه، وهبتُها لِصديقٍ لي -رحمه الله-.. فلَم أَكَدْ أَسْتَقِرُّ في مدينة جُدَّة بالحجاز، وهدأتْ نَفْسِي، حتى عُدتُ فاشتريتُها جميعًا مِن مَكاتبِ جُدَّة؛ كان سُخْفًا منِّي، ولكن هكذا كان!) (انتهى). ثانيًا: حالةُ الشَّكِّ التي تَظهَرُ في أثناءِ كلامِه وهو يَنقِلُ الحوارَ الذي دار بينه وبين والدِه وهو يُحِذِّرُهُ مِن فَشَلِ هجرةِ الحجاز؛ فقد قال في مقالِه "المُتَنَبِّي لَيتَنِي ما عَرَفتُه": (فلمّا وضعتُ الجَوازَ في جيبي واطمأنَّ قلبي، ذهبتُ إلى أبي -رحمه الله- فكاشفتُه بجَلِيَّةِ أمري.. لَم تأخُذْه دهشةُ المُنْكِر، خُيِّلَ إليَّ أنّه كان يَعرِفُ! ظَلِلْتُ أيّامًا بين يديه، يُحاوِرُني ويحاول أن يُقنِعَني بالإقلاعِ عمّا عزمتُ عليه؛ لا هو يَقتَنِعُ بما أَقُولُ وبما أُمَنِّي النَّفْسَ به مُختالًا، ولا أنا أَقتَنِعُ بما يَقُولُ. وأخيرًا ذكر لي بيتَ النّابغةِ الذي مَرَّ آنفًا: وَلَا تـَذْهَبْ بِحِـلْمِكَ طَامِيَاتٌ مِنَ الْخُيَلَاءِ لَيْسَ لَهُنَّ بَابُ وقال: سَتَجِدُ الأبوابَ مُغلقةً دون أَمانِيكَ بِالضَّبَّةِ والمِفْتَاحِ، وسَتَعُودُ إلينا بعد أن تَضِيقَ كما ذهبتَ، فَافْعَلْ ما تَشاءُ. وأَلْقَى حَبْلِي على غَارِبِي، ووافق على سَفَرِي) (انتهى). ثالثًا: الحَيْرَةُ والتَّرَدُّدُ بين النَّدمِ على عدمِ العملِ بنصيحةِ مَن نَصَحُوه، وعلى إنفاذِ عزمِه بالهجرةِ مِن مِصرَ، والنَّدمِ على رُجُوعِه إلى مِصرَ بعد ثلاثِ سنواتٍ مِن عودتِه إليها. فقد ظهر نَدمُه على الهجرةِ مِن مِصرَ في ديوانِه "الحجازيّات"، الذي كتبه في أثناءِ إقامتِه بالحجاز؛ إذْ قال فيه: كنتُ أبنِي ثُمَّ لَم أُلْفِ بِناءً كنتُ أبنِي ليتني لَم أُنْفِذِ العزمَ، ولكن.. ليتَ أنِّي ثمّ لَم أَجْنِ سوى الأتعابِ والسُّقْمِ المُبِنِّ وأمّا نَدمُه على رُجُوعه مِن الحجازِ إلى مِصرَ فجاء في رسالتِه لابنِ خالِه المُحقِّقِ الكبير عبد السَّلام هارون (ت: 1988م) في سنة 1932م؛ فقد قال فيها وهو يَتحسَّرُ على ما فات: (وعلى ما ضَيَّعتُ بِرُجُوعِي إلى بلدٍ أَحَبُّ ما يَكُونُ فيه إلى نَفْسٍ نازحةٍ أَبْغَضُ ما وَجَدتُ إليَّ). ونَسْطُرُ في المقالِ القادمِ -إن شاء اللهُ- صفحةً جديدةً مِن صفحاتِ حياتِه الحافلةِ بالأحداث. واللهُ المُستعان. |
رد: الصالون الأدبي
الصَّالون الأدبي (مع عُقَابِ العربيّةِ: الأستاذ محمود محمد شاكر) (18) كتبه/ ساري مراجع الصنقري الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فبعد أن عاد الأستاذُ "محمود شاكر" مِن هجرتِه الحِجازيّةِ غَاصَ في يَمِّ سنواتِ العُزلةِ التي ارتضاها لِنَفْسِه، فظَلَّ يَشْدُو في واحتِه الوَارِفَةِ الظَّلِيلةِ، فلا يُسْمِعُ إلا نَفْسَهُ وبعضَ المُحبِّينَ والمُقرَّبِينَ، وأساتذتَه وبعضَ الأدباءِ والمُفكِّرِينَ؛ مثل: أحمد تيمور باشا، ومصطفى صادق الرافعي، وأحمد زكي باشا، والخضر حسين. ولَم يَنقطِعْ عن الواقعِ الثَّقافيِّ انقطاعًا كاملًا، بل كان على دِرَايَةٍ بما يَقَعُ مِن أحداثٍ، ويُقامُ مِن مُناسَباتٍ، وشَرَعَ يَرسِمُ لِنَفْسِهِ طريقًا في قراءةِ الشِّعْرِ العَرَبِيِّ وغَيْرِه، غَيْرَ الطَّرِيقِ الذي تَسِيرُ فيه المدارسُ والجامعاتُ المِصريّة. قال الأستاذُ محمود شاكر -رحمه الله-: "اعْلَمْ أنِّي قضيتُ عشرَ سنواتٍ مِن شبابي، في حَيْرَةٍ زائغةٍ، وضلالةٍ مُضْنِيَةٍ، وشُكُوكٍ مُمَزِّقَةٍ، حتى خِفْتُ على نَفْسِيَ الهلاكَ، وأن أخسرَ دُنْيَايَ وآخِرَتي، مُحْتَقِبًا إثمًا يَقذِفُ بي في عذابِ اللهِ بما جَنَيْتُ؛ فكان كُلَّ هَمِّي يومئذٍ أن أَلتمِسَ بَصِيصًا أهتدي به إلى مَخرجٍ يُنجِيني مٍن قَبْرِ هذه الظُّلُماتِ المُطْبِقَةِ عليَّ مِن كُلِّ جانبٍ. فمنذُ كنتُ في السَّابعةَ عشرةَ مِن عُمري سنة 1926، إلى أن بَلَغتُ السَّابعةَ والعشرينَ سنة 1936، كنتُ مُنغَمِسًا في غِمَارِ حياةٍ أدبيَّةٍ بدأتُ أُحِسُّ إحساسًا مُبْهَمًا مُتَصَاعِدًا أنَّها حياةٌ فاسدةٌ مِن كُلِّ وَجْهٍ؛ فلَم أَجِدْ لِنَفْسِي خَلاصًا؛ إلا أن أَرْفُضُ مُتَخَوِّفًا حَذِرًا شَيئًا فَشَيئًا، أكثرَ المَناهجِ الأدبيَّةِ والسِّياسيَّةِ والاجتماعيَّةِ والدِّينيَّةِ التي كانت يومئذٍ تَطْغَى كالسَّيلِ الجَارِفِ، يَهدِمُ السُّدُودَ، ويُقَوِّضُ كُلَّ قائمٍ في نَفْسِي وفي فِطْرَتِي. ويومئذٍ طَويتُ كُلَّ نَفْسِي على عزيمةٍ حَذَّاءَ ماضيةٍ: أن أَبدَأَ، وحيدًا مُنفَرِدًا، رحلةً طويلةً جدًّا، وبعيدةً جدًّا، وشَاقَّةً جدًّا، ومُثِيرَةً جدًّا. بدأتُ بإعادةِ قراءةِ الشِّعْرِ العَرَبِيِّ كُلِّه، أو ما وَقَعَ تحت يدي مِنْهُ يومئذٍ على الْأَصَحِّ، قراءةً مُتَأَنِّيَةً طويلةَ الْأَنَاةِ عند كُلِّ لفظٍ ومعنًى، كأنِّي أُقَلِّبُهُمَا بعقلي، وأَرُوزُهُمَا (أي: أَزِنُهُمَا مُخْتَبِرًا) بقلبي، وأَجُسُّهُمَا جَسًّا ببصري وببصيرتي، وكأنِّي أريد أن أَتَحَسَّسَهُمَ ا بيدي، وأَسْتَنْشِيَ (أَي: أَشُمَّ) ما يَفُوحُ منهما بأنفي، وأَسَّمَّعَ دبيبَ الحياةِ الخَفِيَّ فيهما بِأُذُنَيَّ = ثُمَّ أَتَذَوَّقُهُمَ ا تَذَوُّقًا بعقلي وقلبي وبصيرتي وأناملي وأنفي وسمعي ولساني، كأنِّي أطلبُ فيهما خَبِيئًا قد أخفاه الشَّاعِرُ المَاكِرُ بفَنِّه وبراعتِه، وأَتَدَسَّسُ إلى دَفِينٍ قد سقط مِن الشَّاعِرِ عَفْوًا أو سَهْوًا تحت نَظْمِ كلماتِه ومَعانِيه، دون قَصْدٍ منه أو تَعَمُّدٍ أو إرادةٍ. لا تَقُلْ لِنَفْسِكَ: "هذا مَجازٌ لَفْظِيٌّ"! كَلَّا، بل هو أَشْبَهُ بحقيقةٍ أيقنتُ بها، لأنِّي سخَّرتُ كُلَّ ما فطَرني اللهُ عليه، وأيضًا كُلَّ معرفةٍ تُنَالَ بالسَّمْعِ أو البصرِ أو الإحساسِ أو القراءةِ، وكُلَّ ما يَدخُلُ في طَوْقِي مِن مُراجَعةٍ واستقصاءٍ بلا تَهاوُنٍ أو إغفالٍ = سخَّرتُ كُلَّ سَلِيقَةٍ فُطِرْتُ عليها، وكُلَّ سَجِيَّةٍ لانَتْ لي بالإدراكِ لِكَيْ أَنْفُذَ إلى حقيقةِ "البَيَانِ" الذي كرَّم اللهُ به آدمَ -عليه السَّلامُ- وأبناءَه مِن بَعْدِه؛ وهذا أمرٌ شاقٌّ جدًّا، كان، ومُثِيرٌ جدًّا، كان، ولكن المَطْلَبُ البعيدُ هَوَّنَ عندي كُلَّ مَشَقَّةٍ وضَنًى" (رسالة في الطَّريق إلى ثقافتنا). ونُكمِلُ في المقالِ القادمِ -إن شاء الله-، وباللهِ التَّوفيق. |
رد: الصالون الأدبي
الصالون الأدبي (مع عُقَابِ العربيّةِ: الأستاذ محمود محمد شاكر) (19) كتبه/ ساري مراجع الصنقري الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فإنّ النَّهْجَ الذي سلَكَه محمود شاكر في قراءةِ الشِّعْرِ وغَيْرِه كان قائمًا على مسألةِ "التَّذَوُّقِ" ، وقد صرَّح بهذا كثيرًا في مقالاتِه، وكُتُبِه: كـ"المُتنبِّي"، و"رسالة في الطَّريق إلى ثقافتِنا"، و"أباطيل وأسمار"، و"نمط صعب"، ومُقدِّماتِ تحقيقاتِه: كـ"طبقات ابن سلام"، و"كتابَي عبد القاهر"؛ فقد قال في مُقدِّمتِه الجديدةِ على كتابِه "المُتنبِّي" (ص: 11، 12): "وبهذا التَّذَوُّقِ المُتَتابعِ الذي أَلِفْتُه، صار لِكُلِّ شِعْرٍ عندي مَذاقٌ وطَعْمٌ وشَذًا ورائحةٌ، وصار مَذاقُ الشِّعْرِ الجاهليِّ وطعمُه وشذاهُ ورائحتُه بيِّنًا عندي، بل صار تَمَيُّزُ بعضٍ مِن بعضٍ دالًّا يَدُلُّنِي على أصحابِه. بمثل هذا الحديثِ كنتُ أفاوضُ الشُّيوخَ الكبارَ ممّن عَرَفْتُهم ولَقِيتُهم، وكان هذا الحديثُ هِجِّيرَاي -أي: دأبي وعادتي مِن فَرْطِ النَّشْوة-، فكان يُعرِضُ عنِّي مَن أعرض، ويُرَبِّتُ على خُيلاءِ شبابي مَن رَبَّتَ بيدٍ لطيفةٍ حانيةٍ) (انتهى). وقد عرَّف منهجَه في مُقدِّمةِ كتابِه "رسالة في الطَّريق إلى ثقافتنا" (ص: 15، 16)؛ حيث قال: "فمَنْهجِي في "تَذوُّقِ الكلامِ"، مَعنِيٌّ كُلَّ العنايةِ باستنباطِ هذه الدَّفائنِ، وباستدراجِها مِن مَكامِنِها، ومعالجةِ نَظْمِ الكلامِ ولَفْظِهِ معالجةً تُتِيحُ لي أن أَنْفُضَ الظَّلامَ عن مَصُونِها، وأُمِيطَ اللِّثَامَ عن أَخْفَى أسرارها وأَغْمَضِ سَرائِرِها. وهذا أمرٌ لا يُستطَاعُ ولا يَكُونُ له ثمرةٌ إلا بالأناةِ والصَّبْرِ، وإلا باستقصاءِ الجُهْدِ في التَّثَبُّتِ مِن معاني ألفاظِ اللُّغةِ، ومِن مَجَارِي دلالاتِها الظَّاهرةِ والخَفِيَّةِ، بلا استكراهٍ ولا عَجَلَةٍ، وبلا ذَهابٍ مع الخَاطرِ الأوَّلِ، وبلا تَوَهُّمٍ مُسْتَبِدٍّ تُخْضِعُ له نَظْمَ الكلامِ ولَفْظَه" (انتهى). وقال في مقالِه "المُتَنَبِّي لَيتَنِي ما عَرَفتُه 2"، الذي نَشرتْه مَجَلَّةُ "الثَّقافة" (السنة السادسة / العدد 61 / أكتوبر 1978/ ص 4-18): "والمسألةُ الآن في تحريرِ القَوْلِ في اللَّفظِ المُشترَكِ بيني وبينك، حيث أَقُولُ أو تَقُولُ: "تَذوَّقَ الشِّعْر" أو "تَذوَّقتُ هذا الشِّعْر". وأَبدأُ هنا بلفظِ "الشِّعْرِ" الذي يَتعلَّقُ به "التَّذَوُّقُ" ، مُتجنِّبًا استعمالَ هذه التُّحَفِ التي ألطفنا بها زماننا، مِن ألفاظٍ مُشكِلَةٍ غامضة غير مُستقِرَّةٍ، مثل "الشَّكلِ" و"المَضمُونِ" وأخواتِهما وبناتِ عمّاتِها وبناتِ خالاتِها؛ ولكي يكونَ حديثي عن "الشِّعْر" واضحًا في نَفْسِك، فأسألُك أن تكونَ على ذِكْرٍ دائمٍ غير مُتقطِّعٍ مِن أنّ "الشِّعْرَ" كلامٌ، وأنّ "الكلامَ" أصلًا هو اللَّفْظُ المَسْمُوعُ لا المَكْتُوبُ، فإنّ أكثرَ حديثي هنا يَتضَمَّنُ ما يُوجِبُ أن يكونَ هذا المعنى حاضرًا في الذِّهْنِ، وإن لَم أَكتُبْه. وأنت بلا شكٍّ تُدرِكُ لماذا سارعتُ فسألتُك أن تفعلَ ذلك، وإن كان مِثْلُ هذا السُّؤالِ غيرَ لائقٍ أحيانًا، ولكن لولا ذلك لَمَا سألتُك" (انتهى). ونُكْمِلُ في المَقالِ القادمِ -إن شاء الله-. واللهُ المُستَعانُ. |
رد: الصالون الأدبي
الصَّالون الأدبي (مع عُقَابِ العربيّةِ: الأستاذ محمود محمد شاكر) (20) كتبه/ ساري مراجع الصنقري الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فإنّ منهجَ "التَّذَوُّقِ" الذي سار عليه محمود شاكر في كتاباتِه وقراءاتِه، لا يُقصَدُ به النّاحيةُ الشَّكليّةُ لهذا المنهجِ، ولكن المقصودُ هو المعنى الضِمْنِي لِلتَّذَوُّقِ، وتَبَيُّنُهُ في أثناءِ قراءةِ الشِّعْرِ وغَيْرِه، فَيَستَلْهِمُ القارئُ رُوحَ الإبداعِ، ويَستَحْضِرُ عاطفةً مُتبادَلةً بينه وبين النَّصِّ وصاحبِه. والتَّذَوُّقُ هذا إحساسٌ خَفِيٌّ يَعِيشُهُ القارئُ نَفْسُه، ولا يَشْتَرِكُ فيه معه غَيْرُه، فليس له قواعدُ عامَّةٌ، وإنَّما أُصُولُهُ وخَبَايَاهُ تَرجِعُ إلى نَفْسِ القارئِ وذاتِه. وكي تعيشَ هذا الإحساسَ، وتَتَذَوَّقَ هذا التَّذَوُّقَ، عليك أن تَعلمَ أنّ لُغةَ النَّصِّ الذي تَتَناوَلُهُ ليست لُغةً جامدةً، بل مُتغَايِرَةً، وليست خامدةً، بل مُتفَاعِلَةً. فهذه النُّصُوصُ تَحتاجُ إلى قارئٍ مِن نَوْعٍ خَاصٍّ، يَستطِيعُ استخراجَ كمائنِها المُضْمَرةِ، ودفائنِها الغَامِضَةِ، وتَكُونُ لديه القُدرةُ على إعمالِ عقلِه بِدِقَّةٍ ونظامٍ في تَحْلِيلِهَا ووَصْفِهَا. قال د. سعيد حسن بحيري في "علم اللُّغة النَّصِّيّ، المفاهيم والاتِّجاهات" (ص: 164): (إنّ لُغةَ النَّصِّ لُغةٌ مُتفاعِلَةٌ، ليست خامدةً، ولا تَكُفُّ عن الحركةِ: لا تَكُفُّ عن استيعابِ دلالاتٍ ومضامينَ جديدةٍ، وإفرازِ أبنيةٍ غَيْرِ محدودةٍ، تَتَطَلَّبُ وَصْفًا ديناميكيًّا يُواكِبُ تلك القُدرةَ ولا يَحُدُّهَا. وبالتّالي تَحتاجُ إلى قارئٍ ذي كفاءةٍ مُعَيَّنَةٍ، قَادِرٍ على القيامِ بعمليَّةٍ لا تَقِلُّ قِيمَةً عن عمليَّةِ إنتاجِ نُصُوصِهَا، مِن خلالِ عمليّاتِ الوَصْفِ والتَّحْلِيلِ والتَّفْسِيرِ، قَادِرٍ على إبرازِ إمكاناتِ النُّصُوصِ وطاقاتِها غَيْرِ المَحْدُودَة) (انتهى). وكان العُقابُ مِن هؤلاءِ الْأَكْفَاءِ، أهلِ التَّذَوُّقِ الخَاصِّ، والعقلِ الواعي، والفَهْمِ المُستَوعِبِ، والدِّقَّةِ في التَّنَاوُلِ، وحُسْنِ التَّأتِّي في العَرْضِ، واللُّغَةِ المُسْتَقِيمَةِ التي تَعْرِفُ حَقَّ العِلْمِ، فلا تَتَحَيَّفُهُ، ولا تَتَزَيَّدُ عليه. فقد عرَّف منهجَه -كما ذَكَرْنَا سابقًا- في مُقدِّمةِ كتابِه "رسالة في الطَّريق إلى ثقافتنا" (ص: 15، 16)؛ حيث قال: (فمَنْهجِي في "تَذوُّقِ الكلامِ"، مَعنِيٌّ كُلَّ العنايةِ باستنباطِ هذه الدَّفائنِ، وباستدراجِها مِن مَكامِنِها، ومعالجةِ نَظْمِ الكلامِ ولَفْظِهِ معالجةً تُتِيحُ لي أن أَنْفُضَ الظَّلامَ عن مَصُونِها، وأُمِيطَ اللِّثَامَ عن أَخْفَى أسرارِها وأَغْمَضِ سَرائِرِها. وهذا أمرٌ لا يُستطَاعُ ولا يَكُونُ له ثمرةٌ إلا بالأناةِ والصَّبْرِ، وإلا باستقصاءِ الجُهْدِ في التَّثَبُّتِ مِن معاني ألفاظِ اللُّغةِ، ومِن مَجَارِي دلالاتِها الظَّاهرةِ والخَفِيَّةِ، بلا استكراهٍ ولا عَجَلَةٍ، وبلا ذَهابٍ مع الخَاطرِ الأوَّلِ، وبلا تَوَهُّمٍ مُسْتَبِدٍّ تُخْضِعُ له نَظْمَ الكلامِ ولَفْظَه) (انتهى). ونُكْمِلُ في المَقالِ القادمِ -إن شاء الله-. واللهُ المُوفِّق. |
رد: الصالون الأدبي
الصالون الأدبي (مع عُقَابِ العربيّةِ: الأستاذ محمود محمد شاكر) (21) كتبه/ ساري مراجع الصنقري الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فقد أكَّدْنا في المقالِ السَّابقِ على أنّ منهجَ محمود شاكر في قراءةِ الشِّعرِ كان قائمًا على التَّذَوُّقِ، وأنّه معنًى ضِمْنِيٌّ يرجع إلى نَفْسِ القارئِ وذاتِه، وليس مسألةً شكليّةً. ولكن على القارئِ أن ينتبه إلى أنّ النّاحيةَ الشَّكليّةَ لِلشِّعرِ العربيِّ مسألةٌ في غايةِ الأهمِّيَّةِ، ولن يستطيعَ قارئُ هذا الشِّعرِ بُلوغَ غايتِه؛ التي هي تَذَوُّقُهُ واستخراجُ كمائنِه المُضمَرةِ ودفائنِه الغَامِضَةِ، دون أن يكونَ على درايةٍ تامَّةٍ بهذه النّاحيةِ الشَّكليّة. قال د. سعد الصلوح في "البلاغة العربيّة والأسلوبيّات الإنسانيّة آفاق جديدة" (ص: ???): (وربما كان النَّصُّ الشِّعْرِيُّ عامَّةً، والعَرَبِيُّ خاصَّةً، والعَرَبِيُّ العَمُودِيُّ على نحوٍ أَخَصّ، أسعدَ حظًّا مِن حيث اشتمالُه -بَادِيَ النَّظَرِ- على علاماتٍ شكليّةٍ، تُوفِّرُ له إطارًا مَحسُوسًا، وتَتَحقَّقُ لِلنَّصِّ بهما سِمَةُ الاستمراريّةِ الظّاهرةِ لِلْعَيانِ؛ ونَعنِي بهما قيامَه على نَوْعٍ مِن الإيقاعِ والتَّقْفِيَةِ بدرجاتٍ مُتفاوتةٍ مِن الحُرِّيَّةِ، بيد أنّ هذه العلاماتِ الشَّكليّةَ ليست في ذاتِها ضمانًا كافيًا لِتَحَقُّقِ الاستمراريّةِ لِلنَّصّ) (انتهى). وتَأمَّلْ هذا الضَّابِطَ الدَّقِيقَ مِن د. سعد؛ فقد ذكر أنّ هذا الإطارَ الشَّكْلِيَّ يُحَقِّقُ لِلنَّصِّ الاستمراريّةَ الظَّاهِرةَ فقط، أمّا استمراريّةُ المَضمُونِ والمَعنَى فتحتاجُ إلى تَذَوُّقٍ خاصٍّ، وهذا الإطارُ الشَّكْلِيُّ لِلنَّصِّ هو أحدُ المَعاييرِ الرَّئِيسَةِ في خاصيّةِ التَّمَاسُكِ النَّصِّيّ. وظاهِرةُ التَّمَاسُكِ النَّصِّيِّ هذه ليست بِدْعًا مِن القَوْلِ مِن النّاحيةِ التَّطْبِيقِيَّ ةِ؛ فإنّك لو تَتَبَّعْتَ كلامَ المُتقدِّمينَ لَوجَدتَ الوَعْيَ الكاملَ لديهم بهذه الظَّاهِرةِ، حتَّى لو لَم يَضعُوا قواعدَها النَّظَرِيَّة. فقد قال عبد القاهر الجرجاني -ت: ??? هـ = ???? م- في "دلائل الإعجاز" (ص: ?? - ??)، تحقيق وتعليق الأستاذ محمود شاكر: (وهل تَجِدُ أحدًا يقول: هذه اللَّفْظَةُ فَصِيحَةٌ، إلا وهو يَعتبِرُ مكانَها مِن النَّظْمِ، وحُسْنَ مُلائَمةِ معناها لِمَعنَى جاراتِها، وفَضْلَ مُؤانَستِها لِأخَواتِها. وهل قالوا: لَفْظَةٌ مُتَمَكّنَةٌ ومَقبُولَةٌ، وفي خلافِه: قَلِقَةٌ ونَابِيَةٌ ومُستَكرَهةٌ، إلا وغَرضُهم أن يُعبِّرُوا بِالتَّمَكُّنِ عن حُسْنِ الاتِّفَاقِ بين هذه وتلك مِن جهةِ معناهُما، وبالقلقِ والنُّبُوِّ عن سُوءِ التَّلاؤُمِ، وأنّ الأُولَى لَم تَلِقْ بالثّانيةِ في مَعنَاها، وأنّ السّابقةَ لَم تَصْلُحْ أن تَكُونَ لفقًا لِلتّالِيَةِ في مُؤَدَّاها) (انتهى). فعبد القاهر الجرجاني ينتقل بنا مِن تركيبِ اللَّفْظَةِ الواحدةِ والجُملةِ الواحدةِ إلى نظامِ النَّصِّ الكاملِ، والذي تَكَوَّنَ مِن صياغةِ جُمَلٍ تَفاعَلَتْ مع بعضِها فأعطَتْ نَصًّا أقوى في تَماسُكِه، وأشملَ في معناه، وأبهى في صُورتِه مِن رَسْمِ الجُملةِ الواحدة. ولا يَخفَى على واعٍ شِدَّةُ تَأَثُّرِ محمود شاكر بمنهجِ عبد القاهر الجرجاني في التَّذَوُّقِ، ومِن هنا تَعرِفُ كيف تَحَوَّلَ التَّذَوُّقُ دَمًا في عُرُوقِه، وعَصَبًا في رَأْسِه. ونُكْمِلُ في المَقالِ القادمِ -إن شاء الله-. واللهُ المُستَعان. |
رد: الصالون الأدبي
الصَّالون الأدبي (مع عُقَابِ العربيّةِ: الأستاذ محمود محمد شاكر) (22) كتبه/ ساري مراجع الصنقري الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فإن كُنّا لا نَنسى لِمحمود شاكر صنائعَ مَعرُوفِه في تاريخِ أُمَّتِنَا الثَّقافِيّ، فإنّنا كذلك لا نَنسى لِعبدِ القاهر الجرجانيّ أياديَه البِيضَ على محمود شاكر؛ إذ قد بَلَغَ به أعلى درجاتِ التَّذَوُّقِ في قراءةِ الشِّعْرِ وغَيْرِه، فكان هذا التَّذَوُّقُ نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ في تاريخِنا الثَّقافِيّ. فتَأمَّلْ ذَوْقَ عبدِ القاهر المُرْهَفَ لمّا يَصِلُ به في بيانِه إلى درجةٍ مِن التَّذَوُّقِ تُضَاهِي تَذَوُّقَ الشَّاعِرِ، إن لَم تَفُقْهُ أحيانًا! قال عبدُ القاهر الجرجانيّ في "دلائل الإعجاز" (ج 1/ ص 162، 163) (القول في الحذف / القول في حذف المفعول به): (قول البُحتُريّ: إِذَا بَعُدَتْ أَبْلَتْ، وإِنْ قَرُبَتْ شَفَتْ.. فَهِجْرَانُهَا يُبْلِي، ولُقْيَانُهَا يَشْفِي. قد عُلِمَ أنَّ المَعنَى: إذا بَعُدَتْ عَنِّي أَبْلَتْنِي، وإنْ قَرُبَتْ مِنِّي شَفَتْنِي؛ إلَّا أَنَّكَ تَجِدُ الشِّعْرَ يَأبَى ذِكْرَ ذلك، ويُوجِبُ اطِّرَاحَه، وذاك لأَنَّه أراد أن يَجْعلَ البِلَى كأنّه واجِبٌ في بِعادِها أن يُوجِبَه ويَجْلِبَه، وكأنّه كالطَّبيعةِ فيه، وكذلك حالُ الشِّفَاءِ مع القُرْبِ، حتَّى كأنّه قال: أَتَدْرِي ما بِعادُها؟ هو الدَّاءُ المُضْنِي، وما قُرْبُها؟ هو الشِّفَاءُ والبُرْءُ مِن كُلِّ داءٍ. ولا سبيلَ لك إلى هذه اللَّطِيفَةِ وهذه النُّكْتَةِ، إلا بحذفِ المفعولِ البَتَّة، فاعْرفْه. وليس لِنَتائجِ هذا الحذفِ -أَعْنِي حَذْفَ المَفعُولِ- نهايةٌ، فإنّه طريقٌ إلى ضُرُوبٍ مِن الصَّنْعَةِ، وإلى لَطَائِفَ لا تُحصَى) (انتهى). فتَأمَّلْ -عزيزيَ المُتَذَوِّقَ- قولَ الجرجانيّ: (إلَّا أَنَّكَ تَجِدُ الشِّعْرَ يَأبَى ذِكْرَ ذلك، ويُوجِبُ اطِّرَاحَه)؛ فلَم يَقُلْ: (الشَّاعِرُ يَأبَى ذِكْرَ ذلك)، بل قال: (الشِّعْرُ يَأبَى ذِكْرَ ذلك)، وكأنّ الذي يَضَعُ أحكامَ الشِّعْرِ ويُعَلِّمُ تَذَوُّقَ بيانِه هو الشِّعْرُ نَفْسُه! والبُحتُري قال: (إِذَا بَعُدَتْ أَبْلَتْ، وإِنْ قَرُبَتْ شَفَتْ)، ولَم يَقُلْ: (إِذَا بَعُدَتْ عَنِّي أَبْلَتْنِي، وإِنْ قَرُبَتْ مِنِّي شَفَتْنِي)؛ فقد حَذَفَ المَفعُولَ لِتَحْصُلَ اللَّطائِفُ التي ذَكَرَهَا لك الجرجانيّ، والتي لا سبيلَ إليها إلا بحذفِ هذا المَفعُولِ، وكأنّ الشِّعْرَ يَستَغِيثُ بك ألَّا تُقَدِّرَ المَحذُوفَ فَتَظْلِمَهُ وتُفْسِدَه! وباللهِ التَّوفِيق. |
رد: الصالون الأدبي
الصالون الأدبي (مع عُقَابِ العربيّة الأستاذ محمود محمد شاكر) (23) كتبه/ ساري مراجع الصنقري الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فلا نَزَالُ -عزيزيَ القارئَ- في مَعِيَّةِ التَّذَوُّقِ الذي يَحُضُّنَا عليه عبدُ القاهرِ الجرجانيُّ فَرْدًا فَرْدًا؛ لأنَّها خَاصِيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بك أنت، وسِرٌّ مِن أسرارِ اللهِ فيك، ولا يَستطِيعُ عبدُ القاهرِ أو غَيْرُهُ أن يُوجِدَهُ فيك، ولكن هو يُعطِيكَ مَفاتِحَه، ويَتْرُكُ لك التَّأمُّلَ واستخراجَ الكُنُوزِ والأسرار. ومِن الذين نَجَحُوا في استِخْراجِ هذه الكُنُوزِ والأسرارِ العُقَابُ محمود شاكر، بعد رحلةٍ طويلةٍ مع عبدِ القاهرِ وغَيْرِه، استطاع أن يَتَعَلَّمَ فيها صَنْعَةَ التَّذَوُّقِ، بل اهتدى إلى طريقِ الوُصُولِ إلى الدَّرَجةِ العُليا، وهو كيفيَّةُ صِنَاعَةِ هذه الصَّنْعَة. فقد ذَكَرْنَا قَوْلَهُ في "دلائل الإعجاز" (1/ 163) (القول في الحذف / القول في حذف المفعول به): (وليس لِنَتائجِ هذا الحَذْفِ -أَعْنِي حَذْفَ المَفعُولِ- نهايةٌ، فإنّه طَرِيقٌ إلى ضُرُوبٍ مِن الصَّنْعَةِ، وإلى لَطَائِفَ لا تُحصَى)، ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَهَا (1/ 163، 164): (نَوْعٌ آخَر، وهو: الإضمارُ على شَريطةِ التَّفسير... وهذا نَوْعٌ منه آخَر: اعْلَمْ أنّ ههنا بابًا مِن الإضمارِ والحذفِ يُسمَّى "الإضمار على شريطةِ التَّفسير... فمِن لَطِيفِ ذلك ونَادِرِهِ قَوْلُ البُحتُريّ: لَوْ شِئْتَ لَمْ تُفْسِدْ سَمَاحَةَ حَاتِمٍ كـَرَمـًا وَلَـمْ تَـهْـدِمْ مَـآثِـرَ خَـالِدِ الأصلُ لا محالةَ: لو شِئْتَ أن لا تُفْسِدَ سماحةَ حاتمٍ لَم تُفْسِدْها، ثُمَّ حُذِفَ ذلك مِن الأوَّلِ استِغناءً بدلالتِه في الثّاني عليه، ثُمَّ هو على ما تَرَاهُ وتَعْلَمُه مِن الحُسْنِ والغَرَابَةِ، وهو على ما ذَكَرْتُ لك مِن أنّ الواجبَ في حُكْمِ البلاغةِ أن لا يُنْطَقَ بالمَحذُوفِ ولا يظهرَ إلى اللَّفظِ. فليس يَخفَى أنّك لو رَجَعْتَ فيه إلى ما هو أَصْلُهُ فقُلْتَ: "لو شِئتَ أن لا تُفْسِدَ سماحةَ حاتمٍ لَم تُفْسِدْها"، صِرْتَ إلى كلامٍ غَثٍّ، وإلى شيءٍ يَمُجُّهُ السَّمْعُ، وتَعَافُهُ النَّفْسُ. وذلك أنّ في البَيانِ إذا وَرَدَ بعد الإبهامِ وبعد التَّحريكِ له أبدًا لُطْفًا ونُبْلًا لا يَكُونُ إذا لَم يَتَقَدَّمْ ما يُحَرّكُ. وأنت إذا قُلْتَ: "لو شِئتَ"، عَلِمَ السَّامِعُ أنّك قد عَلَّقْتَ هذه المَشِيئةَ في المَعْنَى بشيءٍ، فهو يَضَعُ في نَفْسِهِ أنّ ههنا شيئًا تَقْتَضِي مَشِيئتُه له أن يَكُونَ أو أن لا يَكُونَ؛ فإذا قُلْتَ: "لَم تُفْسِدْ سماحةَ حاتمٍ"، عَرَفَ ذلك الشَّيءَ. ومَجِيءُ "المَشِيئةِ" بعد "لو" وبعد حُرُوفِ الجَزاءِ هكذا موقوفةً غَيْرَ مُعَدَّاةٍ إلى شيءٍ، كثيرٌ شائعٌ، كقولِه -تعالى-: (فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) (النحل: ?)، والتَّقْدِيرُ في ذلك كُلِّهِ على ما ذَكَرْتُ. فَالْأَصْلُ: لو شاء اللهُ أن يَجْمَعَهُمْ على الهُدَى ولو شاء أن يَهْدِيَكُمْ أجمعينَ لَهَدَاكُمْ، إلّا أنّ البلاغةَ في أن يُجَاءَ به كذلك مَحْذُوفًا) (انتهى). وكأنّ عبدَ القاهرِ يَقُولُ لنا في هذا البابِ: إنّ هناك فارقًا كبيرًا بين معرفةِ المعرفةِ وتَذَوُّقِ المعرفةِ؛ فأمّا معرفةُ المعرفةِ فهي المعرفةُ الظَّاهِرَةُ، والتي تَحْصُلُ بقراءةِ كلامِ أهلِ البيانِ الذي كَتَبُوه، وأمّا تَذَوُّقُ المعرفةِ فهو المعرفةُ البَاطِنَةُ، وهذا شأنٌ آخَر، لأنّه لا يُكْتَسَبُ إلا بمعرفةِ كلامِ أهلِ البيانِ المُضْمَرِ (المَحْذُوف)، وفَهْمِهِ، وتَدَبُّرِهِ، ومعرفةِ عِلَّةِ حَذْفِه. واللهُ المُستَعان. |
رد: الصالون الأدبي
الصَّالون الأدبي (مع عُقَابِ العربيّةِ: الأستاذ محمود محمد شاكر) (24) كتبه/ ساري مراجع الصنقري الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فقال العُقابُ في مُقدِّمةِ عملِه على كتابِ "دلائل الإعجاز" (ص: 3): (فمنذُ دهرٍ بعيدٍ، حين شَققتُ طريقيَ إلى تَذَوُّقِ الكلامِ المكتوبِ، منظومِه ومنثورِه، كان مِن أوائلِ الكتبِ التي عكَفتُ على تذَوُّقِهَا كتابُ "دلائل الإعجاز"، لِلشَّيخِ الإمامِ "أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجانيّ"، الأديبِ النَّحْويّ، والفقيهِ الشَّافعيّ...) (انتهى). ومِن هُنَا نَتَبيَّنُ مدى أهمِّيَّةِ كتابِ "دلائل الإعجاز" في صناعةِ خَيَالِ محمود شاكر، وبناءِ فِكْرِهِ في منهجِ التَّذَوُّقِ، الذي قرأ به منظومَ الكلامِ ومنثورَه، ونستطيعُ بذلك أنْ نَكتشِفَ مَاهِيَّةَ الأدواتِ التي استَعمَلَها العُقابُ وهو يَقرأُ الشِّعْرَ في فترةِ العُزْلَة. ومِن هذا البيانِ السَّاحرِ الذي استعان به عبدُ القاهرِ في صناعةِ الذَّوْقِ: قولُ الشَّاعرِ -واسْمُه غيرُ معروفٍ-: قَدْ أَغْتَدِي والطَّيْرُ لَمْ تَكَلَّمِ! وقد ذكره لِيستَشهِدَ به في مَواضِعِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِير. وإنْ كان عبدُ القاهرِ استَشْهدَ به في بابِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، لِبيانِ أَثَرِهِ في صناعةِ الذَّوْقِ، وهو ما سيأتي بيانُه في أَوَانِه -إن شاء الله-، فإنّه لا يَجُوزُ لِصاحبِ الذَّوْقِ العالِي أيضًا أن يَغُضَّ الطَّرْفَ عن كلماتِ هذا الشَّاعرِ، المجهولِ العينِ، المعروفِ الحالِ، إذْ إنَّ بيانَه يُنْبِئُكَ حالَه، ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ؛ ومَعناهُ: أَنَّنِي كَثِيرًا ما أَخْرُجُ عند تَباشِيرِ الصَّباحِ والطَّيْرُ لا تَزالُ في أَوْكَارِهَا أو أَعْشَاشِهَا، فلَم تَتَكلَّمْ بَعْدُ؛ فكيف لِهذا الشَّاعرِ البارعِ أن يَجعلَ شَقْشَقَةَ العَصَافِيرِ في الصَّباحِ ككلامِ الإنسانِ؟! حقًّا إنَّه قِمَّةُ التَّذَوُّق. وكأنَّ قولَ الشَّاعرِ هذا مَأْخُوذٌ مِن قولِ امرئِ القيسِ في مُعَلَّقَتِه، وهو يَصِفُ فَرَسَهُ الذي يَرْكَبُهُ لِلصَّيدِ في البُكُورِ: وَقَـــدْ أَغْتَدِي والطَّـيْـرُ فِي وُكُـنَاتِهَا بِـمُـنْـجـَرِدٍ قـَيـْـدِ الأَوَابِــدِ هَـــيْـكــَلِ مـِـكـــَرٍّ مـِفـَرٍّ مـُقـْبـِـلٍ مـُدْبــِرٍ مَـعـًا كَجُلْمُوْدِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ فَالشَّاهِدُ هُنَا قَوْلُهُ: وَقَدْ أغْتَدِي والطَّيْرُ فِي وُكُنَاتِهَا؛ ومَعناهُ: أَنَّنِي كَثِيرًا ما أَخْرُجُ إلى الصَّيْدِ في البُكُورِ والطَّيْرُ لا تَزالُ في أَوْكَارِهَا. فما أَجْمَلَ بيانَ امرئِ القيسِ لمّا قال: والطَّيْرُ فِي وُكُنَاتِهَا! فقد بَلَغَ بِالذَّوْقِ مَدَاه. فقد أعطيتُك المِفْتاحَ، فَهَيَّا.. إِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ؛ فَالأدَبُ -نَظْمُهُ ونَثْرُهُ- كما يَتَمَيَّزُ بالخُصُوصِيَّةِ في الفِكْرَةِ والعِبَارَةِ، فإنَّه يَحتاجُ أيضًا إلى خُصُوصِيَّةٍ في الاسْتِعْدَادِ والاسْتِقْبَالِ. ولَا تـَقُـلْ قــَدْ ذَهَـبـَــتْ أَرْبَـابـُهُ كُلُّ مَنْ سَارَ عَلَى الدَّرْبِ وَصَلْ واللهُ المُوَفِّقُ؛ لا إلهَ غَيْرُه، ولا رَبَّ سِوَاه. |
رد: الصالون الأدبي
الصَّالون الأدبي (مع عُقَابِ العربيّةِ: الأستاذ محمود محمد شاكر) (25) كتبه/ ساري مراجع الصنقري الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فَإنِّي مُضْطَرٌّ إلى الْتِمَاسِ مَعْذِرَةِ القَارِئِ المُتَعَجِّلِ، الذي انقاد سَمْعُهُ إلى كلماتٍ، واعتاد بَصَرُهُ على عباراتٍ، لا تتجاوز السَّطْرَينِ أو الثَّلاثةَ، يقول صاحبُها: لقد قضى محمود شاكر عشرَ سنواتٍ مِن العُزْلَةِ، بدأ فيها بإعادةِ قراءةِ كُلِّ ما وقع تحت يدِه مِن الشِّعْرِ العَربيِّ... إلى آخِر تلك الكلماتِ. وفي الحقيقةِ -عزيزيَ القارئَ- إن أنا فعلتُ ذلك، فَردَّدتُ هذه العباراتِ كالبَبْغاءِ، فقد وافقتُك إلى عادتِك المُسْتَحْكِمَةِ، وأجبتُك إلى عَجَلتِك المُلِحَّةِ، ولكن في الوقتِ ذاتِه جَنَيتُ على العُقابِ، وسَلَبتُ حُرِّيَّتَهُ، فَرَسَفَ في قُيُودٍ مِن الإهمالِ، وانْخَسَفَتْ بيننا وبينه هُوَّةٌ سَحِيقَةُ القَرَارِ، كَهُوَّةٍ بين حَبِيبَيْنِ تَمَادَى بينهما الجَفَاءُ، واشْتَدَّ في بِعَادِهِمَا الكَرْبُ والبَلَاءُ. وإنَّمَا أمانةُ العِلْمِ تَقْضِي بضَرُورةِ استكشافِ منهجِ العُقابِ في قراءةِ هذا الشِّعْرِ؛ والعُقابُ نَفْسُهُ هو الذي أرشدك إلى مَنْهَجِهِ، فأراحك، وسهَّل لك الطَّريقَ، إذ قد عرَّف منهجَه في كثيرٍ مِن كُتُبِهِ ومقالاتِه، كما بينَّا ذلك مِرَارًا، ناصحًا إيّاك باستقصاءِ الجُهْدِ، مع الأناةِ والصَّبْرِ، وعدمِ الاستكراهِ والعَجَلَةِ، فمِن ذلك قَولُه في مُقدِّمةِ كتابِه: "رسالة في الطَّريق إلى ثقافتنا" (ص: 15، 16): (فمَنْهجِي في "تَذوُّقِ الكلامِ"، مَعنِيٌّ كُلَّ العنايةِ باستنباطِ هذه الدَّفائنِ، وباستدراجِها مِن مَكامِنِها، ومعالجةِ نَظْمِ الكلامِ ولَفْظِهِ معالجةً تُتِيحُ لي أن أَنْفُضَ الظَّلامَ عن مَصُونِها، وأُمِيطَ اللِّثَامَ عن أَخْفَى أسرارِها وأَغْمَضِ سَرائِرِها. وهذا أمرٌ لا يُستطَاعُ ولا يَكُونُ له ثمرةٌ إلا بالأناةِ والصَّبْرِ، وإلا باستقصاءِ الجُهْدِ في التَّثَبُّتِ مِن معاني ألفاظِ اللُّغةِ، ومِن مَجَارِي دلالاتِها الظَّاهرةِ والخَفِيَّةِ، بلا استكراهٍ ولا عَجَلَةٍ، وبلا ذَهابٍ مع الخَاطرِ الأوَّلِ، وبلا تَوَهُّمٍ مُسْتَبِدٍّ تُخْضِعُ له نَظْمَ الكلامِ ولَفْظَه) (انتهى). ولا شَكَّ في أنَّ هذه العادةَ التي استَحكَمَت في المُتَلَقِّينَ سببُها الرَّئِيسُ هم كثيرٌ مِن الأدباءِ والنُّقَّادِ والمُفكِّرينَ، الذين نَراهُم -قديمًا وحديثًا- يَحومُونَ حول الأدبِ، ولا يَتَوَغَّلُونَ فيه، ويَطُوفُونَ حول النُّصُوصِ، ولا يَملِكُونَ مهارةَ تحليلِها، واستخراجِ أسرارِها، واستدراجِها من مَكامِنِها. ومِن ذلك أنَّك تَجِدُهُم يَسْتَنْفِدُونَ جُهْدَهُمْ في الكلامِ عن المُتَنَبِّي نَفْسِهِ، دون أن يتناولوا دِيوانَه بالدِّراسةِ والتَّحلِيلِ واستخراجِ مَكنُونِه والكَشْفِ عن حقيقتِه. وقد قال النَّاقِدُ الأديبُ الشَّاعِرُ الدُّكتور أحمد هيكل (1922 – 2006) -وزيرُ الثَّقافةِ الأسبقُ- في هذا المَضمُونِ: (لا يَكفِي العملَ في حَقْلِ الدِّراسةِ الأدبيَّةِ الجانبُ النَّظَرِيُّ والجانبُ التَّأريخِيُّ، وإن كان هذا مَطلُوبًا جدًّا، فَالْأَبْقَى منه والْأَخْلَدُ ورُبَّمَا الْأَفْيَدُ لِلدَّارِسينَ ولِجَمْهَرَةِ القُرَّاءِ هو الدِّرَاسَةُ التَّطْبِيقِيَّةُ لِلنُّصُوصِ، التي تُقَرِّبُ النُّصُوصَ مِن وِجْدَانِ المُتَلَقِّينَ، وتَجعَلُها مَيسُورةً، وتَجعَلُ ما يُقَالُ عن الأدبِ نَظَرِيًّا أو تَأْرِيخِيًّا أو نَقْدِيًّا مُوَثَّقًا بهذه النُّصُوصِ المَدرُوسَةِ دِرَاسَةً مَنْهَجِيَّةً) (انتهى). ولأحمد هيكل كِتَابٌ قَيِّمٌ في هذا البابِ، اسمُه "قصائد أندلسيَّة"، وتَضَمَّنَ الكِتَابُ دِرَاسَةً نقديَّةً تطبيقيَّةً لِنُصُوصٍ مِن الشِّعْرِ الْأَنْدَلُسِيِّ، لِثَلاثَةٍ مِن شُعَراءِ الأندلسِ الكِبَارِ؛ هم: 1- ابنُ زَيْدُونَ (ت: 463)، الشَّاعِرُ الذي عاش في عَصْرِ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ. 2- ابنُ خَفَاجَةَ (ت: 533)، شَاعِرُ الطَّبِيعَةِ، الذي عاش فَتْرَةً مِن حياتِه في أيَّامِ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ، ثُمَّ فَتْرَةً في أيَّامِ المُرَابِطِينَ. 3- ابنُ حَمْدِيسَ الصِّقِلِّيُّ (ت: 527)، ابنُ صِقِلِّيَّةَ، حينما كانت إِسْلَامِيَّةً. فَاحْرِصْ على اقْتِنَائِه، وجِدَّ في شِرَائِه. والعُقابُ لَم يَكْتَفِ بإرشادِنا إلى مَنهجِه، بل أَخْبَرَنَا بالمَصادرِ الأصليَّةِ التي استَقَى منها مَنهجَه، وكان مِن أهمِّها: دَلائِلُ الإعجازِ لِعبدِ القَاهرِ الجُرْجَانِيِّ، فقد قال -كما ذَكَرْنَا في المَقالِ السَّابقِ- في مُقدِّمةِ عملِه على كتابِ "دلائل الإعجاز" (ص: 3): (فمنذُ دهرٍ بعيدٍ، حين شَققتُ طريقيَ إلى تَذَوُّقِ الكلامِ المكتوبِ، منظومِه ومنثورِه، كان مِن أوائلِ الكتبِ التي عكَفتُ على تذَوُّقِهَا كتابُ "دلائل الإعجاز"، لِلشَّيخِ الإمامِ "أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجُرْجَانِيّ"، الأديبِ النَّحْويّ، والفقيهِ الشَّافعيّ...) (انتهى). لِذَا فَلا بُدَّ لنا مِن إكمالِ هذه الوَقَفَاتِ مع كتابِ "دلائل الإعجاز"، وكي تَكُونَ تمهيدًا لِتَنَاوُلِه بِالدِّرَاسَةِ والتَّحْلِيلِ عند الكلامِ عن مُؤَلَّفَاتِ محمود شاكر وتحقيقاتِه. واللهُ المُوَفِّقُ والمُسْتَعَانُ. |
رد: الصالون الأدبي
الصَّالون الأدبي (مع عُقَابِ العربيّةِ: الأستاذ محمود محمد شاكر) (26) كتبه/ ساري مراجع الصنقري الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فقد سَعَى العُقَابُ في التَّعْرِيفِ بِمَنْهَجِهِ في التَّذَوُّقِ، والتَّأْرِيخِ له، وتَقْرِيبِهِ إلى عُقُولِ النَّاشِئَةِ وجَمْهَرَةِ المُتَعَلِّمِينَ والمُثَقَّفِينَ، وكان هذا دَأْبَهُ في كَثِيرٍ مِمَّا كان يَنْشُرُهُ مِن مَقَالَاتٍ في المَجَلَّاتِ والصُّحُفِ السَّيَّارةِ التي يَقْرَأُهَا جُمْهُورٌ مُتَفَاوِتُ الثَّقَافَةِ، مُخْتَلِفُ المَشَارِبِ، مُتَعَدِّدُ التَّخَصُّصِ. ومِمَّا ذَكَرَهُ في هذا المَجَالِ، في مَقَالَةٍ نَشَرَهَا في مَجَلَّةِ "الثَّقَافَةِ" (السَّنة السَّادسة، العدد 63 ديسمبر سنة 1978، 4 – 17)، عُنْوَانُهَا: "المُتَنَبِّي لَيْتَنِي ما عَرَفْتُهُ (3)" قَوْلُهُ: (تَارِيخُ "التَّذَوُّقِ" عِنْدِي: أنتَ مُتَذَوِّقٌ لِلشِّعْرِ، وأنا مُتَذَوِّقٌ لِلشِّعْرِ، وآلافٌ مُؤَلَّفَةٌ مِن المُثَقَّفِينَ وغَيْرِهِمْ -قديمًا وحديثًا- مُتَذَوِّقُونَ لِلشِّعْرِ، أُوه، نَسِيتُ، وحتَّى لا أُعَدَّ مُتَجَنِّيًا أو مُقَصِّرًا، والدُّكتور طه حسين أيضًا مُتَذَوِّقٌ لِلشِّعْرِ؛ و"التَّذَوُّقُ" عند جميعِنا قائمٌ في النَّفْسِ، ولا يَجْمَعُ بيننا في الحقيقةِ إلا هذا اللَّفْظُ "التَّذَوُّق". أمَّا وسائلُ "التَّذَوُّقِ" وأسبابُه وطَرائقُه وأساليبُه، فمُختلِفةٌ بيننا اختلافًا يكاد يَبلُغُ مِن الكثرةِ عددَ المُتَذَوِّقِين، ولا يستطيعُ أحدُنا أن يُلزِمَ الآخَرَ بما يَجِدُهُ قائمًا في نَفْسِهِ مِن وسائلِ "التَّذَوُّقِ" وأسبابِه وطَرائقِه وأساليبِه، هذا مستحيلٌ -إن شاء الله-، وكُلُّ ما يُمكِنُ أن يَكُونَ، أن يَقَعَ مِن جميعِنا، أو مِن بعضِنا، اتِّفَاقٌ على مَظْهَرٍ أو أكثرَ مِن مَظَاهِرِ "التَّذَوُّقِ"، وعلى غَيْرِ تَوَاطُؤٍ مِنَّا أو مِن بعضِنا؛ أمَّا الاتِّفَاقُ على طبيعةِ "التَّذَوُّقِ" وعلى وسائلِه ودرجاتِه وأبعادِه، اتِّفَاقًا قاطعًا لِكُلِّ شُبْهَةِ اختلافٍ أو تَبَايُنٍ أو تَضَادٍّ، فهذا ما لا يَكُونُ البَتَّة. وهذا تفسيرٌ آخَرُ يَزِيدُ ما قُلْتُهُ قديمًا وُضُوحًا، إذ قُلتُ في المَقالتَينِ السَّالفتَينِ: "إنَّ التَّذَوُّقَ معنًى عامٌّ مُشتركُ الدَّلالةِ بين النَّاسِ جميعًا، وهو يَقِلُّ ويَكْثُرُ، ويَعْلُو ويَسْفُلُ، ويَصْقُلُ ويَصْدَأُ، ويَجُودُ ويَفْسُدُ، ولكنَّه حاسَّةٌ لا غِنَى عنها لِلإنسان"، وقُلتُ أيضًا: "إنَّ التَّذَوُّقَ لفظٌ مُبهَمٌ مُجمَلُ الدَّلالةِ، ولِكُلِّ حَيٍّ عاقلٍ مُدْرِكٍ منه نَصِيبٌ يَقِلُّ ويَكْثُرُ، ويَحْضُرُ في شيءٍ ويَتَخَلَّفُ في غَيْرِهِ، وتَصْقُلُهُ الأيَّامُ والدُّرْبَةُ، وتَرْهَنُهُ جَوْدَةُ المعرفةِ والصَّبْرُ على الفَهْمِ والمُجَاهَدَةُ في حُسْنِ الإِدْرَاك". وقد فَرَغْتُ في المقالةِ السَّالفةِ مِن الدَّلالةِ على أنَّ لفظَ "التَّذَوُّقِ"، مَصْدَرٌ دَالٌّ على حَدَثٍ (أيْ فِعْلٍ) مُبْهَمٍ غَيْرِ مُتَعَيِّنٍ، ولا مُتَمَيِّزٍ، قَابِلٍ لِلتَّعَدُّدِ والاختلافِ والتَّنَوُّعِ، أيْ أنَّه، كما قُلتُ، كسائرِ أخواتِه مِن الأحداثِ المُبْهَمَةِ، هي ذاتُ نَمَاءٍ سَابِغٍ مُتَوَهِّجٍ، وذاتُ غِنًى مُفْعَمٍ، وذاتُ ثَرَاءٍ مَكْنُوزٍ، وأنَّها أيضًا ذاتُ خَطَرٍ مَرْهُوبٍ، لِمَا فيها مِن قُوَّةٍ غَامِضَةٍ تَجْعَلُهَا قَادِرَةً قُدْرَةً مُطْلَقَةً على تَضْلِيلِ السَّامِعِ والمُتَكَلِّم. وقد نشأتُ أنا في زمنٍ كانت فيه هذه اللَّفظةُ "التَّذَوُّقُ" شائعةً كثيرةَ الاستعمالِ في الصُّحُفِ والمَجَلَّاتِ، فتَلَقَّنْتُها تَلَقُّنًا وأنا في أَوَّلِ الصِّبَا وخَفَّتْ على اللِّسَانِ ونَشَبَتْ فيه كسائرِ ما نَتَلَقَّنُهُ مع الصِّغَر، فكان إبهامُها وقَبولُها لِلتَّعَدُّدِ والتَّنَوُّعِ بِنَمائِها وغِناها وثَرائِها يُثِيرُ في النَّفْسِ لَذَّةً ونَشْوَةً واهتزازًا ونحن نُحَاوِلُ أن "نَتَذَوَّقَ" الشِّعْرَ والنَّثْرَ، ثُمَّ سَائِرَ الفُنُونِ الدُّنْيَا) (انتهى). ونُكْمِلُ كلامَ العُقَابِ في المَقالِ القادمِ -إن شاء الله-. واللهُ المُسْتَعَانُ. |
رد: الصالون الأدبي
الصَّالون الأدبي (مع عُقَابِ العربيّةِ: الأستاذ محمود محمد شاكر) (27) كتبه/ ساري مراجع الصنقري فيُكْمِلُ العُقَابُ حِكَايَتَهُ مع التَّذَوُّقِ في مَقَالَتِهِ التي نَشَرَتْهَا مَجَلَّةُ "الثَّقَافَةِ"؛ فَيَقُولُ: (ولَكِنَّ التَّفْكِيرَ في حقيقةِ "التَّذَوُّقِ" ما هو، لَم يَكُنْ دَاخِلًا في منطقةِ الوَعْيِ، ولا غَائِبًا أيضًا عن منطقةِ الوَعْي. اسْتِطْرَادٌ: أرجو أنْ لا تَتَذَكَّرَ أنَّ هناك شيئًا حَادِثًا شَبِيهًا بهذا في مسألةِ "غَيْبَةِ الوَعْيِ" و"عَوْدَةِ الوَعْيِ" -هما كتابانِ لِلأستاذِ توفيقِ الحكيمِ-؛ لِأنَّنا هنا نَتكلَّمُ في فَنِّ الأدبِ والشِّعْرِ، لا في فَنِّ التَّمثيلِ والتَّهريجِ، وأيضًا لِأنَّ اللهَ عافاني مِن أنْ أُسْلِكَ نَفْسِيَ في عِقْدِ "الأساتذةِ الكِبَارِ"، فلذلك لَم أَتَعَلَّمْ هذه الفُنُونَ لا صغيرًا ولا كبيرًا، فليس بيني وبينها عَمَلٌ، وكذلك لفظُ "الوَعْيِ" هنا، ليس بينه وبين هذا اللَّفظِ عندهم عَمَلٌ؛ لا تَنْسَ ذلك أيُّها العزيزُ. فَمُنْذُ الآنَ، سَأَقُصُّ عليك القِصَّةَ كاملةً "قِصَّةَ التَّذَوُّقِ"، لِأنِّي رأيتُك قد جُرْتَ عليَّ فيها جَوْرًا ما كان ينبغي أنْ يَكُونَ، جَوْرٌ هو أَشَدُّ مِن جَوْرِيَ الذي زعمتَه على صاحبِك الدُّكتور؛ سَأُبَيِّنُ لك تاريخَ "التَّذَوُّقِ" عِنْدِي، وبعضَ مَعانِيهِ عِنْدِي أيضًا، ومَنْهَجِيَ الذي مَلَكْتُهُ وطَبَّقْتُهُ في جميعِ ما كَتَبْتُ، ومِن خلالِ ذلك تَعْلَمُ -إنْ شاء اللهُ- إنِّي لَم أَظْلِمْ الدُّكتور طه حَبَّةَ خَرْدَلٍ في كُلِّ ما كَتَبْتُهُ عنه أو وَصَفْتُهُ به، بَلْ لَعَلِّي أَسَأْتُ أَبْلَغَ الإساءةِ حين تَغَاضَيْتُ عن كثيرٍ مِمَّا كان ينبغي أنْ أَقُولَهُ فيه قديمًا وحديثًا. لَعَلَّكَ تَذْكُرُ أنِّي قد تَحَدَّثْتُ في مُقدِّمةِ كتابيَ "المُتنبِّي: 1/ 11-15"، وقُلْتُ: "إنِّي حَفِظْتُ "المُعَلَّقَاتِ العَشْرَ الجَاهِلِيَّةَ" صغيرًا، وإنَّ مَعْرِفَتِي بها لَم تَزِدْ قَطُّ على أنْ تَكُونَ زيادةً في ثروةِ مَعْرِفَتِي بِالْعَرَبِيَّةِ وبِشُعَرَائِهَا وشِعْرِهَا، وإنَّ قراءتيَ بعضَ أُصُولِ كُتُبِ الأدبِ والشِّعْرِ على الشَّيْخِ سيِّد بن علي المَرْصَفِي، شَيْخِي وشَيْخِ الدُّكتور طه مِن قَبْلِي، نَقَلَتْنِي مِن هذا الطَّوْرِ إلى طَوْرٍ آخَرَ، أَوْغَلَ بي في الحَفَاوَةِ بِالشِّعْرِ الجاهليِّ، وفي الحِرْصِ على قراءتِه وتَتَبُّعِ قَوَاصِيهِ ونَوَادِرِه، وإنَّ قراءتيَ على الشَّيْخِ أَوْقَفَتْنِي على شَيْءٍ مُهِمٍّ جِدًا، شَغَلَنِي، واسْتَوْلَى على لُبِّي وعلى نَفْسِي، فَعُدْتُ أَدْرَاجِي أَقْرَأُ دواوينَ الشُّعَرَاءِ الجاهليِّينَ، دِيوَانًا دِيوَانًا، شَاعِرًا شَاعِرًا، ومَن لَم أَجِدْ له منهم دِيوَانًا جَمَعْتُ لِنَفْسِي ما بَقِيَ مِن شِعْرِهِ وقَرَأْتُ شِعْرَهُ مُجْتَمِعًا؛ وهذا المَسْلَكُ في ترتيبِ القراءةِ جعلني أَجِدُ في الشِّعْرِ الجاهليِّ شيئًا لَم أَكُنْ أَجِدُهُ مِن قَبْلُ وأنا أَقْرَأُ الشِّعْرَ الجاهليَّ مُتَفَرِّقًا على غَيْرِ نِظَامٍ، مُبَعْثَرًا بين الشُّعَرَاءِ المُختَلِفِينَ؛ أو وأنا أَحْفَظُ هذه "المُعَلَّقَاتِ العَشْرَ الجَاهِلِيَّةَ"، وأُدَارِسُهَا وأَتَتَبَّعُ مَعَانِيَ ألفاظِها، مع اختلافِ مَعانِيها وأغراضِها" (المتنبي 1/ 14)" (انتهى). ونُكْمِلُ الحِكَايةَ في المَقالِ القادمِ -إن شاء الله-. فَاللَّهُمَّ يَسِّرْ وأَعِنْ. |
رد: الصالون الأدبي
الصَّالون الأدبي (مع عُقَابِ العربيّةِ: الأستاذ محمود محمد شاكر) (28) كتبه/ ساري مراجع الصنقري فنُواصِلُ المَسِيرَةَ مع العُقابِ، الذي ارْتَوَتْ مِن فَيْضِ أُسْلُوبِهِ عُقُولٌ، وأَيْنَعَتْ مِن عِلْمِهِ نُفُوسٌ، وتَغَذَّتْ مِن ذِهْنِهِ أَفْكَارٌ وسَمَقَتْ؛ فَيُكْمِلُ العُقابُ كلامَه قائلًا: (وهذا الذي وجدتُه فيه فاستولى عليَّ، كان يومئذٍ شيئًا لا أملكُ التَّعبيرَ عنه ولا أُحسِنُه، لِأنَّه كان شيئًا غامضًا مُستبهمًا يَجُولُ في نَفْسِي لا أكاد أَتَبيَّنُ مَعالِمَه؛ فلذلك صار أمرُ التَّعبيرِ عنه تعبيرًا واضحًا مُتعذِّرًا عليَّ كُلَّ التَّعَذُّرِ، وقلتُ أَصِفُ ذلك: "فما هو إلا "التَّذَوُّقُ" المَحْضُ والإحساسُ المُجَرَّدُ. وبهذا "التَّذَوُّقِ" المُتتابِعِ الذي أَلِفْتُهُ مَرَّةً بعد مَرَّةٍ، صار لِكُلِّ شِعْرٍ عندي مَذَاقٌ وطَعْمٌ وشَذًا ورَائِحَةٌ، وصار مذاقُ الشِّعْرِ الجاهليِّ وطعمُه ورائحتُه بَيِّنًا عندي، بل صار يَتَمَيَّزُ بعضُه مِن بعضٍ دالًّا يَدُلُّنِي على أصحابِه. (المتنبي 1/ 15). وأنا عند هذا المَوضعِ أَتَلَفَّتُ إلى الماضي التِفاتةً لا بُدَّ منها؛ حَقٌّ لَازِمٌ في عُنُقِي أنْ أُفْرِدَ الفضلَ كُلَّه في تَنَبُّهِي إلى أَوَّلِ الطَّريقِ، إلى شيخِي سيِّدِ بن عليٍّ المَرْصَفِي، فإنَّه -بعد اللهِ سبحانه- هو الذي هداني وسدَّد خُطايَ على أَوَّلِ الطَّريقِ؛ كانت لِلشَّيخِ -رحمه اللهُ، وأثابه- عند قراءةِ الشِّعْرِ وَقَفَاتٌ، يَقِفُ على الكلمةِ، أو على البيتِ، أو على الأبياتِ، يُعِيدُهَا ويُرَدِّدُهَا، ويُشِيرُ بِيدَيهِ، وتَبْرُقُ عَيْنَاهُ، وتُضِيءُ مَعَارِفُ وَجْهِهِ، ويَهْتَزُّ يَمْنَةً ويَسْرَةً، ويَرْفَعُ مِن قَامَتِهِ مادًّا ذِراعَيهِ، مُلَوِّحًا بهما يَهُمُّ أن يَطِيرَ، وتَرَى شَفَتَيْهِ والكلماتُ تَخْرُجُ مِن بينهما، تَرَاهُ كأنَّه يَجِدُ لِلْكلماتِ في فَمِهِ مِن اللَّذَّةِ والنَّشْوَةِ والحَلَاوَةِ ما يَفُوقُ كُلَّ تَصَوُّرٍ. كنتُ أُنْصِتُ وأُصْغِي وأَنْظُرُ إليه لا يُفَارِقُهُ نظري، ويَأْخُذُنِي عند ذلك ما يَأْخُذُنِي وأُطِيلُ النَّظرَ إليه كالمَبهُوتِ، لا تكاد عيني تَطْرُفُ وصوتُه يَتَحَدَّرُ في أقصى أعماقِ نَفْسِي كأنَّه وابلٌ مُنْهَمِرٌ تَستطِيرُ في نواحيه شَقائِقُ بَرْقٍ يُومِضُ إيماضًا سريعًا خفيفًا ثاقِبًا؛ أيَّامٌ لَم يَبْقَ منها إلا هذه الذِّكْرَى الخَافِتَةُ! فإذا كَفَّ عن الإنشادِ والتَّرَنُّمِ أَقْبَلَ يَشْرَحُ ويُبَيِّنُ، ولَكِنَّ شَرْحَهُ وتَبْيِينَهُ لهذا الذي حَرَّكَهُ كُلَّ هذا التَّحريكِ، كان دون ما أُحِسُّهُ وأَفْهَمُهُ ويَتَغَلْغَلُ في أقاصي نَفْسِي مِن هيئتِه وملامحِه وهو يَتَرَنَّمُ بِالشِّعْرِ أو يُرَدِّدُ، كان دون ذلك بكثير، وكنتُ أُحِسُّ أحيانًا بِالْحَيْرَةِ والْحَسْرَةِ تَتَرَقْرَقُ في ألفاظِه وهو يَشْرَحُ ويُبَيِّنُ، كأنَّه كان هو أيضًا يُحِسُّ بأنَّه لَم يَبْلُغْ مَبْلَغًا يَرْضَاهُ في الإبانةِ عن أسرارِ هذه الكلماتِ والأبياتِ؛ هكذا كان شَأْنُ الشَّيخِ -رحمه الله-، أيّ علَّامةٍ ذوَّاقةٍ كان! هكذا حالُ الشَّيخِ كان في بيتِه، وأنا أَقْرَأُ عليه الأدبَ والشِّعْرَ يومئذٍ وَحْدِي. أمَّا حالُه وهو يُلْقِي دُرُوسَهُ العامَّةَ التي يَحْضُرُهَا الجَمْعُ مِن طَلَبَةِ العِلْمِ، والتي كان يَحْضُرُ أمثالَها مِن قَبْلِنَا الدُّكتورُ طه قديمًا فِيمَنْ يَحْضُرُ دُرُوسَهُ في الأزهرِ، فكان مُخْتَلِفًا كُلَّ الاختلافِ؛ كان مُلْتَزِمًا بِالْجَدِّ والْوَقَارِ يَتَخَلَّلُهُمَا دَوْرٌ قَلِيلٌ مِن مُزَاحٍ لَاذِعٍ جَارِحٍ أحيانًا، ولَكِنَّهُ كان لا يُقَصِّرُ في الإبانةِ والشَّرْحِ، ولا في التَّوَقُّفِ عند الأبياتِ أو الكلماتِ الجِيَادِ الحِسَانِ المُحْكَمَةِ، فهذا مَوْضِعُ الفَرْقِ بين الذي أخذتُه أنا عن الشَّيخِ، والذي أخذه عنه الدُّكتورُ طه، وما كان على كُلِّ حالٍ بِقَادِرٍ أنْ يَأْخُذَ عنه ما أَخَذْتُ، فإنَّ الذي أخذتُه عنه وأَحْدَثَ في نَفْسِي ما أَحْدَثَ، لا يبلغُ السَّمَاعُ بالإذنِ منه شيئًا، لِأَنَّه وَلِيدُ المُشاهَدةِ والعَيَانِ، لا وَلِيدُ الألفاظِ والكلماتِ! ما علينا أيُّها العزيزُ) (انتهى). ونُكْمِلُ كلامَ العُقابِ في المَقالِ القادمِ -إن شاء اللهُ-. واللهُ المُوَفِّقُ. |
رد: الصالون الأدبي
الصَّالون الأدبي (مع عُقَاب العربية: الأستاذ محمود محمد شاكر) (29) كتبه/ ساري مراجع الصنقري الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فيُكْمِلُ محمود شاكر حكايةَ خُطَّتِهِ التي سَلَكَهَا في تَذَوُّقِ الشِّعْرِ؛ فَيَقُولُ: "شَيْئًا فَشَيْئًا، منذ تلك الأيّامِ الغَوابِرِ، بدأتُ أُحِسُّ في الشِّعْرِ الجاهليِّ، وفي غير الشِّعْرِ الجاهليِّ، شَيْئًا يَنبعِثُ منه، دبيبُ حركةٍ تَتركُ في نَفْسِي آثارًا خفيَّةً غريبةً، فإذا عُدتُ أستَبطِنُه مُترنِّمًا به، مُتأمِّلًا في طَوايَاهُ، عاد دبيبُ الحركةِ، حركةٌ لا أدري ما هي؟ فهذا هو الذي قلتُ إنّه كان مِن دَيْدَنِي بعد ذلك أن أُحَدِّثَ عنه أساتذتيَ الكِبارَ الذين خالَطتُهم وعرَفتُهم يومئذٍ وتَأخُذَني النَّشْوةُ وأنا أُفَاوِضُهُم فيما أُحِسُّ به، فكان يُعْرِضُ منهم عنِّي مَن يُعْرِضُ، ويُرَبِّتُ على خُيَلَاءِ شبابي مَن رَبَّتَ بِيَدٍ لطيفةٍ حانيةٍ، كما وصفتُ ذلك في كتابيَ "المُتَنَبِّي". ومِن أغربِ ما لَقِيتُ مِن الإعراضِ عمَّا أقولُ إعراضُ الشَّيخِ المَرْصَفِي نَفْسِهِ عن حديثي مرَّاتٍ، وهو نَفْسُهُ الذي أثارَني إلى هذا وحرَّكَني هو وَحْدَهُ دون سِوَاه! ولكنِّي لَم أَكُفَّ عن الإلحاحِ عليه، حتى كانت نهايةُ إعراضِه عنِّي، حين فَهِمَ عنِّي ما كان لساني يَعْجِزُ عن بيانِه وعن التَّعبيرِ عنه؛ فإذا هو بعد ذلك راضٍ عنِّي مُقْبِلٌ عليَّ، يُفِيدُنِيَ الفَوائِدَ، ويُسَدِّدُ لي خُطَايَ في هذا الطَّريقِ الوَعْرِ المَسَالِكِ والمَضَايِقِ، المُتَشَابِكِ المَنَاهِجِ والشِّعَابِ؛ كان هذا أَوَّلَ مُمَارَسَتِي لِلَّذِي سَمَّيْتُهُ فيما بعد "التَّذَوُّقَ"، مكانَ "الاسْتِبَانَةِ"، ولكنَّها على ذلك كُلِّهِ، كانت مُمارَسةً جَاهِلَةً جَافِيَةً غَامِضَةً بلا مَنْهَجٍ صحيحٍ آوي إليه وأستعينُ به؛ كان ذلك في سنة 1925، وما بَعْدَهَا. وبعد سَنَةٍ دخلتُ الجامعةَ، وكان مِن أَمْرِ الدُّكتورِ طه وأَمْرِي ما كان، حتَّى كان اليومُ الذي اضْطُرِرْتُ فيه اضْطِرَارًا أن أَقِفَ المَوْقِفَ الذي دُفِعْتُ إليه بَغْتَةً أُجَادِلُ الدُّكتورَ وأُنَاقِشُهُ في "مسألةِ الشِّعْرِ الجاهليِّ"، صَارِفًا هَمِّيَ كُلَّهُ إلى موضوعِ "المَنْهَجِ" و"الشَّكِّ"، وإلى ضرورةِ قراءةِ الشِّعْرِ الجاهليِّ والْأُمَوِيِّ والعبَّاسيِّ قراءةً "مُتَذَوِّقَةً" مُسْتَوْعِبَةً، لِنَسْتَبِينَ الفَرْقَ بين الشِّعْرِ الجاهليِّ والشِّعْرِ الإِسلاميِّ، قَبْلَ الحُكْمِ على الشِّعْرِ الجاهليِّ بأنَّه شِعْرٌ صَنَعَتْهُ الرُّوَاةُ المُسلِمُونَ في الإِسلامِ، كما بَيَّنْتُ ذلك في كتابيَ "المُتَنَبِّي: (1/ 23)"، ثُمَّ في مَقَالَتِيَ الْأُولَى هنا أيضًا. وفي غُضُونِ هذا المَوْقِفِ المُتَطَاوِلِ بيننا حتَّى فارَقتُ الجامعةَ كان اللَّفْظُ النَّاشِبُ في لِسَانِي وفي أَلْسِنَةِ الكُتَّابِ، وهو "التَّذَوُّقُ" بِمَعْنَاهُ المَشْهُورِ الغَامِضِ المُبْهَمِ الدَّلَالَةِ، القَابِلِ لِلتَّنَوُّعِ والتَّعَدُّدِ بِلَا شَيْءٍ يُعِينُ على تَمَيُّزِهِ وتَعَيُّنِهِ؛ كان هذا اللَّفْظُ مِحْوَرَ المُفاوَضةِ بيني وبينه، كما كان مِن قَبْلُ مِحْوَرَ المُفاوَضةِ بيني وبين أساتذتيَ الكِبَارِ، على رَأْسِهِمْ شَيْخِيَ المَرْصَفِي، فيُعْرِضُ عليَّ مَن يُعْرِضُ، ويُرَبِّتُ على خُيَلَاءِ شبابي مَن يُرَبِّتُ، ولكنِّي كنتُ في خِلالِ مُفاوَضَتِي لِجميعِهم أُغْرِقُ هذا اللَّفْظَ إغراقًا في أشباهٍ أَقُولُهَا، هي "وَرَاءَ التَّذَوُّقِ"، بَيْدَ أنَّنِي كنتُ لا أُحْسِنُ العِبَارَةَ عنها إحسانًا يُعينُ علي" (انتهى). ونُكْمِلُ كلامَه في المَقالِ القادمِ -إن شاء الله-. وباللهِ التَّوفِيق. |
رد: الصالون الأدبي
الصالون الأدبي (مع عقاب العربية: الأستاذ محمود محمد شاكر) (30) كتبه/ ساري مراجع الصنقري فتمر الأيّامُ، ويتجدد اللِّقاءُ بالقُرّاءِ الأعِزّاءِ، وتستمر رحلتُنا مع عُقابِ العربيَّةِ، الذي كان أشبه ما يكون بالدِّيمةِ المُمطرةِ، التي أظلَّتْنا أكثرَ مِن ثمانينَ عامًا تُمِدُّنَا بالخير والعطاء، ثم اختفت من سمائنا، تاركةً آثارَها الطيِّبةَ، نتأمَّلُها ونفيدُ منها. فيواصلُ العُقابُ حكايتَه مع التَّذَوُّقِ قائلًا: (وقد حدَّثتُ الدُّكتور طه مِرارًا، وأنا أجادله يومئذٍ فأطيل، بالذي كنتُ أجده في نفسي ولا أحسن العبارةَ عنه؛ أي: بما هو "وراء التَّذَوُّق"، فكان يُصغي إليَّ أحيانًا كثيرة، ثم ينتهي إلى أن يُمصمِصَ بطرفِ لسانِه، وبزهوه وخيلائه وإفراطه في الإعجاب بنفسه، لا يكون ردُّه عليَّ إلَّا سُخريةً بي وبما أقول. كان زهوه يجعله لا يصبر، فلَم يفهم عنِّي مرَّةً واحدةً كُلَّ الفَهمِ أو بعضَ الفَهمِ. لَم أكن أبالي بسخريته، فقد أَلِفْتُهَا منذ قديم، وأَلِفْتُ استخفافَه بالنّاسِ جميعًا سوى نفسه، "شِنْشِنَةٌ أَعْرِفُهَا مِنْ أَخْزَمِ" -كما يقال في المَثَل- (والشِّنْشِنَةُ: الخَلِيقةُ والسَّجِيَّةُ المَغروزةُ في الطَّبيعةِ). هذا، على أنَّه كان له يومئذٍ كُلُّ العُذرِ في خيلائه واستخفافه؛ لأنَّ ذُيوعَ صيتِه بفعل المُعارَضةِ التي لقيها كِتابُه: "في الشِّعر الجاهليّ"، بلغ مَبلغًا مُثيرًا، فهو طائرٌ مُحَلِّقٌ في جَوِّ السَّماء، كُلُّ شيءٍ يقع عليه بصرُه يتضاءل ويصغر، كُلَّما أمعن في العُلُوِّ والتَّصعيدِ، وهو معذورٌ أيضًا؛ لأنه كان يومئذٍ في الثَّامنةِ والثَّلاثينَ من عُمره، وكان يُحِسُّ أنَّه أصبح مشروعًا مُعَدًّا ناضجًا قابلًا لِلتَّنفيذِ؛ أي: هو في طريقِه إلى أن ينقلبَ أستاذًا كبيرًا، فلا بُدَّ له من التَّشَبُّعِ بسَننِ "الأساتذة الكبار" في الزَّهْوِ والعُجبِ والاستخفافِ. ومع "الزَّهْوِ والعُجبِ والخُيلاءِ" لَم أجد عنده صبرًا أو استجابةً أو مُحاوَلةً لِفَهْمِ ما أقول، كاستجابةِ المَرصَفي شيخي وشيخه هو أيضًا. ذهب كُلُّ كلامٍ بيني وبينه هَذَرًا باطلًا، هكذا ظننتُ يومئذٍ! ولكنِّي قد قصصتُ قِصَّةَ تَذكُّرِه لهذا الحديثِ البعيدِ وظهور أثره فيما كتبه في جريدةِ الجهادِ سنة 1935م، حين أَحَسَّ أنَّ العرشَ يَهْتَزُّ مِن تحته، قصصتُها في كتابي "المُتَنبِّي" (1/ 41 - 47)، وفي مواضعَ أخرى. ثم ما فُوجِئَ به عند ظهور كتابي عن المُتَنبِّي سنة 1936م؛ حيث استبان له أنِّي طبَّقتُ في هذا الكتابِ منهجًا في "تَذَوُّقِ الشِّعر"، يُشبِه أن يكون قريبًا من شيءٍ سمعه قديمًا منِّي، ثم ذَهَلَ عنه في غَمرةِ الأحداثِ والأزمانِ. ويومئذٍ بدا له أن يفعلَ ما فعل، مِمَّا قصصتُه أيضًا في مُقدِّمة كتابي "المُتَنبِّي" (1/ 147 - 158)، وفيه قِصَّةُ "السَّطْوِ" كاملةً على اختصارها، فإن شِئتَ فَأَعِدْ قراءتَها، فعسى أن تَجِدَ فيها شيئًا يزداد وضوحًا بعد هذا الحديثِ) (انتهى). وإلى لقاءٍ قادمٍ -إن شاء الله-. وعلى الله قصدُ السَّبيل. |
رد: الصالون الأدبي
الصالون الأدبي (مع عقاب العربية.. الأستاذ محمود محمد شاكر (31) كتبه/ ساري مراجع الصنقري فيُواصِلُ الأستاذ محمود شاكر حكايةَ رحلتِه مع "التَّذَوُّقِ" بلفظِه المُونِق، وأسلوبِه المُشْرِق؛ فيقول: (فارَقتُ الجامعةَ سنة 1928، وانطوى الماضي كُلُّه بما فيه، وبمَن فيه أيضًا، ذهبتُ بعيدًا وحيدًا لا رفيقَ لي غير "قضيَّة الشِّعر الجاهليّ"، كما شرحتُها لك آنفًا، والتي لَم تلبث أن أنشأتْ لنفسها صاحبةً لا تفارقها، هي إعادة النَّظر في شأن "إعجاز القرآن". كان لفظُ "التَّذَوُّقِ" فاشيًا في الألسنةِ والأقلامِ، لا يكاد أحدُنا يَشُكُّ في أنَّه معنًى مفهومٌ واضحٌ مفروغٌ منه، ومع الأيَّامِ الطُّوَالِ المُوحِشَةِ، وشيئًا فشيئًا، بدأ ما كنتُ أجدُه في نفسي عند قراءةِ الشِّعرِ الجاهليِّ وغيرِ الشِّعرِ الجاهليِّ، والذي سمَّيتُه لك آنفًا "ما وراءَ التَّذَوُّقِ"، والذي كان ما أقولُه عنه غيرَ مُبِينٍ ولا واضحٍ، والذي أنكَرَه عليَّ أساتذتي مِن قَبْلُ، ورفَضَه الدُّكتور طه رفضًا كاملًا، أخذ هذا يَدفَعُني إلى سُلُوكِ طريقٍ آخَر، يعتمد على جَسِّ الكلماتِ والألفاظِ والتَّراكيبِ جَسًّا مُتَتابِعًا بالتَّأمُّل، ثُمَّ عليَّ الرُّجُوعُ إلى أُصُولِهَا في المَعاجمِ مع التَّدقيقِ في مَكْنُونِ معانيها المُختلِفة، ثُمَّ في دلالاتِها وظِلالِ دلالاتِها عند كُلِّ شاعرٍ أو كاتبٍ، ثُمَّ دخلتُ في مُقارَناتٍ كثيرةٍ بين المُتشابِهاتِ والمُتبايِناتِ، وشيءٍ كثيرٍ بعد ذلك كان يَفرضُ نَفْسَهُ على طريقي فرضًا. يومئذٍ بدأ لفظُ "التَّذَوُّقِ"، بمفهومِه الذي عهدتُه، بدأ يتزعزعُ مِن حيثُ نشب مِن نفسي ومِن لساني، ورأيتُه لفظًا مُبهَمًا مُجْمَلَ الدَّلالةِ، لفظٌ غامضٌ مُظلِمٌ، مُضَلِّلٌ بِتَعَدُّدِ صُوَرِهِ واختلافِها وتَنَوُّعِهَا، ولكنِّي لَم أستطع أن أطرقَ بعيدًا، لأنَّ الذي أجدُه في نَفْسِي ممَّا سمَّيتُه "ما وراءَ التَّذَوُّقِ"، كان لا يَزالُ صاحبَ سُلْطانٍ عليَّ مُطَاعٍ، فكان يَقْبِضُنِي عن الطَّيْشِ والمُجازَفةِ بطرحِه، فبينهما صِلَةٌ خَفِيَّةٌ أُحِسُّهَا، وإن كنتُ غيرَ قادرٍ على تَبَيُّنِهَا. وهذا الذي استولى عليَّ وخامَرَني في شأنِ "التَّذَوُّقِ"، رَمَاني بغتةً في حَوْمَةِ الارتيابِ وفُوجِئتُ بلفظٍ آخَرَ هو لفظُ "البلاغةِ" الذي يدور عليه القَولُ في "إعجازِ القُرآنِ"، والذي يُوصَفُ به الكلامُ فيُقالُ: "كلامٌ بليغٌ"، فإذا هو أيضًا عندي الآن لفظٌ مُبهَمٌ شديدُ الإبهامِ، ونَفَرَتْ جَهَنَّمُ بين شِدْقَيْهَا تريد أن تَبْتلِعَني. ضاقَت عليَّ الأرضُ بما رَحُبَتْ، بَيْدَ أنِّي كُلَّمَا أعدتُ النَّظَرَ وجدتُ "الذَّوْقَ" حقيقةً كامنةً في نَفْسِي، ووجدتُ "البلاغةَ" أيضًا حقيقةً ظاهرةً تفرضُ سُلْطانَها على نَفْسِي، ولكنِّي كُلَّمَا حاولتُ أن أعرفَ لهما بيانًا أو حدًّا بلغ فيَّ الإعياءُ كُلَّ مَبْلَغٍ) (انتهى). وتستمر الحكايةُ في المقالِ القادمِ -إن شاء الله-. واللهُ -سبحانه- المُوَفِّقُ. |
رد: الصالون الأدبي
الصالون الأدبي (مع عُقَاب العربية.. الأستاذ محمود محمد شاكر) (32) كتبه/ ساري مراجع الصنقري الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فيُواصل العُقابُ حكايتَه مع التَّذوق بكلماتٍ تُبيِّن مدى أهمية الجُرجاني في صناعةِ خيال العُقاب، وبناءِ فكره في منهج "التَّذوق". قال -رحمه الله-: "وبدا لي يومئذٍ أن أُعِيدَ قراءةَ عبد القاهر الجُرجاني في كتابَيه: "أسرار البلاغة"، و"دلائل الإعجاز"، أكببتُ على قراءةِ الكتابَين، وبَغتةً رأيتُ أو تبيَّنتُ أنّ عبد القاهر قد وقع في نَفْسِ ما وقعتُ فيه، رأيتُه قد وقع في الحَيْرَةِ من لفظ "البلاغة"، ورآه لفظًا مُبهَمًا شكلًا ليس له بيانٌ، ولا حَدٌّ يُعِينُ على تصور "البلاغة" ما هي؟ فيومئذٍ انبعث انبعاثًا لِيكشفَ عن إبهام "البلاغة"، فألَّف كتابَه "أسرار البلاغة"، عَمَدَ فيه إلى تحليل الألفاظ المُتصرِّفة بأمر المعاني، مُبينًا عن وجوه حُسنها وقُبحها، وخطئها وصوابها، وسُموِّها وسُقوطها غير مقطوعةٍ عن أصلها في الكلام المُؤلَّف المُركَّب، ثُمَّ ألَّف أيضًا كتابَه "دلائل الإعجاز"، عمد فيه إلى تحليل الجُمل، أي الكلام المُركَّب الذي يحتمل تركيبُه آلافًا من الوجوه، فكان كِتَاباهُ هذَانِ أوَّلُ كتابَينِ في "تحليل اللُّغة" بلغ فيهما غاية قصر عنها كُلُّ مَن جاء بعده، وهذان الكتابان هما أصلُ "علم البلاغة"، كما سمَّيْناه؛ وسترى ذلك مُبينًا في كتابي: "مداخل إعجاز القرآن" (تنبيه: نُشر هذا الكتابُ بعد وفاةِ العُقابِ -رحمه الله-، مطبعة المدني، القاهرة، سنة 2002 م). كان فضلُ عبد القاهر يومئذٍ عليَّ فضلًا عظيمًا؛ لأنَّني حين فهمتُ حقيقةَ الدَّواعي التي حملتْه على وضع كتابَيه الجليلَين، أدركتُ مِن فوري أنّ مسألةَ "التَّذَوُّقِ" مُرتبطةٌ ارتباطًا وثيقًا بمسألةِ "البلاغةِ" في الأمرَينِ جميعًا، في إبهامِهما، وفي أنّهما حقيقتانِ مُتعلِّقتانِ بمَداركِ الفِطْرةِ في الإنسان. ولمّا رأيتُه قد استطاع بتحليلِ الألفاظِ والجُملِ والتَّراكيبِ أن يجعلَها تكشفُ اللِّثامَ عن أسرار المعاني القائمة في ضمير مُنشِئِها، فأزال إبهام "البلاغة"، ظننتُ أنّه مِن المُستطاعِ أيضًا بضُروبٍ أخرى مِن تحليلِ الألفاظِ والجُملِ والتَّراكيبِ أن أصلَ إلى شيءٍ يَهديني إلى كشفِ اللِّثامِ عن أسرار العواطف الكامنة التي كانت في ضمير مُنشِئِها، فأزيل إبهام "التَّذوق". وإذا كان تحليلُه قد أفضى به أن يجعلَ نظم "الكلام" دالًّا على صُوَرٍ قائمةٍ في نفس صاحبها، فعسى أن أجدَ أيضًا في ضَربٍ أو ضُروبٍ مِن التَّحليل ما يُفضي بي إلى أن أجعلَ "الكلام" ونظمه جميعًا دالًّا على صُورةِ صاحبِها نَفْسِه. والتبست عليَّ الطُّرقُ مرَّةً، واستبانت مرَّةً، ثُمَّ بدأتْ بعد زمنٍ تتضح لي بعضُ المَعالِم، وكان ممّا أعانني على وضوح هذه المعالم، ما كنتُ دخلتُ فيه مِن قَبْلُ، مِن جَسِّ الكلماتِ والألفاظِ والتَّراكيبِ جَسًّا مُتَتابِعًا، إلى آخِر ما وصفتُه آنفًا. وعلى الأيّامِ بزغ لي بعضُ الضِّياءِ، وأنارت بعضُ الشُّعَلِ، ووضعتُ لِنفسي منهجًا، انتهيتُ إلى أن سمَّيتُه "التَّذوق"، كما حدَّثْتُك آنفًا، وجعلتُ أُمَارِسُه في جميع ما أقرأُ مِن الكلامِ لا في الشِّعرِ وَحْدَه؛ والأمرُ يَطُولُ، ولكن هذه خُلاصتُه أكتبُها على مَشَقَّةٍ" (انتهى). وإلى اللقاء في المقال القادم -إن شاء الله-. فاللهمَّ يسِّر وأعِن. |
رد: الصالون الأدبي
الصَّالون الأدبي (مع عُقَاب العربية.. الأستاذ محمود محمد شاكر) (33) كتبه/ ساري مراجع الصنقري الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فيُواصِلُ العُقابُ حكايتَه مع الشِّعْرِ الجاهليِّ في مقالتِه التي نشرتْها مَجَلَّةُ "الثَّقافةِ"؛ فيَقولُ: "ولَم أُجَاوِزْ حَدَّ تطبيقِ منهجي هذا في القليلِ الذي كتبتُه، مِمّا نشرتُه وعمّا سوف أنشرُه بعد قليلٍ -إن شاء الله-، ولكنّه تطبيقٌ لا أكثر ولا أقلّ. وما دُمْنَا في حَيِّزِ التَّاريخِ فسأقِفُك على كلامَين: أحدهما: يصفُ الشِّعْرَ الجاهليَّ في أوَّلِ أمري حين قرأتُ كما حدَّثْتُك. والآخَر: يصفُ الشِّعْرَ الجاهليَّ بعد ذلك بزمانٍ طويلٍ، لمّا كتبتُ مُقدِّمةَ كتابيَ المُتَنبِّي (1/ 14) في سنة 1977م، وصفتُ قديمَ إحساسي بالشِّعْرِ الجاهليِّ في سنة 1927م وما قبلها، فقلتُ: 1- "وجدتُ يومئذٍ في الشِّعْرِ الجاهليِّ ترجيعًا خفيًّا غامضًا كأنّه حفيفُ نَسِيمٍ تسمعُ حِسَّهُ وهو يتخلَّلُ أعوادَ نَبْتٍ غَمِيمٍ مُتكاثِفٍ، أو رنينُ صوتٍ شجيٍّ ينتهي إليك مِن بعيدٍ في سُكونِ ليلٍ داجٍ وأنت محفوفٌ بفضاءٍ مُتباعِدِ الأطرافِ، وكان هذا التَّرجيحُ الذي آنَستُه مشتركًا بين شُعراءِ الجاهليَّةِ الذين قرأتُ شِعْرَهُم، ثُمَّ يمتازُ شاعرٌ مِن شاعرٍ بجرسٍ ونغمةٍ وشمائلَ تتهادى فيها ألفاظُه، ثُمَّ يختلفُ شِعْرُ كُلِّ شاعرٍ منهم في قصيدةٍ مِن شِعْرِه، وبدَندَنةٍ تعلو وتخف تبعًا لِحركةِ وِجدانِه مع كُلِّ غرضٍ مِن أغراضِه في هذا الشِّعْر". هكذا كنتُ أجدُ الشِّعْرَ الجاهليَّ قبل أن أنتهيَ إلى المرحلةِ التي وجدتُ عندها منهجًا أستطيعُ أن أُعِيدَ عليه قراءةَ هذا الشِّعْرِ، وإن كنتُ قد كتبتُه بعد انقضاءِ خمسينَ سنةً، ولكنِّي في سنة 1961م وصفتُ هذا الشِّعْرَ نَفْسَهُ في مُقدِّمةِ كتابِ صديقٍ لي -رحمه الله- (كتب الأستاذ شاكر هذه المُقدِّمةَ لِكتابِ "الظّاهرةِ القُرآنيّةِ" لِمالك بن نبي سنة 1958)، فقلتُ: 2- ولقد شغلني "إعجازُ القُرآنِ" كما شغل العصرَ الحديثَ، ولكن شغلني أيضًا هذا "الشِّعْرُ الجاهليُّ" وشغلني أصحابُه، فأدّاني طولُ الاختبارِ والامتحانِ والمُدارَسةِ إلى هذا المذهبِ الذي ذهبتُ إليه، حتى صار عندي دليلًا كافيًا على صِحَّتِه وثُبوتِه؛ فأصحابُه الذين ذهبوا ودرجوا وتبدَّدَت في الثَّرى أعيانُهم، رأيتُهم في هذا الشِّعْرِ أحياءً يَغدُونَ ويَروحُونَ، رأيتُ شابَّهُم ينزو به جهلُه وشيخَهُم تَدلِفُ به حكمتُه، ورأيتُ راضِيَهم يستنيرُ وجهُه حتى يُشرقَ وغاضِبَهم تَرْبَدُّ سَحْنَتُهُ حتى تُظلِمَ، ورأيتُ الرَّجُلَ وصديقَه، والرَّجُلَ وصاحِبَتَه، والرَّجُلَ الطَّرِيدَ ليس معه أحدٌ، ورأيتُ الفارسَ على جَوادِه، والعاديَ على رِجلَيه، ورأيتُ الجماعاتِ في مبداهم ومحضرِهم، فسمعتُ غزلَ عُشّاقِهم، ودلالَ فتياتِهم، ولاحت لي نيرانُهم وهم يَصطَلُونَ، وسمعتُ أنينَ باكيهم وهم لِلْفِرَاقِ مُزمِعُونَ؛ كُلُّ ذلك رأيتُه وسمعتُه مِن خلالِ ألفاظِ هذا الشِّعْرِ، حتى سمعتُ في لفظِ الشِّعْرِ همسَ الهامِس، وبُحَّةَ المُستكِين، وزَفْرةَ الواجِد، وصرخةَ الفَزِع، وحتى مثلوا بشِعرِهم نُصْبَ عيني، كأنِّي لَم أفقدهم طرفةَ عين، ولَم أفقد منازلَهم ومعاهدَهم، ولَم تغب عنِّي مذاهبُهم في الأرضِ، ولا شيءٌ ممّا أحسُّوا ووجدوا، ولا ممّا سمعوا وأدركوا، ولا ممّا قاسوا وعانوا، ولا خفي عنِّي شيءٌ ممّا يكون به الحيُّ حيًّا على هذه الأرضِ التي بقيت في التّاريخِ معروفةً باسم: جزيرة العرب" (انتهى). وتَستمِرُّ الحكايةُ في المَقالِ القادمِ -إن شاء الله-. واللهُ المستعان. |
رد: الصالون الأدبي
الصالون الأدبي (مع عُقَاب العربية.. الأستاذ محمود محمد شاكر) (34) كتبه/ ساري مراجع الصنقري فيَتجدَّدُ اللِّقاءُ مع سيرةٍ حافلةٍ بصفحاتٍ ناصعةٍ، صاحبُها لنا -فِي محرابِ العِلْمِ- إشعاعٌ وإشراق، نَتحلَّقُ حول مُصنَّفاتِه، ونَختلِفُ إلى مجلسِ آثارِه، فنستمتعُ بعُمقِ فِكرِه، وأصالةِ عِلمِه، ورجاحةِ عقلِه. فيُكْمِلُ العُقابُ حكايتَه مع "تَذَوُّقِ الشِّعْرِ"، فيقول: "وأَظُنُّ -أيُّها العزيزُ- أنَّك مستطيعٌ أن تجدَ الفَرقَ بين هذَين النَّعتَين لِلشِّعْرِ الجاهليِّ ظاهرًا علانيةً، وأنّ أولهما عليه وسمٌ بادٍ يَلُوحُ، يَدُلُّ على أنّه نعتٌ مِن أثرِ "التَّذَوُّقِ المَحضِ والإحساسِ المُجرَّدِ" -كما قلتُ آنفًا-، وأنّ هذا "التَّذَوُّقَ" يومئذٍ كان تَذَوُّقًا ساذَجًا بلا منهجٍ، كالذي هو ناشبٌ في الألسنةِ وأقلامِ الكُتّابِ المُحدثين، وأنّ ثانيهما عليه سمةٌ واضحةٌ تَدُلُّ على أنّه نعتٌ مِن أثرِ "التَّذَوُّقِ" أيضًا، ولكنّه تَذَوُّقٌ له معنًى آخَرُ غير المعنى المألوف، وأنّه "تَذَوُّقٌ" قائمٌ على منهجٍ مَرسُومٍ، له أسلوبٌ آخَرُ في استبطانِ الأحرفِ والكلماتِ والجُملِ والتَّراكيبِ والمعاني، ثُمَّ في استِدراجِها ومُمازحتِها ومُلاطفتِها ومُداورتِها حتَّى تَبُوحَ لنا بدخائلِ مُنشِئِيها ومُخبَّآتِ صُدورِهم، بل حتَّى تَكشِفَ اللِّثامَ عن صُوَرِهم ومَلامحِهم ومَعارفِ وجوهِهم سافِرةً بلا نقابٍ؛ أَظُنُّهُ فَرقًا ظاهرًا بين نعتَين، في زمنَين مُتَباعِدَين، لِكُلِّ زمنٍ منهما طبيعةٌ تُمَيِّزُهُ عن الزَّمَنِ الآخَرِ؛ أليس كذلك؟! ولِمُجَرَّدِ الحذرِ ممّا يخاف على الحديث إذا هو اختلف سياقُه وتباعدت أطرافُه، فيصبح عندئذٍ مُهدّدًا بأن تخفي أسباب التَّشابك بين معانيه، أو مُتوعّدًا بأن تتهتّك أو تسقط بعض الرَّوابط الجامعة بين أوصالِه فيتفكّك أو ينتشر، أُحِبُّ أن أختصرَ لك مُجملَ حديثي في نظامٍ واحدٍ، مُتداني الأطرافِ محذوف الفُضُول. فهذه القُوَّةُ المُركَّبةُ الكامنةُ في بناءِ الإنسانِ -والتي سمَّيتُها "القُدرة على البيان"- مُندمجةٌ اندماجًا لا انفصامَ له في حلقةٍ مُفرغةٍ مُكوَّنة منها ومِن العقلِ والنَّفْسِ والقلبِ، ولها في هذه الحلقةِ عَملانِ مُتداخِلانِ لا ينفصلانِ، هما: "الإبانةُ" و"الاستبانةُ"؛ و"الإبانةُ" هي قُدرتُها على إنشاءِ "الكلامِ" وتركيبِه -بليغًا كان أو غيرَ بليغٍ-، و"الاستبانةُ" هي قُدرتُها على تفليةِ "الكلامِ" وجَسِّهِ والتَّدَسُّسِ في طواياه وحين تتلقّاه من خارج -بليغًا كان "الكلامُ" أو غيرَ بليغٍ-، وهذه "الاستبانةُ" بجُملتِها هي التي سمَّيتُها: (التَّذَوُّق)" (انتهى). ونُواصِلُ الحكايةَ في المَقالِ القادمِ -إن شاء الله-. وباللهِ التَّوفِيق. |
رد: الصالون الأدبي
الصالون الأدبي (مع عُقَاب العربية.. الأستاذ محمود محمد شاكر) (35) كتبه/ ساري مراجع الصنقري فيَتجدَّدُ اللِّقاءُ بالقُرّاءِ الأعِزّاءِ، ويواصلُ العُقابُ حكايتَه مع التَّذوقِ قائلًا: "وكلامي -خفتُ- يوشكُ أن يوهمَ أنّ "التَّذوقَ" عملٌ آخَرُ مستقلٌّ مِن أعمال هذه القدوة، مقصورٌ على استبانة دفائن الكلام الدالّة على آثار العواطف والنَّوازع والطَّبائع النّاشبة فيه، وعلى التقاط الملامح العالقة التي يمكن بالملاطفة أن تحسرَ اللثامَ عن بعض معارف ضمير مُنشئِها وصورتِه وهيئتِه. وخفتُ أيضًا أن يظنَّ ظانٌّ أنّ هذا عملٌ آخَرُ هو غير عملها في استبانة صور المعاني القائمة التي كانت في نفس مُنشئِها، والتي هي في الحقيقة ما نُسمِّيه "البلاغة". وخفتُ أيضًا أن يَتوهَّمَ مُتوهِّمٌ أنّ أحدَ العملَين ممكن أن يتم بمعزل عن العمل الآخَر. ليس كُلُّ ذلك صحيحًا أو ممكنًا؛ لأنَّ صاحبَ "الإبانةِ" و"الاستبانةِ" واحدٌ غير قابل للتجزئة، وهو "القدرة على البيان"، ولأنّ طلبَ "الاستبانةِ" لجميع ما تطلبه في "الكلامِ" المُتلقَّى مِن خارجٍ مُتداخلٍ مُمتزجٍ في حيِّزٍ واحدٍ هو نفسُ "الكلامِ" المُتلقَّى مِن خارج، ولأنّ جميعَ ذلك حدثٌ واحدٌ متلازمٌ أيضًا في زمنٍ واحدٍ مُختطفٍ مُتلاحقٍ لا يمكن تثبيتُه أو تقسيمُه. وإذًا فهو على التَّحقيقِ عملٌ واحدٌ خاطفٌ لا يتجزَّأ، وإنَّما نحن الذين نتولّى الفصلَ بين شيءٍ منه وشيءٍ بعد تمام العمل الواحد جميعه، على قدر ما عندنا مِن الرَّغبة وتوجيه العناية إلى إبراز شيءٍ منه دون شيء. وأظنُّه صار قريبًا ممكنًا أن نتخطَّى كلامًا كثيرًا ونُفضي إلى نتيجةٍ مُوجزةٍ، هي أنَّ "التَّذوقَ" يقعُ وقوعًا واحدًا، في زمنٍ واحدٍ، على كُلِّ "كلامٍ"، بليغًا كان أو غيرَ بليغٍ، ثُمَّ يفصل عن "الكلامِ" ومعه خليطٌ "واحدٌ" ممزوجٌ متشابكٌ غيرُ مُتَميِّزٍ بعضُه مِن بعضٍ، وفي هذا الخليطِ أهمُّ عُنصرَين" (انتهى). وإلى لقاءٍ قادمٍ -إن شاء الله-. واللهُ المستعان. |
رد: الصالون الأدبي
الصَّالون الأدبي (مع عُقَابِ العربية.. الأستاذ محمود محمد شاكر) (36) كتبه/ ساري مراجع الصنقري فيُواصلُ محمود شاكر حكايتَه مع التَّذوق في مقالتِه التي نشرتها مَجَلَّةُ "الثَّقافةِ"؛ فيَقولُ: "العنصر الأول: ما استخرجه "التَّذوق" مِن العلائق الباطنة الخفيَّة الناشبة في أنفس الأحرف والكلمات والجمل والتراكيب والمعاني، وهذا في جملته يجعلنا قادرين على أن نستخلصَ منه ما يحدد بعض الصفات المميزة التي تدل على طبيعة منشئ الكلام، أي على بعض ما يتميز به من الطبائع والشمائل، أو ما شئتَ مِن هذا الباب. والعنصر الثاني: ما استخرجه "التَّذوق" مِن العلائق الظاهرة بين أنفس الأحرف والكلمات والجمل والتراكيب والمعاني، وهذا في جملته يجعلنا قادرين على أن نستخلصَ منه ما يحدد بعض الصفات المميزة التي تدل على طبيعة الكلام نفسه، أي: على ما يتميز به من "السذاجة" و"البلاغة"، أو ما شئتَ مِن هذا الباب. والإحساسُ بهذين العُنصرَين الخليطَين إحساسٌ سريعٌ، خاطفٌ، ناقدٌ، لطيفٌ، دقيقٌ، دفينٌ، قائمٌ في النَّفْس لأول وهلةٍ عند سماع كل كلامٍ أو قراءته، مِن العسير عليَّ أن أتقصَّاه هنا أو أُعبِّرَ عنه تعبيرًا واضحًا في كلماتٍ قلائل، ولكن كل أحدٍ قادرٌ على تبينه بالأناةِ والتَّوقف، وبالتَّأمل والدُّرْبة، فيما أظن، ولكنَّه على كُلِّ حالٍ إحساسٌ خفيٌّ مكنونٌ مُقنَّعٌ بقناعٍ مِن الكتمان، يحتاج إلى ما يهتك عنه هذا القناعَ حتى يسفرَ ويستبينَ وينجلي، ثم يبوح بما عنده. ولكن ليس أمرُ "التَّذوق" في الحقيقة محفوفًا بمثل هذه القسوة والصَّرامة التي ألجأتني إليها طبيعةُ حديثي عنه، وطبيعةُ اللُّغةِ التي تجعلنا "اضطرارًا" أن نجسد ما لا يتجسد؛ فما مِن إنسانٍ حيٍّ عاقلٍ مُدركٍ، صغيرٍ أو كبيرٍ، جاهلٍ أو عالمٍ، قَلَّ عِلمُه أو كثر، إلا و"التَّذوق" حاضرٌ في دخيلته حضورًا ما؛ لأنَّه "إنسانٌ" قد أودع اللهُ في بنائِه هذه الأعجوبةَ النَّفيسةَ الغاليةَ التي صار بها إنسانًا، وهي "القدرة على البيان"، فهو إِذَنْ على هذا "التَّذوق"؛ لأنَّه ما مِن شيءٍ يسمعه أو يبصره أو يحسه أو يذوقه، أو يتوهمه أيضًا، إلَّا وهو محتاجٌ فيه إلى "القدرة على البيان" بعملَيها في "الإبانة" و"الاستبانة"، أي "التَّذوق"، لأنّه غيرُ قادرٍ على إدراكِ أيِّ معنًى أو تَصَوُّرِه إلا عن طريق هذه القدرة وأدائها لعملَيها أداءً ما، فالتَّذوق إِذَنْ ضرورةٌ لكل حيٍّ مِنَّا منذ يُولَدُ إلى أن ينقطعَ أجلُه على هذه الأرض" (انتهى). ونلتقي في المَقالِ القادمِ -إن شاء الله-. فَاللَّهُمَّ يَسِّرْ وأَعِنْ. |
رد: الصالون الأدبي
الصالون الأدبي (مع عُقَاب العربية.. الأستاذ محمود محمد شاكر) (37) كتبه/ ساري مراجع الصنقري فيقول العُقابُ في ختامِ حكايتِه مع التَّذوق في مقالتِه التي نشرتْها مَجَلَّةُ "الثَّقافةِ": "وهذا الإلفُ الطَّويلُ لِقيامِ "التَّذوقِ" فيه وأدائِه لِعملَيه، منذ يُولَدُ إلى أن يكبرَ ويعقلَ يُؤهِّلُه، بلا وعي منه حاضر فريد واضح الإرادة، أن يكتسبَ قدرةً على سرعة استخلاص قدرٍ لا بأس به مِن هذا الخليط الذي امتزج فيه العنصران جميعًا، وعندئذٍ، ولأول وهلةٍ، ينفصل شيءٌ بعد شيءٍ مِن هذا الخليط وكأنَّه انفصل من تلقاء نفسه، ويبرز للمرء واضحًا جليًّا، ولا يُحِسُّ البتَّة أنَّه بذل في تَبيُّنِه جهدًا أو تعمَّد بذله، وهذا هو "التَّذوق" السَّاذج الذي لَم يتم عن منهجٍ مرسومٍ أو قصدٍ أو عنايةٍ. ولكن يبقى في الخليط الممزوج مِن العُنصرَين بعد ذلك شيءٌ "كثيرٌ"، يحتاج إلى منهجٍ وقصدٍ وعنايةٍ، أي يحتاج إلى إرادةٍ واضحةٍ، وإلى تَنَبُّهٍ وبصرٍ، وإلى حرصٍ على تمييز شيءٍ مِن شيءٍ، وإلى عنايةٍ متوجهةٍ إلى غرضٍ واحدٍ أو أغراضٍ متنوعةٍ، وهذا غير ممكن أن يتم من تلقاء نفسه على وجهٍ صحيحٍ، ولا أن يتم كُلُّهُ دفعةً واحدةً، ويحتاج أيضًا إلى ترديد الكلام وترجيعه، وإلى إعادة النظر فيه مرَّةً بعد مرَّةٍ بعد مرَّةٍ، وإلى التقاط شيءٍ من هذا الخليط، وإلى فصلِ بعضٍ مِن بعضٍ، وإلى ضَمِّ شكلٍ إلى شكلٍ، وإلى ملاحظةِ الفُروقِ بين المُتشابهَين أحيانًا، أو تحديدِ ضربٍ مِن التشابه بين غير المُتشابهَين ظاهر أحيانًا أخرى، وأشياءَ أخرى كثيرةٍ لا يضبطها إلا المنهجُ والقصدُ والعناية. وهذا الذي وصفتُ هو "التَّذوق" بعُنصرَيه: التَّذوق الواقع على طبيعة الكلام نفسه، أي: على ما يتميز به من "السَّذاجة" أو "البلاغة" أو ما شئتَ مِن هذا الباب، والذي كان مُبهَمًا كل الإبهام؛ فجاء عبدُ القاهرِ الجُرجانيُّ فألَّف كتابَين: "أسرار البلاغة" و"دلائل الإعجاز"، لِيُزيلَ الإبهامَ عن لفظ "البلاغة"، أي عن أحد عُنصرَي "التَّذوق"، وهو نفسه "التَّذوق" الواقع على طبيعة منشئ الكلام، أي: على بعض ما يتميز به مِن الطَّبائع والشَّمائل أو ما شئتَ مِن هذا الباب؛ وهذا العنصر الثَّاني هو الذي حاولتُ جاهدًا أن ألتمسَ لنفسي طريقًا إلى إزالة إبهامه، فإنْ أنا قد وفقتُ فيه إلى بعضِ الصَّوابِ فبفضلِ اللهِ وتسديدِه، وإنْ أكُ قد أخطأتُ الطَّريقَ وأسأتُ فأسأل المغفرةَ واسعَ المغفرةِ سبحانه" (انتهى). وإلى لقاءٍ قادمٍ -إن شاء الله-. واللهُ المُستَعان. |
رد: الصالون الأدبي
الصالون الأدبي (مع عُقَاب العربية.. الأستاذ محمود محمد شاكر) (38) كتبه/ ساري مراجع الصنقري فنواصلُ سيرةَ حِصْنٍ مِن حُصونِ العُروبةِ والإسلامِ، الذي بأمثالِه يمكن لِبلادِنا أن تعيشَ نهضةً علميَّةً كبيرةً، ويكونَ لها مستقبلٌ مُشرِقٌ يعيدُ تاريخَها، ويُحقِّقُ آمالَها. قال محمود شاكر في مقالِه "المُتَنبِّي ليتني ما عرَفتُه (1)" -الذي نُشر في "مَجلَّةِ الثَّقافة" (السَّنة الخامسة، العدد 60، سبتمبر، 1978م، ص: 4-19)-: "أخي الدكتور عبد العزيز الدسوقي (1925-2015م) -وكان رئيس تحرير مجلة الثقافة-: ... وبعدُ، فكاذبٌ أنا إن قلتُ لك أنّ ثناءك عليَّ لَم يهزني، فأنا كأنت وكهو وكهي، كُلُّنا ممّا يَغُرُّهُ الثَّناءُ، أو تأخذه عنده أريحيَّةٌ وابتهاجٌ أو تَغمُرُه فيه نشوةٌ ولذَّةٌ. ولكن غروري وأريحيَّتي وابتهاجي ونشوتي ولذَّتي، سرعان ما تنقلب عليَّ غمًّا لا أجد مُتنفَّسًا يُفرِّج عنِّي؛ لأنِّي أعلم مِن حقيقة نفسي ما يجعلني دون كُلِّ ثناء وإن قلّ، أعلمه عيانًا حيث لا يملك المُثنِي عليَّ أن يراه عيانًا كما أراه، ولَيْتَ شِعْرِي، أكان شيخُ المَعرَّةِ صادقًا حيث يقول عن نفسه: إذا أَثْنَى عليَّ الـمَرءُ يـومًا بـخـيرٍ ليس فـيَّ فذاك هاجِ وحقِّي أن أُساءَ بما افتراه فلُؤمٌ في غريزتيَ ابتهاجِي فمعنى هذا إِذًا: أنَّ الشيخ كان إذا جاءه ثناءٌ عليه بما هو فيه، فإنَّه يبتهج له، ولا يعد ابتهاجه هذا لؤمًا في غريزته، أمَّا أنا فأعد ابتهاجي بالثناء عليَّ بما هو فيَّ وبما ليس فيَّ، لؤمًا في الغريزة، لأنِّي أعلم أنَّ الذي فيَّ من الخير مغمورٌ في بحرٍ طامٍ من النَّقيصة والعيب. ومع ذلك، فأنا أشكر لك ثناءك، لأنَّ الشكر واجب لا مصرف عنه، وترك الشكر لُؤمٌ آخَرُ في الغريزة. أشكره لك لأنَّك بثنائك عليَّ، ذكَّرْتَني عيبي وتقصيري ونقيصتي لِأستغفر اللهَ وأتوب إليه. هذه هي الْأُولَى" (انتهى). أمَّا الثَّانيةُ فسنذكرُها في المقالِ القادمِ -إن شاء الله-. واللهُ المُوفِّق. |
رد: الصالون الأدبي
الصالون الأدبي (مع عُقَاب العربية.. الأستاذ محمود محمد شاكر) (39) كتبه/ ساري مراجع الصنقري فيواصلُ العُقابُ كلامَه قائلًا: "أمّا الثّانية: فإنِّي وجدتُك في مواضعَ مُتفرِّقةٍ من كلامك في شأن كتابي وكتاب الدكتور طه عن المُتنبِّي تكثر من أن تتنصَّلَ من إرادة إغضابي أو إرادة إساءتي. فمَن الذي أنبأك -أيُّها العزيز الكريم- أنِّي أعد الذي يظهرني على أخطائي، أو الذي لا يعجبه ما أكتب، مُريدًا لإساءتي، مُثيرًا لغضبي، طالبًا لِلغضِّ منِّي أو من كتابي؟ مَن أنبأك هذا، حتى تُبالغَ في التنصل مِن اعتماده، وفي البراءة من إرادته؟ لقد قدَّمتُ بين يدي كتابي عن المُتنبِّي قِصَّةَ هذا الكتاب، وبيَّنتُ أنَّها "لمحةٌ مِن فساد حياتنا الأدبيَّة". فكان ممّا أشرتُ إليه أنَّه كان مِن عادة "الأساتذة الكبار"، وهي عادةٌ بثَّت في حياتنا الأدبيَّة إلى هذا اليوم فسادًا ساحقًا: أنَّهم كانوا يُخطِئون في العلن، ويَتبرَّأون من أخطائهم في السِّرّ، وأشرتُ أيضًا إلى أنَّهم كانوا لا يصبرون على مَن يَدلُّهم على الخطأ، ويستنكفون كِبرًا أن يؤوبوا إلى الصَّواب، ثم أزيدك الآن أيضًا: أنَّهم كانوا لا يَتورَّعون عن الإيقاع بمَن يَدلُّهم على الخطأ، ويَتعقَّبونه بالأذى مِن وراء حجاب، ومَن طلب الأمثلةَ على هذا وجدها على مَدِّ يده! بَيْدَ أنِّي، مِن يوم عقلتُ أمرَ نفسي، قد أنكرتُ جميع السنن التي سنَّها "الأساتذة الكبار"، أنكرتُها كفاحًا ومواجهةً وبلا مواربةٍ؛ فبئس المرء أنا إِذَنْ إذا أنا أنكرتُ سُنَّةً كريهةً ثم ركبتُها! كانوا -رحمهم الله جميعًا- لا يُحِبُّونَ إلا الثَّناءَ المَحضَ المُصفَّى الخالِصَ مِن كُلِّ شائبةٍ، فإذا جاءهم غيرُ ما يُحِبُّونَ تَنمَّروا لِمَن أتاهم به تَنمُّرَ من لا بيت على دِمْنَة (والدِّمْنَة: الحقد الدَّفين المُضمَر المُلتهِب بالغيظ" (انتهى). وإلى اللقاءِ في المقالِ القادمِ -إن شاء الله-. ونَسألُ اللهَ التَّوفيق. |
رد: الصالون الأدبي
الصالون الأدبي (مع عُقَاب العربية.. الأستاذ محمود محمد شاكر) (40) كتبه/ ساري مراجع الصنقري فقد انتهينا من مرحلة النشأة لمحمود شاكر، الذي لَم يكن عَلَمًا على شخص، وإنَّما كان علمًا على ثروةٍ ضخمةٍ من فنون اللسان العربي، تجمعت بالحفظ والدرس والتحصيل والتمحيص والدأب والصبر والإيمان في ثمانٍ وثمانين سنةً من يوم مولده إلى يوم وفاته. فنشأته في هذا البيت وهذه البيئة: غرست في ذهنِه البكرِ أصولَ العلوم، ومِن هذا الجذر الغليظ العميق مِن فنون العلم تفرَّعت شجرة المعرفة في ذهنه، وبهذه الحصيلة الأولية القوية من المحفوظ، مع الملكات الموهوبة، والمُعلِّمين المُتميِّزين، نمت في ذهنه تلك البذور، وانشعبت من أصلها هذه الفروع، فأصبح بين أقرانه ورفاقه الغصنَ الذي يطول والزهرةَ التي تعد. وبينَّا كيف شغلته قضية "المنهج"، والتي كانت من أهم أسباب خلافه الأول مع الدكتور طه، فقال في كتابه "أباطيل وأسمار" (ص: 19): (زادتني معالجة نقده -أي: طه حسين- يقينًا في أنَّ الغموض إذا أحاط بلفظ "المنهج"، أدَّى إلى خلطٍ كثيرٍ في فهم الآداب، وفي تفسيرها، وفي شرحها، ثم في تصوير أحداث العصر وأفكاره ورجالاته وأحواله، بوجهٍ عام). وقال أيضًا في "أباطيل وأسمار" (ص: 18)، في بيان حال الغموض الذي أحاط بقضية "المنهج" عند لويس عوض، وسيأتي هذا بالتفصيل -إن شاء الله-: (حتى عجبتُ وتخوَّفتُ إذا كانت كلمة "المنهج" لَم تزل محفوفةً بكل هذا القدر العجيب من الغموض والظلمة في عينَي الدكتور لويس عوض أستاذ الأدب الإنجليزي). وبينَّا النَّهْجَ الذي سلكه في قراءةِ الشِّعْرِ وغيره، وأنَّه كان قائمًا على مسألة "التَّذوق"، وأنَّه قد صرَّح بهذا كثيرًا في مقالاته وكتبه، وذكرنا نصوصًا من كلامه، مثل قوله في مُقدِّمته الجديدة على كتابه "المُتنبِّي" (ص: 11، 12): (وبهذا التَّذوق المُتَتابع الذي أَلِفْتُه، صار لِكُلِّ شِعْرٍ عندي مَذاقٌ وطَعْمٌ وشَذًا ورائحةٌ، وصار مَذاقُ الشِّعْرِ الجاهليِّ وطعمُه وشذَاهُ ورائحتُه بيِّنًا عندي، بل صار تَمَيُّزُ بعضٍ مِن بعضٍ دالًّا يَدُلُّنِي على أصحابِه). وبينَّا مدى أهمية كتاب "دلائل الإعجاز" في صناعة خيال محمود شاكر، وبناء فكره في منهج التَّذوق، الذي قرأ به منظومَ الكلامِ ومنثورَه، وبذلك اكتَشفْنا مَاهِيَّةَ الأدواتِ التي استعملها العُقابُ في قراءةِ الشِّعْرِ في سنواتِ العُزْلَة. ومِن ذلك قولُه في مُقدِّمة عملِه على كتابِ "دلائل الإعجاز" (ص: 3): (فمنذُ دهرٍ بعيدٍ، حين شَققتُ طريقيَ إلى تَذَوُّقِ الكلامِ المكتوبِ، منظومِه ومنثورِه، كان مِن أوائلِ الكتبِ التي عكَفتُ على تذَوُّقِهَا كتابُ "دلائل الإعجاز"، لِلشَّيخِ الإمامِ "أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجُرجانيّ"، الأديبِ النَّحْويّ، والفقيهِ الشَّافعيّ...) (انتهى). ومع مرحلةٍ أخرى مِن حياةِ أبي فهر في المقالات القادمة -إن شاء الله-. واللهُ المُوَفِّقُ؛ لا إلهَ غَيْرُه، ولا رَبَّ سِوَاه. |
الساعة الآن : 01:45 AM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2025, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour